النص المفهرس

صفحات 521-540

الآية : ٨٢
٥٢١
سُورَةُ الكَهْفِ
الشريعة والطريقة والحقيقة: مثلاً عدمُ نطق اللسان بالكذب شريعةٌ، ونفيُ خاطر
الكذب عن القلب، إنْ كان بالتكلُّف والتعمُّل؛ فهو طريقةٌ، وإن تيسّر بلا تكلُّفٍ؛
فهو حقيقة، ففي الجملة: الباطنُ الذي هو الطريقة والحقيقة مكمِّلُ الظاهرَ الذي هو
الشريعة، فالسالكونَ سبيلَ الطريقة والحقيقة، إنْ ظهر منهم في أثناء الطريق أمورٌ
ظاهرُها مخالفٌ للشريعة ومنافٍ لها، فهو من سُكْر الوقت وغَلَبَة الحال، فإذا
تجاوزوا ذلك المقامَ، ورَجعوا إلى الصحو، ارتفعت تلك المنافاةُ بالكلِّيَّة، وصارت
تلك العلوم المضادّة(١) بتمامها هباءً منثوراً.
وقال - نفعنا الله تعالى بعلومه في أثناء المكتوب السادس والثلاثين من الجلد
الأول - أيضاً: للشريعة ثلاثةُ أجزاء: علمٌ وعملٌ وإخلاص، فما لم تتحقَّق هذه
الأجزاء لم تتحقَّق الشريعة، وإذا تحقَّقت الشريعةُ حصلَ رضاءُ الحقِّ سبحانه
وتعالى، وهو فوق جميع السعادات الدنيويَّة والأخرويَّةِ ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾
[التوبة: ٧٢] فالشريعة متكفِّلةٌ بجميع السعادات، ولم يبق مطلبٌ وراء الشريعة،
فالطريقةُ والحقيقةُ اللتان امتازَ بهما الصوفيّة، كلتاهما خادمتان للشريعة في تكميل
الجزء الثالث الذي هو الإخلاص، فالمقصودُ منهما تكميلُ الشريعة، لا أمرٌ آخر
وراء ذلك. إلى آخر ما قال(٢) .
وقال عليه الرحمة في أثناء المكتوب التاسع والعشرين من الجلد المذكور بعد
تحقيقٍ كثير: فتقرَّر أنَّ طريقَ الوصول إلى درجاتِ القرب الإلهيِّ جلَّ شأنه - سواءٌ
كان قرب النبوّة، أو قرب الولاية - منحصرٌ في طريق الشريعة التي دعا إليها
رسول الله وَّله، وصار مأموراً بها في آيةٍ: ﴿قُلْ هَذِهِ، سَبِيلِيَّ أَدْعُواْ إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ
أَنَأْ وَمَنِ أَتَّبَعَنِىْ﴾ [يوسف: ١٠٨] وآيةُ: ﴿قُلّ إِن كُنْتُمْ تُحِبُونَ اللَّهَ فَِّعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ [آل
عمران: ٣١] تدلُّ على ذلك أيضاً، وكلُّ طريقٍ سوى هذا الطريق ضلالٌ ومنحرفٌ عن
المطلوب الحقيقيّ، وكلُّ طريقةٍ ردَّتها الشريعة فهي زندقةٌ، وشاهدُ ذلك آية: ﴿وَأَنَّ
هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام: ١٥٣] وآية: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ أَلْحَقِّ إِلَّا الشَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢]
وآية: ﴿وَمَن يَبْتَعْ غَيْرَ اَلْإِسْلَمِ دِينًا﴾ [آل عمران: ٨٥]، وحديثُ: خطَّ لنا النبيُّ وَِّ،
(١) في المكتوبات ١ / ٥٤ - والكلام فيه -: المتضادة.
(٢) المكتوبات ١/ ٥٠.

سُورَةُ الكَهْفِ
٥٢٢
الآية : ٨٢
الخبر (١)، وحديث: ((كلُّ بدعةٍ ضلالة))(٢)، وأحاديثُ أخر. إلى آخر ما قال عليه
رحمةُ الملك المتعال.
وقال قُدِّس سرُّه في معارف الصوفية: اعلم أنَّ معارفَ الصوفية وعلومَهم في
نهاية سيرهم وسلوكهم إنَّما هي علومُ الشريعة، لا أنَّها علومٌ أخر غير علوم
الشريعة، نعم يَظهرُ في أثناء الطريق علومٌ ومعارفُ كثيرة، ولكن لا بدَّ من العبور
عنها، ففي نهايات(٣) النهايات علومُهم علومُ العلماء، وهي علوم الشريعة، والفرق
بينهم وبين العلماء أنَّ تلك العلوم بالنسبة إلى العلماء نظريّةٌ واستدلاليَّةٌ، وبالنسبة
إليهم تصيرُ كشفيَّةً وضروريَّةً.
وقال أيضاً: اعلم أنَّ الشريعةَ والحقيقة متَّحدان في الحقيقة، ولا فرقَ بينهما إلَّا
بالإجمال والتفصيل، وبالاستدلال والكشف، وبالغيب والشهادة، وبالتعمُّل وعدم
التعمُّل، وللشريعة من ذلك الأوَّل، وللحقيقة الثاني، وعلامةُ الوصول إلى حقيقة
حقِّ اليقين مطابقةُ علومه ومعارفه لعلوم الشريعة ومعارفها، وما دامت المخالفةُ
موجودةً، ولو أدنى شعرة، فذلك دليلٌ على عدم الوصول، وما وقع في عبارة بعض
المشايخ من أنَّ الشريعة قشرٌ والحقيقة لبٌّ، فهو وإن كان مشعراً بعدم استقامة
قائله، ولكن يمكنُ أنْ يكونَ مرادُه أنَّ المجملَ بالنسبة إلى المفصَّل حكمه حكم
القشر بالنسبة إلى اللبِّ، وأنَّ الاستدلال بالنسبة إلى الكشف كذلك، والأكابرُ
المستقيمةُ أحوالُهم لا يجوِّزون الإتيان بمثل هذه العبارات الموهمة. إلى غير ذلك
من عباراته الشريفة التي لا تكادُ تحصى (٤).
وقال سيدي القطبُ الربانيُّ الشيخ عبد القادر الكيلانيُّ قدِّس سرُّه: جميعُ الأولياء
لا يستمدُّون إلَّا من كلام الله تعالى ورسوله وَّه، ولا يعملون إلَّا بظاهرهما.
(١) يشير إلى الحديث الذي أخرجه أحمد (٤١٤٢)، (٤٤٣٧)، وابن حبان (٦)، (٧) عن ابن
مسعود ◌َّه قال: خطّ لنا رسول الله وَّ خطًّا، ثم قال: ((هذه سبيل الله))، ثم خطَّ خطوطاً
عن يمينه وشماله، ثم قال: ((هذه سبل، على كل سبيلِ منها شيطانٌ يدعو إليه)) ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ
هَذَا صِرَّطِى مُسْتَقِيمًا فَتَّبِعُوَةٌ وَلَا تَنَّبِعُوا السُبُلَ فَتَغَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِلٍِ﴾ .
(٢) هو قطعة من حديث جابر في خطبة النبي ◌َّر، أخرجه مسلم (٨٦٧).
(٣) في (م): نهاية.
(٤) انظر المكتوبات ٢٠/١-٢١.

