النص المفهرس
صفحات 581-600
الآية : ٩٩ ٥٨١ سُوَرَّةُ الْكَهْفِ ما بهم بعد ثلاثة أيام، وقد قذفت الأرضُ جيفَهم في البحر)) (١) وفي رواية: ((فيرغب نبيُّ الله عيسى عليه السلام وأصحابه إلى الله عزَّ وجلَّ فيرسل طيراً كأعناق البخت، فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله تعالى))(٢) وفي رواية: ((فترميهم في البحر)) وفي أخرى: ((في النار)) ولا منافاةً كما يظهر بأدنى تأمُّل. ثَّ يرسلُ الله عزَّ وجلَّ مطراً لا يُكِنُّ منه بيتُ مدرٍ ولا وبرٍ، فيغسلُ الأرضَ حتى يتركها كالزلقة(٣)، ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك، ورُدِّي بركتك، فيومئذٍ تأكلُ العصابةُ من الرمانة، ويستظلُّون بقِحْفِها، ويبارك في الرِّسْلِ، حتى إنَّ اللّقحةَ من الإبل لتكفي الفئام(٤) من الناس)) (٥). و ((يوقد المسلمون من قسيٍّ يأجوج ومأجوجَ ونشابهم وأترستهم سبع سنين)) (٦). ولعلَّ الله تعالى يحفظُ ذلك في الأودية ومواضع السيول زيادةً في سرور المسلمين، أو يحفظُها حيث هلكوا،، ولا يلقيها معهم حيث شاء، ولا يُعجِز اللهَ تعالى شيءٌ. والحديث يدلُّ على كثرتهم جدّاً، ويؤيِّدُ ذلك ما أخرجه ابنُ حبَّان في (صحيحه) عن ابن مسعود مرفوعاً: ((إنَّ يأجوج ومأجوج أقلُّ ما يتركُ أحدهم من صلبه ألفاً من الذريَّة))(٧). وحملَه بعضُهم على طول العمر. (١) أخرجها نعيم بن حماد كما ذكر ابن كثير في ((النهاية في الفتن والملاحم)) ١٣٣/١ ضمن حديث طويل تحت عنوان: خبر عجيب ونبأ غريب. ثم قال في آخره: قال شيخنا الذهبي: وهذا الحديث شبه موضوع .. (٢) هي قطعة من حديث النواس بن سمعان عند مسلم. (٣) في صحيح مسلم: كالزلفة. قال النووي في شرحه على صحيح مسلم ٦٩/١٨: روي بفتح الزاي واللام والقاف، وروي: ((الزُّلْفَة)) بضم الزاي وإسكان اللام وبالفاء، وروي: (الزَّلَفة)» يفتح الزاي واللام وبالفاء. وقال القاضي: روي بالفاء والقاف وبفتح اللام وبإسكانها. وكلها صحيحة. (٤) جاء فوق هذه الكلمة في الأصل ما نصه: بالفاء: الجماعة. اهـ منه. (٥) قطعة من حديث النواس السالف. (٦) أخرجه ابن ماجه (٤٠٧٦) من حديث النواس بلفظ: ((سيوقد المسلمون ... )). (٧) صحيح ابن حبان (٦٨٢٨). سُؤَدَّةُ الكَهْفِتَ ٥٨٢ الآية : ٩٩ وفي (البحر)) أنَّه قد اختُلِفَ في عددهم وصفاتهم، ولم يصحَّ في ذلك شيء(١). وأعجبُ ما روي في ذلك قولُ مكحول: الأرضُ مسيرةُ مئة عام؛ ثمانون منها يأجوج ومأجوج، وهي أمَّتان، كلُّ أمَّةٍ أربعمئة ألف أمَّة، لا تشبهُ أمَّةٌ الأخرى. وهو قولٌ باطل. ومثله ما روي عن أبي الشيخ عن أبي أمامة: الدنيا سبعةُ أقاليم، فليأجوج ومأجوج ستَّة، وللباقي إقليمٌ واحدٌ(٢). وهو كلامُ من لا يعرفُ الأرض ولا الأقاليم. نعم أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه من طريق البكاليّ، عن ابن عمر (٣): أنَّ الله تعالى جَزَّأ الإنس عشرةَ أجزاء؛ فتسعةٌ منهم يأجوج ومأجوج، وجزءٌ سائرُ الناس(٤). إلَّا أَنِّي لم أقف على تصحیحہ لغیرِ الحاکم، وحُکم تصحيحه مشهورٌ. ويعلم ممَّا تقدَّم وممَّا سيأتي إنْ شاءَ الله تعالى بطلانُ ما يزعمه بعض الناس من أنَّهم التاتار الذين أكثروا الفسادَ في البلاد وقتَّلوا الأخيار والأشرار، ولعمري إنَّ ذلك الزعم من الضلالة بمكان، وإنْ كان بين يأجوج ومأجوج وأولئك الكفرة مشابهةٌ قويةٌ(٥) لا تخفى على الواقفين على أخبار ما يكون وما كان(٦). ﴿وَتُغَ فِي الصُّورِ﴾ الظاهر أنَّ المرادَ النفخةُ الثانية؛ لأنَّه المناسبُ لما بعد. ولعلَّ عدمَ التعرُّض لذكر النفخة الأولى؛ لأنَّها داهيةٌ عامَّةٌ، ليس فيها حالةٌ مختصَّةٌ بالكفَّار. وقيل: لئلا يقعَ الفصلُ بين ما يقعُ في النشأة الأولى من الأحوال والأهوال، وبين ما يقعُ منها في النشأة الآخرة. (١) البحر المحيط ٦/ ١٦٣. (٢) الدر المنثور ٦/ ٢٥٠، وهو في العظمة (٩٤٤). وفيهما: عن عبدة بن أبي لبابة، بدل: عن أبي أمامة. (٣) كذا في الأصل و(م) والدر المنثور ٢٤٩/٦. والصواب عبد الله بن عمرو كما في المصادر على ما يأتي التخريج الآتي ذكرها. (٤) تفسير عبد الرزاق ٢٨/٢، وتفسير الطبري ٢٤٥/١٦، والمستدرك ٤٩٠/٤ وهو عند عبد الرزاق عن البكالي قوله. (٥) في (م): تامة. (٦) بعدها في (م): إبطال ما يزعمه بعض الناس من أنهم التتار. وليست في الأصل. الآية : ١٠٠ - ١٠١ ٥٨٣ سُوَدَّةُ الكَهْفِ والصُّورُ قرنٌ، جاء في الآثار من وصفه ما يُدهش العقول. وقد صحَّ عن أبي سعيد الخدريِّ أنه قال: قال رسول الله وَّهِ: ((كيف أنْعَم وقد التقمَ صاحبُ القرنِ القرنَ، وحنا جبينه، وأصغى سمعه، ينتظر أنْ يؤمرَ فينفخ)»(١). وزعمَ أبو عبيدة أنَّه جمع صورة (٢)، وأُيِّد بقراءة الحسن: ((الصُّوَر)) بفتح الواو (٣)، فيكون كسُورةٍ وسُوَر. ورَدُّ ذلك أظهرُ من أن يخفى، ولذلك قال أبو الهيثم على ما نقل عنه الإمام القرطبيُّ(٤): من أنكرَ أنْ يكون الصورُ قرناً فهو كمن أنكر العرشَ والصراطَ والميزان، وطلب لها تأويلات. وذكر(٥) أنَّ الأمَمَ مجمعةٌ على أنَّ النافخَ فيه إسرافيل عليه السلام. وَبَعْنَهُمْ﴾ أي: الخلائق بعدما تفرَّقت أوصالُهم وتمزَّقت أجسادُهم، في صعيد أي: جمعاً عجيباً لا يُكتنَه کنُه. وَمَا أ واحدٍ للحساب والجزاء ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمْ﴾ أظهرناها وأبرزناها ﴿يَوْمَدٍ﴾ أي: يومَ إذ جمعنا الخلائقَ كافَّةٌ ﴿لِّلْكَفِرِينَ﴾ منهم حيثُ جعلناها بحيثُ يرونَها ويسمعونَ لها تغيُّظاً وزفيراً أي: عرضاً فظيعاً هائلاً لا يُقَادر قَدْرُه. ﴿عَرْضًا وتخصيصُ العرض بهم مع أنَّها بمرأَى من أهل الجمع قاطبةً؛ لأنَّ ذلك لأجلهم خاصَّةً. ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُهُمْ﴾ وهم في الدنيا ﴿فِي غِطَاءٍ﴾ كثيفٍ وغِشاوةٍ غليظةٍ محاطةٍ بذلك من جميع الجوانب ﴿عَن ذِكْرِى﴾ عن الآياتِ المؤدِّية لأولي الأبصار المتدبِّرين فيها إلى ذكري بالتوحيد والتمجيد. فالذكر مجازٌ عن الآيات المذكورةِ، من باب (١) أخرجه الترمذي (٣٢٤٣)، وأحمد (١١٠٣٩). (٢) مجاز القرآن ١٩٦/١، ٤١٦، ١٦٢/٢. (٣) ذكرها ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٠٩/٢، وأبو حيان في البحر ١٦١/٤ كلاهما عند تفسير الآية (٧٣) من سورة الأنعام. (٤) تفسيره ٤٣٠/١٣. (٥) أي: القرطبي. سُوْدَةُ الكَهْفِ ٥٨٤ الآية : ١٠١ إطلاق المسبّب وإرادة السبب، وفيه أنَّ من لم ينظر نظراً يؤدِّي به إلى ذكرِ التعظيم؛ كأنَّه لا نظرَ له البتة. وهذا فائدةُ التجوُّز. وقيل: الكلام على حذف مضاف، أي: عن آيات ذكري. وليس بذاك. ويجوزُ أنْ يكون المرادُ بالأعين البصائرَ القلبِيَّة، والمعنى: كانت بصائرُهم في غطاءٍ عن أنْ يذكروني على وجهٍ يليقُ بشأني، أو عن ذكري الذي أنزلته على الأنبياء عليهم السلام، ويجوزُ أن يُخَصَّ بالقرآنِ الكريم. نفيٌّ لسماعهم على أتمٍّ وجه، ولذا ﴿وَكَانُواْ﴾ مع ذلك ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (َ. عدل عن: وكانوا صمًّا، الأخصرِ إليه. والمرادُ أنَّهم مع ذلك كفاقدي حاسَّة السمع بالكليّة، وهو مبالغةٌ في تصوير إعراضهم عن سماع ما يرشدُهم إلى ما ينفعُهم بعد تصويرٍ تعاميهم عن الآيات المشاهَدَةِ بالأبصار، فلا حاجةً إلى تقدير: لذكري، المراد منه القرآن، أو مطلق الشرائع الإلهيَّة، فإنَّه بعد تخصيص الذكر المذكور في النظم الكريم أوَّلاً بالآيات المشاهدة لا يصيرُ قرينةً على هذا الحذف. قال ابن هشام في ((المغني)): إنَّ الدليلَ اللفظيَّ لا بدَّ من مطابقته للمحذوف معنًى، فلا يصحُّ: زيدٌ ضاربٌ وعمرٌو، أي: ضاربٌ، على أنَّ الأول بمعناه المعروف، والثاني بمعنى مسافر(١). وتقديرُ ذلك، وإرادة معنى الآيات منه مجازاً لتحقُّق الآيات في ضمن الكلام المعجِز = لا يخفى حالُه، وحالُ إرادةِ الآيات ثمَّ إرادة الكلام المعجز منها مجازاً بعد المجاز = أظهرُ. وقال بعض المحققين: إنَّ تقديرَ ذلك إنَّما هو بقرينة قوله تعالى: (سَمْعًا)، وأنَّ الكافرين هذا حالُهم، لا بقرينة ذكر الذكر قبلُ ليجيء كلام ابن هشام. ولا يخفى أنَّه لا كلامَ في تقدير الذكر بمعنى القرآن أو الشرائع الإلهيّة إذا أريد من الذكر المذكور ذلك. والموصولُ نعتُ الكافرين، أو بدلٌ منه، أو بيانٌ جيء به لذمِّهم بما في حيِّز الصلة، وللإشعار بعلِّيته لإصابة ما أصابهم من عَرْضِ جهنّم لهم. (١) مغني اللبيب ص ٧٩٠. الآية : ١٠٢ ٥٨٥ سُوَّةُ الكَهْفِ ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوَا﴾ أي: كفروا بي، كما يُعْرِب عنه قوله تعالى: (عِبَادِى)، والحسبان بمعنى الظنّ، وقد قرأ عبدُ الله: ((أفظنَّ))(١). والهمزةُ للإنكار والتوبيخ، على معنى إنكار الواقع واستقباحه، والفاء للعطف على مقدَّرٍ يُفصِح عنه الصلة، على توجيه الإنكار والتوبيخ إلى(٢) المعطوفين جميعاً على ما اختاره شيخُ الإسلام(٣). والمعنى: أكفروا بي مع جلالة شأني فحسبوا ﴿أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِى﴾ من الملائكة وعيسى ونحوهم عليهم السلام من المقرَّبين، كما تشعر به الإضافة، فإنَّ الأكثر أنْ تكونَ في مثل هذا اللفظ لتشريف المضاف. واقتصرَ قتادة في المراد من ذلك على الملائكة، والظاهرُ إرادة ما يعمُّهم وغيرَهم ممَّن ذكرنا، واختارَه أبو حيان(٤) وغيرُه. وروي عن ابن عباس أنَّ المرادَ منه الشياطين. وفيه بعد، ولعلَّ الرواية لا تصحُّ. وعن مقاتل أنَّ المرادَ الأصنامُ. وهو كما ترى. وجَوَّزَ بعضُ المحقّقين أنْ يُرَاد ما يعمُّ المذكورين والأصنامَ وسائرَ المعبودات الباطلة من الكواكبٍ وغيرها تغليباً، ولعلَّ المقام يقتضي أنْ لا تكونَ الإضافةُ فيه للتشريف، أي: أفظنُّوا أنْ يتَّخذوا عبادي الذينَ هم تحتَ ملكي وسلطاني ﴿ِن دُونِّ﴾ أي: مجاوزينَ لي ﴿أَوْليًَّ﴾ أي: معبودين أو أنصاراً لهم من بأسي. وما في حيِّز صلة ((أنْ))؛ قيل: سادٍّ مسدّ مفعولي ((حسب))، أي: أفحسبوا أنَّهم يتَّخذونهم أولياء. وكان مصبُّ الإنكار أنَّهم يتخذونهم كذلك، إلَّا أنَّه أقحمَ الحسبان للمبالغة. وقيل: المراد ما