النص المفهرس

صفحات 361-380

الآية : ٤٤
٣٦١
سُوَرَّةُ الكَهْفِّ
وقال بعضُهم: إنَّ الظرفَ متعلِّقٌ بـ ((منتصراً) والإشارةُ إلى الدار الآخرة،
والمراد الإخبارُ بنفي أن يَنتصِر في الآخرة بعد نفْي أن تكونَ له فئة تنصره في
الدنيا. والزجَّاج جعله متعلِّقاً بـ ((منتصراً) أيضاً إلا أنَّه قال: وما كان منتصراً في
تلك الحالة(١).
و ((الحقِّ)) نعتٌ للاسم الجلیل.
وقرأ النحويان(٢) وحميد والأعمش وابن أبي ليلى وابن مُناذر واليزيديُّ وابن
عيسى الأصبهانيُّ: ((الحقُّ) بالرفع على أنه صفة ((الولاية)).
وجوَّز أبو البقاء أن يكونَ خبرَ مبتدأ محذوفٍ، أي: هي - أو هو - الحقُّ، وأن
یکون مبتدأً و«هو» خبرُ(٣).
وقرأ أبيٍّ: ((هنالك الولاية الحقُّ لله)) بتقديم (الحق)) ورفعِه (٤)، وهو يرجِّح كونَ
(الحق)) نعتاً لـ (الولاية)) في القراءة السابقة.
وقرأ أبو حيوة وزيد بن عليٍّ وعمرو بن عبيد وابن أبي عبلة وأبو السمال
ويعقوب عن عصمة عن أبي عمرو: ((الحقَّ)) بالنصب(٥)، على أنه مصدرٌ مؤكّدٌ
لمضمونِ الجملة، والناصبُ له عاملٌ مقدَّرٌ، كما في قولك: هذا عبد الله حقًّا.
ويحتمل أنه نعتٌ مقطوعٌ.
وقرأ الحسن والأعمش وحمزة وعاصم وخلف: ((عُقْباً)) بسكون القاف
والتنوين(٦). وعن عاصم: ((عُقْبى)) بألف التأنيث المقصور(٧)، على وزن: رُجعى.
والجمهورُ بضمِّ القاف والتنوين، والمعنى في الكلِّ ما تقدَّم.
(١) معاني القرآن للزجاج ٢٨٩/٣.
(٢) تحرف في الأصل و(م) إلى: الأخوان، والصواب المثبت كما في التيسير ص١٤٣، والنشر
٣١١/٢، والبحر ١٣١/٦، والكلام منه، والنحويان هما أبو عمرو والكسائي.
(٣) الإملاء ٥٢٠/٣.
(٤) معاني القرآن للفراء ١٤٥/٢-١٤٦، والبحر ١٣١/٦.
(٥) القراءات الشاذة ص ٨٠، والمحرر الوجيز ٥١٩/٣، والبحر ١٣١/٦.
(٦) التيسير ص١٤٣، والنشر ٢١٦/٢ عن عاصم وحمزة وخلف، والكلام من البحر ١٣١/٦.
(٧) المحرر الوجيز ٥١٩/٣، والبحر ١٣١/٦، وهي خلاف المشهور عن عاصم.

سُورَةُ الكَهْفِ
٣٦٢
الآية : ٤٥
﴿وَأَضْرِبْ لَمُ مَثَلَ الْخَيَّةِ الدُّنْيَا﴾ أي: اذكر لهم ما يُشبِهها في زهرتها ونَضارتها
وسُرعةِ زوالها لئلا يغترُّوا بها ولا يضرِبوا عن الآخرة صفحاً بالمرَّة، أو: اذكر لهم
صفتَها العجيبةَ التي هي في الغرابة كالمَثَل وبيِّنْها لهم.
﴾ استئنافٌ لبيان المثل، أي: هي كماءٍ ﴿أَنَزَلْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾، وجوَّزوا أن
يكونَ مفعولاً ثانياً لـ ((اضْرِب)) على أنه بمعنى: صَيِّر. وتعقِّب بأنَّ الكافَ تنبو عنه،
إلا أن تكونَ مقحَمةً. ورُدَّ بأنَّه مما لا وجهَ [له] (١) لأنَّ المعنى: صيِّر المثلَ هذا
اللفظَ، فالمثل بمعنى الكلام الواقع فيه التمثيلُ. وقال الحوفي: الكافُ متعلِّقةٌ
بمحذوف صفة لمصدرٍ محذوفٍ، أي: ضرباً كماءٍ. وليس بشيء.
﴿فَأَخْتَلَطَ بِهِ، نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾ أي: فاشتبك وخالَطَ بعضُه بعضاً لكثرته وتكاثُفِه
بسبب كثرةٍ سقي الماء إياه، أو المرادُ: فدخل الماءُ في النبات حتى رَوِي ورفَّ(٢)،
وكان الظاهر في هذا المعنى: فاختلط بنبات الأرض، لأنَّ المعروفَ في عُرف اللغة
والاستعمال دخولُ الباء على الكثير الغير الطارئ، وإن صدق بحسب الوضع على
كلٍّ من المتداخِلَين أنه مختلِط ومختلَطُ به، إلا أنَّه اختِير ما في النظم الكريم
للمبالغة في كثرة الماء حتى كأنه الأصلُ الكثير، ففي الكلام قلبٌ مقبولٌ.
﴿فَصْبَحَ﴾ ذلك النباتُ الملتفُّ إثرَ بهجتِّهِ ونضارته ﴿هَشِيمًا﴾ أي: يابساً متفتّاً،
وهو فعيلٌ بمعنى مفعول، وقيل: جمعُ: هَشيمةٍ، و(أصبح)) بمعنى: ((صار)»، فلا يُفيد
تقييدَ الخبر بالصباح كما في قوله:
أصبحتُ لا أحمِلُ السلاحَ ولا أملِكُ رَأسَ البَعِيرِ إِن نَفَرا(٣)
وقيل: هي على ظاهرِها مُفيدةٌ لتقييدِ الخبر بذلك؛ لأنَّ الآفاتِ السماويةَ أكثر
ما تَطِرُق ليلاً. وتعقِّب بأنَّه ليس في الآية ما يدلُّ على أنَّ اتصافَه بكونه ((هَشِيماً))
لآفةٍ سماويةٍ، بل المرادُ بيانُ ما يَؤُول إليه بعدَ النضارة من اليُيسِ والتفتُّتِ، كقوله
تعالى: ﴿وَلَّذِىّ أَخْرَجَ اُلْعَى *** فَجَعَلَهُ غُثَّةَ أَحْوَى﴾ [الأعلى: ٤-٥].
(١) ما بين حاصرتين من حاشية الشهاب ١٠٥/٦، والكلام منه.
(٢) قوله: رفَّ، أي: تحرك بلطف لرطوبته ونضرته. حاشية الشهاب ١٠٥/٦.
(٣) سلف البيت للربيع بن ضبع الفزاري، ونسب لغيره، ينظر ما سلف ١٨٨/٧ .

الآية : ٤٦
٣٦٣
سُورَّةُ الكَهْفِ
﴿نَذْرُؤُهُ الْرِّيَجُ﴾ أي: تُفرِّقه، كما قال أبو عبيدة(١). وقال الأخفش: ترفعه.
وقال ابن کیسان: تجيء به وتذهب.
وقرأ ابن مسعود: ((تُذْرِيه)) من أذرى رباعيًّا، وهو لغةٌ في ذرى(٢).
وقرأ زيد بن عليٍّ والحسن والنخعيُّ والأعمش وطلحة وابن أبي ليلى وابن
محيصن وخلف وابن عيسى وابن جرير: ((تَذْرُوه الرِّيحُ)) بالإفراد(٣).
وليس المشبّهُ به نفسَ الماء، بل هو الهيئةُ المنتزعةُ من الجملة، وهي حالُ
النبات المنبَت بالماء؛ يكون أخضر مُهتزًّا، ثم يصير يابساً تُطِيره الرياح حتى كأنه لم
یکن.
وعبِّر بالفاء في الآية للإشعار بسُرعة زوالِه وصَيرُورتِه بتلك الصفة فليست
فصيحةً. وقيل: هي فصيحةٌ والتقديرُ: فزَهَا ومَكَث مدَّةً فأصبح هشيماً.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ﴾ من الأشياء التي من جملتها الإنشاءُ والإفناء ﴿مُقْنَدِرًا
كامل القدرة.
٤٥
﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَوَةِ الذُّنْيَّ﴾ بيانٌ لشأن ما كانوا يفتخِرُون به من محسِّنات
الحياة الدنيا كما افتخر الأخُ الكافرُ بما افتخر به من ذلك إثرَ بيانِ شأنِ نفسها بما مرَّ
من المثل، وتقديمُ المال على البنين مع كونِهم أعزَّ منه عندَ أكثر الناس لعَرَاقتِهِ
فيما نيط به من الزينة والإمداد وغير ذلك، وعمومِه بالنسبة إلى الأفراد والأوقاتِ،
فإِنَّه زينةٌ وممدٌّ لكلِّ أحدٍ من الآباء والبنين في كلِّ وقتٍ وحينٍ، وأما البنون فزينتُهم
وإمدادُهم إنما يكون بالنسبة إلى مَن بلغ الأبوَّةَ، ولأنَّ المالَ مناظٌ لبقاءِ النفس
والبنون لبقاء النوع، ولأنَّ الحاجةَ إليه أمسُّ من الحاجة إليهم، ولأنَه أقدمُ منهم في
الوجود، ولأنَّه زينةٌ بدونهم من غير عكسٍ، فإنَّ مَن له بنون بلا مالٍ فهو في أضْيَقٍ
حالٍ ونكالٍ. كذا في ((إرشاد العقل السليم))(٤).
(١) في مجاز القرآن ٤٠٥/١. والكلام وما بعده من البحر ١٣١/٦.
(٢) البحر ١٣٣/٦، ووردت قراءة عبد الله في معاني القرآن للفراء ١٤٦/٢، وللنحاس ٤٥٩/٢:
(تَذْريه)) من ذرى، وفي القراءات الشاذة ص ٨٠: ((يَذْریه)) بالياء.
(٣) البحر ١٣٣/٦، وهي قراءة حمزة والكسائي كما في التيسير ص٧٨، والنشر ٢٢٣/٢.
(٤) ٥/ ٢٢٥.

سُورَةُ الكَهْفِ
٣٦٤
الآية : ٤٦
والزينةُ مصدَرٌ، وأُطلِق على ما يُتزيّن به للمبالغة ولذلك أُخبِر به عن أمرين،
وإضافتها إلى الحياة الدنيا اختصاصيةٌ، وجوِّز أن تكونَ على معنى ((في))، والمعنى
أنَّ ما يفتخرون به من المال والبنين شيءٌ يتزيَّنُ به في الحياة الدنيا، وقد عُلم شأنُها
في سرعة الزوال وقُرب الاضمحلال، فما الظنُّ بما هو من أوصافِها التي شأنُها أن
تزولَ قبلَ زوالها؟
وذُكر أنَّ هذا إشارةٌ إلى ما يَردُّ افتخارَهم بالمال والبنين، كأنه قيل: المالُ
والبنون زينةُ الحياة الدنيا، وكلُّ ما كان زينةَ الحياة الدنيا فهو سريعُ الزوال، ينتج:
المال والبنون سريعا الزوال، أما الصغرى فبديهيةٌ، وأما الكُبرى فدليلُها يُعلم مما مرَّ
من بيان شأن نفس الحياة الدنيا، ثم يقال: المال والبنون سريعا الزوال، وكلُّ
ما كان سريعَ الزوال يقبُح بالعاقل أن يفتخِرَ به، ينتج: المال والبنون يَقْبح بالعاقل
أن يفتخرَ بهما، وكلتا المقدِّمتينِ لا خفاءَ فيها .
﴿وَالْبَقِيَتُ الصَّلِحَتُ﴾ أخرج سعيد بن منصور وأحمد وأبو يعلى وابن جرير
وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصحَّحه عن أبي سعيد الخُدريِّ أنَّ
رسول الله مَّ﴾ قال: ((استكثِرُوا من الباقيات الصالحات)). قيل: وما هي
يا رسول الله؟ قال: ((التكبيرُ، والتَهليلُ، والتسبِيحُ، والتحمِيدُ، ولا حَولَ ولا قُوَّةً
إلَّا باشه)(١).
وأخرج الطبرانيُّ وابن شاهين في ((الترغيب)) وابن مردويه عن أبي الدرداء قال:
قال رسول الله وَله: ((سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول
ولا قوة إلا بالله هُنَّ الباقياتُ الصالحاتُ، وهُنَّ يحططن الخطايا كما تَحُظُّ الشجرةُ
ورقَها، وهُنَّ من كنوزِ الجنة))(٢).
(١) مسند أحمد (١١٧١٣)، ومسند أبي يعلى (١٣٨٤)، وتفسير الطبري ٢٧٩/١٥،
والمستدرك ٥١٢/١-٥١٣، وعزاه لسعيد بن منصور وابن أبي حاتم وابن مردويه
السيوطيُّ في الدر ٢٢٤/٤ .
(٢) الدر المنثور ٢٢٥/٤، وأخرجه بنحوه عبد الرزاق في التفسير ١٢/٢، وابن ماجه (٣٨١٣).
وفي إسناده: عمر بن راشد وهو ضعيف، وقال المنذري في الترغيب ٤١٧/٢: رواه
الطبراني بإسنادين أصلحهما فيه عمر بن راشد، وبقية رواته محتج بهم في الصحيح،
ولا بأس بهذا الإسناد في المتابعات.

الآية : ٤٦
٣٦٥
سُؤَدَّةُ الكَهْفِّ
وجاء تفسيرُها بما ذُكر في غير ذلك من الأخبارِ عن رسول الله وَلٍّ(١)، وأخرج
ابنُ المنذر وابن أبي شيبة عن ابن عباس تفسيرَها بما ذكر أيضاً لكن بدون الذکرِ
الأخير.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر في رواية أخرى عنه تفسيرَها بالصلوات
الخمس.
وأخرج ابن مردويه وابن المنذر وابن أبي حاتم في رواية أخرى عنه أيضاً
تفسيرَها بجميع أعمال الحسنات.
وفي معناه ما أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه عن قتادة أنَّها كلُّ ما أُرِيد به
وجهُ الله تعالى (٢).
وعن الحسن وابن عطاء أنَّها النِّيَّاتُ الصالحةُ(٣).
واختار الطبريُّ(٤) وغيرُه ما في الرواية الأخيرة عن ابن عباس، ويَندَرِج فيها
ما جاء في ما ذُكر من الروايات وغيرِها .
وادَّعى الخفاجيُّ أنَّ كلَّ ما ذكر في تفسيرها غيرَ العامِّ ذكر على طريق
التمثيل(٥). ويُبعِد ذلك قولُهُ وَ له: ((وهُنَّ الباقيات)) المفيدُ للحصر بعد التنصيص على
ما لا عمومَ فيه، فتأمَّل.
وأيَّاما كان فـ ((الباقياتُ)) صفةٌ لمقدَّرٍ كالكلماتِ أو الأعمال، وإسنادُ الباقياتِ
إلى ذلك مجازٌ، أي: الباقي ثمرتُها وثوابُها، بقرينةٍ ما بعدُ، فهي صفةٌ جرت على
غيرِ ما هي له بحسب الأصل. أو هناك مقدَّرٌ مرفوعٌ بالوصف مضافٌ إلى ضميرٍ
الموصوف، واستتر الضميرُ المجرورُ وارتفع بعد حذفه.
(١) منها ما أخرجه أحمد (٥١٣) من حديث عثمان بن عفان له، وإسناده حسن. والطبراني
في الدعاء (١٦٩٦) (١٦٩٧) من حديث أبي سعيد الخدري
(٢) نقل المصنف هذه الأخبار عن الدر المنثور ٢٢٦/٤.
(٣) البحر ١٣٣/٦.
(٤) في تفسيره ١٥/ ٢٨١، والبيضاوي في تفسيره ٦/ ١٠٦ .
(٥) حاشية الشهاب ١٠٦/٦.