الآية : ٨٢
٥٢٣
سُورَةُ الكَهْفِ
وقال سيِّدُ الطائفة الجنيد قدِّسَ سرُّه: الطرقُ كلُّها مسدودةٌ إلَّا على من اقتفى
أثرَ الرسول عليه الصلاة والسلام.
وقال أيضاً: من لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث، لا يقتدى به في هذا
العلم؛ لأنَّ علمنا مقيَّدٌ بالكتاب والسنة.
وقال السَّريُّ السقطيُّ: المتصوِّف (١) اسمٌ لثلاثة معانٍ؛ وهو لا يطفئ نورُ معرفته
نورَ ورعه، ولا يتكلّم بسرِّ باطنٍ في علمٍ ينقضُه عليه ظاهرُ الكتاب، ولا تحملُه
الكرامات على هتك محارم الله.
وقال أيضاً قدِّس سرُّه: من ادَّعى باطنَ علم ينقضُه ظاهرُ حكم فهو غالط.
وقال أبو الحسين النوري: من رأيتَه يدَّعي مع الله تعالى حالةً تخرجُه عن حدٍّ
العلم الشرعيِّ فلا تقربه، ومن رأيتَه يدَّعي حالةً لا يشهدُ لها حفظ(٢) ظاهر فاتَّهمه
على دينه .
وقال أبو سعيدٍ الخرّاز: كلُّ فيضٍ باطنٍ يخالفُه ظاهرٌ فهو باطل .
وقال أبو العباس أحمد الدينوريُّ: لسانُ الظاهر لا يغيِّرُ حكمَ الباطن.
وفي ((التحفة)) لابن حجر: قال الغزاليُّ: من زعمَ أنَّ له مع الله تعالى حالاً
أسقطَ عنه نحوَ الصلاة أو تحريمَ شرب الخمر؛ وجب قتلُه، وإن كان في الحكم
بخلوده في النار نظر، وقتلُ مثله أفضلُ من قتل مئة كافر؛ لأنَّ ضررَه أكثر.
انتھی .
ولا نظرَ في خلوده؛ لأنَّه مرتدٌّ؛ لاستحلاله ما عُلِمت حرمتُه، أو نفيهِ وجوبَ
ما علِيم وجوبه ضرورةً فيهما، ومن ثَمَّ جزمَ في ((الأنوار)» بخلوده. انتهى.
وقال في ((الإحياء)): من قال: إنَّ الباطن يخالفُ الظاهر، فهو إلى الكفر أقربُ
منه إلى الإيمان(٣). إلى غير ذلك. وفي ((رسالة القشيري)) طرفٌ منه.
(١) في (م): التصوف.
(٢) في الأصل: حسن. وانظر حلية الأولياء ٢٥٢/١٠.
(٣) الإحياء ١٠٠/١.

سُوَدَّةُ الكَهْفِى
٥٢٤
الآية : ٨٢
والذي ينبغي أنْ يُعلَم أنَّ كلام العارفين المحقّقين، وإنْ دلَّ على أنَّه لا مخالفةً
بين الشريعة والطريقة والحقيقة في الحقيقة؛ لكنَّه يدلُّ أيضاً على أنَّ في الحقيقة
كشوفاً وعلوماً غيبيَّةً، ولذا تراهم يقولون: علم الحقيقة: هو العلم اللدنيُّ، وعلمُ
المكاشفة، وعلم الموهبة، وعلم الأسرار، والعلم المكنون، وعلم الوراثة، إلّا أنَّ
هذا لا يدلُّ على المخالفة، فإنَّ الكشوفَ والعلوم الغيبيَّةَ ثمرةُ الإخلاص الذي هو
الجزء الثالث من أجزاء الشريعة، فهي بالحقيقة مترتِّبةٌ على الشريعة ونتيجةٌ لها،
ومع هذا لا تغيِّرُ تلك الكشوفُ والعلوم الغيبية حكماً شرعياً، ولا تقيِّدُ مطلقاً،
ولا تطلقُ مقيَّداً، خلافاً لما توهمه ساجقلي زاده(١)، حيث قال في شرح عبارة
((الإحياء)) السابقة آنفاً: يريدُ الغزاليُّ من الباطن ما ينكشفُ لعلماء الباطن من حِلِّ
بعض الأشياء لهم، مع أنَّ الشارع حرَّمه على عباده مطلقاً، فيجب أن يقال:
إنَّما انكشفَ حِلُّه لهم لِمَا انكشف لهم من سببٍ خفيٍّ يُحلّله لهم، وتحريمُ الشارع
تعالى ذلك على عباده مقيّدٌ بانتفاء انكشاف السبب المحلِّل لهم، فمن انكشفَ له
ذلك السببُ حَلَّ له، ومَن لا فلا، لكنَّ الشارع سبحانه حرَّمه على عباده على
الإطلاق، وترك ذلك القيد لندرة وقوعه، إذ من ينكشفُ له قليلٌ جدًّا، مثاله:
انكشافُ محلِّل خرق السفينة وقتلِ الغلام للخضر عليه السلام، فحلَّ له بذلك
الانكشافِ الخرقُ والقتلُ، وحِلُّهما له مخالفٌ لإطلاق نهي النبيِّ بَّرِ أَمَّته عن
الضرر وعن قتل الصبيّ، لكنَّهما مقيَّدان، فالأوَّل مقيّدٌ بما إذا لم يُعلم هناك غاصبٌ
مثلاً، والثاني بما إذا لم يُعلم أنَّ الصبيَّ سيصير ضالًّا مُضِلًّا، لكنَّ الشارع تركَ
القيدين لندرة وقوعهما، واعتماداً على فهم الراسخين في العلم إيَّهما. إلى آخر
ما قال، فإنَّ النصوصَ السابقة تنادي بخلافه كما سمعت.
ثمَّ إنَّ تلك الغيوبَ والمكاشفات - بل سائر ما يحصل للصوفية من
التجلِّيات - ليست من المقاصد بالذات، ولا يقف عندها الكاملُ ولا يَلتفتُ إليها .
وقد ذكر الإمام الربانيُّ قُدِّس سرُّه في المكتوب السادس والثلاثين المتقدِّمِ نقلُ
بعضِه: أنَّها تَربَّى بها أطفالُ الطريق، وأنَّه ينبغي مجاوزتُها والوصولُ إلى مقام
(١) هو محمد المرعشي، له ((تسهيل الفرائض))، و((ترتيب العلوم)) وغيرها، توفي سنة
(١١٥٠ هـ). معجم المؤلفين ٧١١/٣.

الآية : ٨٢
٥٢٥
سُوَدَّةُ الكَهْفِ
الرضى الذي هو نهايةُ مقامات السلوك والجذبة، وهو عزيزٌ لا يصلُ إليه إلَّا واحدٌ
من ألوف.
ثم قال: إنَّ الذين هم قليلو النظر يَعُدُّون الأحوالَ والمواجيدَ من المقامات،
والمشاهدات والتجلّيات من المطالب، فلا جرم بَقُوا في قيد الوهم والخيال،
وصاروا محرومين من كمالات الشريعة ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا نَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ
يَجْتَبِّ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِىّ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٣]. انتهى(١).
ويُعلم منه أنَّ الكاملين في الشريعة يَعبُرون على ذلك، ولا يلتفتونَ إليه،
ولا يعدُّونه مقصداً، وجلُّ مقصدِهم تحصيلُ مقام الرضى، وعلى هذا يخرَّج بيت
«المثنوي))(٢) حيث يقول:
زَان طَرَف كِه عِشْق مي أَفْزُود دردْ بو حنيفة شافعي دَرْسِي نَكَرْد(٣)
وقد يحجبُ الكامل عن جميع ذلك، ويُلحَق من هذه الحيثيّة بعوامِّ النَّاس.
ويعلم ممَّا ذُكرَ أنَّ موسى عليه السلام أكملُ من الخضر، وأعلميَّةُ الخضر عليه
السلام بعلم الحقيقة كانت بالنسبة إلى الحالة الحاضرة، فإنَّ موسى عليه السلام عَبَرَ
على ذلك، ولم يقف عنده؛ لأنَّه في مقام التشريع، ولعلَّ طلبَه التعليم كان بالأمر
ابتلاءً له بسبب تلك الفلتة. وقد ذكروا أنَّ الكاملَ كلَّما كان صعودُه أعلى كان
هبوطه أنزل، وكلَّما كان هبوطه أنزل كان في الإرشاد أكمل، وفي الإفاضة أتم؛
لمزيد المناسبة حينئذٍ بين المرشد والمسترشد، ولهذا قالوا فيما يُحكى أنَّ الحسن
البصريَّ وقفَ على شطّ نهرٍ ينتظرُ سفينةً، فجاء حبيب العجميُّ(٤)، فقال له:
ما تنتظر؟ فقال: سفينة، فقال: أيُّ حاجةٍ إلى السفينة، أَمَا لَكَ يقين؟ فقال الحسن:
(١) المكتوبات ٥٠/١.
(٢) لجلال الدين محمد بن محمد القونوي الرومي، المتوفى سنة (٦٧٠ هـ). كشف الظنون
١٥٨٧/٢.
(٣) المعنى العام للبيت: إن أمراً أو مقاماً زاد به عشقي هو أمر لم يعلِّمني إياه أبو حنيفة
والشافعي.
(٤) هو حبيب بن محمد، زاهد أهل البصرة وعابدهم، كان مجاب الدعوة. انظر تهذيب الكمال
٣٩١/٥، وسير أعلام النبلاء ١٤٣/٦، وتهذيب التهذيب ٣٥٢/١.

