النص المفهرس

صفحات 41-60

الآية : ١٣
٤١
سُؤَدَلُ هُرَيْسَ
قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّى﴾ [طه: ٣٩] وجوَّز بعضُهم أن يكون المعنى نحو
ما تقدم على القول السابق.
وقيل: هو منصوبٌ على المصدريَّة، فيكون من باب: ﴿وَزَيَّنَا السَّمَآءَ الدُّنْيَا
بِمَصَنِيِيحَ وَحِفْظًا﴾ [فصلت: ١٢].
وجوِّزَ أن يجعل مفعولاً لأجله، وأن يُجعل عطفاً على ((صبيًّا))، وذلك ظاهرٌ
على تقدير أن يكون المعنى: رحمةً لأبويه وغيرهما، وعلى تقدير أن يكون: وحناناً
من الله تعالى عليه، لا يجيءُ الحال، وباقي الأوجه بحاله. ولا يخفى على المتأمِّل
الحالُ، على ما روي عن ابن زيد.
﴾ أي: بركةً، كما أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس(١). وهو عطفٌ
على المفعول، ومعنى إيتائه البركة - على ما قيل - جعلُه مباركاً نفَّاعاً معلِّماً للخير.
وقيل: الزكاة: الصدقة، والمراد ما يتصدَّقُ به. والعطف على حاله، أي: آتيناه
ما يتصدَّق به على الناس. وهو كما ترى.
وقيل: هي بمعنى الصدقة، والعطف على الحال، والمراد: آتيناه الحكم حال
كونه متصدِّقاً به على أبويه، وروي هذا عن الكلبيِّ وابن السائب. وجُوِّزَ عليه
العطف على ((حناناً)) بتقدير العلِّيَّة. وقيل: العطفُ على المفعول. ومعنى إيتائه
الصدقة عليهما كونُه عليه السلام صدقةً عليهما.
وعن الزّجَّاج: هي الطهارة من الذنوب(٢).
ولا يضرُّ في مقام المدح الإتيانُ بألفاظِ ربَّما يُستغنى ببعضها عن بعض.
﴿وَكَانَ تَقِيًّا ﴾ مطيعاً متجنّاً عن المعاصي. وقد جاء في غير ما حديثٍ أنَّه
عليه السلام ما عمل معصيةً ولا همَّ بها.
وأخرج مالك وأحمد في ((الزهد)) وابنُ المبارك وأبو نعيم عن مجاهد قال: كان
طعامُ يحيى بن زكريا عليهما السلام العشب، وإنَّه كان ليبكي من خشية الله تعالى،
(١) الدر المنثور ٢٦١/٤، وانظر تفسير ابن أبي حاتم ٢٤٠١/٧ (١٣٠٦٤).
(٢) معاني القرآن للزجاج ٣٢٢/٣.

٤٢
الآية: ١٤، ١٥
حتى لو كان القار على عينه لخرقه(١)، وقد كانت الدموع اتخذت مجرى في
وجهه(٢) .
﴿وَبَرّا بِوَالِدَيْهِ﴾ كثير البرِّ بهما والإحسان إليهما؛ والظاهر أنَّه عطف على خبر
«کان)). وقيل: هو من باب:
علفتُها تبنًا وماءً باردا(٣)
والمراد: وجعلناه برًّا. وهو يناسبُ نظيره حكايةً عن عيسى عليه السلام.
وقرأ الحسن وأبو جعفر في رواية وابن نهيك وأبو مجلز: ((وَبِرًّا)) في الموضعين
بكسر الباء، أي: وذا برِّ(٤).
﴿وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا﴾ متكبِّراً متعالياً عن قبول الحق والإذعان له، أو متطاولاً على
الخَلْق. وقيل: الجبّار هو الذي لا يرى لأحدٍ عليه حقًّا.
وعن ابن عباس أنَّه الذي يقتلُ ويضرب على الغضب.
وقال الراغب: هو في صفة الإنسان يقال لمن يَجبرُ نقيصَته بادِّعاء منزلة من
التعالي لا يستحقُها(٥).
﴿عَصِيًا ﴾﴾ مخالفاً أمرَ مولاه عزَّ وجلَّ. وقيل: عاقًّا لأبويه، وهو فعول،
وقيل: فعيل. والمراد المبالغةُ في النفي، لا نفي المبالغة.
﴿وَسَلَمُ عَلَيْهِ﴾ قال الطبريُّ: أمانٌ من الله تعالى عليه (٦) ﴿يَوْمَ وُلِدَ﴾ من أن يناله
الشيطانُ بما ينال به بني آدم ﴿وَيَوْمَ يَمُوتُ﴾ من وحشة فراق الدنيا، وهول المطلع،
(١) في مطبوع ((حلية الأولياء))، وتاريخ دمشق ١٩٨/٦٤-٢٠١: لحرقه. وفي الدر المنثور
٢٦٣/٤: لأحرقه.
(٢) الزهد لابن المبارك (١٧٧ - زوائد نعيم)، والزهد لأحمد ص١١٤، وحلية الأولياء ٣/ ٢٩٠
من طريق مالك عن حميد الأعرج عن مجاهد.
ولم يعزه السيوطي في الدر المنثور لمالك، ولم نقف عليه في الموطأ.
(٣) سلف ٢٩١/٥.
(٤) البحر المحيط ٦/ ١٧٧ .
(٥) المفردات (جبر).
(٦) تفسير الطبري ١٥ / ٤٨١.

الآية : ١٦
٤٣
سُؤَالأُ مَرِيم
وعذاب القبر. وفيه دليلٌ على أنَّه يقال للمقتول: ميت؛ بناءً على أنَّه عليه السلام
قُتل لبغيّ من بغايا بني إسرائيل.
﴿وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيَّا ﴾﴾ من هول القيامة وعذاب النار. وجيء بالحال للتأكيد.
وقيل: للإشارة إلى أنَّ البعث جسمانيٌّ لا روحانيّ، وقيل: للتنبيه على أنه عليه
السلام من الشهداء.
وقال ابنُ عطية (١): الأظهرُ أنَّ المراد بالسلام التحية المتعارفة، والتشريفُ بها
لكونها من الله تعالى في المواطن التي فيها العبد في غاية الضعف والحاجة، وقلة
الحيلة، والفقر إلى الله عزَّ وجلَّ.
وجاء في خبر رواه أحمد في ((الزهد)) وغيره عن الحسن: أنَّ عيسى ويحيى
عليهما السلام التقيا - وهما أبناء الخالة - فقال يحيى لعيسى: ادعُ الله تعالى لي
فأنت خيرٌ مني، فقال له عيسى: بل أنت ادعُ لي فأنت خيرٌ مني، سلَّم الله تعالى
عليك، وإنَّما سلَّمتُ على نفسي(٢) .
وهذه الجملة - كما قال الطيبيّ - عطفٌ من حيث المعنى على ((آتيناه الحكم)) كأنه
قيل: وآتيناه الحكم صبيًّا وكذا وكذا، وسلَّمناه أو سلمنا عليه في تلك المواطن.
فعدل إلى الجملة الاسميَّة؛ لإرادة الدوام والثبوت، وهي كالخاتمة للكلام السابق.
ومن ثم شرع في قصَّة أخرى، وذلك قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرْ فِى الْكِنَبِ﴾ إلخ فهو
كلامٌ مستأنفٌ خوطب به النبيُّ ◌َّهَ، وأُمر عليه الصلاة والسلام بذكر قصة مريم إثر
قصة زكريا عليه السلام؛ لما بينهما من كمال الاشتباك والمناسبة.
والمراد بالكتاب عند بعض المحققين (٣) السورة الكريمة، لا القرآن كما عليه
الكثير؛ إذ هي التي صُدِّرت بقصَّة زكريا عليه السلام المستتبعة لقصتها وقصصٍ
الأنبياء عليهم السلام المذكورين فيها، أي: واذكر للناس فيها ﴿مَرْيَ﴾ أي: نبأها،
فإنَّ الذكر لا يتعلَّق بالأعيان.
(١) في المحرر الوجيز ٨/٤.
(٢) الدر المنثور ٢٦٢/٩، وأخرجه أحمد في الزهد ص٩٦.
(٣) هو أبو السعود، كما في تفسيره ٢٥٩/٥.