ذكر على معنى أنَّ ذلك ليس من الاتِّخاذ في شيءٍ؛ لما أنَّه إنّما يكونُ من الجانبين، والمتَّخَذون بمعزلٍ عن ولايتهم؛ لقولهم: ﴿سُبْحَتَكَ أَنْتَ وَلِتُّنَا مِن دُونِهِمْ﴾ [سبأ: ٤١]. (١) الكشاف ٥٠٠/٢، والمحرر الوجيز ٥٤٥/٣، والبحر المحيط ١٦٦/٦. (٢) في (م): وإلى. وهو خطأ. (٣) تفسير أبي السعود ٢٤٨/٥. (٤) في البحر المحيط ٦/ ١٦٥. ـرَةُ الكَهْفِ ٥٨٦ الآية : ١٠٢ وقيل: ((أن)) وما بعدها في تأويل مصدر مفعولٍ أوَّل لـ ((حسب)). والمفعول الثاني محذوف، أي: أفحسبوا اتخاذَهم نافعهم، أو سبباً لرفع العذاب عنهم، أو نحو ذلك. وهو مبنيٌّ على تجويز حذف أحد المفعولين في باب علم، وهو مذهبُ بعض النحاة. وتُعقِّب بأنَّ فيه تسليماً لنفس الاتِّخاذ واعتداداً به في الجملة، والأوْلَى ما خلا عن ذلك. هذا وفي ((الكشف)) أنَّ التحقيقَ أنَّ قوله تعالى: (أَفَحَسِبَ) معطوفٌ على ((كانت)) و((كانوا)) دلالةً على أنَّ الحسبان ناشئٌ عن التعامي والتصامٌّ، وأدخلَ عليه همزة الإنكار ذمّاً على ذمٍّ، وقطعاً له عن المعطوف عليهما لفظاً لا معنًى؛ للإيذان بالاستقلال المؤكِّد للذمِّ، كأنَّه قيل: لا يزيلون ما بهم من مَرَضَي الغشاوة والصمم، ويزيدون عليهما الحسبان المترتّب عليهما. وقوله تعالى: (الَّذِينَ كَفَرُوا) من وضع الظاهر مقامَ المضمر زيادةً للذمِّ. انتهى. وفي ((إرشاد العقل السليم)) - بعد نقل ما ذكر إلى قوله: كأنَّه قيل .. إلخ -: أنَّه يأبى ذلك تركُ الإضمار، والتعرُّض لوصفٍ آخرَ غير التعامي والتصامِّ، على أنَّهما أُخرجا مخرجَ الأحوال الجِبليَّة لهم، ولم يذكرا من حيث إنَّهما من أفعالهم الاختياريَّة الحادثة كحسبانهم ليحسنَ تفريعُه عليهما، وأيضاً فإنَّه دينٌ قديمٌ لهم لا يمكن جعله ناشئاً عن تصامّهم عن كلام الله عزَّ وجلَّ، وتخصيصُ الإنكار بحسبانهم المتأخِّر عن ذلك تعسُّفٌ لا يخفى. انتهى (١). ولا يخلو عن بحثٍ فتأمَّل. وقرأ عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه، وزيد بن علي بن الحسين ◌ّ، والشافعيُّ عليه الرحمة، ويحيى بن يعمر، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، ونعيم بن ميسرة، والضحاك، وابن أبي ليلى، وابنُ محيصن، وأبو حيوة، ومسعود بن صالح، وابن كثير ويعقوب بخلافٍ عنهما: ((أفحسْبُ)) بإسكان السين وضم الباء، مضافاً إلى ((الذين))(٢)، وخُرِّجَ ذلك على أنَّ((حسب)) مبتدأ، وهو بمعنى مُحْسِب، أي: كافي، (١) تفسير أبي السعود ٢٤٨/٥. (٢) البحر المحيط ١٦٦/٦، وانظر القراءات الشاذة ص٨٢، والمحتسب ٣٤/٢، وقراءة ابن كثير ويعقوب المتواترة عنهما كقراءة الجمهور. الآية : ١٠٢ ٥٨٧ سُورَةُ الكَهْفِ و((أنْ يَتَّخذوا)) خبرُه، أي: أفكافيهم اتِّخاذهم عبادي من دوني أولياء، وفيه دلالةٌ على غاية الذمِّ؛ لأنَّه جعل ذلك مجموعَ عدَّتهم يوم الحساب، وما يكتفون به عن سائر العقائد والفضائل التي لا بدَّ منها للفائز في ذلك اليوم. وجعل الزمخشريُّ(١) المصدرَ المتحصِّلَ من ((أنْ)) والفعل فاعلاً لـ (حَسْب))؛ لأنَّه اعتمدَ على الهمزة، واسم الفاعل إذا اعتمدَ ساوى الفعل في العمل. واعترض عليه أبو حيَّان بأنَّ (حَسْب)) مؤوَّلٌ باسم الفاعل، وما ذكر مخصوصٌ بالوصف الصريح. ثم أشار إلى جوابه بأن سيبويه أجاز في: مررت برجلٍ خيرٌ منه أبوه، وبرجلٍ سواءٌ عليه الخير والشرُّ، وبرجلٍ أبٌّ له صاحبه، وبرجلٍ أيُّماً(٢) رجلٍ هو، وبرجلٍ حسبُك من رجل [هو] (٣) = الرفع(٤) بالصفات المؤوَّلة، وذكرَ أنَّهم أجازوا في: مررتُ برجلٍ أبي عشرةٍ أبوه، ارتفاعَ أبوه بأبي عشرة؛ لأنَّه في معنى والد عشرة، وحينئذٍ فلا كلام فيما ذكر الزمخشريُّ. ﴿إِنَّ أَعْنَدْنَا جَهََّ﴾ أي: هيأناها، وهو ظاهرٌ في أنَّها مخلوقةٌ اليوم ﴿لِلْكَفِنَ﴾ المعهودين، عدلَ عن الإضمار ذمّاً لهم، وإشعاراً بأنَّ ذلك الاعتداد بسبب كفرهم المتضمِّن لحسبانهم الباطل . ، أي: شيئاً يتمثَّعون به عند ورودهم، وهو ما يُقَامُ به للنزيل - أي: الضيف ـ ممَّا حضرَ من الطعام، واختارَ هذا جماعةٌ من المفسرين. وفي ذلك - على ما قيل - تخطئةٌ لهم في حِسْبانهم، وتهكُمٌ بهم(٥)، حيث كان اتِّخاذُهم إِيَّاهم أولياءَ من قبيل إعتادِ العتاد، وإعداد الزاد ليوم المعاد، فكأنَّه قيل: إنَّا أعتدنا لهم مكانَ ما أعدُّوا لأنفسِهم من العِدَّة والذخر جهنَّمَ عدَّةً. (١) في الكشاف ٢/ ٥٠٠. (٢) في الأصل و(م): إنما. والتصويب من البحر المحيط ٦/ ١٦٦ - وعنه نقل المصنف - وكتاب سيبويه ٢٦/٢، والدر المصون ٥٥٢/٧ . (٣) ما بين حاصرتين من الكتاب والدر المصون. (٤) في الأصل: بالرفع. (٥) في الأصل و(م): به، والمثبت من تفسير أبي السعود ٢٤٨/٥، والكلام منه. سُورَةُ الكَهْفِ ٥٨٨ الآية : ١٠٣ وفي إيرادِ النزل إيماءٌ إلى أنَّ لهم وراءَ جهنّم من العذاب ما هي أنموذجٌ له، ولا يأبى ذلك قوله تعالى: ﴿جَآؤُهُ جَهٌَّ﴾ [الكهف: ١٠٦]؛ لأنَّ المرادَ هناك أنَّها جزاؤهم بما فيها. فافهم. وقال الزَّجَّاج: النزل موضع النزول(١). وروي