سُورَةُ الكَهْفِ
٥٢٦
الآية : ٨٢
أَمَا لَكَ علم؟ ثم عبر حبيبٌ على الماء بلا سفينة، ووقف الحسن: إنَّ الفضل
للحسن، فإنَّه كان جامعاً بين علم اليقين وعين اليقين. وعَرف الأشياءَ كما هي،
وفي نفس الأمر جُعلت القدرة مستورةً خلف الحكمة، والحكمة في الأسباب،
وحبيب صاحبُ سكرٍ لم يرَ الأسباب، فعوملَ برفعها. ومن هنا يظهرُ سرُّ قلَّةٍ
الخوارق في الصحابة، مع قول الإمام الربانيِّ: إنَّ نهاية أويسٍ سيد التابعين بدايةٌ
وحشيٍّ قاتلٍ حمزة يوم أسلم، فما الظنُّ بغير أويس مع غير وحشيٍّ؟
وأنا أقول: إنَّ الكامل وإن كان مَن عَلِمْتَ، إلَّا أنَّ فوقه الأكمل، وهو من لم
يزل صاعداً في نزوله، ونازلاً في صعوده، وليس ذلك إلَّا رسولُ اللهِ وَلِ،
ولولا ذلك ما أمدَّ العالم العلويَّ والسفليَّ، وهذا مرجعُ الحقيقة والشريعة له عليه
الصلاة والسلام على الوجه الأتمِّ كما أشرنا إليه سابقاً، والحمد لله تعالى على أنْ
جعلنا من أمَّته وذريَّته.
ولا يعكِّر على ما ذكرنا ما قاله الإمام الغزاليُّ في ((الإحياء))، وهو أنَّ علم
الآخرة قسمان: علم مكاشفة، وعلم معاملة؛ أمَّا علم المكاشفة فهو علم الباطن،
وهو غايةُ العلوم، وهو علم الصديقين والمقرَّبين، وهو عبارةٌ عن نورٍ يظهرُ في
القلب عند تطهيره وتزكيته من الصفات المذمومة، وينكشف بذلك ما كان يسمعُ من
قبل أسمائها، ويتوهَّمُ لها معانٍ مجملةً غير متضحة، فتتضحُ إذ ذاك حتى تحصلَ
المعرفةُ بذات الله تعالى، وبصفاته التامَّات، وبأفعاله، وبحكمته في خلق
الدنيا والآخرة. انتهى (١) = لأنَّ المراد أنَّ ذلك من علم الباطن الذي هو علمُ
الحقيقة، وهذا البعضُ لا يمكن أن يخلو منه نبيٌّ، كيف ورتبةُ الصديقين دون رتبة
الأنبياء عليهم السلام، كما قرروه في آية: ﴿فَأُؤْلَكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيْنَ
وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩]؟
وممَّا ذكرنا من عدم المخالفة بين الشريعة والحقيقة يُعْلَم ما في كلام البلقيني
في دفع ما استشكله من قول الخضر لموسى عليهما السلام: ((إنِّ على علم))
الحديث السابق(٢)، حيثُ زعم أنَّه يدلُّ بظاهره على امتناع تعليم العلمين معاً، مع
(١). إحياء علوم الدين ١٩/١ - ٢٠.
(٢) سلف ص٤٦١ من هذا الجزء.

الآية : ٨٢
٥٢٧
سُورَةُ الكَهْفِ
أنَّه لا يمتنع، وأجاب بأنَّ علم الكشوف والحقائق ينافي علم الظاهر، فلا ينبغي
للعالم الحاكم بالظاهر أنْ يعلمَ الحقائقَ؛ للتنافي، وكذا لا ينبغي للعالم بالحقيقة أنْ
يعلم العلمَ الظاهر الذي ليس مكلَّفاً به وينافي ما عنده من الحقيقة.
ولعمري لقد أخطأ فيما قال، وبالحقِّ تعرفُ الرجال، وكأنَّه لم يعتمد عليه،
فأردفه بجوابٍ آخر هو خلافُ الظاهر، وأنت تعلمُ أنَّه لا حاجةً إلى شيءٍ من ذلك،
والاستشكالُ من ضعف النظر.
ثمَّ إنَّ قصة الخضر عليه السلام لا تصلحُ حَجَّةً لمن يزعمُ المخالفة بين
العلمين؛ فإنَّ أعظمَ ما يُشكل فيها قتل الغلام؛ لكونه طبعَ كافراً، وخُشي من بقائه
حيّاً ارتدادُ أبويه، وذلك أيضاً شريعةٌ، لكنها مخصوصةٌ به عليه السلام؛ لأنَّه - كما قال
العلّامة السبكيُّ - أوحيَّ إليه أنْ يعملَ بالباطن وخلافِ الظاهر الموافق للحكمة،
فلا إشكال فيه، وإنْ عُلم من شريعتنا أنَّه لا يجوزُ لأحدٍ كائناً مَن كان قتلُ صغيرٍ،
لا سيما بين أبوين مؤمنين، وكيف يجوزُ قتلُه بسببٍ لم يحصل، والمولودُ لا يوصف
بكفرٍ حقيقيٍّ، ولا إيمانٍ حقيقيٍّ، واتفاقُ الشرائع في الأحكام ممَّا لم يذهب إليه
أحدٌ من الأنام، فضلاً عن العلماء الأعلام، وهذا ظاهرٌ على القول بنبوَّته.
وأمَّا على القول بولايته: فيقال: إنَّ عملَ الوليّ بالإلهام كان إذ ذاك شرعاً، أو
كما قيل: إنَّه أُمر بذلك على يد نبيٍّ غير موسى عليه السلام.
وأمَّا إقامةُ الجدار بلا أجر فلا إشكالَ فيها؛ لأنَّها إحسانٌ، وغاية ما يُتخيَّل أنَّه
للمسيء، فليكن كذلك ولا ضيرَ، فإنَّه من مكارم الأخلاق.
وأمَّا خرق السفينة لتسلَم من غصب الظالم، فقد قالوا: إنَّه ممَّا لا بأسَ به، حتى
قال العزُّ بن عبد السلام: إنَّه إذا كان تحت يد الإنسان مالُ يتيمِ أو سفيهٍ أو مجنونٍ،
وخاف عليه أنْ يأخذه ظالمٌ، يجبُ عليه تعييبُه؛ لأجل حفظه، وكان القولُ قولَ من
عيَّب مال اليتيم ونحوِه إذا نازعَه اليتيمُ ونحوُه بعد الرشد ونحوِه، في أنَّه فعلَه لحفظِه
على الأوجه، كما قال القاضي زكريا في ((شرح الروض)) قبيلَ باب الوديعة.
ونظيرُ ذلك ما لو كان تحت يده مالُ يتيم مثلاً، وعلم أنَّه لو لم يَبذُل منه شيئاً
القاضي سوءٍ، لانتزعَه منه وسلَّمهُ لبعضٍ الخوّنة، وأدَّى ذلك إلى ذهابه، فإنَّه يجبُ