سُوالا مريكا
٤٤
الآية : ١٦
وقوله تعالى: ﴿إِذْ أَنتَّبَذَتْ﴾ ظرفٌ لذلك المضاف، لكن لا على أن يكون
المأمورُ به ذكرَ نبئها عند انتباذها فقط، بل كلُّ ما عطف عليه وحكيَ بعده بطريق
الاستئناف داخلٌ في حيِّز الظرف، متمِّمُ للبناء.
وجعله أبو حيَّان ظرفاً لفعل محذوف، أي: واذكر مريم وما جرى لها إذ
انتبذَت(١). وما ذكرناه أولى.
وقيل: هو ظرفٌ لمحذوف وقع حالاً من ذلك المضاف. وقيل: بدل اشتمال
من («مريم»؛ لأنَّ الأحيان مشتملةٌ على ما فيها، وفيه تفخيمٌ لقصتها العجيبة(٢).
وتعقّبه أبو البقاء بأنَّ الزمانَ إذا لم يقع حالاً من الجثة ولا خبراً عنها ولا صفة
لها لم يكن بدلاً منها(٣).
وردًّ بأنه لا يلزم من عدم صحة ما ذُكر عدمُ صحة البدلية، ألا ترى: سُلِبَ زيدٌ
ثوبُه، کیف صحَّ فیه البدلیة، مع عدم صحة ما ذكر في البدل، وکون ذلك حال
الزمان فقط غيرُ بيِّن ولا مبِيَّن.
وقيل: بدل كلٍّ من كلّ، على أنَّ المراد بـ ((مريم) قصَّتها، وبالظرف الواقع فيه.
وفيه بعد.
وقيل: ((إذ)) بمعنى ((أن)) المصدريَّة، كما في قوله: لا أكرمتكَ إذ لم تكرمني،
أي: لأنْ لم تكرمني، أي: لعدم إكرامك لي. وهذا قولٌ ضعيفٌ للنحاة.
والظاهر أنها ظرفيَّة أو تعليلية إن قلنا به، ويتعيَّن على ذلك بدلُ الاشتمال.
والانتباذ: الاعتزال والانفراد، وقال الراغب: يقال: انتبذَ فلانٌ: اعتزلَ
اعتزالَ من تقلُّ(٤) مبالاتُه بنفسه فيما بين الناس. والنبذُ: إلقاءُ الشيء وطرحه لقلّة
الاعتداد به .
(١) البحر المحيط ٦/ ١٩٧.
(٢) هو قول الزمخشري. انظر الكشاف ٢/ ٥٠٤ -٥٠٥ .
(٣) إملاء ما من به الرحمن ١١١/٢ (مصورة دار الكتب العلمية).
(٤) في مطبوع المفردات (نبذ): من لا يقل.

٤٥
الآية : ١٧
وقوله تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِهَا﴾ متعلِّقٌ بـ ((انتبذت))، وقوله سبحانه: ﴿مَكَانًا شَرْقِيًّا
قيل: نصب على الظرف، وقيل: مفعولٌ به لـ ((انتبذت)) باعتبار ما في ضمنه من معنى
الإتيان المترتّب وجوداً واعتباراً على أصل معناه العامل في الجارِّ والمجرور، وهو
السرُّ في تأخيره عنه. واختاره بعضُ المحقّقين(١).
أي: اعتزلت وانفردت من أهلها، وأتت مكاناً شرقيًّا من بيت المقدس، أو من
دارها؛ لتتخلَّى هناك للعبادة.
وقيل: قعدت في مشرقة؛ لتغتسلَ من الحيض، محتجبةً بحائطٍ، أو بجبلٍ على
ما رُوي عن ابن عباس. أو بثوب على ما قيل، وذلك قولُه تعالى: ﴿فَأَتَّخَذَتْ مِن
دُونِهِمْ حِمَابًا﴾ وكونه شرقيًّا كان أمراً اتفاقيًا.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس: أنَّ أهل الكتاب كُتب عليهم الصلاة إلى
البيت، والحجّ إليه، وما صرفهم عنه إلا قِيْلُ ربِّك: ((فانتبذتْ من أهلها مكاناً
شرقيًّا)) فلذلك صلَّوا قِبَل مطلع الشمس.
وفي روايةٍ: إنَّما اتخذت النصارى المشرقَ قبلةً؛ لأنَّ مريم انتبذت من أهلها
مكاناً شرقيًّا(٢). وقد قدَّمنا عن بعضٍ أنَّهم كانوا في زمن عيسى عليه السلام
يستقبلون بيت المقدس، وأنهم ما استقبلوا الشرقَ إلَّا بعد رفعه عليه السلام؛
زاعمين أنَّه ظهر لبعض كبارهم، فأمرَه بذلك.
وجُوَّزَ أن يكون اختاره الله تعالى لها؛ لأنَّه مطلع الأنوار، وقد علم سبحانه أنَّه
حان ظهور النور العيسويّ منها، فناسب أنْ يكون ظهورُ النور المعنوي في جهة
ظهور النور الحسيّ. وهو كما ترى.
وروي أنَّه كان موضعها في المسجد، فإذا حاضت تحوَّلت إلى بيت خالتها،
وإذا طهرت عادت إلى المسجد، فبينما هي في مغتسلها أتاها المَلَكُ عليه السلام
في صورة شابٌّ أمرد، وضيءٍ الوجه، جعد الشعر، وذلك قوله عزَّ وجلَّ: ﴿فَأَرْسَلْنَآ
(١) تفسير أبي السعود ٢٥٩/٥. وعنه نقل المصنف.
(٢) الدر المنثور ٢٦٤/٤_٢٦٥، والأثر في تفسير ابن أبي حاتم ٢٤٠٢/٧ (١٣٠٧٣)،
(١٣٠٧٢).