سُوَرَةُ الكَهْفِ
٣٦٦
الآية : ٤٧
وكذا تدخُل أعمالُ فقراءِ المؤمنين الذين يَدعُون ربَّهم بالغداة والعشيِّ يريدون
وجهَه دخولاً أوليًّا، فإنَّ لهم من كلِّ نوعٍ من أنواع الخيرات الحظّ الأوفَرَ، والكلامُ
متضمِّنٌ للتنويه بشأنهم وحٌّ قدر شانِئِهم، فكأنه قيل: ما افتخر به أولئك الكَفَرةُ من
المال والبنين سريعُ الزوال لا ينبغي أن يُفتَخَر به، وما جاء به أولئك المؤمنون
﴿غَيرُ﴾ من ذلك ﴿عِندَ رَبِّكَ﴾ أي: في الآخرة، وهو بيانٌ لِمَا يظهَرُ فيه آثارُ خيريَّتها
بمنزلة إضافةِ الزينةِ إلى الحياة الدنيا، لا لأفضليتها من المال والبنين مع مشاركة
الكلِّ في الأصل؛ إذ لا مشاركةً لهما في الخيريَّة في الآخرة.
وقيل: معنى ((عند ربك)): في حُكمه سبحانه وتعالى.
حیثُ ینال بها صاحبُها في
﴿ثَوَابًا﴾ جزاءً وأجراً. وقيل: نفعاً ﴿وَخَيْرُ أَمَلَّ (®﴾﴾
الآخرةِ ما يُؤمِّله بها في الدنيا، وأمَّا المال والبنون فليس لصاحبهما ذلك. وتكريرُ
(خير)) للمبالغة، وقيل: لها، وللإشعار باختلاف جهتَي الخيريَّة.
﴿وَيَوْمَ نُسَيِرُ الْجِبَالَ﴾ منصوبٌ بـ ((اذْكُر)) مضمَراً، أي: اذكر يومَ نقلَعُ الجبالَ من
أماكنها ونسيِّرها في الجوِّ كالسحاب، كما ينبئُ عنه قولُه تعالى: ﴿وَتَىَ الْجِبَالَ تَحْسَبُها
جَامِدَةٌ وَهِىَ تَمُرُّ مَزَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨].
وقيل: نسيِّر أجزاءَها بعدَ أن نجعلَها هباءً مُنبثًا، والكلامُ على هذا على حذفٍ
مضافٍ.
وجوِّز أن يكون التسييرُ مجازاً عن الإذهاب والإفناء بذكر السبب وإرادة
المسبَّب، أي: واذكر يومَ نذهب بها ونَنسِفُها نسفاً، فيكون كقوله تعالى: ﴿وَبُنَّتِ
الْجِبَالُ بَشَّا * فَكَانَتْ هَبَآءُ مُثْبَثًا﴾ [الواقعة: ٥-٦].
واعتُرِض كِلا الأمرين بأنَّ صَيرُورةَ الجبال هباءً منبثًا وإذهابَها بعدَ(١) تَسْبِيرها،
فقد ذكر بعضُ المحقّقين أخذاً من الآيات أنَّه أوَّلاً تنفَصِل الجبالُ عن الأرض وتَسِير
في الجوّ، ثم تسقُط فتصِيرُ كئيباً مهيلاً ثم هباءً منبثًا، والظاهرُ هنا أوَّلُ أحوالٍ
الجبال، ولا مقتَضَى للصرف عن الظاهر. ثمَّ المرادُ بذكر ذلك تحذيرُ المشركين
ما فيه من الدواهي التي هي أعظمُ من ثالثة الأثافي.
(١) قوله: بعد، متعلق بخبر ((أن)) الواقعة في قوله: بأنَّ صيرورة ...

الآية : ٤٧
٣٦٧
سِوَدَّةُ الكَهْفِم
وجوَّز أبو حيان(١) وغيرُه كونَ (يوم)) ظرفاً للفعل المضمَر عند قوله تعالى: (لَّقَدْ
جِئْتُمُونَا) إلخ، أي: قلنا يومَ كذا: لقد جئتمونا، وفيه ما ستعلمه إن شاء الله تعالى
هناك.
وغيرُ واحد كونَه معطوفاً على ما قبله من قوله تعالى: (عِندَ رَيِّكَ)، فهو معمولُ
((خير))، أي: الباقيات الصالحاتُ خيرٌ عندَ ربك ويومَ القيامة، وحينئذٍ يتعيَّن أن
یکون المرادُ من «عند ربك)»: في حکمه تعالی، کما قيل به.
وقرأ ابن عامر وابن كثير وأبو عمرو والحسن وشبل وقتادة وعيسى والزهريُّ
وحميد وطلحة واليزيديُّ والزبيريُّ عن رجاله عن يعقوب: ((تُسيَّر الجبالُ)) برفع
((الجبال)) وبناءِ ((تسيّر)) بالتاء ثالثةِ الحروف للمفعول(٢)، جرياً على سننِ الكبرياء
وإيذاناً بالاستغناء عن الإسناد إلى الفاعل لتعيُّنه.
وعن الحسن أنَّه قرأ كذلك إلا أنه جاء بالياءِ آخرِ الحروف بدلَ التاء(٣).
وقرأ أُبيِّ: ((سُيِّرت الجبالُ)) بالماضي المبنيِّ للمفعول، ورفع ((الجبال))(٤).
وقرأ ابن محيصن ومحبوبٌ عن أبي عمرو: ((تَسِيرُ الجبالُ)) بالمضارع المفتتح
بالتاء المثنَّة من فوق المبنيِّ للفاعل، ورفع ((الجبال))(٥).
﴿وَقَرَى الْأَرْضَ﴾ خطابٌ لسيِّد المخاطَبين ◌َلِّ، أو لكلِّ أحدٍ ممن يتأتَّى منه
الرؤيةُ، أي: وترى جميعَ جوانبِ الأرض ﴿بَارِزَةُ﴾ باديةً ظاهرةً، أمَّا ظهورُ ما كان
منها تحتَ الجبال فظاهرٌ، وأما ما عداه فكانت الجبالُ تحول بينَه وبين الناظر قبلَ
(١) في البحر ٧/ ١٣٤.
(٢) التيسير ص١٤٤، والنشر ٣١١/٢ عن ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر، والكلام من البحر
١٣٤/٦. والزبيري هو الزبير بن أحمد من ولد الزبير بن العوام څبه، قرأ على روح ورويس
وغيرهما، توفي سنة بضع وثلاث مئة. غاية النهاية ٢٩٣/١.
(٣) المحرر الوجيز ٣/ ٥٢٠، والبحر ١٣٤/٦.
(٤) المصدران السابقان.
(٥) القراءات الشاذة ص ٨٠، والبحر ١٣٤/٦. ومحبوب هو لقب محمد بن الحسن بن هلال
البصري، روى القراءة عن أبي عمرو بن العلاء وغيره، وروى عنه خلف بن هشام وغيره،
وحدث عنه أحمد بن حنبل وأخرج له البخاري. غاية النهاية ١٢٣/٢ .

سُورَةُ الكَهْفِ
٣٦٨
الآية : ٤٧
ذلك، أو تراها بارزةً لذهاب جميع ما عليها من الجبال والبحارِ والعمران
والأشجارِ، وإنما اقتصَرَ على زوال الجبالِ؛ لأنَّه يُعلَم منه زوالُ ذلك بطريقٍ
الأولى.
وقيل: إسنادُ البروز إلى الأرض مجازٌ، والمراد: ترى أهلَ الأرضِ بارِزين من
بطنها. وهو خلافُ الظاهر.
وقرأ عيسى: ((وتُرى الأرضُ)) ببناء الفعل للمفعول، ورفع ((الأرض))(١).
﴿وَحَشَرْنَهُمْ﴾ أي: جمعناهم إلى الموقف من كلِّ أوب بعد أن أقمناهم من
قبورِهم، ولم يُذكّر لظهور إرادته، وعلى ما قيل يكون ذلك مذكوراً، وإيثارُ الماضي
بعد (نُسَيِّر)) و((تَرَى)) للدَّلالة على تحقُّق الحشر المتفرِّع على البعث الذي يُنكره
المنكرون، وعليه يدُور أمرُ الجزاء، وكذا الكلامُ فيما عُطف عليه منفيًّا ومُوجباً.
وقال الزمخشريُ(٢): هو للدلالة على أنَّ حشرَهم قبلَ التسيير والبروز؛ ليعاينوا
تلك الأهوال والعظائمَ، كأنه قيل: وحشرناهم قبلَ ذلك. اهـ.
واعتُرِض بأنَّ في بعض الآيات مع الأخبار ما يدلُّ على أنَّ التسييرَ والبروزَ عند
النفخة الأولى، وفسادَ نظام العالم والحشرَ وما عُطِف عليه عندَ النفخة الثانية،
فلا ينبغي حملُ الآية على معنى: وحشرناهم قبل ذلك، لئلا تُخالِفَ غيرَها.
فليتأمَّل.
ثم لا يخفى أنَّ التعبير بالماضي على الأول مجازٌ، وعلى هذا حقيقةٌ؛ لأنَّ
المُضِيَّ والاستقبالَ بالنظر إلى الحكم المقارِن له، لا بالنسبة لزمان التكلُّم،
والجملة عليه كما في ((الكشف)) وغيرِه تحتَمِل العطفَ والحاليَّةَ من فاعل:
(نُسَيِّر)).
وقال أبو حيان: الأَولى جعلُها حالاً على هذا القول(٣). وأوجبه بعضُهم وعلَّله
بأنَّها لو كانت معطوفةً لم يكن مُضِيٍّ بالنسبة إلى التسيير والبُروز، بل إلى زمان
(١) القراءات الشاذة ص ٨٠.
(٢) في الكشاف ٢/ ٤٨٧ .
(٣) البحر ١٣٤/٦.