سُورَةُ الكَهْفِ
٥٢٨
الآية : ٨٢
عليه أنْ يدفعَ إليه شيئاً، ويتحرَّى في أقلِّ ما يمكنُ إرضاؤه به، ويكون القولُ قوله
أيضاً.
وقال بعضهم: قصارى ما تدلُّ عليه القصة ثبوتُ العلم الباطن، وهو مسلّم،
لكنَّ إطلاقَ الباطن عليه إضافيٍّ كما تقدم. وكان في قوله وَّهِ: ((إنَّ من العلم كهيئة
المكنون لا يعرفه إلَّا العلماء بالله تعالى، فإذا قالوه لا ينكرُه إلَّا أهل الغرة بالله
تعالى))(١) إشارةً إلى ذلك، والمراد بأهل الغرة علماء الظاهر الذين لم يؤتوا ذلك.
وبعض مثبتيه يستدلَّون بقول أبي هريرة: حفظتُ من رسول الله وَّ﴿ وعاءَيْن من
العلم، فأمَّا أحدهما فبثتُه، وأمَّا الآخرُ فلو بثَتُه لقُطعَ مني هذا البلعوم(٢). واستُدِلَّ
به أيضاً على المخالفة بين العلمين.
وأنت تعلم أنَّه يحتملُ أنْ يكون أراد بالآخر الذي لو بثَّه لقُتِل علمَ الفتن، وما وقعَ
من بني أمية، وذَّ النبيِّ وَّ﴿ لأناسٍ معينين منهم، ولا شكَّ أنَّ بثَّ ذلك في تلك
الأعصار يجرُّ إلى القتل. وعلى تسليم أنَّه أرادَ به العلم الباطن المسمَّى بعلم الحقيقة،
لا نسلِّمُ أنَّ قطعَ البلعوم منه على بِّه لمخالفته العلم الظاهر في نفس الأمر، بل لتوهم
من بيده الحلُّ والعقدُ والأمر والنهي من أمراء ذلك الزمان المخالفةَ. فافهم.
واستدلَّ العلماء بما في القصَّة حسبما ذكره شُرَّاح الحديث وغيرهم على
استحبابِ الرحلة للعلم، وفضل طلبه، واستحباب استعمال الأدب مع العالم،
واحترام المشايخ، وترك الاعتراض عليهم، وتأويل ما لا يُفهَم ظاهره من أفعالهم
وحركاتهم وأقوالهم، والوفاءِ بعهودهم، والاعتذار عند مخالفتهم، وعلى جواز
اتّخاذِ الخادم في السفر، وحملِ الزاد فيه، وأنَّه لا ينافي التوُّل، ونسبةِ النسيان
ونحوه من الأمور المكروهة إلى الشيطان مجازاً وتأتُّباً عن نسبتها إلى الله تعالى،
واعتذارٍ العالم إلى من يريد الأخذ عنه في عدم تعليمه ممَّا لا يحتمله طبعُه، وتقديم
المشيئة في الأمر، واشتراطِ المتبوع على التابع، وعلى أنَّ النسيانَ غيرُ مؤاخذ به،
(١) أورده الديلمي في الفردوس (٨٠٢). قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار ص ٢٠:
رواه أبو عبد الرحمن السلمي في الأربعين له في التصوف من حديث أبي هريرة بإسناد
ضعيف.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه برقم (١٢٠). وسلف ٣١٢/٧.

التفسير الإشاري (٦٠-٨٢)
٥٢٩
سُورَةُ الكَهْفِ
وأنَّ للثلاث اعتباراً في التكرار ونحوه، وعلى جوازٍ ركوب السفينة، وفيه الحكمُ
بالظاهر حتى يتبيَّن خلافُه؛ لإنكار موسى عليه السلام، وعلى جواز أن يطلب
الإنسان الطعامَ عند احتياجه إليه، وعلى أنَّ صنعَ الجميل لا يترك ولو مع اللئام،
وجواز أخذ الأجر على الأعمال، وأنَّ المسكينَ لا يخرج عن المسكنة بملكِ آلةٍ
يكتسبُ بها، أو شيءٍ لا يكفيه، وأنَّ الغصبَ حرامٌ، وأنَّه يجوزُ دفنُ المال في
الأرض. وفيه إثباتُ كرامات الأولياء، على قول من يقول: الخضرُ وليٌّ، إلى غير
ذلك ممَّا يظهرُ للمتبِّع أو للمتأمِّل.
وبالجملة قد تضمَّنت هذه القصة فوائدَ كثيرة، ومطالبَ عاليةً خطيرة، فأمعِن
النظرَ في ذاك، والله سبحانه يتولَّى هداك.
ومن باب الإشارة في الآيات على ما ذكره بعض أهلِ الإشارة:
﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَآ﴾ فيه إشارةٌ إلى أنَّ لله تعالى خواصَّ أضافهم سبحانه
إليه(١)، وقطعَهم عن غيره، وأخصُّ خواصِّه عزَّ وجل من أضافه إلى الاسم الجليل،
وهو اسم الذات الجامع لجميع الصفات، أو إلى ضمير الغيبة الراجع إليه تعالى،
وليس ذاك إلَّا حبيبه الأكرمُ وَّ.
﴿وَانَيْنَهُ رَحْمَةُ مِّنْ عِندِنَا﴾ وهي مرتبةُ القرب منه عزَّ وجلَّ ﴿وَعَلَّمْتَهُ مِن لَّدُنَا
وهو العلمُ الخاصُّ الذي لا يُعلم إلَّا من جهته تعالى.
عِلْمًا
وقال ذو النون: العلمُ اللدنيُّ هو الذي يحكم على الخلق بمواقع التوفيق
والخذلان.
وقال الجنيدُ قدِّس سرُّه: هو الاطّلاع على الأسرار من غير ظنٍّ فيه ولا خلافٍ
واقع، لكنَّه مكاشفاتُ الأنوار عن مكنون المغيَّبات، ويحصلُ للعبد إذا حفظ
جوارحَه عن جميع المخالفات، وأفنى حركاته عن كلِّ الإرادات، وكان شبحاً بين
يدي الحقِّ بلا تمنّ ولا مراد.
(١) في الأصل: إليهم.

سُوَرَّةُ الكَهْفِ
٥٣٠
التفسير الإشاري (٦٠-٨٢)
وقيل: هو علمٌ يُعرِّفُ به الحقُّ سبحانه أولياءَه ما فيه صلاحُ عباده.
وقال بعضهم: هو علمٌ غيبيٌّ يتعلَّقُ بعالَم الأفعال، وأخصُّ منه الوقوف على
بعض سرِّ القدر قبلَ وقوع واقعته، وأخصُّ من ذلك علمُ الأسماء والنعوت
الخاصَّة، وأخصُّ منه علم الذات.
غوذكر بعض العارفين أنَّ من العلوم ما لا يعلمُه إلَّا النبيُّ، واستدلَّ له بقوله وَله
في حديثٍ المعراج - كما ذكره القسطلانيُّ في ((مواهبه)) وغيره -: ((وسألني ربِّي فلم
أستطع أن أُجيبَه، فوضعَ يده بين كتفيَّ، فوجدت بردها، فأورثني علمَ الأوَّلين
والآخرين، وعلمني علوماً شتى؛ فعِلْمٌ أخذ عليَّ كتمانَه، إذ عَلِمَ أنَّه لا يقدرُ على
حملهِ أحدٌ غيري، وعلمٌ خيَّرني فيه، وعلَّمني القرآن، فكان جبريلُ عليه السلام
يذكِّرني به، وعلمٌ أمرني بتبليغه إلى العامِّ والخاصِّ من أمَّتي)). انتهى(١). ولله تعالى
علمٌ استأثر به عزَّ وجلَّ، لم يُطلِع عليه أحداً من خلقه.
﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعَُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ قاله عن ابتلاءٍ إلهيٍّ
كما قدمنا. وقال فارس كما في ((أسرار القرآن)): إنَّ موسى عليه السلام كان أعلمَ
من الخضر فيما أخذَ عن الله تعالى، والخضر كان أعلمَ من موسى فيما وقعَ إلى
موسى عليه السلام.
وقال أيضاً: إنَّ موسى كان باقياً بالحقِّ، والخضر كان فانياً بالحقِّ.
﴿قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَزَ تُحِطْ بِهِ، خُبْرً﴾، قيل: عَلِمَ
الخضرُ أنَّ موسى عليه السلام أكرمُ الخلق على الله تعالى في زمانه، وأنَّه ذو حدَّةٍ
عظيمةٍ، ففزعَ من صحبته؛ لئلا يقعَ منه معه ما لا يليقُ بشأنه.
وقال بعضهم: آيسهُ من نفسه؛ لئلا يشغله صحبته عن صحبة الحقِّ.
﴿قَالَ سَتَجِدُنِىِّ إِن شَآءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِى لَكَ أَغْرًا﴾ قال بعضهم: لو قال
كما قال الذبيحُ عليه السلام: ﴿سَتَجِدُنِّ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّبِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢]
(١) المواهب اللدنية (مع شرح الزرقاني) ٩٣/٦-٩٤. ونقل الزرقاني عن الشامي أنه قال في
هذا الخبر: وهو كذب بلا شك.

