النص المفهرس

صفحات 321-340

الآية : ٢٩
٣٢١
سُوَرَّةُ الكَهْفِ
وعنه أيضاً ضُّ اللام حيث وقع، كأنه إتباعٌ لحركة القاف، وقرأ أيضاً: ((الحقَّ)
بالنصب، وخرَّجه صاحبُ ((اللوامح)) على تقدير: قُلِ القولَ الحقّ(١)، و((من ربكم))
قيل: حالٌ، أي: كائناً من ربكم، وقيل: صفةٌ، أي: الكائنَ من ربكم. وفيه بحث.
وقرأ الحسن وعيسى الثقفيُّ: ((فِيُؤْمِنْ)) و((لِيكفُرْ)) بكسر لام الأمر فيهما(٢).
﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ﴾ للكافرين بالحقِّ بعدما جاء من اللهِ سبحانه، والتعبيرُ عنهم
بـ «الظالمين)) للتنبيه على أنَّ مشيئةَ الكفر واختيارَه تجاوُزٌ عن الحدِّ ووَضْعٌ للشيءٍ في
غير موضعه، والجملةُ تعليلٌ للأمر بما ذُكر من التخيير التهديديِّ.
وجَعَلها مَن جَعَل ((فمن شاء)» إلخ تهديداً من قِبَلِه تعالى = تأكيداً للتهديد وتعلیلاً
لِمَا يُفِيده من الزجرِ عنِ الكفرِ. وجوِّز كونُها تعليلاً لِمَا يُفْهَم من ظاهرِ التخيير من
عدَمِ المبالاة بكفرهم وقلَّةِ الاهتمام بشأنهم.
و (أعتدنا)) من العتادِ، وهو في الأصل: ادِّخارُ الشيء قَبل الحاجة إليه. وقيل:
أصلُه: أعدَدْنا، فأُبدل من إحدى الدالين تاء، والمعنى واحدٌ، أي: هيَّأنا لهم
﴿نَارًا﴾ عظيمةٌ عجيبةٌ ﴿أَحَاطَ بِهِمْ شُرَادِقُهَأَ﴾ أي: فسطاطُها، شُبِّه به ما يُحِيط بهم من
لهبها المنتشرِ منها في الجهاتِ، ثم استُعِير له استعارةٌ مصرِّحةٌ. والإضافة قرينةٌ
والإحاطةُ ترشيحٌ.
وقيل: السرادقُ: الحجزةُ التي تكون حولَ الفُسطاطِ تمنع من الوصول إليه،
ويُطلَق على الدخانِ المرتفع المحيط بالشيء، وحَمَل عليه بعضُهم ما في الآية،
وهو أيضاً مجازٌ كإطلاقه على اللَّهَب، وكلامُ ((القاموس)) يُوهِم أنَّه حقيقةٌ(٣)،
والمرويُّ عن قتادة تفسيرُه بمجموع الأمْرَين اللهبِ والدخانِ (٤).
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس أنه حائط من نار (٥).
وحكى الكلبيُّ أنه عُنُقٌ يخرُجُ من النار فيُحِيط بالكفَّار.
(١) البحر ١٢٠/٦.
(٢) المحرر الوجيز ٥١٣/٣، والبحر ١٢٠/٦.
(٣) القاموس (سردق) وحاشية الشهاب ٩٨/٦.
(٤) مجمع البيان ١٥/ ١٥١.
(٥) تفسير الطبري ٢٤٦/١٥.

سُورَةُ الكَهْفِ
٣٢٢
الآية : ٢٩
وحكى القاضي الماورديُّ(١) أنه البحر المحيط بالدنيا يكون يومَ القيامة ناراً
ويحيط بهم، واحتَجَّ له بما أخرجه أحمد والبخاريُّ في ((التاريخ)) وابن أبي حاتم
والحاكم(٢) وصحَّحه والبيهقيُّ في ((البعث)) وآخرون عن يعلى بن أمية أنَّ
رسول الله وَ ﴿ قال: ((إنَّ البحرَ هو من جهَّم)) ثم تلا: (نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ شُرَادِقُهَا)(٣).
والسرادق: قال الراغب: فارسيٌّ معرَّب، وليس من كلامِهم اسمٌ مفردٌ ثالثُه
ألفٌ وبعدَه حرفان(٤). انتهى، وقد أصاب في دعوى التعريب فإنَّ عامَّةَ اللغويِّين
على ذلك، وأمَّا قوله: وليس من كلامهم .. إلخ، فيكذِّبه وُرودُ عُلابِط وقُرامِص
وُنادِفِ وحُلاحل (٥)، وكلُّها بِزِنَةٍ سُرادق، ومثلُ ذلك كثيرٌ، والغفلةُ مع تلك الكثرَةِ
من هذا الفاضل بعيدةٌ، فليُنظَر ما مرادُه؟ !.
ثم إنه معرَّبُ: سرَايَرْدَه، أي: سترُ الديوان، وقيل: سَراطاق، أي: طاقُ
الديوان، وهو أقربُ لفظاً إلا أنَّ الطاقَ معرَّبٌ أيضاً وأصلُه: تا، أو: تاك، وقال
أبو حيان وغيره: معرَّبُ: سرادَر، وهو: الدهليز(٦). ووقَع في بيت الفرزدق:
تركت لهم قبل الضِّرابِ السُّرادِقا(٧)
تمنيتهم حتى إذا ما لَقِيتهم
ويُجمع كما قال سيبويه بالألف والتاء وإن كان مذكَّراً، فيقال: سُرادِقات.
