النص المفهرس
صفحات 421-440
الآية : ٦١ ٤٢١ سُوَّةُ الكَهْفِتَ المذكورةَ ظاهرةٌ في أنَّ العبدَ الذي أُرشِد إليه موسى عليه السلام كان أعلم منه، وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلامُ في ذلك. ﴿فَلَمَّا بَلَغَا﴾ الفاءُ فصيحةٌ، أي: فذهبا يمشيان إلى مجمع البحرين فلمَّا بلغا ﴿يَجْمَعَ بَيْنِهِمَا﴾ أي: البحرين، والأصلُ في ((بين)) النصبُ على الظرفية. وأُخرج عن ذلك بجرِّه بالإضافة(١) اتساعاً، والمرادُ: مجمعَهما، وقيل: مجمعاً في وسطهما، فيكون كالتفصيل لمجمع البحرين، وذكر أنَّ هذا يناسب تفسيرَ المجمع بطنجة أو إفريقية، إذ يراد بالمجمع مُتشغَبُ بحر فارس (٢) والروم من المحيط، وهو هناك. وقيل: (بين)) اسمٌ بمعنى الوصل. وتعقِّب بأنَّ فيه ركاكةً إذ لا حُسنَ في قولك: مجمعَ وصلهما. وقيل: إنَّ فيه مزيد تأكيدٍ، كقولهم: جَدَّ جِدُّه. وجوِّز أن يكونَ بمعنى الافتراق، أي: موضع اجتماع افتراق البحرين، أي: البحرين المفترقين . والظاهرُ أنَّ ضميرَ التثنية على الاحتمالين للبحرين، وقال الخفاجي: يحتمل على احتمال أن يكونَ بمعنى الافتراق عودُه لموسى والخضر عليهما السلام، أي: وصلا إلى موضعٍ وعد اجتماع شملهما فيه، وكذا إذا كان بمعنى الوصل(٣). انتهى. وفيه ما لا يخفى. و((مجمع)) على سائر الاحتمالات اسمُ مكان، واحتمال المصدرية هنا مثله فيما تقدَّم. ﴿فَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ الذي جُعل فقدانُه أمارةَ وجدانِ المطلوب، فقد صحَّ أنَّ الله تعالى حين قال لموسى عليه السلام: ((إنَّ لي بمجمع البحرين مَن هو أعلم. قال موسى: ياربِّ، فكيف لي به؟ قال: تأخذ معك حوتاً فتجعله في مكتلٍ، (١) ورد في هامش الأصل و(م): والإضافة بيانية، أو لاميةٌ. اهـ منه. (٢) في الأصل: إذ يراد بالجمع منشعب مجمع بحر فارس ... والمثبت من (م) وحاشية الشهاب ١١٦/٦، والكلام منه . (٣) حاشية الشهاب ٦/ ١١٧. سُوَّةُ الكَهْفِ ٤٢٢ الآية : ٦١ فحيثما فقدتَ الحوتَ فهو ثمَّ. فأخذَ حوتاً وجعله في مكتل، ثم انطلق وانطلق معه فتاه حتى إذا أتيا الصخرةَ، وكانت عند مجمع البحرين، وضعا رؤسَهما فناما، واضطرب الحوثُ في المكتل فخرج منه فسقط في البحر))(١). والظاهر نسبة النسيان إليهما جميعاً، وإليه ذهب الجمهور، والكلام على تقدير مضافٍ، أي: نسيا حالَ حوتهما، إلا أنَّ الحال الذي نسيه كلٌّ منهما مختلفٌ، فالحال الذي نسيه موسى عليه السلام كونه باقياً في المكتل أو مفقوداً، والحال الذي نسيه يوشع عليه السلام ما رأى من حياته ووقوعه في البحر، وهذا قولٌ بأنَّ يوشع شاهد حياته، وفيه خبرٌ صحيح؛ ففي حديثٍ رواه الشيخان وغيرهما ((أنَّ الله تعالى قال لموسى: خذ نوناً ميِّتاً فهو حيثُ يُنفَخ فيه الروحُ. فأخذ ذلك فجعله في مكتلٍ فقال لفتاه: لا أكلِّفك إلا أن تخبرني بحيث يفارِقُك الحوثُ. قال: ما كلَّفتَ كثيراً. فبينما هما في ظلِّ صخرةٍ إذا تضرَّب(٢) الحوتُ حتى دخل البحر وموسى نائم، فقال فتاه: لا أوقظه. حتى إذا استيقظ نسي أن يخبره))(٣). وفي حديثٍ رواه مسلم وغيره(٤): أنَّ الله تعالى قال له: («آيَةُ ذلك أن تزوَّد حوتاً مالحاً (٥) فهو حيث تفقده. ففعل حتى إذا انتهيا إلى الصخرة انطلق موسى يطلُب، ووضع فتاه الحوتَ على الصخرة، فاضطرب ودخل البحرَ، فقال فتاه: إذا جاء نبيُّ الله تعالى حدَّثْتُه، فأنساه الشيطان)). وزعم بعضٌ أنَّ الناسيَ هو الفتى لا غير، نسي أن يُخبرَ موسى عليه السلام بأمر الحوت، ووجّه نسبة النسيان إليهما بأنَّ الشيء قد يُنسَب إلى الجماعة وإن كان الذي (١) قطعة من حديث ابن عباس عن أبيٍّ، وهو عند البخاري (٣٤٠١)، ومسلم (٢٣٨٠): (١٧٠). (٢) وقع في (م): إذا اضطرب. (٣) صحيح البخاري (٤٧٢٦) وهو قطعة من حديث ابن عباس عن أبي بن كعب، ولم نقف عليه بهذا اللفظ في صحيح مسلم. (٤) صحيح مسلم (٢٣٨٠): (١٧٢)، ومسند أحمد (٢١١١٨)، وهو قطعة من حديث ابن عباس عن أبيٍّ. (٥) ورد هنا في هامش الأصل و(م) ما نصُّه: في رواية: مُملحاً، وفي أخرى: مليحاً. اهـ. والرواية الثانية أخرجها ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق ٤١٣/١٦، والأُولى لم نقف عليها، وأخرجه الطبري في تفسيره ٣٣٢/١٥ بلفظ: ((مملوحة)). الآية : ٦١ ٤٢٣ سُورَةُ الكَهْفَِّ فعله واحداً منهم، وما ذكر هنا نظيرُ: نسي القومُ زادَهم، إذا نسيه متعهِّدُ أمرهم. وقيل: الكلامُ على حذف مضافٍ أي: نسي أحدُهما، والمرادُ به الفتى. وهو كما ترى. وسببُ حياة هذا الحوت على ما في بعض الروايات عن ابن عباس أنَّه كان عند الصخرة ماءُ الحياة، مَن شَرِبَ منه خُلِّدَ، ولا يقارِبه ميِّتٌ إلا حَيِيَ، فأصاب شيءٌ منه الحوتَ فحَيِيَ(١). ورُوي أنَّ يوشع عليه السلام توضَّأ من ذلك الماء، فانتضح شيءٌ منه على الحوت فعاش. وقيل: إنَّه لم يُصِبه سوى رَوْح الماء وبَرْده، فعاش بإذن الله تعالى. وذِكْرُ هذا الماء، وأنَّه ما أصاب منه شيءٌ إلا حَيِيَ، وأنَّ الحوتَ أصاب منه، جاء في صحيح البخاريِّ فيما يتعلَّقُ بسورة الكهف أيضاً (٢)، لكن ليس فيه أنَّه مَن شَرِب منه خُلِّد، كما في بعض الروايات السابقة. ويشكل على هذا البعض أنَّه رُوي أنَّ يوشع شَرِب منه أيضاً مع أنَّه لم يخلَّد (٣)، اللهم إلا أن يقال: إنَّ هذا لا يصحُّ. والله