التفسير الإشاري (٦٠-٨٢)
٥٣١
سُورَةُ الكَهْفِ
لوفِّقَ للصبر كما وفِّقَ الذبيح. والفرقُ أنَّ كلام الذبيح أظهرُ في الالتجاء وكسر
النفس، حيثُ علَّق بمشيئة الله تعالى وِجْدَانَهُ واحداً من جماعةٍ متَّصفين بالصبرِ،
ولا كذلك كلام موسى عليه السلام.
﴿فَنَطَلَقَا حَتَّىَ إِذَا أَنْيَا أَهْلَ قَرْبَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا﴾، سلكا طريقَ السؤالِ الذي يتعلَّقُ
بذلِّ النفس في الطريقة، وهو لا ينافي التوكّل، وكذا الكسب.
﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ لَنَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ كأنَّه عليه السلام أرادَ دفعَ ما أحوجهما إلى
السؤال من أولئك اللئام، وفيه نظرٌ إلى الأسباب، وهو من أحوال الكاملين، كما مرَّ
في حكاية الحسن البصري وحبيب، ففي هذا إشارةٌ إلى أنَّه أكملُ من الخضر
عليهما السلام.
﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِ وَبَيْنِكَ﴾ أي: حسبما أردت. وقال النصرأبادي: لما علمَ
الخضرُ بلوغَ موسى إلى منتهى التأديب، وقصورَ علمه عن علمه، قال ذلك؛ لئلا
يسأله موسى بعدُ عن علمٍ أو حالٍ فيفتضح.
وقيل: خافَ أن يسأله عن أسرار العلوم الربانيَّة الصفاتيَّة الذاتيّة فيعجزَ عن
جوابه، فقال ما قال.
﴿وَأَمَّا الْغُلَمُ فَكَانَ أَبَوَهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَآ أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَنًا وَكُفْرًا﴾ قيل: كانَ حسنَ
الوجه جدًّا، وكان محبوباً في الغاية لوالديه، فخشي فتنتهما به.
والآيةُ من المشكل ظاهراً؛ لأنَّه إن كان قد قَدَّر الله تعالى عليهما الكفرَ،
فلا ينفعهما قتلُ الولد، وإنْ لم يكن قدَّر سبحانه ذلك، فلا يضرُّهما بقاؤه.
وأجيبَ بأنَّ المقدَّر بقاؤُهما على الإيمان إن قُتِل، وقتلَه ليبقيا على ذلك.
وقيل: إنَّ المقدَّرَ قد يغيّر، ولا يلزم من ذلك سوى التغيُّر في تعلُّق صفته
تعالى، لا في الصفة نفسها ليلزم التغيُّر فيه عزَّ وجلَّ. وقد تقدَّم الكلامُ في ذلك عند
قوله تعالى: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِثٌ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَبِ﴾ [الرعد: ٣٩].
واستشكل أيضاً بأنَّ المحذورَ يزولُ بتوفيقه للإيمان، فما الحاجة إلى القتل؟

سُوَدَّةُ الكَهْفِ
٥٣٢
التفسير الإشاري (٦٠-٨٢)
وأجيب بأنَّ الظاهرَ أنَّه غيرُ مستعدٌّ لذلك، فهو منافٍ للحكمة، وكأنَّ الخضرَ
عليه السلام علم(١) أنَّ فيما قال نوعَ مناقشةٍ، فتخلَّصَ من ذلك بقوله: ((وما فعلته
عن أمري)) أي: بل فعلتُه بأمرِ الله عزَّ وجلَّ، ولا يُسأل سبحانه عمَّا أمرَ وفعلَ،
ولعلَّ قوله لموسى عليه السلام ما قال حين نقرَ العصفورُ في البحر(٢) سدٍّ لبابٍ
المناقشة فيما أمرَ الله تعالى شأنه، ولعلَّ علمَ مثل هذه المسائل من العلم الذي
استأثرَ الله سبحانه به ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ، إِلَّا بِمَا شَآءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
وأوَّلَ بعضُهم مجمعَ البحرين بمجمع ولايةِ الشيخ وولاية المريد، والصخرةَ
بالنفس، والحوتَ بالقلب المملَّح بملح حبِّ الدنيا وزينتها، والسفينة بالشريعة،
وخَرْقَها بهدم الناموس في الظاهر مع الصلاح في الباطن، وإغراقَ أهلها بإيقاعهم
في بحار الضلال، والغلامَ بالنفس الأمَّارة، وقتلَه بذبحه بسيف الرياضة، والقريةً
بالجسد، وأهلَها بالقوى الإنسانيَّة من الحواسِّ، واستطعامَهم بطلب أفاعيلها التي
تختصُّ بها، وإباءَ الضيافة بمنعِها إعطاءَ خواصِّها كما ينبغي؛ لكلالها وضعفها،
والجدارَ بالتعلُّق الحائل بين النفس الناطقة وعالم المجرَّدات، وإرادةَ الانقضاض
بمشارفة قطع العلائق، وإقامتَه بتقوية البدن والرفق بالقوى والحواس، ومشيئةً اتخاذِ
الأجر بمشيئة الصبر على شدَّة الرياضة؛ لنيل الكشوف وإفاضة الأنوار، والمساكينَ
بالعوام، والبحرَ الذي يعملون فيه ببحر الدنيا، والمَلِكَ بالشيطان، والسفن التي
يغصبُها العبادات الخالية عن الانكسار والذلِّ والخشوع، والأبوين المؤمنين بالقلب
والروح، والبدلَ الخيِّر بالنفس المطمئنة والملهمة، والكنز بالكمالات النظريَّة
والعلميَّة(٣)، والأبَ الصالح بالعقل المفارق الذي كمالاته بالفعل، وبلوغَ الأشُدِّ
(١) في (م): رأى.
(٢) يشير إلى قطعة من حديث أبيٍّ الطويل الذي أخرجه البخاري (١٢٢)، ومسلم (٢٣٨٠):
(١٧٢) مرفوعاً. وفيه: ((فجاء عصفور فوقع على حرف السفينة، فنقر نقرة أو نقرتين في
البحر، فقال الخضر: يا موسى، ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلَّا كنقرة هذا العصفور
في البحر)).
وسلف بعض هذا الحديث في مواضع.
(٣) في غرائب القرآن النيسابوري ١٨/١٦: العملية.

