النص المفهرس
صفحات 21-40
الآية : ٦ ٢١ فهب لي وليًّا من آل يعقوب يرثني النبوّة إن متُّ قبلَه، وأرتُه مالَه إنْ ماتَ قبلي. وفيه ما ستعلمه إن شاء الله تعالى قريباً. ونُقل عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه وجماعة أنَّهم قرؤوا: ((يرثني وارثٌ)) برفع وارث بزنة فاعل، على أنَّه فاعل يرثني على طريقة التجريد، كما قال أبو الفتح(١) وغيره، أي: يرثني وليٍّ من ذلك الوليِّ أو به، فقد جرَّد من الوليِّ وليًّا، كما تقول: رأيتُ منه أو به أسداً. وعن الجحدري أنه قرأ: ((وارث)) بإمالة الواو(٢). وقرأ مجاهد: (أُوَيْرِث)) تصغير وارث(٣). وأصله: وويرث، بواوين؛ الأولى فاءُ الكلمة الأصلية، والثانية بدلُ ألف فاعل؛ لأنَّها تقلبُ واواً في التصغير، كضويرب، ولما وقعت الواو مضمومةً قبل أخرى في أوله قلبت همزةً، كما تقرّر في التصريف، ونُقِل عنه (٤) أنه قال: التصغير لصغره، فإنَّه عليه السلام لمَّا طلبه في كبره عَلم ولو حَدْساً أنَّه يرثه في صغر سِنِّه، وقيل: للمدحِ. وليس بذاك. هذا واستدلَّ الشيعةُ بالآية على أنَّ الأنبياء عليهم السلام تُورَث عنهم أموالُهم؛ لأن الوراثةَ حقيقةٌ في وراثة المال، ولا داعي إلى الصرف عن الحقيقة، وقد ذكر الجلال السيوطيّ في ((الدر المنثور)) عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وأبي صالح أنَّهم قالوا في الآية: يرثني مالي (٥) . وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن، أنه وَ * قال في الآية: ((يرحمُ الله تعالى أخي زكريا، ما كان عليه من ورثه))؟(٦) وفي رواية: «ما كان عليه ممن يرثُ مالَه))؟. (١) في المحتسب ٣٨/٢. (٢) القراءات الشاذة ص ٨٣، والبحر المحيط ١٧٤/٦ . (٣) الكشاف ٢/ ٥٠٣، والبحر المحيط ١٧٤/٦. وزاد الزمخشري نسبتها إلى الجحدري. والذي سينقله المصنف قريباً في تفسير هذه القراءة من كلامه. انظر حاشية الخفاجي ١٤٦/٦ . (٤) أي: عن الجحدري، كما سلف في التعليق السابق. (٥) في الدر المنثور ٢٥٩/٤ عن ابن عباس فقط. (٦) تفسير عبد الرزاق ٣/٢، وتفسير الطبري ٤٦٠/١٥، وتفسير ابن أبي حاتم ٢٣٩٧/٧ (١٣٠٣٧). سُوَادَةُ مَرِيرَا ٢٢ الآية : ٦ وقال بعضهم: إنَّ الوراثةَ ظاهرةٌ في ذلك، ولا يجوز هاهنا حملُها على وراثة النبوة؛ لئلا يلغو قوله: ((واجعله ربِّ رضيًّا))، ولا على وراثة العلم؛ لأنَّه كسبيٍّ، والموروثُ حاصلٌ بلا كسب. ومذهب أهل السنة أنَّ الأنبياءَ عليه السلام لا يرثون مالاً ولا يورِّثون؛ لما صحَّ عندهم من الأخبار(١). وقد جاء ذلك أيضاً من طريق الشيعة، فقد روى الكليني في ((الكافي)) عن أبي البختري عن أبي عبد الله جعفر الصادق له أنَّه قال: إنَّ العلماءَ ورثة الأنبياء، وذلك أنَّ الأنبياءَ لم يورِّثوا درهماً ولا ديناراً، وإنَّما ورَّثوا أحاديث من أحاديثهم، فمن أخذ بشيءٍ منها فقد أخذ بحظ وافر. وكلمة ((إنَّما)) مفيدةٌ للحصر قطعاً باعتراف الشيعة، والوراثة في الآية محمولةٌ على ما سمعت، ولا نسلِّم كونَها حقيقةً لغويَّة في وراثة المال، بل هي حقيقةٌ فيما يعمُّ وراثةَ العلم والمنصب والمال، وإنَّما صارت لغلبة الاستعمال في عرف الفقهاء مختصَّةً بالمال، كالمنقولات العرفيَّة، ولو سلَّمنا أنَّها مجاز في ذلك، فهو مجازٌ متعارفٌ مشهورٌ، خصوصاً في استعمال القرآن المجيد، بحيث يساوي الحقيقة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: ٣٢]، وقوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِنَبَ﴾ [الأعراف: ١٦٩]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْرِئُوا الْكِنَبَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الشورى: ١٤]، وقوله تعالى: ﴿إِنَ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [الأعراف: ١٢٨] ﴿وَإِلَّهِ مِيَاثُ السَمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٨٠]. قولهم(٢): لا داعي إلى الصرف عن الحقيقة، قلنا: الداعي متحقِّقٌ، وهي صيانةُ قول المعصوم عن الكذب، ودون تأويله خرط القتاد، والآثار الدالّة على أنَّهم يورِّثون المال لا يعوَّل عليها عند النقاد. وزعم البعضُ أنَّه لا يجوزُ حملُ الوراثة هنا على وراثة النبوّة؛ لئلا يلغو قوله: ((اجعله رب رضيًّا)» قد قدَّمنا ما يُعلم منه ما فيه. وَزْعمُ أنَّ كسبيةَ الشيء تمنعُ من كونه موروثاً، ليسَ بشيءٍ، فقد تعلَّقت الوراثةُ (١) منها ما أخرجه البخاري (٦٧٢٥) و(٦٧٢٦) و(٦٧٢٧) عن عائشة ﴿يّا أن النبي وَّ قال: ((لا نورث ما تركنا صدقة)). (٢) أي: قول الشيعة، وسلف قريباً في الصفحة السابقة. الآية : ٧ ٢٣ سُوالا مريم بما ليس بكسبيٍّ في كلام الصادق، ومن ذلك أيضاً ما رواه الكليني في ((الكافي)) عن أبي عبد الله ﴿به قال: إن سليمانَ ورثَ داود، وإنَّ محمداً وَلِّ ورث سليمان. فإنَّ وراثة النبيِّ ◌َ ﴿ سليمانَ عليه السلام لا يتصوَّر أنْ تكونَ وراثةَ غيرِ العلم والنبوَّة ونحوهما. ومما يؤيِّد حملَ الوراثة هنا على وراثة العلم ونحوه دون المال؛ أنَّه ليس في الأنظار العالية والهمم العلياء للنفوس القدسية التي انقطعت من تعلُّقات هذا العالم المتغير الفاني، واتصلت بالعالم الباقي ميلٌ للمتاع الدنيويِّ قدرَ جناح بعوضة، لا سيَّما جنابُ زكريا عليه السلام، فإنَّه كان مشهوراً بكمال الانقطاع