النص المفهرس

صفحات 441-460

الآية : ٦٥
٤٤١
سُوَّةُ الكَهْفِ
ويكثُرُوا. فقال لهم نوح: إنَّ آدم قد دعا الله تعالى أن يطيل عمرَ الذي يدفنه إلى يوم
القيامة. فلم يزل جسدُ آدم حتى كان الخضرُ هو الذي تولَّى دفنَه، فأنجز الله تعالى
له ما وعده، فهو يَحيا إلى ما شاء الله تعالى له أن يحيا (١).
وفي هذا سببُ طول بقائه، وكأنه سببٌ بعيدٌ، وإلا فالمشهورُ فيه أنه شرب من
عين الحياة حين دخل الظلمة مع ذي القرنين وكان على مقدمته (٢).
ومنها ما أخرجه الخطيب وابن عساكر عن عليٍّ رضي الله عنه وكرَّم وجهَه
قال: بينا أنا أطوف بالبيت إذا رجلٌ متعلِّقٌ بأستار الكعبة يقول: يا مَن لا يشغله
سمعٌ عن سمع، ويا مَن لا تغلطه المسائلُ، ويا مَن لا يتبرَّمُ بإلحاح الملحِّين،
أَذِقني بردَ عفوك وحلاوةَ رحمتك. قلتُ: ياعبد الله أَعِد الكلامَ. قال: أسمعتَه؟
قلتُ: نعم. قال: والذي نفسُ الخضرِ بيده - وكان هو الخضر - لا يقولهُن عبدٌ
دُبُرَ الصلاة المكتوبة إلا غُفِرَتْ ذنوبُه وإن كانت مثلَ رمل عالج وعددِ المطر وورقٍ
الشجر(٣).
ومنها ما نقله الثعلبيُّ عن ابن عباس قال: قال عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهَه: إنَّ
رسولَ الله ◌َّ﴿ لمَّا تُوِّي وأخذْنا في جهازه خرج الناسُ وخلا الموضعُ، فلمَّا وضعتُه
على المغتسل إذا بهاتفٍ يهِفُ من زاوية البيت بأعلى صوته: لا تغسلوا محمداً فإنه
طاهرٌ طَهِر. فوقع في قلبي شيءٌ من ذلك وقلتُ: ويلك من أنتَ؟ فإنَّ النبيَّ وَله
بهذا أمَرَنا، وهذه سنَُّه. وإذا بهاتفٍ آخر يهتف بي من زاوية البيت بأعلى صوته:
غَسِّلوا محمداً، فإنَّ الهاتفَ الأول كان إبليس الملعون حسد محمداً بَلهو أن يدخُل
قبرَه مغسولاً. فقلت: جزاك الله تعالى خيراً، قد أخبرتني بأنَّ ذلك إبليس، فمن
أنتَ؟ قال أنا الخضر، حضرتُ جنازةَ محمد دَهِ.
(١) تاريخ مدينة دمشق ١٦/ ٤٠٠ .
(٢) أخرجه ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق ٣٤٨/١٧ من طريق أبي جعفر عن أبيه قوله،
وفيه: سفيان بن وكيع، وحديثه ساقط.
(٣) تاريخ بغداد ١١٨/٤-١١٩، وتاريخ مدينة دمشق ٤٢٥/١٦ وهو من طريق عبد الله بن
محرر، عن يزيد بن الأصم، عن علي ظُه، قال ابن كثير في البداية والنهاية ٢٥٩/٢: هذا
ضعيف من جهة عبد الله بن محرر، فإنه متروك الحديث، ويزيد بن الأصم لم يدرك علياً،
ومثل هذا لا يصح.

سُوَرَّةُ الكَهْفِ
٤٤٢
الآية : ٦٥
ومنها ما أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) عن أنس بن مالك قال: لمَّا توفي
رسولُ اللهِ وَّهِ واجتمع الصحابة دخل رجل أشهبُ اللحية جسيمٌ صبيحٌ، فتخّى
رقابَهم فبكى، ثم التفت إلى الصحابة فقال: إنَّ في الله تعالى عزاءً من كلِّ مصيبةٍ،
وعوضاً من كلِّ فائتٍ، وخلفاً مِن كلِّ هالكٍ، فإلى الله تعالى فأنيبوا، وإليه تعالى
فارغبوا، ونظرُه سبحانه إليكم في البلاء فانظروا، فإنما المصابُ مَن لم يُجبر. فقال
أبو بكر وعليٍّ ﴿ّ: هذا الخضرُ عليه السلام(١).
ومنها ما أخرجه ابن عساكر أنَّ إلیاس والخضرَ يصومان شهرَ رمضان في بیت
المقدس، ويحجَّان في كلِّ سنة، ويشربان من زمزم شربةً تكفيهما إلى مثلها من
قابل(٢).
ومنها ما أخرجه ابنُ عساكر أيضاً والعقيليُّ والدارقطنيُّ في ((الأفراد)) عن ابن
عباس عن النبيِّ وَّرِ قال: ((يلتقي الخضرُ وإلياس كلَّ عامٍ في الموسم، فيحلقُ كلُّ
واحدٍ منهما رأسَ صاحبه، ويتفرَّقان عن هذه الكلمات: باسم الله ما شاء الله،
لا يسوق الخير إلا الله، ما شاء الله، لا حول ولا قوَّة إلا بالله))(٣).
ومنها ما أخرجه ابن عساكر بسنده عن محمد بن المنكدر قال: بينما عمر بن
الخطّاب يصلِّي على جنازةٍ إذا بهاتفٍ يهتف من خلفه: لا تسبقْنا بالصلاة يرحمك الله
تعالى. فانتظره حتى لَحِق بالصفِّ الأوَّل، فكبَّر عمر وكبّر الناسُ معه، فقال
الهاتفُ: إنْ تعذِّبه فكثيراً عصاك، وإن تغفر له ففقيرٌ إلى رحمتك. فنظر عمرُ
وأصحابُه إلى الرجل، فلمَّا دُفن الميت وسُوِّي عليه التراب قال: طوبى لك
يا صاحب القبر، إن لم تكن عريفاً، أو جابياً، أو خازناً، أو كاتباً، أو شرطيًّا.
(١) المستدرك ٥٨/٣، وفيه: أصهب، بدل: أشهب، ورواه بلفظ المصنف البيهقي في الدلائل
٢٦٩/٧، وقال: فيه عباد بن عبد الصمد، ضعيف، وهذا منكر بمرة. اهـ. وقال الحاكم:
فيه عباد بن عبد الصمد ليس من شرط هذا الكتاب. اهـ. ووقع في الأصل و(م) بدل أنس بن
مالك: جابر، وهو خطأ .
(٢) تاريخ مدينة دمشق ٤٢٨/١٦، عن ابن أبي روَّاد قوله.
(٣) الضعفاء للعُقيلي ٢٢٤/١-٢٢٥، وتاريخ مدينة دمشق ٢١١/٩، وعزاه للدار قطني ابنُ حجر
في الزهر النضر ص٦١. وفيه الحسن بن رزين، قال العقيلي: مجهول الرواية.

