النص المفهرس
صفحات 481-500
الآية : ٧٤ ٤٨١ سُوَدَّةُ الكَهْفِ وقال شيخ الإسلام في وجه التغيير: إنَّ صدورَ الخوارق عن الخضر عليه السلام خرِّج بوقوعه مرَّةً مخرج العادة، واستأنست النفسُ به كاستئناسها بالأمور العادية، فانصرفت عن ترقّب سماعه إلى ترقّب سماع حالٍ موسى عليه السلام هل يحافظ على مراعاة شرطه بموجب وعده عند مشاهدة خارقٍ آخر، أو يسارعُ إلى المناقشة كما في المرة الأولى؟ فكان المقصودُ إفادةَ ما صدر عنه عليه السلام، فجُعل الجزاءُ اعتراضَه دون ما صَدر عن الخضر عليهما السلام، ولله تعالى درُّ شأن التنزيل. وأما ما قيل من أنَّ القتل أقبحُ والاعتراضُ عليه أدخلُ فكان جديراً بأن يُجعل عمدةَ الكلام، فليس من دفع الشبهة في شيء، بل هو مؤيِّد لها، فإنَّ كونَ القتل أقبحَ من مبادي قلَّة صدوره عن المؤمن العاقل، وندرةٍ وصول خبره إلى الأسماع، وذلك مما يستدعي جعلَه مقصوداً، وكون الاعتراض عليه أدخلَ من موجبات كثرة صدوره عن كلِّ عاقلٍ فضلاً عن النبيِّ، وذلك لا يقتضي جعلَه كذلك(١). انتهى. وتعقّب بأنَّ ما ذكره من النكتة - على تقدير تسليمه - لا يضرُّ مَن بينها بما تقدم؛ إذ لا تزاحُمَ في النكات، وأما اعتراضه فقوله: مما يستدعي جعله مقصوداً، إن أراد أنه مقصودٌ في نفسه فليس بصحيح، وإن أراد أنه مقصودٌ بأن يُعترض عليه ويُمنع منه، فهذا يقتضي جعلَ الاعتراض جزاءً كما مرَّ. وأما كونُه من موجبات كثرةٍ صدوره عن كلِّ عاقلٍ فمقتضٍ للاهتمام بالاعتراضٍ عليه. وأنت تعلم أنَّ الشيء كلَّما ندر كان الإخبارُ به وإفادتُه السامعَ أوقعَ في النفس، وأنَّ الأخبارَ الغريبةَ يُهتمُّ بإفادتها ما لا يُهتُمُّ بإفادة غير الغريبة، إذ العالِمُ بالغريب قليلٌ بخلاف العالم بغيره، وإنكارُ ذلك مكابرةٌ، فمراد الشيخ أنَّ كونَ القتل أقبحَ من مبادي قلَّة صدوره عن المؤمن العاقل، وندرةٍ وصول خبره إلى الأسماع، وذلك مما يستدعي جعلَه مقصوداً بالإفادة كما هو شأنُ الأمور القليلة الصدورِ النادرة الوقوعِ، وكون الاعتراض عليه أدخلَ من مُوجِبات كثرة الصدور، وذلك لا يقتضي أن يعامَل كذلك، وعلى هذا لا غبارَ على ما ذكره عند المُنْصِف. (١) تفسير أبي السعود ٢٣٦/٥. سُوَدَّةُ الكَهْفِّ ٤٨٢ الآية : ٧٥ - ٧٦ ثم إنَّ ما ذكره من النكتة يتأتى على القول بأنَّ القتلَ أقبحُ من الخرق، وعلى القول بالعكس أيضاً، وهذا بخلاف ما تقدَّم، فإنَّه كان مبنيًّا على أقبحية القتل، فمَن لا يقول بها يَحتاج في بيان النكتة إلى غير ذلك، وقد رُجِّح بذلك على ما تقدَّم. واستأنس له أيضاً بأنَّ مساق الكلام من أوَّله لشرح حال موسى عليه السلام، فجعلُ اعتراضِه عمدةَ الكلام أوفَقُ بالمساق، إلا أنَّه عُدِل عن ذلك في قصة الخرق وجُعل ما صدر عن الخضر عليه السلام عمدةً دون اعتراضِه لأنَّ النفس لمَّا سمعَتْ وصفَ الخضر ظمأَتْ لسماع ما يصدر منه؛ فبُلَّ غليلُها وجُعل ما صدر منه مقصوداً بالإفادة لأنَّه مطلوبٌ للنفس وهي منتظرةٌ إياه، ثم بعد أن سمعتْ ذلك وسكن أُوامها سُلك بالكلام مسلكه الأول وقُصد بالإفادة حالُ من سِيقَ الكلامُ مِن أوله لشرح حاله. ولا يخفى أنَّ هذا قولٌ بأنَّ الأصل نظراً إلى السوق أن تكون القصةُ الأولى على طرز القصة الثانية، إلا أنه عُدِل عن ذلك لِمَا ذكر، والخروجُ عن الأصل يُتقدَّر بقدر الحاجة ﴿فَمَنِ اضْطَرَّ غَيْرَ بَاعٍ وَلَا عَادٍ فَلَّ إِثْمَ عَلَيْ﴾ [البقرة: ١٧٣] وهو مخالفٌ لِمَا يُفهم من كلام الشيخ في الجملة، فافهم والله تعالى أعلم. وقرأ نافع وأبو بكر وابن ذكوان وأبو جعفر وشيبة وطلحة ويعقوب وأبو حاتم: (فُكُراً)) بضمتين، حيث كان منصوباً (١). ﴿قَالَ أَلَّ ◌َقُل لَّكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا ﴾﴾ زيادةُ ((لك)) لزيادة المكافحة على رفض الوصيّة وقلَّةِ التثبُّت والصبر لمَّا تكرَّر منه الاشمئزاز والاستنكار، ولم يرعوِ بالتذكير، حتَّى زادَ في النكير في المرة الثانية. ﴿قَالَ﴾ أي: موسى عليه السلام: ﴿إِن سَأَلْنُكَ عَنْ شَىْءٍ﴾ تفعلُه من الأعاجيب ﴿بَعْدَهَا﴾ أي: بعد هذه المرة، أو بعد هذه المسألة ﴿فَلاَ تُصَحِنِىٌ﴾. وقرأ عيسى ويعقوب: ((فلا تَصحبني))(٢) بفتح التاء من صحِبَه، أي: فلا تكن صاحبي . (١) التيسير ص١٤٤، والنشر ٢١٦/٦ عن نافع وابن ذكوان وأبي بكر وأبي جعفر ويعقوب، والكلام من البحر ٦/ ١٥٠. (٢) المحرر الوجيز ٥٣٢/٣، والبحر المحيط ١٥١/٦، وانظر قراءة يعقوب في النشر ٣١٣/٢. ونسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٨١ لعيسى وابن عامر في رواية عنه. الآية : ٧٦ ٤٨٣ سُوَرَّةُ الكَهْفِ وعن عيسى أيضاً: ((فلا تُصحِبني)) بضمِّ التاء وكسر الحاء، من أَصْحَبَه، ورواها سهل عن أبي عمرو (١)، أي: فلا تُصحبني إِيَّاك ولا تجعلني صاحبَك، وقدَّر بعضُهم المفعولَ الثاني: عِلْمَك، وليس بذاك. وقرأ الأعرج: ((فلا تَصْحَبَنِّي)) بفتح التاء والباء وشدِّ النون(٢)، والمراد المبالغة في النهي، أي: فلا تكن صاحبي البتة. وهذا يؤيِّدُ كونَ المراد من