ذلك عن ابن عباس. وقيل: هو جمعُ نازل، ونصبه على الحال. وقرأ أبو حيوة وأبو عمرو بخلافٍ عنه: ((نُزْلاً)) بسكون الزاي(٢). وقُلْ﴾ يا محمد ﴿هَلْ نُنَُّ﴾ خطابٌ للكفرة، وإذا حُمِل الاستفهامُ على الاستئذان كان فيه من التهكّم ما فيه، والجمع في صيغة المتكلُّم؛ قيل: لتعيينه من أوَّل الأمر، وللإيذان بمعلوميَّة النبأ للمؤمنين أيضاً. نصب على التمييز. وُجُمِع مع أنَّ الأصل في التمييز ﴿ بَلْأَخْرِينَ أَعْمَلًا الإفراد، والمصدرُ شاملٌ للقليل والكثير كما ذكر ذلك النحاة؛ للإيذان بتنوُّع أعمالهم، وقصد شمول الخسران لجميعها . وقيل: جُمع لأنَّ ما ذكره النحاة إنَّما هو إذا كان المصدرُ باقياً على مصدريَّته، أمَّا إذا كان مؤوَّلاً باسم فاعل، فإنَّه يعاملُ معاملته، وهنا عمل بمعنى عامل، فجمع على أعمال، والمراد عاملين، والصفةُ تقع تمييزاً، نحو: لله تعالى درُّه فارساً. وزعم بعضهم أنَّ ((أعمالاً)) جمع عامل. وتُعقّب بأنَّ جمع فاعل على أفعال نادرٌ، وقد أنكره بعض النحاة في غير ألفاظ مخصوصة؛ کأشهاد جمع شاهد. وقيل: جمع عَمِل، ككتف، بمعنى ذو عَمَل، كما في ((القاموس))(٣). وهو كما ترى. وزعم بعضُ المتأخّرين أنَّه إذا اعتبر ((أعمالاً)) بمعنى عاملين؛ كان ((الأخسرين)) بمعنى الخاسرين؛ لأنَّ التمييز إذا كان صفةً كان عبارةً عن المنتصِب عنه، متَّحداً (١) ونصُّ كلام الزجاج، كما في معاني القرآن له ٣١٤/٣: ونزلاً بمعنى منزلاً. (٢) القراءات الشاذة ص ٨٢، والبحر المحيط ١٦٦/٦. (٣) مادة (عمل). الآية : ١٠٤ ٥٨٩ سُورَةُ الكَهْفِ معه بالذات، محمولاً عليه بالمواطأة، حتى إنَّ النحاةَ صرَّحوا بأنَّه يحتملُ(١) الحال أيضاً، وهو خبرٌ عن ذي الحال معنّى، ومن البيِّن أنَّ أفعل التفضيل يمتنعُ أن يتَّحدَ مع اسم الفاعل؛ لمكان الزيادة، فحيث وقع اسمُ الفاعل تمييزاً وانتصبَ بـ ((أفعل))، وجبَّ أنْ يكونَ بمعنى فاعل ليتَّحدا. وتعقّبه بعضهم بأنَّ(أفعل)) لا يكون مع اللام مُجَرَّداً عن معنى التفضيل، كما أنَّه لا یکون مجرَّداً عنه مع الإضافة، وإنَّما یکون ذلك إذا کان مع ((من)) کما صرَّح به ابنُ مالك في ((التسهيل)»(٢) وذكره الرضيّ. ولا يخفى عليك ما في جميع ذلك من النظر، والحقُّ أنَّ الجمعيَّة ليست إلَّا لما ذكر أوَّلاً. نعم ذكر أبو البقاء أنَّه جمع لكونه منصوباً على أسماء الفاعلين(٣)، وأوّل ذلك بأنَّه أراد باسم الفاعل المعنى اللغويّ، وأراد أنَّه جمع ليفيد التوزيع. على أنَّه لا يخلو عن شيء. ثم إنَّ هذا - على ما في ((إرشاد العقل السليم)) - بيانٌ لحال الكفرة باعتبار ما صَدَرَ عنهم من الأعمال الحسنة في أنفسها، وفي حسبانهم أيضاً، حيث كانوا معجبين بها، واثقين بنيل ثوابها ومشاهدة آثارها، غبَّ بيانٍ أحوالهم باعتبار أعمالهم السيئة في أنفسها مع كونها حسنة في حسبانهم(٤). ﴿الَّذِينَ ضَلَّ﴾ أي: ضاعَ وبطل بالكلية عندَ الله عزَّ وجلَّ ﴿سَعْيُهُمْ﴾ في إقامة تلك الأعمال ﴿فِي الْيَةِ الدُّنْيَا﴾ متعلِّق بـ ((سعي)) لا: ((ضَلَّ)؛ لأنَّ بطلان سعيهم غيرُ مختصٍّ بالدنيا . قیل: المراد بهم أهل الکتابین، وروي ذلك عن ابن عباس وسعد بن أبي وقاص ومجاهد، ويدخل في الأعمال حينئذٍ ما عملوه من الأحكام المنسوخة المتعلّقة بالعبادات. (١) في (م): يجعل. وهو تحريف. (٢) ص١٣٤ . (٣) إملاء ما من به الرحمن ١٠٩/٢ . (٤) تفسير أبي السعود ٢٤٩/٥. سُورَةُ الْكَهْفِ ٥٩٠ الآية : ١٠٥ وقيل: الرهبان الذين يحبسون أنفسهم في الصوامع، ويحملونَها على الرياضات الشاقَّة. وقيل: الصابئة، وسأل ابنُ الكواء عليًّا كرَّم الله تعالى وجهه عنهم فقال: منهم أهل حروراء، يعني الخوارج. واستشكل بأنَّ قوله تعالى: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ) إلخ يأباهُ؛ لأنَّهم لا ينكرون البعث، وهم غير كفرة. وأجيب بأنَّ (من)) اتصالية، فلا يلزم أن يكونوا متصلين بهم من كلِّ الوجوه، بل يكفي كونهم على الضلال، مع أنَّه يجوزُ أنْ يكون - كرَّم الله تعالى وجهه - معتقداً لكفرهم، واستُحسِن أنَّه تعريضُ بهم على سبيل التغليظ، لا تفسير للآية. والمذكور في ((مجمع البيان)) أنَّ العياشيَّ روى بسنده أنَّ ابن الكوَّاء سأل أمير المؤمنين كرَّم الله تعالى وجهه عن أهل هذه الآية فقال: أولئك أهلُ الكتاب كفروا بربِّهم، وابتدعوا في دينهم، فحبطت أعمالهم، وما أهل النهر منهم ببعيد(١). وهذا يؤيِّد الجوابَ الأول، وأخبر أنَّ المراد ما يعمُّ سائر الكفرة. ومحلُّ الموصول الرفع على أنَّه خبر مبتدأ محذوف؛ لأنَّه جوابٌ للسؤال، كأنَّه قيل: من هم؟ فقيل: الذين .. إلخ. وجُوِّز أنْ يكون في محل جرٍّ، عطف بيان على ((الأخسرين)). وجُوِّزَ أنْ يكون نعتاً أو بدلاً، وأنْ يكونَ منصوباً على الذمِّ، على أنَّ الجواب ما سيأتي إن شاء الله تعالى من قوله سبحانه: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ) إلخ. وتُعقّبَ بأنَّه يأبى ذلك أنَّ صدره ليس منبئاً عن خسران الأعمال وضلال السعي، كما يستدعيه مقام الجواب، والتفريعُ الأول، وإنْ دلَّ على هبوطها، لكنَّه ساكتٌ عن إنباءٍ بما هو العمدة في تحقيق معنى الخسران من الوثوق بترتُّب الربح، واعتقادِ النفع فيما صنعوا، على أنَّ التفريع الثاني ممَّا يقطعُ ذلك الاحتمال رأساً، إذ لا مجال لإدراجه تحتَ الأمر بقضية نون العظمة. والجواب عن ذلك لا يتمُّ إلَّا بتكلُّفٍ، فتأمَّل. (١) مجمع البيان ١٦/ ٢١٣. الآية : ١٠٥ ٥٩١ سُوَّةُ الكَهْفِ الإحسان: الإتيان بالأعمال على الوجه وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا اللائق، وهو حسنُها الوصفيُّ المستلزمُ لحسنها الذاتي، أي: يعتقدون أنَّهم يعملونَ ذلك على الوجهِ اللائق؛ لإعجابهم بأعمالهم التي سعوا في إقامتها، وكابدوا في تحصيلها . والجملة حالٌ من فاعل ((ضلَّ)، أي: ضلَّ سعيُهم المذكور، والحالُ أنَّهم [يحسبون أنهم](١) يحسنون في ذلك وينتفعون بآثاره، أو من المضاف إليه في (سعيهم)؛ لكونه في محلِّ الرفع، أي: بطل سعيهم والحال أنهم .. إلخ. والفرقُ بين الوجهين أنَّ المقارِنَ لحال حسبانهم المذكور في الأول ضلالُ سعيهم، وفي الثاني نفسُ سعيهم. قيل: والأول أدخلُ في بيان خطئهم. ولا يخفى ما بين ((يحسبون)) و((يحسنون)) من تجنيس التصحيف، ومثل ذلك قولُ البحتري(٢): ولم يكن المغترُّ بالله إذْ سرى ليُعْجِزَ والمعتزُّ بالله طالبه ﴿أُوْلَكَ﴾ كلامٌ مستأنفٌ من جنابه تعالى، مسوقٌ لتكميل تعريف ((الأخسرين))، وتبيينٍ خُسرانهم وضلال سعيهم، وتعيينهم بحيثُ ينطبقُ التعريف على المخاطبين، غيرُ داخلٍ تحت الأمر كما قيل، أي: أولئك المنعوتون بما ذكر من ضلال السعي والحِسبان المذكور ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ بِئَايَتِ رَبِّهِمْ﴾ بدلائله سبحانه الداعيةِ إلى التوحيد، الشاملة للسمعيَّة والعقليّة. وقيل: بالقرآن، والأوَّل أولى. والتعرُّضُ لعنوان الربوبيَّة لزيادة تقبيح حالهم في الكفر المذكور. ﴿وَلِقَّبِهِ،﴾ هو حقيقةٌ في مقابلة الشيء ومصادفته، وليس بمراد، والأكثرون على أنَّه كنايةٌ عن البعث والحشر وما يتبع ذلك من أمور الآخرة، أي: لم يؤمنوا بذلك على ما هو عليه. وقيل: الكلامُ على حذف مضاف، أي: لقاء عذابه تعالى. وليس بذاك. (١) ما بين حاصرتين من تفسير أبي السعود ٢٤٩/٥، والكلام منه. (٢) ديوانه ١/ ٢١٥. سُوَدَّقُ الكَهْفِ ٥٩٢ الآية : ١٠٥ ﴿فَبِطَتْ﴾ بكسر الباء، وقرأ ابنُ عباس وأبو السمّال بفتحها(١)، والفاء للتفريع، أي: فحبطت لذلك ﴿أَعْمَلُهُمْ﴾ المعهودة حبوطاً كليّاً ﴿فَلَا تُقِيُ لَمْ﴾ أي: لأولئك أي: فنزدري بهم ١٠٥ الموصوفين بما مرَّ من حبوط الأعمال ﴿يَوْمَ اٌلْقِيَّمَةِ وَزْنًا ( ونحتقرُهم، ولا نجعلُ لهم مقداراً أو اعتباراً؛ لأنَّ مدارَ الاعتبار والاعتناء الأعمال الصالحة، وقد حبطت بالمرَّة. وحيث كان هذا الازدراءُ والاحتقارُ من عواقب حبوط الأعمال عُطِفَ عليه بطريق التفريع، وأمَّا ما هو من أجزية الكفر، فسيجيء إن شاء الله تعالى بعد ذلك. وزعم بعضهم أنَّ حقَّه على هذا أنْ يُعطف بالواو عَظْفَ أحد المتفرِّعين على الآخر؛ لأنَّ منشأ ازدرائهم الكفرُ لا الحبوط، وبه اعترض على ذلك، وهو ناشئٌ من فرط الذهول کما لا يخفى. أو: لا نضع لأجل وزن أعمالهم ميزاناً؛ لأنَّها قد حبطت وصارت هباءً منثوراً. ونفي هذا بعد الإخبار بحبوطها من قبيل التأكيد، بخلاف النفي على المعنى الأول، ولذلك رجح عليه، وليس من الاعتزال في شيء. وقرأ مجاهد وعبيد بن عمير: ((فلا يقيم)) بالياء(٢)؛ لتقدُّم قوله تعالى: (إِنَايَتِ رَبِّهِمْ). وعن عبيد أيضاً: ((فلا يَقيم))(٣) بفتح ياء المضارعة، كأنَّه جعل قام متعدِّياً . وعن مجاهد وابن محيصن ويعقوب بخلافٍ عنهم: ((فلا يَقومُ لهم يوم القيامة وزنٌ)) على أن ((يقوم)) مضارع قام اللازم، و((وزنٌ)) فاعله(٤). (١) المحرر الوجيز ٥٤٥/٣، والبحر المحيط ١٦٧/٦، وهي في تفسير القرطبي ٣٩٣/١٣ عن ابن عباس فقط. (٢) البحر المحيط ١٦٧/٦، وهي في المحرر الوجيز ٥٤٥/٣، وتفسير القرطبي ٣٩٣/١٣ عن مجاهد، وفي القراءات الشاذة ص٨٢ عن عبيد بن عمير. (٣) كذا في الأصل و(م). ولعله تصحيف، فقد وقع في المحرر الوجيز ٥٤٦/٣، وتفسير القرطبي ٣٩٣/١٣، والبحر المحيط ٦/ ١٦٧ - وعنه نقل المصنف - والدر المصون ٥٥٤/٧: ((يقوم)). (٤) البحر المحيط ١٦٧/٦، وهي في تفسير القرطبي ٣٩٣/١٣ عن مجاهد فقط. الآية : ١٠٦ ٥٩٣ سُورَةُ الْكھْفِ ﴿َذَلِكَ﴾ بيانٌ لمآل كفرهم وسائر معاصيهم، إثر بيان أعمالهم المحبَطَة بذلك، وهو خبرُ مبتدأ محذوف، أي: الأمر والشأن ذلك، وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿جَزَاؤُهُ ﴾ جملةٌ مفسِّرة له، فلا محلَّ لها من الإعراب. جَ وجوِّز أن يكون «ذلك)) مبتدأ و (جزاؤهم)) بدل منه بدلَ اشتمالٍ، أو بدلَ كلِّ من كلٍّ، إن كانت الإشارة إلى الجزاء الذي في الذهن، و((جهنم)) خبره، والتذكير - وإن كان الخبرُ مؤنَّئاً - لأنَّ المشار إليه الجزاء، ولأنَّ الخبر في الحقيقة للبدل. وأن يكون ((ذلك)) مبتدأ، و((جزاؤهم)) خبره، و((جهنم)) عطف بيان للخبر، والإشارة إلى جهنم الحاضرة في الذهن. وأن يكون مبتدأ، و((جزاؤهم جهنم)) مبتدأ وخبر خبرٌ له، والعائدُ محذوف، والإشارة إلى كفرهم وأعمالهم، والتذكيرُ باعتبار ما ذُكر، أي: ذلك جزاؤهم به جهنم. وتُعقِّب بأنَّ العائد المجرور إنَّما يكثرُ حذفه في مثل ذلك إذا جُرَّ بحرفٍ تبعيض(١)، أو ظرفيَّةٍ، أو جرَّ عائدٌ قبلَه بمثل ما جُرَّ به، كقوله: ... فالذي تُدْعَى به أنت مفلحُ(٢) أي: به. وجَوَّز أبو البقاء(٣) أن يكون ((ذلك)) مبتدأ، و((جزاؤهم)) بدل أو عطف بيان، و(جهنم)) بدل من جزاء، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: هو جهنم، وقوله تعالى: ﴿يِمَا كَفَرُواْ﴾ خبرُ ((ذلك)). وقال بعد أن ذكرَ من وجوه الإعراب ما ذَكر: إنَّه لا يجوز أن يتعلَّق الجارُّ بـ ((جزاؤهم)) للفصل بينهما بـ ((جهنم)). (١) في الأصل و(م): بتبعيض، والمثبت من الدر المصون ٧/ ٥٥٥، وجاء في حاشية الشهاب ١٣٩/٦: إذا جُرَّ بتبعيض .... (٢) أورده السمين في الدر المصون ٧/ ٥٥٥، والشهاب في الحاشية ١٣٩/٦، وعزاه محقق الدر إلى كتاب المساعد لابن عقيل ٢٣٤/١، وتمامه: أصخ فالذي تدعى به أنت مفلحُ فلاتك إلَّا في الفلاح منافساً (٣) في الإملاء ٥٤١/٣ . سُورَةُ الكَهْفِ ٥٩٤ الآية : ١٠٧ وقيل: الظاهر تعلَّقه به، ولا يضرُّ الفصل في مثل ذلك، وهو تصريحٌ بأنَّ ما ذُكر جزاءٌ لكفرهم المتضمِّن لسائر القبائح التي أنبأ عنها قوله تعالى المعطوف على (كفروا)): ﴿وَخَذُوَاْ ءَايَنِى وَرُسُلِى هُزُوًّا (٣)﴾ أي: مهزوءاً بهما، فإنَّهم لم يقنعوا بمجرَّد الكفر بالآيات والرسل عليهم السلام، بل ارتكبوا مثلَ تلك العظيمة أيضاً. وجُوِّزَ أنْ تكون الجملةُ مستأنفةً. وهو خلاف الظاهر. والمراد من ((الآيات)) قيل: المعجزات الظاهرة على أيدي الرسل عليهم السلام، والصحف الإلهية المنزلةُ عليهم عليهم الصلاة والسلام. ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ بيانٌ بطريق الوعد لمآل الذين اتَّصفوا بأضداد ما اتَّصف به الكفرة، إثر بيان ما لهم بطريق الوعيد، أي: إنَّ الذين آمنوا بآيات ربهم ولقائه سبحانه ﴿وَعِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ من الأعمال ﴿كَانَتْ لَمْ﴾ فيما سبق من حكم الله تعالى ووعده، فالمضئُّ باعتبار ما ذکر. وفيه - على ما قال شيخ الإسلام - إيماءٌ إلى أنَّ أثرَ الرحمة يصلُ إليهم بمقتضى الرأفة الأزليَّة، بخلاف ما مرَّ من جعل جهنّم للكافرين نزلاً، فإنَّه بموجب ما حدث من سوء اختيارهم(١). وقيل: يجوزُ أنْ يكون ما وعدوا به لتحقُّقه نُزِّلَ منزلةَ الماضي، فجيء بـ (كان)) إشارةً إلى ذلك. ولم يقل: أعتدنا لهم، كما قيل فيما مرَّ؛ للإشارة إلى أنَّ أمرَ الجنات لا يكادُ يتمُّ، بل لا يزال ما فيها يزدادُ، فإنَّ إعتاد(٢) الشيء وتهيئته يقتضي تماميَّة أمره وكماله، وقد جاء في الآثار أنَّه يُغْرَس للمؤمن بكلِّ تسبيحةٍ يسبِّحُها شجرةٌ في الجنة(٣). وقيل: التعبيرُ بما ذُكر أظهرُ في تحقّق الأمر من التعبير بالإعتاد، ألا ترى أنَّه قد تُهيّا دارٌ لشخصٍ ولا يسكنها، ولا يخلو عن لطفٍ فافهم. (١) تفسير أبي السعود ٥/ ٢٥٠. (٢) في الأصل: اعتبار. (٣) يشير إلى ما أخرجه الترمذي (٣٤٦٤) من حديث جابر عن النبي وغير قال: ((من قال: سبحان الله العظيم وبحمده، غرست له نخلة في الجنة)). الآية : ١٠٧ ٥٩٥ سُورَةُ الكَهْفِّ ◌ِجَنَتُ اٌلْفِرْدَوْسِ﴾ أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد أنَّ الفردوسَ هو البستان بالروميَّة(١) . وأخرج ابن أبي حاتم عن السُّدِّيِّ أنَّه الكَرْمُ بالنبطية، وأصله فرداسا(٢). وأخرج ابن أبي شيبةً وغيره عن عبد الله بن الحارث أنَّ ابن عباس سأل كعباً عن الفردوس فقال: هي جنَّةُ الأعناب بالسريانية(٣). وقال عكرمة: هي الجنَّة بالحبشيّة. وقال القفال: هي الجنة الملتقَّةُ بالأشجار. وحَكى الزَّجَّاج أنَّها الأودية التي تُنبت ضروباً من النبات(٤). وقال المبرّد: هي فيما سمعت من العرب الشجرُ الملتفُّ، والأغلب عليه العنب. ونصَّ الفرَّاء(٥) على أنَّه عربيٍّ أيضاً، ومعناه البستان الذي فيه كرم، وهو ممَّا یذگّر ویؤنَّث. وزعم بعضُهم أنَّها لم تُسمع في كلام العرب إلَّا في قول حسان: جنانٌ من الفردوس فيها يخلّدُ(٦) وإنَّ ثوابَ الله كلَّ موحِّدٍ وهو لا يصح، فقد قال أميَّةُ بن أبي الصلت: كانت منازلهم إذ ذاك ظاهرةً فيها الفراديسُ ثم الفوم والبصلُ (٧) (١) الدر المنثور ٢٥٤/٤، وأخرجه الطبري في تفسيره ٤٣٢/١٥ . (٢) الدر المنثور ٢٥٤/٤. (٣) الدر المنثور ٢٥٤/٤، وهو في مصنف ابن أبي شيبة ١٤٩/١٣ من طريق عبد الله بن الحارث عن كعب، ولم يذكر ابن عباس، وليس فيه قوله: بالسريانية. (٤) معاني القرآن للزجاج ٣١٤/٣-٣١٥. (٥) في معاني القرآن له ٢/ ٢٣١. (٦) دیوان حسان بن ثابت ص٩٢، طبعة دار صادر. (٧) ديوان أمية بن أبي الصلت ص٩٨. وفيه: والفومان. بدل: ثم الفوم. سُورَةُ الكَهْفِ ٥٩٦ الآية : ١٠٧ وجاء في