سُؤَادامرئًا
٤٦
الآية : ١٨
إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ أي: جبرائيل عليه السلام، كما قاله الأكثر. وعبَّر عنه بذلك؛ لأنَّ
الدين يحيا به وبوحيه. فهو مجاز. والإضافةُ للتشريف، كبيت الله تعالى.
وجُوِّز أن يكون ذلك كما تقول لحبيبك: أنت روحي؛ محبةً له وتقريباً. فهو
مجازٌ أيضاً، إلَّا أنَّه مخالفٌ للأول في الوجه، والتشريف عليه في جعله روحاً.
وقال أبو مسلم: المراد من الروح عيسى عليه السلام؛ لقوله تعالى: ﴿وَرُوٌ
مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] وضمير ((تمثَّل)) الآتي للمَلَك. وليس بشيء.
وقرأ أبو حيوة وسهل: ((رَوحنا)) بفتح الراء (١). والمراد به جبريلُ عليه السلام
أيضاً؛ لأنه سببٌ لما فيه روح العباد، وإصابة الروح عند الله تعالى الذي هو عِدة
المقرَّبين في قوله تعالى: ﴿فَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ ﴿٣ فَرَوْعٌ وَرَتِجَانٌ﴾ [الواقعة: ٨٨-٨٩]،
أو لأنه عليه السلام من المقرَّبين وهم الموعودون بالروح، أي: مقرَّبنا أو ذا روحنا .
وذكر النقاش أنه قُرئ: ((روحًّا)) بتشديد النون، اسم مَلَك من الملائكة عليهم
(٢)
السلام(٢).
﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا﴾ مشتق من المثال، وأصلُه: أن يتكلَّف أنْ يكون مثالَ الشيءِ،
والمراد: فتصوَّر لها ﴿بَشَرًا سَوِيًّا ﴾﴾ سويَّ الخلق كامل البنية لم يفقد من حِسان
نعوت الآدميَّة شيئاً .
وقيل: تمثّل في صورة تِرْبٍ(٣) لها اسمه يوسف من خدم بيت المقدس، وذلك
لتستأنس بكلامه وتتلقَّى منه ما يُلقي إليها من كلماته، إذ لو بدا لها على الصورة
الملكيَّة لنفرت منه ولم تستطع مفاوضته، وما قيل من أنَّ ذلك لتهييج شهوتها فتنحدرَ
نطفتُها إلى رحمها، فمع ما فيه من الهجنة التي ينبغي أن تنزَّه مريمُ عنها يكذبه قوله
تعالى: ﴿قَالَتْ إِنَّ أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ﴾ فإنّه شاهد عدل بأنَّه لم يخطر ببالها شائبةُ ميلٍ
ما إليه، فضلاً عن الحالة المترتبة على أقصى مراتب الميل والشهوة.
(١) البحر المحيط ٦/ ١٨٠، وذكرها في الكشاف ٢/ ٥٠٥ ونسبها لأبي حيوة فقط.
(٢) البحر المحيط ٦/ ١٨٠.
(٣) في الأصل و(م): قريب. والمثبت من الكشاف ٢/ ٥٠٥، وتفسير الرازي ١٩٦/٢١، والبحر
المحيط ٦/ ١٨٠، وتفسير أبي السعود ٥/ ٢٦٠. والتِّرْب: اللِّدَة والسِّرُّ، ومن وُلدَ معك،
وهي تربي. القاموس (ترب).

٤٧
الآية : ١٨
نعم كان تمثُّله على ذلك الحسن الفائق والجمال الرائق؛ لأنَّ عادة الملَك إذا
(١).
١)
تمثّل أن يتمثَّل بصورة بشرٍ جميل، كما كان يأتي النبي ◌َّر في صورة دحية
أو لابتلائها وسبر عقَّتها، ولقد ظهر منها من الورع والعفاف ما لا غايةَ وراءه.
وإرادةُ القائل أنَّه وقع كذلك ليكون مظنَّةً لما ذُكر فيظهر خلافُه فيكون أقوى في
نزاهتها = بعيدٌ جدًّا عن كلامه.
وقال بعضُ المتأخرين: إنَّ استعاذتها بالله تعالى تنبئُ عن تهييج شهوتها
وميلانها إليه ميلاً طبيعيًّا، على ما قال تعالى حكايةً عن يوسف عليه السلام: ﴿وَإِلَّا
تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَهِنَ﴾ [يوسف: ٣٣]، فقد قيل: المرادُ بالصبوة فيه: الميلُ
بمقتضى الطبيعة وحكم القوة الشهوية، ثمَّ إنَّه لا ينافي عقَّتها بل يحقِّقها؛ لكونه
طبيعيًّا اضطراريًّا غير داخلٍ تحت التكليف، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾
[يوسف: ٢٤]، ومع هذا قد استعاذ يوسفُ عليه السلام بما حَكى الله تعالى عنه من
قوله تعالى: ﴿قَالَ مَعَاذَ اَللَّهِ إِنَّهُ، رَبِّ أَحْسَنَ مَنْوَاءٌ﴾ [يوسف: ٢٣] فدعوى أنَّ الاستعاذةَ
تكذب التهييجَ والميلَ الطبيعيَّ كذبٌ، والقول بأنَّه يأبى ذلك مقامُ بيان آثار القدرة
الخارقة للعادة ليس بشيء؛ لأنَّ خلق الإنسان من ماءٍ واحد أثرٌ من آثار القدرة
الخارقة للعادة أيضاً. والأسبابُ في هذا المقام ليست بمرفوضةٍ بالكليّة كما يرشد
إلى ذلك قصةُ يحيى عليه السلام، على أنه قد يُدَّعَى أنَّ خلق شيءٍ لا من شيءٍ
أصلاً محالٌ، فلا يكون من مراتب القدرة ومادة الجعل الإبداعيِّ الأعيانُ الثابتة،
وهي قديمةٌ. اهـ
ولا يخلو عن بحث، وما ذكرناه في التعليل أسلمُ من القال والقيل، فتدبّر.
ونصب ((بشراً)) على الحالية المقدَّرة أو التمييز، وقيل: على المفعولية بتضمين
((تَمثَّلَ)) معنى اتخذ.
(١) رؤية النبي ◌ّله لجبريل عليه السلام على صورة دحية أخرجها مسلم (١٦٧) من حديث
جابر ظه. وفيه: ((ورأيت جبريل عليه السلام فإذا أقرب من رأيت به شبهاً دحية))، وأخرج
البخاري (٤٩٨٠) ومسلم (٢٤٥١) خبر رؤية أم سلمة لجبريل عن رسول الله فحسبته دحية.
وانظر ما ذكره ابن حجر في ((الإصابة)) ١٩١/٣ عند ترجمة دحية من الأخبار الدالة على
ذلك.

سؤالا مريكا
٤٨
الآية : ١٨
واستُشكِل أمرُ هذا التمثِّل بأنَّ جبريل عليه السلام شخصٌ عظيم الجثّة
حسبما نطقت به الأخبار(١)، فمتى صار في مقدار جثَّة الإنسان يلزمُ أنْ لا يبقى
جبريل إن تساقطت الأجزاءُ الزائدةُ على جثّة الإنسان، وأن تتداخلَ الأجزاء، إنْ لم
يذهب شيءٌ. وهو محال. وأيضاً لو جاز التمثُّل ارتفعَ الوثوق، وامتنع القطعُ بأن
هذا الشخصَ الذي يُرى الآن هو زيد الذي رُئي أمس؛ لاحتمال التمثُّل.
وأيضاً لو جاز التمثُّل بصورة الإنسان، فلم لا يجوزُ تمثُّله بصورة أخرى غيرِ
صورة الإنسان، ومن ذلك البعوضُ ونحوه، ومعلومٌ أنَّ كلَّ مذهبٍ يَجرُّ إلى ذلك
فهو باطل.
وأيضاً لو جاز ذلك ارتفعَ الوثوقُ بالخبر المتواتر، كخبر مقاتلة النبيِّ عليه
الصلاة والسلام يومَ بدر؛ لجواز أنْ يكون المقاتلُ المتمثلَ به.
وأجيب عن الأول بأنَّه لا يمتنعُ أنْ يكون لجبريل عليه السلام أجزاءٌ أصليَّةٌ
قليلةٌ، وأجزاءٌ فاضلةٌ، فبالأجزاءِ الأصلية يكونُ متمكِّناً من التمثُّل بشراً، هذا عند
القائلين بأنَّه جسم. وأمَّا عند القائلين بأنَّه روحانيٍّ فلا استبعادَ في أن يتدرَّع تارةً
بالهيكل العظيم، وأخرى بالهيكل الصغير.
وعن الثاني: بأنَّه مشتركُ الإلزام بين الكل، فإنَّ من اعترف بالصانع القادر يلزمه
ذلك أيضاً؛ إذ يجوز أن يخلقَ سبحانه مثلَ زيدٍ مثلاً، ومع هذا الجواز يرتفعُ
الوثوق، ويمتنع القطع على طرز ما تقدَّم. وكذا من لم يعترف، وأسندَ الحوادث
إلى الاتصالات والتشكُّلات الفلكيَّة يلزمُه ذلك؛ لجواز حدوث اتِّصالٍ يقتضي
حدوثَ مثل ذلك، وحينئذٍ يمتنعُ القطع أيضاً.
ولعله لمَّا كان مثلُ ذلك نادراً، لم يلزم منه قدحٌ في العلوم العادية المستندة إلى
الإحساس، فلا يلزم الشكُّ في أنَّ زيداً الذي نشاهده الآن هو الذي شاهدناه
بالأمس.
(١) منها ما أخرجه البخاري (٣٢٣٢) ومسلم (١٧٤): (٢٨٠) من حديث أبي إسحاق الشيباني
قال: سألت زِرَّ بن حبيش عن قول الله تعالى: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيِنِ أَوْ أَدْنَ﴾ [النجم: ٨] قال:
حدثنا ابن مسعود أنه - يعني النبي ﴿ - رأى جبريل له ستُّ مئة جناح.