الآية : ٤٨
٣٦٩
سُؤَدَّةُ الكَهْفِ
التكلُّم، فيحتاج إلى التأويل الأول، ثم قال: وتحقيقه أنَّ صِيَغَ الأفعال موضوعةٌ
الأزمنة التكلُّم إذا كانت مطلقة، فإذا جُعلت قيوداً لِمَا يدلُّ على زمانٍ كان مُضيُّها
وغيرُه بالنسبة إلى زمانه. اهـ. وليس بشيء، والحقُّ عدمُ الوجوب، وتحقيقُ ذلك أنَّ
الجُمل التي ظاهرُها التعاطف يجوز فيها التوافُقُ والتخالُف في الزمان، فإذا كان في
الواقع كذلك فلا خفاءَ فيه، وإن لم يكن فلابدَّ للعُدول من وجهٍ، فإن كان
أحدُهما قيداً للآخر وهو ماضٍ بالنسبة إليه فهو حقيقةٌ، ووجهُه ما ذُكر، ولا تكون
الجملةُ معطوفةً حينئذٍ، فإن عُطِفت وجُعل المضيُّ بالنسبة لأحدِ المتعاطفَيْنِ فلا مانعَ
منه، وهل هو حقيقةٌ أو مجازٌ؟ محلٌّ تردُّدٍ، والذي يحكُم به الإنصافُ اختيارُ قول
أبي حيان من أولويَّة الحاليَّة على ذلك. والقولُ بأنَّه لا وجهَ له، لا وجهَ له، وحينئذٍ
يقدَّر ((قد)) عندَ الأكثرین، أي: وقد حشرناهم.
﴿فَ تُغَادِّرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٣)﴾ أي: لم نترك، يقال: غادره وأغْدَره: إذا تركه،
ومنه: الغدرُ الذي هو: تركُ الوفاء، والغَدير الذي هو: ماءٌ يترُكه السيلُ في
الأرض.
وقرئ: ((يُغادِر) بالياء التحتية على أنَّ الضميرَ لله تعالى على طريق الالتفات(١).
وقرأ قتادة: ((تُغادِر)) بالتاء الفوقية(٢)، على أنَّ الضميرَ للأرض كما في قوله
تعالى: ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ [الانشقاق: ٤]، وجوَّز أبو حيان كونَه للقدرة.
وقرأ أبان بن يزيد عن عاصم كذلك، أو بفتح الدال مبنيًّا للمفعول ورفع ((أحد))
على النيابة عن الفاعل(٣) .
وقرأ الضحاك: (تُغدِر)) بضمِّ النون وإسكانِ الغين وكسر الدال(٤).
﴿وَعُرِضُواْ عَلَى رَيْكَ﴾ أُحضِروا محلَّ حُكمِه وقضائِه عزَّ وجلَّ فيهم ﴿صَفَّا﴾
مصطفِّين أو مصفُوفِين. فقد أخرج ابن منده في ((التوحيد)) عن معاذ بن جبل أنَّ
(١) القراءات الشاذة ص ٨٠.
(٢) البحر ١٣٤/٦، والكلام وما بعده منه.
(٣) المصدر السابق.
(٤) المصدر السابق.

سُورَّةُ الكَهْفِ
٣٧٠
الآية : ٤٨
النبيَّ وَّهِ قال: ((إنَّ اللهَ تعالى يُنادِي يومَ القيامة: يا عبادي، أنا اللهُ لا إله إلا أنا،
أَرْحَمُ الراحمين وأحْكَمُ الحاكمين وأسرعُ الحاسبين، أَحضِروا حُجَّتَكم ويَسِّروا
جواباً، فإنَّكم مسؤولون مُحاسَبُون، يا ملائكتي، أَقِيمُوا عبادِي صُفوفاً على أطرافٍ
أنامل أقدامِهم للحساب))(١).
وفي الحديث الصحيح: ((يجمَعُ الله تعالى الأوَّلِين والآخِرِين في صعيدٍ واحدٍ
صُفوفاً، يُسمِعُهم الداعي وينفُذُهم البصرُ ... )) الحديثَ بطوله(٢).
وقيل: تُقام كلُّ أمَّةٍ وزمرةٍ صفًّا(٣). وفي بعضِ الأخبار: ((أهلُ الجنةِ يومَ القيامة
مئةٌ وعشرون صفًّا، أنتم منها ثمانون))(٤).
وقيل: لا عرضَ بالمعنى المعروف ولا اصطفافَ، والكلامُ خارجٌ مخرجَ
الاستعارة التمثيليةِ، شُبِّهت حالُهم في حشرِهم بحالِ جُندٍ عُرِضوا على السلطان
ليأمُرَ فيهم بما يأمر.
وقيل: إنَّ فيه استعارةً تبعيةً بتشبيهِ حَشْرِهم بعرض هؤلاء، ومعنى ((صفًّا)) سواءٌ
كان داخلاً في الاستعارةِ التمثيلية أو كان ترشيحاً: غيرَ متفرِّقين ولا مختلِطِين،
فلا تعرُّضَ فيه لوحدة الصفّ وتعدُّده. ولا حاجةَ إلى أن يقال: إنه مفرَدٌ أريد به
الجمعُ؛ لكونه مصدراً، أي: صفوفاً، أو يقال: إنَّ الأصلَ: صفًّا صفًّا، على أنَّ
هذا مع بُعدِه يَرِدُ عليه أنَّ ما يدلُّ على التعدُّد بالتكرار - كـ: باباً باباً، وصفًّا
صفًّا - لا يجوز حذفُه.
هذا والحقُّ أنَّ إنكارَ الاصطفافِ مما لا وجهَ له بعدَ إمكانِه وصحَّة الأخبار فيه،
ولعلَّ ما فسَّرنا به الآيةَ مما لا غُبارَ عليه.
(١) عزاه لابن منده القرطبي في كتابه التذكرة ص٢٥٣-٢٥٤، والتفسير ٢٩٦/١٣، والسيوطي
في الدر ٢٢٦/٤، ولم نقف عليه في مطبوع كتاب التوحيد.
(٢) أخرجه البخاري (٣٣٤٠)، ومسلم (١٩٤)، وأحمد (٩٦٢٣) من حديث أبي هريرة ظه،
دون قوله: صفوفاً. ونقله المصنف من البحر ١٣٤/٦.
(٣) الوسيط للواحدي ١٥٢/٣، وزاد المسير ١٥١/٥.
(٤) أخرجه أحمد (٢٢٩٤٠)، والترمذي (٢٥٤٦)، وابن حبان (٧٤٥٩) من حديث بريدة
قال الترمذي: هذا حديث حسن.