والتجرُّد، فيستحيلُ عادةً أن يخاف من وراثة المال والمتاع الذي ليس له في نظره العالي أدنى قدرٍ، أو يُظهِر من أجله الكَلَفَ والحزنَ والخوفَ، ويستدعي من حضرة الحق سبحانه وتعالى ذلك النحو من الاستدعاء، وهو يدلُّ على كمال المحبة وتعلُّق القلب بالدنيا . وقالت الشيعة: إنَّه عليه السلام خاف أن يَصرف بنو عمِّه مالَه بعد موته فيما لا ينبغي، فطلب له الوارث المرضيَّ لذلك. وفيه أنَّ ذلك مما لا يخافُ منه؛ إذ الرجل إذا مات وانتقلَ مالُه بالوراثة إلى آخر صارَ المال مال ذلك الآخر، فصرفُه على ذمَّته؛ صواباً أو خطاً، ولا مؤاخذةَ على الميت من ذلك الصرف، بل لا عتاب أيضاً، مع أنَّ دفع هذا الخوف كان ميسَّراً له عليه السلام بأنْ يصرفه قبل موته، ويتصدَّق به كلِّه في سبيل الله تعالى، ويتركَ بني عمِّه الأشرار خائبين؛ لسوء أحوالهم وقبح أفعالهم، وللأنبياء عليهم السلام عند الشيعة خبرٌ بزمن موتهم وتخييرٌ فيه، فما كان له خوفُ موت الفجأة أيضاً؛ فليس قصدُه عليه السلام من مسألة الولد سوى إجراء أحكام الله تعالى، وترويج الشريعة، وبقاء النبوّة في أولاده، فإنَّ ذلك موجبٌ لتضاعف الأجر إلى حيث شاء الله تعالى من الدهر، ومَنْ أنصفَ لم يتوقَّف في قبول ذلك، والله تعالى الهادي إلى أقوم المسالك. ﴿يَزَكَرِيَّ﴾ على إرادة القول، أي: قيل له، أو قال الله تعالى: يا زكريا ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَمٍ أَسْمُهُ, يَحْيَى﴾ لكن لا بأن يخاطبه سبحانه وتعالى بذلك بالذات، بل سُودا قرنًا ٢٤ الآية : ٧ بواسطة المَلَك كما يدلُّ عليه آيةٌ أخرى(١) على أن يحكي عليه السلام العبارةَ عنه عزَّ وجلَّ على نهج قوله تعالى: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ الآية [الزمر : ٥٣]. وهذا جوابٌ لندائه عليه السلام، ووعدٌ بإجابة دعائه، كما يفهمه التعبيرُ بالبشارة دون الإعطاء أو نحوه. وما في الوعد من التراخي لا ينافي التعقيب في قوله تعالى: ﴿فَأَسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ الآية [٩٠ من سورة الأنبياء]؛ لأنَّه تعقيبٌ عرفيٍّ، كما في: تزوَّج فولد له ولد (٢)، ولأن المراد بالاستجابة الوعدُ أيضاً؛ لأنَّ وعدَ الكريم نقدٌ. والمشهور أنَّ هذا القولَ كان إثر الدعاء، ولم يكن بين البشارة والولادة إلا أشهر. وقيل: إنَّه رُزِق الولد بعد أربعين سنةً من دعائه. وقيل: بعد ستين. والغلام: الولد الذكر، وقد يقال للأنثى: غلامة، كما قال: تهان لها الغلامة والغلام(٣) وفي تعيين اسمه عليه السلام تأكيدٌ للوعد، وتشريفٌ له عليه السلام، وفي تخصيصه به حسبما يعربُ عنه قوله تعالى: ﴿لَمْ نَجْعَل لَُّ مِن قَبْلُ سَمِيًّا @﴾ أي: شريكاً له في الاسم، حيث لم يُسمَّ أحدٌ قبلَه بيحيى، على ما روي عن ابن عباس وقتادة والسُّدِّي وابن أسلم = مزيدُ تشريفٍ وتفخيم له عليه السلام، وهذا - كما قال الزمخشريُّ - شاهدٌ على أنَّ الأسماءَ النادرة التي لا يكاد الناس يستعملونها جديرةٌ بالأثرة، وإِيَّها كانت العرب تنحى في التسمية، لكونها أنبه وأنوه وأنزه عن النبز، حتى قال القائل في مدح قوم: (١) يشير إلى قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَتَبِكَةُ وَهُوَ قَآَيٌِّ يُصَلّى فِ اَلْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيَّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الآية: ٣٩]. (٢) لفظة: ولد، ليست في (م). (٣) هو عجز بيت صدره: ومُركضةٍ صريحيٍّ أبوها. وهو لأوس بن غلفاء الهجيمي كما في جمهرة اللغة لابن دريد ١٤٩/٣، واللسان (ركض)، وأورده الجاحظ في كتاب الحيوان ٣٢٩/١، والنحاس في معاني القرآن ٢٢٣/١ دون نسبة. الآية : ٧ ٢٥ سُؤَدَآ مَنَنَا حُمْرٍ تمسُ الأرضَ بالهُدُبِ شُنعِ (١) الأسامي مُسْبِلي أُذُرٍ وقيل للصلت بن عطاء: كيف تقدَّمت عند البرامكة، وعندهم من هو آدبُ منك؟ فقال: كنتُ غريب الدار، غريبَ الاسم، خفيف الجرم، شحيحاً بالأشلاء. فذکر مما قدَّمه كونه غريب الاسم. وأخرج أحمد في ((الزهد)) وابن المنذر وغيرهما عن مجاهد، أنَّ ((سميًّا)) بمعنى شبيهاً (٢). ورُوي عن عطاء وابن جبير مثله، أي: لم نجعل له شبيهاً، حيث إنَّه لم يَعْصِ ولم يهمَّ بمعصية؛ فقد أخرج أحمد والحكيم الترمذيّ في ((نوادر الأصول» والحاكم وابنُ مردويه عن ابن عباس أن النبيّ وَِّ قال: ((ما من أحدٍ من ولد آدم إلَّا وقد أخطأ، أو همَّ بخطيئةٍ، إلا يحيى بن زكريا عليهما السلام لم يهمَّ بخطيئة ولم يعملها)»(٣). والأخبار في ذلك متضافرة، وقيل: لم یکن له شبيه لذلك، ولأنه ولد بین شیخ فانٍ وعجوز عاقر. وقيل: لأنه كان كما وصف الله تعالى ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الضَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٣٩] فيكون هذا إجمالاً لذلك، وإنما قيل للشبيه سَميّ؛ لأنَّ المتشابهَين يتشاركان في الاسم. ومن هذا الإطلاق قولُه تعالى: ﴿مَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]، لأنَّه الذي يقتضيه التفريع. والأظهرُ أنَّه اسمٌ أعجميّ؛ لأنَّه لم تكن عادتهم التسمية بالألفاظ العربية، فيكون مَنعَهُ الصرفَ على القول المشهور في مثله العلميَّةُ والعجمة. (١) كذا في الأصل و(م)، وديوان أبي نواس ص٧٧ - والبيت