(١) في النكت والعيون ٣٠٣/٣.
(٢) سقطت كلمة ((الحاكم)) من الأصل و(م)، والمثبت من الدر المنثور ٢٢٠/٤ وعنه نقل
المصنف .
(٣) مسند أحمد (١٧٩٦٠)، والتاريخ الكبير ٧٠/١، والمستدرك ٥٩٦/٤، وسنن البيهقي
الكبرى ٣٣٤/٤، وعزاه لابن أبي حاتم وابن مردويه السيوطيُّ في الدر ٢٢٠/٤. وأخرجه
الطبري في تفسيره ٢٤٦/١٥-٢٤٧. وإسناده ضعيف، فيه محمد بن حيي، وهو مجهول،
ورواية المصادر عدا التاريخ الكبير والدر: (( ... هو جهنم))، ليس فيه: من.
(٤) المفردات (سردق).
(٥) العلابط: الضخم، وقطيع الغنم. وقرامص: اللبن القارص، أي: الحامض. وجنادف:
الجافي، والجسيم من الناس والإبل. وحلاحل: السيد الشجاع. القاموس (علبط) (قرمص)
(جندف) (حلل).
(٦) البحر المحيط ٩٣/٦، والمعرب للجواليقي ص٢٤٨، وقوله: ((سرادر)) كذا في الأصل
و(م)، وهو في البحر والمعرَّب: ((سرادار)) بزيادة ألف قبل الراء.
(٧) ديوان الفرزدق ٢/ ٤٧ .

الآية : ٢٩
٣٢٣
سُوَرَّةُ الكَهْفِّ
وفسَّره في ((النهاية)) بكلِّ ما أحاط بموضع من حائطٍ أو مضربٍ أو خِباءٍ (١). وأَمْرُ
إطلاقِهِ على اللهب أو الدخانِ أو غيرِهما مّما ذُكر على هذا ظاهرٌ.
﴿وَإِن يَسْتَغِيثُواْ﴾ من العطش بقرينةٍ قولِه تعالى: ﴿يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَأَلْمُهْلِ﴾، وقيل:
مما حلَّ بهم من أنواع العذاب، و((المهل)) على ما أخرج ابن جرير وغيره عن ابن
عباس وابن جُبَير: ماءٌ غليظٌ كدُردِيِّ الزيت(٢). وفيه حديثٌ مرفوعٌ؛ فقد أخرج
أحمد والترمذيُّ وابن حبان والحاكم وصحَّحه والبيهقيُّ وآخرون عن أبي سعيد
الخدريِّ عن النبيِّ بَّر في قوله تعالى: (أَلْمُهْلِ) قال: ((كعَكَرِ الزيت، فإذا قُرِّب إليه
سقطَتْ فَرْوَةٌ وجهِه فيه))(٣) .
وقال غير واحد: هو ما أُذِيبَ من جواهِرِ الأرض. وقيل: ما أُذِيبَ من
النحاس، وأخرج الطبرانيُّ وابن المنذر وابن جرير عن ابن مسعود أنه سُئل عنه
فدعا بذهبٍ وفضَّةٍ فأذَابَه، فلمَّا ذاب قال: هذا أشبهُ شيء بالمُهل الذي هو شرابُ
أهل النار، ولونُه لونُ السماء، غيرَ أنَّ شرابَ أهل النار أشدُّ حرًّا من هذا(٤).
وأخرج ابن أبي حاتم وغيره عن مجاهد أنه القيحُ والدمُ الأسود(٥).
وقيل: هو ضَربٌ من القَطِران.
وقولُه سبحانه: ((يغاثوا)) إلخ خارجٌ مخرجَ التهكّم بهم، كقول بِشْر بن
أبي خازم:
(١) النهاية (سردق)، والكلام سيبويه في الكتاب ٦١٥/٣.
(٢) تفسير الطبري ٢٤٩/١٥، وكتاب الزهد لهناد (٢٨٣) و(٢٨٥). ودُرْدِيُّ الزيت: ما يبقى
أسفلَه. القاموس (درد).
(٣) مسند أحمد (١١٦٧٢)، وسنن التزمذي (٢٥٨١)، وصحيح ابن حبان (٧٤٧٣)، والمستدرك
٥٠١/٢، والبعث والنشور (٦٠٦). وهو في منتخب عبد بن حميد (٩٣٠)، وتفسير الطبري
٢٥٠/١٥. وقال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث رشدين بن سعد، ورشدين
قد تكلّم فيه. قوله: عَكّر الزيت: قال في تاج العروس (عكر): عَكَّرُ الشرابِ: آخِرُه
وخائِره.
(٤) تفسير الطبري ١٤٥/١٥، والمعجم الكبير (٩٠٨٢) و(٩٠٨٣)، وعزاه لابن المنذر السيوطي
في الدر ٢٢١/٤، وعنه نقل المصنف.
(٥) عزاه لابن أبي حاتم وابن المنذر السيوطي في الدر ٢٢١/٤.