الآية : ٦٥
٤٤٣
سُوَدَّةُ الكَهْفِ
فقال عمر: خذوا لي الرجلَ نسأله عن صلاته وكلامه هذا عمن هو، فتوارى عنهم،
فنظروا فإذا أثرُ قدمه ذراعٌ، فقال عمر: هذا والله الذي حدَّثنا عنه النبيُّ وََّ(١).
والاستدلال بهذا مبنيٌّ على أنَّه عنى بالمحدَّث عنه الخضر عليه السلام.
إلى غير ذلك، وكثيرٌ مما ذُكر وإن لم يدلَّ على أنه حيٌّ اليومَ، بل يدلُّ على أنَّه
كان حيًّا في زمنه وَ له، ولا يلزم من حياته إذ ذاك حياتُه اليومَ، إلّا أنَّه يكفي في ردِّ
الخصم، إذ هو ينفي حياته إذ ذاك كما ينفي حياته اليومَ، نعم إذا كان عندنا مَن
يُثبتها إذ ذاك وينفيها الآنَ لم ينفع ما ذُكر معه، لكن ليس عندنا مَن هو كذلك،
وحكاياتُ الصالحين من التابعين والصوفية في الاجتماع به والأخذِ عنه في سائر
الأعصار أكثرُ مَن أن تُحصَر، وأشهرُ مِن أن تذكر. نعم أجمع المحدِّثون القائلون
بحياته عليه السلام على أنَّه ليس له روايةٌ عن النبيِّ وَلِّ كما صرَّح به العراقيُّ في
((تخريج أحاديث الإحياء))(٢).
وهذا خلافُ ما عند الصوفية فقد ادَّعى الشيخ علاء الدين استفادةَ الأحاديث
النبوية عنه بلا واسطة. وذكر السهرورديُّ في ((السرِّ المكتوم)) أنَّ الخضرَ عليه
السلام حدثنا بثلاث مئة حديث سمعه من النبيِّ وَلّ شِفاهاً.
واستدلَّ بعضُ الذاهبين إلى حياته الآن بالاستصحاب، فإنَّه قد تحقَّقت من قبلُ
بالدليل، فتبقى على ذلك إلى أن يقومَ الدليلُ على خلافها، ولم يقم.
وأجابوا عما استدلَّ به الخصم مما تقدَّم:
فأجابوا عما ذكره البخاريُّ من الحديث الذي لا يُوجِبُ نفْيَ حياته في
زمانه وَّله، وإنما يُوجِب بظاهره نفيها بعد مئة سنة من زمانِ القول = بأنَّه لم يكن
حينئذٍ على ظهر الأرض، بل كان على وجه الماء، وبأنَّ الحديثَ عامٌّ فيما يشاهده
الناس بدليلٍ استثناء الملائكة عليهم السلام وإخراج الشيطان، وحاصلُه انخرامُ
القرن الأول، نعم هو نصٌّ في الردِّ على مدَّعي التعمير كـ : رَتَن بن عبد الله الهنديِّ
(١) تاريخ مدينة دمشق ٤٢٤/١٦، وقال ابن كثير في البداية والنهاية ٢٥٩/٢: هذا الخبر فيه
مبهم، وفيه انقطاع (يعني بين ابن المنكدر وعمر) ولا يصح مثله.
(٢) على هامش إحياء علوم الدين ٣٣٦/١ و٣٥٢.

سُوَّةُ الكَهْفِ
٤٤٤
الآية : ٦٥
التبريزيِّ، الذي ظهر في القرن السابع وادَّعى الصحبة وروى الأحاديث(١).
وفيه أنَّ الظاهرَ ممن على ظهر الأرض مَن هو مِن أهل الأرض ومتوطّنٌّ فيها
عرفاً، ولا شكَّ أنَّ هذا شاملٌ لمن كان في البحر، ولو لم يُعدَّ مَن في البحر ممن
هو على ظهر الأرض لم يكن الحديث نصًّا في الردِّ على رتن وأضرابه، لجواز أن
يكونوا حين القول في البحر، بل متى قيل هذا التأويلُ خرج كثيرٌ من الناس من
عموم الحديث، وضَعُفَ العموم في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا
كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَةٍ﴾ [فاطر: ٤٥]. ولينظر في قول مَن قال:
يحتمل أنَّه كان وقتَ القول في الهواء. ففيه أيضاً ما لا يخفى على الناظر.
ويَرِد على الجواب الثاني أنَّ الخضرَ لو كان موجوداً لكان ممن يُشاهده الناس،
كما هو الأمر المعتاد في البشر، وكونه عليه السلام خارجاً عن ذلك لا يثبت
إلا بدليل، وأنّى هو؟ فتأمل.
وأجابوا عما قاله الشيخ ابن تيمية بأنَّ وجوبَ الإتيان ممنوعٌ، فكم من مؤمن
به وَّر في زمانه لم يأته عليه الصلاة والسلام، فهذا خيرُ التابعين أويس القرني
څه ،
لم يتيسَّر له الإتيان والمرافقة في الجهاد ولا التعلَّم من غير واسطة، وكذا
النجاشيُّ رَّه، على أنَّا نقول: إنَّ الخضر عليه السلام كان يأتيه ويتعلَّم منه وَلّ
لكن على وجه الخفاء؛ لعدم كونه مأموراً بإتيان العلانية لحكمةٍ إلهيةٍ اقتضت ذلك.
وأما الحضورُ في الجهاد فقد روى ابن بشكوال في كتاب ((المستغيثين بالله
تعالى)) عن عبد الله بن المبارك أنَّه قال: كنتُ في غزوة فوقع فرسي ميِّتاً، فرأيتُ
رجلاً حَسَن الوجه طَيِّب الرائحة قال: أتحبُّ أن تركَب فرسك؟ قلتُ: نعم. فوضع
يدَه على جبهة الفرس حتى انتهى إلى مؤخّره، وقال: أقسمتُ عليك أيتها العِلَّة بعزّة
عزَّة الله، وبعظمة عظمة الله، وبجلال جلال الله، وبقُدرة قدرة الله، وبسُلطان
سلطان الله، وبلا إله إلا الله، وبما جرى به القلمُ من عند الله، وبلا حول ولا قوة
(١) رتن الهندي: قال الذهبي: شيخ دجال بلا ريب، ظهر بعد الست مئة، فادعى الصحبة،
مات سنة (٦٣٢هـ)، ومع كونه كذاباً، رووا عنه جملة كبيرةً من أسمج الكذبِ المحال.
ميزان الاعتدال ٤٥/٢، ولسان الميزان ٤٥٧/٣. وقد صنف الذهبي جزءاً في تبيين كذبه
سماه: ((كَسْرُ وَذَنِ رَتَن)).

الآية : ٦٥
٤٤٥
سُورَّةُ الكَهْفِ
إلا بالله، إلا انصرفت. فوثَب الفرسُ قائماً بإذن الله تعالى وأخذ الرجلُ بركابي
وقال: اركَبْ. فركِبتُ ولحقتُ بأصحابي، فلمَّا كان من غداة غدٍ، وظهرْنا على
العدوِّ فإذا هو بين أيدينا، فقلت: ألستَ صاحبي بالأمس؟ قال: بلى. فقلتُ:
سألتك بالله تعالى مَن أنت؟ فوثب قائماً فاهتزَّت الأرضُ تحته خضراء، فقال: أنا
الخضر (١) .
فهذا صريحٌ في أنه قد يحضر بعضَ المعارك.
وأما قوله بَّهِ: في بدر: ((اللَّهم إن تهلك هذه العصابةُ لا تعبد في الأرض))(٢)،
فمعناه: لا تعبد على وجه الظهور والغلبة وقوَّة الأمَّة، وإلا فكم من مؤمنٍ كان
بالمدينة وغيرها ولم يحضُر بدراً.
ولا يخفى أنَّ نظم الخضر عليه السلام في سلك أويس القرني والنجاشي
وأضرابهما ممن لم يمكنه الإتيانُ إليه ◌َِّ بعيدٌ عن الإنصاف وإن لم نَقُلْ بوجوب
الإتيان عليه عليه السلام، وكيف يقول مُنصِفٌ بإمامته بَّر لجميع الأنبياء عليهم
السلام واقتداءٍ جميعهم به ليلة المعراج، ولا يرى لزومَ الإتيان على الخضر عليه
السلام والاجتماع معه وَّر، مع أنَّه لا مانعَ له من ذلك بحسب الظاهر، ومتى زعم
أحدٌ أنَّ نسبته إلى نبينا ◌َ ل﴿ كنسبته إلى موسى عليه السلام فليجدِّد إسلامه. ودعوى
أنَّه كان يأتي ويتعلَّم خفيةً لعدم أمره بذلك علانية لحكمةٍ إلهيةٍ مما لم يقم عليها
الدليلُ، على أنه لو كان كذلك لذكره وَّل ولو مرَّةٌ، وأين الدليل على الذكر؟ وأيضاً
لا تظهر الحكمةُ في منعه عن الإتيانِ مرَّةً أو مرتين على نحو إتيان جبريل عليه
السلام في صورة دحية الكلبيِّ رَ﴿به، وإن قيل: إنَّ هذه الدعوى مجرَّدُ احتمال،
قيل: لا يلتفت إلى مثله إلا عند الضرورة، ولا تتحقَّقُ إلا بعدَ تحقُّقٍ وجودِه إذ ذاك
بالدلیل، ووجوده کوجوده عندنا .
(١) عزاه لابن بشكوال الدَّميريُّ في حياة الحيوان ٢١٩/٢-٢٢٠. وابن بشكوال: خلف بن
عبد الملك بن مسعود أبو القاسم القرطبي، حافظ الأندلس في عصره ومؤرخها ومسندها،
حجة حافظ، ألّف خمسين تأليفاً في أنواع العلم منها كتاب الصلة في علماء الأندلس، روى
عن أبي بكر ابن العربي وطائفة، توفي سنة (٥٧٨ هـ). تاريخ الإسلام ١٢/ ٦١٢.
(٢) أخرجه مسلم (١٧٦٣) من حديث عمر بن الخطاب ظله، وسلف ٣٨/١٠.