الآية : ١٨
٤٩
سُؤَدُّ مَرَئِنًا
وأجيب عن الثالث بأن أصل التجويز قائمٌ في العقل، وإنَّما عُرِف فسادُه بدلائل
السمع. وهو الجواب عن الرابع. كذا قال الإمام الرازيُّ(١).
وعندي أن مسألة التمثُّل على القول بالجسميّة ممَّا ينبغي تفويضُ الأمر فيها إلى
علام الغيوب، ولا سبيل للعقل إلى الجزم فيها بشيءٍ تنشرحُ له القلوب.
وإنَّما ذَكَرَتْهُ تعالى بعنوان الرحمانيَّة؛ تذكيراً لمن رأته بالرحمة، ليرحمَ ضعفَها
وعجزها عن دفعه، أو مبالغةً للعياذة به تعالى، واستجلاباً لآثار الرحمة الخاصَّة
التي هي العصمةُ ممَّا دهمها.
وما قيل من أنَّ ذلك تذكير(٢) لمن رأت بالجزاء لينزجر، فإنَّه يقال: يا رحمن
الآخرة = ليس بشيءٍ؛ لأنَّه ورد: ((رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما))(٣).
﴿إِن كُنتَ تَقِيًّا ®﴾ شرطٌ جوابه محذوف ثقةً بدلالة السباق(٤) عليه، أي: إن
كان يُرجى منك أن تتقي الله تعالى وتخشاه وتحتفل بالاستعاذة به، فإني عائذٌ (٥) به
منك، كذا قدَّره الزمخشريُّ.
وفي ((الكشف، أنَّه أشار إلى أنَّ وجهَ هذا الشرط مع أنَّ الاستعاذة بالرحمن إن
لم يكن تقيّا أولى = أنَّ أثر الاستجارة بالله تعالى - أعني: مكانَّتُهُ وأمنَها منه - إنَّما يتمُّ
ويظهرُ بالنسبة إلى المثَّقي، وفيه دلالةٌ على أنَّ التقوى ممّا تقتضي للمستعيذ بالله
تعالى حقَّ الذمام والمحافظة، وعلى عظم مكان التقوى، حيثُ جُعِلت شرطاً
للاستعاذة لا تتمُّ دونها، وقال: إن كان يرجى؛ إظهاراً لمعنى ((إن)) وأنَّها إنما أوثرت
دلالةً على أنَّ رجاء التقوى كان فضلاً عن العلم بها .
والحاصلُ أنَّ التقوى لم تُجعل شرط الاستعاذة، بل شرط مكافَّته وأمنِها منه،
وكَنَّت عن ذلك بالاستعاذة بالله تعالى؛ حثًّا له على المكافَّة بألطف وجهٍ وأبلغه،
وإنَّ من تعرَّض للمستعيذِ به، فقد تعرَّض لعظيم سخطُه. انتهى.
(١) في تفسيره ٢١/ ١٩٧ .
(٢) في الأصل: تذكيراً.
(٣) سلف تخريجه ٢٣٣/١.
(٤) كذا في الأصل وتفسير أبي السعود ٥/ ٢٦٠. ووقع في (م): السياق.
(٥) في (م) والكشاف ٥٠٥/٢: عائذة.

سُؤَدَلا مريكى
٥٠
الآية : ١٩
وقدَّر الزجَّاج(١): إن كنت تقيًّا فتتعظَ بتعويذي. والأَولى عليه: تتعظُ، بإسقاط
الفاء؛ لأنَّ المضارِعَ الواقعَ جواباً لا يقترن بالفاء، فيحتاجُ إلى جعله مرفوعاً بتقدير
مبتدأ .
وقدَّر بعضهم: فاذهب عني، وبعضُهم: فلا تتعرض بي. وقيل: إنَّها أرادت:
إنْ كنت تقيًّا متورِّعاً فإنِّي أعوذُ منك، فكيف إذا لم تكن كذلك. وكأنَّه أراد أنها
استعاذت بهذا الشرط ليُعلَم استعاذتُها بما يقابله من باب أولى.
وقال الشهاب: الظاهر أن ((إن)) على هذا القول وصليَّة، وفي مجيئها بدون
الواو كلام. وذكر أنَّ الجملة على هذا حاليَّة، والمقصود بها الالتجاءُ إلى الله تعالى
من شرِّه، لاحتُّه على الانزجار(٢).
وقيل: نافية، والجملة استئنافٌ في موضع التعليل، أي: ما كنتَ تقيًّا متورِّعاً
بحضورك عندي وانفرادك بي، وهو خلافُ الظاهر. وأيًّا ما كان فالتُّقى وصفٌ من
التقوى، وقول من قال: إنَّه اسم رجل صالح أو طالح، ليس بسدید.
﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَاْ رَسُولُ رَيِّكِ﴾ المالك لأمرك، والناظرِ في مصلحتك، الذي
استعذتِ به، ولستُ ممن يتَوقَّع منه ما توقَّمت من الشر.
روي عن ابن عباس أنَّها لما قالت: ((إني أعوذ)» إلخ، تبسّم جبريلُ عليه السلام
وقال: ((إنَّما أنا رسول ربك)) ﴿لِأَهَبَ لَكِ غُلَمًا﴾ أي: لأكون سبباً في هبته بالنفخ
في الدِّرْعِ. ويجوزُ أن يكون حكايةً لقوله تعالى بتقدير القول، أي: ربك الذي قال:
أرسلتُ هذا الملك لأهبَ لك، ويؤيِّده قراءةُ شيبة وأبي الحسن وأبي بحرية
والزهريّ وابن مناذر ويعقوب واليزيديّ وأبي عمرو ونافع في رواية: ((ليهب))
بالياء(٣)، فإنَّ فاعله ضميرُ الربِّ تعالى. وما قيل من أنَّ أصل («ليهب)» لأهب،
فقلبت الهمزةُ ياءً لانكسار ما قبلها = تعسُّفٌ من غير داعٍ له.
(١) في معاني القرآن له ٣٢٣/٣.
(٢) حاشية الشهاب ٦/ ١٥٠.
(٣) البحر المحيط ٦/ ١٨٠. وقراءة أبي عمرو وورش عن نافع، والحلواني عن قالون عن نافع،
ويعقوب في النشر ٣١٧/٢. وانظر التيسير ص١٤٨ .