شعر جرير في أبياتٍ يَمدحُ بها خالد بن عبد الله القسريّ، حيث قال: وإنَّا لنرجو أن نرافقَ رفقة يكونون في الفردوس أوَّل واردٍ(١) وممَّا سمعه أهلُ مكة قبل إسلام سعد قولُ هاتف: أجيبا إلى داعي الهدى وتمنَّيا على الله في الفردوس مُنيةَ عارفٍ(٢) والحق أنَّ ذكرها في شعر الإسلاميين كثيرٌ، وفي شعر الجاهليين قليل. وأخرج البخاريُّ ومسلم وابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: (إذا سألتم الله تعالى فاسألوه الفردوس، فإنَّه وسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه (٣) تفجّر أنهار الجنة))(٤). وعن أبي عبيدة بن الجرَّاح مرفوعاً: ((الجنَّة مئة درجةٍ، ما بينَ كلِّ درجتين ما بين السماء والأرض، والفردوسُ أعلى الجنة، فإذا سألتم الله تعالى فاسألوه الفردوس))(٥). وروي عن كعب أنَّه ليس في الجنَّة أعلى من جنّة الفردوس، وفيها الآمرونَ بالمعروف والناهون عن المنكر(٦). وصحَّ أنَّ أهل الفردوسِ ليسمعونَ أطيط العرش(٧). (١) ديوان جرير ٢/ ٦٠٤. وفيه: ترافق، بدل: نرافق. (٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في هواتف الجنان (٧٥)، والحاكم في المستدرك ٢٥٣/٣، والضمير في ((أجيبا)) يعود على سعد بن عبادة وسعد بن معاذ . (٣) في (م): ومنها . (٤) صحيح البخاري (٢٧٩٠)، ولم أره في صحيح مسلم، والمصنف تبع السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٥٤ في نسبته لمسلم. وانظر تحفة الأشراف ٢٧٨/١٠. وسلف بعضه ٤/ ٥٧. (٥) أخرجه النجاد في جزء التراجم، كما ذكر السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٥٤-٢٥٥. وأخرج الترمذي (٢٥٣٠)، وابن ماجه (٤٣٣١)، وأحمد (٢٢٠٨٧) نحوه من حديث معاذ بن جبل به، وأخرج الترمذي (٢٥٣١)، وأحمد (٢٢٦٩٥) نحوه أيضاً من حديث عبادة بن الصامت (٦) أخرجه الطبري في تفسيره ٤٣١/١٥، وأبو نعيم في الحلية ٥/ ٣٨٠. (٧) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٧٩٦٦) من حديث أبي أمامة له. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣٩٨/١٠: وفيه جعفر بن الزبير وهو متروك. الآية : ١٠٧ ٥٩٧ سُورَُّ الكَهْفِ وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي موسى الأشعري مرفوعاً: ((الفردوسُ مقصورةٌ الرحمن»(١). وكلُّ ذلك لا ينافي كونَ الفردوس في اللغة البستان كما تُوهِّم، إذ لا مانعَ من أن يكون أعلى الجنة بستاناً، لكنَّه لكونه في غاية السعة أُطلِقٍ على كلِّ قطعةٍ منه جنَّة، فقيل: جنَّات الفردوس، كذا قيل. واستُشكِل بأنَّ الآيةَ حينئذٍ تُفيدُ أنَّ كلَّ المؤمنين في الفردوس المشتمل على جنات، وهذا لا يصحُّ على القول بأنَّ الفردوسَ أعلى الدرجات، إذ لا شبهةً في تفاوت مراتبهم. وكونُ المراد بالذين آمنوا وعملوا الصالحات طائفةً مخصوصةً من مطلق المؤمنين، مع كونه في مقابلة الكافرين = ليس بشيء. وقال أبو حيان: الظاهرُ أنَّ معنى ((جنَّات الفردوس)»: بساتينُ حول الفردوس، ولذا أضيفت الجنَّاتُ إلى الفردوس(٢). وأنت تعلم أنَّ هذا لا يشفي الغليل؛ لما أنَّ الآيةَ حينئذٍ تفيدُ أنَّ جميع المؤمنين في جناتٍ حول الفردوس، ومن المعلوم أنَّ منهم من هو في الفردوس. وقيل: الأمر كما ذكر أبو حيَّان، إلّا أنَّه يلتزم الاستخدام في الآية، بأن يراد مطلق الجنَّات فيما بعد. وفیه - مع كونه خلاف الظاهر - ما لا يخفى. وقيل: المراد من جنَّات الفردوس جميع الجنات، والإضافة إلى الفردوس التي هي أعلاها باعتبار اشتمالها عليها، ويكفي في الإضافة هذه الملابسة. ولعلك تختارُ أنَّ الفردوسَ في الآثار بمعنّى، وفي الآية بمعنى آخر، وتختار من معانيه ما تكلف في الإضافة فيه، كالشجر الملتفِّ ونحوه، وظاهرُ بيت حسان وبيت أمية شاهدٌ على أنَّ للفردوس معنّى غير ما جاء في الآثار، فليتدبَّر. واعلم أنَّه استشكل أيضاً ما جاء من أمر السائل بسؤال الفردوس لنفسِه، مع كونه أعلى الجنَّة، بخبر أحمد عن أبي هريرة مرفوعاً: ((إذا صليَّتم عليَّ، فاسألوا الله (١) الدر المنثور ٢٥٤/٤. (٢) البحر المحيط ١٦٨/٦. سُورَةُ الكَهْفِ ٥٩٨ الآية : ١٠٨ تعالى ليَ الوسيلة؛ أعلى درجةٍ في الجنَّة، لا ينالها إلَّ رجلٌ واحدٌ، وأرجو أنْ أكون أنا هو))(١). وأجيبَ بأنَّه لا مانعَ من انقسام الدرجة الواحدة إلى درجات بعضُها أعلى من بعض، وتكون الوسيلةُ عبارةً عن أعلى درجات الفردوس التي هي أعلى درجات الجنان، ونظيرُ ذلك ما قيل في حدِّ الإعجاز، فتذكَّر. وقيل: المراد من الدرجة في حديث الوسيلة درجةُ المكانة لا المكان، بخلافها فیما تقدَّم، فلا إشكال. والجارُّ والمجرور متعلِّقٌ بمحذوف؛ على أنَّه حالٌ من قوله تعالى: (ثُزْلًا)، أو على أنّه بيانٌ كما في: سقياً (٢) لك، وخبر ((كان)) في الوجهين ((نزلاً))، أو على أنَّه الخبر، و((نزلاً)) حالٌ من ((جنات))، فإنْ جُعل بمعنى ما يُهيَّأ للنازل، فالمعنى: كانت لهم ثمارُ جنات الفردوس نزلاً أو جعلت نفسُ الجنات نزلاً، مبالغةً في الإكرام، وفيه إيذانٌ بأنَّها عند