سُوَرَّةُ الكَهْفِ
٤٤٦
الآية : ٦٥
وأما ما رُوِي عن ابن المبارك فلا نسلِّم ثبوته عنه، وأنتَ إذا أمعنتَ النظرَ في
ألفاظ القصة استبعدتَ صحَّتها، ومن أنصف يعلم أنَّ حضورَه عليه السلام يوم قال
النبيُّ ◌َّهِ لسعد نَّه: ((ارم، فداك أبي وأمي))(١) كان أهمَّ من حضوره مع ابن
المبارك، واحتمالُ أنه حضر ولم يره أحدٌ أشبهُ شيءٍ بالسفسطة .
وأما ما ذكروه في معنى الحديث فلقائل أن يقول: إنه بعيدٌ، فإنَّ الظاهرَ منه نفْي
أن يُعبَد سبحانه إن أهلك تلك العصابةَ مطلقاً، على معنى أنَّهم إن أُهلِكوا والإسلام
غضِّ ارتدَّ الباقون، ولم يكد يُؤمِن أحدٌ بعدُ، فلا يَعبُده سبحانه أحدٌ من البشر في
الأرض حينئذٍ، وقد لا يوسّط حديث الارتداد بأن يكون المعنى: اللهم إن تهلِك
هذه العصابة الذين هم تاجُ رأس الاسلام استولى الكفارُ على سائر المسلمين
بعدَهم فأهلكوهم، فلا يعبدُك أحدٌ من البشر حينئذٍ.
وأيًّاما كان فالاستدلال بالحديث على عدم وجود الخضر عليه السلام له وجهٌ،
فإن أجابوا عنه بأنَّ المرادَ نفْيُ أن يشاهَد مَن يعبده تعالى بعدُ، والخضر عليه السلام
لا يُشاهَد. وَرَدَ عليه ما تقدَّم.
وأجابوا عن الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدِّ﴾
[الأنبياء: ٣٤] بأنَّ المرادَ من الخلد الدوامُ الأبديُّ، والقائلون بوجوده اليومَ لا يقولون
بتأبيده، بل منهم مَن يقول: إنه يقاتِل الدجالَ ويموت. ومنهم من يقول: إنه يموت
زمانَ رفع القرآن. ومنهم من يقول: إنه يموت في آخر الزمان. ومراده أحد هذين
الأمرين أو ما يقاربهما .
وتعقِّب بأنَّ الخلد بمعنى الخلود، وهو على ما يقتضيه ظاهرُ قوله تعالى:
﴿خَلِينَ فِهَا أَبَدًا﴾ [النساء: ٥٧] حقيقةٌ في طولِ المكث، لا في دوام البقاء، فإنَّ
الظاهرَ التأسيسُ لا التأكيد، وقد قال الراغب: كلُّ ما يتباطأ عنه التغييرُ والفسادُ
تصفه العربُ بالخلود، كقولهم للأثافي: خوالد. وذلك لطول مكثها لا لدوامها
وبقائها(٢). انتهى. وأنت تعلم قوَّةً الجواب؛ لأنَّ المكثَ الطويل ثبت لبعض البشر
كنوح عليه السلام.
(١) أخرجه البخاري (٤٠٥٥)، ومسلم (٢٤١٢) من حديث سعد ه، وسلف ٢١/٥.
(٢) المفردات (خلد).

الآية : ٦٥
٤٤٧
سُورَةُ الكَهْفِ
وأجابوا عما نُقِل عن ابن الجوزي من الوجوه العقلية:
أما عن الأول من وجهَي فساد القول: بأنَّه ابنُ آدم عليه السلام بعد تسلیم
صحَّة الرواية، فبأنَّ البعدَ العادي لا يضرُّ القائل بتعميره هذه المدةَ المديدةَ؛ لأنَّ
ذلك عندَه من خرق العادات.
وأما عن الثاني: فبأنَّ ما ذكر من عظم خلقة المتقدِّمين خارجٌ مخرج
الغالب، وإلا فيأجوجُ ومأجوجُ من صلب يافث بن نوح، وفيهم مَن طولُه قَدْرَ
شبرٍ كما رُوي في الآثار، على أنَّه لا بدعَ في أن يكون الخضرُ عليه السلام قد
أُعطِيَ قوةَ التشكُّل والتصوُّر بأيِّ صورةٍ شاء كجبريل عليه الصلاة والسلام، وقد
أثبت الصوفيةُ قُدِّست أسرارُهم هذه القوةَ للأولياء، ولهم في ذلك حكاياتٌ
مشهورة.
وأنت تعلم أنَّ ما ذُكر عن يأجوج ومأجوج من أنَّ فيهم مَن طولُه قدرَ شبرٍ - بعد
تسليمه - لقائل أن يقول فيه: إنَّ ذلك حين يفتح السدُّ، وهو في آخر الزمان ولا يتمُّ
الاستنادُ بحالهم إلا إذا ثبت أنَّ فيهم مَن هو كذلك في الزمن القديم.
وما ذكر من إعطائه قوَّة التشكُّلِ احتمالٌ بعيدٌ، وفي ثبوته للأولياء خلافُ كثيرٍ
من المحدِّثين. وقال بعض الناس: لو أعطي أحدٌ من البشر هذه القوَّةَ لأعطيها
النبيُّ ◌َّهِ يومَ الهجرة، فاستغنَى بها عن الغار وجعلَها حجاباً له عن الكفار،
وللبحث في هذا مجالٌ.
وعن الثاني من الوجوه: بأنَّه لا يلزمُ مِن عدم نقلٍ كونه في السفينة - إن قلنا بأنَّه
عليه السلام كان قبل نوح عليه السلام - عدمُ وجوده؛ لجواز أنَّه كان ولم يُنقل، مع
أنَّه يحتمل أن يكونَ قد رَكِب ولم يشاهَد. وهذا كما ترى.
وقال بعضُ الناس: إذا كان احتمالُ إعطاءِ قوَّة التشكّلِ قائماً عند القائلين
بالتعمير فليقولوا: يحتمل أنَّه عليه السلام قد تشكَّل فصار في غايةٍ من الطول بحيث
خاض في الماء ولم يَحتج إلى الركوب في السفينة على نحوٍ ما يزعمه أهلُ
الخرافات في عوج بن عوق.
وأيضاً هم يقولون: له قدرةُ الكون في الهواء، فما منعهم من أن يقولوا بأنَّه

سُورَةُ الكَهْفِ
٤٤٨
الآية : ٦٥
يحتمل أنَّه لم يركب وتحفّظ عن الماء بالهواء، كما قالوا باحتمالِ أنَّه كان في
الهواء، في الجواب عن حديث البخاريٌّ(١).
وأيضاً ذكر بعضُهم عن العلامي(٢) في تفسيره أنَّ الخضر يدور في البحار يهدي
مَن ضلَّ فيها، وإلياس يدور في الجبال يهدي مَن ضلَّ فيها، هذا دأبُهما في النهار،
وفي الليل يجتمعان عند سدٍّ يأجوج ومأجوج يحفظانه، فلِمَ لم يقولوا: إنَّه عليه
السلام بقي في البحر حين ركب غيرُه السفينةَ؟
ولعلهم إنما لم يقولوا ذلك لأنَّ ما ذكر قد رَوَى قريباً منه الحارث بن أبي أسامة
في مسنده عن أنس مرفوعاً، ولفظه: ((إنَّ الخضرَ في البحر، وإلياس في البرِّ،
يجتمعان كلَّ ليلةٍ عند الردم الذي بناه ذو القرنين)) الخبر(٣)، وقد قالوا: إنَّ سندَه واهٍ.
أو: لأنَّهم لا يُثِتون له هذه الخدمةَ الإلهية في ذلك الوقت، ويوشك أن يقولوا
في إعطائه قوةَ التشكّل والكون في الهواء كذلك.
وعن الثالث: بأنَّه لا نسلِّم الاتفاقَ على أنه مات كلُّ أهل السفينة، ولم يبق بعد
الخروج منها غيرُ نسل نوح عليه السلام، والحصر في الآية إضافيٍّ بالنسبة إلى
المكذِّبين بنوح عليه السلام.
وأيضاً المرادُ أنَّه مات كلُّ مَن كان ظاهراً مشاهداً غير نسله عليه السلام، بدليل
أنَّ الشيطانَ كان أيضاً في السفينة.
وأيضاً المرادُ من الآية بقاءُ ذريته عليه السلام على وجه التناسُل، وهو لا ينفي
بقاءَ مَن عداهم من غير تناسُلٍ، ونحن ندّعي ذلك في الخضر.
على أنَّ القول بأنَّه كان قبل نوح عليهما السلام قولٌ ضعيفٌ، والمعتمد كونُه
بعد ذلك، ولا يخفى ما في بعض ما ذكر من الكلام.
(١) في صحيحه برقم (١١٦) وسلف ص٤٣٦ من هذا الجزء.
(٢) هو قطب الدين محمود بن مسعود الشيرازي، له: فتح المنان في تفسير القرآن، توفي
(٧١٠هـ). كشف الظنون ١٢٣٥/٢.
(٣) زوائد مسند الحارث للهيثمي (٩٢٦)، وفيه: اليسع، بدل: الخضر، قال الحافظ ابن حجر
في المطالب العالية ٢٧٨/٣، فيه ضعفٌ جدًّا.