الآية : ٤٨
٣٧١
سُوَّةُ الكَهْفِّ
وفي الالتفات إلى الغَيبة، وبناءِ الفعل للمفعول، مع التعرُّض لعنوان الربوبية،
والإضافةِ إلى ضميره بَّهه، من تربيةِ المهابة والجري على سنن الكبرياءِ وإظهارِ
اللطف به عليه الصلاة والسلام ما لا يخفى.
وقيل: في قوله تعالى: (عَلَى رَبِّكَ) إشارةٌ إلى غَضبِ الله تعالى عليهم وطردهم
عن ديوان القبول بعدم جَرْيهم على معرفتهم لربوبيته عزَّ وجلَّ.
﴿لَّقَدْ جِئْتُمُونَا﴾ خطابٌ للكفَّارِ المُنكِرِين للبعث على إضمارِ القول، ويكون
حالاً مما تقدَّم، فيقدَّر: قائلين، أو: نقول، إن كان حالاً من فاعلي ((حشرنا))، أو:
قائلاً، أو: يقول، إن كان من ((ربِّك))، أو: مقولاً لهم، أو: يقال لهم، إن كان من
ضميرِ ((عُرِضوا)). وقد يقدَّر فعلاً كـ: قلنا، أو: نقول، لا محلَّ لجملتِهِ.
وجُوِّز تعلُّق ((يوم)) السابقِ به على هذا التقدير دونَ تقديرِ الحاليَّة. قال
الخفاجيُّ: لأنَّه يصيرُ ك: غلامُ زيدٍ ضارباً، على أنَّ ((ضارباً)) حالٌ من ((زيدٍ)) ناصباً
لـ ((غلام))، ومثلُه تعقيدٌ غيرُ جائز؛ لا لأنَّ ذلك قبل الحشر وهذا بعده؛ ولا لأنَّ
معمولَ الحال لا يتقدَّم عليها كما يُتوهّم، ثم قال: وأما ما أورِد على تعلُّقِه بالفعل
في التقدير الثاني من أنَّه يلزَمُ منه أنَّ هذا القولَ هو المقصودُ أصالةً = فتخيُّلٌ أغنى
عن الردِّ أنه لا محذورَ فيه(١). اهـ.
والحقُّ أنَّ تعلُّقه بالقول المقدَّر حالاً أو غيرَه مما لا يرتضيه الطبعُ السليمُ
والذهن المستقيمُ، ولا يكاد يجوز مثلُ هذا التركيب على تقديرِ الحاليَّة وإن قلنا
بجوازٍ تقدُّم معمولِ الحال عليها، فتدبّر.
والمرادُ من مجيئهم إليه تعالى مجيئُهم إلى حيثُ لا حكم لأحد غيره سبحانه
من المعبوداتِ الباطلةِ التي تزعُم فيها عَبَدتُها النفع والضُّرَّ وغير ذلك، نظيرَ ما قالوا
في قوله تعالى: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الذِيْنِ﴾ [الفاتحة: ٤].
﴿كَمَا خَلَقْتَكُ﴾ نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، أي: مجيئاً كائناً كمجيئِكم عند خَلْقِنا
لكم ﴿أَوَلَ مَرَّةٌ﴾، أو حالٌ من الضمير المرفوع في ((جئتُمُونا))، أي: كائنين
كما خلَقْنَاكم أوَّلَ مرَّةٍ حُفاةً عُراةً غُرلاً، أو: ما معكم شيءٌ مما تفتَخِرُون به من
(١) حاشية الشهاب ٦/ ١٠٨ وفيه: فتخيلُ غنيٌّ عن الرد إذ لا محذور فيه.

سُوَّةُ الكَهْفِ
٣٧٢
الآية : ٤٩
الأموال والأنصارِ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُوْنَا فُرَدَىْ كَمَا خَلَقْنَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَّكْتُم مَّا
خَوَّلْنَكُمْ وَرَآءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤].
وجُوِّز أن يكونَ المرادُ: أحياءً كخِلقَتِكم الأولى، والكلامُ عليه إعراباً كما تقدَّم،
لكن يخالِفُه في وجه التشبيه، وذاك كما قيل أوفقُ بما قبلُ، وهذا بقوله تعالى: ﴿بَلّ
﴾﴾ وهو إضرابٌ وانتقالٌ من كلام إلى كلامِ
زَعْتُمْ أَلَّنْ تَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا
كلاهما للتوبيخ والتقريع.
والموعِدُ اسمُ زمانٍ، و((أن)) مخفَّفةٌ من المثقّلةِ فُصِلَ بينَها وبينَ خَبرِها بحرفٍ
النفْي؛ لكونه جملةً فعليةً فعلُها متصرِّفٌ غيرُ دعاءٍ، وفي ذلك يجبُ الفصل بأحدٍ
الفواصل المعلومة إلا فيما شدَّ.
والجعل إمَّا بمعنى التصييرِ فالجارُّ والمجرورُ مفعولُه الثاني، و((موعداً» مفعولُه
الأول، وإمَّا بمعنى الخلق والإيجادِ فالجارُّ والمجرورُ في موضع الحال من مفعولِه
وهو (موعِداً))، أي: زعمتُم في الدنيا أنَّه لن نجعلَ لكم وقتاً نُنجِز فيه ما وعدْنا من
البعث وما يتبعُه.
﴿وَوُضِعَ الْكِتَبُ﴾ عطفٌ على ((عُرِضوا)) داخلٌ تحتَ الأمور الهائلة التي أُريد
بذكرٍ وقتها تحذيرُ المشركين كما مرّ، وإيرادُ صيغة الماضي للدلالة على التقرُّر،
والمرادُ من ((الكتاب)) كُتُبُ الأعمال، فـ ((أل)) فيه للاستغراق، وَمِنْ وَضْعِه إمّا جعلُ
كلِّ كتابٍ في يدِ صاحبِهِ اليمينِ أو الشمالِ، وإمَّا جَعْلُ كلٌّ في الميزان، وجُوِّز أن
يكونَ المرادُ جَعْلَ الملائكة تلك الكتبَ في البين ليحاسبوا المكلَّفين بما فيها،
وعلى هذا يجوز أن يكون المراد بالكتاب كتاباً واحداً بأن تَجمَعَ الملائكةُ عليهم
السلام صحائفَ الأعمال كلَّها في كتابٍ وتَضعَه في البَيْنِ للمحاسبة، لكن لم أجد
في ذلك أثراً، نعم قال اللقانيُّ في شرح قوله في ((جوهرة التوحيد)):
وواجبٌ أخذُ العبادِ الصُّحُفَا كما مِن القُرآن نصًّا عُرِفَا
جَزَم الغزاليُّ بما قيل: إنَّ صُحُفَ العباد يُنسَخُ ما في جميعِها في صحيفةٍ
واحدةٍ. انتهى، والظاهرُ أنَّ جزْمَ الغزاليٌّ وأضرابِهِ بذلك لا يكون إلا عن أثرٍ؛ لأنَّ
مثلَه لا يقال مِن قِبَل الرأي كما هو الظاهرُ.

الآية : ٤٩
٣٧٣
سُورَةُ الكَهْفِ
وقيل: وَضْعُ الكتابِ كنايةٌ عن إبرازِ محاسَبةِ الخلق وسُؤالهم، فإنَّه إذ أُرِيد
محاسبةُ العُمَّال جيء بالدفاتر ووُضِعَت بين أيديهم ثم حُوسِبوا، فأُطلِقِ الملزومُ
وأريد لازمُه. ولا يخفى أنه لا داعي إلى ذلك عندَنا وربّما يدعو إليه إنکارُ وزنِ
الأعمال.
وقرأ زيد بن عليٍّ ﴿هَا: ((ووَضَع الكتابَ)) ببناءِ ((وَضَع)) للفاعل وإسنادِه إلى
ضميرِه تعالى على طريق الالتفات ونَصْب ((الكتاب)» على المفعولية (١)، أي:
ووَضَعِ اللهُ الكتابَ.
﴿فَ الْمُجْرِمِينَ﴾ قاطبةً، فيدخُل فيهم الكَفَرَةُ المُنكِرون للبعث دخولاً أوَّلِيًّا،
والخطابُ نظير ما مرَّ. ﴿مُشْفِقِينَ﴾ خائفين ﴿مِمَا فِيهِ﴾ أي: ((الكتابِ)) من الجرائم
والذنوب لتحقُّقهم ما يترتَّبُ عليها من العذاب ﴿وَيَقُولُونَ﴾ عندَ وقوفِهم على ما في
تضاعيفِه نقيراً وقطميراً: ﴿يَوَيِلَنْنَا﴾ نداءٌ لَهَلَكَتِهم التي هَلكوها من بين الهَلَكَات، فإنَّ
الويلةَ كالويل: الهلاكُ، ونداؤُها على تشبيهها بشخصٍ يُطلَب إقبالُه، كأنه قيل:
يا هلاكُ أَقِلْ فهذا أوانُك، ففيه استعارةٌ مكنيةٌ تخييليةٌ، وفيه تقريعٌ لهم وإشارةٌ إلى
أنَّه لا صاحبَ لهم غيرُ الهلاك، وقد طلبوه ليَهلِكوا ولا يروا العذابَ الأليم.
وقيل: المرادُ نداءُ مَن بحضرتِهم، كأنه قيل: يا مَن بحضرتِنا انظُروا هلَكَتَنا،
وفيه تقديرٌ يفوت به تلك النكتةُ.
﴿مَالِ هَذَا الْكِتَبِ﴾ أي: أيُّ شيءٍ له؟ والاستفهامُ مجازٌ عن التعُّب من شأنِ
الكتاب، ولامُ الجرِّ رُسمَت في الإمام مفصولةً، وزعم الطبرسيُّ أنه لا وجهَ لذلك(٢).
وقال البقاعيُّ(٣): إنَّ في رسمِها كذلك إشارةً إلى أنَّ المجرمين لشدَّةِ الكرب
يقفون على بعض الكلمة (٤).
(١) البحر ١٣٤/٦.
(٢) مجمع البيان ١٦٥/١٥.
(٣) في نظم الدرر ٧٢/١٢، والبقاعي هو إبراهيم بن عمر بن حسن الرباط، برهان الدين
البقاعي، عالم، أديب، مفسر، محدث ومؤرخ، له كتب منها: ((نظم الدرر في تناسب الآي
والسور) توفي بدمشق سنة (٨٨٥هـ). الضوء اللامع ١٠١/١، ومعجم المؤلفين ٤٩/١.
(٤) في نظم الدرر: بعض الكتب، والمصنف نقله من حاشية الشهاب ١٠٨/٦ .