الآية : ٨٣
٥٣٣
سُورَةُ الكَهْفِ
بوصولهما بتربية الشيخ وإرشاده إلى المرتبة الكاملة. وهذا ما اختاره
النيسابوريُّ(١)، واختار غيرُه تأويلاً آخر هو أدهى منه.
هذا والله تعالى الموفِّقُ للصواب، وإليه المرجعُ والمآب.
﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَن ذِى الْقَرْنَيْنِ﴾ كان السؤال على وجه الامتحان، والسائلون في
المشهور قريشٌ بتلقين اليهود. وقيل: اليهودُ أنفسهم، وروي ذلك عن السُّدِّيِّ.
وأكثر الآثار تدلُّ على أنَّ الآية نزلت بعد سؤالهم، فالتعبيرُ بصيغة(٢)
الاستقبال، لاستحضار الصورة الماضية؛ لِمَا أنَّ في سؤالهم على ذلك الوجه مع
مشاهدتهم من أمره ◌َّ ما شاهدوا نوعَ غرابة.
وقيل: للدلالة على استمرارهم على السؤال إلى ورود الجواب.
وبعض الآثار يدلُّ على أنَّ الآيةَ نزلت قبلُ، فعن عقبة بن عامر قال: إنَّ نفراً
من أهل الكتاب جاؤوا بالصحف أو الكتب، فقالوا لي: استأذن لنا على
رسول الله وَ﴿ لندخلَ عليه، فانصرفتُ إليه عليه الصلاة والسلام فأخبرته بمكانهم،
فقالِ وَلي: ((مالي ولهم، يسألونني عمَّا لا أعلم، إنَّما أنا عبدٌ لا علم لي إلَّا
ما علَّمني ربِّي)) ثم قال: ((ائتني بوَضوء أتوضَّأ به)) فأتيتُه فتوضأ، ثمَّ قام إلى مسجد
في بيته، فركع ركعتين، فانصرفَ حتى بدا السرورُ في وجهه، ثم قال: ((اذهبْ
فَأَدْخِلْهُم ومَن وجدتَ بالباب من أصحابي)) فأدخلتُهم، فلمَّا رآهم النبيُّ ◌َِّ قال:
((إن شئتم أخبرتُكم بما سألتموني عنه، وإنْ شئتم غير ذلك فافعلوا))(٣)، والجمهور
(١) في غرائب القرآن ١٧/١٦-١٨.
(٢) في الأصل: بصورة.
(٣) في الدر المنثور ٢٤١/٤: ((إن شئتم أخبرتكم بما جئتم تسألوني عنه من قبل أن تكلموا،
وإن شئتم فتكلموا قبل أن أقول)) وكذا في بقية المصادر ما هو قريب منه. وهو قطعة من
خبر طويل أخرجه ابن عبد الحكم في فتوح مصر ص١٠٣-١٠٤، والطبري في تفسيره
٣٦٨/١٥-٣٦٩، وأبو الشيخ في العظمة (٩٧٦)، والبيهقي في دلائل النبوة ٢٩٥/٦-٢٩٦.
وقال ابن كثير عند تفسير هذه الآية بعد ذكر قطعة منه: وفيه طول ونكارة، ورفعه لا يصح،
وأكثر ما فيه أنه من أخبار بني إسرائيل.

سُورَةُ الكَهْفِ
٥٣٤
الآية : ٨٣
على الأوَّل، ولم تثبتْ صحّة هذا الخبر.
واختلف في ذي القرنين، فقيل: هو مَلَكٌ أهبطَه الله تعالى إلى الأرض وآتاه من
كل شيءٍ سبباً، وروي ذلك عن جبير بن نفير، واستُدِلَّ على ذلك بما أخرجه ابنُ
عبد الحكم وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباريِّ في كتاب ((الأضداد))
وأبو الشيخ عن عمر بن الخطاب رضيُبه أنَّه سمع رجلاً ينادي بمنى: يا ذا القرنين،
فقال له عمر: ها أنتم قد سمَّيتم بأسماءِ الأنبياء، فما لكم وأسماء الملائكة(١)؟!
وهذا قولٌ غريبٌ، بل لا يكادُ يصحُّ، والخبرُ على فرض صحّته ليس نصًّا في
ذلك، إذ يحتملُ - ولو على بعد - أن يكونَ المراد أنَّ هذا الاسم من أسماء الملائكة
عليهم السلام، فلا تسمَّوا به أنتم، وإن تسمَّى به بعضُ مَن قبلكم من الناس.
وقيل: هو عبدٌ صالحٌ ملَّكَه الله تعالى الأرضَ، وأعطاه العلمَ والحكمة، وألبسَهُ
الهيبةَ، ولا نعرف من هو، وذكر في تسميته بذي القرنين وجوه:
الأول: أنَّه دعا إلى طاعة الله تعالى، فضُرِبَ على قرنه الأيمن فمات، ثم
بعثَه الله تعالى، فدعا، فضُرِب على قرنه الأيسر فمات، ثم بعثه الله تعالى، فسُمِّيَ
ذا القرنين ومَلك ما مَلك، وروي هذا عن عليٍّ كرم الله تعالی وجهه.
والثاني : أنَّه انقرضَ في وقته قرنان من الناس.
الثالث: أنَّه كانت صفحتا رأسه من نحاس، وروي ذلك عن وهب بن منبه.
الرابع: أنَّه كان في رأسه قرنان كالظلفين، وهو أوَّل من لبس العمامة
ليسترهما، وروي ذلك عن عبيد بن یعلی.
الخامس: أنَّه كان لتاجه قرنان.
السادس: أنَّه طافَ قرنَي الدنيا، أي: شرقها وغربها، وروي ذلك مرفوعاً (٢).
-
(١) الدر المنثور ٢٤١/٤، وهو في فتوح مصر ص ١٠٥، والأضداد ص ٣٥٣، والعظمة
(٩٨٧)، وأخرجه أيضاً الطبري في تفسيره ١٥/ ٣٩٠. وهو من طريق خالد بن معدان عن
عمر، وخالد لم يدرك عمر غـ
(٢) قال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص١٠٤: لم أجده مرفوعاً، وإنما رواه
الدارقطني في ((المؤتلف))، من رواية عبد العزيز بن عمران، عن سليمان بن أسيد، عن

الآية : ٨٣
٥٣٥
سُوَدَّةُ الكَهْفِ
السابع: أنَّه كان له غديرتان، وروي ذلك عن قتادة ویونس بن عبيد.
الثامن: أنَّه سُخِّر له النورُ والّلمة، فإذا سَرى يهديه النورُ من أمامه، وتمتدُّ
الظلمة من ورائه.
التاسع: أنَّه دخلَ النور والظلمة.
العاشر: أنَّه رأى في منامه كأنَّه صعد إلى الشمس وأخذ بقرنيها .
الحادي عشر: أنَّه يجوزُ أن يكون قد لُقِّبَ بذلك لشجاعته، كأنَّه ينطح أقرانه،
كما لقب أزدشيربهمن بطويل اليدين؛ لنفوذ أمره حيث أراد.
ولا يخفى أنَّه يَبعدُ عدمُ معرفة رجلٍ مُكِّن له ما مُكِّن في الأرض، وبلغَ من
الشهرةِ ما بلغ في طولها والعرض، وأمَّا الوجوه المذكورة في وجه تسميته، ففيها
ما لا يكادُ يصحُّ، ولعلَّه غيرُ خفيٍّ عليكَ.
وقيل: هو فريدون بن أثفيان بن جمشيد، خامس ملوك الفرس الفيشدادية،
وكان ملكاً عادلاً مطيعاً لله تعالى.
وفي كتاب ((صور الأقاليم)) لأبي زيد البلخي أنَّه كان مؤيّداً بالوحي.
وفي عامَّة التواريخ أنَّه مَلَكَ الأرضَ وقسَّمها بين بنيه الثلاثة: إيرج وسلم وتور،
فأعطى إيرج العراقَ والهند والحجاز، وجعله صاحب التاج، وأعطى سلم الروم
وديار مصر والمغرب، وأعطى تور الصين والترك والمشرق، ووضعَ لكلِّ قانوناً
يحكمُ به، وسُمِّيت القوانين الثلاثة سياسةً، فهي معربة سي إيسا، أي: ثلاثة
قوانین.
ووجهُ تسميته ذا القرنين أنَّه مَلَكَ طرفي الدنيا، أو طُول أيام سلطنته، فإنها
كانت - على ما في ((روضة الصفاء))(١) - خمسَ مئة سنة، أو عِظَمُ شجاعته وقهره
الملوك.
= الزهري قال: إنما سمي ذا القرنين لأنه بلغ قرن الشمس من مغربها وقرن الشمس من
مطلعها .
(١) في سيرة الأنبياء والملوك والخلفاء، فارسي، لميرخواند المؤرخ، محمد بن خاوند شاه بن
محمود المتوفى سنة (٩٠٣هـ). انظر كشف الظنون ٩٢٦/١-٩٢٧.