الآية : ٢٠
٥١
سُودا فرنسا
طاهراً
وفي بعض المصاحف: أمرني أن أهب لك غلاماً (١) ﴿زَكِيًّا ﴾﴾
من الذنوب. وقيل: نبيًّا. وقيل: نامياً على الخير، أي: مترقِّياً من سنٍّ إلى سن
على الخير والصلاح، فالزكاء شاملٌ للزيادة المعنوية والحسية.
واستدلَّ بعضُهم برسالة المَلَك إليها على نبوّتها .
وأجيب: بأنَّ الرسالةَ لمثل ذلك لا تستدعي النبوّة.
﴿قَالَتْ أَنَّ يَكُونُ لِ غُلَمُ وَلَمْ يَمْسَسْنِ بَشَرٌ﴾ أي: والحال أنَّه لم يباشرني بالحلال
رجلٌ، وإنما قيل: ((بشر)) مبالغةً في تنزُّهها من مبادئ الولادة.
﴿وَلَمْ أٌَ بَغِيًّا ﴾﴾ أي: ولم أكن زانيةً، والجملة عطفٌ على ((لم يمسسني))،
داخلٌ معه في حكم الحاليَّة، مفصحٌ عن كون المساس عبارةً عن المباشرة بالحلال،
وهو كنايةٌ عن ذلك، كما في قوله تعالى: ﴿مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، ((أو
لمستم (٢) النساء)) [النساء: ٤٣] ونحوه، كما قيل: دخلتم بهنَّ، وبنى عليها .
وأمَّا الزنى فليس بقمِن أنْ يكنى عنه، لأنَّ مقامه؛ إما تطهيرُ اللسان، فلا كناية
ولا تصريح، وإمَّا التقريعُ، فحينئذٍ يستحقُّ الزيادة على التصريح. والألفاظ التي
يُظَنُّ أنَّها كناية فيه قد شاعت حتى صارت حقيقةً صريحةً فيه، ومنها ما في النظم
الكريم. ولا يردُ على ذلك ما في سورة ((آل عمران)) من قولها: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ﴾
[الآية: ٤٧] مقتصرةً عليه، فإنَّ غاية ما قيل فيه: إنَّه كنايةٌ عن النكاح والزنى على
سبيل التغليب، ولم يجعل كنايةً عن الزنى وحده.
ولقائلٍ أن يقول: إنَّه ثمَّ كنايةٌ عن النكاح فقط كما هنا.
واستَوعبَت الأقسام ها هنا، لأنَّه مقامُ البسط، واقتصرت على نفي النكاح ثمَّ،
لعدم التهمة، ولعلمها أنَّهم ملائكة ينادون، لا يتخيَّلون فيها التهمة، بخلاف هذه
الحالة، فإنَّ جبريل عليه السلام كان قد أتاها في صورة شابٍّ أمرد، ولهذا تعوَّذت
منه، ولم يكن قد سكن رَوعُها بالكليّة إلى أن قال: ((إنَّما أنا رسول ربك)).
(١) القراءات الشاذة ص ٨٤، والبحر ٦/ ١٨٠.
(٢) في (م): لا مستم. وهي قراءة الجمهور. والمثبت من الأصل، وهي قراءة حمزة والكسائي.
انظر التيسير ص٩٦ .

سُودا قرنًا
٥٢
الآية : ٢٠
على أنه قيل: إنَّ ما في ((آل عمران)) من الاكتفاء، وترك الاكتفاء في هذه؛ لأنَّه
تقدَّم نزولُها، فهي محلُّ التفصيل، بخلاف تلك؛ لسبق العلم.
وقيل: المَساس هنا كنايةٌ عن الأمرين على سبيل التغليب، كما في تلك
السورة، ((ولم أك بغيًّا)) تخصيصٌ بعد التعميم؛ لزيادة الاعتناء بتنزيه ساحتها عن
الفحشاء، ولذا آثرت ((كان)) في النفي الثاني، فإنَّ في ذلك إيذاناً بأنَّ انتفاءَ الفجور
لازمٌ لها .
وكأنَّها عليها السلام من فرط تعجّها وغايةٍ استبعادها لم تلتفت إلى الوصف في
قول الملك عليه السلام: ((لأهبَ لك غلاماً زكيًّا)) النافي كلَّ ريبةٍ وتهمةٍ، ونبذته
وراء ظهرها، وأتت بالموصوف وحده، وأخذت في تقرير نفيه على أبلغ وجه، أي:
ما أبعد وجودَ هذا الموصوف مع هذه الموانع بَلْهَ الوصف، وهذا قريبٌ من
الأسلوب الحکیم.
و((بغيّ)) فعول عند المبرِّد، وأصلُه ((بغويّ))، فلمَّا اجتمعت الواو والياء،
وسبقت إحداهما بالسكون، قُلبت الواو ياءً، وأدغمت في الياء، وكسرت الغين
إتباعاً، ولذا لم تلحقه هاءُ التأنيث؛ لأن فعولاً يستوي فيه المذكَّر والمؤنث، وإن
كان بمعنى فاعل كصبور. واعترضَه ابنُ جنِّي في كتاب ((التمام)»(١) بأنَّه لو كان
فعولاً لقيل: بغوٌّ، كما قيل: نهوٌّ عن المنكر. ورُدَّ بأنه لا يقاس على الشاذِّ، وقد
نصُّوا على شذوذ: نهو؛ لمخالفته قاعدةَ اجتماع الواو والياء، وسبق
إحداهما بالسكون. وأختارُ أنَّه فعيل، وهو على ما قال أبو البقاء(٢) بمعنى فاعل.
وكان القياسُ أنْ تلحقَه هاءُ التأنيث؛ لأنَّه حينئذٍ ليس مما يستوي فيه المذكَّر
والمؤنث، كفعول. ووجهُ عدم اللحوق بأنَّه للمبالغة التي فيه حُمِل على فعول؛ فلم
تلحقه الهاء.
وقال بعضهم: هو من باب النسب، کطالق، ومثله يستوي فيه المذكّر والمؤنث.
وقيل: ترك تأنيثه لاختصاصه في الاستعمال بالمؤنَّث، ويقال للرجل: باغ.
(١) لم أقف عليه في كتاب التمام، ونقله عنه الزمخشري في الكشاف ٢/ ٥٠٥ .
(٢) في الإملاء ٢/ ١١.