سُورَةُ الكَهْفِ
٣٢٤
الآية : ٢٩
يوم النِّسار فأعْتِبُوا بالصَّيْلَمِ(١)
غضِبَت تميمٌ أن تُقَثَّلَ عامرٌ
﴿يَشْوِى الْوُجُوهُ﴾ يُنْضِجها إذا قدِّم ليُشْرَبَ مِن فَرْط حرارتِه، حتى إنَّه يُسقِط
جلودَها كما سمعتَ في الحديث، فالوجوهُ جمع وجهٍ، وهو العضْوُ المعروف،
والظاهرُ أنه المرادُ لا غير، وقيل: عبَّر بالوجوه عن جميع أبدانهم.
والجملة صفةٌ ثانيةٌ لـ ((ماءٍ))، والأولى ((كالمهل))، أو حالٌ منه كما في
((البحر))(٢)؛ لأنَّه قد وُصِف. أو حال من ((المهل)) كما قال أبو البقاء(٣).
وظاهرُ كلام بعضِهم جوازُ كونها في موضع الحال من الضمير المستتر في
الكاف؛ لأنها اسمٌ بمعنى: مُشابِهِ، فيستَتِرُ الضميرُ فيها كما يستَتِر فيه. وفيه
ما لا يخفى من التكلَّف؛ لأنها ليست صفةً مشتقَّةً حتى يستَتِرِ فيها، ولم يُعهَد مشتقٌّ
على حرفٍ واحدٍ، قاله الخفاجي(٤)، وذَكَر أنَّ أبا عليٍّ الفارسيَّ مَنَعَ في ((شرح
الشواهد)»(٥) جَعْلَ ((ذؤابتي)) في قول الشاعر:
رأتْني كأُفْحُوصِ القطاةِ ذُوَّابَتي (٦)
مرفوعاً بالكاف؛ لكونها بمنزلة: مِثْل، وقال: إنَّ ذلك ليس بالسهل؛ لأنَّ
الكافَ ليست على ألفاظ الصفات.
وجوِّز أن تكونَ في موضع الحال من الضمير المستتِر في الجارِّ والمجرور.
وقيل: يجوز أن يكونَ مرادَ ذلك البعض، إلا أنَّه تسامح.
(١) ديوان بشر ص١٩١، وتهذيب اللغة ٢٧٨/٢، والصحاح واللسان وتاج العروس (عتب)،
وفي المفضليات ص ٣٤٦: فأعقبوا، وفي الخزانة ٢٨٥/٩ ((حنيفة)) بدل تميم، وقد أشير
إلى هذه الرواية في هامش الأصل بقوله: في نسخة: حنيفة. ومعنى (أعتبوا بالصيلم)) كما في
الصحاح: أعتبناهم بالسيف، أي: أرضيناهم بالقتل. اهـ. ومعنى أعقبوا: جُعل ذلك عاقبة
أمرهم، فلا شاهد فيه على هذه الرواية كما ذكر الشهاب في الحاشية ٦/ ٩٨.
(٢) ٤ /١٢١.
(٣) في الإملاء ٥١٥/٣.
(٤) في حاشيته ٦ / ٩٨.
(٥) واسمه ((كتاب الشعر))، أو ((شرح الأبيات المشكلة الإعراب))، وقول أبي علي فيه
٢٥٩/١-٢٦٠.
(٦) شطر بيت لبشر بن أبي خازم، وهو في ديوانه ص ٦٥، وعجزه: وَمامسَّها مِن مُنعمٍ يستثيبها .

الآية : ٢٩
٣٢٥
سُوَدَّةُ الكَهْفِ
﴿بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ ذلك الماء الذي يُغاثُون به ﴿وَسَآءَتْ﴾ النارُ ﴿مُرْتَفَقًّا يَ﴾﴾ أي:
مثَّكاً، كما قال أبو عبيدة (١) وروي عن السديِّ، وأصلُ الارتفاق - كما قيل - الاتِّكاءُ
على مِرِفَق اليد؛ قال في ((الصحاح)): يقال: بات فلانٌ مُرتَفِقاً، أي: مُتَّكِئاً على مِرِفَق
يده (٢)، وقيل: نصبُ المرفق تحتَ الخدِّ. فـ((مرتفقاً)) اسمُ مكان ونصبُه على التمييز.
قال الزمخشريُّ: وهذا لمشاكلةِ قولِه تعالى: (وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا) وإلا فلا ارتفاقَ
لأهل النار ولا اتكاءَ إلا أن يكونَ من قوله:
إِنِّي أرِقْتُ فِتُّ الليلَ مُرتفِقاً كأنَّ عَينِيَ فيها الصابُ مَذْبُوح (٣)
أي: فحينئذٍ لا يكون من المشاكلة، ويكون الكلامُ على حقيقته بأن يكونَ لأهل
النار ارتفاقٌ فيها، أي: اتكاءٌ على مرافقٍ أيديهم كما يفعله المتحزِّنُ المتحسِّرُ.
وقد ذكر في ((الكشف)) أنَّ الاتكاءَ على الحقيقة كما يكون للتنقُم يكون
للتحزُّن. وتعقِّب بأنَّ ذلك وإن أمكن عقلاً إلا أنَّ الظاهرَ أنَّ العذابَ أشْغَلَهم عنه،
فلا يتأتَى منهم حتى يكونَ الكلامُ حقيقةً لا مشاكلةٌ.