سُورَةُ الكَهْفَِّ
٥٣٦
الآية : ٨٣
ورُدَّ بأنَّه قد أجمعَ أهل التاريخ على أنَّه لم يسافر لا شرقاً ولا غرباً؛ وإنما دَوَّخَ
له البلاد كاوه الأصفهانيُّ الحداد الذي مَزَّقَ الله تعالى على يده ملكَ الضحَّاك،
وبقي رئيسَ العساكر إلى أن مات.
ويلزم على هذا القول أيضاً أنْ يكون الخضر عليه السلام على مقدِّمته، بناءً
على ما اشتهر أنَّه عليه السلام كان على مقدمة ذي القرنين، ولم يذكر ذلك أحدٌ من
المؤرِّخین.
وأجيبَ بأنَّ من يقول: إنَّه الإسكندر، يثبتُ جميع ما ثبتَ للإسكندر في الآيات
والأخبار، ولا يبالي بعدم ذكر المؤرِّخين لذلك، وهو كما ترى.
وقيل: هو إسكندر اليونانيُّ ابن فيلقوس، وقيل: قلفيص، وقيل: قليص.
وقال ابنُ كثير: هو ابن فيليس بن مصريم بن هرمس بن ميطون بن رومى بن
ليطي بن يونان بن يافث بن نونة بن شرخون بن تونط بن يوفيل بن رومى بن
الأصفر بن العزير بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليه السلام(١).
وكان سريرُ ملكه مقدونيا، وهي بلدةٌ من بلاد الروم غربي دار السلطنة السنية
قسطنطينية المحميَّة، بينهما من المسافة قدر خمسة عشر يوماً أو نحو ذلك عند مدينة
شیروز.
وقول ابن زيدون: إنَّها مصر، وهمٌ.
وهو الذي غلب دارا الأصغر، واستولى على ملك الفرس، وكان مولده في
السنة الثالثة عشر من ملك دارا الأكبر. وزعم بعضُهم أنَّه أبوه، وذلك أنَّه تزوَّج بنتَ
فيلقوس، فلمَّا قربها وجد منها رائحةً منكرةً، فأرسلَها إلى أبيها وقد حملت
بالإسكندر، فلما وضعته بقي في كفالة أبيها، فنسب إليه.
(١) نص نسبه كما في مطبوع البداية والنهاية لابن كثير ٥٤١/٢-٥٤٢: هو ابن فيليبس بن
مضريم بن هرمس بن هردس بن ميطون بن رُومى بن لِنْطى بن يونان بن يافث بن نونة بن
سرحون بن رومة بن ثرنط بن توفيل بن رومى بن الأصفر بن اليفز بن العيص بن إسحاق بن
إبراهيم الخليل.

الآية : ٨٣
٥٣٧
سُوَرَّةُ الكَهْفِ
وقيل: إنَّ دارا الأكبر تزوَّج بنتَ ملك الزنج هلابي، فاستخبثَ ريحها، فأمر أنْ
يُحتال لذلك، فكانت تغتسلُ بماء السندروس، فأذهبَ كثيراً من ذفرها، ثمَّ عافها
وردّها إلى أهلها، فولدت الإسكندر، وكان يسمَّى الإسكندروس.
ويدلُّ على أنَّه ولده أنَّه لما أدرك دارا الأصغر بن دارا الأكبر وبه رمقٌ، وضع
رأسه في حجره وقال له: يا أخي أخبرني عمَّن فعل هذا بك لأنتقم منه. وهو زعمٌ
باطل، وقوله: يا أخي، من باب الإكرام ومخاطبة الأمثال.
وإنما سُمِّيَ ذا القرنين لملكه طرفي الأرض، أو لشجاعته، واستُدِلَّ لهذا القول
بأنَّ القرآن دلَّ على أنَّ الرجلَ بلغ ملكُه إلى أقصى المغرب وأقصى المشرق وجهة
الشمال، وذلك تمامُ المعمور من الأرض، ومثلُ هذا الملك يجبُ أن يبقى ذكرهُ
مخلّداً .
والملك الذي اشتهر في كتب التواريخ أنَّه بلغَ ملكُه إلى هذا الحدِّ ليس إلَّا هذا
الإسكندر، وذلك لأنَّه لمّا مات أبوه جمعَ ملوك الروم والمغرب وقهرهم (١)،
وانتهى إلى البحر الأخضر، ثم عاد إلى مصر، وبَنَى الإسكندرية، ثم دخل الشام
وقصد بني إسرائيل، وورد بيت المقدس، وذَبح في مذبحه، ثمَّ انعطفَ إلى أرمينية
وباب الأبواب، ودانت له العراقيون والقبط والبربر، واستولى على دارا، وقصد
الهند والصين، وغزا الأمم البعيدة، ورجع إلى خراسان، وبنى المدن الكثيرة،
ورجع إلى العراق، ومرض بشهرزور وماتَ بها.
وقيل: مات برومية المدائن، ووضعوه في تابوت من ذهب، وحملوه إلى
الإسكندرية، وعاش اثنين وثلاثين سنةً، ومدَّةُ ملكه اثنا عشرة سنة.
وقيل: عاش ستّاً وثلاثين، ومدَّةُ ملكِه ست عشرة سنة. وقيل غير ذلك.
فلما ثبتَ بالقرآن أنَّ ذا القرنين مَلَكَ أكثر المعمورة، وثبتَ بالتواريخ أنَّ الذي
هذا شأنه هو الإسكندر، وجبَ القطعُ بأنَّ المرادَ بذي القرنين هو الإسكندر، كذا
(١) في الآثار الباقية عن القرون الخالية ص٣٦-٣٧، وتفسير الرازي ٢١/ ١٦٣ - والكلام منه -:
جمع ملوك الروم بعد أن كانوا طوائف، ثم قصد ملوك المغرب وقهرهم.