له - والبحر المحيط ٦/ ١٧٥ : شُنع بالشين المعجمة. يقال: اسم شنيع، و: قوم شُنُع الأسامي، من القبح. كما في (أساس البلاغة)) (شنع). ووقع عند الزمخشري في ((الكشاف): ٥٠٣/٢، والقرطبي في تفسيره)، ٤١٨/١٣ نقلاً عنه: سُنُع، بالسين المهملة. وهو جمع سَنَع؛ والسَّنَعُ: الجَمال. كما في ((القاموس)) (سنع). (٢) الدر المنثور ٢٦٠/٤. (٣) الدر المنثور ٢٦٢/٤، ومسند أحمد (٢٢٩٤)، ونوادر الأصول ص١٨٥، ومستدرك الحاكم ٥٩١/٢. سُالا مريكى ٢٦ الآية : ٨ وقيل: إنَّه عربيٍّ، ولتلك العادة مدخلٌ في غرابته، وعلى هذا فهو منقولٌ من الفعل، كـ : يعمر ويعيش، وقد سمّوا بـ : يموت، وهو يموت بن المزرّع بن أخت الجاحظ(١). ووجهُ تسميته بذلك على القول بعربيته، قيل: الإشارة بأنَّه يعمَّر، وهذا في معنى التفاؤل بطول حياته، وكأنَّ في ذلك إشارةً إلى أنَّه عليه السلام يرثُ حسبما سأل زكريا عليه السلام. وقيل: سُمِّي بذلك لأنه حيي به رحم أمِّه. وقيل: لأنَّه حيي بين شيخ فانٍ وعجوز عاقر. وقيل: لأنَّه يحيا بالحكمة والعفة. وقيل: لأنَّه يحيا بإرشاد الخلق وهدایتهم، وقيل: لأنه يستشهد والشهداء أحياء، وقيل غير ذلك. ثم لا يخفى أنَّه على العربية والعجمة يختلف الوزن والتصغير كما بُيِّن في محله. ﴿قَالَ﴾ استئنافٌ مبنيٌّ على السؤال، كأنَّه قيل: فماذا قال عليه السلام حينئذٍ؟ فقيل: قال: ﴿رَبِّ﴾ ناداه تعالى بالذات مع وصول خطابه تعالى إليه بواسطة الملك؛ للمبالغة في التضرُّع والمناجاة والجدِّ في التبُّل إليه عزَّ وجل. وقيل لذلك: والاحتراز عما عسى يوهم خطابه للملَك من توهُّم أنَّ علمه تعالى بما يصدرُ عنه متوقّفٌ على توسُّطه، كما أنَّ علم البشر بما يصدرُ عنه تعالى متوقِّفٌ على ذلك في عامَّة الأوقات؛ ولا يخفى أنَّ الاقتصار على الأوَّل أولى. ﴿أَنَّ يَكُونُ لِ غُلَمٌ﴾ كلمةُ (أَنَّى)) بمعنى كيف، أو: من أين. و(كان)) إمَّا تامَّةٌ، و((أنى)) واللام متعلقان بها، وتقديمُ الجارِّ على الفاعل؛ لما مرَّ غير مرَّة، أي: كيف، أو: من أين يحدثُ لي غلام؟ ويجوزُ أن يتعلَّق اللام بمحذوف وقع حالاً (٢) من ((غلام)) أي: أنَّى يحدثُ كائناً لي غلام. أو ناقصةٌ، واسمُها ظاهر، وخبرها إمَّا (أَنَّى))، و((لي)) متعلّق بمحذوف، كما مرَّ. أو هو الخبر و((أنَّى)) نصب على الظرفية. (١) العلامة الأخباري، أبو بكر العبدي البصري الأديب، له تآليف، مات سنة أربع وثلاث مئة. سير أعلام النبلاء ١٤/ ٢٤٧-٢٤٨. (٢) قوله: حالاً. ليس في الأصل. وانظر تفسير أبي السعود ٢٥٦/٥. والكلام منه. الآية : ٨ ٢٧ سُوٌالأمر وقوله تعالى: ﴿وَكَانَتِ أَمْرَأَتِ عَاقِرًا﴾ حالٌ من ضمير المتكلم، بتقدير ((قد)»، وكذا قوله تعالى: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِنِيًّا @) حالٌ منه مؤكِّدةٌ للاستبعاد إثرَ تأكيد، و((من)) للابتداء العِلِّيّ، والعِتِيّ من عتا يعتو: اليبسُ والقُحُول(١) في المفاصل والعظام. وقال الراغب(٢): هو حالةٌ لا سبيل إلى إصلاحها ومداواتها، وقيل: إلى رياضتها، وهي الحالة المشارُ إليها بقول الشاعر: ومن العَناءِ رياضة الهَرَمِ(٣) وأصله: عُتُوْوٌ كقعود، فاستثقل توالي الضمتين والواوين، فكُسِرت التاء فانقلبت الأولى ياءً لسكونها وانكسارِ ما قبلها، ثمَّ انقلبت الثانيةُ أيضاً؛ لاجتماع الواو والياء، وسبقِ إحداهما بالسكون، وكسرتِ العين إتباعاً لما بعدَها، أي: كانت امرأتي عاقراً لم تلد في شبابها وشبابي، فكيف وهي الآن عجوز، وقد بلغتُ أنا من أجل كبر السنِّ يبساً وقحولاً، أو حالةً لا سبيل إلى إصلاحها. وقد تقدَّم لك الأقوال في مقدار عمره عليه السلام إذ ذاك. وأمَّا عمرُ امرأته، فقد قيل: إنَّه كان ثمانٍ وتسعين. وجُوِّز أنْ تكون ((من)) للتبعيض، أي: ((بَلغتُ)) من مدارج الكبر ومراتبه ما يسمى (عنّيّا)). وجعلها بعضُهم بيانيَّةً تجريديَّةً، وفيه بحث. والجارُّ والمجرور إمَّا متعلِّق بما عنده، أو بمحذوف وقع حالاً من ((عتيًّا))، وهو نصب على المفعولية، وأصل المعنى متَّحدٌ مع قوله تعالى في ((آل عمران)) حكايةً عنه: ﴿بَلَغَنِىَ الْكِبَرُ﴾ [الآية: ٤٠] والتفاوت في المسند إليه لا يضرُّ، فإن ما بلغَكَ من المعاني فقد بلغتَه. نعم بين الكلامين اختلافٌ من حيثيَّةٍ أخرى لا تخفى، (١) القحول: يبس الجلد على العظم. انظر القاموس (قحل). (٢) المفردات (عنا). (٣) هو عجز بيت، صدره: وتَروضُ عِرسَكَ بعدما هَرِمَتْ ذكره الجاحظ في البيان والتبيين ١/ ١٢٠، وفي الحيوان ٤١/١ دون نسبة. ٢٨ الآية : ٨ فيحتاجُ اختيار كلّ منهما في مقام إلى نكتة، فتدبَّر ذاك. وكذا وجهُ البداءة ها هنا بذكر حال امرأته عليه السلام، على عكس ما في تلك السورة. وفي ((إرشاد العقل السليم)) (١): لعلَّ ذلك لما أنَّه قد ذكر حاله في تضاعيف دعائه، وإنَّما المذكور ها هنا بلوغُه أقصى مراتب الكبر تتمَّةً لما ذكر قبل، وأما هنالك فلم يَسبق في الدعاء ذكرُ حاله، فلذلك قدَّمه على ذكر حال امرأته؛ لما أنَّ المسارعةَ إلى بيان قصور شأنه أنسب. اهـ. وقال بعضُهم: يحتملُ تكرُّر الدعاء والمحاورة، واختلاف الأسلوب للتفتُّن، مع تضمُّن كلِّ ما لم يتضمَّنه الآخر، فتأمل والله تعالى الموفِّق. والظاهر أنَّه عليه السلام كان يعرف من نفسه أنَّه لم يكن عاقراً، ولذلك ذكر الكبر، ولم يذكر العقر. وإنَّما قال عليه السلام ما ذُكر مع سبق دعائه بذلك، وقوَّة يقينه بقدرة الله تعالى، لا سيما بعد مشاهدته للشواهد المذكورة في سورة ((آل عمران))؛ استعظاماً لقدرة الله تعالى، واعتداداً بنعمته تعالى عليه في ذلك، بإظهار أنَّه من محض فضل الله تعالى ولطفه مع كونه في نفسه من الأمور المستحيلة عادةً، ولم يكن ذلك استبعاداً، كذا قيل. وقيل: هو استبعادٌ، لكنَّه ليس راجعاً إلى المتكلِّم، بل هو بالنسبة إلى المبطلين، وإنَّما طلب عليه السلام ما يزيل شوكةَ استبعادهم، ويجلبُ ارتداعهم من سيِّئ عادتهم، وذلك ممَّا لا بأس به من النبيِّ، خلافاً لابن المنير. نعم أورد على ذلك أن الدعاء كان خفيًّا عن المبطلين. وأجيبُ بأنَّه يَحتمل أنَّه جهر به بعد ذلك إظهاراً لنعمة الله تعالى عليه وطلباً لما ذكر، فتذكر. وقيل: هو استبعادٌ راجعٌ إلى المتكلم حيث كان بين الدعاء والبشارة ستون سنة، وكان قد نسي عليه السلام دعاءَه. وهو بعيدٌ جدًّا. (١) ٢٥٦/٥. الآية : ٨ ٢٩ سُؤَدَةٌ مَرآنِهَا وقال في ((الانتصاف)) (١): الظاهرُ - والله تعالى أعلم - أنَّ زكريا عليه السلام طلب ولداً على الجملة، وليس في الآية ما يدلُّ أنَّه يوجدُ منه وهو هرم، ولا أنَّه من زوجته وهي عاقر، ولا أنَّه يعادُ عليهما قوَّتُهما وشبابهما، كما فعل بغيرهما، أو يكون الولد من غير زوجته العاقر، فاستبعدَ الولدَ منهما، وهما بحالهما، فاستخبر: أيكون وهما كذلك؟ فقيل له: ((كذلك))، أي: يكون الولد وأنتما كذلك. وتُعقِّب بأنَّ قوله: ((فهب لي من لَدُنْكَ)) ظاهرٌ في أنَّه طلب الولد وهما على حالةٍ يستحيلُ عادةً منهما الولد. والظاهر عندي كونه استبعاداً من حيث العادة، أو هو بالنسبة إلى المبطلين، وهو - كما في ((الكشف» - أولى. وقرأ أكثر السبعة: ((عُنِيًّا)) بضمِّ العين(٢). وقرأ ابن مسعود بفتحها، وكذا بفتح صاد ((صليًّا))(٣) [مريم: ٩٠]، وأصلُ ذلك - كما قال ابن جنِّيّ ردًّا على قول ابن مجاهد: لا أعرف لهما في العربية أصلاً -: ما جاء من المصادر على فعيل، نحو الحويل (٤) والزويل(٥). وعن ابن مسعود أيضاً ومجاهد أنهما قرأا: (مُسِيًّا)) بضمِّ العين وبالسين مكسورة(٦)، وحكى ذلك الدانيّ عن ابن عباس(٧). والزمخشريُّ عن أُبيّ ومجاهد(٨). وهو من عسا العودُ يعسو، إذا ييس. (١) ٥٠٣/٢. (٢) وقرأ بكسر العين: حمزة والكسائي وحفص. التيسير ص١٤٨، والنشر ٣١٧/٢. (٣) القراءات الشاذة ص٨٣، والمحتسب ٣٩/٢، والكلام الآتي منه. (٤) هو الشاهد، وموضع، والكفيل. القاموس (حول). (٥) يقال: زال يزول زوالاً وزويلاً وزؤولاً وزَولاً وزولاناً، من الذهاب والاستحالة. انظر القاموس المحيط، ولسان العرب (زول). (٦) القراءات الشاذة ص ٨٣. (٧) البحر المحيط ٦/ ١٧٥ . (٨) الكشاف ٢/ ٥٠٣. سُودا فرنسا ٣٠ الآية : ٩ ﴿قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ﴾ قرأ الحسن: ((وهو عليَّ هيِّن)) بالواو، وعنه أنَّه كسر ياء المتكلم (١)، كما في قول النابغة: عليٍّ لعمرٍو نعمةٌ بعد نعمةٍ لوالدِه ليست بذات عقارب(٢) ونحو ذلك قراءة حمزة: ((وما أنتم بمصرخيِّ)) [إبراهيم: ٢٢] بكسر الياء(٣). والكاف إمَّا رفع على الخبريَّة لمبتدأ محذوف، أي: الأمر كذلك، وضمير ((قال)) للربِّ عزَّ وجلَّ، لا للملك المبشِّر؛ لئلا يُفَكَّ النظم، و((ذلك)) إشارةٌ إلى قول زكريا عليه السلام، والخطاب في ((قال ربك)) له عليه السلام، لا لنبينا ◌َّو، بدليل السابق واللاحق، وجملة ((هو عليَّ هيِّن)) مفعول ((قال)» الثاني، وجملةُ الأمر كذلك مع جملة ((قال ربك)) إلخ؛ مفعول ((قال)) الأول، وإنْ لم يتخلَّل بين الجملتين عاطفٌ، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ أَرْكَبُواْ فِهَا بِسْمِ اللَّهِ بَجْرِهَا وَمُرْسَهَاْ إِنَّ رَبِّ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [هود: ٤١]، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿قَالُواْ أَهِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَبًا وَعِظَمَا أَوَا لَبْعُوتُونَ (بَ لَقَدْ وُعِدْنَا﴾ الآية [٨٢-٨٣ من سورة المؤمنون]، وكم وكم، وجيء بالجملة الأولى تصديقاً منه تعالى لزكريا عليه السلام، وبالثانية جواباً لما عسى يُتوهّم من أنَّه إذا كان ذلك في الاستبعاد بتلك المنزلة وقد صَدَّقْتَ فيه، فأنى يتسنى، فهي في نفسها استئنافيةٌ لذلك، ولا يحسنُ تخلَّل العاطف في مثل هاتين الجملتين إذا كان المحكيُّ عنه قد تَكلَّم بهما معاً من غير عاطف؛ ليدلَّ على الصورة الأولى للقول بعينها، وكذلك لا يحسنُ إضمارُ قولٍ آخر؛ لأنه يكون استئنافاً جواباً للمحکيِّ له، فلا يدلُّ على أنَّه استئنافٌ أيضاً في الأول إلَّا بمنفصل، أمَّا لو تكلّم بهما في زمانين، أو بدون ذلك الترتيب، فالظاهر العطف أو الاستئناف بإضمار القول. سلا ثم لو كان الاقتصار في جواب زكريا عليه السلام على ((هو عليَّ هيِّن)) من دون إقحام ((قال ربك))، لكان مستقيماً، لكن إنَّما عدل إليه للدلالة على تحقيق الوعد وإزالة الاستبعاد بالكليّة، على منوال ما إذا وعد مَلِكٌ بعض خواصِه ما لا يجدُ نفسَه تستأهل ذلك، فأخذ يتعجَّب مستبعداً أن يكون من المَلِك بتلك المنزلة، فحاول أنْ (١) انظر القراءات الشاذة ص ٨٣، والبحر المحيط ٦/ ١٧٥. (٢) ديوان