وجوِّز أن يكونَ ذلك تهكُّماً، أو كنايةً عن عدم استراحتهم. ورُوي عن ابن
عباس أنَّ المرتفق المنزلُ. وأخرج ذلك ابن أبي حاتم عن قتادة(٤)، وفي معناه قول
عطاء(٥): المقرُّ، وقولُ القتبي(٦): المجلسُ.
(١) في مجاز القرآن ١/ ٤٠٠.
(٢) الصحاح (رفق).
(٣) الكشاف ٤٨٣/٢، والبيت لأبي ذؤيب كما في مجاز القرآن ١/ ٤٠٠، والكامل للمبرد
١٤٣٣/٣، وهو في ديوان الهذليين ١٠٤/١، وتفسير الماوردي ٣٠٤/٣، والخزانة ١٣٧/٥
برواية صدره: نام الخليُّ وبتُّ الليلَ مُشتَجِرا. والخليُّ: الذي لا همَّ له. والمشتجر: الذي
قد وضع حنكه أو فَمَه على يده عند الهمِّ. والصاب: شجرة مُرَّةٌ لها لبن يحرق العين إذا
أصابها. والمذبوح: المشقوق. ينظر الخزانة ١٣٨/٥، وديوان الهذليين ١٠٤/١.
(٤) عزاه لابن أبي حاتم السيوطيُّ في الدر ٢٢١/٤، وقول ابن عباس في زاد المسير ١٣٦/٥،
والبحر ١٢١/٦.
(٥) في الأصل و(م): ابن عطاء، والمثبت من تفسير البغوي ٣/ ١٦٠، وتفسير القرطبي ٢٦٣/١٣،
والبحر ٦/ ١٢١.
(٦) في الأصل و(م): العتبي، والمثبت من المصادر السابقة، وكلامه في كتابه غريب القرآن
ص٢٦٧.

سُوَدَّةُ الكَهْفِ
٣٢٦
الآية : ٣٠
وقيل: موضعُ الترافُق، أي: ساءت موضِعاً للترافُق والتصاحُب، وكأنه مرادُ
مجاهد في تفسيره بالمجتمع، فإنكارُ الطبري(١) أنْ يكونَ له معنّى مكابرةٌ.
وقال ابن الأنباري: المعنى: ساءت مطلباً للرفق؛ لأنَّ مَن طلب رِفقاً من جهنّم
عَدِمه(٢) .
وجوَّز بعضُهم أن يكونَ المرتَفَقُ مصدراً ميميًّا بمعنى الارتفاق والاتكاء.
﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ في محلِّ التعليل للحثِّ على الإيمان المنفهِم من التخيير،
كأنه قيل: وللذين آمنوا، ولعلَّ تغييرَ السَّبك للإيذان بكمالِ تنافي حالَي الفريقَيْنِ،
أي: إنَّ الذين آمنوا بالحقِّ الذي يُوحَى إليك ﴿وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ حسبما بيِّن في
٣٠
تضاعيفِهِ ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا
وقرأ عيسى الثقفي: ((لا نضيِّع)) بالتضعيف(٣)، وعلى القراءتين الجملة خبرُ ((إِنَّ)
الثانية، وخبرُ ((إنَّ) الأولى الثانيةُ بما في حيِّزها، والرابطُ ضميرٌ محذوفٌ تقديرُه: مَن
أحسَن عملاً مِنْهم، ولا يَرِدُ أنَّه يقتضي أنَّ منهم من أحسَنَ ومنهم من لم يُحسِن؛ لأنَّ
ذلك على تقدير كونِ ((مِن)) تبعيضية، وليس بمتعيّنٍ لجوازٍ كونها بيانيةً، ولو سلِّم
فلا بأسَ به؛ فإنَّ الإحسانَ زيادةُ الإخلاص الوارد في حديث الإحسان: ((أن تعبُدَ اللهَ
كأنَّك تراه))(٤) لكن يبقى على هذا حكمُ مَن لم يُحسِن بهذا المعنى منهم.
أو الرابطُ الاسمُ الظاهرُ الذي هو المبتدأ في المعنى على ما ذهب إليه الأخفش
مِن جَعْلِه رابطاً؛ فإنَّ مَن أحسن عملاً في الحقيقة هم الذين آمنوا وعملوا
الصالحات. واعتُرِض بأنَّه يأباه تنكير «عملاً))؛ لأنَّه للتقليل. وأجيب بأنَّه غيرُ متعيّن
لذلك، إذ النكرةُ قد تعمُّ في الإثبات، ومقامُ المدح شاهدُ صدقٍ.
أو الرابط عمومُ ((مَن)) بناءً على أنَّ العموم قد يكونُ رابطاً كما في : زيدٌ نِعْمَ
الرجلُ، على قولٍ. وفيه مناقشةٌ ظاهرةٌ.
(١) في تفسيره ٢٥٣/١٥، وقول مجاهد فيه، وينظر البحر ٦/ ١٢١ .
(٢) البحر ٦/ ١٢١ .
(٣) القراءات الشاذة ص٧٩، والبحر ١٢٢/٦ .
(٤) قطعة من حديث جبريل الطويل، وسلف ٢٩٥/١.