الآية : ٦٥
٤٤٩
سُوَرَّةُ الكَهْفِ
وعن الرابع: بأنه لا يلزم من كون تعميره من أعظم الآيات أن يُذكّر في القرآن
العظيم كرَّاتٍ، وإنَّما ذكر سبحانه نوحاً عليه السلام تسليةً لنبينا نَّه بما لاقى من
قومه في هذه المدَّة مع بقائهم مصرِّين على الكفر حتى أُغرقوا، ولا توجد هذه
الفائدةُ في ذكر عمر الخضر عليه السلام لو ذكر، على أنه قد يقال: مِن ذكر طول
عمر نوح عليه السلام تصريحاً يُفْهَم تجويزُ عمرٍ أطولَ من ذلك تلويحاً .
وتعقِّب بأنَّ لنا أن نعودَ فنقول: لا أقلَّ من أن يذكر هذا الأمرُ العظيم في
القرآن العظيم مرَّة، لأنَّه من آيات الربوبية في النوع الإنسانيِّ، وليس المرادُ أنه
يلزم عقلاً من كونه كذلك ذِكْرُه، بل ندَّعي أنَّ ذكرَ ذلك أمرٌ استحسانيٌّ،
لا سيَّما وقد ذُكر تعميرُ عدوِّ الله تعالى إبليس عليه اللعنة، فإذا ذُكر يكون القرآن
مشتملاً على ذكر معمّرٍ من الجنِّ مُبعَدٍ، وذكرٍ معمَّرٍ من الإنس مقرَّبٍ، ولا يخفى
حُسنُه. وربَّما يقال: إنَّ فيه أيضاً إدخالَ السرور على النبيِّ نَّهَ، وبأنَّ التجويزَ
المذكورَ في حيِّز العلاوة مما لا كلامَ فيه، إنَّما الكلام في الوقوع، ودون إثباته
الظفرُ بماء الحياة.
وأجابَ بعضُهم بأنَّ في قوله تعالى: (ءَانَيْنَهُ رَحْمَةٌ مِّنْ عِندِنَا) إشارةً إلى طول
عمره عليه السلام على ما سمعتَ عن بعضٍ في تفسيره. ورُدَّ بأنَّ تفسيرَه بذلك مبنيٌّ
على القول بالتعمير، فإنْ قُبِلَ قُبِل، وإلا فلا.
وعن الخامس: بأنَّا نختار أنَّه ثابتٌ بالسنة، وقد تقدَّم لك طرفٌ منها.
وتعقّب بما نقله علي القاري عن ابن قيم الجوزية أنَّه قال: إنَّ الأحاديثَ التي
يذكر فيها الخضرُ عليه السلام وحياتُه كلُّها كذبٌ، ولا يصحُّ في حياته حديثٌ
واحدٌ(١). ومن ادَّعى الصحّةَ فعليه البيانُ.
وقيل: يكفي في ثبوته إجماعُ المشايخ العظام وجماهيرُ العلماء الأعلام، وقد
نقل هذا الإجماعَ ابنُ الصلاح والنوويُ (٢) وغيرهما من الأجلَّة الفخام.
وتعقِّب بأنَّ إجماع المشايخ غير مسلَّم، فقد نقل الشيخ صدر الدين إسحاق
(١) اللؤلؤ المرصوع للملا علي القاري ٨٨/١، وكلام ابن القيم في المنار المنيف ١/ ٦٧.
(٢) في شرح مسلم ١٣٦/١٥، وقد سلف ص ٤٤٠ من هذا الجزء.

سُورَةُ الكَهْفِ
٤٥٠
الآية : ٦٥
القونويُّ في ((تبصرة المبتدي وتذكرة المنتهي))(١) أنَّ وجودَ الخضر عليه السلام في
عالم المثال. وذهب عبد الرزاق الكاشي (٢) إلى أنَّ الخضر عبارةٌ عن البسط، وإلياس
عن القبض. وذهب بعضُهم إلى أنَّ الخضريةَ رتبةٌ يتولَّاها بعضُ الصالحين على قدم
الخضر الذي كان في زمن موسى عليهما السلام. ومع وجود هذه الأقوال لا يتمُّ
الإجماع، وكونُها غيرَ مقبولةٍ عند المحقّقين منهم لا يتمِّمُه أيضاً، وإجماع جماهير
العلماء على ما نقل ابنُ الصلاح والنوويُّ مسلّم، لكنه ليس الإجماع الذي هو أحد
الأدلة الشرعية، والخصم لا يقنع إلا به، وهو الذي نفاه، فأنَّى بإثباته. ولعلَّ الخصمَ
لا يعتبِرُ أيضاً إجماعَ المشايخ قدست أسرارهم إجماعاً هو أحدُ الأدلة.
وعن السادس: بأنَّ له علاماتٍ عند أهله ككون الأرضِ تخضرُّ عند قدمه، وأنَّ
طولَ قدمه ذراعٌ، وربما يظهر منه بعضُ خوارق العادات مما يشهد بصدقه، على أنَّ
المؤمنَ يصدِّق بقوله بناءً على حسن الظنِّ به، وقد شاع بين زاعمي رؤيته عليه
السلام أنَّ من علاماتِه أنَّ إبهامَ يده اليمنى لا عظم فيه، وأنَّ بؤبؤ إحدى عينيه
يتحرَّكُ كالزئبق.
وتعقِّب بأنَّه بأيِّ دليل ثبت أنَّ هذه علاماتُه؟ ﴿قُلْ هَانُواْ بُرْهَنَّكُمْ إِن كُمْ
صَدِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١]. والذي ثبت في الحديث الصحيح أنَّه إنما سمِّي الخضر
لأنَّه جلس على فروةٍ بيضاء، فإذا هي تهتزُّ من خلفه خضراءَ(٣). وأين فيه ثبوتُ
ذلك له دائماً؟ وكونُ طولٍ قدمه ذراعاً إنما جاء في خبر محمد بن المنكدر
السابق(٤) عن عمر بن الخطاب ﴿ه، ولا نسلِّم صحته. على أنَّ زاعمي رؤيته
يزعمون أنَّهم يرونه في صورٍ مختلفةٍ، ولا يكاد يستقرُّ له عليه السلام قدمٌ على
صورةٍ واحدةٍ، وظهورُ الخوارق مشترٌ بينه وبين غيره من أولياء الأمة، فيمكن أن
يظهرَ وليٍّ خارقاً ويقول: أنا الخضر. مجازاً لأنه على قدمه، أو لاعتبارٍ آخر،
(١) رسالة فارسية في أصول المعارف وقواعد طور الولاية. كشف الظنون ٣٣٥/١.
(٢) هو كمال الدين أبو الغنائم عبد الرزاق بن جمال الدين الكاشي، المتوفى سنة (٧٣٠هـ)، من
كتبه: اصطلاحات الصوفية، وتفسير اسمه: تأويلات القرآن. كشف الظنون ١/ ١٠٧
و ٣٣٦.
(٣) صحيح البخاري (٣٤٠٢) من حديث أبي هريرة له، وسلف ص٤٣٣ من هذا الجزء.
(٤) ص ٤٤٢ من هذا الجزء.

