النص المفهرس
صفحات 501-520
الآية : ٧٩ ٥٠١ سُوَّةُ الكَهْفِ ولا خلافَ عند أهل اللغة في مجيء وراء بمعنى أمام، وإنَّما الخلافُ في غير ذلك، وأكثرُهم على أنَّه معنَى حقيقيٍّ يصحُّ إرادتُه منها في أيِّ موضعٍ كان، وقالوا: هي من الأضداد، وظاهرُ كلام البعض أنَّ لها معنَى واحداً يشملُ الصِّدَّين، فقال ابنُ الكمال نقلاً عن الزمخشريّ(١): إنَّها اسمٌ للجهة التي يُواريها الشخص من خلفٍ أو قُدَّام. وقال البيضاويُّ ما حاصلُه: إنَّها في الأصل مصدرُ وَرَا يَرِي، كقضى يقضي، وإذا أضيف إلى الفاعل يُراد به المفعول، أعني المستور، وهو ما كان خلفاً، وإذا أُضيف إلى المفعول يراد به الفاعل، أعني(٢) الساتر، وهو ما كان قدَّاماً (٣). ورُدَّ عليه بقوله تعالى: ﴿أَرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ﴾ [الحديد: ١٣]، فإنَّ ((وراء)» أضيفت فيه إلى المفعول، والمراد بها الخلف. وقال الفرَّاء: لا يجوزُ أن يُقَال للرجل بين يديك: هو وراءك، وكذا في سائر الأجسام، وإنَّما يجوزُ ذلك في المواقيتِ من الليالي والأيَّام (٤). وقال أبو عليّ: إنَّما جاز استعمالُ ((وراء)» بمعنى أمام على الاتِّساع؛ لأنَّها جهةٌ مقابلةٌ لجهة، فكانت كلُّ واحدةٍ من الجهتين وراءَ الأخرى إذا لم يُرَدْ معنى المواجهة، ويجوز ذلك في الأجرام التي لا وجه لها، مثل حجرين متقابلين، كلُّ واحدٍ منهما وراءَ الآخر. وقيل: أي: خلفهم، كما هو المشهور في معنى وراء. واعتُرض بأنَّه إذا كانَ خلفهم، فقد سَلِموا منه. وأُجيب بأنَّ المرادَ أنَّه خلفهم، مدرٌ لهم ومارٌّ بهم، أو بأنَّ رجوعَهم عليه. واسمه - على ما يزعمون - هُدَدُ بن بَدَد، وكان كافراً. وقيل: جُلَنْدى بن کرکر، (١) في الكشاف ٣/ ٥١٠ . (٢) قوله: الفاعل أعني. ليس في الأصل. (٣) انظر تفسير البيضاوي ١/ ١٧٠ . (٤) معاني القرآن للفراء ٢/ ١٥٧. سُورَةُ الكَهْفِ ٥٠٢ الآية : ٧٩ ملك غسان. وقيل: مفوار(١) بن الجلند بن سعيد الأزدي، وكان بجزيرة الأندلس. ﴿يَأْخُ كُلَّ سَفِنَةٍ﴾ أي: صالحةٍ، وقد قرأ كذلك أبيُّ بنُ كعب(٢)، ولو أُبقيَ العمومُ على ظاهره لم يكن للتعييب فائدةٌ. من أصحابها، وانتصابُه على أنَّه مصدرٌ مبيِّنٌ لنوع الأخذ، ﴿غَصْبًا لَا﴾ والظاهرُ أنَّه كان يغصبُ السفنَ من أصحابها، ثم لا يردُّها عليهم. وقيل: كان يسخّرها ثمَّ يردُّها. والفاء في ((فأردت)) للتفريع، فيفيد أنَّ سببَ إرادة التعييب كونُها لقومٍ مساكين عجزةٍ، لكن لمَّا كانت مناسبةُ هذا السبب للمسبَّب خفيَّةً بَيَّنَ ذلك بذكرٍ عادة الملك في غصب السفن، ومآلُ المعنى: أمَّا السفينةُ فكانت لقوم مساكين عجزة يكتسبون بها، فأردتُ بما فعلت إعانتَهم على ما يخافونه ويعجزون عن دفعه من غصبٍ ملكٍ وراءهم عادتُه غصب السفن الصالحة. وذكرَ بعضُهم أنَّ السببَ مجموعُ الأمرين؛ المسكنة والغصب، إلَّا أنَّه وَسَّطَ التفريعَ بين الأمرين - وكان الظاهرُ تأخيرَه عنهما - للعناية(٣) به من حيث إنَّ ذلك الفعل كان هو المنكر المحتاج إلى بيان تأويله، وللإيذان بأنَّ الأقوى في السببيَّة هو الأمر الأول، ولذلك لم يبال بتخليص سفنٍ سائر الناس، مع تحقّق الجزء الأخير من السبب، ولأنَّ في تأخيره فصلاً بين السفينة وضميرها، مع توقُّم رجوعه إلى الأقرب. فليفهم. (١) في (م): مفواد، وفي تفسير البيضاوي ٢٣٣/٣: منوار، وفي فتح الباري ٨/ ٤٢٠، وتفسير أبي السعود ٢٣٨/٥، وحاشية الشهاب ١٢٧/٦: منولة، وكذا في تفسير البيضاوي المطبوع بهامشه . (٢) أخرجها الطبريُّ في تفسيره ٣٥٦/١٥ عن ابن عباس عن أبيٍّ، وهي عنه أيضاً في الكشاف ٤٩٥/٢، وفي البحر المحيط ٦/ ١٥٤ . وأخرجها البخاري (٤٧٢٥) ومسلم (٢٣٨٠) عن ابن عباس. وأخرجها الطبري ٣٥٦/١٥ عن ابن مسعود، وذكرها عنه أيضاً الزمخشري في الكشاف ٢/ ٤٩٥، وأبو حيان في البحر ٦/ ١٥٤. وأوردها ابن عطية في المحرر الوجيز ٥٣٥/٣، والقرطبي في تفسيره ٣٤٩/١٣ عن عثمان بن عفان الله . (٣) في (م): للغاية. وهو تصحيف. الآية : ٨٠ ٥٠٣ سُؤَدَّةُ الكَهْفِّ وظاهرُ الآية أنَّ موسى عليه السلام ما عَلِمَ تأويل هذا الفعل قبلُ، ويشكلُ عليه ما جاء عن الربيع أنَّ الخضرَ عليه السلام بعدَ أن خرقَ السفينةَ، وسلمت من الملك الظالم أقبلَ على أصحابها، فقال: إنَّما أردتُ الذي هو خيرٌ لكم، فحمدوا رأيَه وأصلحَها لهم كما كانت(١). فإنَّه ظاهرٌ في أنَّه عليه السلام أوقفَهم على حقيقة الأمر، والظاهرُ أنَّ موسى عليه السلام كان حاضراً يسمعُ ذلك. وقد يقال: إنَّ هذا الخبر لا يعوَّل عليه. واحتمال صحَّته مع عدم سماع موسى عليه السلام ممَّا لا يُلتَفَت إلیه. ﴿وَأَمَّا الْغُلَمُ﴾ الذي قتله ﴿فَكَانَ أَبَوَاهُ﴾ أي: أبوه وأمُّه، ففيه تغليب. واسم الأب - على ما في ((الإتقان)) - كازير، والأم سهوا(٢). وفي مصحف أبيٍّ وقراءة ابن عباس: ((وأمَّا الغلام فكان كافراً وكان أبواه مؤمنين))(٣)، والمعنى على ذلك في قراءة السبعة، إلَّا أنَّه تُرِكَ التصريحُ بكفره إشعاراً بعدم الحاجة إلى الذكر؛ لظهوره، واستَدلَ بتلك القراءة من قال: إنَّ الغلام كان بالغاً؛ لأنَّ الصغيرَ لا يوصفُ بكفرٍ وإيمانٍ حقيقيين. وأجاب النوويُّ عن ذلك بوجهين؛ الأوَّلُ: أنَّ القراءةَ شَاذَّةٌ لا حَجَّةَ فيها، الثاني: أنَّه سمّاه بما يَؤول إليه لو عاش(٤). وفي ((صحيح مسلم)): ((أنَّ الغلامَ طُبعَ يوم طُبِعَ كافراً))(٥)، وأوِّلَ بنحو هذا. وكذا ما مرَّ من خبرٍ صاحب العرس والعرائس(٦)، لكن في صحَّتِه توقُّفٌ عندي؛ لأنَّه ربما يقتضي بظاهره علمَ موسى عليه السلام بتأويل القتل قبل الفراق. (١) أخرجه ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس كما في الدر المنثور ٢٣٨/٤-٢٣٩ مطولاً. (٢) في الإتقان ٢/ ١٠٩٧ والتعريف والإعلام ص ١٠٥: اسم الأب: كازيرا. (٣) البحر المحيط ١٥٤/٦. وأخرج حرف أبيٍّ الطبريُّ في تفسيره ١٥/ ٣٥٧، وذكرها عنه ابن عطية في المحرر الوجيز ٥٣٦/٣. وأخرج قراءة ابن عباس البخاريُّ (٤٧٢٥)، ومسلم (٢٣٨٠). (٤) شرح النووي على صحيح مسلم ١٤٠/١٥ . (٥) صحيح مسلم (٢٣٨٠) وهو قطعة من حديث ابن عباس عن أبيٍّ. (٦) يريد كتاب عرائس المجالس للثعلبي، وانظر ما سلف عند تفسير الآية (٧٤) من هذه السورة . سُورَةُ الكَهْفِ ٥٠٤ الآية : ٨٠ وعلى ما سمعت من التأويل لا يَرِدُ شيءٌ ممَّا ذُكر على القول المنصورِ في الأطفال، وهو أنَّهم مطلقاً في الجنَّة، على أنَّه قيلَ: الكلامُ في غير من أَخْبَرَ الصادقُ بأنّه كافر. وقرأ أبو سعيد الخدريُّ والجحدريُّ: ((فكان أبواه مؤمنان))(١)، وخرَّجه الزمخشريُ وابنُ عطيَّةٍ وأبو الفضلِ الرازيُّ على أنَّ في ((كان)) ضمير الشأن، والجملة في موضع الخبر لها(٢)، وأجاز أبو الفضل أنْ يكون ((مؤمنان)) على لغة بني الحارث بن كعب، فيكون منصوباً، وأجاز أيضاً أن يكون في ((كان)) ضمير ((الغلام))، والجملة في موضع الخبر. ﴿فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا﴾ فخفنا خوفاً شديداً أنْ يَغشَى الوالدين المؤمنين لو بقي بالله تعالى، وذلك بأنْ حيّاً ﴿طُفْيَنًا﴾ مجاوزةً للحدود الإلهية ﴿وَكُفْرًا ﴾ يَحملهُما حبُّه على متابعته، كما رُوي عن ابن جبير. ولعلَّ عطف الكفر على الطغيان؛ لتفظيع أمره، ولعلَّ ذكرَ الطغيان - مع أنَّ ظاهر السياق الاقتصارُ على الكفر - ليتأتَّى هذا التفظيع، أو ليكون المعنى: فخشينا أنْ يدنّس إيمانَهما أوَّلاً ويزيلَه آخِراً، ويُلتزم على هذا القولُ بأنَّ ذلك أشنعُ وأقبحُ من إزالتِهِ بدون سابقيَّة تدنیس. وفسَّر بعض شُرَّاح البخاري الخشية بالعلم، فقال: أي: علمنا أنَّه لو أدركَ وبلغَ لدعا أبويه إلى الكفر، فيجيبانه ويدخلان معه في دينه لفرطِ حبِّهما إيّاه. وقيل: المعنى: خشينا أن يُغشيهما طغياناً (٣) عليهما، وكفراً لنعمتهما عليه، من تربيتهما إيَّه وكونهما سبباً لوجوده؛ بسبب عقوقه وسوء صنيعه، فيلحَقَهُما شرٌّ وبلاء. وقيل: المعنى: خشينا أنْ يُغشيهما، ويَقرِنَ بإيمانهما طغيانَه وكفرَه، فيجتمعَ في بيتٍ واحدٍ مؤمنان وطاغٍ كافرٌ. (١) المحتسب ٣٣/٢، والمحرر الوجيز ٥٣٦/٣، والكشاف ٤٩٥/٢، والبحر ١٥٥/٦. (٢) الكشاف ٤٩٥/٢، والمحرر الوجيز ٥٣٦/٣، والبحر المحيط ١٥٥/٦، وعنه نقل المصنف . (٣) قوله: يغشيهما، من الإفعال أو التفعيل، أي: يعرض لهما منه ذلك. حاشية الشهاب ١٢٨/٦. الآية : ٨١ ٥٠٥ سُورَةُ الكَهْفِ وفي بعض الآثار أنَّ الغلام كان يفسِدُ، وفي روايةٍ: يقطع الطريق، ويقسمُ لأبويه أنَّه ما فعل، فيقسمان على قسمِه، ويحميانِهِ ممن يطلبُه. واستَدلَّ بذلك من قال: إنَّه كان بالغاً . والذاهبُ إلى صغره يقول: إنَّ ذلك لا يصُ. ولعلَّ الحقَّ معه. والظاهر أنَّ هذا من كلام الخضر عليه السلام، أجاب به موسى عليه السلام من جهته . وجوَّزَ الزمخشريُّ(١) أنْ يكون ذلك حكايةً لقول الله عزَّ وجلَّ، والمراد: فكرهنا، بجعل الخشيةِ مجازاً مرسلاً عن لازمها، وهو الكراهة على ما قيل. قال في ((الكشف)): وذلك لاتحاد مقام المخاطبة، كأنَّ سؤالَ موسى عليه السلام منه تعالى، والخضرُ عليه السلام بإذن الله تعالى يجيبُ عنه، وفي ذلك لطفٌ، ولكنَّ الظاهرَ هو الأول. انتهى. وقيل: هو على هذا الاحتمال بتقدير: فقال الله: خشينا، والفاء من الحكاية. وهو أيضاً بعيدٌ، ولا يكادُ يلائمُ هذا الاحتمالُ الآيةَ بعد، إلَّا أن يُجعل التعبيرُ بالظاهر فيها التفاتاً . وفي مصحف عبد الله وقراءة أبيٍّ: ((فخاف ربُّك))(٢). والتأويل ما سمعت. وقال ابن عطية: إنَّ الخوفَ والخشيةَ - كالترجِّي بلعلَّ ونحوها الواقع في كلامه تعالى - مصروفٌ إلى المخاطبين، وإلّا فالله جلَّ جلالُه منزَّةٌ عن كلِّ ذلك(٣) . ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَيُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ﴾ بأنْ يرزقَهما بدلَه ولداً خيراً منه ﴿زَكَوَةُ﴾ قال ابن عباس: أي: ديناً، وهو تفسيرٌ باللازم، والكثيرُ قالوا: أي: طهارةً من الذنوبِ والأخلاقِ الرديئة. (١) في الكشاف ٤٩٥/٢ -٤٩٦. (٢) أخرج الطبري في تفسيره ٣٥٧/١٥ قراءة ابن مسعود ظ له، وذكرها عنه أيضاً ابن عطية في المحرر الوجيز ٥٣٦/٣، والقرطبيُّ في تفسيره ٣٥٢/١٣، وأبو حيان في البحر ١٥٥/٦. وقراءة أبيّ ذكرها الفراء في معانيه ٢/ ١٥٧، والزمخشري في الكشاف ٤٩٥/٢ . (٣) انظر المحرر الوجيز ٥٣٦/٣. سُورَةُ الكَهْفِ ٥٠٦ الآية : ٨١ وفي التعرُّضِ لعنوان الربوبيَّة والإضافة إليهما ما لا يخفى من الدلالة على إرادة وصول الخير إليهما . ﴿وَأَقْرَبَ رُهما ®﴾ أي: رحمة، قال رؤبةُ بن العجاج: يا مُنْزِلِ الرُّحمِ على إدريسَا ومُنْزِلَ اللعنِ على إبليسَا(١) وهما مصدران كالكُثر والكَثرة، والمراد: أقرب رحمةً عليهما، وبرّاً بهما. واستظهرَ ذلك أبو حيان(٢)، ولعلَّ وجهَه كثرةُ استعمال المصدر مبنيّاً للفاعل، مع ما في ذلك هنا من موافقة المصدر قبله. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطيّة أنَّ المعنى: هما به أرحمُ منهما بالغلام(٣)، ولعلَّ المراد على هذا أنَّه أحبُّ إليهما من ذلك الغلام، إمّا لزيادة حسن خُلقه أو خَلْقه، أو الاثنين معاً. وهذا المعنى أقربُ للتأسيس من المعنى الأول، على تفسير المعطوف عليه بما سمعت، إلَّا أنه يؤيِّد ذلك التفسيرَ ما أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس أنَّهما أُبدِلَا جاريةً ولدت نبيّاً (٤) . وقال الثعلبيُّ: إنها أدركت يونس بن متَّى، فتزوَّجها نبيٌّ من الأنبياء، فولدت نبيّاً هدى الله تعالى على يده أمَّةً من الأمم(٥). وفي رواية ابن المنذر عن يوسف بن عمر(٦) أنَّها ولدت نبيين. وفي روايةٍ أخرى عن ابن عباس وجعفر الصادق ﴿ّ أنَّها ولدت سبعين نبيّاً. (١) الرجز في المحرر الوجيز ٥٣٦/٣، وتفسير القرطبي ٣٥٣/١٣، والبحر المحيط ١٥٥/٦. والبيت الأول منه في ديوان رؤبة ص١٧٥ (الملحق) وفيه: إدريس، بدل: إدريسا . (٢) في البحر ٦/ ١٥٥ . (٣) عزاه لابن المنذر عن عطية ابن حجر في الفتح ٤٢١/٨، وورد ضمن حديث ابن عباس عن أبيِّ عند البخاري (٤٧٢٦). (٤) عزاه ابن حجر في الفتح ٤٢٢/٨ للنسائي. (٥) عرائس المجالس ص٢٣٠. (٦) في مطبوع الدر المنثور ٤ / ٢٣٨ - والخبر فيه -: عمر بن يوسف. وهو خطأ. انظر الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٤١٤/٢، والتاريخ الكبير للبخاري ١٢٦/٢، ولسان الميزان ٢٨١/٢. الآية : ٨١ ٥٠٧ سُورَةُ الكَهْفِ واستبعد هذا ابنُ عطيّة، وقال: لا يعرفُ كثرةُ الأنبياء عليهم السلام إلَّا في بني إسرائيل، ولم تكن هذه المرأة منهم(١). وفيه نظرٌ ظاهر. ووجهُ التأييد أنَّ الجاريةَ بحسب العادة تحبُّ أبويها وترحمهما وتعطفُ عليهما وتبرُّ بهما أكثرَ من الغلام. وقيل: أبدلهما غلاماً مؤمناً مثلهما . وانتصابُ المصدرين على التمييز، والعامل ما قبل كلٍّ من أفعل التفضيل. ولا يخفى ما في الإبهام أوَّلاً ثم البيان ثانياً من اللطف، ولذا لم يقل: فأردنا أن يبدلهما ربُّهما أزكى منه وأرحم، على أنَّ في: خير زكاة، من المدح ما ليس في أزكى، كما يظهر بالتأمُّل الصادق. وذكر أبو حيان أنَّ ((أفعل)) ليس للتفضيل هنا؛ لأنَّه لا زكاة في ذلك الغلام ولا رحمة(٢). وتُعقّب بأنَّه كان زكيّاً طاهراً من الذنوب بالفعل إنْ كان صغيراً، وبحسب الظاهر إنْ كان بالغاً؛ فلذا قال موسى عليه السلام: ((نفساً زكيَّةً)) وهذا في مقابلته، فخيرٌ منه(٣) زكاةً مَنْ هو زكيٌّ في الحال والمآل بحسب الظاهر والباطن، ولو سلِّم فالاشتراك التقديريُّ يكفي في صحة التفضيل، وأن قوله: ولا رحمة، قولٌ بلا دليل. انتھی . وقال الخفاجيُّ: إنَّ الجواب الصحيح هنا أنْ يُكتفى بالاشتراك التقديريّ؛ لأنَّ الخضر عليه السلام كان عالماً بالباطن، فهو يعلم أنَّه لا زكاةَ فيه ولا رحمة، فقوله: إنَّه لا دليلَ عليه، لا وجه له (٤) . وأنت تعلمُ أنَّ الرحمة على التفسير الثاني ممَّا لا يصحُّ نفيها؛ لأنَّها مدارُ الخشية، فافهم. (١) المحرر الوجيز ٥٣٦/٣. (٢) البحر المحيط ١٥٥/٦ . (٣) في الأصل و(م): من، والمثبت من حاشية الشهاب ١٢٩/٦، وعنه نقل المصنف. (٤) حاشية الشهاب الخفاجي ١٢٩/٦ . سُورَةُ الكَهْفِ ٥٠٨ الآية : ٨٢ والظاهر أنَّ الفاء للتفريع، فيفيدُ سببيَّةَ الخشية للإرادة المذكورة، ويفهم منه تفريع القتل، ولم يفرعه نفسَه - مع أنَّه المقصود تأويلهُ - اعتماداً على ظهور انفهامه من هذه الجملة على ألطف وجه، وفيها إشارةٌ إلى ردِّ ما يلوِّحُ به كلامُ موسى عليه السلام من أنَّ قتله ظلمٌ وفسادٌ في الأرض. وقرأ نافعٌ وأبو عمرو وأبو جعفر وشيبة وحميد والأعمش وابنُ جرير: ((يُبَدِّلهما)) بالتشديد(١) . وقرأ ابن عامر وأبو جعفر - في رواية - ويعقوب وأبو حاتم: ((رُحُماً)) بضمٌ الحاء(٢). وقرأ ابن عباس ﴿ه: ((رَحِماً)) بفتح الراء وكسر الحاء (٣). ﴿وَمَّا الْجِدَارُ﴾ المعهود ﴿فَكَانَ لِغُلَمَيْنِ﴾ قيل: إنهما أصرم وصريم ﴿يَتِيمَيْنِ﴾ صغيرين مات أبوهما، وهذا هو الظاهر؛ لأنَّ يُتْمَ بني آدمَ بموت الأب، وفي الحديث: ((لا يُتْمَ بعد بلوغ)»(٤). وقال ابن عطية: يحتمل أنَّهما كانا بالغين، والتعبيرُ عنهما بما ذُكِرَ باعتبار ما كان على معنى الشفقة عليهما(٥). ولا يخفى أنَّه بعيدٌ جدّاً. (١) البحر المحيط ٦/ ١٥٥. وانظر قراءة نافع وأبي عمرو وأبي جعفر في التيسير ص١٤٥، والنشر ٣١٤/٢. (٢) البحر المحيط ٦/ ١٥٥. وانظر قراءة ابن عامر وأبي جعفر ويعقوب في التيسير ص ١٤٥، والنشر ٢١٦/٢. (٣) زاد المسير ١٨٠/٥، والبحر المحيط ٦/ ١٥٥ . (٤) أخرجه أبو داود (٢٨٧٣)، والبيهقي في السنن الكبرى ٦/ ٥٧ من حديث علي حبه مرفوعاً، ولفظه: ((لا يتم بعد احتلام)). قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير ١٠١/٣: وقد أعلَّه العقيلي وعبد الحق وابن القطان والمنذري وغيرهم، وحسنه النووي متمسكاً بسكوت أبي داود عليه. ورواه البيهقي في الصغير [(٢٦٦)] بسند آخر عن علي، ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده [(١٨٧٦) من حديث جابر] وفي الباب حديث حنظلة بن حنيفة عن جده، وإسناده لا بأس به، وهو في الطبراني [في الكبير (٣٥٠٢)] وغيره. وعن جابر رواه ابن عدي في ترجمة حرام بن عثمان [٨٥٢/٢-٨٥٣] وهو متروك. وعن