الآية : ٢١
٥٣
سـ
مُالا مريرا
وقيل: فعيل بمعنى مفعول، كـ : عين كحيل، وعلى هذا معنى بغيّ: يبغيها
الرجالُ للفجور بها. وعلى القول بأنه بمعنى فاعل: فاجرة تبغي الرجال.
وأيًّا ما كان فهو للشيوع في الزانية صار حقيقةً صريحةً فيه، فلا يَرِدُ أنَّ اعتبارَ
المبالغة فيه لا يناسبُ المقام؛ لأنَّ نفيَ الأبلغ لا يستلزمُ نفي أصل الفعل،
ولا يحتاجُ إلى الجواب بالتزام أنَّ ذلك من باب النسب، أو بأنَّ المرادَ نفيُ القيد
والمقيَّد معاً، أو المبالغة في النفي لا نفي المبالغة.
﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبِّكٍ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ﴾ أطلقوا الكلام في أنه نظيرُ ما تقدَّم في
قصة زكريا عليه السلام. وفي ((الكشف)) أنه لا يجري فيه تمامُ الأوجه التي ذكرها
الزمخشريّ هناك؛ لأنَّ ((قال)) أولاً فيه ضميرُ الرسول إليها، فـ ((كذلك)) إن مُلِّق
بالثاني يكون المعنى: قال الرسول: قال ربك كذلك. ثمَّ فسَّره بقوله: ((هو عليَّ
هیِّن)).
أو المعنى: مثلُ ذلك القول العجيب الذي سمعته ووعدتك قال ربك، على
إقحام الكاف، ثمَّ استأنف: ((هو عليَّ هيِّن)) ولا بدَّ من إضمار القول، لأنَّ
المخاطِبَ لها جبريلُ عليه السلام.
وقوله: ((هو عليَّ هيِّن)) كلامُ الحقِّ تعالى شأنه حكاه لها .
وإن عُلِّق بالأول يكون المعنى: الأمرُ كذلك تصديقاً لها. أو: كما وعدتُ
تحقيقاً له. ثم استأنف: ((قال ربك هو عليَّ هين)) لإزالة الاستبعاد، أو لتقرير
التحقيق. ولا يبعدُ أن يجعل ((قال ربك)) على هذا تفسيراً، و((كذلك)) مبهماً. انتهى.
ولا أرى ما نُقل عن ابن المنيِّر هناك وجهاً هنا.
﴿وَلِنَجْعَلَهُ: ءَايَةٌ﴾ تعليلٌ لمعلَّلٍ محذوف، أي: لنجعل وهب الغلام ((آية))
وبرهاناً ﴿لِلنَّاسِ﴾ جميعِهم، أو المؤمنين - على ما روي عن ابن عباس - يستدلّون به
على كمال قدرتنا ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ عظيمةً كائنةً ﴿مِّنَا﴾ عليهم يهتدون بهدايته،
ویسترشدون بإرشاده = فعلنا ذلك.
وجُوِّزَ أنْ يكون معطوفاً على علَّةِ أخرى مضمرةٍ، أي: لنبيِّن به عظمَ قدرتنا
((ولنجعله آيةً)) إلخ.

سُودة قرنًا
٥٤
الآية : ٢٢
قال في ((الكشف)): إنَّ مِثل هذا يطَّرد فيه الوجهان، ويرجَّح كلُّ واحدٍ بحسب
المقام، وحذفُ المعلِّل هنا أرجح؛ إذ لو فُرِض علَّةٌ أخرى لم يكن بدٌّ من معلَّل
محذوفٍ أيضاً، فليس قبلُ ما يصلح، فهو تطويلٌ للمسافة.
وهذه الجملة - أعني العلَّة مع معلَّلها - معطوفةٌ على قوله: ((هو عليَّ هيِّن)).
وفي إيثار الأولى اسميَّةً دالَّة على لزوم الهُوْن، مزيلةً للاستبعاد، والثانية فعليةً دالَّةً
على أنَّه تعالى أنشأه لكونه آيةً ورحمةً خاصةً، لا لأمرٍ آخر ينافيه، مراداً بها
التجدُّد؛ لتجدُّد الوجود؛ لينتقل من الاستبعاد إلى الاستحماد = مالا يَخفى من
الفخامة. انتهى.
ولا يَرِدُ أنَّه إذا قُدِّر علَّة، نحو: لنبين، جاز أن يكون ذلك متعلِّقاً بما يدلُّ عليه
(هو عليَّ هين)) من غير حذف شيءٍ، فلا يصحُّ قولُه: لم يكن بدٌّ من مُعَلَّلٍ
محذوفٍ. لظهور ما فيه.
وما ذكره من العطف خالف فيه بعضُهم فجعلَ الواو على الأول اعتراضية.
ومن الناس من قال: إن (لنجعلَه)) على قراءة: ((ليهب)) عطفٌ عليه على طريقة
الالتفات من الغيبة إلى التكَلُّم.
وجوز أيضاً العطفُ على ((لأهب)) على قراءةٍ أكثر السبعة. ولا يخفى بُعد هذا
العطف على القراءتين.
﴿وَكَانَ﴾ ذلك ﴿أَمْرًا مَقْضِيًّا ﴾﴾ محكماً قد تعلَّق به قضاؤنا الأزليُّ، أو قُدِّر
وسُطّر في اللوح لابدَّ لك منه، أو كان أمراً حقيقاً بمقتضى الحكمة والتفضُّل أنْ
يُفعل؛ لتضمُّنه حِكماً بالغةً؛ وهذه الجملة تذييلٌ إما لمجموع الكلام أو للأخير.
﴿فَحَمَلَتْهُ﴾ الفاء فصيحة، أي: فاطمأنّت إلى قوله، فدنا منها فنفخَ في جيبها،
فدخلت النفخةُ في جوفها فحملته. وروي هذا عن ابن عباس.
وقيل: لم يَدْنُ عليه السلام، بل نفخَ عن بُعْدٍ، فوصل الريح إليها فحملت.
وقيل: إنَّ النفخةَ كانت في كمِّها، وروي ذلك عن ابن جريج.
وقيل: كانت في ذيلها. وقيل: كانت في فمها .

٥٥
الآية : ٢٢
واختلفوا في سنّها إذ ذاك، فقيل: ثلاث عشرة سنة. (١ وعن وهب ومجاهد:
خمس عشرة سنة١). وقيل: أربع عشرة سنة. وقيل: اثنتا عشرة سنة. وقيل: عشر
سنين، وقد كانت حاضت حيضتين قبل أن تحمل. وحكى محمد بن الهيصم (٢)
رئيس الهيصميَّة من الكرَّاميَّة أنها لم تكن حاضت بعد. وقيل: إنَّها عليها السلام لم
تکن تحيضُ أصلاً، بل كانت مطهّرة من الحيض.
وكذا اختلفوا في مدَّة حملها، ففي روايةٍ عن ابن عباس أنَّها تسعة أشهر كما في
سائر النساء، وهو المرويُّ عن الباقر ◌َّه؛ لأنها لو كانت مخالفةً لهنَّ في هذه العادة
لناسب ذكرها في أثناء هذه القصة الغريبة. وفي روايةٍ أخرى عنه أنَّها كانت ساعةً
واحدة، كما حملته نبذته. واستدلَّ لذلك بالتعقيب الآتي، وبأنَّه سبحانه قال في
وصفه: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَّمٌّ خَلَفَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ, كُنْ فَيَكُونُ﴾
[آل عمران: ٥٩]، فإنَّه ظاهرٌ في أنَّه عزَّ وجلَّ قال له: ((كن فيكون)) فلا يُتصوَّرُ فيه مدَّة
الحمل.
وعن عطاء وأبي العالية والضحَّاك أنَّها كانت سبعة أشهر. وقيل: كانت ستة
أشهر، وقيل: حملته في ساعةٍ، وصوِّرَ في ساعة، ووضعته في ساعةٍ حين زالت
الشمس من يومها. والمشهور أنَّها كانت ثمانية أشهر (٣)، قيل: ولم يعش مولودٌ
وُضِع لثمانيةٍ غيرُه عليه السلام.
ونقل النيسابوريُّ عن أهل التنجيم أنَّ ذلك لأنَّ الحملَ يعودُ إلى تربية القمر،
فتستولي عليه البرودة والرطوبة(٤). وهو ظاهرٌ في أنَّ مربيَ الحمل في أول شهور
الحمل القمرُ، وفي الثامن يعود الأمر إليه عند المنجِّمين، وهو مخالفٌ لما في
(١-١) ليست في الأصل.
(٢) هو أبو عبد الله، شيخ الكرَّامية وعالمهم في وقته بخراسان، وهو من المتوفين بعد
الأربع مئة ظنًّا. قال الذهبي: وليس للكرَّامية مثله في معرفة الكلام والنظر. تاريخ
الإسلام ٩/ ١٧١ - ١٧٢.
وعدَّ الشهرستاني في الملل والنحل ١٠٨/١ الهيصمية أقرب طوائف الكرَّامية.
(٣) قال أبو حيان في البحر ١٨١/٦ بعد أن ذكر هذا الاختلاف: وهذه أقوالٌ مضطربة متناقضة،
كان ينبغي أن يضرب عنها صفحاً، إلا أن المفسرين ذكروها في كتبهم، وسوَّدوا بها الورق.
(٤) غرائب القرآن ٤٨/١٦.