الآية : ٦٥
٤٥١
سُورَةُ الكَهْف
ويَدْعوه لذلك داعٍ شرعيٍّ، وقد صحَّ في حديث الهجرة(١) أنَّهِ وَّهِ لمَّا قيل له: ممن
القوم؟ قال: ((من ماء)) فظنَّ السائلُ أنَّ ((ماء)) اسمُ قبيلةٍ، ولم يَعنِ بَّهِ إِلَّا أَنَّهم
خُلِقوا من ماءٍ دافق.
وقد يقال للصوفي: إنَّ((أنا الخضرُ)) مع ظهور الخوارق لا يُتيقّن منه أنَّ القائلَ هو
الخضرُ بالمعنى المتبادِر في نفس الأمر، لجواز أن يكونَ ذلك القائلُ ممن هو فانٍ فیه
لاتحاد المشرب، وكثيراً ما يقول الغاني في شيخه: أنا فلانٌ. ويذكر اسمَ شيخه،
وأيضاً متى وقع من بعضهم قولُ: أنا الحقُّ. و: ما في الجبة إلا الله. لم يبعُد أن يقعَ:
أنا الخضر. وقد ثبت عن كثير منهم نظماً ونثراً قول: أنا آدمُ، أنا نوح، أنا إبراهيم، أنا
موسی، أنا عیسی، أنا محمد، إلى غير ذلك مما لا يخفى عليك، وذكروا له محملاً
صحيحاً عندهم، فليكن قولُ: أنا الخضر. ممن ليس بالخضر على هذا الطرز، ومع
قيام هذا الاحتمال كيف يحصل اليقينُ؟ وحُسن الظنِّ لا يحصل منه ذلك.
وعن السابع: بأنَّا لا نسلِّم اجتماعَه بجَهَلة العبَّاد الخارجين عن الشريعة،
ولا يلتفت إلى قولهم، فالكذَّابون الدجّالون يكذبون على الله تعالى وعلى
رسوله و سلم، فلا يبعُد أن يكذبوا على الخضر عليه السلام، ويقولوا: قال، وجاء.
إنَّما القولُ باجتماعه بأكابر الصوفية والعبَّاد المحافظين على الحدود الشرعية، فإنَّه
قد شاع اجتماعُه بهم حتى إنَّ منهم مَن طلب الخضرُ مرافقتَه فأبى، ورُوي ذلك عن
عليٍّ الخواص رحمة الله تعالى عليه في سفر حجِّه، وسُئل عن سبب إبائه فقال:
خفت من النقص في توّلي حيث أعتمدُ على وجوده معي.
وتعقّب بأنَّ اجتماعَه بهم واجتماعَهم به يحتمل أن يكونَ من قبيل ما يذكرونه
من اجتماعهم بالنبيِّ وَّر واجتماعه عليه الصلاة والسلام بهم، وذلك أنَّ الأرواحَ
المقدَّسة قد تظهر متشكِّلة، ويجتمع بها الكاملون من العباد، وقد صحَّ أنه وَّـ
رأى موسى عليه السلام قائماً يصلي في قبره(٢)، ورآه في السماء(٣)، ورآه يطوف
(١) الذي في سيرة ابن هشام ٦١٦/١ أنَّ هذا في غزوة بدرٍ .
(٢) أخرجه مسلم (٢٣٧٥)، من حديث أنس، وسلف ص١٠٤ من هذا الجزء.
(٣) أخرجه البخاري (٣٨٨٧) من حديث مالك بن صعصعة ظه، وسلف ص١٠٤ من هذا
الجزء.

سُورَةُ الکھْفِ﴾
٤٥٢
الآية : ٦٥
بالبيت(١). وادَّعى الشيخ الأكبر قدِّس سره الاجتماعَ مع أكثر الأنبياء عليهم
السلام، لاسيما مع إدريس عليه السلام، فقد ذكر أنَّه اجتمع به مراراً وأخذ منه
علماً كثيراً، بل قد يجتمع الكاملُ بمن لم يولَد بعد كالمهديِّ، وقد ذكر الشيخ
الأكبر أيضاً اجتماعه معه، وهذا ظاهرٌ عند مَن يقول: إنَّ الأزلَ والأبد نقطةٌ
واحدةٌ، والفرقُ بينهما بالاعتبار عند المتجرِّدين عن جلابيب أبدانهم، ولعلَّ كثرةً
هذا الظهور والتشكّل من خصوصيات الخضر عليه السلام، ومع قيام هذا
الاحتمال لا يحصل يقينٌ أيضاً بأنَّ الخضر المرئيّ موجودٌ في الخارج كوجود
سائر الناس فيه كما لا يخفى.
ومما ينبئ على اجتماعه عليه السلام بالكاملين من أهل الله تعالى بعضُ طرقٍ
إجازتنا بالصلاة البشيشية(٢) فإني أرويها من بعض الطرق عن شيخي علاء الدين
علي أفندي الموصلي، عن شيخه ووالده صلاح الدين يوسف أفندي الموصلي، عن
شيخه خاتمة المرشدين السيد علي البندنيجي، عن نبي الله تعالى الخضر عليه
السلام، عن الوليِّ الكامل الشيخ عبد السلام بن بشيش قدِّس سره.
وعن الثامن: بأنَّا نسلِّم(٣) أنَّ القولَ بعدم إرساله وَّل إليه عليه السلام كفرٌ،
وبفرض أنَّه ليس بكفر هو قولٌ باطلٌ إجماعاً، ونختار أنَّه أتى وبايع، لكن باطناً
حيث لا يشعر به أحدٌ، وقد عدَّه جماعةٌ من أرباب الأصول في الصحابة. ولعلَّ
عدم قبول روايته لعدم القطع في وجوده وشهوده في حال رؤيته. وهو كما ترى.
وعن التاسع: بأنَّه مجازفةٌ في الكلام، فإنَّه مِن أين يُعلَم نفْي ما ذكره من حضور
الجهاد وغيره عن الخضر عليه السلام، مع أنَّ العالم بالعلم اللدنيّ لا يكون مشتغلاً
إلا بما علَّمه الله تعالى في كلِّ مكانٍ وزمانٍ بحسب ما يقتضي الأمرُ والشأن.
(١) لم نقف عليه، وعند البخاري (٣٤٤٠) من حديث ابن عمر أنه وح لو رأى عيسى يطوف
بالبيت، و(١٥٥٥) من حديث ابن عباس: ((أما موسى: كأني أنظر إليه إذ انحدر في الوادي
يلِّي)).
(٢) (البشيشية)) - ورويت بالميم - هي صلاة على النبي # بألفاظ مخصوصة تنسب إلى
عبد السلام بن مشيش بن أبي بكر، أحد العارفين، قتله جماعة في سنة (٦٢٢هـ). جامع
كرامات الأولياء ٦٩/٢، والأعلام ٩/٤.
(٣) في (م): لا نسلِّم. وهو خطأ .