النهي فيما لا تأكيد فيه التحريم، والمراد به الحزمُ بالترك والمفارقة، لا الترخيص؛ على معنى: إن سألتُك بعدُ فأنت مرشَّصٌ في ترك صحبتي. ﴿قَدْ بَغْتَ مِن لَّدُنِ عُذْرًا ﴾﴾ أي: وجدت عذراً من قِبَلي، وقال النوويُّ: معناه: قد بلغتَ إلى الغاية التي تُعذَرُ بسببها في فراقي(٣)، حيثُ خالفتُك مرَّةً بعد مرَّة. وصحَّ عن النبيِّ وََّ قال: ((رحمةُ الله علينا وعلى موسى، لو صبرَ على صاحبه الرأى العجب، لكن أخذتهُ من صاحبه ذَمامة، فقال ذلك))(٤). وقرأ نافع وعاصم: ((من لَدني)) بتخفيف النون(٥)، وهي حجَّةٌ على سيبويه في منعه ذلك(٦). والأكثرون على أنَّه حَذَف نون الوقاية، وأبقى النونَ الأصليَّة المكسورةَ، على ما هو القياس في الأسماء المضافة من أنَّها لا تلحقُها نونُ الوقاية، كوطني ومقامي. (١) المحرر الوجيز ٥٣٢/٣، والبحر المحيط ١٥١/٦. ونسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٨١ للجحدري والنخعي. (٢) المحرر الوجيز ٥٣٢/٣، وتفسير القرطبي ٣٣٣/١٣، والبحر المحيط ١٥١/٦، ونسبها في القراءات الشاذة ص٨١ لابن مسعود رپئه . (٣) شرح النووي على صحيح مسلم ١٤١/١٥ . (٤) صحيح مسلم (٢٣٨٠): (١٧٢) وهو قطعة من حديث ابن عباس عن أبي بن كعب. قال النووي في شرحه على صحيح مسلم ١٤٤/١٥-١٤٥: وقوله: ((ذمامة)) بفتح الذال المعجمة، أي: استحياء لتكرار مخالفته. وقيل: ملامة. والأول هو المشهور. (٥) وضمِّ الدال، وكذا قرأ أبو جعفر من العشرة، وقرأ عاصم - برواية أبي بكر عنه - بإسكان الدال مع إشمامها الضم كما سيذكر المصنف قريباً، وقراءة حفص عن عاصم كقراءة الجمهور: لَدُنِّ. انظر التيسير ص ١٤٥، والنشر ٣١٣/٢. (٦) انظر الكتاب ٢/ ٣٧٠. سُوَرَّةُ الكَهْفِ ٤٨٤ الآية : ٧٧ وقيل: إنَّه يحتملُ أنْ يكون المذكورُ نونَ الوقاية، والمضافُ إنَّما هو ((لد)) بلا نون، لغةٌ في لدن، فلا حذفَ أصلاً. وتُعقّبَ بأنَّ نون الوقاية إنَّما هي في المبنيٌّ على السكون لتَقِيَه الكسر، و((لد)» بلا نون مضموم. ورُدَّ بأنَّه لا مانعَ أن يقال: إنَّها وَقَتْه من زوال الضم. وأشمَّ شعبةُ الضمَّ في الدال، ورُوي عن عاصم أنَّه سأَّنَها. وقال [ابن] مجاهد: هو (١) غلط(٢)، ولعله أراد روايةً، وإلّا فقد ذكروا أنَّ (لَذْ)) بالفتح والسكون لغةٌ في ((لدن))(٣) . وقرأ عيسى: (ُذُراً)) بضمِّ الذال، ورويت عن أبي عمرو. وعن أبيّ: ((عذري)) بالإضافة إلى ياء المتكلِّم(٤). ﴿فَأَنَطَلَقًا حَتَّىَ إِذَا أَنْيَا أَهْلَ قَرْبَةٍ﴾ الجمهور على أنها أنطاكية، وحكاه الثعلبيُّ عن ابن عباس(٥)، وأخرج ابن أبي حاتم من طريق قتادة عنه أنَّها برقة(٦)، وهي - كما في (القاموس)) - اسمٌ لمواضع(٧). وفي ((المواهب)) أنَّها قريةٌ بأرض الروم، والله تعالى أعلم. (١) في (م): سوء. بدل: هو. وهو تحريف. (٢) كذا نقل المصنف عن أبي حيان في البحر ٦/ ١٥١، والذي خطأه ابن مجاهد في السبعة ص٣٥٩ تسكينُ الدال مع ضمِّ اللام: ((لُذْني)) وليس تسكينَ الدال فحسب. وانظر الحجة لأبي علي ١٦٢/٥، وتفسير القرطبي ٣٣٣/١٣، ومعجم القراءات للدكتور عبد اللطيف الخطيب ٥/ ٢٧٣ . (٣) البحر المحيط ١٥١/٦، وما سلف بين حاصرتين منه. وانظر المحرر الوجيز ٥٣٣/٣، وتفسير القرطبي ٣٣٣/١٣ . (٤) المحرر الوجيز ٥٣٣/٣، وتفسير القرطبي ٣٣٣/١٣، والبحر المحيط ١٥١/٦. وقراءة أبي عمرو المتواترة عنه كقراءة الجمهور. (٥) عرائس المجالس ص٢٢٩ . (٦) الدر المنثور ٤/ ٢٣٧. (٧) القاموس (برق). الآية : ٧٧ ٤٨٥ سُورَةُ الكَهْفِ وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن السُّدِّيِّ أنَّها باجروان(١). وهي أيضاً اسمٌ لمتعدِّد، إلَّا أنه ذكرَ بعضهم أنَّ المرادَ بها قرية بنواحي أرمينية. وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن سيرين أنَّها الأُبُلَّة بهمزةٍ وباء موحّدة ولامٍ مشددة(٢). وقيل: قريةٌ على ساحل البحر يقال لها ناصرة، وإليها تنسبُ النصارى، قال في (٣) «مجمع البيان»: وهو المروي عن أبي عبد الله (٣) . وقيل: قريةٌ في الجزيرة الخضراء من أرض الأندلس. قال ابن حجر: والخلاف هنا كالخلافِ في مجمع البحرين، ولا يوثقُ بشيءٍ منه(٤) . وفي الحديث: ((أتيا أهل قريةٍ لئاماً))(٥). ﴿أَسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا﴾ في محلِّ الجر، على أنَّه صفةٌ لـ ((قرية))، وجوابُ ((إذا)): ((قال)) الآتي إن شاء الله تعالى، وسلك بذلك نحو ما سلك في القصة الثانية من جعل الاعتراض عمدةَ الكلام؛ للنكتة التي ذكرها هناك شيخ الإسلام(٦). وذهب أبو البقاء وغيره إلى أنَّه هو الجواب (٧)، والآتي مستأنفٌ نظير ما في القصّة الأولى، والوصفيَّة مختارُ المحققين، كما ستعلمه إن شاء الله تعالى. وهاهنا سؤالٌ مشهورٌ، وقد نظمَه الصلاحُ الصفديُّ ورفعه إلى الإمام تقيٍّ الدين السبكيِّ فقال: بدا وجهُه استحيى له القمرانِ أسيدَنا قاضي القضاةِ ومن إذا على ◌ِرْسِهِ بحرانِ يلتقيانِ ومن كفُّه يومَ الندى ويراغُه (١) الدر المنثور ٢٣٧/٤. (٢) الدر المنثور ٢٣٧/٤. (٣) مجمع البيان ١٦/ ١٩٢. (٤) فتح الباري ٨/ ٤٢٠. (٥) صحيح مسلم (٢٣٨٠): (١٧٢). وهو قطعة من حديث ابن عباس عن أبيٍّ. (٦) تفسير أبي السعود ٢٣٦/٥. وسلف عند تفسير الآية (٧٤) من هذه السورة. (٧) الإملاء ٥٣١/٣. سُوَدَّةُ الكَهْفِّ ٤٨٦ الآية : ٧٧ ومن إن دَجَتْ في المشكلات مسائلٌ رأيتُ كتابَ الله أعظمَ معجزٍ ومن جملةِ الإعجاز كونُ اختصاره جلاها بفكرٍ دائمِ اللمعانِ لأفضل من يُهْدَى به الثقلانِ بإيجاز ألفاظ وبسطِ معاني بها الفكرُ في طول الزمان عناني ولكنني في ((الكهف)) أبصرتُ آيَةً وما هي إلَّا (استطعما أهلها)) فقد فما الحكمةُ الغرَّاء في وضعٍ ظاهرٍ فأرشِدْ على عاداتِ فضلك حيرتي نرى(١) استطعماهم مثلَه ببيانٍ مكانَ ضميرٍ إنَّ ذاك لشانٍ(٢) فمالي إلى هذا الكلام يدانٍ فأجاب السبكيُّ بأنَّ جملةَ ((استطعما)) محتَمِلةٌ لأنْ تكونَ في محلِّ جرِّ صفةٍ لـ ((قرية))، وأن تكون في محلِّ نصب صفة لـ ((أهل))، وأن تكون جواب ((إذا))، ولا احتمال لغير ذلك، ومن تأمَّل عَلِمَ أنَّ الأوَّلَ متعيِّنٌ معنًى، وأنَّ الثاني والثالث - وإن احتمَلَتْهُما الآيةُ - بعيدان عن مغزاها؛ أمَّا الثالث فلأنَّه يلزمُ عليه كون المقصود الإخبار بالاستطعام عند الإتيان، وأنَّ ذلك تمامُ معنى الكلام، ويلزمه أنْ يكونَ معظمُ قصدهما أو هو: طلبَ الطعام، مع أنَّ القصدَ هو ما أرادَ ربُّك ممَّا قصَّ بعدُ، وإظهارُ الأمر العجيب لموسى عليه السلام. وأمَّا الثاني فلأنَّه يلزمُ عليه أنْ تكون العنايةُ بشرح حالِ الأهل من حيث هم هم، ولا يكون للقرية أثرٌ في ذلك، ونحن نجدُ بقيَّةَ الكلام مشيراً إليها نفسِها، فيتعيَّنُ الأول، ويجبُ فيه: ((استطعما أهلها)) ولا يجوزُ استطعماهم أصلاً؛ لخلوِّ الجملةِ عن ضمير الموصوف. وعلى هذا يفهم من مجموع الآيات أنَّ الخضرَ عليه السلام فعلَ ما فعل في قريةٍ مذمومٍ أهلُها، وقد تقدَّم منهم سوءُ صنيعٍ من الإباء عن حقِّ الضيف مع طلبه، وللبقاعِ تأثيرٌ في الطباع، ولم يهم فيها مع أنَّها حَرِيَّةٌ بالإفساد والإضاعة، بل باشرَ الإصلاح لمجرَّد الطاعة، ولم يعبأ عليه السلام بفعلٍ أهلها اللئام. (١) في فتاوى السبكي - والأبيات فيه - ٧٥/١: یری. (٢) هذا البيت ليس في فتاوى السبكي. وهو في الأشباه والنظائر للسيوطي ١٤٦/٧. الآية : ٧٧ ٤٨٧ سُورَةُ الكَهْفِ وينضاف إلى ذلك من الفوائد أن ((الأهل)) الثاني يحتملُ أن يكونوا هم الأوَّلون، أو غيرَهم، أو منهم ومن غيرهم، والغالب أنَّ مَن أتى قريةً لا يجدُ جملةً أهلِها دفعةً، بل يقعُ بصرُه أوَّلاً على البعض، ثمَّ قد يستقريهم، فلعلَّ هذين العبدين الصالحين لما أتيا قدَّرَ الله تعالى لهما استقراء الجميع على التدريج؛ ليتبيَّن به كمال رحمته سبحانه وعدم مؤاخذته تعالى بسوء صنيع بعض عباده، ولو قيل: استطعماهم، تعيّنَ إرادةُ الأوَّلين، فأتَى بالظاهر إشعاراً بتأكيد العموم فيه، وأنهما لم يتركا أحداً من أهلها حتى استطعماه وأبى، ومع ذلك قُوبلوا بأحسن الجزاء. فانظر إلى هذه الأسرار كيفَ احتجبت عن كثيرٍ من المفسّرين تحت الأستار، حتى إنَّ بعضهم لم يتعرَّض لشيءٍ، وبعضَهم ادَّعى أنَّ ذلك تأكيدٌ، وآخرُ زعم ما لا يعوَّلُ عليه، حتى سمعتُ عن شخصٍ أنَّه قال: إنَّ العدولَ عن استطعماهم؛ لأنَّ اجتماع الضميرين في كلمةٍ واحدة مستثقلٌ. وهو قولٌ يُحكَى لِيُرَدّ، فإنَّ القرآنَ والكلامَ الفصيح مملوءٌ من ذلك، ومنه ما يأتي في الآية. ومن تمامِ الكلام فيما ذكر أنَّ (استطعما)) إن جُعِل جواباً فهو متأخّرٌ عن الإتيان، وإذا جعلَ صفةً احتمل أنْ يكون الإتيان قد اتَّفقَ قبلَ هذه المرَّة، وذُكر تعريفاً وتنبيهاً على أنَّه لم يحملهما على عدم الإتيان لقصد الخير، فهذا ما فتحَ الله تعالى عليَّ، والشعرُ قد يضيقُ عن الجواب، وقد قلت: لأسرارٍ آيات الكتاب معاني تَدِقُّ فلا تبدو لكلِّ مُعاني سنا برقِها يعنوله القمرانِ وفيها لمرتاضٍ لبيبٍ عجائبٌ إذا بارقٌ منها لقلبيَ قد بدا هَممت قريرَ العين بالطيرانِ كأني عَلَا فوقَ السماك مكاني سروراً وإيهاجاً وصولاً على العلا وعندي وجوهٌ أسفرت بتهاني فما المُلْكُ والأكوان ما البيض والقنا (١) فشكراً لمن أولاك حسنَ بياني وهاتيك منها قد أبحتُك سرَّها وليس لها(٢) والنحوُ كالميزانِ أری ((استطعما)» وصفاً على ((قرية)) جرَی (١) في (م): ما القنا. وهذا البيت ليس في فتاوى السبكي. وهو في الأشباه والنظائر للسيوطي ١٥١/٧. (٢) جاء في هامش الأصل ما نصه: أي: صفة جرت على غير من هي له. اهـ منه. سُوَرَّةُ الكَهْفِ ٤٨٨ الآية : ٧٧ يعودُ عليه ليس في الإمكانِ صناعتُه تقضي بأنَّ استتارَ ما فلا وجهَ للإضمار والكتمانِ وليس جواباً لا ولا وصفَ أهلها تعيَّن منها واحدٌ فسباني وهذي ثلاثٌ ما سواها بممكنٍ به زبدةُ الأحقاب منذ زمانٍ(١) ورُضْتُ بها فكري إلى أنْ تمخّضت من العلم في قلبي يمدُّ لساني(٣) وإنَّ حياتي(٢) في تموُّجٍ أبحرٍ إلى آخرِ ما تحمَّسَ به، وفيه من المناقشةِ ما فيه. وقد اعترضَ بعضُهم بأنَّه على تقدير كون الجملةِ صفةً للقرية يمكنُ أن يؤْتَی بتركيبٍ أخصَر ممَّا ذُكِر، بأنْ يُقالَ: فلما أتيا قريةً استطعما أهلها، فما الداعي إلى ذكر الأهل أوَّلاً على هذا التقدير؟ وأُجيبَ بأنَّه جيء بالأهل للإشارة إلى أنَّهم قُصِدوا بالإتيان في قريتهم، وسُئلوا فمَنعوا، ولا شكَّ أنَّ هذا أبلغُ في اللؤم، وأبعدُ عن صدور جميلٍ في حقِّ أحدٍ منهم، فيكون صدور ما صدر من الخضر عليه السلام غريباً جدًّا. لا يقال: ليكن التركيب كذلك، وليكنْ على إرادة(٤) الأهل تقديراً أو تجوُّزاً، كما في قوله تعالى: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]؛ لأنَّا نقول: إنَّ الإتيان ينسبُ للمكان، كـ: أتيتُ عرفات، ولمن فيه، كـ : أتيتُ أهلَ بغداد، فلو لم يذكر كان فيه تفويتاً (٥) للمقصود، وليس ذلك نظيرَ ما ذُكر من الآية؛ لامتناعِ سؤال نفسِ القريةِ عادةً. واختارَ الشيخُ عزّ الدين(٦) عليٌّ الموصليُّ في جواب الصفديِّ أنَّ تكرار الأهلِ (١) من البيت السابع إلى هنا ليست في فتاوى السبكي. (٢) في فتاوى السبكي ٧٧/١: جناني. (٣) فتاوى السبكي ١/ ٧٥-٧٨، والمسألة في الأشباه والنظائر للسيوطي ١٤٥/٧-١٥٣ شعراً ونثراً مع زيادة في الأبيات على ما في الفتاوى وعلى ما ذكره الآلوسي رحمه الله. (٤) في (م): الإرادة. (٥) كذا في الأصل و(م). (٦) لقبه - كما في كتب التراجم، وكما سيذكر المصنف ص ٤٨٤ من هذا الجزء -: زين الدين، وهو ابن شيخ العوينة، علي بن الحسين بن القاسم بن منصور، أبو الحسن توفي سنة (٧٥٥هـ). انظر ترجمته في الوافي بالوفيات ٢١/ ٥٢-٦٢. وذكر فيها سؤال الصفدي له، وجوابه عليه. الآية : ٧٧ ٤٨٩ سُورَةُ الكَهْفِ والعدول عن استطعماهم إلى ((استطعما أهلها)) للتحقير، وهو أحدُ نكات إقامة الظاهر مقام الضمير، وبسطّ الكلامَ في ذلك نثراً، وقال نظماً: سألتَ لماذا ((استطعما أهلها)) أتى عن استطعماهم إنَّ ذاك لشانٍ على سبب الرُّجحان منذُ زمانٍ وفيه اختصارٌ ليس ثَمَّ ولم تقف يصيرُ به المعنى كرأي عيانِ فهاكَ جواباً رافعاً لنقابهِ ضميرُ وأمَّا حين يختلفانِ إذا ما استوى الحالانِ في الحكم رُجِّحَ الضـ كرفعةِ شانٍ أو حقارة جاني بأنْ كان في التصريح إظهارُ حكمةٍ وما نحنُ فيه صرَّحوا(١) بأمانٍ كمثل أمير المؤمنين يقول ذا جوابي منثوراً بحسن بيانٍ وهذا على الإيجازِ والبسطِ جاء في وذكر في النثر وجهاً آخر للعدول(٢)، وهو ما نقله السبكيُّ وردَّه، وقد ذكره أيضاً النيسابوريُّ(٣)، وهو لعمري كما قال السبكيُّ، ويؤول إلى ما ذُكر من أنَّ الإظهار للتحقير قولُ بعض المحققين: إنَّه للتأكيد المقصودِ منه زيادةُ التشنيع، وهو وجهٌ وجيهٌ عندَ كل نبيه، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِى قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ الآية [البقرة: ٥٩] ومثلُه كثيرٌ في الفصيح. وقال بعضُهم: إنَّ الأهلَيْنِ متغايران، فلذا جيء بهما معاً. وقولهم: إذا أُعيدَ المذكورُ أوَّلاً معرفةً كان الثاني عينَ الأوَّل، غيرُ مطَّرِدٍ؛ وذلك لأنَّ المرادَ بالأهل الأول البعض، إذ في ابتداء دخول القرية لا يتأتَّى عادةً إتيانُ جميعٍ أهلها، لا سيما على ما رُوي من أنَّ دخولَهما كان قبل غروب الشمس، وبالأهل الثاني الجميع؛ لما ورد أنَّهما عليهما السلام كانا يمشيان على مجالس أولئك القوم يستطعمانهم، فلو جيء بالضمير لَفُهِمَ أنَّهما استطعما البعض. (١) في الوافي بالوفيات ٥٧/٢١: صوحوا. (٢) انظر الجواب في الوافي بالوفيات ٥٧/٢١-٦١، وأعيان العصر ٣٣٨/٣-٣٤٣، والأشباه والنظائر ٧/ ١٥٤ - ١٦٠. (٣) في غرائب القرآن ١٣/١٦. سُوَّةُ الكَهْفِ ٤٩٠ الآية : ٧٧ وعكسَ بعضُهم الأمر فقال: المراد بالأهل الأول الجميع، ومعنى إتيانهم الوصول إليهم والحلول فيما بينهم؛ وهو نظيرُ إتيانِ البلد، وهو ظاهرٌ في الوصول إلى بعضٍ منه والحلول فيه، وبالأهل الثاني البعض، إذ سؤال فردٍ فردٍ من كبار أهل القرية وصغارهم وذكورهم وإناثهم وأغنيائهم وفقرائهم مستبعدٌ جدًّا، والخبر لا يدلُّ عليه، ولعلَّهُ ظاهرٌ في أنَّهما استطعما الرجال. وقد رُوي عن أبي هريرة - والله تعالى أعلم بصحة الخبر - أنَّه قال: أطعمتهما امرأةٌ من بريرٍ بعد أن طلبا من الرجال فلم يطعموهما، فدعيا لنسائهم ولعنا رجالهم. فلذا جيء بالظاهر دون الضمير، ونُقِل مثلُه عن الإمام الشافعيِّ عليه الرحمة في ((الرسالة))(١). وأورد عليهما أنَّ فيهما مخالفة لما هو الغالبُ في إعادة الأول معرفةً، وعلى الثاني أنَّه ليس في المغايرة المذكورة فيه فائدةٌ يعتدُّ بها، ولا يوردُ هذا على الأوَّل؛ لأنَّ فائدة المغايرة المذكورة فيه زيادةُ التشنيع على أهل القرية، كما لا يخفى. واختار بعضُهم على القول بالتأكيد أنَّ المرادَ بالأهل في الموضعين الذين يُتوقَّع من ظاهر حالهم حصولُ الغرض منهم، ويحصلُ اليأس من غيرهم باليأس منهم، من المقيمين المتوطّنين في القرية، ومن لم يُحَكِّم العادةَ يقول: إنَّهما عليهما السلام أتوا الجميع وسألوهم؛ لما أنَّهما . على ما قيل - قد مسَّتهما الحاجة. ﴿فَأَبَوْ أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾ بالتشديد، وقرأ ابنُ الزبير والحسن وأبو رجاء وأبو رزين وابن محيصن(٢) وعاصم في رواية المفضَّل وأبان بالتخفيف من الإضافة، يقال: ضافَه إذا كان له ضيفاً، وأضافَه وضيَّفه: أنزله وجعله ضيفاً، وحقيقةُ ضاف: مال، من ضافَ السهمُ عن الهدف يضيفُ، ويقال: أضافتِ الشمس للغروب وتضيَّفَتْ: إذا مالت، ونظيره زاره من الازورار. ولا يخفى ما في التعبير بالإباء من الإشارة إلى مزيد لؤم القوم؛ لأنَّه - كما قال الراغب - شدَّةُ الامتناع(٣)، ولهذا لم يقل: فلم يضيفوهما، مع أنَّه أخصُ، فإنَّه دون ما في النظم الجليل في الدلالة على ذمِّهم. (١) ص ٥٥ في باب بيان ما نزل من الكتاب عامًّا يراد به العام، ويدخله الخصوص. (٢) في الأصل و(م): وأبو محيصن. والمثبت من البحر المحيط ٦/ ١٥١، وعنه نقل المصنف. (٣) المفردات (أبى). الآية : ٧٧ ٤٩١ سُوَدَّةُ الكَهْفِ ولعلَّ ذلك الاستطعام كان طلباً للطعام على وجهِ الضيافة، بأن يكونا قد قالا : إنَّا غريبان فضيِّفونا، أو نحو ذلك، كما يشيرُ إليه التعبير بقوله تعالى: (فَأَبُوا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا) دون: فأبوا أن يطعموهما، مع اقتضاء ظاهر ((استطعما أهلها)) إِيَّاه. وإنَّما عبّر بـ ((استطعما)) دون استضافا؛ للإشارة إلى أنَّ جُلَّ قصدهما الطعامُ، دونَ الميل بهما إلى منزل، وإيوائهما إلى محلّ. وذكر بعضُهم أنَّ في (أبوا أن يضيفوهما)) من التشنيع ما ليس في: أبوا أن يطعموهما؛ لأنَّ الكريمَ قد يردُّ السائلَ المستطعِمَ، ولا يُعاب، كما إذا ردَّ غريباً استضافه، بل لا يكادُ يردُّ الضيفَ إلَّا لئيم. ومن أعظم هجاءِ العرب: فلانٌ يطردُ الضيف. وعن قتادة: شرُّ القُرى التي لا يُضَافُ فيها الضيفُ، ولا يُعرَفُ لابن السبيل حقُّه. وقال زينُ الدين الموصلي: إنَّما خصَّ سبحانه الاستطعامَ بموسى والخضر عليهما السلام والضيافةَ بالأهل لأنَّ الاستطعامَ وظيفة السائل، والضيافة وظيفة المسؤول؛ لأنَّ العرفَ يقضي بذلك، فيدعو المقيمُ القادمَ إلى منزله يسأله، ويحمله إليه. انتهى(١). وهو كما ترى. وممَّا يضحكُ منه العقلاء ما نقلَه النيسابوريُّ وغيرُه أنَّ أهلَ تلك القرية لمَّا سمعوا نزولَ هذه الآية استحيوا، وأتوا إلى رسول الله وَّه بحِمْلٍ من ذهب، فقالوا: يا رسولَ الله نشتري بهذا الذهب أن تجعل الباء من «أبوا)» تاء، فأبى عليه الصلاة والسلام(٢). وبعضُهم يحكي وقوعَ هذه القصة في زمن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه، ولا أصلَ لشيءٍ من ذلك، وعلى فرض الصحة يُعلَم منه قلَّة عقولِ أهل القرية في الإسلام، كما عُلِم لؤمُهم من القرآن والسنة من قبل. (١) انظر كلام زين الدين الموصلي في الوافي بالوفيات ٦٠/٢١، وأعيان العصر ٣٤١/٣-٣٤٢، والأشباه والنظائر للسيوطي ١٥٩/٧ . (٢) غرائب القرآن ١٤/١٦. سُوَرَّةُ الكَهْفِ ٤٩٢ الآية : ٧٧ ﴿فَوَجَدَا﴾ عطفٌ - كما قال السبكيُّ - على ((أتيا))(١) ﴿فِيهَا جِدَارًا﴾ رُويَ أنَّهما التجأا إليه حيث لم يجدا مأوَى، وكانت ليلتُهما ليلةً باردةً، وكان على شارع الطريق. ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ أي: يسقط، وماضيه انقضَّ على وزن انفعلَ، نحو انجرَّ، والنون زائدةٌ؛ لأنَّه من قضضته بمعنی کسرته، لكن لمَّا كان المنکسر یتساقط، قیل الانقضاض للسقوط(٢)، والمشهورُ أنَّه السقوطُ بسرعة، كانقضاضٍ الكوكب والطير. قال صاحب ((اللوامح)): هو من القِضَّة، وهي الحصى الصغار، ومنه طعامٌ قَضَضٌ: إذا كان فيه حصى، فعلى هذا: المعنى: يريد أنْ يتفتَّتَ فيصير حصى. انتھی . وذكر أبو علي في ((الإيضاح)) أنَّ وزنَه افْعَلَّ من النقض، كاحمرَّ. وقال السهيليُّ في ((الروض))(٣): هو غلط. وتحقيق ذلك في محلِّه. والنون على هذا أصليّة. والمراد من إرادة السقوط قربُه من ذلك، على سبيل المجاز المرسل بعلاقةٍ تسبُّبٍ إرادة السقوط لقربه، أو على سبيل الاستعارة بأن يُشَبَّهَ قربُ السقوط بالإرادة؛ لما فيهما من الميل، ويجوز أنْ يعتبر في الكلام استعارة مكنيةٌ وتخييليةٌ، وقد كثر في كلامهم إسنادُ ما يكون من أفعال العقلاء إلى غيرهم، ومن ذلك قوله: ويعدلُ عن دماءِ بني عقيلٍ(٤) يريدُ الرمحُ صدرَ أبي براءٍ : وقول حسان نظـ إنَّ دهراً يلفُّ شملي بجُمْلٍ لزمانٌ يَهُمُّ بالإحسان(٥) (١) فتاوى السبكي ٧٧/١، والأشباه والنظائر للسيوطي ٧/ ١٥٠. (٢) في (م): السقوط. (٣) ١٢٩/٣. (٤) البيت في مجاز القرآن ١/ ٤١٠ منسوباً للحارثي. وهو في تفسير الطبري ٣٤٧/١٥، والأضداد للأنباري ص ١٧٢، ومعاني القرآن للنحاس ٢٧٣/٤، والصناعتين ص٢٨٤ دون نسبة. (٥) ونسبه لحسان أيضاً الزمخشري في الكشاف ٢/ ٤٩٤، والأساس (لفف)، والخفاجي في حاشيته ١٢٦/٦. وأنشده الفراء في معاني القرآن ١٥٦/٢، والطبري ٣٤٨/١٥ دون نسبة. والبيت في ديوان عمر بن أبي ربيعة - ص٢٩١ بتحقيق محيي الدين عبد الحميد، وفيه: بسعدى، بدل: بجمل. الآية : ٧٧ ٤٩٣ سُؤَدَّةُ الكَهْفِ وقول الآخر: مسَّ البطون وأنْ تمسَّ ظهورا(١) أبتِ الروادفُ والنُّديُّ لقُمْصِها وقول أبي نواس: فاستنْطِق العودَ قد طالَ السكوتُ به لا ينطقُ اللهو حتى ينطقَ العودُ (٢) إلى ما لا يُحصى كثرةً، حتى قيل: إنَّ من له أدنى اطلاع على كلام العرب لا يحتاجُ إلى شاهدٍ على هذا المطلب. ونقل بعض أهل أصول الفقه عن أبي بكر محمد بن داود الأصبهانيِّ أنَّه ينكرُ وقوعَ المجاز في القرآن، فيؤوِّل الآيةَ بأنَّ الضميرَ في ((يريد)» للخضر أو لموسى عليهما السلام. وُجُوِّزَ أنْ يكونَ الفاعلُ الجدار، وأنَّ اللهَ تعالى خلق فيه حياةً وإرادةً، والكلُّ تكلَّفٌ وتعسُّفٌ تُغْسَلُ به بلاغةُ الكلام. وقال أبو حيان: لعلَّ النقل لا يصحُّ عن الرجل، وكيف يقولُ ذلك وهو أحدُ الأدباء الشعراء الفحول المُجيدين في النظم والنثر(٣). وقرأ أبيّ: ((يُنقَضَ)) بضمِّ الياء وفتح القاف والضاد مبنيّاً للمفعول(٤)، وفي حرف عبد الله وقراءة الأعمش: ((يريد ليُنْقَضَ))(٥) كذلك، إلَّا أنَّه منصوبٌ بـ ((أن)) المقدَّرة بعد اللام. وقرأ عليٍّ كرم الله تعالى وجهه وعكرمة وخليد بن سعد ويحيى بن يعمر: (١) أمالي القالي ٢٣/١، والحماسة بشرح المرزوقي ١٢٨٤/٣، والعقد الفريد ٤٦٢/٣، قال البكري في سمط اللآلي ١٠٧/١: لا أعلم أحداً نسب هذا الشعر. اهـ. ويصف فيه امرأة بأنها ناهدة الثديين عظيمة الرِّدف، فالثُّديُّ تمنع القُمص أن تلتصق ببطنها، والرِّدف يمنعها أن تلتصق بظهرها . والبيت في ديوان عمر بن أبي ربيعة ص ٤٩٢ ضمن الشعر المنسوب إليه، وليس في أصول ديوانه . (٢) ديوان أبي نواس ص ١٨٧ . (٣) البحر المحيط ٦/ ١٥١. (٤) المحرر الوجيز ٥٣٤/٣، والبحر المحيط ١٥٢/٦، ونسبها ابن جني في المحتسب ٣١/٢ للنبي پڼ. (٥) المحتسب ٣١/٢، والمحرر الوجيز ٥٣٤/٣، والبحر المحيط ١٥٢/٦. سُوَدَّةُ الكَهْفِ ٤٩٤ الآية : ٧٧ (يَنْقَاصَ)) بالصاد المهملة مع الألف(١)، ووزنه ينفعل اللازم، من: قِصْته فانقَاصَ، إذا كسَرته فانكسر، وقال ابن خالويه: تقولُ العرب: انقاصت السنُّ إذا انشقَّت طولاً (٢). قال ذو الرمة يصفُ ثورَ وحش: يَغشَى الكِناس برَوْقَيْهِ ويَهْدِمُهُ من هائل الرمل مُنْقَاصٌ ومُنْكَثِبُ(٣) وفي ((الصحاح)): قَيْصُ السنِّ: سقوطُها من أصلِها، وأنشدَ قولَ أبي ذؤيب: لِكُلِّ أناسٍ عشرةٌ وحبورُ(٤) فراقٌ كَقَيْصِ السِّنِّ فالصبرَ إِنَّه وقال الأمويُّ: انقاصَتِ البئر: انهارت. وقال الأصمعيُّ: المُنْقاسُ: المُنْفَعِر. والمنقاض - بالضاد المعجمة -: المُنْشَقُّ طولاً. وقال أبو عمرو: هما بمعنى واحد(٥). وقرأ الزهريُّ: ((يَنْقَاض)) بألفٍ وضادٍ معجمة(٦)، والمشهورُ تفسيره بينهدم. وذكر أبو عليٍّ: أنَّ المشهورَ عن الزهريِّ أنه ((يَنْقَاص)) بالمهملة. ﴿فَأَفَامَةٌ﴾ مسحَهُ بيده فقام، كما روي عن ابن عباس وابن جبير. وقال القرطبيُّ: إنَّه هو الصحيح، وهو أشبه بأحوالِ الأنبياء عليهم السلام(٧). واعترضَ بأنَّه غيرُ ملائم لما بعد؛ إذ لا يستحقُّ بمثله الأجر. ورُدَّ بأنَّ عدمَ استحقاقِ الأجر مع حصول الغرض غيرُ مسلَّم، ولا يضرُّه سهولتُه على الفاعل. وقيل: أقامَه بعمودٍ عمده به. وقال مقاتل: سوَّاه بالشّيد. وقيل: هدمَه، وقعَدَ یینیه. (١) المحتسب ٣١/٢، والبحر المحيط ١٥٢/٦. (٢) القراءات الشاذة ص٨١. (٣) ديوان ذي الرمة ٨٨/١. (٤) كذا بالحاء المهملة في الأصل و(م). وهي في شرح أشعار الهذليين ٦٦/١، وأمالي أبي علي القالي ٢٣/٢ بالجيم: وجبور. وذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٥٣٤/٣ وفيه: عبرة وحبور. ثم قال: ويروى: عثرة وجبور، بالثاء والجيم. (٥) الصحاح (قيص). (٦) البحر المحيط ٦/ ١٥٢. (٧) تفسير القرطبي ٣٣٩/١٣-٣٤٠. الآية : ٧٧ ٤٩٥ سُوَدَّةُ الكَهْفِ وأخرج ابنُ الأنباريِّ في ((المصاحف)) عن أبيٍّ بن كعب عن رسول الله وَّلِ أَنَّه قرأ: ((فوجدا فيها جداراً يريدُ أنْ يَنقضَّ فهدمَه ثم قعدَ بينيه))(١) . وكان طولُ هذا الجدارِ إلى السماء - على ما نقل النوويُّ عن وهب بن منبه - مئةً ذراع(٢)، ونقل السفيريُّ عن الثعلبيّ أنَّه كان سمكه مئتي ذراعٍ بذراع تلك القرية(٣)، وكان طولُه على وجه الأرض خمسَ مئة ذراع، وكان عرضُهَ خمسين ذراعاً، وكان الناسُ يمرُّون تحتَه على خوفٍ منه. · تحريضاً للخضر ﴿قَالَ﴾ موسى عليه السلام ﴿لَوْ شِئْتَ لَنَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا عليه السلام، وحثّاً على أخذِ الجعل والأجرة على فعلِه؛ ليحصل لهما بذلك الانتعاشُ والتقوِّي بالمعاش، فهو سؤالٌ له؛ لِمَ لَمْ يأخذ الأجرة؟ واعتراضٌ على تركِ الأخذ، فالمراد لازمُ فائدةِ الخبر، إذ لا فائدةَ في الإخبار بفعله. وقيل: لم يقل ذلك حثّاً، وإنَّما قاله تعريضاً بأنَّ فعلَه ذلك فضولٌ وتبرٌُّ بما لم يُظْلَب منه، من غير فائدةٍ ولا استحقاقٍ لمن فُعِل له، مع كمال الاحتياج إلى خلافه. وكانَ الكليمُ عليه السلام لمَّا رَأى الحرمانَ ومساسَ الحاجةِ والاشتغال بما لا يعني لم يتمالك الصبرَ فاعترض. واتخذ: افتعلَ، فالتاءُ الأولى أصليّة، والثانية تاء الافتعال، أُدغِمت فيها الأولى، ومادَّته تَخِذَ، لا أخذ، وإنْ كان بمعناه؛ لأنَّ فاءَ الكلمة لا تبدل إذا كانت همزةً أو ياءً مبدلةً منها، ولذا قيل: إن انَّزر (٤) خطأٌ أو شاذٌّ، وهذا شائعٌ في فصيح الكلام، وأيضاً إبدالها في الافتعال لو سلِّم لم يكن لقولهم: ((تخذ)» وجهٌ. وهذا مذهب البصريين. وقال غيرُهم: إنَّ(٥) الاتخاذ افتعالٌ من الأخذ، ولا يسلّم (١) الدر المنثور ٢٣٧/٤. (٢) شرح النووي على صحيح مسلم ١٤١/١٥. (٣) جاء في عرائس المجالس ص٢٢٩: أن سمك ذلك الحائط كان ثلاثين ذراعاً بذراع ذلك القرن. (٤) في الأصل و(م): ايتزر، والمثبت من حاشية الشهاب ١٢٦/٦، والكلام منه، ومثله في الدر المصون ٣٥٥/١. (٥) في (م): إنه . سُورَةُ الكَهْفِ ٤٩٦ الآية : ٧٨ ما تقدَّم، ويقول: المَدَّةُ العارضة تُبدَلُ تاءً أيضاً، ولكثرة استعماله هنا أجروه مُجْرَى الأصليِّ، وقالوا: تَخِذ، ثلاثيّاً جرياً عليه، وهذا كما قالوا: تَقِيَ من اتَّقى. وقرأ عبد الله والحسن وقتادة وأبو بحريَّة وابنُ محيصن وحميد واليزيديُّ ويعقوب وأبو حاتم وابنُ كثير وأبو عمرو: ((لتَخِذت)) بتاءٍ مفتوحةٍ وخاءٍ مكسورةٍ(١)، أي: لأخذت، وأظهر ابن كثير ويعقوب وحفص الذال وأدغمها باقي السبعة(٢). ﴿قَالَ﴾ أي: الخضر عليه السلام: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِ وَيَيْنِكَ﴾ على إضافة المصدر إلى الظرف اتساعاً، وابن الحاجب يجعلُ الإضافة في مثله على معنى ((في)) وقد تقدَّم ما ينفعك هنا فتذكَّر. وقرأ ابن أبي عبلة: ((فراقٌ بيني)) بالتنوين(٣)، ونصب ((بين)) على الظرفية. وأعيد ((بين)) وإن كان لا يضاف إلَّا لمتعددٍ؛ لأنَّه لا يعطفُ على الضمير المجرور بدون إعادة الجار. قال أبو حيان: والعدولُ عن ((بيننا))؛ لمعنى التأكيد (٤). والإشارةُ إلى الفراق المدلول عليه بقوله قبل: ((لا تصاحبني)). والحمل مفيدٌ؛ لأنَّ المخبَرَ عنه الفراقُ باعتبار كونه في الذهن، والخبر الفراق باعتبار أنَّه في الخارج كما قيل. أو إلى الوقتِ الحاضر، أي: هذا الوقت وقتُ فراقنا. أو إلى الاعتراض الثالث، أي: هذا الاعتراضُ سببُ فراقنا حسبما طلبت، فوجهُ تخصيصٍ الفراق بالثالث ظاهر. وقال العلّامة الأول: إنَّما كان هذا سبب الفراق دون الأولين؛ لأنَّ ظاهرهما منكر، فكان معذوراً، بخلاف هذا، فإنَّه لا يُنْكَرُ الإحسانُ للمسيء، بل بُحْمَد. (١) التيسير ص ١٤٥، والنشر ٣١٤/٢ عن ابن كثير وأبي عمرو ويعقوب، وينظر المحرر الوجيز ٥٣٤/٣، والبحر ١٥٢/٦ . (٢) التيسير ص٤٤، والنشر ١٥/٢-١٦. (٣) الكشاف ٢/ ٤٩٥، والبحر المحيط ١٥٢/٦. (٤) البحر المحيط ٦/ ١٥٢. الآية : ٧٨ ٤٩٧ سُوَّةُ الكَهْفِ وروي عن ابن عباس ﴿ في وجهه أنَّ قول موسى عليه السلام في السفينة والغلام كان لله تعالى، وفي هذا لنفسه لطلب الدنيا، فكان سببَ الفراق. وحَكى القشيري(١) نحوه عن بعضهم. ورَدَّ ذلك في ((الكشف)) بأنَّه لا يليقُ بجلالتهما، ولعلَّ الخبرَ عن الحبر غيرُ صحيح. ونقل في ((البحر)) عن أرباب المعاني أنَّ هذه الأمورَ التي وقعت لموسى مع الخضر حجَّةٌ على موسى عليه السلام؛ وذلك أنَّه لمَّا أنكرَ خرق السفينة نوديَ: يا موسى أين كان تدبيرُك هذا وأنت في التابوت مطروحاً في اليم؟ ولما أنكر قتل الغلام قيل له: أين إنكارُك هذا ووكز القبطيّ والقضاء عليه؟ ولما أنكر إقامةَ الجدار نودي: أينَ هذا من رفعك الحجرَ لبنات(٢) شعيب عليه السلام بدون أجرة؟(٣). ورأيتُ أنا في بعض الكتب أنَّ الخضرَ عليه السلام قال: يا موسى، اعترضت عليّ بخرقِ السفينة وأنت ألقيتَ ألواحَ التوراة فتكسَّرت، واعترضتَ عليَّ بقتل الغلام وأنتَ وكزتَ القبطيَّ فقضي عليه، واعترضتَ عليَّ بإقامة الجدار بلا أجرٍ وأنتَ سقيتَ لبنات شعيب أغنامهن(٤) بلا أجرٍ، فمَن فَعَلَ نحوَ ما فعلتُ لن يعترض عليَّ. والظاهرُ أنَّ شيئاً من ذلك لا يصحّ، والفرقُ ظاهرٌ بين ما صدرَ من موسى عليه السلام وما صدرَ من الخضر، وهو أجلُّ من أنْ يَحتَّ على صاحب التوراة بمثل ذلك، کما لا يخفى. وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقيُّ في ((شعب الإيمان)) وابن عساكر عن أبي عبد الله - وأظنُّه الملطيّ - قال: لمَّا أرادَ الخضرُ أنْ يفارقَ موسى قال له: أوصني. قال: كن نفَّاعاً ولا تكن ضَرَّاراً، كن بشَّاشاً(٥) ولا تكن غضباناً، ارجع (١) في لطائف الإشارات ٤١١/٢. (٢) في (م): لبنتي، والمثبت من الأصل والبحر. (٣) البحر المحيط ١٥٣/٦. وانظر عرائس المجالس للثعلبي ص٢٣١-٢٣٢، وتفسير القرطبي ٣٤٧/١٣. (٤) في (م): لبنتي شعيب أغنامهما. (٥) في (م): بشاشياً. سُوَّةُ الكَهْفِ ٤٩٨ الآية : ٧٨ عن اللجاجة، ولا تمشٍ من غير حاجة، ولا تعيِّر امرأً بخطيئته، وابكِ على خطيئتك يا ابنَ عمران (١). وأخرج ابن أبي حاتم وابن عساكر عن يوسف بن أسباط قال: بلغني أنَّ الخضرَ قال لموسى لما أراد أن يفارقه: يا موسى تعلَّم العلمَ لتعملَ به، ولا تعلَّمْه لتحدِّث به (٢) . وبلغني أنَّ موسى قال للخضر: ادعُ لي، فقال الخضر: يَسَّرَ اللهُ تعالى عليك طاعتَه. والله تعالى أعلم بصحّة ذلك