أنس. (٥) المحرر الوجيز ٥٣٧/٣. الآية : ٨٢ ٥٠٩ سُوَدَّةُ الكَهْفِ فِىِ الْمَدِينَةِ﴾ هي القرية المذكورة فيما سبق، ولعلَّ التعبير عنها بالمدينة هنا؛ لإظهار نوع اعتدادٍ بها باعتداد ما فيها من اليتيمين وما هو من أهلها، وهو أبوهما الصالح. ولمَّا كان سوقُ الكلام السابق على غير هذا المساق عبَّر بالقرية فيه. ﴿وَكَانَ تَحْتَّهُ، كَنْ لَّهُمَا﴾ مالٌ مدفونٌ من ذهبٍ وفضَّةٍ، كما أخرجه البخاريُّ في ((تاريخه)) والترمذيُّ والحاكم وصححه من حديث أبي الدرداء(١)، وبذلك قال عكرمة وقتادة. وهو في الأصل مصدرٌ، ثمَّ أريد به اسم المفعول. قال الراغب: الكنز: جعلُ المال بعضَه على بعض وحفظُه، وأصله من: كَتَزْتُ التمرَ في الوعاء(٢). واستشكل تفسير الكنز بما ذُكر بأنَّ الظاهر أنَّ الكانزَ له أبوهما؛ لاقتضاء ((لهما)) له؛ إذ(٣) لا يكون لهما إلَّا إذا كان إرثاً أو كانا قد استخرجاه، والثاني منتفٍ، فتعيَّن الأول، وقد وُصِفَ بالصلاح، ويعارض ذلك ما جاء في ذمِّ الكانز. وأجيب بأنَّ المذمومَ ما لم تؤدّ منه الحقوق، بل لا يقال لما أدِّيت منه كنزٌ شرعاً، كما يدلُّ عليه عند القائلين بالمفهوم حديثُ: ((كلُّ مالٍ لا تؤدَّى زكاته فهو كنز))(٤)، فإنَّ النبيَّ نَ ◌ّه بصدد بيان الأحكام الشرعية، لا المفاهيم اللغوية؛ لأنَّها (١) التاريخ الكبير ٣٦٩/٨، وسنن الترمذي (٣١٥٢)، والمستدرك للحاكم ٣٦٩/٢ وصححه، وتعقبه الذهبي فقال: بل يزيد بن يوسف متروك، وإن كان حديثه أشبه بمسمى الكنز. اهـ. وانظر تخريج أحاديث الكشاف لابن حجر ص١٠٤ . (٢) المفردات (كنز). (٣) في الأصل و(م): إذا. (٤) أخرجه عبد الرزاق (٧١٤٠)، (٧١٤١)، (٧١٤٢)، والشافعي في مسنده ٨٧/١، والبيهقي في الكبرى ٨٢/٤ عن ابن عمر موقوفاً. وأخرجه مرفوعاً الطبراني في الأوسط (٨٢٧٩). وقال الطبراني: لم يرفع هذا الحديث عن عبيد الله بن عمر إلا سويد بن عبد العزيز. اهـ. ورجح الموقوف البيهقيُّ في الكبرى ٨٢/٤، والمنذري في الترغيب والترهيب ٥٨٤/١، والذهبي في ميزان الاعتدال ترجمة سويد بن عبد العزيز برقم (٣٤٥١). وانظر فتح الباري ٢٧٢/٣. وأخرج ابن عدي في الكامل ٧/ ٢٦٤٧ نحوه من حديث جابر مرفوعاً. وفي إسناده يحيى بن سُورَةُ الكَهْفِ ٥١٠ الآية : ٨٢ معلومةٌ للمخاطَبين، ولا يعتبرُ في مفهومه اللغويِّ - المرادِ هنا - شيءٌ من الإخراجِ وعدمه، والوصف بالصلاح قرينةٌ على أنَّه لم يكن من الكنز المذموم، ومن قال: إنّ الكنز حرامٌ مطلقاً، ادَّعى أنَّه لم يكن كذلك في شرع من قبلنا، واحتجَّ عليه بما أخرجه الطبرانيُّ عن أبي الدرداء في هذه الآية قال: أحلَّت لهم الكنوز وحُرِّمت عليهم الغنائم، وأحلَّت لنا الغنائمُ وحرِّمت علينا الكنوز(١). وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة نحو ذلك، وفيه: فلا يعجبنَّ الرجلُ فيقول: ما شأن الكنز حلَّ لمن قبلنا وحُرِّمَ علينا، فإنَّ الله تعالى يُحلُّ من أمره ما يشاء، ويُحرِّمُ ما يشاء، وهي السنن والفرائض تَحلُّ لأمةٍ، وتحرم علی أخرى(٢). وأخرج الحاكم وصحَّحه عن ابن عباس أنَّه قال: ما كان ذهباً ولا فضَّةً، ولكن كان صحف علم(٣). وروي ذلك أيضاً عن ابن جبير (٤). وأخرجَ ابنُ مردويه من حديث عليٍّ كرم الله تعالى وجهه مرفوعاً، والبزَّارُ عن أبي ذرِّ كذلك، والخرائطيُّ عن ابن عباس موقوفاً أنَّه كان لوحاً من ذهب مكتوباً فيه: عجبتُ لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن، وعجبتُ لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب، وعجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح، وعجبتُ لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل، وعجبتُ لمن يعرف الدنيا وتقلُّبها بأهلها كيف يطمئنُّ إليها، لا إله إلَّا الله، محمدٌ رسول الله ◌َالِ﴾(٥). = أبي أنيسة، وهو ضعيف. وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٣/ ١٩٠ موقوفاً على جابر. وفي الباب عند أبي داود (١٥٦٤) من حديث أم سلمة رؤيتها، قال وَلاير: ((ما بلغ أن تؤدَّى زكاته فزكي، فليس بكنز)) وينظر ما سلف ٣٠٥/١٠. (١) قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ٥٤: رواه الطبراني، وفيه إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، وهو متروك. (٢) تفسير عبد الرزاق ٤٠٧/١، وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم السيوطي في الدر ٢٣٨/٤، وأخرجه الطبري ١٥/ ٣٦٥. (٣) المستدرك ٣٦٩/٢. (٤) أخرجه الطبري في تفسيره ١٥/ ٣٦٢ . (٥) الدر المنثور ٢٣٤/٤، وحديث أبي ذرِّ مرفوعاً في مسند البزار (٤٠٦٥)، قال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن أبي ذر إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد. = الآية : ٨٢ ٥١١ سُورَةُ الكَهْفِ وفي رواية عطاء عن ابن عباس أنَّه مكتوبٌ في أحد شقيه: بسم الله الرحمن الرحيم عجبت .. إلخ، وفي الشقِّ الآخر: أنا الله لا إله إلّا أنا وحدي لا شريك لي، خلقتُ الخير والشرّ، فطوبى لمن خلقتُه للخير، وأجريتُه على يديه، والويل لمن خلقتُه للشرِّ، وأجريته على يديه. وجمع بعضُهم بأنَّ المرادَ بالكنز ما يشملُ جميع ذلك، بناءً على أنَّه المالُ المدفونُ مطلقاً، وكلٌّ من المذكورات مالٌ كان مدفوناً، إلَّا أنَّه اقتصرَ في كلٍّ من الروايات علی واحدٍ منها . وفيه أنَّه - على بعده - يأباه ظاهرُ قول ابن عباس ◌ًَّا: ما كان ذهباً ولا فضَّة. ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ الظاهرُ أنَّه الأبُ الأقرب الذي وَلدهما، وذُكر أنَّ اسمه كاشح، وأنَّ اسم أمِّهما دهنا. وقيل: كان الأبَ العاشر. وعن جعفر الصادق نظُّه أنه كان الأب السابع. وأيًّاما كان ففي الآية دلالةٌ على أنَّ صلاح الآباء يفيدُ العناية بالأبناء، وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في ((الزهد)) وابن أبي حاتم عن خيثمة قال: قال عيسى عليه السلام: طوبى الذرية المؤمن، ثمَّ طوبى لهم كيف يُحفظون مِن بعدِه. وتلا خيثمةُ هذه الآية(١). وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن وهب قال: إنَّ الله تعالى ليحفظُ بالعبد الصالح القبيلَ من الناس(٢). = وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٥٣/٧: رواه البزار من طريق بشر بن المنذر عن الحارث بن عبد الله اليحصبي، ولم أعرفهما، وبقية رجاله ثقات. اهـ. وقال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: بشر بن المنذر هذا يقال له قاضي المصيصة، قال الحافظ أبو جعفر العقيلي: في حديثه وهم. وخبر ابن عباس أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٤١٥/١٦. وانظر تخريج أحاديث الكشاف لابن حجر ص١٠٤ . (١) الدر المنثور ٢٣٨/٤. وهو في الزهد لأحمد ص٧٢، وهو في مصنف ابن أبي شيبة ٤٤٩/١٣ من قول خيثمة دون نسبة لعيسى عليه السلام. (٢) الدر المنثور ٢٣٨/٤. سُورَةُ الكَهْفِ ٥١٢ الآية : ٨٢ وعن الحسن بن عليٍّ ﴿بَّ أنَّه قال لبعض الخوارج في كلام جرى بينهما: بم حفظ الله تعالى مالَ الغلامين؟ قال: بصلاح أبيهما، قال: فأبيّ وجدِّي خيرٌ منه. فقال الخارجيُّ: أنبأنا الله تعالى أنَّكم قومٌ خَصِمون(١). وذُكر من صلاح هذا الرجل أنَّ الناس كانوا يضعون عنده الودائع، فيردُّها إليهم كما وضعوها. ويروى أنَّه كان سياحاً. ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ﴾ مالككَ ومدبِّرُ أمورك. ففي إضافة الربِّ إلى ضمير موسى عليه السلام دونَ ضميرهما تنبيهٌ له على تحتُّم كمالِ الانقياد والاستسلام لإرادته سبحانه، ووجوب الاحتراز عن المناقشة فيما وقع بحسبهما؛ التي يشمُّ منها طلبُ ما يحصل به تربیةُ البدن وتدبیره. ﴿أَنْ يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا﴾ قيل: أي: الحلم وكمال الرأي، وفي ((الصحاح): القوة (٢). وهو ما بين ثماني عشر إلى ثلاثين، وهو واحدٌ جاء على بناء الجمع، مثل أنُك (٣)، ولا نظير لهما. ويقال: هو جمعٌ لا واحدَ له من لفظه، مثل: آسال، وأبابيل، وعباديد، ومذاكير، وكان سيبويه يقول: واحدُه: شِدَّة، وهو حسنٌ في المعنى؛ لأنَّه يقال: بلغ الغلام شدَّتَه، ولكن لا يجمع فِعْلة على أَفْعُل، وأما أنْعُم، فإنما هو جمع نُعْم، من قولهم: يوم بُؤس ويوم نُعْم، وأمَّا قول من قال: واحدُه شَدٌّ مثل كلب وأكلب، أو شِدٌّ مثل ذئب وأذؤب، فإنَّما هو قياسٌ، كما يقولون في واحد الأبابيل: إبَّول، قياساً على عِجَّول، وليس هو شيئاً يُسمعُ من العرب. ﴿وَيَسْتَخْرِجَا كَتَهُمَا﴾ من تحت الجدار، ولولا أنِّي أقمتُه لانقضَّ، وخرج الكنزُ من تحته قبلَ اقتدارهما على حفظه والانتفاع به. وذكروا أنَّ اليتيمين كانا غير عالمين بالكنز، ولهما وصيٌّ يعلمُ به، لكنه كان غائباً، والجدارُ قد شارفَ، فلو سقطَ لضاع، فلذا أقامه. (١) ذكره الزمخشري في الكشاف ٤٩٦/٢، والرازي في التفسير الكبير ١٦٢/٢١، وجاء في الكشاف: الحسين، بدل: الحسن. (٢) الصحاح (شدد). (٣) بالمدّ وضم النون، وهو الرصاص. اللسان (أنك). الآية : ٨٢ ٥١٣ سُورَةُ الكَهْفِ ﴿رَحْمَةٌ مِّن رَّيِّكْ﴾ مفعولٌ له لـ ((أراد)»، وأقيم الظاهرُ مقامَ الضمير، وليس مفعولاً له لـ ((يستخرجا)) لاختلاف الفاعل، وبعضهم أجازَ ذلك؛ لعدم اشتراطه الاتحاد، أو جعلَ المصدر من المبنيِّ للمفعول، وأجازَ أن يكون النصب على الحال، وهو من ضمير (يستخرجا)) بتأويل مرحومَين، والزمخشريُّ (١) النصبَ على أنَّه مفعولٌ مطلق لـ ((أراد))، فإنَّ إرادة ذلك رحمةٌ منه تعالى. واعترض بأنَّه إذا كان ((أراد ربك)) بمعنى رحم كانت الرحمةُ من الربّ لا محالةَ، فأيُّ فائدةٍ في ذكر قوله تعالى: ((من ربك))، وكذا إذا كان مفعولاً له. وقيل: في الكلام حذفٌ، والتقدير: فعلتُ ما فعلت رحمةً من ربِّك، فهو حينئذٍ مفعولٌ له بتقدير: إرادةَ أو رجاءَ رحمةٍ ربك، أو منصوبٌ بنزع الخافض. والرحمةُ بمعنى الوحي، أي: برحمة ربِّك ووحيه، فيكون قوله: ﴿وَمَا فَعَلُْهُ, عَنْ امرئ﴾ - أي: عن رأيي واجتهادي ـ تأكيداً لذلك. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما ذكر من العواقب المنظومة في سلك البيان، وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد درجته في الفخامة. ﴿تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع﴾ أي: تستطع، وهو مضارعُ اسطاع بهمز الوصل، وأصله استطاعَ على وزن استفعل، ثم حذفَ تاء الافتعال تخفيفاً، وبقيت الطَّاءُ التي هي أصل. وزعم بعضهم أنَّ السينَ عوضُ قلب الواو ألفاً، والأصل: أطاع. ولا حاجةً تدعو إلى أنَّ المحذوف هي الطاء التي هي فاء الفعل، ثم دعوى أنَّهم أبدلوا من تاء الافتعال طاءً لوقوعها بعد السين. ويقال: تستتبع بإبدال الطاء تاءً، و: تستيع، بحذف تاء الافتعال، فاللغاتُ أربعٌ كما قال ابن السكيت. وما ألطف حذفَ أحد المتقاربين وبقاء الآخر في آخر هذا الكلام الذي وقعَ عنده ذهابُ الخضر عن موسى عليهما السلام. (١) في الكشاف ٤٩٦/٢. ١ سُوَدَّةُ الكَهْفِ ٥١٤ الآية : ٨٢ وقال بعض المحققين: إنَّما خص هذا بالتخفيف؛ لأنَّه لمَّا تكرَّر في القصة ناسبَ تخفيف الأخير. وتُعَقِّب بأنَّ ذلك مكرَّرٌ أيضاً، وذاك أخف منه، فلِمَ لم يؤت به؟ وفيه أنَّ الفرقَ ظاهرٌ بين هذا وذلك. وقيل: إنَّما خُصَّ بالتخفيف للإشارة إلى أنَّه خفَّ على موسى عليه السلام ما لقيه بیان سببه . وتُعقّبَ بأنَّه يبعده أنَّه في الحكاية لا المحكيّ، وأنت تعلم هذا، وكذا ما ذكرناه زهرةٌ لا تتحمَّل الفركَ، والتأويلُ بالمعنى السابق الذي ذكر أنَّه المراد، أي: ذلك · من الأمور التي رأيتَ، فيكون إنجازاً ١٢ مآلُ وعاقبةُ الذي لم تستطع ﴿عَلَيْهِ صَبْرًا للتنبئة الموعودة. وجُوِّزَ أن تكون الإشارة إلى البيان نفسه، فيكون التأويل بمعناه المشهور. وعلى كلِّ حالٍ فهو فذلكةٌ لما تقدَّم. وفي جعل الصلة عينَ(١) ما مرَّ تكريرٌ للتنكير(٢)، وتشديدٌ للعتاب. قيل: ولعلَّ إسناد الإرادة أوَّلاً إلى ضمير المتكلِّم وحدَه لأنه(٣) الفاعلُ المباشر للتعييب، وثانياً إلى ضمير المتكلم ومعه غيره؛ لأنَّ إهلاكَ الغلام بمباشرته وفعلِهِ، وتبديلُ غيره موقوفٌ عليه، وهو بمحضٍ فعل الله تعالى وقدرته، فضمير ((نا)) مشتركٌ بين الله تعالى والخضر عليه السلام، وثالثاً إلى الله تعالى وحده؛ لأنَّه لا مدخلَ له عليه السلام في بلوغ الغلامين. واعترض توجيهُ ضمير الجمع بأنَّ اجتماعَ المخلوق مع الله تعالى في ضميرٍ واحدٍ - لا سيَّما ضمير المتكلم - فيه من ترك الأدب ما فيه، ويدلُّ على ذلك ما جاء من أنَّ ثابت بن قيس بن شماس كان يخطبُ في مجلسه وَّهِ إذا وردت وفودُ (١) في (م): غير. وهو خطأ. والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٢٣٩/٥، والكلام منه. (٢) في تفسير أبي السعود: للنكير. (٣) في الأصل و(م): أنه، والصواب ما أثبتناه. ينظر تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ١٣٠/٦. الآية : ٨٢ ٥١٥ سُورَةُ الكَهْفِ العرب، فاتَّفْقَ أنْ قدِمَ وفدُ تميم، فقام خطيبهم وذكر مفاخرهم ومآثرهم، فلمَّا أتمَّ خطبته، قام ثابت وخطب خطبةً قال فيها: من يطع الله عزَّ وجلَّ ورسولَه ◌َّ فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، فقال له النبيُّ رَّهِ: ((بئس خطيبُ القوم أنت))(١). وصرَّح الخطابيُّ أنَّه عليه الصلاة والسلام كره منه ما فيه من التسوية(٢). وأجيب بأنَّه قد وقع نحو ذلك في الآيات والأحاديث، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَبِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيْ﴾ [الأحزاب: ٥٦] فإنَّ الظاهرَ أنَّ ضميرَ (يصلُّون))(٣) راجعٌ إلى الله تعالى وإلى الملائكة، وقوله وَّر في حديث الإيمان: ((أنْ يكون الله ورسوله أحبَّ إليه ممَّا سواهما))(٤). ولعلَّ ما كرهه وَِّ من ثابتٍ أنَّه وقفَ على قوله ((يعصهما)) لا التسوية في الضمير، وظاهر هذا أنَّه لا كراهةَ مطلقاً في هذه التسوية، وهو أحدُ الأقوال في المسألة، وثانيها ما ذهب إليه الخطابيُّ أنَّها تكرهُ تنزيهاً، وثالثها ما يفهمه كلام الغزاليّ أنَّها تكرهُ تحريماً. وعلى القول بالكراهة التنزيهية استظهر بعضُهم أنَّها غير مطّردةٍ، فقد تكره في مقامِ دونَ مقام، وبنى الجواب عمَّا نحن فيه على ذلك، فقال: لمَّا كان المقامُ الذي قامَ فيه ثابتٌ مقام خطابةٍ وإطناب، وهو بحضرة قومٍ مشركين، والإسلام غضٍّ طريٌّ، كَرِهَ وَّر التسويةَ منه فيه، وأمَّا مثل هذا المقام الذي القائلُ فيه والمخاطَبُ مَنْ عرفتَ، وقصد فيه نكتة وهو عدم استقلاله، فلا كراهةً للتسوية فيه. وخصَّ بعضُ الكراهةَ بغير النبيِّ وَهُ، وحينئذٍ يَقوَى الجوابُ عمَّا ذُكِر؛ لأنَّه إذا جازت للنبيٍّ ◌َّه فهو في كلام الله تعالى وما حكاه سبحانه بالطريق الأولى. وخلاصةُ ما قُرِّر في المسألة أنَّ الحقَّ أنَّه لا كراهةَ في ذلك في كلام الله تعالى (١) كذا نقل المصنف عن الشهاب في الحاشية ٦/ ١٣٠ أن الخطيب هو ثابت بن قيس ولعله وهم، فالذي في صحيح مسلم (٨٧٠) من حديث عديٍّ بن حاتم أن رجلاً خطب عند النبي ◌َّ فقال ... فذكره، وأخرجه بنحوه أبو داود (٤٩٨١)، والنسائي ٦/ ٩٠. وليس في مصادر التخريج ذكر اسم الخطيب. (٢) معالم السنن ١٣١/٤. (٣). بعدها في (م): على. (٤) أخرجه البخاري (١٦)، ومسلم (٤٣) من حديث أنس بن مالك ( ٠ سُورَةُ الكَهْفِ ٥١٦ الآية : ٨٢ ورسوله ◌َ﴿ كما أشير إليه في شروح البخاريِّ، وأمَّا في حقِّ البشر، فلعلَّ المختارَ أنَّه مكروهٌ تنزيهاً في مقامٍ دون مقام. هذا وأنا لا أقول باشتراك هذا الضمير بينَ الله تعالى والخضر عليه السلام، لا لأنَّ فيه تركَ الأدب، بل لأنَّ الظاهرَ أنَّه كضمير ((خشينا)»، والظاهر في ذاك عدم الاشتراك؛ لأنَّه مُحوِجٌ لارتكاب المجاز، على أنَّ النكتة التي ذكروها في اختيار التشريك في ضمير ((أردنا)) لا تَظهر في اختياره في ضمير ((فخشينا))؛ لأنَّه لم يتضمَّن الكلامُ الأولُ فعلين على نحو ما تضمَّنهما الكلامُ الثاني، فتدبَّر. وقيل في وجه تغاير الأسلوب: إنَّ الأوَّلَ شرِّ، فلا يليقُ إسناده إليه سبحانه، وإن كان هو الفاعل جلَّ وعلا، والثالث خيرٌ، فأفرد إسناده إلى الله عزَّ وجلَّ، والثاني ممتزجٌ خيره وهو تبديله بخيرٍ منه، وشرُّه وهو القتل، فأسند إلى الله تعالى وإلى نفسه نظراً لهما . وفيه أنَّ هذا الإسناد في ((فخشينا) أيضاً، وأين امتزاجُ الخير والشرِّ فيه؟ وجَعْلُ النكتة في التعبير بـ (نا)) فيه مجرَّدَ الموافقة لتاليه، ليس بشيءٍ كما لا يخفى. وقيل: الظاهرُ أنَّه أسندَ الإرادة في الأوَّلين إلى نفسه، لكنَّه تفتَّنَ في التعبير، فعبَّر عنها بضمير المتكلِّم مع الغير بعد ما عبّر بضمير المتكلِّم الواحد؛ لأنَّ مرتبةً الانضمام مؤخّرةٌ عن مرتبة الانفراد، مع أنَّ فيه تنبيهاً على أنَّه من العظماء في علوم الحكمة، فلم يُقْدِم على هذا القتل إلَّا لحكمةٍ عاليةٍ، بخلاف التعييب، وأسندَ فعل الإبدالِ إلى الله تعالى إشارةً إلى استقلاله سبحانه بالفعل، وأنَّ الحاصلَ للعبد مجرَّدُ مقارنة إرادة الفعل دون تأثيرٍ فيه، كما هو المذهب الحقُّ. انتھی . وأنت تعلمُ أنَّ الإبدالَ نفسه ممَّا ليس لإرادة العبد مقارنةٌ له أصلاً، وإنَّما لها مقارنةٌ للقتل الموقوف هو عليه، على أنَّ في هذا التوجيه بعدُ ما فيه. وفي ((الانتصاف)): لعلَّ إسناد الأوَّل إلى نفسه خاصةً من باب الأدب مع الله تعالى؛ لأنَّ المراد ثَمَّ عيبٌ، فتأدَّبَ - عليه السلام - بأنْ نَسبَ الإعابةَ إلى نفسه. وأما إسناد الثاني إلى ((نا)) فالظاهر أنَّه من باب قول خواصِ الملك: أمرنا بكذا، الآية : ٨٢ ٥١٧ سُوَدَّةُ الكَهْفِ ودَبَّرنا كذا، وإنَّما يعنون: أمَرَ الملكُ العظيم ودَبَّر. ويدلُّ على ذلك قوله في الثالث: ((فأرادَ ربُّك أن يبلغا أشُدَّهما))(١). وهو كما ترى. وقيل: اختلافُ الاسلوب لاختلاف حال العارف بالله سبحانه، فإنَّه في ابتداء أمره يَرى نفسَه مؤثِّرةً، فلذا أسندَ الإرادة أوَّلاً إلى نفسه، ثم يتنبّه إلى أنَّه لا يستقلُّ بالفعل بدون الله تعالى، فلذا أسندَ إلى ذلك الضمير، ثم يرى أنَّه لا دخلَ له، وأنَّ المؤثِّر والمريدَ(٢) إنَّما هو الله تعالى، فلذا أسندَه إليه سبحانه فقط، وهذا مقامُ الفناء، ومقام: كان الله ولا شيء معه، وهو الآن كما كان. وتُعقّب بأنَّه إن أريد أنَّ هذه الأحوالَ مرَّت على الخضر عليه السلام واتَّصفَ بكلٍّ منها أثناءَ المحاورة؛ فهو باطلٌ، وكيف يليقُ أنْ يكون إذ ذاكَ ممَّن يَتَّصفُ بالمرتبة الثانية فضلاً عن المرتبة الأولى وهو الذي قد أوتي من قبلُ العلمَ اللدنيَّ، وإن أريدَ أنَّه عبَّر تعبيرَ من اتَّصفَ بكلِّ مرتبةٍ من تلك المراتب وإنْ كان هو عليه · السلام في أعلاها، فإنْ كان ذلك تعليماً لموسى عليه السلام، فموسى عليه السلام أجلُّ من أن يعلِّمه الخضر عليه السلام مسألة خلق الأعمال، وإنْ كان تعليماً لغيره عليه السلام، فليس المقامُ ذلك المقام، على تقدير أنْ يكونَ هناك غيرٌ يسمعُ منه هذا الكلام، وإن أريد أنَّه عبّر في المواضع الثلاثة بأسلوبٍ مخصوصٍ من هاتيك الأساليب، إلّا أنَّه سبحانه عبَّر في كلِّ موضعٍ بأسلوب، فتعدَّدت الأساليب في حكايته تعالى القصّة لنا تعليماً وإشارةً إلى هاتيك المراتب، وإنْ لم يكن كلامُ الخضر عليه السلام كذلك، فالله تعالى أجلُّ وأعظمُ من أنْ ينقل عن أحدٍ كلاماً لم يقله، أو لم يقل ما بمعناه، فالقول بذلك نوعُ افتراءٍ عليه سبحانه. والذي يخطرُ ببال العبد الفقير أنَّه رُوعي في الجواب حالُ الاعتراض وما تضمَّنه وأشارَ إليه، فلمَّا كان الاعتراضُ الأوَّل - بناءً على أنَّ لام ((لتغرق)) للتعليل - متضمِّناً إسنادَ إرادة الإغراق إلى الخضر عليه السلام، وكان الإنكار فيه دون الإنكار فيما يليه؛ بناءً على ما اختاره المحقّقون من أنَّ ((نكراً)) أبلغُ من (١) الانتصاف ٤٩٦/٢. (٢) في الأصل: والمؤيد، والمثبت من (م) وحاشية الشهاب ١٣١/٦، والكلام منه. سُورَةُ الكَهْفِّ ٥١٨ الآية : ٨٢ ((إمراً)) = ناسبَ أنْ يُصرِّح(١) بإسناد إرادة التعييب إلى نفسه، المشير إلى نفي إرادة الإغراق عنها، التي يشير كلام موسى عليه السلام إليها، وأنْ لا يأتيَ بما يدلُّ على التعظيم، أو ضمِّ أحدٍ معه في الإرادة؛ لعدمِ تعظيم أمرِ الإنكار المحوجِ لأنّ يقابَلَ بما يدلُّ على تعظيم إرادة خلافٍ ما حسبَه عليه السلام وأنكرَه. ولمّا كان الاعتراضُ الثاني في غاية المبالغة، والإنكارُ هناك في نهاية الإنكار، ناسبَ أن يشيرَ إلى أنَّ ما اعتُرِض عليه وبُولِغَ في إنكاره قد أريد به أمرٌ عظيم، ولو لم يقع لم يؤمَنْ من وقوع خطبٍ جسيم، فلذا أسندَ الخشيةَ والإرادة إلى ضميرٍ المعظّمِ نفسَهُ، أو المتكلِّم ومعه غيرُهَ، فإنَّ في إسناد الإرادة إلى ذلك تعظيماً لأمرها، وفي تعظيمه تعظيم أمر المراد، وكذا في إسناد الخشية إلى ذلك تعظيمُ أمرها، وفي تعظيمه تعظيمُ أمر المخشيِّ. وربما يقال - بناء على إرادة الضمِّ منا -: إنَّ في ذلك الإسناد إشارة إلى أنَّ ما يُخشَى وما يراد قد بلغ في العظم إلى أنْ يشارِكَ موسى عليه السلام في الخشية منه وفي إرادته الخضر، لا أن يستقلَّ بإنكار ما هو من مبادي ذلك المراد، وبه ينقطعُ عن الأصلين عِرْقُ الفساد. ولما كان الاعتراض الثالث هيِّناً جدّاً، حيث كان بلفظٍ لا تصلُّبَ فيه ولا إزعاجَ في ظاهره وخافيه، ومع هذا لم يكن على نفس الفعل، بل على عدم أخذ الأجرة عليه ليُستعانَ بها على إقامة جدار البدن، وإزالة ما أصابَهُ من الوهن، فناسب أنْ يلين في جوابه المقام، ولا ينسب لنفسه استقلالاً ولا(٢) مشاركةً شيئاً