الآية : ٦٥
٤٥٣
سُورَةُ الكَهْفِ
وتعقِّب بأنَّ النفْي مستندٌ إلى عدم الدليل، فنحن نقول به إلى أن يقوم الدليل،
ولعله لا يقوم حتى يقومَ الناسُ لرب العالمين، وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام في
العلم اللدنيّ والعالم به .
وبالجملة قد ظهر لك حالُ معظم أدلَّة الفريقين وبقي ما استدلَّ به البعضُ من
الاستصحاب، وأنت تعلم أنه حجةٌ عند الشافعيِّ والمزنيّ وأبي بكر الصيرفيّ(١) في
كل شيء نفياً وإثباتاً ثبت تحقُّقه بدليلٍ ثم وقع الشك في بقائه إن لم يقع ظنٌّ بعدمه،
وأما عندنا وكذا عند المتكلِّمين فهو من الحجَج القاصرة التي لا تصلح للإثبات،
وإنما تصلح للدفع بمعنی أن لا یثبُت حکم، وعدمُ الحکم مستندٌ إلى عدم دلیله،
والأصلُ في العدم الاستمرارُ حتى يظهر دليلُ الوجود، فالمفقود يرث عنده لا عندنا؛
لأنَّ الإرث من باب الإثبات، فلا يثبت به ولا يورث، لأنَّ عدم الإرث من باب
الدفع فيثبت به، ويتفرَُّ على هذا الخلافِ فروعٌ أُخَرُ ليس هذا محلُّ ذكرها.
وإذا كان حكم الاستصحاب عندنا ما ذكر فاستدلال الحنفيّ به على إثبات حياة
الخضر عليه السلام اليومَ، وأنَّها متيقَّنةٌ لا يخلو عن شيء، بل استدلال الشافعيِّ به
على ذلك أيضاً كذلك، بناءً على أنَّ صحةَ الاستدلال به مشروط بعدم وقوع ظنِّ
بالعدم، فإنَّ العادةَ قاضيةٌ بعدم بقاء الآدميِّ تلك المدةَ المديدةَ والأحقابَ العديدة.
وقد قيل: إنَّ العادةَ دليلٌ معتبرٌ، ولولا ذلك لم يُؤْثِّر خرقُ العادة بالمعجزة في
وجوب الاعتقاد والاتباع، فإن لم تُفِد يقيناً بالعدم فيما نحن فيه أفادت الظنَّ به،
فلا يتحقَّق شرط صحة الاستدلال، وعلى هذا فالمعوَّل عليه الخالصُ من شوب الكدر
الاستدلالُ بأحد الأدلة الأربعة، وقد علمتَ حالَ استدلالهم بالكتاب والسنة وما سمَّوه
إجماعاً، وأما الاستدلالُ بالقياس هنا فمما لا يُقدِمُ عليه عاقلٌ فضلاً عن فاضلٍ .
ثم اعلم بعد كلِّ حسابٍ أنَّ الأخبار الصحيحة النبوية والمقدِّماتِ الراجحةَ
العقليةَ تُساعِد القائلين بوفاته عليه السلام أيَّ مساعدةٍ، وتعاضدُهم على دعواهم أيَّ
معاضدةٍ، ولا مقتضي للعدول عن ظواهر تلك الأخبار إلَّا مراعاةُ ظواهرِ الحكايات
المرويةِ - والله تعالى أعلم بصحتها - عن بعض الصالحين الأخيار، وحسنُ الظنِّ
(١) هو محمد بن عبد الله الصيرفي، الفقيه الأصولي، الشافعي، توفي بمصر سنة (٣٣٠هـ).

سُوَدَّةُ الكَهْفِ
٤٥٤
الآية : ٦٥
ببعض السادة الصوفية، فإنهم قالوا بوجوده إلى آخر الزمان على وجهٍ لا يقبل
التأويلَ السابق، ففي الباب الثالث والسبعين من ((الفتوحات المكية)):
اعلم أنَّ لله تعالى في كلِّ نوع من المخلوقات خصائصَ وصَفْوةً، وأعلى
الخواصِّ فيه من العباد الرسلُ عليهم السلام، ولهم مقامُ الرسالة والنبوة والولاية
والإيمان، فهم أركانُ بيت هذا النوع، والرسولُ أفضلُهم مقاماً وأعلاهم حالاً،
بمعنى أنَّ المقامَ الذي أُرسل منه أعلى منزلةً عند الله تعالى من سائر المقامات،
وهم الأقطاب والأئمة والأوتاد الذين يحفظ الله تعالى بهم العالم ويصون بهم بيتَ
الدين القائم بالأركان الأربعة: الرسالة والنبوة والولاية والإيمان، والرسالةُ هي
الركن الجامعُ، وهي المقصودةُ من هذا النوع، فلا يخلو من أن يكونَ فيه رسولٌ
كما لا يزال دين الله تعالى، وذلك الرسول هو القطب الذي هو موضعُ نظر الحقِّ،
وبه يبقى النوعُ في هذه الدار ولو كفر الجميعُ، ولا يصحُّ هذا الاسم على إنسان
إلا أن يكونَ ذا جسم طبيعيٍّ وروحٍ، ويكون موجوداً في هذا النوع في هذه الدار
بجسده وروحه يتغذّى وهو مجلَّى الحقِّ من آدم عليه السلام إلى يوم القيامة.
ولمَّا توفي رسول الله وَّهِ بعد ما قرَّر الدينَ الذي لا يُنسخ والشرع الذي
لا يُبدَّل، ودخل الرسلُ كلَّهم عليهم السلام في ذلك الدين، وكانت الأرض لا تخلو
من رسول حسيٍّ بجسمه لأنه قطبُ العالم الإنساني، وإن تعدّد الرسلُ كان واحد
منهم هو المقصود = أبقى الله تعالى بعد وفاته عليه الصلاة والسلام من الرسل
الأحياء بأجسادهم في هذه الدار أربعةً: إدريسَ وإلياس وعيسى والخضر عليهم
السلام، والثلاثة الأُوَل متفقٌ عليهم، والأخير مختلفٌ فيه عند غيرنا لا عندَنا،
فأسكن سبحانه إدريسَ في السماء الرابعة، وهي وسائر السماوات السبع من الدار
الدنيا؛ لأنها تتبدَّل في الدار الأخرى كما تتبدّل هذه النشأةُ الترابيةُ مِنَّا بنشأة أخرى،
وأبقى الآخرين في الأرض، فهم كلَّهم باقُون بأجسامهم في الدار الدنيا، وكلَّهم
الأوتاد، واثنان منهم الإمامان، وواحدٌ منهم القطبُ الذي هو موضع نظر الحقِّ من
العالم، وهو ركنُ الحجر الأسود من أركان بيت الدين، فما زال المرسَلون
ولا يزالون في هذه الدار إلى يوم القيامة، وإن كانوا على شرع نبينا وَّر، ولكن أكثر
الناس لا يعلمون.

الآية : ٦٥
٤٥٥
سُوَرَّةُ الكَهْفِ
وبالواحد منهم يحفظ الله تعالى الإيمانَ، وبالثاني الولايةَ، وبالثالث النبوةَ،
وبالرابع الرسالةَ، وبالمجموع الدينَ الحنفيَّ، والقطبُ من هؤلاء لا يموت أبداً،
أي: لا يصعَقُ. وهذه المعرفةُ لا يعرفها من أهل طريقتنا إلا الأفراد الأمَناء،
ولكلِّ واحدٍ منهم من هذه الأمة في كلِّ زمان شخصٌ على قلبه مع وجودِهم ويقال
لهم: التُّوَّاب، وأكثر الأولياء من عامة أصحابنا لا يعرفون إلا أولئكَ النوَّابَ،
ولا يعرفون أولئك المرسَلين، ولذا يتطاوَلُ كلُّ واحدٍ من الأمة لنيل مقام القطبية
والإمامية والوتدية، فإذا خُصُّوا بها عرفوا أنَّهم نُوَّابٌ عن أولئك المرسلين عليهم
السلام.
ومن كرامة نبيِّنا وَ هو أن جعل مِن أمته وأتباعه رسلاً، وإن لم يُرسَلوا، فهم من
أهل هذا المقام الذي منه يُرسَلون وقد كانوا أُرسِلوا، فلهذا صلى وَّ ليلة الإسراء
بالأنبياء عليهم السلام لتصحَّ له الإمامةُ على الجميع حيًّا بجسمانيته وجسمه، فلمَّا
انتقل عليه الصلاة والسلام بقي الأمرُ محفوظاً بهؤلاء الرسُل عليهم السلام، فثبت
الدينُ قائماً بحمد الله تعالى وإن ظهر الفسادُ في العالم، إلى أن يرثَ الله تعالى
الأرضَ ومَن عليها، وهذه نكتةٌ فاعرف قدرَها فإنك لا تراها في كلام أحدٍ غيرنا .
ولولا ما أُلقي عندي مِن إظهارها ما أظهرتُها لسرٍّ يعلمه الله تعالى ما أعلَمَنا به.
ولا يَعرِف ما ذكرناه إلا نوابهم دون غيرهم من الأولياء، فاحمدوا الله تعالى
يا إخواننا، حيث جعلكم الله تعالى ممن قرع سمعَه أسرارُ الله تعالى المخبوءةُ في
خلقه، التي اختصَّ بها مَن شاء من عباده، فكُونُوا لها قابلين، وبها مؤمنين،
ولا تُحرَموا التصديقَ بها فتُحرَموا خيرَها(١). انتهى.
وعلم منه القول برسالة الخضر عليه السلام وهو قولٌ مرجوحٌ عند جمهور
العلماء، والقولُ بحياته وبقائه إلى يوم القيامة، وكذا بقاء عيسى عليه السلام،
والمشهورُ أنَّه بعد نزوله إلى الأرض يتزوَّج ويُولَد له، ويُتوفَّى ويُدفَن في الحجرة
الشريفة مع رسول الله وَله، ولُيُنظر ما وجهُ قولِه قدِّس سرُّه بإبقاء عيسى عليه السلام
في الأرض، وهو اليومَ في السماء كإدريس عليه السلام.
ثم إنك إن اعتبرتَ مثل هذه الأقوال وتلقَّيتَها بالقبول لمجرَّد جلالة قائِلها
(١) الفتوحات المكية ٥/٢-٦.