سُوَالأُ مَرَنِسَا
٥٦
الآية : ٢٢
(كفاية التعليم))(١) عنهم من أنَّ أول الشهور منسوبٌ إلى زحل، والثاني إلى
المشتري، وهكذا إلى السابع، وهو منسوبٌ إلى القمر، ثم ترجعُ النسبة إلى زحل،
ثمَّ إلى المشتري. وفيها أيضاً أنَّ جهَّال المنجّمين يقولون: إنَّ النطفة في الشهر
الأول تقبلُ البرودة من زحل فتجمد، وفي الثاني تقبلُ القوَّة النامية من المشتري،
فتأخذ في النمو، وفي الثالث تقبلُ القوَّة الغضبيّة من المريخ، وفي الرابع قوَّة الحياة
من الشمس، وفي الخامس قوَّة الشهوة من الزهرة، وفي السادس قوة النطق من
عطارد، وفي السابع قوة الحركة من القمر، فتتمُّ خلقة الجنين، فإنْ ولد في ذلك
الوقت عاش، وإلّا فإن ولد في الثامن لم يعش؛ لقبوله قوَّة الموت من زحل، وإنْ
ولد في التاسع عاش؛ لأنَّه قبل قوة المشتري.
ومثل تلك الكلمات خرافات، وكلُّ امرأةٍ تعرفُ أن النطفة إذا مضت عليها
ثلاثةُ أشهر تتحرك.
وقد ذكر حكماء الطبيعة أنَّ أقلَّ مدَّة الولادة ستة أشهر، ومدة الحركة ثُلث مدة
الولادة، فيكون أقلَّها شهرين، ومن امتحن الأسقاط، يعلمُ أنَّ الخلقة تتمُّ في أقل
من خمسين يوماً. انتهى.
وكلام المتشرعين لا يخفى عليك في هذا الباب.
وقد يعيش المولود لثمانٍ، إلّا أنَّه قليل، فليس ذلك من خواصِّه عليه السلام إن
صحّ.
ولم يصح عندي شيءٌ من هذه الأقوال المضطربة المتناقضة، بيد أنّ أميلُ إلى
أوَّلها، والاستدلال للثاني ممَّا سمعت لا يخلو عن نظر.
﴿فَانتََّذَتْ بِهِ﴾ أي: فاعتزلت وهو في بطنها، فالباء للملابسة والمصاحبة،
مثلُها في قوله تعالى: ﴿تَنَّبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] وقول المتنبي يصفُ الخيول:
فمرَّت غير نافرةٍ عليهم تدوسُ بنا الجماجم والرؤوسا(٢)
(١) لعله ((كفاية التعليم في صناعة التنجيم)) فارسي، للإمام ظهير الدين أبي المحامد، محمد بن
المسعود بن الزكي الغزنوي. كشف الظنون ١٤٩٧/٢ .
(٢) ديوان المتنبي ٢٦٥/١، وفيه وفي الكشاف ٥٠٦/٢، وتفسير البيضاوي ٥/٤، والبحر

الآية : ٢٢
٥٧
سُؤَآ مَرِنًا
والجارُّ والمجرور ظرفٌ مستقرٌّ وقع حالاً من ضميرها المستتر، أي: فانتبذَت
ملتبسةً به ﴿مَكَنًا قَصِيًّا (٣)﴾ بعيداً من أهلها وراءَ الجبل.
وأخرج عبد الله بن أحمد في ((زوائد الزُّهدِ)) عن نوف أنَّ جبريل عليه السلام
نفخَ في جيبها فحملت، حتى إذا أثقلت وَجِعَت ما يجع النساء، وكانت في بيت
النبوّة، فاستحيت وهربت حياءً من قومها، فأخذت نحو المشرق، وخرجَ قومها في
طلبها، فجعلوا يسألون: رأيتم فتاةً كذا وكذا، فلا يخبرهم أحدٌ، فكان ما أخبر الله
تعالی به(١).
وروى الثعلبيُّ في ((العرائس))(٢) عن وهب قال: إنَّ مريمَ لما حملت كان معها
ابنُ عمٍّ لها يسمَّى: يوسف النجار، وكانا منطلقين إلى المسجد الذي عند جبل
صهيون، وكانا معاً يخدمان ذلك المسجد، ولا يُعلَم أنَّ أحداً من أهل زمانهما أشدُّ
اجتهاداً وعبادةً منهما، وأوَّلُ من عَلِمَ أمرَها يوسف، فتحيَّر في ذلك؛ لعلمه بكمال
صلاحها وعفَّتها، وأنَّه لم تغب عنه ساعةً، فقال لها: قد وقع في نفسي شيءٌ من
أمرك لم أستطع كتمانه، وقد رأيتُ الكلام فيه أَشْفَى لصدري، فقالت: قل قولاً
جميلاً. فقال: يا مريم أخبريني هل ينبتُ زرعٌ بغير بذر؟ وهل تنبتُ شجرةٌ من غير
غيث؟ وهل يكون ولدٌ من غير ذَكَر؟ فقالت: نعم، ألم تعلم أنَّ الله تعالى أنبتَ
الزرع يومَ خلقه من غير بذر؟ ألم تعلم أنَّ الله تعالى أنبت الشجرةَ من غير غيث؟
وبالقدرة جعل الغيثَ حياة الشجر بعد ما خلق كلَّ واحدٍ منهما على حدة؟ أتقول:
إِنَّ الله سبحانه لا يقدرُ على أنَّ ينبتَ الشجرة حتى يستعينَ بالماء؟ قال: لا أقول
هذا، ولكنِّي أقولُ: إنَّ الله تعالى يقدرُ على ما يشاء بقول: كن فيكون، فقالت: ألم
تعلم أنَّ الله تعالى خلق آدم وامرأته من غير ذكرٍ ولا أنثى؟ فعند ذلك زال ما يجدُه
وكان ينوبُ عنها في خدمة المسجد؛ لاستيلاء الضعف عليها بسبب الحمل وضيق
القلب، فلمَّا دنا نفاسها أوحى الله تعالى إليها أن اخرجي من أرض قومك؛ لئلا
= المحيط ١٨١/٦، والدر المصون ٥٧٩/٧، وتفسير أبي السعود ٢٦١/٥: والتريبا، بدل:
والرؤوسا .
(١) الدر المنثور ٢٦٦/٤.
(٢) عرائس المجالس ص٣٨٤-٣٨٥.