أيضاً. ﴿سَأْنِتُكَ﴾ وقرأ ابن أبي وثاب: ((سأنبيك)) بإخلاص الياء من غير همز (٣). والسين للتأكيد لعدم تراخي الإنباء، أي: أخبرك البتة ﴿ِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعِ غَلّهِ صَبْرً ﴿3﴾ والظاهر أنَّ هذا لم يكن عن طلبٍ من موسى عليه السلام. وقيل: إنَّه لمَّا عزمَ الخضر على فراقه، أخذَ بثيابه وقال: لا أفارقُكَ حتى تخبرني بما أباح لك فعلَ ما فعلت ودعاك إليه، فقال: ((سأنبئك)» إلخ. والتأويلُ ردُّ الشيء إلى ماله، والمراد به هنا المآل والعاقبة، إذ هو المنبّأ به، دون التأويل بالمعنى المذكور. و((ما)) عبارةٌ عن الأفعال الصادرة من الخضر عليه السلام، وهي خرقُ السفينة، وقتلُ الغلام، وإقامةُ الجدار، ومالُها خلاصُ السفينة من اليدِ الغاصبة، وخلاصُ أبوي الغلام من شرِّه مع الفوز بالبدل الأحسن، واستخراجُ اليتيمين للكنز. وفي جعل الموصول عدمَ استطاعة موسى عليه السلام للصبر دون أنْ يقال: بتأويل ما فعلتُ، أو بتأويل ما رأيتَ، ونحوهما = نوعُ تعريضٍ به عليه السلام وعتاب. ويجوز أن يُقال: إنَّ ذلك لاستثارةٍ(٤) مزيدٍ توجُّهه وإقباله لتلقِّ ما يُلقى إليه. (١) شعب الإيمان (٦٦٩٤)، وتاريخ دمشق ٤١٦/١٦. وقوله: أظنه الملطي. هو من كلام البيهقي . (٢) الدر المنثور ٢٣٩/٤، وهو في تاريخ دمشق ٤١٦/١٦. (٣) البحر ٦/ ١٥٢. (٤) في (م): لاستشارة. وهو تصحيف. ٠ الآية : ٧٩ ٤٩٩ سُوَرَّةُ الكَهْفِ و ((صبراً)) مفعول ((تستطع))، و((عليه)) متعلِّقٌ به، وقُدِّمَ رعايةً للفاصلة. ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ﴾ التي خرقتُها(١) ﴿فَكَانَتْ لِمَسَكِينَ﴾ لضعفاء لا يقدرون على مدافعة الَّلَمة، جمعُ مِسكين بكسر الميم وفتحها، ويجمعُ على مساكين ومسكينون؛ وهو الضعيف العاجز، ويشمل هذا ما إذا كان العجزُ لأمرٍ في النفس أو البدن، ومن هنا قيل: سُمُّوا مساكين لزمانتهم. وقد كانوا عشرةً خمسةٌ منهم زَمْنَى، وإطلاق مساكين عليهم على هذا من باب التغليب. وهذا المعنى للمسكين غير ما اختلف الفقهاء في الفرق بينَه وبين الفقير، وعليه لا تكون الآيةُ حجَّةً لمن يقول: إنَّ المسكينَ من يملكُ شيئاً ولا يكفيه؛ لأنَّ هذا المعنى مقطوعٌ فيه النظر عن المال وعدمه. وقد يُفَسَّر بالمحتاج، وحينئذٍ تكونُ الآيةُ ظاهرةً فيما يدَّعيه القائلُ المذكور. وادَّعى من يقول: إنَّ المسكينَ من لا شيءَ له أصلاً - وهو الفقير عند الأول - أنَّ السفينة لم تكنْ ملكاً لهم، بل كانوا أُجَراء فيها. وقيل: كانت معهم عاريةً، واللام للاختصاص لا للملك. ولا يخفى أنَّ ذلك خلافُ الظاهر، ولا يُقْبَلُ بلا دليل. وقيل: إنَّهم نُزِّلُوا منزلة من لا شيءَ له أصلاً، وأطلق عليهم المساكين ترجُّماً. وقرأ عليٍّ كرم الله تعالى وجهه: ((لمسَّاكين)) بتشديد السين(٢)، جمع تصحيح لمسَّاك، فقيل: المعنى: لمَّاحين. وقيل: المسَّاكُ من يُمسِكُ رجل السفينة، وكانوا يتناوبون ذلك. وقيل: المسَّاكون دَبَغَةُ المُسُوك، وهي الجلود واحدها مَسْك، ولعلَّ إرادة الملاحين أظهر. (١) في (م): خرقها. (٢) البحر المحيط ١٥٣/٦، والدر المصون ٥٣٦/٧. قال السمين الحلبي: ولا أظنُّها إلا تحريفاً على أمير المؤمنين. سُورَةُ الكَهْفِّ ٥٠٠ الآية : ٧٩ ﴿يَعْمَلُونَ فِ اَلْبَحْرِ﴾ أي: يعملون بها فيه، ويتعيَّشُون بما يحصلُ لهم، وإسناد العمل إلى الكلِّ على القول بأنَّ منهم زَمْنَى على التغليب، أو لأنَّ عملَ الوكلاء بمنزلة عمل الموگِّلین. ﴿فَرَّدِتُّ أَنْ أَعِبَهَا﴾ أي: أجعلها ذاتَ عيبٍ بالخرق، ولم أُرِد إغراقَ من بها كما حسبت. ولإرادة هذا المعنى جيء بالإرادة، ولم يقل: فأعبتها. وهذا ظاهرٌ في أنَّ اللام في الاعتراض للتعليل، ويحتاجُ حملُها على العاقبة إلى ارتكاب خلاف الظاهر هنا، كما لا يخفى على المتأمِّل. ﴿وَكَانَ وَرَآءَ هُمْ مَلِكٌ﴾ أي: أمامهم، وبذلك قرأ ابنُ عباس وابن جبير(١)، وهو قولُ قتادةً وأبي عُبيد وابنِ السّكِّيت والزَّجَّاج(٢). وعلى ذلك جاء قول لبيد : لزومُ العصا تُحَنَى عليها الأصابعُ(٣) أليسَ ورائي إنْ تراخت منيَّتي وقول سوار بن المضرَّب السعدِيّ: وقومي تميمٌ والفلاةُ ورائيا (٤) أيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي وقول الآخر: أليس ورائي أنْ أدبَّ على العصا فيأمنَ أعدائي ويسأمَني أهلي(٥) وفي القرآن كثيرٌ أيضاً . (١) المحرر الوجيز ٥٣٥/٣، وتفسير القرطبي ٣٤٩/١٣، والبحر المحيط ١٥٤/٦. وأخرجها البخاري (٤٧٢٥) ومسلم (٢٣٨٠)، والطبري في تفسيره ٣٥٤/١٥ عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. (٢) البحر المحيط ٦/ ١٥٤، وانظر كلام ابن السكيت في الأضداد له ص١٧٦، وكلام الزجاج في معاني القرآن له ٣٠٥/٣. (٣) ديوان لبيد ص ١٧٠ . (٤) النوادر لأبي زيد ص ٤٥، والكامل للمبرد ٦٢٨/٢، والأضداد لابن السكيت ص١٧٦ . ونسبه أبو عبيدة في مجاز القرآن ٢/ ٢٨٠ لمساور بن حمان، ونسبه ابن دريد في الجمهرة ٤٩٥/٣ للفرزدق. (٥) البيت لعروة بن الورد، وهو في ديوانه ص١١٤. وفيه: فيشمت. بدل: فيأمن.