سُوَّةُ الكَهْفِظَ
٣٧٤
الآية : ٤٩
وفي ((لطائف الإشارات))(١): وَقَفَ على ((ما)) أبو عمرو والكسائيُّ ويعقوب،
والباقون على اللام، والأصحُّ الوقفُ على ((ما)) لأنَّها كلمةٌ مستقلَّةٌ، وأكثرُهم لم
يَذكُر فيها شيئاً. اهـَـ
وأنتَ تعلم أنَّ الرسمَ العثمانيَّ مُتَّبِعٌ ولا يقاس عليه، ولا يكادُ يعرَف وجهُه،
وفي حُسن الوقف على ((ما)) أو اللام توقَّفٌ عندي.
وقوله تعالى: ﴿لَا يُغَادِرُ﴾ أي: لا يترك ﴿صَغِيرَةٌ﴾ أي: هَنَةً صغيرةً(٢) ﴿
كَبِيرَةٌ إِلَّ أَحْصَنهَا﴾ أي: إلا عدَّها، وهو كنايةٌ عن الإحاطة، جملةٌ حاليةٌ محقِّقةٌ لِمَا
في الجملة الاستفهامية من التعجّبِ، أو استئنافيةٌ مبنيَّةٌ على سؤالٍ نشأ من التعجُّب،
كأنه قيل: ما شأنُ هذا الكتاب حتى يُتُعَجَّب منه؟ فقيل: ((لا يغادِرُ صَغيرة)) إلخ.
وعن ابن جُبير تفسيرُ الصغيرة بالمسيس، والكبيرةِ بالزنى(٣).
وأخرج ابن أبي الدنيا في ((ذمّ الغيبة)) وابن أبي حاتم عن ابن عباس أنَّه قال في
الآية: الصغيرةُ: التبسُّم بالاستهزاء بالمؤمنين. والكبيرةُ: القهقهةُ بذلك(٤). وعلى
هذا يُحمَل إطلاقُ ابن مردويه في الرواية عنه ◌َُّه تفسيرَ الصغيرة بالتبسُّم والكبيرةِ
بالضحكِ(٥)، ويندفع استشكالُ بعض الفضلاء ذلك، ويُعلم منه أنَّ الضحكَ على
الناس من الذنوب.
وعن عبد الله بن زمعة به أنه سمع النبيَّ وَّهِ يخطب ويَعِظُهم في ضحكهم من
الريح الخارجِ بصوتٍ وقال: ((علامَ يضحَكُ أحدُكم مما يفعل)» (٦)؟ بل ذكر بعضُ
علمائنا أنَّ مِن الضحك ما يكفُر به الضاحكُ كالضحك على كلمة كفرٍ، وفيَّده
(١) لطائف الإشارات لفنون القراءات لأبي العباس أحمد بن محمد القسطلاني المتوفى سنة
(٩٢٣هـ). كشف الظنون ٢/ ١٥٥١. والكلام من حاشية الشهاب ١٠٨/٦.
(٢) الهَنَّة بفتح الهاء والنون: الخصلة السيئة. حاشية الشهاب ١٠٨/٦ .
(٣) الكشاف ٢/ ٤٨٧.
(٤) ذم الغيبة والنميمة ص ١٣٠، وعزاه لابن أبي حاتم السيوطيُّ في الدر ٢٢٦/٤ .
(٥) عزاه لابن مردويه السيوطي في الدر ٢٢٦/٤.
(٦) أخرجه أحمد (١٦٢٢٢)، والبخاري (٤٩٤٢)، ومسلم (٢٨٥٥)، وورد في رواية أحمد
ومسلم: ((إلام)). وفي رواية البخاري: ((لم)).

الآية : ٤٩
٣٧٥
سُوَرَّةُ الكَهْفِ
بعضُهم بما إذا قَدَر على أن يملكَ نفسَه، وإلا فلا يكفر، وتمامُ الكلام في ذلك في
محله.
وكان الظاهرُ: لا يغادِرُ كبيرةً ولا صغيرةً، بناءً على ما قالوا من أنَّ الترقِّي في
الإثبات يكون من الأدنى إلى الأعلى، وفي النفْي على عكسٍ ذلك، إذ لا يلزم من
فعلِ الأدنى فعلُ الأعلى، بخلاف النفْي، لكن قال المحقّقون: هذا إذا كان على
ظاهرِهِ، فإن كان كنايةً عن العموم كما هنا وقولِك: ما أعطاني قليلاً ولا كثيراً، جاز
تقديمُ الأدنى على الأعلى في النفْي كما فضَّله ابن الأثير في ((المثل السائر))(١).
وفي ((البحر)): قُدِّمت الصغيرة اهتماماً بها، ورَوى عن الفضيل أنَّه كان إذا قرأ
الآيةَ قال: ضَجُّوا والله من الصغائرِ قبلَ الكبائرِ(٢).
وأخرج ابنُ أبي حاتم عن قتادة أنه قال في الآية: اشتكى القومُ كما تسمعون
الإحصاءَ ولم يشتكِ أحدٌ ظلماً، فإنَّاكم والمحقَّرات من الذنوب فإنَّها تجمَعُ على
صاحبها حتى تُهلِگه(٣).
﴿وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ﴾ في الدنيا من السيئاتِ، أو جزاءَ ذلك ﴿حَاضِرًا﴾ مسطوراً في
كتابٍ كلٌّ منهم، أو عتيداً بين أيديهم نقداً غير مؤجَّل، واختير المعنى الأخيرُ وإن
كان فيه ارتكابُ خلافِ الظاهر؛ لأنَّ الكلامَ عليه تأسيسٌ محضِّ.
بما لم يعمله(٤)، أي: منهم، أو: منهم ومن
﴿وَلَا يَظْلُِّ رَبُّكَ أَحَدًا
غيرهم، والمرادُ أنه عزَّ وجلَّ لا يتجاوز الحدَّ الذي حَدَّه في الثواب والعقاب وإن
لم يَجب ذلك عليه تعالى عقلاً، وتحقيقُه أنَّه تعالى وَعَد بإثابةِ المطيع والزيادةِ في
ثوابه، وبتعذيبِ العاصي بمقدارٍ جرمه من غير زيادةٍ، وأنه قد يَغفِر له ما سوى
الكفر، وأنَّه لا يُعذِّب بغير جنايةٍ، فهو سبحانه وتعالى لا يجاوزُ الحدَّ الذي حدَّه،
ولا يخالِفُ ما جرَت عليه سنَّتُه الإلهيَّةُ، فلا يعذِّب أحداً بما لم يعمَلْه، ولا ينقصُ
(١) ٣٢/٢-٣٥، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ١٠٩/٦.
(٢) البحر ١٣٥/٦.
(٣) عزاه لابن أبي حاتم السيوطي في الدر ٢٢٦/٤، وقوله: فإياكم والمحقَّرات ... إلخ ورد
في حديث مرفوع عن ابن مسعود مظله وهو عند أحمد (٣٨١٨).
(٤) قوله: بما لم يعمله، سقط من الأصل.