سُورَةُ الكَهْفِّ
٤٥٦
الآية : ٦٥
وحُسن الظنِّ فيه فقل بحياة الخضر عليه السلام إلى يوم القيامة، وإن لم تَعتبِرِ ذلك
وجعلتَ الدليلَ وجوداً وعدماً مداراً للقبول والردِّ، ولم تغُرَّك جلالةُ القائل - إذ كلُّ
أحدٍ يؤخذ من قوله ويردُّ ما عدا رسول الله وَله، وعن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه أنه
قال: لا تنظر إلى مَن قال، وانظر ما قال - فاستفتِ قلبك بعد الوقوف على أدلَّة
الطرفين، وما لها وما عليها، ثم اعمل بما يفتيك.
وأنا أرى كثيراً من الناس اليومَ بل في كثير من الأعصار يُسمُّون مَن يخالف
الصوفية في أيِّ أمرٍ ذهبوا إليه: منكِراً، ويعدُّونه سيِّئ العقيدة، ويعتقدون بمن
يوافقهم ويؤمن بقولهم الخيرَ، وفي كلام الصوفية أيضاً نحو هذا، فقد نقل الشيخ
الأكبر قدِّس سرُّه في الباب السابق عن أبي يزيد البسطاميِّ قدِّس سرُّه أنه قال
لأبي موسى الدبيلي(١): يا أبا موسى، إذا رأيتَ مَن يؤمن بكلام أهل هذه الطريقة
فقل له يدعو لك، فإنه مجابُ الدعوة(٢).
وذكر أيضاً أنه سمع أبا عمران موسى بن عمران الإشبيلي يقول لأبي القاسم بن
عفير الخطيب، وقد أنكر ما يذكر أهلُ الطريقة: يا أبا القاسم، لا تفعل، فإنك إن
فعلت هذا جمعنا بین حرمانین لا ندري ذلك من نفوسنا، ولا نؤمن به مِن غيرنا،
وما ثَّ دليلٌ يرُّه ولا قادٌ يقدح فيه شرعاً أو عقلاً. انتهى.
ويُفهم منه أنَّ ما يردُّه الدليل الشرعيُّ أو العقليُّ لا يقبل، وهو الذي إليه أذهب
وبه أقول، وأسأل الله تعالى أن يوفقني وإياك لكلِّ ما هو مرضيٍّ لديه سبحانه
ومقبول.
والتنوين في قوله تعالى: (رَحْمَةٌ) للتفخيم، وكذا في قوله سبحانه: ﴿وَعَلَّمْنَهُ
مِن لَُّنَّا عِلْمًا (®﴾ أي: علماً لا يُكتنه كنهُه ولا يقادَرُ قدرُه، وهو علمُ الغيوب
وأسرارُ العلوم الخفية، وذكر ((لدنا)) قيل: لأنَّ العلمَ مِن أخصِّ صفاته تعالى
الذاتية، وقد قالوا: إنَّ القدرةَ لا تتعلَّقُ بشيءٍ ما لم تتعلَّق الإرادةُ، وهي لا تتعلَّق
ما لم يتعلَّق العلم، فالشيء يُعلَم أوَّلاً، فيراد، فتتعلَّق به القدرةُ فيوجد.
(١) هو ابن أخت أبي يزيد البسطامي، ينظر الطيوريات (١١٤٠).
(٢) الفتوحات المكية ٦/٢.

الآية : ٦٥
٤٥٧
سُورَةُ الکھْفِ
وذُكر أنَّه يفهم من فحوى ((من لدنا)) أو من تقديمه على ((علماً)) اختصاصُ ذلك
بالله تعالى، كأنه قيل: علماً يختصُّ بنا، ولا يُعلَم إلا بتوفيقنا(١)، وفي اختيارٍ
((علَّمناه)) على ((آتيناه)) من الإشارة إلى تعظيم أمر هذا العلم ما فيه.
وهذا التعليم يحتمل أن يكونَ بواسطة الوحي المسموع بلسان الملك، وهو
القسم الأولُ من أقسام الوحي الظاهريِّ، كما وقع لنبينا ◌َّ في إخباره عن الغيب
الذي أوحاه الله تعالى إليه في القرآن الكريم، وأن يكون بواسطة الوحي الحاصل
بإشارة الملك من غير بيانٍ بالكلام، وهو القسم الثاني من ذلك، ويسمَّى بالنفث
كما في حديث: ((إنَّ روح القدس نفث في رُوعي أنَّه لن تموتَ نفسٌ حتى تستكمل
رزقها، فاتقوا الله تعالى وأَجمِلوا في الطلب))(٢).
والإلهامُ على ما يشير إليه بعض عباراتِ القوم من هذا النوع، ويُثبِتون له مَلَكاً
يسمونه مَلَكَ الإلهام، ويكون للأنبياء عليهم السلام ولغيرهم بالإجماع، ولهم في
الوقوف على المغيَّيات طرقٌ تتشعَّبُ من تزكية الباطن.
والآية عندهم أصلٌ في إثبات العلم اللَّدنيّ، وشاع إطلاقُ علمِ الحقيقة والعلمِ
الباطن عليه، ولم يَرتضِ بعضُهم هذا الإطلاقَ، وقال العارف بالله تعالى الشيخ
عبد الوهاب الشعرانيُّ عليه الرحمة في كتابه المسمَّى بـ ((الدرر المنثورة في بيان زبد
العلوم المشهورة)) ما لفظه: وأما زُبدةُ علم التصوُّف الذي وضع القومُ فيه رسائلَهم
فهو نتيجة العمل بالكتاب والسنة، فمن عمِل بما علم تكلَّم بما تكلَّموا، وصار
جميعُ ما قالوه بعضَ ما عنده؛ لأنَّه كلَّما ترقَّى العبد في باب الأدب مع الله تعالى
دقَّ كلامُه على الأفهام، حتى قال بعضهم لشيخه: إنَّ كلامَ أخي فلان يدقُّ عليَّ
فهمه، فقال: لأنَّ لك قميصين، وله قميصٌ واحد، فهو أعلى مرتبةً منك، وهذا هو
الذي دعا الفقهاءَ ونحوَهم من أهل الحجاب إلى تسمية علم الصوفية بالعلم
الباطن، وليس ذلك بباطنٍ، إذ الباطنُ إنما هو علمُ الله تعالى، وأما جميعُ ما علَّمه
(١) في الأصل و(م): بتوقيفنا، وهو تحريف، والمثبت من تفسير البيضاوي ١١٩/٦ (بهامش
حاشية الشهاب) والكلام منه.
(٢) أخرجه الشهاب في مسنده (١١٥١) عن ابن مسعود بهذا اللفظ، وأخرجه البزار (٢٩١٤) من
حديث حذيفة بلفظ: (( ... هذا رسول رب العالمين جبريل نفث في روعي ... ))