الآية : ٣١
٣٢٧
سُورَةُ الكَهْفِّ
ولعلَّ الأولى كونُ الخبر جملةَ قولِه تعالى: ﴿أُوْلَِّكَ لَهُمْ جَنَّتُ عَدٍْ﴾ وجملة
((إنا)) إلخ معترِضَةٌ، ونحوُ هذا من الاعتراض - كما قال ابنُ عطية وغيرُه - قولُه :
سِربالَ ملك به ترجى الخواتيم(١)
إنّ الخليفةَ إنَّ الهَ ألبَسَهُ
وأنت تَعلم أنَّ الاعتراضَ فيه غيرُ متعيّنٍ أيضاً، وعلى الاحتمالِ السابقِ يحتمل
أن تكونَ هذه الجملةُ مستأنَفةً لبيانِ الأجرِ، ويحتمل أن تكونَ خبراً بعدَ خبرٍ على
مذهبٍ مَن لا يشترِطُ في تعدُّد الأخبارِ كونَها في معنى خبرٍ واحدٍ، وهو الحقُّ.
أي: أولئك المنعوتون بالنعوت الجليلة لهم جناتُ إقامةٍ، على أنَّ العَدْنَ بمعنى
الإقامةِ والاستقرارِ، يقالُ: عَدَن بالمكان: إذا أقام فيه واستقرَّ، ومنه المعدِن؛
لاستقرارِ الجواهرِ فيه.
وعن ابن مسعود: عَدْن: جنةٌ من الجِنان، وهي بُطنانُها (٢)، ووجهُ إضافةٍ
الجِنانِ إليها بأنَّها لِسِعَتِها كأنَّ كلَّ ناحيةٍ منها جنةٌ.
﴿َتَجْرِى مِن تَخْنِهِمُ الْأَهَرُ﴾ وهم في الغُرُفاتِ آمنون.
﴿يُعَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ ((مِن)) الأولى للابتداء والثانية للبيان، والجارُّ
والمجرورُ في موضع صفةٍ لـ ((أساور))، وهذا ما اختاره الزمخشريُّ وغيرُه(٣).
وجوَّز أبو البقاء في الأولى أن تكونَ زائدةً في المفعول على قولِ الأخفش،
ويدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿وَحُواْ أَسَاوِرَ﴾ [الإنسان: ٢١]، وأن تكونَ بيانيةً، أي: شيئاً،
أو حُلِيًّا من أساور(٤). وجوَّز غيرُه فيها أن تكونَ تبعيضيةً واقعةً موقعَ المفعولِ
كما جوَّز هو وغيرُه ذلك في الثانية، وجوِّز فيها أيضاً أن تتعلَّقَ بـ ((يحلون))، وهو
كما ترى.
(١) المحرر الوجيز ٥١٤/٣، ومعاني القرآن للفراء ٢١٨/٢، وللزجاج ٤١٨/٣، والأمالي
للزجاجي ص٦٢، والخزانة ٣٦٦/١٠، والبيت لجرير، وهو في ديوانه بشرح محمد بن
حبيب ٢/ ٦٧٢ برواية:
يكفي الخليفةَ أنَّ اللهَ سَرْبلَه سربالَ مُلكٍ به تُرجى الخواتيم
(٢) تفسير الطبري ١١/ ٥٦٢ .
(٣) الكشاف ٢/ ٤٨٢، وتفسير البيضاوي ٦/ ٩٩.
(٤) الإملاء ٥١٦/٣.

سُورَةُ الكَهْفِ
٣٢٨
الآية : ٣١
والأَسَاوِرُ، جمعُ: أَسْوِرَةٍ، جمعٍ: سوَار، بالكسر والضَّمِّ، وهو ما في الذِّراع
من الحلي، وهو عربيٍّ، وقال الراغبُ: معرَّبُ: دَسْتوَارَه(١). وقيل: جمعُ:
أَسْوَارٍ، جمعٍ: سِوَار، وأصلُه: أسَاوِيرُ، فخُفِّف بحذفٍ يائه. فهو على القولين
جمعُ الجمع، ولم يجعلوه من أوَّل الأمر جمعَ سِوارٍ؛ لِمَا رَأوا أنَّ فِعالاً لا يُجمّع
على أفاعِلَ في القياس.
وعن [أبي] عمرو بن العلاء أنَّ الواحدَ إسوَار(٢)، وأنشد ابن الأنباري:
واللهِ لولا صبيةٌ صِغارُ
كأنَّما وُجوهُهم أَقْمارُ
تَضُمُّهم مِن العَتيك دارٌ
أخافُ أن يصيبَهم أقْتارُ
أو لاطمٌ ليس له إسوارُ
لمَا رآني مَلِكٌ جَبَّارُ
ببابِه ما وَضَحَ الثَّهارُ(٣)
وفي ((القاموس)): السِّوارُ ككتابٍ وغُرابٍ: القُلْبُ، كالأُسوارِ، والجمعُ أَسْوِرَةٌ
وأَساوِرُ وأساوِرَةٌ وسُورٌ وسُؤُورٌ(٤). وهو موافقٌ لِمَا نُقِل عن ابن العلاء، ونُقِل ذلك
أيضاً عن قُطرب وأبي عبيدة (٥)، ونُكِّرت لتعظيمِ حُسْنِها من الإحاطة.