النابغة ص٩. (٣) التيسير ص١٣٤، والنشر ٢٩٨/٢. الآية : ٩ ٣١ سؤالا مرێکًا يحقق مرادَه ويزيلَ استبعادَه، فإمَّا أنْ يقول: لا تستبعد، إنَّه أهونُ شيء عليَّ، على الكلام الظاهر، وإمَّا أن يقول: لا تستبعد، قد قلت: إنه أهونُ شيءٍ عليَّ، إشارةً منه إلى أنَّه وعدٌ سبقَ القول به وتحثَّم، وأنَّه من جلالة القدر بحيث لا يرى في إنجازه لباغيه كائناً من كان وقعاً، فكيف لمن استحقَّ منه لصدق قدمه في عبوديته إجلالاً ورفعاً، وهذا قولٌ بلسان الإشارة يصدق، وإنْ لم يكن قد سبقَ منه نطقٌ به؛ لأنَّ المقصودَ أنَّ علوَّ المكانة، وسَعة القدرة، وكمال الجود، يقضي بذلك قَبِلَ (١) أوَّلاً أَوْ لا. ثم إذا أراد ترشيحَ هذا المعنى عدلَ عن الحكاية قائلاً: قد قال من أنت غرسُ نعمائه: إنَّه أهونُ شيءٍ عليّ، ثم إذا حكى الملكُ القصَّة مع بعض خلصائه كان له أن يقول: قلتُ: لعبدي فلان کیتَ وکیت، قال: أنَّی ولیت! قلت: قال: من أنت إلخ، وأن يقول بدلَه: قال سيِّد فلانٍ له، ويسرد الحديث، فهذا وِزانُ الآية فيما جرى لزكريا عليه السلام وحُكيَ لنبينا عليه أفضل الصلاة وأكمل السلام. وقد لاح من هذا التقرير أنَّ فواتَ نكتة الإقحام مانعٌ من أن يجعل المرفوع من صلة ((قال)) الثاني، والمجموعُ صلةَ الأول. والظاهر في توجيه قراءة الحسن على هذا أنَّ جملة ((هو عليَّ هيِّن)) عطف على محذوفٍ من نحو: أفعل وأنا فاعل، ويجوز أن يقال - وربما أشعرَ كلام الزمخشريِّ (٢) بإيثاره - إنَّه عطف على الجملة السابقة نظراً إلى الأصل؛ لما مرَّ من أن ((قال)) مقحمٌ لنكتة، فكأنه قيل: الأمرُ كذلك، وهو على ذلك يهون عليّ. وإما نصب بـ ((قال)) الثاني(٣)، وهي الكاف التي تستعمل مقحمةً في الأمر العجيب الغريب؛ لتثبيته، و((ذلك)) إشارةٌ إلى مبهم يفسِّر ما بعدَه، أعني ((هو عليَّ هين))، وضمير ((قال)) للربِّ - كما تقدَّم - والخطابُ لنبيِّنَا وَّهِ أيضاً، أي: قال ربُّ زكريا له: قال ربُّك: مثلُ ذلك القول العجيب الغريب هو عليَّ هينٌ، على أنَّ ((قال)) الثاني مع ما في صلته مقولُ القول الأوَّل، وإقحامُ القول الثاني لما سلف، ولا ينصب الكافُ بـ ((قال)) الأول، وإلّا لكان ((قال)) ثانياً تأكيداً لفظيًّا؛ لئلا يقعَ (١) في الأصل و(م): قيل. ولعلَّ المثبت هو الصواب. (٢) في الكشاف ٢/ ٥٠٤. (٣) هذا عطفٌ على قوله السالف: والكاف إمَّا رفع على الخبرية ... سُؤَادَةُ مَرَسَ ٣٢ الآية : ٩ الفصل بين المفسِّر والمفسَّر بأجنبيٍّ، وهو ممتنع، إذ لا ينتظمُ أنْ يقال: قال ربُّ زكريا: قال ربُّكَ. ويكونُ الخطاب لزكريا عليه السلام والمخاطَبُ غيره، كيف وهذا النوع من الكلام يقعُ فيه التشبيه مقدَّماً لا سيما في التنزيل الجليل من نحو ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةٌ﴾ [البقرة: ١٤٣]، ﴿كَذَلِكَ اَللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾ [آل عمران: ٤٠] إلى غير ذلك، وهذا الوجه لا يتمشَى في قراءة الحسن؛ لأنَّ المفسَّر لا يدخله الواو، ولا يجوزُ حذفه حتى يجعل عطفاً عليه؛ لأنَّ الحذفَ والتفسير متنافيان. وجوِّزَ على احتمال النصب أنْ تكون الإشارةُ إلى ما تقدَّم من وعد الله تعالى إِيَّاه عليه السلام بقوله: ((إنَّا نبشرك)) إلخ، أي: قال ربُّه سبحانه له: قال ربُّك مثل ذلك، أي: مثل ذلك القول العجيب الذي وُعِدتَه وعرفته، وهو: ((إنَّا نبشرك)) إلخ، وأداةُ التشبيه مقحمةٌ كما مرَّ، فيكونُ المعنى: وَعد ذلك وحقَّقه وفرغ منه، فكن فارغَ البال من تحصيله على أوثق بال، ثم قال: ((هو عليَّ هيِّن)) أي: قال ربُّك: هو عليَّ هيِّن، فيضمر القول ليتطابقا في البلاغة، ولأنَّ قولَه مثل ذلك مفردٌ فلا يحسن أن تقرنَ الجملة به، وينسحبُ عليه ذلك القول بعينه، بل إنَّما يضمر مثله استئنافاً إيفاءً بحقّ التناسب. وإن شئت لم تنوِه ليكونَ محكيًّا منتظماً في سلك: ((قال ربك)» منسحباً عليه القول الأول، أي: قال ربُّ زكريا له: هو عليَّ هين. لأنَّ الله تعالى هو المخاطِب لزكريا عليه السلام، فلا منعَ من جعله مقول القول الأول من غير إضمار؛ لأنَّ القولين - أعني: قال ربُّك: مثل ذلك هو عليَّ هيِّن - صادران معاً محکیَّان على حالهما . ولو قُدِّرا أنَّ المخاطِبَ غيرُه تعالى - أعني الملك - تعيَّن إضمارُ القول؛ لامتناع أنْ يكون «هو علي هيِّن)) من مقولِه، فلا ينسحبُ عليه الأول. وأمَّا على قراءة الحسن، فإنْ جعل عطفاً على ((قال ربك)) لم يحتج إلى إضمار؛ لصحَّة الانسحاب، وإن أريدَ تأكيدُه أيضاً قُدِّرَ القول؛ لئلا تفوتَ البلاغة ويكون التناسبُ حاصلاً. وجعلُه عطفاً على ما بعد ((قال)) الثاني من دون التقدير يفوتُ به رعايةُ التناسب لفظاً، فإنَّ ما بعدَه مفردٌ، والملائمة معنًى لما عرفت أنْ لا قولَ على الحقيقة، والمعنى: قال ربُّه: قد حُقِّق الموعودُ، وفُرِغ عنه، فلا بدَّ من تقديره على: ((هو عليَّ هين))؛ ليفيد تحقيقه أيضاً. الآية : ٩ ٣٣ سُوالا مرئى ولو قدر أنَّ المخاطِب غيره تعالى تعيّن الإضمار؛ لعدم الانسحاب دونَه. فافهم. وهذا ما حقَّقه صاحب ((الكشف)) وقرَّر به عبارةً ((الكشاف» بأدنى اختصار، ثمَّ ذكر أنَّ خلاصةَ ما وجده من قول الأفاضل أنَّ التقديرَ على احتمال أنْ تكون الإشارةُ إلى ما تقدَّم من الوعد: قال ربُّ زكريا له، قال ربُّك قولاً مثلَ قوله سبحانه السابق عِدَةً في الغرابة والعجب، فاتَّجه له عليه السلام أنْ يَسأل: ماذا قلت يا رب، وهو مثله؟ فيقول: ((هو عليَّ هين)) أي: قلت، أو قال ربك. والأصل على هذا التقدير: قلتُ قولاً مثلَ الوعد في الغرابة، فعدل إلى الالتفات أو التجريد - أيًّا شئتَ تسمِّيه - لفائدته المعلومة. وليس في الإتيان بأصل القول خروجٌ عن مقتضى الظاهر، إذ لا بدَّ منه لينتظم الكلام، وذلك لأنَّ المعنى على هذا التقدير: ولا تعجب من ذلك القول، وانظر إلى مثله واعجب، فقد قلناه. وكذلك يتّجه لنبينا ﴿ السؤال، فيجاب بأنَّه قال له ربه: ((هو عليَّ هين))، وصحَّةُ وقوعه جواباً عن سؤال نبينا عليه الصلاة والسلام، وهو الأظهر على هذا الوجه؛ لأنَّ الكلام معه . وإذ قد صحَّ أن يُجعلَ جواباً له جازَ إضمارُ القول، لأنَّه جوابٌ له وَّهِ بما يدلُّ على أنه خوطِب به زكريا عليه السلام أيضاً، وجاز أنْ لا يضمر؛ لأنَّ المخاطِب لهما واحدٌ، والخطابُ مع نبينا وَّز، وُلِم من ضرورة المماثلة أنَّه قيل لزكريا أيضاً هذه المقالة، ولو كان الحاكي والقائل الأول مختلفين في هذه الصورة لم يكن بدٌّ من إضماره؛ لأنَّه إذا قال عمرو لبكر: ماذا قال زيدٌ لخالد مما يماثل مقالتَه السابقة له؟ فيقول: إنَّك محبَّبٌ مرضيٍّ، وجب أن يكون التقدير: قال زيد لخالد هذه المقالة لا محالة، ولا بعد في تنزيل كلام الزمخشريِّ عليه، وهذا ما لوَّح إليه صاحب ((التقريب)) وآثره الإمام الطيبيّ، وفيه فوات النكتة المذكورة في ((قال ربك)) ثمَّ إِنَّه إن لم يكن سبق القول كان كذباً من حيث الظاهر، إذ ليس من القول بلسان الإشارة إلَّا أن يُؤَوَّلَ بأنَّه مستقبلٌ معنًى، هذا والكلام مسوقٌ لما يزيل الاستبعاد ويحقِّق الموعود المرتاد، وفي ذلك التقدير خروجٌ عنه إلى معنّى آخر ربما يستلزمُ هذا المعنى تبعاً، وما سيق له الكلام ينبغي أن يجعل الأصل. انتهى. سُوَالا مري ٣٤ الآية : ٩ وهو كلام تحقيقٍ وتدقيق لا يرشدُ إليه إلَّا توفيق. وفي الآية وجهٌ آخر هو ما أشار إليه صاحب ((الانتصاف)). و(هين)) فَيَعِل، من هان الشيء يهون إذا لم يصعب، والمراد: إنِّي كاملُ القدرةِ على ذلك إذا أردتُه كان. ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا ﴾﴾ تقريرٌ لما قبل، والشيء هنا بمعنى الموجود، أي: ولم تَكُ موجوداً، بل كنتَ معدوماً، والظاهر أنَّ هذا إشارةٌ إلى خلقه بطريق التولَّد(١) والانتقال في الأطوار، كما يُخلق سائر أفراد الإنسان. وقال بعض المحققين: المراد به ابتداء خلق البشر، إذ هو الواقع إثر العدم المحض، لا ما كان بعد ذلك بطريق التوالد المعتاد، فكأنَّه قيل: وقد خلقتُك من قبلُ في تضاعيف خلق آدم، ولم تكُ إذ ذاك شيئاً أصلاً، بل كنت عدماً بحتاً، وإنَّما لم يقل: وقد خلقت أباك أو آدم من قبل ولم يكُ شيئاً، مع كفايته في إزالة الاستبعاد بقياس حال ما بُشِّر به على حاله عليه السلام؛ لتأكيد الاحتجاج، وتوضيح منهاج القياس، من حيث نبّه على أنَّ كلَّ فردٍ من أفراد البشر له حظّ من إنشائه عليه السلام من العدم؛ لأنَّه عليه السلام أُبدع أنموذجاً منطوياً على سائر آحاد الجنس، فكان إبداعُه على ذلك الوجه إبداعاً لكلِّ أحدٍ من فروعه كذلك. ولما كان خلقُه عليه السلام على هذا النمط الساري إلى جميع ذريَّته أبدعَ من أن يكون مقصوراً على نفسه - كما هو المفهوم من نسبة الخلق المذكور إليه - وأدلَّ على عظم قدرته تعالى وكمال علمه وحكمته، وكان عدم زكريا حينئذٍ أظهر عنده، وكان حاله أولى بأن يكون معياراً لحال ما بُشِّر به = نُسِب الخلقُ المذكور إليه، كما نُسب الخلق والتصوير إلى المخاطبين في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْتَكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَكُمْ﴾ [الأعراف: ١١] توفيةً لمقام الامتنان حقَّه. انتهى. ولا يخلو عن تكلُّف. وجُوِّز أن يكون الشيءُ بمعنى المعتدِّ به، وهو مجازٌ شائع، ومنه قول المتنبي : (١) في (م): التوالد. الآية : ١٠ ٣٥ سُودامرئِنًا إذا رأى غيرَ شيء ظنَّه رجلا (١) وضاقت الأرضُ حتی کان هاربھم وقولهم: عجبت من لا شيء. وليس بشيء، إذ يأباه المقام، ويردُّه نظم الكلام. وقرأ الأعمش وطلحة وابن وثاب وحمزة والكسائي: ((خلقناك))(٢). ﴿قَالَ رَبِّ أَجْعَل لِّ ءَايَةٌ﴾ أي: علامةٌ تدلُّني على تحقُّق المسؤول ووقوع الخبر، وكأن هذا السؤال - كما قال الزَّجَّاج - لتعريف وقت العلوق، حيث كانت البشارة مطلقةً عن تعيينه، وهو أمرٌ خفيٍّ لا يوقف عليه، لا سيما إذا كانت زوجته ممن انقطعَ حيضها لكبرها، وأراد أن يطلعه الله تعالى ليتلقى تلك النعمة الجليلة بالشكر من حين حدوثها، ولا يؤخره إلى أن تظهر ظهوراً معتاداً. وقيل: طلب ذلك ليزداد يقيناً وطمأنينةً، كما طلب إبراهيم عليه السلام كيفية إحياء الموتى لذلك، والأول أولى. وبالجملة لم يطلبه لتوقّفٍ منه في صدق الوعد، ولا لتوهُّم أنَّ ذلك من عند غير الله تعالى. ورواية هذا عن ابن عباس ها لا تصحُّ؛ لعصمة الأنبياء عليهم السلام عن مثل ذلك. وذُكِرِ أنَّ هذا السؤال ينبغي أن يكون بعد ما مضى بعد البشارة برهةٌ من الزمان؛ لما روي أنَّ يحيى كان أكبر من عيسى عليهما السلام بستة أشهر، أو بثلاث سنين، ولا ريبَ في أنَّ دعاءه عليه السلام كان في صغر مريم؛ لقوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا ذَكَرِيًّا رَبَّهُ﴾ [آل عمران: ٣٨] وهي إنَّما ولدت عيسى عليه السلام وهي بنت عشر سنين، أو بنتُ ثلاث عشرة سنة. والجعل إبداعيٍّ، واللام متعلِّقة به، والتقديم على ((آية)) الذي هو المفعول؛ لما تقدَّم مراراً. أو بمحذوف وقع حالاً من ((آية)). (١) ديوان المتنبي ٢٨٧/٣. (٢) البحر المحيط ٦/ ١٧٥، وقراءة حمزة والكسائي في التيسير ص١٤٨، والنشر ٣١٧/٢. ٣٦ الآية : ١٠ وقيل: بمعنى التصيير المستدعي لمفعولين؛ أوَّلهما: ((آية))، وثانيهما: الظرف وتقديمه؛ لأنَّه لا مسوغ لكون («آية)) مبتدأ عند انحلال الجملة إلى مبتدأ وخبر سوى تقديم الظرف، فلا يتغيّر حالُهما بعد ورود الناسخ. ﴿قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ﴾ أنْ لا تقدرَ على تكليمهم بكلامهم المعروف في محاوراتهم. روي عن ابن زيد (١) أنَّه لما حملت زوجتُه عليه السلام أصبحَ لا يستطيعُ أن يكلِّم أحداً، وهو مع ذلك يقرأ التوراة، فإذا أراد مناداة أحدٍ لم يطقها. ﴿ثَثَ لَيَالٍ﴾ مع أيامهنَّ؛ للتصريح بالأيام في سورة ((آل عمران)»، والقصّة واحدة. والعربُ تتجوَّزُ أو تكتفي بأحدهما عن الآخر كما ذكره السيرافيّ، والنكتة في الاكتفاء بالليالي هنا وبالأيَّام ثمَّة - على ما قيل - أنَّ هذه السورة مكيَّةٌ سابقةُ النزول، وتلك مدنيَّةٌ، والليالي عندهم سابقةٌ على الأيام؛ لأنَّ شهورَهم وسنيَّهم قمريَّة، إنَّما تُعرف بالأهلة، ولذلك اعتبروها في التاريخ كما ذكره النحاة، فأعطي السابق للسابق. و ((الليالي)) جمع: ليل، على غير قياس، كأهل وأهال، أو جمع: ليلاة، ویجمع أيضاً على: ليایل. ﴿سَوِبًا ﴾﴾ حالٌ من فاعل ((تكلم)» مفيدٌ لكون انتفاء التكلُّم بطريق الإعجاز وخرق العادة، لا لاعتقال اللسان بمرض، أي: يتعذَّر عليك تكليمهم، ولا تطيقُه حال كونك سويَّ الخَلق، سليمَ الجوارح ما بك شائبةُ بكم ولا خرس، وهذا ما عليه الجمهور. وعن ابن عباس أنَّ ((سويًّا)) عائدٌ على الليالي، أي: كاملات مستويات، فيكون صفةً لـ ((ثلاث)). وقرأ ابن أبي عبلة وزيدُ بن علي ﴾: ((أن لا تكلمُ))(٢) بالرفع، على أنَّ (أن) المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، أي: أنه لا تكلِّمُ. (١) في الأصل و(م): أبي زيد. والتصويب من المصادر. (٢) البحر المحيط ١٧٦/٦ . الآية : ١١ ٣٧ ﴿َرَجَ عَلَى قَوْمِهِ، مِنَ الْمِحْرَابِ﴾ أي: من المصلَّى، كما روي عن ابن زيد، أو من الغرفة، كما قيل. وأصل المحراب - كما قال الطبرسيُّ - مجلسُ الأشراف الذي يُحارَب دونه ذبًّا عن أهله(١). ويسمَّى محلُّ العبادة محراباً؛ لما أن العابد كالمحارب للشيطان فيه. وإطلاق المحراب على المعروف اليوم في المساجد لذلك، وهو محدثٌ لم يكن على عهد رسول الله ﴾. وقد ألَّف الجلال السيوطي في ذلك رسالةً صغيرةً سمَّاها: ((إعلام الأريب بحدوث بدعة المحاريب)). رُوي أن قومه كانوا من وراء المحراب ينتظرون أن يفتح لهم الباب فيدخلوه ويصلُّوا، فبينما هم كذلك إذ خرج عليهم متغيِّراً لونُه، فأنكروه وقالوا: مالك؟ (فَأَوْحَىّ إِلَيْهِمْ) أي: أومأ إليهم وأشار، كما روي عن قتادة وابن منبه والكلبيِّ والقرطبيّ(٢)، وهو إحدى الروايتين عن مجاهد. ويشهدُ له قوله تعالى: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١]. وروي عن ابن عباس: كتب لهم على الأرض: ﴿أَنْ سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيًّا وهو الروايةُ الأخرى عن مجاهد، لكن بلفظ: على التراب، بدل على الأرض. وقال عكرمة: كتب على ورقة. وجاء إطلاقُ الوحي على الكتابة في كلام العرب، ومنه قول عنترة: کوحي صحائفٍ من عهد کسری فأهداها لأعجم ◌ِمْطِمِي(٣) وقول ذي الرمة : سوى الأربع الدُّهم اللواتي كأنَّها بقيَّة وحي في بطون الصحائف(٤) (١) مجمع البيان ١٦/ ١٧. (٢) تفسير القرطبي ٤٢١/١٣ . (٣) ديوان عنترة ص٢٦٨ - طبعة المكتب الإسلامي. قال شارحه: شبَّ ما بقي من آثار الدار بكتاب في صحائف ... لأعجم طمطمي: وهو الذي لا یکاد یفصح. (٤) ديوان ذي الرمة ٣/ ١٦٢٢. وفيه: أللأربع، بدل: سوى الأربع. ٣٨ الآية : ١٢ و((أن)) إمَّا مفسِّرة، أو مصدريَّة فتقدر قبلها الباء الجارَّة. والمراد بالتسبيح الصلاة مجازاً، بعلاقة الاشتمال، وهو المرويُّ عن ابن عباس وقتادة وجماعة. و ((بكرةً وعشيًّا)) ظرف زمان له. والمراد بذلك - كما أخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية -: صلاة الفجر وصلاة العصر(١). وقال بعض: التسبيحُ على ظاهره، وهو التنزيه، أي: نزِّهوا ربَّكم طرفي النهار، ولعله عليه السلام كان مأموراً بأنْ يسبِّح شكراً ويأمرَ قومه. وقال صاحب ((التحرير والتحبير)(٢): عندي في هذا معنَى لطيفٌ، وهو أنَّه إنَّما خَصَّ التسبيحَ بالذكر؛ لأنَّ العادةَ جاريةٌ أنَّ كلَّ من رأى أمراً عجب منه أو رأى فيه بديعَ صنعة أو غريب حكمة. يقول: سبحان الله تعالى، سبحان الخالق، جلَّ جلاله، فلمَّا رأى حصولَ الولد من شيخٍ وعاقر عجب من ذلك، فسبَّح وأمر بالتسبيح(٣). اهـ. فأمرُهم بالتسبيح إشارةٌ إلى حصول أمر عجيب. وقيل: إنَّه عليه السلام كان قد أخبر قومَه بما بُشِّر به قبل جعل العلامة، فلما تعذّر عليه الكلام أشار إليهم بحصول ما