تعالى أعلم. ثم إنَّ هذا الحوتَ كان على ما سمعتَ فيما مرَّ مالحاً، وفي روايةٍ: مشويًّا. وفي بعضٍ أنَّه كان في جملة ما تزوَّداه، وكانا يُصيبان منه عندَ العشاء والغداء، فأحياه الله تعالى وقد أكلا نصفَه. مسلكاً كالسَّرَب وهو النَفَقُ؛ فقد صحَّ من ﴿فَتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِ الْبَحْرِ سَرَبًا ﴾﴾ حديث الشيخين والترمذيِّ والنسائيّ وغيرِهم أنَّ اللهَ تعالى أمسَكَ عن الحوت جِرْيَةً الماءِ فصار عليه مثلُ الطاق(٤)، والمراد به البناءُ المقوَّس كالقنطرة. (١) أخرجه الطبري ٣٢٦/١٥-٣٢٧ من حديث ابن عباس عن أبيٍّ، وفي إسناده الحسن بن عمارة، وهو متروك. وينظر التعليق الآتي. (٢) صحيح البخاري (٤٧٢٧)، وهذه زيادة عند البخاري أنكرها الداودي فيما نقل عنه ابن حجر في الفتح ٤١٥/٨. وينظر كلامه ثمة. (٣) عزاه السيوطي في الدر ٢٣٣/٤ لابن عساكر والروياني. (٤) صحيح البخاري (٤٧٢٥)، وصحيح مسلم (٢٣٨٠)، وهو قطعة من حديث ابن عباس عن ابيّ. سُورَةُ الْكَفَّفِ ٤٢٤ الآية : ٦١ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن الحبر: جعل الحوثُ لا يمسُّ شيئاً من البحر إلَّا يَبِس حتى يكون صخرةً(١). وهذا - وكذا ما سبق - من الأمور الخارقة للعادة التي يُظهِرها سبحانه على مَن شاء من أنبيائه وأوليائه. ونقل الدميريُّ بقاءَ أثر الخارق الأول، قال: قال أبو حامد الأندلسيُّ: رأيتُ سمكةً بقرب مدينة سبتة من نسل الحوت الذي تزوَّده موسى وفتاه عليهما السلام وأكلا منه، وهي سمكةٌ طولُها أكثر من ذراع وعرضُها شبرٌ واحدٌ، [في] جنبيها شوٌ وعظامٌ وجلدٌ رقيقٌ على أحشائها، ولها عينٌ واحدةٌ ورأسُها نصفُ رأسٍ، مَن رآها من هذا الجانب استقذَرَها وحسب أنها ماكولةٌ ميتةٌ، ونصفُها الآخَرُ صحيحٌ، والناسُ يتبرَّكون بها ويُهدُونها إلى الأماكن البعيدة (٢). انتهى. وقال أبو شجاع في كتاب الطبري: أتيتُ به فرأيتُه فإذا هو شقُّ حوتٍ، وليس له إلا عين واحدة(٣). وقال ابن عطية: وأنا رأيتُه أيضاً، وعلى شقِّه قشرةٌ رقيقةٌ ليس تحتَها شوكة(٤). وفيه مخالفةٌ لِمَا في كلام أبي حامد، وأنا سألتُ كثيراً من راكبي البحار ومتتبِّعي عجائب الآثار، فلم يذكروا أنَّهم رأوا ذلك، ولا أُهدي إليهم في مملكةٍ من الممالك، فلعلَّ أمرَه - إن صحَّ كلٌّ من الإثبات والنفْي - صار اليومَ كالعنقاء، كانت فَعُدِمت، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال. والفاءُ على ما يقتضيه كلامُهم فصيحةٌ، أي: فحَيي وسقط في البحر فاتخذ، وقدَّر بعضُهم المعطوفَ عليه الذي تُفصِح عنه الفاءُ بالواو على خلافِ المألوف؛ ليدفع به الاعتراضَ على كون الحال الذي نَسِیه یوشع ما رأى من حياته ووقوعه في البحر بأنَّ الفاء تُؤذِن بأنَّ نسيانَه عليه السلام كان قبلَ حياته ووقوعِه في البحر واتخاذِهِ سرباً، فلا يصحُّ اعتبارُ ذلك في الحال المنسيِّ. (١) تفسير الطبري ٣٣١/١٥، وعزاه لابن أبي حاتم السيوطيُّ في الدر ٢٣٣/٤. وإسناده ضعيف . (٢) حياة الحيوان للدميري ٢٦٩/١، وما سلف بين حاصرتين منه. (٣) تفسير الطبري ٣١٥/١٥. (٤) المحرر الوجيز ٥٢٩/٢، ونقله المصنف من البحر ١٤٦/٦. الآية : ٦٢ ٤٢٥ سُوَّةُ الکھْفِ وأجيب بأنَّ المعتبرَ في الحال هو الحياةُ والوقوعُ في البحر أنفسُهما من غير اعتبارِ أمرٍ آخر، والواقعُ بعدهما من حيث ترتَّبَ عليهما الاتخاذُ المذكور، فهما من حيث أنفُسُهما متقدِّمان على النسيان، ومن حيث ترتُّبُ الاتخاذ متأخران، وهما من هذه الحيثية معطوفان على ((نسيا)) بالفاء التعقيبية. ولا يخفى أنه سيأتي في الجواب - إن شاء الله تعالى - ما يأبى هذا الجوابَ، إلا أن يُلتزَم فيه خلافُ المشهور بين الأصحاب، فتدبّر. وانتصابُ ((سرباً)) على أنه مفعولٌ ثانٍ لـ ((اتخذ))، و((في البحر)) حالٌ منه، ولو تأخّر كان صفةً، أو من السبيل، ويجوز أن يتعلَّق بـ ((اتخذ))، و((في)) في جميع ذلك ظرفيةٌ. وربما يُتوهّم من كلام ابن زيد - حيث قال: إنما اتخذ سبيلَه في البرِّ حتى وصل إلى البحر فعام على العادة(١) - أنَّها تعليليةٌ، مثلها في: ((أنَّ امرأةً دخلت النارَ في هرَّةٍ)(٢)، فكأنَّه قيل: فاتخذ سبيله في البر سرباً لأجل وصوله إلى البحر. ووافقه في كون اتخاذ السَّرَب في البرِّ قومٌ، وزعموا أنَّه صَادَفَ في طريقه في البرِّ حجراً فنقبه، ولا يخفى أنَّ القولَ بذلك خلافُ ما ورد في الصحيح مما سمعتَ، والآيةُ لا تكاد تساعده. وجوِّز أن يكون مفعولًا ((اتخذ)): ((سبيله)) و((في البحر))، و((سَرَباً)) حالٌ من السبيل. وليس بذاك. وقيل: حالٌ من فاعل ((اتخذ)) وهو بمعنى التصرُّف والجولان، من قولهم: فحلٌ ساربٌ، أي: مهمَلٌ يرعى حيثُ شاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَسَارِبٌ بِالنَّارِ﴾ [الرعد: ١٠] وهو في تأويل الوصف، أي: اتخذ ذلك في البحر متصرَّفاً. ولا يخفى أنه نظير سابقه. ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا﴾ أي: ما فيه المقصد من مجمع البحرين، صحَّ ((أَّهما انطلقا بقيةً يومهما وليلتهما حتى إذا كان الغدُ وارتفع النهارُ أحسَّ موسى عليه السلام بالجوع فعند ذلك ﴿قَالَ لِفَتَنْهُ ءَائِنَا غَدَآءَنَا﴾))(٣). وهو الطعام الذي يؤكل أولَ النهار، (١) البحر ١٤٥/٦. والعوم: السباحة، وبابه قال. (٢) أخرجه البخاري (٣٣١٨)، ومسلم (٢٢٤٣) من حديث أبي هريرة . (٣) صحيح البخاري (٤٧٢٥)، وصحيح مسلم (٢٣٨٠)، وهو قطعة من حديث ابن عباس عن ابيّ څ. سُورَةُ الكَهْفِ ٤٢٦ الآية : ٦٢ والمراد به الحوثُ على ما يُنبئ عنه ظاهرُ الجواب، وقيل: سارا ليلتَهما إلى الغد فقال ذلك. ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (﴾ أي: تعباً وإعياءً، و((هذا)» إشارةٌ إلى سفرهم الذي هم ملتبسون به ولكن باعتبار بعضٍ أجزائه، فقد صحَّ أنه وَلِّ قال: (لم يجد موسى شيئاً من النصب حتى جاوَزَ المكانَ الذي أُمِر به))(١). وذُكر أنه يُفهم من الفحوى والتخصيصٍ بالذكر أنَّه لم ينصَب في سائر أسفاره، والحكمةُ في حصول الجوع والشَّعَب له حين جاوز أن يطلُبَ الغداءَ فيذكر الحوثَ فيرجعَ إلى حيث يجتمع بمراده. وعن أبي بكر غالب بن عطية والد أبي [محمد] (٢) عبد الحق المفسِّر قال: سمعتُ أبا الفضل الجوهريَّ يقول في وعظه: مشى موسى إلى المناجاة فبقي أربعين يوماً لم يحتج إلى طعام، ولمَّا مشى إلى بَشَرٍ لحقه الجوُ في بعض يوم(٣). والجملة في محلِّ التعليل للأمر بإيتاء الغداء: إمَّا باعتبارِ أنَّ النصَبَ إنما يعتري بسبب الضَّعف الناشئ عن الجوع، وإمَّا باعتبارِ ما في أثناء التغدِّي من استراحةٍ ما. وقرأ عبد الله بن عبيد بن عمير: ((نُصُباً)) بضمتين (٤)، قال صاحب ((اللوامح)): وهي إحدى اللغات الأربع في هذه الكلمة. (١) قطعة من الحديث السابق. (٢) ما بين حاصرتين ساقط من الأصل و(م) ومطبوع البحر ١٤٦/٦ وعنه نقل المصنف، والمثبت هو الصواب، ينظر تاريخ الإسلام ٧٨٧/١١، وطبقات المفسرين للداودي ١/ ٢٦٠، وهذا الكلام ذكره أبو محمد ابن عطية عن أبيه في المحرر الوجيز ٥٢٩/٢ . وأبو بكر غالب هو ابن عبد الرحمن بن غالب بن عطية المحاربي الغرناطي، كان حافظاً للحديث، وعارفاً بأسماء الرجال، وكان ديّاً فاضلاً. كفّ بصره في آخر عمره، توفي (٥١٨ هـ). تاريخ الإسلام للذهبي ٢٩٤/١١. (٣) المحرر الوجيز ٥٢٩/٢، وأبو الفضل الجوهري هو عبد الله بن الحسين المصري الواعظ، روی عن أبي سعد الماليني، وروى عنه أبو عبد الله الحميدي. توفي سنة (٤٨٠هـ). تاريخ الإسلام للذهبي ٤٥٣/١٠-٤٥٤. (٤) القراءات الشاذة ص ٨٠، والبحر ١٤٥/٦. وزاد ابن خالويه أنه قرأ: ((سَفْرِنا)) بإسكان الفاء. وعبد الله بن عبيد هو أبو الهاشم الليثي المكي، تابعي جليل. مات سنة (١١٣ هـ). غاية النهاية ٤٣٠/١. الآية : ٦٣ ٤٢٧ سُوَّةُ الْكَهْفِ ﴿قَالَ﴾ أي: فتاه، والاستئنافُ بيانيٌّ، كأنه قيل: فما صنع الفتى حين قال له موسى عليه السلام ما قال؟ فقيل: قال: ﴿أَرَعَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ أي: التجأنا إليها وأقمنا عندها. وجاء في بعض الروايات الصحيحة أنَّ موسى عليه السلام حين قال لفتاه: ((لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا)) قال: قد قطع الله عنك النصب(١)، وعلى هذا فيحتمل أنَّه بعد أن قال ذلك قال: ((أرأيت)) إلخ. قال شيخ الإسلام: وذكر الإواء إلى الصخرة مع أنَّ المذكور فيما سبق بلوغُ مجمع البحرين؛ لزيادة تعيين محلِّ الحادثة فإنَّ المجمع محلٌّ متَّسعٌ لا يمكن تحقيقُ المراد بنسبة الحادثة إليه، ولتمهيد العذر فإنَّ الإواء إليها والنومَ عندها مما يؤدِّي إلى النسيان عادةً (٢). انتهى. وهذا الأخير إنَّما يتمُّ على بعض الروايات من أنَّهما ناما عند الصخرة(٣). وذُكر أنَّ هذه الصخرةَ قريبةٌ من نهر الزيت وهو نهرٌ مَعينٌ، عنده كثيرٌ من شجر الزيتون . و((أرأيت)) قيل: بمعنى: أَخِرْني، وتعقَّبه أبو حيان بأنَّها إذا كانت كذلك فلا بدَّ لها من أمرين: كونُ الاسم المستخبر عنه معها، ولزومُ الجملة التي بعدها الاستفهام، وهما مفقودان هنا، ونقل هو وناظر الجيش في ((شرح التسهيل)) عن أبي الحسن الأخفش أنَّه يرى أنَّ ((أرأيت)) إذا لم يُر بعدها منصوبٌ ولا استفهامٌ، بل جملةٌ مصدَّرةٌ بالفاء كما هنا، مُخْرَجةٌ عن بابها ومضمَّنةٌ معنى ((أمَّا)) أو ((تَنَبَّهْ))، فالفاءُ جوابُها لا جوابُ ((إذ))؛ لأنَّها لا تُجازَى إلا مقرونةً بـ ((ما)) بلا خلاف، فالمعنى: أمَّا - أو تنبَّهْ ـ إذ أوينا إلى الصخرة ﴿فَإِ نَسِيتُ الْحُوتَ﴾. وقال شيخُ الإسلام: الرؤيةُ مستعارةٌ للمعرفة التامَّة والمشاهدة الكاملة، ومرادُه بالاستفهام تعجيبُ موسى عليه السلام مما اعتراه هناك من النسيان مع كون ما شاهده من العظائم التي لا تكاد تُنسى، وقد جعل فقدانَه علامةً لوجدان (١) صحيح البخاري (٤٧٢٦)، وهو قطعة من حديث ابن عباس عن أبيٍّ ◌َ﴿ته. (٢) تفسير أبي السعود ٢٣٣/٥. (٣) صحيح البخاري (٤٧٢٥)، وهو قطعة من حديث ابن عباس عن أبيّ . سُودَةُ الكَهْفِّ ٤٢٨ الآية : ٦٣ المطلوب، وهذا أسلوبٌ معتادٌ بين الناس، يقول أحدُهم لصاحبه إذا نابه خطب: أرأيتَ ما نابني؟ يريد بذلك تهويلَه وتعجيبَ صاحبه منه وأنَّه مما لا يعهَدِ وقوعُه، لا استخبارَه عن ذلك كما قيل. والمفعولُ محذوفٌ اعتماداً على ما يدلُّ عليه من قوله: ((فإني)) إلخ، وفيه تأكيدٌ للتعجيب وتربيةٌ لاستعظام المنسيِّ(١). اهـ. وفيه من القصور ما فيه. والزمخشريُّ جعله استخباراً فقال: إنَّ يوشع عليه السلام لمَّا طلب منه موسى عليه السلام الغداءَ ذكر ما رأى من الحوت وما اعتراه من نسيانه إلى تلك الغاية، فدُهِش فطفق يسأل عن سبب ذلك، كأنه قال: أرأيت ما دهاني إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت. فحُذِف ذلك(٢). اهـ. وفيه إشارةٌ إلى أنَّ مفعولَ ((أرأيت)) محذوفٌ، وهو إما الجملةُ الاستفهاميةُ إن كانت ((ما)) في (ما دهاني) للاستفهام، وإما نفسُ ((ما)) إن كانت موصولةً، وإلى أنَّ ((إذ)) ظرفٌ متعلِّقٌ بـ ((دهاني)) وهو سببٌ لِمَا بعدَ الفاء في ((فإني)) وهي سببية، ونظيرُ ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ، فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِنْكُ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف: ١١] فإنَّ التقدير: وإذا لم يهتدوا به ظهر عنادُهم فسيقولون .. إلخ، وهو قولٌ بأنَّ ((أرأيت)) بمعنى: أَخِرْني، وقد سمعتَ ما قيل عليه. وفي تقديره أيضاً على الاحتمال الثاني في ((ما))(٣) حذفُ الموصول مع جزء الصلة بناءً على أنَّ ((فإني نسيت)) من تتمتها، وعلى العلات ليس المرادُ من الاستخبار حقيقته، بل تهويل الأمر أيضاً. ثم لا يخفى أنَّ ((رأى)) إن كانت بصريةً أو بمعنى ((عرف)) احتاجت إلى مفعولٍ واحدٍ، والتقديرُ عند بعض المحقّقين، أَبْصَرتَ، أو: أعرفتَ حالي إذ أوينا، وفيه تقليلٌ للحذف، ولا يخفى حسنه، وإن كانت عِلْميةً احتاجت إلى مفعولين، وعلى هذا قال أبو حيان: يمكن أن تكونَ مما حُذِف منه المفعولان اختصاراً، والتقديرُ: أرأيتَ أمرَنا إذ أوينا ما عاقبته. (١) تفسير أبي السعود ٢٣٣/٥. (٢) الكشاف ٢/ ٤٩٢. (٣) في (م): ما في، بدل: في ما. الآية : ٦٣ ٤٢٩ سُورَةُ الكَهْفِ وإيقاع النسيان على اسم الحوت دون ضمير الغداء مع أنَّه المأمورُ بإيتائه قيل: للتنبيه من أول الأمر على أنَّه ليس من قبيل نسيانِ [المسافر](١) زاده في المنزل، وأنَّ ما شاهده ليس من قبيل الأحوال المتعلّقة بالغداء من حيث هو غداءٌ وطعامٌ، بل من حيث هو حوثٌ كسائر الحيتان مع زيادة. وقيل: للتصريح بما في فقده إدخال السرور على موسى عليه السلام مع حصول الجواب، فقد تقدَّم رواية أنَّه قال له: لا أكلِّفك إلا أن تخبرني بحيثُ يفارقك الحوت(٢). ثم الظاهر أنَّ النسيان على حقيقته، وهو ليس متعلِّقاً بذات الحوت بل بذِكرِه. وجوّز أن يكونَ مجازاً عن الفَقْد فيكون متعلِّقاً بنفس الحوت. والأكثرون على الأول، أي: نسيتُ أن أذكرَ لك أمرَ الحوت وما شاهدتُ من عجيب أمره. ﴿وَمَآ أَنْسَئِنِيهُ إِلَّا الشَّيْطَنُ﴾ لعلَّه شغله بوساوسَ في الأهل ومفارَقةِ الوطن، فكان ذلك سبباً للنسيان بتقدير العزيز العليم، وإلا فتلك الحالُ مما لا تُنسى. وقال بعضهم: إنَّ يوشع كان قد شاهد من موسى عليه السلام المعجزاتِ القاهراتِ كثيراً، فلم يبقَ لهذه المعجزة وقعٌ عظيمٌ لا يؤثِّر معه الوسوسةُ فنسي. وقال الإمام: إنَّ موسى عليه السلام لما استعظمَ عِلمَ نفسِه، أزال الله تعالى عن قلب صاحبه هذا العلمَ الضروريَّ؛ تنبيهاً لموسى عليه السلام على أنَّ العلم لا يحصُل إلَّا بتعليم الله تعالى وحفظه على القلب والخاطر(٣). وأنت تعلم أنَّه لو جعل الله تعالى المُشاهِدَ الناسيَ هو موسى عليه السلام كان أتمَّ في التنبيه. وقد يقال: إنَّه أُنسي تأديباً له بناءً على ما تقدَّم من أنَّ موسى عليه السلام لمَّا قال له: ((لا أُكلِّفك)) إلخ، قال له: ما كلَّفْتَ كثيراً (٤)، حيث استسهل الأمرَ ولم يُظهِر الالتجاءَ فيه إلى الله تعالى بأن يقول: أُخبِرُك إن شاء الله تعالى. وفيه أيضاً عتابٌ لموسى عليه السلام حيث اعتمد عليه في العلم بذهاب الحوت فلم يحصل له حتى نَصَبَ. (١) زيادة من تفسير أبي السعود ٢٣٣/٥، والكلام منه. (٢) ينظر ص ٤٢٢ من هذا الجزء. (٣) التفسير الكبير ١٤٦/٢١ -١٤٧. (٤) ينظر ص ٤٢٢ من هذا الجزء. سُوَرَّةُ الكَهْفِ ٤٣٠ الآية : ٦٣ ثم إنَّ هذه الوسوسةَ لا تضُرُّ بمقام يوشع عليه السلام وإن قلنا: إنه كان نبيًّا وقتَ وقوعِ هذه القصة. وقال بعضُ المحقّقين: لعلَّه نَسي ذلك لاستغراقه في الاستبصار، وانجذابٍ شراشرِه إلى جناب القدس بما اعتراه من مشاهدة الآيات الباهرة، وإنما نسبه إلى الشيطان مع أنَّ فاعلَه الحقيقيَّ هو الله تعالى، والمجازيَّ هو الاستغراق المذكورُ؛ هضماً لنفسه بجعل ذلك الاستغراق والانجذابِ لشَغْلِه عن التيقُّظِ للموعِد الذي ضربه الله تعالى بمنزلة الوساوس، ففيه تجوُّزٌ باستعارةِ الشيطان المطلَق الشاغل، وفي الحديث: ((إنَّه ليُغان على قلبي فأستغفِرُ اللهَ تعالى في اليومِ سبعين مرةً))(١). أو لأنَّ عدمَ احتمالِ القوَّة للجانبَيْن واشتغالها بأحدهما عن الآخر يُعدُّ من نقصان صاحبِها وتركِه المجاهداتِ والتصفيةِ، فيكون قد تجوَّزَ بذلك عن النقصان لکونه سببه . وضَمَّ حفصٌ الهاءَ في: ((أَنسَانِيهُ))، وهو قليلٌ في مثل هذا التركيب قِلَّة النسيان في مثل هذه الواقعة، والجمهورُ على الكسرِ (٢)، وأمال الكسائيُّ فتحةً السين(٣). وقولُه تعالى: ﴿أَنْ أَذَّكُرَهُ﴾ بدلُ اشتمالٍ من الهاء، أي: ما أنساني ذكرَه لك إلا الشيطانُ، قيل: وفي تعليق الفعل بضمير الحوتِ أولاً وبذكره له ثانياً على طريق الإبدالِ المُنبئ عن تنحية المبدَلِ منه إشارةٌ إلى أنَّ متعلَّق النسيان أيضاً(٤) ليس نفس الحوت بل ذكر أمره. وفي مصحف عبد الله وقراءتِه: ((أَن