وقد أخرج ابن مردويه عن سعد عن النبيِّ وَّر قال: ((لو أنَّ رجلاً من أهل الجنَّةِ
اطّلعَ فبدَتْ أساورُه لطَمَس ضَوءه ضوءَ الشمس كما تَطْمِسُ ضوءَ النُّجُومِ))(٦).
(١) المفردات (سور).
(٢) الصحاح واللسان (سور) وما سلف بين حاصرتين منهما.
(٣) المحرر الوجيز ٥١٤/٣-٥١٥، والبحر ٩٣/٦ وعنه نقل المصنف. والعَتيك من الأيام:
الشديد الحرّ. وأقتار: القَتْر: الرُّمقةُ من العيشِ، والقذْرُ. القاموس: (عتك) و(قتر).
(٤) القاموس (سور).
(٥) مجاز القرآن ١/ ٤٠١، وقول قطرب في البحر ٩٩/٦.
(٦) الدر المنثور ٢٢١/٤، وأخرجه أيضاً أحمد (١٤٦٧)، والترمذي (٢٥٣٨).

الآية : ٣١
٣٢٩
سُورَةُ الكَهْفِ
وأخرج الطبراني في ((الأوسط)) والبيهقيُّ في ((البعث)) عن أبي هريرة أنَّ النبيَّ لَه
قال: (لو أنَّ أدنى أهلِ الجنة حِلْيَةً عُدلت حِليتُه بحِلْية أهل الدنيا جميعاً لكان
ما يُحلِّيه اللهُ تعالى به في الآخرة أفضل من حِلْية أهلِ الدنيا جميعاً))(١).
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة قال: إنَّ أهلَ الجنَّةِ يُحَلَّون أَسْوِرَةً
من ذهبٍ ولؤلؤٍ وفضَّةٍ هي أخفُّ عليهم من كلِّ شيء، إنَّما هي نورٌ (٢).
وأخرج الشيخان عن أبي هريرة أنَّ النبيَّ بِِّ قال: ((تبلُغُ الحِلْيَةُ من المؤمن
حيثُ يبلغ الوضوء))(٣).
وأخرج أبو الشيخ وغيرُه عن كعب الأحبار قال: إنَّ لله تعالى ملكاً - وفي
رواية: في الجنة ملكٌ - لو شئت أن أُسميه أَسْميتُه، يَصوُ حُلِيَّ أهلِ الجنةِ من يوم
خُلق إلى أن تقومَ الساعةُ، ولو أنَّ حُليًّا منها أُخرِج لردَّ شعاع الشمس(٤) ..
والسؤال بأنَّ لبسَ الرجالِ الأساورَ عيبٌ في الدنيا، فكيف يُحَلَّونها في الآخرة؟
مندفِعٌ بأنَّ كونَه عيباً إنَّما هو بين قوم لم يعتادوه، لا مطلقاً، ولا أظنُّكَ في مرية من
أنَّ الشيءَ قد يكون عيباً بين قوم ولاً يكون عيباً بين آخرين، وليس فيما نحن فيه أمرٌ
عقليٌّ يُحكَم بكونه عيباً في كلٍّ وقتٍ وفي كلِّ مكانٍ وبين كلِّ قوم، وإن التزمتَ أنَّ
فيه ذلك فقد حلَّيتَ نفسَك بحِليةِ الجَهل وخرجتَ من رِبْقَةِ العقل.
هذا وقرأ أبان عن عاصم: ((من أَسْوِرَة)) بحذف ألفٍ وزيادةِ هاءٍ(٥)، وهو أحَدُ
الجموع لسِوارٍ كما سمعتَ.
﴿وَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا﴾ لأنَّ الخُضْرة أحسنُ الألوان، والنفسُ تنبَسِطُ بها أكثرَ مِن
غيرها، ورُوي في أثرٍ أنها تزيد في ضوء البصر(٦). وقيل:
(١) المعجم الأوسط (٨٨٧٤)، والبعث والنشور (٣٣١).
(٢) عزاه لعبد بن حميد وابن المنذر السيوطي في الدر ٢٢١/٤.
(٣) صحيح مسلم (٢٥٠)، وأخرجه بنحوه البخاري (٥٩٥٣)، وهو في مسند أحمد (٨٨٤٠).
(٤) كتاب العظمة (٣٣٧)، وعزاه السيوطي في الدر ٢٢١/٤ لابن أبي حاتم.
(٥) البحر المحيط ١٢٢/٦.
(٦) روي من قول علي وعائشة وابن عمر وأبي سعيد ﴿ه: ثلاثٌ يزدن في قوَّة البصر: النظر إلى
الخضرة، وإلى الماء الجاري، وإلى الوجه الحسن. وفي أسانيدها جميعاً كلام. ينظر فيض

سُوَّةُ الكَهْفِ
٣٣٠
الآية : ٣١
الماءُ والخُضْرةُ والوجهُ الحَسَن(١)
ثلاثةٌ مُذهِبة للحَزَن
والظاهرُ أنَّ لباسَهم غيرُ منحصرٍ فيما ذُكر، إذْ لهم فيها ما تشتهي الأنفسُ وتلذُّ
الأعيُنُ، وأخرج ابن أبي حاتم عن سُليم بن عامرٍ أنَّ الرجلَ يُكسى في الساعة
الواحدة سبعين ثوباً، وأنَّ أدناها مثلُ شقيق النعمان(٢).