ما أعدَّ الله تعالى لهم على لسان النبوة من قوله تعالى: ((أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر))(٣) = بمنزلةٍ النزل بالنسبة إلى الضيافة، وإنْ جعلت بمعنى المنزل فالمعنى ظاهر. ﴿َلِنَ فِيَهَا﴾ نصب على الحالية، وهي حالٌ (٤) مقدَّرةٌ عند البعض، وحقق أنَّها حالٌ مقارنة، والمعتبر في المقارنة زمانُ الحكم، وهو كونهم في الجنَّة، وهم بعد حصولهم فيها مقارنون له، إذ لا آخر له، فتأمَّل ولا تغفل. ﴿لَا يَبْغُونَ عَنَّهَا حِوَلًا (٣)﴾ هو - كما قال ابن عيسى وغيره - مصدرٌ كالعِوَج والصغر والعِوَد في قوله: عادني حبها عِوَداً (٥)، أي: لا يطلبون عنها تحوُّلاً، إذ (١) مسند أحمد (٧٥٩٨) من طريق ليث، عن كعب، عن أبي هريرة، به وأخرجه الترمذي (٣٦١٢) دون قوله: «إذا صلّیتم عليّ) وقال: هذا حديث غريب، إسناده ليس بالقوي، وکعب ليس هو بمعروف، ولا نعرف أحداً روى عنه غير ليث بن أبي سليم. اهـ. وليث بن أبي سليم ضعيف، ولسؤال الوسيلة للنبي و 9 شاهد من حديث عبد الله بن عمرو عند مسلم (٣٨٤). (٢) في (م): سعيا. (٣) سلف ٣٦/١٤. (٤) لفظة: حال. ليست في (م). (٥) في الأصل: عادني من حبها عِوَد. الآية : ١٠٩ ٥٩٩ سُورَةُ الْكھْفِ لا يُتصوَّر أنْ يكون شيءٌ أعزَّ عندهم وأرفع منها حتى تنازعهم إليه أنفسهم، وتطمح عنه أبصارهم، وإن تفاوتت درجاتهم، والحاصلُ أنَّ المراد من عدم طلب التحوُّل عنها كونُها أطيبَ المنازل وأعلاها. وقال ابن عطيّة: كأنَّه اسم جمع، وكأنَّ واحده حوالة(١). ولا يخفى بعده. وقال الزَّجَّاج عن قوم: هو بمعنى الحيلة في التنقل(٢). وهو ضعيفٌ متكلَّفٌ. وجُوِّزَ أنْ يُراد نفيُ التحوُّل والانتقال، على أنْ يكون تأكيداً للخلود؛ لأنَّ عدمَ طلب الانتقال مستلزمٌ للخلود، فيؤكِّدُه، أو لأنَّ الكلامَ على حدٍّ: ولا ترى الضبَّ بها ينجحر (٣) أي: لا يتحوَّلون عنها فيبغوه. وقيل في وجه التأكيد: إنهم إذا لم يريدوا الانتقال لا ينتقلون؛ لعدم الإكراه فيها، وعدم إرادة النقلة عنها، فلم يبق إلّ الخلود، إذ لا واسطة بينهما كما قيل. والجملة حالٌ من صاحب ((خالدين))، أو من ضميره فيه، فتكون حالاً متداخلة، وفيها إيذانٌ بأنَّ الخلودَ لا يورثهم مللاً. ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ﴾ أي: جنسُ البحر ﴿مِدَادًا﴾ هو في الأصل اسمٌ لكلِّ ما يُمَدُّ به الشيء، واختصَّ في العرف لما تُمَدُّ به الدواةُ من الحبر. ﴿لِكَلِمَتِ رَبِ﴾ أي: معدًّا لكتابة كلماته تعالى، والمراد بها - كما روي عن قتادة - معلوماتُه سبحانه، وحكمته عزَّ وجلَّ. ﴿لَنَفِدَ الْبَحْرُ﴾ مع كثرته، ولم يبق منه شيءٌ لتناهيه ﴿قَلَ أَنْ نَفَدَ كَلِمَتُ رَبِّ﴾ لعدم تناهيها . عوناً وزيادةً؛ لأنَّ مجموعَ المتناهيين متناهٍ، بل ﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ، مَدَدًّا ١٠٩ (١) المحرر الوجيز ٥٤٦/٣ . (٢) انظر معاني القرآن للزجاج ٣١٥/٣. (٣) عجز بيت لعمرو بن أحمر سلف عند تفسير الآية (١٥١) من سورة آل عمران، وصدره: لا تُفْزِعِ الأرنبَ أموالُها سُورَةُ الكَهْفِ ٦٠٠ الآية : ١٠٩ جميعُ ما يدخل في الوجود على التعاقب أو الاجتماع متناهٍ ببرهان التطبيق وغيره من البراهين. وهذا كلامٌ من جهته تعالى شأنُه غيرُ داخل في الكلام الملقَّن، جيء به لتحقيق مضمونه وتصدیق مدلوله على أتمٍّ وجه. والواو العطف الجملة على نظيرتها المستأنفة المقابلة لها، المحذوفةِ لدلالة المذكور عليها دلالةً واضحةً، أي: لنفدَ البحرُ قبلَ أن تنفدَ كلماته تعالى، لو لم نجئ بمثله مدداً، ولو جئنا بمثله مدداً. والكلام في جواب ((لو)) مشهور. وليس قوله تعالى: (قَبْلَ أَن نَتَفَدَ) للدلالة على أنَّ ثَمَّ نفاداً في الجملة محقَّقاً أو مقدَّراً؛ لأنَّ المراد منه: لنفِدَ البحرُ وهي باقيةٌ، إلّا أنَّه عدلَ إلى المنزَّل لفائدةِ المزاوجة، وأنَّ ما لا ينفدُ عند العقول العامية ينفدُ دون نفادها، وكلّما فرضتَ من المدِّ فكذلك، والمِثْلُ للجنس شائعٌ على أمثالٍ كثيرةٍ تُفْرَض كلٌّ منه مدداً، وهذا كما في ((الكشف)) أبلغُ من وجهٍ من قوله تعالى: ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ، سَبْعَةُ أَبْجُرٍ﴾ [لقمان: ٢٧]، وذلك أبلغ من وجهٍ آخر، وهو ما في تخصيصٍ هذا العدد من النكتة، ولم يرد تخصيص العدَّة، ثمَّ فيه زيادةُ تصوير لما استقرَّ في عقائد العامَّة من أنَّها سبعةٌ، حتى إذا بالغوا فيما يتعذَّرُ الوصول إليه قالوا: هو خلفَ سبعة أبحر. وفي إضافة الكلماتِ إلى اسم الربِّ المضافِ إلى ضميره وَّر في الموضعين من تفخيم المضافٍ وتشريف المضاف إليه ما لا يخفى. وإظهارُ البحر والكلمات في موضع الإضمار لزيادة التقرير. ونصب ((مدداً)) على التمييز كما في قوله: فإنَّ الهوى يَكْفِيكَه مثله صبرا(١) (١) هو في البحر المحيط ١٦٩/٦، والدر المصون ٥٥٨/٧، واللباب ٥٧٨/١٢ دون نسبة. ونسبه المرزوقي في الأزمنة والأمكنة ٣٨٣/٢ لجرير، وصدره: إذا خفت يوماً أن يلج بك الهوى وليس في ديوانه.