أُذكِّرَكَ))(٥) . وفي إيثار ((أنْ)) والفعل على المصدر نوعُ مبالغةٍ لا تخفى. (١) أخرجه مسلم (٢٧٠٢) (٤١) من حديث الأغرّ بن يسار المزني ظُه، وسلف ٣٠٤/١. (٢) التيسير ص١٤٤، والنشر ٣١١/٢. (٣) التيسير ص٤٦، والنشر ٣٥/٢. (٤) لفظة: أيضاً، سقطت من (م)، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٢٣٣/٥، والكلام منه. (٥) الكشاف ٤٩٢/٢، وجاء في تفسير الطبري ٣١٧/١٥، والمحرر الوجيز ٥٢٩/٢ أن في مصحف عبد الله: ((وما أَنْسَانِيهُ أَن أُذَكِّرَكَه إلَّا الشيطان))، وفي تفسير القرطبي ٣٢٢/١٣، والبحر ٦/ ١٤٧ أن فيه: ((أن أذكره إلَّا الشيطان)). الآية : ٦٣ ٤٣١ سُورَةُ الكَهْفَِّ ﴿وَتَّخَذَ سَبِيلَهُ، فِ الْبَحْرِ عَبً (®﴾ الظاهرُ الذي عليه أكثرُ المفسرين أنَّ مجموعَه كلامُ يوشع، وهو تتمةٌ لقوله: ((فإني نسيت الحوت))، وفيه إنباءٌ عن طرفٍ آخر من أمره، وما بينهما اعتراضٌ قُدِّم عليه للاعتناء بالاعتذار، كأنه قيل: حَيي واضطَربَ ووقع في البحر واتَّخَذَ سبيله فيه سبيلاً عجباً، فـ (سبيله)) مفعولٌ أوَّل لـ (اتخذ))، و (في البحر)) حالٌ منه، و((عجباً)) مفعولٌ ثانٍ. وفي ذكر السبيل ثم إضافته إلى ضمير الحوت ثم جعلٍ الظرف حالاً من المضاف تنبيهٌ إجماليٍّ على أنَّ المفعولَ الثاني من جنس الأمور الغريبة، وفيه تشويقٌ للمفعول الثاني، وتكريرٌ مفيدٌ للتأكيد المناسب للمقام، فهذا التركيبُ في إفادة المراد أوفَى لحقِّ البلاغة من أن يقال: واتخذ في البحر سبيلاً عجباً. وجوِّز أن يكون ((في البحر)) حالاً من ((عجباً))، وأن يكون متعلِّقاً بـ ((اتخذ))، وأن يكون المفعولَ الثاني له و((عجباً)) صفة مصدرٍ محذوفٍ، أي: اتخاذاً عجباً، وهو كونُ مسلكِه كالطاق والسَّرَب. وجوِّز أيضاً على احتمال كونِ الظرف مفعولاً ثانياً أن يُنصَب ((عجباً) بفعلٍ منه مضمرٍ، أي: أَعجبُ عجباً، وهو من كلام يوشع عليه السلام أيضاً، تَعَجَّبَ من أمر الحوت بعد أن أخبَرَ عنه. وقيل: إنَّ كلامَ يوشع عليه السلام قد تمَّ عند ((البحر))، وقولُ: أعجَبُ عجباً، كلامُ موسى عليه السلام، كأنه قيل: وقال موسى: أعجبُ عجباً من تلك الحال التي أخبرتَ بها. وأنت تعلم أنَّه لو كان كذلك لجيء بالجملة الآتية بالواو العاطفة على هذا المقدَّر. وقيل: يحتمل أن يكونَ المجموعُ من كلامه عزَّ وجل، وحينئذٍ يحتمل وجهين : أحدُهما: أن يكون إخباراً منه تعالى عن الحوت بأنَّه اتخذ سبيلَه في البحر عجباً للناس. وثانيهما: أن يكون إخباراً منه سبحانه عن موسى عليه السلام بأنَّه اتخذ سبيل الحوت في البحر عجباً يتعجَّب منه، و((عجباً)) على هذا مفعولٌ ثانٍ، ولا ركاكةً في تأخير ((قال)) الآتي عنه على هذا؛ لأنَّه استئنافٌ لبيانِ ما صدر منه عليه السلام بعدُ. سُورَةُ الكَهْفِ ٤٣٢ الآية : ٦٤ - ٦٥ ويؤيِّد كونَه من كلام يوشع عليه السلام قراءةُ أبي حيوة: ((واتخاذَه بالنصب(١)، على أنَّه معطوفٌ على المنصوب في ((أذكُرَه)). ﴿قَالَ﴾ أي: موسى عليه السلام ﴿ذَلِكَ﴾ أي: الذي ذكرتَ من أمر الحوت ﴿مَا كُنَّا نَبْغَّ﴾ أي: الذي كنّا نطلُبه من حيث إنه أمارةٌ للفوز بما هو المطلوبُ بالذات. وقرئ: (نَبْغِ)) بغير ياء في الوصل(٢)، وإثباتُها أحسنُ، وهي قراءةُ أبي عمرو والكسائيّ ونافع(٣). وأما الوقفُ فالأكثر فيه طرحُ الياء اتباعاً لرسم المصحف، وأَثبَتَها في الحالَيْنِ ابنُ كثيرٍ(٤). ﴿فَأَرْتَدًا﴾ أي: رجعا ﴿عَلَى ءَاتَارِهِمَا﴾ الأولى، والمراد: طريقهما الذي جاءا منه، ﴿قَصَصًا ﴾﴾ أي: يقُصَّانها (٥) قصصاً، أي: يتَّبعانها اتِّباعاً، فهو من: قصَّ أثرَه: إذا اتَّبعه، كما هو الظاهر، ونصبُه على أنَّه مفعولٌ لفعلٍ مقدَّرٍ من لفظه. وجوِّز أن يكونَ حالاً مؤوَّلاً بالوصف، أي: مقتصِّين حتى أتيا الصخرةَ التي نُقِد الحوتُ عندها . ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا﴾ الجمهورُ على أنَّه الخَضِر، بفتح الخاء وقد تُكسر، وكسر الضاد وقد تسگَّن، وقيل: اليسع. وقيل: إلياس. وقيل: ملكٌ من الملائكة، وهو قولٌ غريب باطلٌ كما في ((شرح مسلم) (٦) . والحُّ الذي تشهد له الأخبارُ الصحيحة هو الأول، والخَضرُ لقبُه، ولُقِّب به كما أخرج البخاريُّ وغيره عن رسول اللهِ وَِّ((لأنَّ جَلَس على فَرْوَةٍ بيضاءَ، فإذا هي (١) القراءات الشاذة ص٨١، والبحر ٦/ ١٤٧. (٢) التيسير ص ١٤٧، والنشر ٣١٦/٢، وهي قراءة عاصم وابن عامر وحمزة، ويعقوب وخلف. (٣) التيسير ص١٤٧، وهي قراءة أبي جعفر من العشرة كما في النشر ٣١٦/٢. (٤) التيسير ص١٤٧، وهي قراءة يعقوب من العشرة كما في النشر ٣١٧/٢. (٥) في (م): يقصانه. (٦) للنووي ١٣٦/١٥. الآية : ٦٥ ٤٣٣ سُودَةُالگھْفِ تهتزُّ مِن خَلفِهِ خَضْراء)»(١). وأخرج ابن عساكر وجماعة عن مجاهد أنه لُقِّب بذلك لأنَّه إذا صلى اخضرَّ ما حوله (٢). وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة أنَّ ذلك لأنه كان إذا جلس في مكان اخضرَّ ما حوله، وكانت ثيابُه خَضِراً. وأخرج عن السدِّي أنه إذا قام بمكانٍ نبت العشبُ تحت رِجليه حتى يُغِّي قدميه(٣). وقيل: لإشراقه وحسنه. والصوابُ - كما قال النوويُّ(٤) - الأولُ. وكنيته أبو العباس، واسمه بَلْيا بموحدة مفتوحة ولام ساكنة وياء مثناة تحتية. وفي آخره ألف، قيل: ممدودةٌ. وقيل: أبليا، بزيادة همزة في