ما من الأفعال، فلذا أسندَ الإرادة إلى الربِّ سبحانه وتعالى، ولم يكتفِ بذلك حتى أضافه إلى ضميره عليه السلام، ولا ينافي ذلك تكرير النكير والعتاب؛ لأنَّ متعلّقٌ بمجموع ما كان أوَّلاً من ذلك الجناب. هذا والله تعالى أعلم بحقيقة أسرار الكتاب، وهو سبحانه الموفق للصواب. واستدلَّ بقوله: ((وما فعلته عن أمري)) القائلون بنبوَّته عليه السلام، وهو ظاهرٌ في ذلك، واحتمالُ أنْ يكون هناك نبيٌّ أمرَه بذلك عن وحي - كما زعمه القائلون (١) في (م): يشرح. (٢) في (م): أو. الآية : ٨٢ ٥١٩ سُؤَدَّةُ الكَهْفِ بولايته - احتمالٌ بعيدٌ، على أنَّه ليس في وصفه بقوله تعالى: (ءَانَيْنَهُ رَحْمَةٌ مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَهُ مِن لَّهُنَا عِلْمًا) على هذا كثيرُ فائدة، بل قد يقال: أيُّ فائدةٍ في هذا العلم اللَّدُنِّيِّ إذا احتاج في إظهار العجائب لموسى عليه السلام إلى توسيط نبيٍّ مثله؟ وقال بعضهم: كان ذلك عن إلهام، ويلزمُه القول بأنَّ الإلهامَ كان حُجَّةً في بعض الشرائع، وأنَّ الخضرَ من المكلَّفين بتلك الشريعة، وإلا فالظاهرُ أنَّ حُجِّيَّتَهُ ليست في شريعة موسى عليه السلام، وكذا هو ليس بحجّةٍ في شريعتنا على الصحيح، ومن شذَّ وقال بحجِّيَّته اشترطَ لذلك أن لا يعارضَهُ نصُّ شرعيٌّ، فلو أطلعَ اللهُ تعالى بالإلهام بعضَ عباده على نحو ما أَطلع عليه الخضر عليه السلام من حال الغلام؛ لم يحلَّ له قتله، وما أخرجه الإمام أحمد عن عطاء أنَّه قال: كتب نجدة الحروريُّ إلى ابن عباس يسألُه عن قتل الصبيان، فكتب إليه: إنْ كنتَ الخضرَ تعرفُ الكافر من المؤمن فاقتلهم (١) = إنَّما قصد به ابن عباس - كما قال السبكيُّ - المحاجَّةَ والإحالة على ما لم يمكن قطعاً؛ لطمعه في الاحتجاج بقصَّة الخضر، وليس مقصودُه - رَُّبه - أنَّه إن حصلَ ذلك يجوزُ القتل، فما قاله اليافعيُّ في ((روضه)) من أنَّه لو أذن الله تعالى لبعض عباده أن يلبسَ ثوبَ حريرٍ مثلاً، وعلم الإذن يقيناً، فلبسه، لم يكن منتهكاً للشرع، وحصولُ اليقين له من حيث حصوله للخضر بقتله للغلام، إذ هو وليٍّ لا نبيٌّ على الصحيح. انتهى = عثرةٌ يكاد أنْ لا يقال لصاحبها: لعا(٢)؛ لأنَّ مظنَّة حصول اليقين اليوم الإلهام، وهو ليس بحجّة عند الأئمة، ومن شذَّ اشترط ما اشترط، وحصولُه بخبر عيسى عليه السلام إذا نزل متعذّرٌ؛ لأنَّه عليه السلام ينزلُ بشريعة نبينا وَّرَ، ومن شريعته تحريمُ لبس الحرير على الرجال إلَّا للتداوي، وما ذكره من نفي نبوّةِ الخضر لا يعوَّلُ عليه ولا يلتفتُ إليه. وممَّن صرَّح بأنَّ الإلهام ليس بحجّة من الصوفية الإمام الشعرانيُّ، وقال: قد زلَّ في هذا الباب خلقٌ كثير، فضلُّوا وأضلُّوا، ولنا في ذلك مؤلّفٌ سميته: ((حدٌّ الحسام في عنق من أطلق إيجاب العمل بالإلهام)) وهو مجلدٌ لطيفٌ. انتهى. (١) مسند أحمد (١٩٦٧)، وأخرجه بنحوه مسلم (١٨١٢). (٢) أي: أن لا يُدْعى له بالسلامة؛ لأن قولهم: لعاً له، دعاء للعاثر بأن ينتعش، أي: يسلم وینجو . سُورَةُ الكَهْفِ ٥٢٠ الآية : ٨٢ وقال أيضاً في كتابه المسمَّى بـ ((الجواهر والدرر)»: قد رأيتُ من كلام الشيخ محيي الدين قدِّس سره ما نصُّه: اعلم أنَّا لا نعني بمَلَكِ الإلهام حيثُ أطلقناه إلَّا الدقائقَ الممتدَّةَ من الأرواح الملكيَّة، لا نفس الملائكة، فإنَّ المَلَكَ لا ينزلُ بوحي على غير قلب نبيٍّ أصلا، ولا يأمرُ بأمرٍ إلهيٍّ جملةً واحدة، فإنَّ الشريعةَ قد استقرَّت، وتبيَّن الفرضُ والواجبُ وغيرهما، فانقطعَ الأمر الإلهيُّ بانقطاع النبوّة والرسالة، وما بقيَ أحدٌ يأمرُه الله تعالى بأمرٍ يكون شرعاً مستقلًّا يُتعبَّد به أبداً؛ لأنَّه إنْ أمَره بفرضٍ كان الشارعُ قد أمر به، وإن أمره بمباحٍ فلا يخلو؛ إمَّا أن يكونَ ذلك المباحُ المأمورُ به صار واجباً أو مندوباً في حقِّه، فَهَذا عينُ نسخ الشرع الذي هو عليه، حيث صيَّر المباحَ الشرعيَّ واجباً أو مندوباً، وإن أبقاه مباحاً كما كان، فأيُّ فائدةٍ للأمر الذي جاء به ملكُ الإلهام لهذا المدَّعي؟ فإن قال: لم يجئني ملكُ الإلهام بذلك، وإنَّما أمرني الله تعالى بلا واسطة. قلنا: لا يصدَّق في مثل ذلك، وهو تلبيسٌ من النفس. فإن ادَّعى أنَّ الله سبحانه كلَّمه كما كلَّم موسى عليه السلام، فلا قائل به، ثمَّ إنه تعالى لو كلَّمه ما كان يلقي إليه في كلامه إلَّا علوماً وأخباراً، لا أحكاماً وشرعاً، ولا يأمره أصلاً. انتهى(١). وقد صرَّح الإمام الربانيُّ مجدِّدُ الألف الثاني قُدِّس سرُّه العزيز في ((المكتوبات)) في مواضعَ عديدة، بأنَّ الإلهام لا يُحِلُّ حراماً ولا يُحَرِّمُ حلالاً، ويعلم من ذلك أنَّه لا مخالفةَ بين الشريعة والحقيقة والظاهرِ والباطن. وكلامُه قُدِّس سرُّه في ((المكتوبات)) طافحٌ بذلك، ففي المكتوب الثالث والأربعين من الجلد الأول: إنَّ قوماً مالوا إلى الإلحاد والزندقة يتخيَّلون أنَّ المقصودَ الأصليَّ وراء الشريعة، حاشا وكلا، ثمَّ حاشا وكلا، نعوذُ بالله سبحانه من هذا الاعتقاد السوء، فكلٌّ من الطريقة والشريعة عينُ الآخر لا مخالفةً بينهما بقدر رأس الشعيرة، وكلُّ ما خالف الشريعة مردودٌ، وكلُّ حقيقةٍ رَدَّتها الشريعةُ فهي زندقة(٢). وقال في أثناء المكتوب الحادي والأربعين من الجلد الأول أيضاً في مبحث (١) انظر الفتوحات المكية ٣٨/٣. (٢) المكتوبات ١ / ٥٧-٥٨.