وقيل: يحتمل الانحصارُ، و: لهم فيها ما تشتهي الأنفسُ، لا يأباه؛ لجوازٍ
أنَّهم لا يشتهُون ولا تلذُّ أعينُهم سوى ذلك من الألوان.
والتنكيرُ لتعريفِ أنَّها لا يكاد يُوصَف حسنُها؛ وقد أخرج ابن أبي حاتم عن
كعب قال: لو أنَّ ثوباً من ثيابٍ أهل الجنة نُشِر اليومَ في الدنيا لصَعِقٍ مَن ينظر إليه،
وما حَمَلتْهِ أبصارُهم(٣).
وقرأ أبان عن عاصم وابن أبي حماد عن أبي بكر: ((ويلبسون)) بكسر الباء(٤).
﴿مِّنِ سُندُسٍ﴾ قال الجواليقي: هو رقيقُ الديباج بالفارسية. فهو معرَّبٌ، وفي
((القاموس)): هو ضربٌ من البُزْيونِ أو ضربٌ من رَقيق الدِّيباج معرَّبٌ بلا خلافٍ.
وقال الليث: لم يختلف أهلُ اللغة والمفسِّرون في أنه معرَّبٌ(٥). وأنت تعلم أنَّ فيه
خلافَ الشافعيِّ عليه الرحمة، والقولُ بأنَّه ليس من أهل اللغة والمفسِّرين في النفس
منه شيء. وقال شَيْذَلَة: هو رقيق الديباج بالهندية(٦). وواحدُه على ما نقل عن
ثعلب: سُنْدُسَة.
= القدير ٣١٣/٣. وفي حديث آخر أخرجه القزويني في التدوين في أخبار قزوين ٣٥٩/٣ عن ابن
عباس موقوفاً: ثلاث يجلين البصر: النظر إلى الخضرة، والإثمد عند النوم، والوجه الحسن.
(١) لم نهتد إلى قائله، وهو في كشف الخفاء ١/ ٣٨٧ بلفظ:
ثلاثة مذهِبةٌ عنّا الحَزَن الماء والخضرةُ والوجهُ الحَسَن
(٢) عزاه لابن أبي حاتم السيوطيُّ في الدر ٢٢٢/٤. وشقائق النعمان: زهر، سميت ((شقائق))
لحمرتها تشبيهاً بشقيقة البرق، وأضيفت إلى النعمان لأنه حمى أرضاً فكثر فيها ذلك.
الصحاح والقاموس (شقق).
(٣) المصدر السابق.
(٤) القراءات الشاذة ص٧٩، والبحر ٦/ ١٢٢ .
(٥) المعرَّب ص٢٢٥، والقاموس (سندس). وقول الليث في تهذيب اللغة ١٥٣/١٣.
(٦) الرسالة للشافعي ص٤٢، وقول شيذلة في الإتقان ٤٣٦/١.

الآية : ٣١
٣٣١
سُوَدَّةُ الكَهْفِ
وزعم بعضُهم: أنَّ أصلَه: سِنْدِي، وكان هذا النوعُ من الديباج يُجلَب من
السِّنْد، فأبدلت الياءُ سِيناً كما فُعل في سادي، فقيل: سادِس، وهو كلامٌ لا يَرُوج
إلا على سندِيٍّ أو هنديٍّ.
ويُحكَى أنَّ جماعةً من أهل الهند من بلدٍ يقالُ له: بَرُوج بالجيم الفارسية،
وكانوا يتكلَّمون بلغة تُسمَّى سنسكريت، جاؤوا إلى الإسكندر الثاني بهدية من
جملتها هذا الديباجُ، ولم يكن رآه فقال: ما هذا؟ فقالوا: سَنْدُون، بالنون في
آخِرِهِ، فغيَّرَتْه الرومُ إلى سَنْدوس، ثم العربُ إلى سندُس، فهو معرَّبٌ قطعاً من ذلك
اللفظ الذي أطلقَتْه أولئك الجماعةُ عليه، لكن لا جزمَ في أنه اسمٌ له في الأصل
بِلغيِّهم، أو اسمٌ للبلدةِ المجلوبِ هو منها أُطلِق عليه كما في أسماءِ كثيرٍ من الأمتعة
اليومَ. والله تعالى أعلم بحقيقة الحال.
﴿وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ أخرج ابن جرير وغيره عن قتادة عن عكرمة أنَّه غليظُ الديباج(١).
وقال ابن بحر: هو ديباجٌ منسوجٌ بذهب.
وفي ((القاموس)): هو الديباجُ الغليظ، أو ديباجٌ يُعمَل بالذهب، أو ثيابُ حریر
صِفاقٌ نحوَ الديباج، أو قِدَّة حمراء كأنها قِطَعُ الأوتار(٢). اهـ.
والذي عليه الأكثرون من المفسِّرين واللغويين الأولُ، وهو كما أخرج ابن
أبي حاتم عن الضخَّاك معرَّبُ: إستَبْرَه، وهي كلمةٌ عَجَمِيَّةٌ، ومعناها: الغليظ(٣).
والمشهورُ أنه يقال للغليظ بالفارسية: إستبر، بلا هاءٍ، وقال ابن قتيبة: هو روميٌّ
عُرِّب، وأصله: إستَبْرَه، فأبدلوا الهاء قافاً(٤). ووقع في شعر المرقِّش قال:
تراهنَّ يَلبسْنَ المشاعرَ مرَّةٌ وإستبرقُ الديباج طوراً لباسُها(٥)
وقال ابن دُريد (٦): هو سريانيٍّ عرِّب، وذَكَر من أصله ما ذكروا.