أوله. وقيل: عامر. وقيل: أحمد. ووهَّاه ابن دحية بأنَّه لم يسمَّ قبلَ نبينا وَّر أحدٌ من الأمم السالفة بأحمد(٥). وزعم بعضُهم أنَّ اسم الخضر اليسعُ، وأنه إنما سُمِّي بذلك لأنَّ علمه وَسِعَ ستَّ سماوات وستَّ أرضين، ووهَّاه ابن الجوزي(٦)، وأنت تعلم أنه باطلٌ لا واهٍ، ومثله القول بأنَّ اسمَه إلیاس. واختلفوا في أبيه فأخرج الدارقطني في ((الأفراد)) وابن عساكر من طريق (١) صحيح البخاري (٣٤٠٢)، وهو عند أحمد في مسنده (٨١١٣)، وابن حبان في صحيحه (٦٢٢٢)، جميعهم عن أبي هريرة ◌ُبه. والفروة: أرض بيضاء ليس فيها نبات. ووقع في رواية عند أحمد (٨٢٢٨) الفروة: الحشيش الأبيض وما أشبهه. قال أحمد: أظن هذا تفسيراً من عبد الرزاق. (٢) تاريخ مدينة دمشق ١٦/ ٤٠٢، وعزاه السيوطي لسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم في الدر ٤/ ٢٣٤ . (٣) قول عكرمة والسدي عزاهما لابن أبي حاتم السيوطي في الدر ٢٣٦/٤. (٤) في شرح صحيح مسلم ١٣٦/١٥ . (٥) عمدة القاري ٦٠/٢، وابن دحية هو أبو الخطاب عمر بن حسن، توفي (٦٣٣ هـ)، وكان صاحب علم وفضل، إلّا أنه كان يدعي أشياء لا حقيقة لها. تاريخ الإسلام للذهبي ١١٣/١٤. (٦) المصدر السابق. سُوَدَّةُ الكَهْفِ ٤٣٤ الآية : ٦٥ مقاتل بن سليمان عن الضحاك عن ابن عباس أنه ابن آدم الصلبه (١). وأخرج ابن عساكر عن سعيد بن المسيب أنَّ أمَّه روميةٌ وأبَاه فارسيٍّ(٢). ولم يذكر اسمه، وذكر أنَّ إلياس أخوه من هذه الأم وهذا الأب. وأخرج أيضاً عن أسباط عن السديِّ أنَّه ابن ملكٍ من الملوك، وكان منقطعاً في عبادة الله تعالى، وأحبّ أبوه أن يزوِّجه فأبى، ثم أجاب فزوَّجه بامرأة بكرٍ، فلم يقربْها سنةً، ثم بثيِّبٍ فلم يقربها، ثم فرَّ فطلبه فلم يقدر عليه، ثم تزوَّجت امرأتُه الأولى، وكانت قد آمنت، وهي ماشطةُ امرأة فرعون(٣). ولم يذكر أيضاً اسم أبيه. وقيل: إنَّه ابنُ فرعون، على ما قيل: إنه أبوه، وسبحان مَن يُخرج الحيَّ من الميت ويُخرج الميِّتَ من الحيِّ. وأخرج أبو الشيخ في ((العظمة)) وأبو نعيم في ((الحلية)) عن كعبِ الأَحبارِ أنَّه ابنُ عاميل، وأنَّه رَكب في نفرٍ من أصحابه حتى بلغ بحرَ الهند، وهو بحرُ الصين، فقال: يا أصحابي، دَلُّوني، فدَلَّه في البحر أياماً وليالي، ثم صعد فقال: استقبلني ملك فقال لي: أيها الآدميُّ الخطّاء، إلى أين ومن أين؟ فقلتُ: أردتُ أن أنظرَ عمقَ هذا البحر، فقال لي: كيف، وقد أهوى رجلٌ من زمانٍ داود عليه السلام، ولم يبلغ ثُلُثَ قعره حتى الساعة، وذلك ثلاث مئة سنة (٤). وأظنُّك لا تشكُّ بكذب هذا الخبر وإن قيل: حدِّث عن البحر ولا حرج. وقيل: هو ابن العيص. وقيل: هو ابن كَلْيان، بكاف مفتوحة ولام ساكنة وياء مثناة تحتية بعدها ألف ونون. (١) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ١٦/ ٤٠٠ من طريق الدارقطني، وعزاه للدار قطني السيوطي في الدر ٢٣٤/٤. وقال الحافظ ابن حجر في ((الزهر النضر في أحوال الخضر) ص١٨ عن رجال هذا السند: ورؤَّاد ضعيف، ومقاتل متروك والضحاك لم يسمع من ابن عباس. (٢) تاريخ مدينة دمشق ١٦ / ٤٠١. (٣) تاريخ مدينة دمشق ٤١٩/١٦. (٤) العظمة (٩٢٨)، وحلية الأولياء ٦/ ٧. الآية : ٦٥ ٤٣٥ سُوَدَّةُ الكَهْفِ وقال ابن قتيبة في ((المعارف)): قال وهب بن منبه: إنَّه ابن مَلْكان - بفتح الميم وإسكان اللام - ابن فالغ بن عابر بن شالخ(١) بن أرفخشذ بن سام بن نوح عليه السلام. ولم يَصحَّ عندي شيءٌ من هذه الأقوال، بيدَ أنَّ صنيع النووي عليه الرحمة في (شرح مسلم)) يُشعِر باختيارِ أنَّه بليا بن ملكان(٢)، وهو الذي عليه الجمهورُ، والله تعالى أعلم. وصحَّ من حديث البخاريِّ وغيرِهِ أنَّهما ((رجعا إلى الصخرة وإذا رجلٌ مسجّى بثوبٍ قد جعل طرفَه تحت رجليه، وطرفَه الآخرَ تحت رأسه))(٣). وفي ((صحيح مسلم)): ((فأتيا جزيرةً فوجدا الخضرَ قائماً يصلِّي على طنْفسَةٍ خضراء على كبد البحر)) (٤). وقال الثعلبي: انتهيا إليه وهو نائم(٥) على طنفسَةٍ خضراء على وجه الماء وهو مسجّی بثوپٍ أخضر. وقيل: إنَّ سبيلَ الحوت عاد حجراً، فلما جاءا إليه مَشَيا عليه حتى وصلا إلى جزيرةٍ فيها الخضر. وصحَّ ((أنَّهما لمَّا انتهيا إليه سلَّم موسى، فقال الخضر: وأنَّى بأرضِكَ السلامُ. فقال: أنا موسى. فقال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم))(٦). (١) كذا في الأصل و(م): بالخاء المعجمة، وفي مطبوع المعارف ص٤٢: شالح، بالحاء المهملة. (٢) في الأصل و(م): ملكا، بغير نون، والمثبت من شرح مسلم ١٣٦/١٦. (٣) صحيح البخاري (٤٧٢٦) وهو في مسند أحمد (٢١١١٩)، وهو قطعة من حديث ابن عباس عن أبيّ (٤) لم نقف عليه في صحيح مسلم، وفي الحديث السابق عند أحمد والبخاري: ((فوجدا خضراً على ◌ِنْفِسَةٍ خضراء على كبد البحر)). وليس فيه: قائماً يصلي. وينظر عمدة القاري ٢/ ١٩٤. (٥) كذا في الأصل و(م) وتفسير القرطبي ٣٢٤/١٣، وفي مطبوع قصص الأنبياء المسمى (عرائس المجالس)) للثعلبي ص ٢٢٧ : قائم يصلي. (٦) أخرجه البخاري (٤٧٢٥)، ومسلم (٢٣٨٠) وهو قطعة من حديث ابن عباس عن أُبَيّ بن کعب سُورَةُ الكَهْفِ ٤٣٦ الآية : ٦٥ ورُوي أنَّه لمَّا سلَّم عليه وهو مسجّى، عرفه أنَّه موسى، فرفع رأسَه فاستوى جالساً وقال: وعليك السلام يا نبيَّ بني إسرائيل، فقال موسى: وما أدراك بي، ومَن أخبرك أنِّي نبيُّ بني إسرائيل؟ فقال: الذي أدراك بي ودلَّك عليَّ، ثمَّ قال: ياموسى، أما يكفيك أنَّ التوراةَ بيدك وأنَّ الوحْيَ يأتيك؟ قال موسى: إنَّ ربي أرسلني إليك لأتبعَك وأتعلَّم من علمك. والتنوين في ((عبداً)) للتفخيم، والإضافةُ في ((عبادِنا)) للتشريف والاختصاصِ، أي: عبداً جليلَ الشأن ممن اختصَّ بنا وشرُف بالإضافة إلينا . ﴿مَانَيْنَهُ رَحْمَةٌ مِّنْ عِندِنَا﴾ قيل: المرادُ بها الرزقُ الحلال والعيشُ الرغد. وقيل: العُزلة عن الناس وعدمُ الاحتياج إليهم. وقيل: طولُ الحياة مع سلامة البنية. والجمهورُ على أنَّها الوخيُ والنبوةُ، وقد أُطلِقت على ذلك في مواضع من القرآن، وأخرج ذلك ابن أبي حاتم عن ابن عباس(١). وهذا قولُ مَن يقول بنبوته عليه السلام، وفيه أقوالٌ ثلاثة، فالجمهورُ على أنَّه عليه السلام نبيٌّ وليس برسولٍ. وقيل: هو رسولٌ. وقيل: هو وليٍّ، وعليه القشيريُّ وجماعةٌ. والمنصورُ ما عليه الجمهور، وشواهدُه من الآيات والأخبارِ كثيرةٌ، وبمجموعها یکاد یحصلُ الیقین. وكما وقع الخلافُ في نبوته وقع الخلافُ في حياته اليومَ، فذهب جمعٌ إلى أنَّه ليس بحيٍّ اليومَ، وسئل البخاريُّ عنه وعن إلياس عليهما السلام: هل هما حيَّان؟ فقال: كيف يكون هذا وقد قال النبيُّ وَل ه ـ أي: قبل وفاته بقليل -: ((لا يبقى على رأسِ المئة ممن هو اليومَ على ظهر الأرض أحدٌ))(٢)؟ والذي في ((صحيح مُسلم)) عن جابر قال: قال رسول الله وَل﴿ قبل موته: ((ما من نفْسٍ منفوسةٍ [اليوم] يأتي عليها مئةُ سنةٍ وهي يومئذٍ حية))(٣). وهذا أبعدُ عن التأويل. (١) عزاه لابن أبي حاتم السيوطي في الدر ٢٣٦/٤. (٢) أخرج المرفوع البخاري في صحيحه (١١٦) من حديث ابن عمر، والقصة رواها النقاش کما ذکر ابن الجوزي في زاد المسير ١٦٨/٥ . (٣) صحيح مسلم (٢٥٣٨) وما بين حاصرتين منه. الآية : ٦٥ ٤٣٧ سُورَةُ الكَهْفِ وسئل عن ذلك غيرُه من الأئمة فقرأ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلِّّ﴾. [الأنبياء: ٣٤]. وسئل عنه شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: لو كان الخضر حيًّا لوجب عليه أن يأتي إلى النبيِّ وَّه ويجاهدَ بين يديه ويتعلَّم منه، وقد قال النبيُّ وَّهِ يومَ بدر: ((اللّهمَّ إن تَهلِك هذه العصابةُ لا تُعبَد في الأرض)). فكانوا ثلاث مئة وثلاثة عشر رجلاً معروفين بأسمائهم وأسماءِ آبائهم وقبائلهم، فأين كان الخضر حينئذٍ؟!(١). وسئل إبراهيم الحربيُّ عن بقائه فقال: من أحال على غائبٍ لم ينتصف منه، وما ألقى هذا بين الناس إلا الشيطانُ(٢). ونقل في ((البحر)) عن شرف الدين أبي عبد الله محمد بن أبي الفضل المرسيِّ القولَ بموته أيضاً (٣). ونقله ابنُ الجوزيِّ(٤) عن علي بن موسى الرضا ﴿يَا أيضاً، وكذا عن إبراهيم بن إسحاق الحربيٍّ، وقال أيضاً: كان أبو الحسين ابن المنادي(٥) يقبِّح قولَ مَن يقول: إنَّه حيٍّ. وحكى القاضي أبو يعلى موتَه عن بعض أصحاب أحمد(٦). (١) مجموع الفتاوى ٢٧/ ١٠٠ بنحوه، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن القيم في المنار المنيف ص ٦٨، والحديث قد سلف ٣٧/١٠-٣٨. (٢) المنار المنيف ص ٦٧، وجاء في مجموع الفتاوى ٣٣٧/٤: أن السائل هو إبراهيم الحربي والمسؤول أحمد بن حنبل. وإبراهيم الحربي هو ابن إسحاق البغدادي، صاحب التصانيف، والإمام الحافظ العلامة، سمع أحمد وأبا عبيد بن سلَّام ومسدّد وغيرهم، وحدث عنه خلق كثير. كان عابداً زاهداً ورعاً، له ترجمة طويلة في سير أعلام النبلاء ٣٥٦/١٣ . (٣) البحر ٦ / ١٤٧، والمرسي محدث مفسر فقيه، ولد سنة (٥٧٠ هـ)، وسمع الكثير من منصور الفُراوي، له تصانيف كثيرة مع زهد وورع وفقر وتعفف. توفي سنة (٦٥٥ هـ). شذرات الذهب ٤٦٥/٧. (٤) كما في المنار المنيف ص٧٢، ولابن الجوزي مؤلّف في هذه المسألة اسمه: عجالة المنتظر في شرح حال الخضر. (٥) هو أحمد بن جعفر البغدادي، كان إماماً محدِّثاً، سمع الكثير وصنف كتباً كثيرةً، توفي سنة (٣٣٦ هـ). النجوم الزاهرة ٢٩٥/٣-٢٩٦. (٦) تحرف في الأصل و(م) إلى محمد. والمثبت من المنار المنيف ص٧٢. سُورَةُ الكَهْفِ ٤٣٨ الآية : ٦٥ وكيف يُعقَل وجودُ الخضر ولا يُصلِّي مع رسول الله وَّرِ الجمعةَ والجماعةَ، ولا يشهد معه الجهادَ، مع قوله عليه الصلاة والسلام: ((والذي نفسي بيده لو كان موسى حيًّ ما وسعه إلا أن يتبعني))(١). وقولِه عز وجل: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ النَِّنَ لَمَآ ءَاتَبِتُكُمْ مِّنْ كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَتَنْصُنَّهُ، قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِىٌّ قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَأَشْهَدُواْ وَأَنَأْ مَعَكُم مِّنَ الشَّهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١]، وثبوتِ أنَّ عيسى عليه السلام إذا نزل إلى الأرض يُصلِّي خلف إمام هذه الأمة، ولا يتقدَّم عليه في مبدأ الأمر(٢)، وما أبعدَ فهمَ مَن يُثبِت وجودَ الخضر عليه السلام ويَنسى ما في طيِّ إثباته من الإعراض عن هذه الشريعة. ثم قال: وعندنا من المعقول وجوه على عدم حیاته: أحدها: أنَّ الذي قال بحياته قال: إنَّه ابنُ آدم عليه السلام لصلبه. وهذا فاسدٌ لوجھین : الأوَّلُ: أنه يلزم أن يكونَ عمرُه اليومَ ستةَ آلاف سنة أو أكثر، ومثلُ هذا بعيدٌ في العادات في حقِّ البشر. والثاني: أنَّه لو كان ولدَه لصلبه أو الرابعَ من أولاده كما زعموا أنَّه وزيرُ ذي القرنين لكان مهولَ الخلقة مُفرِطَ الطول والعرض، ففي ((الصحيحين)) من حديث أبي هريرة عن رسول الله وَّر أنه قال: ((خُلِق آدمُ، طولُه ستون ذراعاً، فلم يزل الخلقُ ينقُص بعدَه))(٣). وما ذكر أحدٌ ممن يزعم رؤيةَ الخضر أنه رآه على خلقةٍ عظيمةٍ وهو مِن أقدمِ الناس. والوجه الثاني: أنه لو كان الخضر قبل نوح عليه السلام لركب معه في السفينة ولم ينقل هذا أحد. الثالث: أنَّ العلماء اتفقوا على أنَّ نوحاً عليه السلام لمَّا خرج من السفينة مات مَن معه ولم يبق غيرُ نسله، ودليلُ ذلك قوله سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧]. (١) سلف عند الآية: ٤١ من سورة البقرة. (٢) أخرجه (١٥٦) من حديث جابر ضـ . (٣) صحيح البخاري (٣٣٢٦)، وصحيح مسلم (٢٨٤١). الآية : ٦٥ ٤٣٩ سُوَدَةُ الكَهْفِ الرابع: أنَّه لو صحَّ بقاءُ بشرٍ من لدن آدم إلى قرب خراب الدنيا لكان ذلك من أعظم الآيات والعجائب، وكان خبرُه في القرآن مذكوراً في مواضع لأنه من آيات الربوبية وقد ذكر سبحانه عزَّ وجلَّ مَن استحياه ألفَ سنة إلا خمسين عاماً وجعله آيَةً، فكيف لا يذكر جلَّ وعلا مَن استحياه أضعافَ ذلك؟! الخامس: أنَّ القولَ بحياة الخضر قولٌ على الله تعالى بغير علمٍ، وهو حرامٌ بنصِّ القرآن، أما المقدِّمة الثانية فظاهرةٌ، وأما الأولى فلأنَّ حياتَه لَو كانت ثابتةٌ لدلَّ عليها القرآنُ أو السنةُ أو إجماعُ الأمة، فهذا كتابُ الله تعالى فأين فيه حياةٌ الخضر؟ وهذه سنةُ رسوله وَ لَه فأين فيها ما يدلُّ على ذلك بوجه؟ وهؤلاء علماءُ الأمة فمتى أجمعوا على حياته؟ السادس: أنَّ غاية ما يتمسَّك به في حياته حكاياتٌ منقولةٌ يُخبِر الرجل بها أنَّه رأى الخضر، فيا لله تعالى العجب هل للخضر علامةٌ يعرفه بها مَن رآه؟! وكثيرٌ مِن زاعمي رؤيته يغترُّ بقوله: أنا الخضر. ومعلومٌ أنه لا يجوز تصديقُ قائلٍ ذلك بلا برهانٍ من الله تعالى، فمن أين للرائي أنَّ المخبِرَ له صادقٌ لا يكذب؟ السابع: أنَّ الخضرَ فارقَ موسى بن عمران كليمَ الرحمن ولم يصاحبه، وقال: (هَذَا فِرَاقُ بَيْنِ وَيَنِكَّ) فكيف يرضى لنفسه بمفارقةِ مثل موسى عليه السلام، ثم يجتمع بجَهَلةِ العباد الخارجين عن الشريعة الذين لا يحضُرون جمعةً ولا جماعةً ولا مجلسَ علم، وكلٌّ منهم يقول: قال لي الخضر، جاءني الخضر، أوصاني الخضر، فيا عجّباً له يفارقُ الكليمَ ويدور على صُحبةٍ جاهل لا يصحبه إلا شيطانٌ رجيمٌ، سبحانك هذا بهتان عظيم !! الثامن: أنَّ الأمةَ مُجْمِعةٌ على أنَّ الذي يقول: أنا الخضر. لو قال: سمعتُ رسول الله وَ﴿ يقول: كذا وكذا. لم يُلتفَت إلى قوله ولم يُحتجَّ به في الدين، ولا مخلصَ للقائل بحياته عن ذلك إلا أن يقول: إنَّه لم يأت إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ولا بايعه. أو يقول: إنه لم يُرسَل إليه. وفي هذا من الكفر ما فيه. التاسع: أنَّه لو كان حيًّا لكان جهادُه الكفارَ، ورباطُه في سبيل الله تعالى، ومقامُه في الصفِّ ساعةً، وحضورُه الجمعةَ والجماعةَ، وإرشادُ جَهَلةِ الأمة = أفضلَ سُوَّةُ الكَهْفِى ٤٤٠ الآية : ٦٥ بكثير من سياحته بين الوحوش في القفار والفلوات(١). إلى غير ذلك، وسيأتي إن شاء الله تعالی ما له وما عليه. وشاع الاستدلال بخبر: لو كان الخضر حيًّا لزارني. وهو - كما قال الحقَّاظُ - خبرٌ موضوعٌ لا أصلَ له (٢)، ولو صحَّ لأغنى عن القيل والقال، ولا نقطع به الخصامُ والجدال. وذهب جمهورُ العلماء إلى أنَّه حيٌّ موجودٌ بين أظهرنا، وذلك متفقٌ عليه عند الصوفية قدِّست أسرارُهم. قاله النوويُّ(٣)، ونَقَل عن الثعلبيّ المفسِّر أنَّ الخضر نبيٌّ معمّر على جميع الأقوال محجوبٌ عن أبصار أكثر الرجال(٤). وقال ابن الصلاح(٥): هو حيٍّ اليومَ عند جماهير العلماء، والعامةُ معهم في ذلك، وإنما ذهب إلى إنكار حياته بعضُ المحدِّثين. واستدلُّوا على ذلك بأخبارٍ كثيرةٍ منها ما أخرجه الدارقطنيُّ في ((الأفراد)) وابن عساكر عن الضخَّاك عن ابن عباس أنه قال: الخضر ابن آدم لصلبه، ونُسئ له في أجله حتى يكذِّب الدجّال(٦). ومثله لا يقال من قبل الرأي. ومنها ما أخرجه ابن عساكر عن ابن إسحاق قال: حدثنا أصحابُنا أنَّ آدم عليه السلام لمَّا حضره الموت جمع بنيه فقال: يا بَنيَّ، إنَّ الله تعالى مُنزلٌ على أهل الأرض عذاباً، فليكن جسدي معكم في المغارة حتى إذا هبطتم فابعثوا بي وادفنوني بأرض الشام. فكان جسدُه معهم، فلمَّا بعث الله تعالى نوحاً ضمَّ ذلك الجسدَ، وأرسل الله تعالى الطوفانَ على الأرض فغرقت زماناً، فجاء نوحٌ حتى نزل بابلَ وأوصى بنيه الثلاثة أن يذهبوا بجسده إلى المغار الذي أمرهم أن يدفنوه به، فقالوا: الأرضُ وحشةٌ لا أنيسَ بها، ولا نهتدي الطريقَ، ولكن كُفَّ حتى يأمن الناسُ (١) المنار المنيف ص٧٢-٧٦. (٢) ينظر المصنوع في معرفة الحديث الموضوع ص ١٠٥، وكشف الخفاء ٥١٣/١. (٣) في شرح صحيح مسلم ١٥/ ١٣٥-١٣٦. (٤) عرائس المجالس ص٢٢٦. (٥) كما في شرح صحيح مسلم للنووي ١٣٦/١٥. (٦) سلف ص٤٣٤ من هذا الجزء، وذكرنا ثمة أن سنده ضعيف ومنقطع.