سُورَةُ الْكَهْفِ
٣٧٦
الآية : ٥٠
ثوابَ ما عمِله مما أمَرَ به وارتضاه، ولا يزيد في عقابِهِ الملائِم لعَملِهِ الذي نَهَى عنه
ولم يرتضه. وهذا مما أجمع عليه المسلمون وإن اختلفوا في أنَّ امتناعَ وقوعِ ما نُفِيَ
هل هو سمعيٍّ أو عقليٍّ؟ فذهب إلى الأول أهلُ السنة وإلى الثاني المعتزلةُ.
وهل تسميةُ تلك المجاوَزةِ ظلماً حقيقةٌ أم لا؟ قال الخفاجيّ(١): الظاهرُ أنها
حقيقةٌ، وعليه لا حاجةً إلى أن يقال: المرادُ بالآية أنه سبحانه لا يفعل بأحدٍ
ما يكون ظلماً لو صدر من العباد كالتعذيب بلا ذنبٍ، فإنَّه لو صدر من العباد يكون
ظلماً ولو صدر منه سبحانه لا يكون كذلك؛ لأنه جلَّ شأنُه مالكُ الملك متصرِّفٌ
في ملكِه كيف يشاء، فلا يُتصوَّر في شأنِه - تعالى شأنُه ــ ظلمٌ أصلاً بوجهٍ من
الوجوه عند أهل السنَّة. وأنت تعلم أنَّ هذا هو المشهورُ لدى الجمهور لا ما اقتضاه
التحقيقُ، فتأمَّل والله تعالى وليُّ التوفيق.
واستُدِلَّ بعموم الآية على أنَّ أطفال المشركين لا يُعذَّبون، وهو القولُ
المنصورُ، وقد أسلَفْنا - ولله تعالى الحمدُ - ما يؤيِّده من الأخبار(٢).
﴿وَإِذْ قُلْنَ﴾ أي: اذكر وقتَ قولنا ﴿لِلْمَلَكَةِ﴾ كلِّهم كما هو الظاهر، واستثنى
بعضُ الصوفية الملائكةَ المهيمين، وبعضٌ آخرُ ملائكةَ السماءِ مطلقاً، وزعم أنَّ
المقولَ له ملائكةُ الأرض.
﴿أَسْجُدُواْ لِأَّدَمَ﴾ سجودَ تحيةٍ وإكرام، أو: اسجُدُوا لجهتِه على معنى: اتخِذُوه
قبلةً لسجودِكم للهِ تعالى، وقد مرَّ تمامُ الكلام في ذلك. ﴿فَسَجَدُوَا﴾ كلَّهم أجمعون
امتثالاً للأمر ﴿إِلَّ إِيْلِيسَ﴾ لم يكن من الساجدين، بل أبى واستكبر.
وقوله تعالى: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِ﴾ كلامٌ مستأنَفٌ سيق مساقَ التعليل لِمَا يفيده
استثناءُ اللعين من الساجدين. وقيل: حالٌ من المستثنى، و((قد)» مقدَّرةٌ، والرابطُ
الضميرُ، وهو اختيار أبي البقاء (٣)، والأوَّلُ الصَقُ بالقلب، فكأنَّه قيل: ما له لم
يسجد؟ فقيل: كان أصلُه جِنِّيًّا، وهذا ظاهرٌ في أنَّه ليس من الملائكة. نعم كان
(١) في حاشيته ١٠٩/٦.
(٢) ينظر ٤٢٩/١٤ وما بعد.
(٣) في الإملاء ٥٢٢/٣.

الآية : ٥٠
٣٧٧
سُورَةُ الكَهْفِ
معهم ومعدوداً في عدادهم؛ فقد أخرج ابن جرير عن سعد بن مسعود قال: كانت
الملائكة تقاتِل الجنَّ فسُبي إبليسُ وكان صغيراً، فكان مع الملائكة فتعبّد بالسجود
معهم. وأخرج نحوه عن شهر بن حوشب(١).
وهو قول كثيرٍ من العلماء، حتى قال الحسن فیما أخرجه عنه ابن المنذر وابن
أبي حاتم: قاتل اللهُ تعالى أقواماً زعموا أن إبليسَ من الملائكة، والله تعالى يقول:
(كَانَ مِنَ اُلْجِنِّ)(٢).
وأخرج عنه ابن جرير، وابن الأنباري في ((كتاب الأضداد))، وأبو الشيخ في
((العظمة)) أنه قال: ما كان إبليسُ من الملائكة طرفةَ عينٍ، وإنَّه لأصلُ الجنِّ، كما أنَّ
آدم عليه السلام أصل الإنس(٣). وفيه دلالةٌ على أنَّه لم يكن قبلَه جنٍّ كما لم يكن
قبلَ آدم عليه السلام إنسٌ، وفي القلب من صحّته ما فيه.
وأقرب منه إلى الصحّة ما قاله جماعةٌ من أنه كان قبلَه جنٍّ إلا أنَّهم هَلَكُوا، أو
لم يكن لهم عقبٌ سواه، فالجنُّ والشياطين اليومَ كلُّهم من ذُرِّيَّته، فهو في الجنِّ
كنوح عليه السلام في الإنس على ما هو المشهورُ.
وقيل: كان من الملائكةِ والجنُّ قبيلةٌ منهم، وقد أخرج هذا ابنُ جریر وابن
المنذر وأبو الشيخ في ((العظمة)) والبيهقيُّ في ((شعب الإيمان)) عن ابن عباس(٤).
وفي روايةٍ أخرى عنه ◌َّهُ أنَّ إبليس كان من أشراف الملائكة وأكرمِهم قبيلةً،
وكان خازناً على الجِنان، وكان له سلطانُ السماء الدنيا، وكان له مجمعُ البحرين:
بحرِ الروم وبحرِ فارس، وسلطانُ الأرض، فرأى أنَّ له بذلك عظمةً وشرفاً على
أهل السماء، فوقع في نفسه كِبرٌ لم يعلم به أحدٌ إلا اللهُ تعالى، فلمَّا أُمِر بالسجود
ظهر كِبْرُه الذي في نفسه، فلعنه الله تعالى إلى يوم القيامة(٥). وكان على ما رواه عنه
(١) تفسير الطبري ١/ ٥٤٠ -٥٤١ .
(٢) عزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم السيوطي في الدر ٢٢٧/٤.
(٣) تفسير الطبري ٥٣٩/١-٥٤٠، وكتاب الأضداد ص٣٣٧، والعظمة (١١٤٥).
(٤) تفسير الطبري ٢٨٦/١٥، والعظمة (١١٤٤)، وشعب الإيمان (١٤٤). وعزاه لابن المنذر
السيوطي في الدر ٤/ ٢٢٧.
(٥) أخرجه الطبري في تفسيره ٢٨٧/١٥ من رواية ابن جريج عنه.