سؤال قريبًا
٥٨
الآية : ٢٣
يقتلوا ولدك، فاحتملَها يوسف إلى أرض مصر على حمارٍ له، فلما بلغت تلك
البلاد أدركَها النفاس(١)، فكان ما قصَّ سبحانه.
وقيل: انتبذت أقصى الدار، وهو الأنسبُ بقِصَر مدَّة الحمل.
﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ﴾ أي: ألجأها، كما قال الزمخشريُّ(٢) وجماعة، وفي
((الصحاح)): أَجَأْتُه إلى كذا، بمعنى ألجأته واضطررته إليه. قال زهير بن
أبي سلمی:
أجاءته المخافةُ والرجاءُ
وجارٍ سارَ معتمداً عليكم (٣)
قال الفرَّاء: أصله من جئت، وقد جعلته العربُ إلجاءً، وفي المثل: شرُّ
ما يجيئك إلى مُخَّةٍ عرقوب(٤). انتهى.
واختار أبو حيان أنَّ المعنى: جاء بها. واعترضَ على الزمخشريِّ وأطالَ(٥)
بما لا یخفی ردُّه(٦).
:
و((المخاض)) بفتح الميم، كما في قراءة الأكثرين، وبكسرها كما في رواية عن
ابن كثير (٧)، مصدرُ مَخِضَتِ المرأةُ بفتح الخاء وكسرها، إذا أخذَها الطلقُ، وتحرّك
الولدُ في بطنها للخروج.
وقرأ الأعمشُ وطلحة: ((فأجاءها)) بإمالة فتحة الجيم(٨)، وقرأ حماد بن سلمة
(١) جاء في هامش الأصل ما نصه: قيل: إنها نفست بكورة أهباس من أعمال مصر. اهـ. منه.
(٢) الكشاف ٥٠٦/٢.
(٣) كذا في النسخ. وفي ديوان زهير ص٧٧: إلينا، وفي الصحاح (جيأ): إليكم. وهي رواية
الأعلم کما ذکر محقق دیوان زهير.
(٤) معاني القرآن للفراء ١٦٤/٢. وانظر مجمع الأمثال ٣٥٨/١. قال الميداني: والمعنى:
ما ألجأك إليها إلا شرٌّ، أي: فقر وفاقة، وذلك أن العرقوب لا مخَّ له، وإنما يحوَج إليه من
لا يقدر على شيء.
(٥) بعدها في (م): القول.
(٦) البحر المحيط ١٨١/٦ - ١٨٢.
(٧) القراءات الشاذة ص٨٤، والبحر المحيط٦/ ١٨٢. والقراءة المتواترة عنه كقراءة الجمهور.
(٨) البحر المحيط ٦/ ١٨٢.

الآية : ٢٣
٥٩
سُوَلاَ مُرَيْنَا
عن عاصم: ((فاجأها)) من المفاجأة(١)، ورُوي ذلك عن مجاهد(٢)، ونقلَهُ ابنُ عطية
عن شبيل بن عزرة أيضاً(٣)، وقال صاحب ((اللوامح)): إنَّ قراءته تحتملُ أنْ تكون
الهمزةُ فيها قد قلبت ألفاً، ويحتملُ أن تكون بين بين غيرَ مقلوبة.
﴿ إِلَى حِذْعُ النَّخْلَةِ﴾ لتستند إليه عند الولادة، كما روي عن ابن عباس ومجاهد
وقتادة والسُّدِّيّ: أو لذلك ولتستر به، كما قيل.
والجِذع: ما بين العِرْق ومتشعّب الأغصان من الشجرة. وقد يقال للغصن
أيضاً: جذع. والنخلة معروفة. والتعريفُ إمَّا للجنس، فالمراد واحدةٌ من النخل
لا على التعيين، أو للعهد، فالمراد نخلةٌ معيَّنةٌ، ويكفي لتعيُّنها تعيُّنها في
نفسها، وإنْ لم يعلمها المخاطَبُ بالقرآن عليه الصلاة والسلام، كما إذا قلت:
أكلَ السلطانُ ما أتى به الطباخُ، أي: طباخه، فإنَّه المعهود. وقد يقال إنَّها
معيَّنَةٌ له وَلِّ بأنْ يكون الله تعالى أراها له عليه الصلاة والسلام ليلةَ المعراج.
وزعم بعضُهم أنَّها موجودةٌ إلى اليوم. والظاهر أنَّها كانت موجودةً قبل مجيء
مريم إليها، وهو الذي تدلُّ عليه الآثار، فعن ابن عباسٍ ﴾ًا أنَّها عليها السلام لمَّا
اشتدَّ عليها الطلق نظرت إلى أكمةٍ، فَصَعِدَت مسرعةً، فإذا عليها جِذع نخلةٍ نخِرَة،
ليس عليها سَعَف.
وقيل: إنَّ الله تعالى خلقها لها يومئذ. وليس بذاك. وكان الوقتُ شتاءً.
ولعلَّ الله تعالى أرشدَها إليها ليريها فيما هو أشبهُ الأشجار بالإنسان من آياته
ما يسكِّن روعتها، كإثمارها بدون رأس، وفي وقت الشتاء الذي لم يعهد ذلك فيه،
ومن غير لقاح كما هو المعتاد. وفي ذلك إشارةٌ أيضاً إلى أنَّ أصلها ثابتٌ، وفرعها
في السماء، وإلى أنَّ ولدها نافعٌ كالتمرة الحلواء(٤) وأنه عليه السلام سيحيي
(١) القراءات الشاذة ص٨٤، والبحر المحيط ٦/ ٠١٨٢
(٢) المحتسب ٣٩/٢.
(٣) المحرر الوجيز ١٠/٤. وقال ابن جني في المحتسب ٣٩/٢: قراءة شبيل بن عزرة ((فاجأها))
مثل فألجأها.
(٤) في الأصل: الحلو.

سُولَا مَآئِنًا
٦٠
الآية : ٢٣
الأمواتَ كما أحيى الله تعالى بسببه الموات، مع ما في ذلك من اللطف بجعل
ثمرتها خُرسة(١) لها .
والجارُّ والمجرور متعلَّقٌ بـ ((أجاءها))، وعلى القراءة الأخرى متعلّقٌ بمحذوفٍ
وقع حالاً، أي: مستندةً إلى جذع النخلة.
﴿قَالَتْ يَلَيْتَنِ مِثُ﴾ بكسر الميم من مات يَمات، كخاف يخاف، أو من مات
يميت كجاء يجيء.
قرأ ابنُ كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر ويعقوب بضمِّها(٢)، من مات
یموتُ، کقال يقول.
﴿قَبْلَ هَذَا﴾ الوقتِ الذي لقيتُ فيه ما لقيت، أو قبلَ هذا الأمر. وإنما قالته
عليها السلام، مع أنها كانت تعلم ما جرى بينها وبين جبريل عليه السلام من الوعد
الكريم؛ استحياءً من الناس، وخوفاً من لائمتهم، أو حذراً من وقوع الناس في
المعصية بما يتكلَّمون فيها.
وروي أنها سمعت نداءً: اخرج يا مَنْ يُعبَدُ من دون الله تعالى. فحزنت لذلك،
وتمنَّت الموت. وتمنِّي الموت لنحو ذلك مما لا كراهةَ فيه.
نعم يُكره تمنِِّه لضررٍ نزلَ به من مرضٍ، أو فاقةٍ، أو محنة من عدوٍّ، أو نحوٍ
ذلك من مشاقِّ الدنيا، ففي ((صحيح مسلم)) وغيره قال ◌َّهِ: ((لا يتمنينَ أحدُكم
الموتَ لضَرَرٍ نزل، فإن كان لا بدَّ متمنّاً، فليقل: اللهمَّ أحيني ما كانت الحياةُ خيراً
لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي))(٣).
ومن ظنَّ أنَّ تمنِّيها عليها السلام ذلك كان لشدَّة الوجع، فقد أساء الظنَّ،
والعياذُ بالله تعالى.
(١) الخرسة: بخاء معجمة مضمومة، وراء مهملة ساكنة، وسين مهملة: ما تأكله النفساء. حاشية
الشهاب ٦ / ١٥٢.
(٢) التيسير ص٩١، والنشر ٢٤٢/٢-٢٤٣.
(٣) صحيح مسلم (٢٦٨٠) من حديث أنس بن مالك. وهو أيضاً عند البخاري (٦٣٥١).