سُوَرَةُ الكَهْفِ
٥٣٨
الآية : ٨٣
ذكره الإمام(١). ثم قال: وهذا القول هو الأظهر للدليل المذكور، إلّا أنَّ فيه
إشكالاً قويّاً، وهو أنَّه كان تلميذَ أرسطو الحكيم المقيم بمدينة أثينة، أسلمه إليه
أبوه، فأقام عنده خمس سنين، وتعلَّم منه الفلسفة وبرع فيها، وكان على مذهبه،
فتعظيمُ الله تعالى إِيَّاه يوجبُ الحكم بأنَّ مذهب أرسطو حقٌّ، وذلك ممَّا لا سبيل
إليه(٢).
وأجيب بأنَّا لا نُسلِّم أنَّه كان على مذهبه في جميع ما ذهبَ إليه، والتلمذةُ على
شخصٍ لا توجبُ الموافقةَ في جميع مقالات ذلك الشخص، ألا ترى كثرةَ مخالفة
الإمامين لشيخهما الإمام أبي حنيفة ظُبه، فيَحتملُ أنْ يكون مخالفاً له فيما يوجِبُ
الكفر، وفي ذبحه في مذبح بيت المقدس دليلٌ على أنَّه لم يكن يَری جمیعَ ما يراه
الحكماء .
ولا يخفى أنَّه احتمالٌ بعيد، والمشهورُ أنَّه كان قائلاً بما يقوله الحكماء،
والذبحُ المذكورُ غير متحقِّق، والاستدلال به ضعيف.
وقيل: إنَّ قوله بذلك وتَمَذْهُبَه بمذهب أرسطو لا يوجبُ كفرَه إذ ذاك؛ فإنَّه كان
مُقِرّاً بالصانع تعالى شأنه، معِّماً له، غيرَ عابدٍ سواه من صنم أو غيره، كما يدلُّ
عليه ما نقله الشهرستانيُّ أنَّ الحكماءَ تشاوروا في أن يسجدُوا لَه إجلالاً وتعظيماً،
فقال: لا يجوزُ السجود لغير بارئ الكلِّ(٣).
ولم يكن مبعوثاً إليه رسولٌ، فإنَّه كان قبل مبعث عيسى عليه السلام بنحو ثلاثٍ
مئة سنة، وكان الأنبياء عليهم السلام إذ ذاك من بني إسرائيل، ومبعوثين إليهم، ولم
يكن هو منهم، فكان حكمه حكم أهل الفترة.
وتُعقّبَ بأنَّه على تسليم ذلك لا يحسم مادة الإشكال؛ لأنَّ الله تعالى لا يكاد
يعظّم مَن حُكْمُه حُكْمَ أهل الفترة مثلَ هذا التعظيم الذي دلَّت عليه الآيات
والأخبار، وأيضاً الثابت في التواريخ أنَّ الإسكندر المذكورَ كان أرسطو بمنزلة
(١) تفسير الرازي ٢١/ ١٦٣.
(٢) تفسير الرازي ١٦٥/٢١.
(٣) الملل والنحل ١٣٨/٢. ووقع في (م): بادئ الكل.

الآية : ٨٣
٥٣٩
سُورَةُ الكَهْفِ
الوزير عنده، وكان يستشيره في المهمَّات، ويعمل برأيه، ولم يُذكر فيها أنَّه اجتمع
مع الخضر عليه السلام فضلاً عن اتخاذه إيَّاه وزيراً، كما هو المشهور في ذي
القرنين.
واعترضَ أيضاً بأنَّ إسكندر المذكور لم يتحقَّق له سفرٌ نحو المغرب في كتب
التواريخ المعتبرة، وقد نبّه على ذلك كاتب جلبي عليه الرحمة(١).
وقيل: هو الإسكندر الروميُّ، وهو متقدِّمٌ على اليونانيِّ بكثير، ويقال له: ذو
القرنين الأكبر. واسمه قيل: مرزبان بن مردبة من ولد يافث بن نوح عليه السلام،
وكان أسود.
وقيل: اسمه عبد الله بن الضخَّاك.
وقيل: مصعب بن عبد الله بن قينان بن منصور بن عبد الله بن الأزد بن عون بن
زيد بن كهلان بن سبأ بن يعرب بن قحطان.
وجعل بعضُهم هذا الخلاف في اسم ذي القرنين اليونانيّ، بعد أن نقل القول
بأنَّ اسمه الإسكندر بن فيلقوس، وذكر في اسم الروميِّ ونسبه ما نقل سابقاً عن ابن
کثیر .
وذهب بعض المحققين إلى أنَّ الإسكندرَ اليونانيّ والإسكندر الروميّ
كلاهما يطلقان على غالب دارا الأصغر، والتاريخُ المشهور بالتاريخ الرومي - ويسمى
أيضاً السريانيّ والعجمي - يُنسَبُ إليه في المشهور، وأوَّله(٢) شروق يوم الاثنين من
أول سنةٍ من سني ولايته عند ابن البنَّاء(٣)، ومن أوَّل السنة السابعة، وهي سنة
(١) هو مصطفى بن عبد الله، المعروف بحاج خليفة، المؤرخ البحاثة، التركي الأصل. له
((كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون))، قال الزركلي: وهو أنفع وأجمع ما كتب في
موضوعه بالعربية، وتحفة الكبار في أسفار البحار، وتقويم التواريخ؛ وهو جداول تاريخية
بلغ بها سنة (١٠٥٨ هـ) وغيرها توفي سنة (١٠٦٧هـ). الأعلام ٢٣٥/٧ -٢٣٦.
(٢) جاء في هامش الأصل ما نصه: قوله: وأوله .. إلى آخره، وقع استطراداً. اهـ منه.
(٣) هو أحمد بن محمد بن عثمان الأزدي، أبو العباس، رياضيٍّ باحث، من أهل مراكش، له:
حاشية على الكشاف، وكليات في المنطق وشرحها، وكتاب في النجوم، وغيرها. توفي سنة
(٧٢١ هـ). الأعلام ١/ ٢٢٢.

سُورَةُ الكَهْفِ
٥٤٠
الآية : ٨٣
خروجه لتملك البلاد، كما في ((زيج الصوفي)) (١)، أو من أوَّل السنة التي مات
فيها، كما في ((المبادي والغايات))(٢).
وبعضُ المحققين ينسبُه إلى سولونس بن الطبوخوس الذي أمر ببناء أنطاكية،
وهو الذي صحّحه ابن أبي الشكر(٣)، وتوقّف بعضهم كألغ بك(٤) عن نسبتِه إلى
أحدهما؛ لتعارض الأدلَّة. ونَفى بعضُهم أن يكون في الزمن المتقدِّم بين الملوك
إسكندران، وزعم أنَّه ليس هناك إلَّا الإسكندر الذي غلب دارا، واستولى على ملك
فارس، وقال: إنَّ ذا القرنين المذكور في القرآن العظيم يحتملُ أنْ يكون هو،
ويحتمل أن یکون غيره.
والذي عليه الكثير أنَّ المسمَّى بالإسكندر بين الملوك السالفة اثنان، بينهما نحو
ألفي سنة، وأنَّ أوَّلهما هو المراد بذي القرنين، ويسمِّيه بعضُهم الروميّ، وبعضُهم
اليونانيّ، وهو الذي عُمِّر دهراً طويلاً، فقيل: عُمِّر ألفاً وستَّ مئة سنة، وقيل: ألفي
سنة، وقيل: ثلاثة آلاف سنة. ولا يصحُّ في ذلك شيء.
وذكر أبو الريحان البيرونيُّ(٥) المنجِّم في كتابه المسمَّى بـ («الآثار الباقية عن
(١) الزيج: كتاب يحسب فيه سير الكواكب، وتستخرج التقويمات، أعني: حساب الكواكب
سنة سنة، وهو بالفارسية: زه، أي: الوَتَر، ثم عُرِّب فقيل: زيج. وجمعوه على زيجة
كقردة. تاج العروس (زوج).
وزيج الصوفي ذكره صاحب كشف الظنون ٢/ ٩٧٠ فقال: زيج الشيخ أبي الفتح الصوفي
الذي تصدى فيه الإصلاح الزيج السمرقندي.
(٢) للشيخ أبي علي حسن بن علي المراكشي. كان حيّاً سنة (٧٥٠هـ) كما في هدية العارفين
٢٨٦/١.
(٣) يحيى بن محمد بن أبي الشكر، محيي الدين، أبو الفتح، ويعرف بالحكيم المغربي، عالم
بالفلك، أندلسي من أهل قرطبة. صنف كتباً، منها: الأربع مقالات في النجوم، وملخص
المجسطي، توفي نحو (٦٨٠هـ). الأعلام ٨/ ١٦٦ .
(٤) هو محمد بن شاه رخ بن تيمورلنك، ويعرف بألوغ بك صاحب سمرقند من قبل أبيه، وصنع
به رَصَدًا عظيماً، ودام على ذلك إلى أن قتله ولده عبد اللطيف سنة أربع وخمسين وثمانمئة.
وله زيج سمي به. انظر الضوء اللامع للسخاوي ٧/ ٢٦٥، والدليل الشافي على المنهل
الصافي لابن تغري بردي ١/ ١٥٤، وكشف الظنون ٢/ ٩٦٦.
(٥) في الأصل و(م)، ومطبوع تفسير أبي السعود ٢٣٩/٥: البيروتي. وهو خطأ.
=