سُورَةُ الكَهْفِّ
٣٧٨
الآية : ٥٠
قتادة يقول: لو لم يكن من الملائكة لم يُؤْمَر بالسُّجُود (١). وأجيب عن هذا بما أشَرْنا
إليه آنفاً، وبغيره مما لا يخفى.
وإلى ذلك ذهب ابنُ جبير(٢)، وقد رَوى عنه جماعةٌ أنه قال: الجِنُّ في الآية
حيٍّ من الملائكة، لم يزالوا يصُوغون حُليَّ أهلِ الجنة حتى تقومَ الساعةُ (٣). وفي
روايةٍ أخرى عنه أنَّ معنى ((كان من الجنِّ»: كان من خَزَنَةِ الجنان(٤). وهو تأويلٌ
عجيبٌ، ومثلُه ما أخرجه أبو الشيخ في ((العظمة)) عن قتادة أنَّ معنى كونِه من الجنِّ
أنه أُجِنَّ عن طاعةِ الله تعالى(٥)، أي: سُتِرَ ومُنِعَ .
وروايةُ الكثير عنه أنه قائلٌ بما رُوي عن ابن عباس طًّا (٦).
(٦)
وقيل: هو من الملائكة، ومعنى ((كان من الجن)): صار منهم بالمسخ.
وقيل: معنى ذلك أنه عُدَّ منهم؛ لموافَقتِهِ إِيَّاهم في المعصية حيثُ إنَّهم كانوا
من قبلُ عاصين، فُبُعثت طائفةٌ من الملائكة عليهم السلام لقتالهم.
وأنت تعلم أنه يشقُّ الجوابُ على مَن ادَّعى أنَّ إبليس من الملائكة مع دعواه
عصمتَهم، ولا بدَّ أن يرتكبَ خلاف الظاهر في هذه الآية، نعم مسألةُ عصمتِهم
عليهم السلام خلافيةٌ، ولا قاطعَ في العصمة كما قال العلامة التفتازاني. وقد ذكر
القاضي عياض أنَّ طائفةً ذهبوا إلى عصمة الرسل منهم والمقرَّبين عليهم السلام،
ولم يقولوا بعصمةٍ غيرهم(٧). وإذا ذهب مدَّعي كونٍ إبليس من الملائكة إلى هذا
لم يتخلّص من الاعتراض إلا بزعم أنَّه لم يكن من المقرَّبين، ولا تساعده الآثارُ
على ذلك، ويبقى عليه أيضاً أنَّ الَّية تأبى مدَّعاه، وكذا لو ذهب إلى ما نُقل عن
(١) تفسير الطبري ٢٨٨/١٥ .
(٢) فإنه قال: كان إبليس رئيس ملائكة سماء الدنيا، تفسير الطبري ٥٣٨/١.
(٣) كتاب الأضداد لابن الأنباري ص٣٣٤، والدر المنثور ٢٢٧/٤ باللفظ المذكور، وفي
العظمة (١١٤٢) بلفظ ((حرس)) بدل ((حي)).
(٤) تفسير الطبري ٢٩٠/١٥، والعظمة (١١٤٠).
(٥) العظمة (١١٣٨)، وهو عند الطبري في تفسيره ٢٨٨/١٥.
(٦) أي: أنه كان من قبيل من الملائكة يقال لهم: الجن. وهو عند الطبري في تفسيره ٢٨٨/١٥،
وعزاه السيوطي في الدر ٢٢٧/٤ لابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٧) الشفا ٢/ ٣٩٧.

الآية : ٥٠
٣٧٩
سُؤَدَّةُ الكَهْفِ
بعض الصوفية مِن أنَّ ملائكةَ الأرض لم يكونوا معصومين، وكان إبليس عليه
اللعنةُ منهم.
﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِِّهُ﴾ أي: فخرج عن طاعتِه سبحانه كما قال الفراء(١)، وأصلُه
من: فَسَقَ الرُّطَبُ: إذا خَرَج عن قشره، وسمّوا الفأرةَ فاسقةً؛ لخروجها من جُحرها
من البابَيْن، ولهذا عُدِّي بـ ((عن)) كما في قول رؤبة:
يَهْوِيْنَ في نجدٍ وغوراً غائِرًا فَواسِقاً عن قصدِها جَوَائرا(٢)
والظاهرُ أنَّ الفسقَ بهذا المعنى مما تكلَّمت به العربُ من قبل، وقال أبو عبيدة:
لم نسمع ذلك في شيء من أشعار الجاهلية ولا أحاديثها، وإنما تكلّم به العربُ بعد
نزول القرآن. ووافقه المبرِّدُ على ذلك فقال: الأمرُ على ما ذكره أبو عبيدة، وهي
كلمةٌ فصيحةٌ على ألسنةِ العرب. وكأنَّ ما ذكره الفراءُ بيانٌ لحاصل المعنى؛ إذ ليس
الأمرُ بمعنى الطاعة أصلاً، بل هو إمَّا بمعنى المأمور به وهو السجودُ، وخروجُه عنه
بمعنى عدم اتصافِه به، وإمَّا قولُه تعالى: ((اسجدوا))، وخروجُه عنه مخالفتُه له،
وكونُ حاصل المعنى ذلك على المعنيّيْن ظاهرٌ.
وقيل: ((عن)) للسبية كما في قولهم: كسوتُه عن حُرىٍ وأطمعته عن جُوعٍ. أي:
فصار فاسقاً كافراً بسببٍ أمر الله تعالى الملائكةَ المعدودَ هو في عدادهم، إذ
لولا ذلك الأمرُ ما تحقَّق إباءٌ. وإلى ذلك ذهب قُطرب إلا أنَّه قال: أي: نفسق عن
ردِّه أمرَ ربِّه(٣) .
ويحتمل أن يكونَ تقديرَ معنًى، وأن يكونَ تقديرَ إعرابٍ. وجوِّز على تقديرٍ
السببية أن يرادَ بالأمر المشيئةُ، أي: ففسق بسببِ مشيئة الله تعالى فسقَه، ولولا ذلك
لأطاع. والأظهرُ ما ذُكر أولاً .
والفاءُ سببيةٌ عَطَفت ما بعدها على قوله تعالى: (كَانَ مِنَ الْجِنِ) وأفادت تسبُّبَ
(١) في معاني القرآن ٢/ ١٤٧ .
(٢) البيت في مجاز القرآن ٤٠٦/١، ومعاني القرآن للنحاس ٢٥٤/٤، والبحر ١٣٦/٦، وشطره
الأول في الكتاب ٩٤/١ بلفظ ((يذهبن)). ونسبه سيبويه للعجاج. وقد سلف ٦٩/٢.
(٣) نقله عنه النحاس في معاني القرآن ٢٥٥/٤.

سُورَّةُ الكَهْفِ
٣٨٠
الآية : ٥٠
فسقِهِ عن كونه من الجنِّ، إذ شأنُهم التمرُّدُ لكدورة مادَّتِهِم وخَباثة ذاتِهم، والذي
خُبُث لا يخرج إلا نكداً، وإن كان منهم مَن أطاع وآمن.
وجوِّز أن يكون العطفُ على ما يُفهَم من الاستثناء، كأنه قيل: فسجدوا إلا إبليس
أبى عن السجود ففسق، وتفيد حينئذٍ تسبُّبَ فسقِه عن إبائِه وتركِه السجود.
وقيل: إنَّها هنا غيرُ عاطفةٍ؛ إذ لا يصحُّ تعليلُ تركِ السجود وإبائه عنه بفسقِه عن
أمر ربِّه تعالى، قال الرضي: والفاءُ التي لغير العطف - وهي التي تسمَّى فاءً
السبيَّة - لا تخلو أيضاً من معنى الترتيبٍ، وتختصُّ بالجمل، وتدخُل على ما هو جزاءٌ
مع تقدُّم كلمةِ الشرط وبدونها. انتهى. وليس بشيء؛ لأنَّه يكفي لصحَّةِ ترتُّبِ الثاني
تسبُّبه كما في ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهٍ﴾ [القصص: ١٥] كما صرَّح به في ((التسهيل))(١)،
وهنا كذلك. والتعرُّضُ لعنوانِ الربوبية المنافيةِ للفسق لبيانٍ قُبح ما فعله.
والمرادُ من الأمر بذكر وقت القصّة ذكرُ القصَّةِ نفسِها؛ لِمَا فيها من تشديد
النكير على المتكبِّرين المفتخرِين بأنسابهم وأموالهم، المستنكفين عن الانتظام في
سلك فقراء المؤمنين، ببيانِ أنَّ ذلك من صنيع إبليس، وأنَّهم في ذلك تابعون
لتسويله كما يُنبئ عنه ما يأتي إن شاء الله تعالى، ومنه يُعلم وجهُ الرابط.
وجوِّز أن يكون وجهُه أنَّه تعالى لمَّا بَيَّن حالَ المغرور بالدنيا والمُعرِض عنها،
وكان سببَ الاغترار بها حبُّ الشهوات وتسويلُ الشيطان، زهَّدهم سبحانه أوَّلاً
بزخارفِ الدنيا بأنها عُرضةُ الزوالِ وشيكةُ الانتقالِ، والباقياتُ الصالحاتُ خيرٌ ثواباً
وأحسنُ أملاً من أنفَسِها وأعلاها، ثم نفَّرهم عن الشيطان، بتذكيرِ ما بينَهم من
العداوة القديمة.
واختار أبو حيان في وجهه أنَّه سبحانه لمَّا ذكر يومَ القيامة والحشر، وذكر
خوفَ المجرمين مما سُطر في كتبهم، وكان إبليسُ اللعينُ هو الذي حملهم على
المعاصي واتخاذِ الشركاء = ناسب ذِكْرَ إبليس والتنفيرَ عنه تبعيداً عن المعاصي وعن
امتثالِ ما يُوَسوِسُ به ويدعو إليه(٢).
(١) ص ١٧٥ .
(٢) البحر ١٣٥/٦.