بُشِّر به من الأمر العجيب، فسرُّوا بذلك. وقرأ طلحة: ((أن سبحوه)) بهاء الضمير عائدةً إلى الله تعالى، وروى ابن غزوان عن طلحة: ((أن سبحنَّ» بنون مشددة(٤). ﴿يَحْنَى﴾ على تقدير القول وكلام آخر حُذف مسارعةً إلى الإنباء بإنجاز الوعد الكريم، أي: فلمَّا ولد وبلغ سنًّا يؤمّرُ مثله فيه قلنا: ((يا يحيى)) ﴿نُذِ اَلْكِتَبَ﴾ (١) الدر المنثور ٢٦٠/٤. وهو في تفسير ابن أبي حاتم ٧/ ٢٤٠٠ (١٣٠٥٩). (٢) هو التحرير والتحبير لأقوال أئمة التفسير في معاني كلام السميع البصير للشيخ العلامة جمال الدين أبي عبد الله، محمد بن سليمان، المعروف بابن النقيب المقدسي الحنفي، المتوفى سنة ثمان وتسعين وست مئة. وهو كبير في نيف وخمسين مجدداً. كشف الظنون ٣٥٨/١ ويكثر أبو حيان رحمه الله في ((البحر)) النقل عن ((التحرير والتحبير)). انظر مقدمة البحر المحيط ١/ ١١ و(التفسير والمفسرون)) ٣٢١/١. (٣) البحر المحيط ١٧٦/٦. (٤) البحر المحيط ١٧٦/٦. الآية : ١٣ ٣٩ سُؤَدَل فرنسا أي: التوراة، وادَّعى ابن عطيّة الإجماع على ذلك(١)؛ بناءً على أن (أل)) للعهد ولا معهود إذ ذاك سواها، فإنَّ الإنجيل لم یکن موجوداً حينئذٍ، ولیس کما قال، بل قيل: له عليه السلام كتابٌ خُصَّ به كما خُصَّ كثيرٌ من الأنبياء عليهم السلام بمثل ذلك. وقيل: المراد بالكتاب صحف إبراهيم عليه السلام. وقيل: المراد الجنس، أي: كتب الله تعالی. ﴿بِقُوَّةٍ﴾ بجدٍّ واستظهار وعملٍ بما فيه. وقائلُ ذلك هو الله تعالى على لسان الملَك، كما هو الغالب في القول للأنبياء عليهم السلام. وأبعدَ التبريزيُّ فقدَّر: قال له أبوه حين ترعرع ونشأ: ((يا يحيى)) إلخ. ويزيدُه بعداً قولُه تعالى: ﴿وَءَاتَيْنَهُ الْحُكْمَ صَبِينًا﴾. أخرج أبو نعيم وابن مردويه والديلميُّ عن ابن عباس عن النبيِّ يَّر أنه قال في ذلك: ((أعطي الفهمَ والعبادة وهو ابنُ سبع سنين))(٢). وجاء في روايةٍ أخرى عنه مرفوعاً أيضاً: ((قال الغلمان ليحيى بن زكريا عليهما السلام: اذهب بنا نلعب. فقال: أَلِلَّعب خُلِقْنا، اذهبوا نصلّي (٣)، فهو قوله تعالى: ﴿وَءَاتَيْتَهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١)﴾))(٤). والظاهر أنَّ الحكم على هذا بمعنى الحكمة. وقيل: هي بمعنى العقل، وقيل: معرفة آداب الخدمة، وقيل: الفراسة الصادقة. وقيل: النبوّة، وعليه كثير. قالوا: أوتيَها وهو ابنُ سبع سنين، أو ابن ثلاث، أو ابن سنتين. ولم ينبّأ أكثر الأنبياء عليهم السلام قبل الأربعين. والجملة عطفٌ على قلنا المقدَّر. ﴿وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَا﴾ عطفٌ على ((الحكم))، وتنوينه للتفخيم، وهو في الأصل من: حَنَّ، إذا ارتاح واشتاق، ثمَّ استعمل في الرحمة والعطف، ومنه الحنان لله تعالى، خلافاً لمن منع إطلاقه عليه عزَّ وجلَّ. (١) المحرر الوجيز ٧/٤. وعبارته ثمة: و((الكتاب)): التوراة بلا اختلاف ... (٢) الدر المنثور ٢٦٠/٤، والفردوس بمأثور الخطاب ٤٠٢/٤ . (٣) في الأصل: فصلى. (٤) أورده السيوطي في (الدر المنثور)) ٢٦١/٤. وعزاه للحاكم في ((تاريخه)). سُوالا مرئى ٤٠ الآية : ١٣ وإلى تفسيره بالرحمة هنا ذهب الحسن وقتادة والضحاك وعكرمة والفرَّاء وأبو عبيدة، وهو روايةٌ عن ابن عباس(١)، ويروى أنَّه أنشدَ في ذلك لابن الأزرق قول طرفة : أبا منذرٍ أفنيتَ فاستبق بعضنا حنانيكَ بعضُ الشرِّ أهونُ من بعض (٢) وأنشد سيبويه قولَ المنذر بن درهم الكلبيّ : وأحدثُ عهدٍ من أمينة نظرةٌ على جانب العلياء إذ أنا واقفٌ أذو نسبٍ أم أنت بالحيِّ عارفُ(٣) تقول: حنانٌ ما أتى بك هاهنا والجارُّ والمجرور متعلّقٌ بمحذوفٍ وقع صفةً مؤكّدةً لما أفاده التنوین من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية، أي: وآتيناه رحمةً عظيمةً عليه كائنةً من جنابنا، وهذا أبلغُ من: ورحمناه. وروي هذا التفسير عن مجاهد. وقيل: المراد: وآتيناه رحمةً في قلبه وشفقةً على أبويه وغيرهما، وفائدةٌ الوصف على هذا الإشارةُ إلى أنَّ ذلك كان مرضيًّا لله عزَّ وجلَّ، فإنّ من الرحمة والشفقة ما هو غير مقبولٍ، كالذي يؤدِّي إلى ترك شيءٍ من حقوق الله سبحانه، كالحدود مثلاً. أو الإشارةُ إلى أنَّ تلك الرحمة زائدةٌ على ما في جبلَّة غيره عليه السلام؛ لأنَّ ما يهبه العظيمُ عظيمٌ. وأورد على هذا أنَّ الإفراطَ مذمومٌ كالتفريط، وخيرُ الأمور أوسطها. ورُدَّ بأنَّ مقامَ المدح يقتضي ذلك، ورُبَّ إفراطٍ يحمدُ من شخصٍ ويذمُّ من آخر، فإنَّ السلطان يهبُ الألوفَ، ولو وهبها غيره كان إسرافاً مذمُوماً . وعن ابن زيد أنَّ الحنان هنا المحبة، وهو روايةٌ عن عكرمة، أي: وآتيناه محبَّةً من لدنًّا، والمراد - على ما قيل - جعلناه محيَّاً عند الناس، فكلُّ من رآه أحبّه، نظير (١) البحر المحيط ٦/ ١٧٧، ومعاني القرآن للفراء ١٦٣/٢، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ٢/٢. (٢) إجابة ابن عباس لنافع الأزرق أوردها السيوطي في (الدر المنثور) ٢٦١/٤، وعزاها للطستي. وبيت طرفة في ديوانه ص١٧٢، طبعة مجمع اللغة العربية. (٣) ذكر سيبويه في ((الكتاب)) ١/ ٣٢٠ البيت الثاني دون نسبة. ولفظه عنده: فقالت حنان ... وهما منسوبين في شرح أبيات سيبويه لابن السيرافي ٢٣٥/١، وخزانة الأدب ١١٢/٢-١١٤. ووقع في الكتاب، والخزانة: أمية، بدل: أمينة.