سُوَّةُ الكَهْفِ
٤٥٨
الآية : ٦٦
الخلقَ على اختلاف طبقاتهم فهو من العلم الظاهر، لأنَّه ظهر للخلق فاعلم
ذلك(١). انتهى.
والحقُّ أنَّ إطلاقَ العلم الباطن اصطلاحاً على ما وقفوا عليه صحيح،
ولا مشاخَّةَ في الاصطلاح، ووجهُه أنه غيرُ ظاهرٍ على أكثر الناس، ويتوقّف
حصولُه على القوَّة القدسية دون المقدِّمات الفكرية، وإن كان كلُّ علم يتصف بكونه
باطناً وكونه ظاهراً بالنسبة للجاهل به والعالم به، وهذا كإطلاقٍ ((العلم الغريب)»
على علم الأوفاق والطَّّسمات والجفر(٢)، وذلك لقلَّةٍ وجوده والعارفين به، فاعرف
ذلك.
وزعم بعضُهم أنَّ أحكامَ العلم الباطن وعلم الحقيقة مخالفةٌ لأحكام الظاهر
وعلم الشريعة، وهو زعمٌ باطلٌ عاطلٌ، وخيالٌ فاسدٌ كاسدٌ، وسيأتي إن شاء الله
تعالى نقلُ نصوص القوم فيما يردُّه، وأنّه لا مستندَ لهم في قصة موسى والخضر
عليهما السلام.
وقرأ أبو زيد عن أبي عمرو: (لَدُنَا)) بتخفيف النون(٣)، وهي إحدى اللغات في
((لَدُنْ)).
﴿قَالَ لَهُ, مُوسَى﴾ استئنافٌ مبنيٌّ على سؤالٍ نشأ من السياق، كأنه قيل: فما جرى
بينهما من الكلام؟ فقيل: قال له موسى عليه السلام: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىَّ أَنْ تُعَلِّمَنِ﴾
استئذانٌ منه عليه السلام في اتباعه له بشرط التعليم، ويُفهَم ذلك من ((على)) فقد قال
الأصوليون: إنَّ ((على)) قد تُستَعمل في معنّى يُفهَم منه كونُ ما بعدها شرطاً لِمَا
قبلها، كقوله تعالى: ﴿يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَّا يُشْرِكْنَ﴾ [الممتحنة: ١٢] أي: بشرط عدم
الإشراك، وكونُها للشرط بمنزلة الحقيقة عند الفقهاء كما في ((التلويح))، لأنَّها في
أصل الوضع للإلزام، والجزاءُ لازمٌ للشرط، ويلوح بهذا أيضاً كلامُ الفناري في
(١) الدرر المنثورة ص ٥٦، وسلف ١١٧/٤ و٣١٣/٧.
(٢) علم الأوفاق من فروع علم العدد، والوفق جداول مربعة، لها بيوت مربعة، يوضع في تلك
البيوت أرقام عددية، أو حروف بدل العدد بشروط، وتترتب عليه آثار وتصرفات عجيبة.
أبجد العلوم ٧٩/٢ وسلف الكلام عن الطلمسات ٣٦٧/٢، وعن الجفر ٢١٦/٤.
(٣) البحر ١٤٧/٦ .

الآية : ٦٦
٤٥٩
سُورَةُ الكَهْفِ
(بدائع الأصول))، وهو ظاهرٌ في أنها ليست حقيقةً في الشرط، وذكر السرخسيُّ(١)
أنَّه معنَى حقيقيٌّ لها، لكن النحاةَ لم يتعرَّضُوا له، وقد تردّد السبكيُّ في وُرُوده في
كلام العرب، والحقُّ أنَّه استعمالٌ صحيحٌ يشهدُ به الكتابُ، حقيقةً كان أو مجازاً،
ولا ينافي انفهامُ الشرطية تعلّقَ الحرف بالفعل الذي قبله؛ كما قالوا فيما ذكرنا من
الآية، كما أنَّه لا ينافيه تعلُّقَه بمحذوفٍ يقع حالاً كما قيل به هنا، فيكون المعنى:
﴾ أي: علماً ذا رُشدٍ، وهو
هل أتبعك باذلاً تعليمَك إياي؟ ﴿مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا لِ
إصابةُ الخیر .
وقرأ أبو عمرو والحسن والزهريُّ وأبو بحرية وابن محيصن وابن مناذر ويعقوب
وأبو عبيد واليزيديُّ: ((رَشَداً)) بفتحتين(٢)، وأكثرُ السبعة بالضمِّ والسكون(٣)،
وهما لغتان كالبُخْل والبَخَل.
ونصبُه في الأصل على أنه صفةٌ للمفعول الثاني لـ ((تعلِّمني))، ووُصِف به
للمبالغة، لكن أقيم مقامَه بعد حذفه، والمفعول الثاني لـ ((عُلِّمت)) الضمير العائد
على ((ما)) الموصولة، أي: مِن الذي عُلِّمته، والفعلان مأخوذان من ((عَلِمَ)) المتعدِّي
إلى مفعول واحد.
وجوِّز أن يكون ((مما علِّمتَ)) هو المفعول الثاني لـ ((تعلِّمني))، و((رشدا)) بدلٌ
منه، وهو خلافُ الظاهر. وأن يكون ((رشداً)) مفعولاً له لـ ((أتبعك))، أي: هل أتبعك
لأجل إصابة الخير، فيتعيَّن أن يكونَ المفعولُ الثاني لـ ((تعلِّمني)) ((مما علِّمت))؛
لتأويله بـ: بعض ما عُلِّمت، أو: علماً مما علِّمت. وأن يكون مصدراً بإضمار
فعله - أي: أَرْشُد رشداً - والجملة استئنافية والمفعول الثاني ((مما علمت)) أيضاً.
واستشكل طلبه عليه السلام بأنه رسولٌ من أولي العزم، فكيف يتعلَّم من غيره،
والرسولُ لا بدَّ أن يكونَ أعلمَ أهل زمانه؟ ومن هنا قال نوف وأضرابه: إنَّ موسى
هذا ليس هو ابن عمران(٤). وإن كان ظاهر إطلاقه يقتضي أن يكونَ إياه.
(١) في أصوله ١/ ٢٢٢.
(٢) التيسير ص ١٤٤، والنشر ٣١١/٢-٣١٢ عن أبي عمرو ويعقوب، والكلام من البحر ١٤٨/٦.
(٣) التيسير ص١٤٤، والنشر ٣١٢/٢.
(٤) صحيح البخاري (٤٧٢٥)، وصحيح مسلم (٢٣٨٠) (١٧٠).

سُورَةُ الكَهْفِ
٤٦٠
الآية : ٦٦
وأجيب بأنَّ اللازمَ في الرسول أن يكونَ أعلم في العقائد وما يتعلَّق بشريعته،
لا مطلقاً، ولذا قال نبينا وَّه: ((أنتم أعلم بأمور دنياكم))(١). فلا يضرُّ في منصبه أن
يتعلَّم علوماً غيبيةً وأسراراً خفيةً لا تعلُّقَ لها بذلك من غيره، لا سيما إذا كان ذلك
الغير نبيًّا أو رسولاً أيضاً، كما قيل في الخضر عليه السلام، ونظيرُ ما ذكر من وجهٍ
تعلُّمُ عالمٍ مجتهدٍ كأبي حنيفة والشافعيِّ ◌َّا علمَ الجفر مثلاً ممن دونه، فإنَّه لا يخلُّ
بمقامه، وإنكارُ ذلك مكابرة.
ولا يَرِدُ على هذا أنَّ عِلمَ الغيب ليس علماً ذا رُشدٍ، أي: إصابةِ خيرٍ، وموسى
عليه السلام كان بصددٍ تعلَّم علم يصيب به خيراً؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ
اُلْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَاَ مَسَّنِىَ السُّوَةُ﴾ [الأعراف: ١٨٨].
وقال بعضهم: اللازم كونُ الرسول أعلمَ من أمته، والخضر عليه السلام نبيٌّ لم
يُرسَل إليه، ولا هو مأمورٌ باتباع شريعته، فلا ينكر تفرُّدُه بما لم يعلمه غيرُه،
ولا يخفى أنَّه على هذا ليس الخضرُ عليه السلام من بني إسرائيل؛ لأنَّ الظاهرَ
إرسالُ موسى عليه السلام إليهم جميعاً. كذا قيل.
ثم إنَّ الذي أميل إليه أنَّ لموسى عليه السلام علماً بعلم الحقيقة المسمَّى بالعلم
الباطن والعلم اللدني، إلا أنَّ الخضر أعلم به منه، وللخضر عليه السلام سواءٌ كان
نبيًّا أو رسولاً علماً بعلم الشريعة المسمَّى بالعلم الظاهر، إلا أنَّ موسى عليه السلام
أعلمُ به منه، فكلٌّ منهما أعلمُ مِن صاحبه من وجهٍ، ونعت الخضر عليه السلام في
الأحاديث السابقة بأنَّه أعلمُ من موسى عليه السلام، ليس على معنى أنه أعلمُ منه
من كلِّ وجهٍ، بل على معنى أنه أعلمُ من بعض الوجوه وفي بعض العلوم، لكن لمَّا
كان الكلامُ خارجاً مخرج العتب والتأديب أُخرِج على وجهٍ ظاهرُه العمومُ، ونظيرُ
هذا آياتُ الوعيد على ما قيل من أنها مقيَّدةٌ بالمشيئة؛ لكنها لم تُذكر لمزيد
الإرهاب.
وأفعل التفضيل وإن كان للزيادة في حقيقة الفعل إلا أنَّ ذلك على وجهٍ يعمُّ
الزيادةَ في فردٍ منه، ويدلُّ على ذلك صحةُ التقييد بقسم خاصٍّ، كما تقول: زید
(١) أخرجه مسلم (٢٣٦٣) من حديث أنس ظه، وسلف ٢٦٣/١٤.