(١) تفسير الطبري ٢٢/ ٢٤٣، ومصنف ابن أبي شيبة ١٣/ ١٣٧.
(٢) القاموس (برق).
(٣) عزاه لابن أبي حاتم السيوطيُّ في الدر ٢٢١/٤ .
(٤) البحر ٩٣/٦، وورد في غريب القرآن لابن قتيبة ص ٢٦٧: فارسيٌّ معرَّب ... إلخ.
(٥) البيت في تفسير الطبري ٢٥٥/١٥، والنكت والعيون ٣٠٥/٣، والبحر ٩٤/٦.
(٦) في جمهرة اللغة ٣/ ٥٠٢.

سُوَّةُ الكَهْفِ
٣٣٢
الآية : ٣١
وقيل: أصلُه: إستَفْره بحرف بعد التاء بين الفاء والباء الموحّدة.
وادَّعى بعضُهم أنَّ الإستبرقَ الديباجُ الغليظُ الحَسَنُ في اللغة العربية والفارسية،
ففيه توافُقُ اللُّغَتَيْن، ونُقل عن الأزهري أنه استصوب هذا(١).
ويُجمَع على أبارق. ويصغَّر كما في ((القاموس)) وغيرِه على أُبَيْرِق(٢).
وقرأ ابن محيصن: ((وَاسْتَبْرَقَ)) بوصل الهمزة وفتح القاف حيثُ وقع(٣)،
جَعَله - كما يقتضيه ظاهرُ كلام ابن خالويه - فعلاً ماضياً على وزن اسْتَفْعَلَ من
البريق (٤)، إلا أنَّ اسْتَفْعَلَ فيه موافِقٌ للمجرَّدِ الذي هو بَرَق. وظاهرُ كلامِ الأهوازيِّ
في ((الإقناع)) أنه وحده قرأ كذلك، وجَعَله اسماً ممنوعاً من الصرف ولم يجعلْه فعلاً
ماضياً(٥).
وقال صاحبُ ((اللوامح)): قرأ ابن محيصن: ((واسْتَبْرقٍ)) بوصل الهمزة في جميع
القرآن مع التنوين. فيجوز أنه حذفَ الهمزةَ تخفيفاً على غيرٍ قياس، ويجوز أنه جعلَه
كلمةً عربيةً من بَرَق الثوبُ يبرِق بريقاً: إذا تلألَأَ بجدَّتِهِ ونَضَارتِهِ، فيكون وزنُه:
استَفْعَل من ذلك، فلمَّا سُمِّي به عامله معاملةَ الفعل في وصل الهمزة، ومعاملةً
المتمكّن من الأسماء في الصرفِ والتنوينِ. وأكثرُ التفاسيرِ على أنَّه عربيٍّ وليس
بمستعرَبٍ. انتهى. ولا يخفى أنه مخالفٌ للنقلَيْن السابقَيْنِ.
ويمكن أن يقال: إنَّ لابن محيصن قراءتين فيه، الصرفُ والمنعُ منه، فنقَلَ
بعضٌ قراءةً وبعضٌ آخَرُ أُخْرَى، لكنْ ذكر ابن جني أنَّ قراءة فتح القاف سهوٌ، أو
كالسهو. قال أبو حيان: وإنما قال ذلك لأنَّ جعْلَه اسماً ومنْعَه من الصرف
لا يجوز، لأنه غيرُ عَلَم، فتكون سهواً، وقد أمكن جعلُه فعلاً ماضياً فلا تكون
سهواً(٦). انتهى.
(١) تهذيب اللغة ٩/ ٤٢٢.
(٢) القاموس (برق)، والمعرّب ص٦٣، وقوله: أبارق، تصحف في الأصل إلى: أباريق.
(٣) المحتسب ٢٩/٢، والمحرر الوجيز ٥١٥/٣، والبحر ١٢٢/٦.
(٤) القراءات الشاذة ص٧٩ - ٨٠، والبحر ٦/ ١٢٢.
(٥) البحر ١٢٢/٦. وما بعده منه.
(٦) البحر ١٢٢/٦، وكلام ابن جني في المحتسب ٢٩/٢.

الآية : ٣١
٣٣٣
سُوَّدَةُ الگھْفِّ
وفي الجمع بين السندُس والإستبرق إشعارٌ ما بأنَّ لأولئك القوم في الجنة
ما يشتهون، ونُكِّرا لتعظيم شأنِهما، وكيف لا، وهما وراءَ ما يشاهَدُ من سُندُسِ
الدنيا وإستبرَقها، بل وما يُتخيّل من ذلك؟ وقد أخرج البيهقيُّ عن أبي الخير
مرثد بن عبد الله قال: وفي الجنة شجرةٌ تُنبِت السُّندُسَ، منه تكون ثيابُ أهل
الجنةُ(١).
وأخرج الطيالسيُّ والبخاريُّ في ((التاريخ)) والنسائيُّ وغيرُهم عن ابن عمرو(٢)
قال: قال رجلٌ: يا رسول الله، أَخِرْنا عن ثياب أهل الجنة، أخَلْقاً تُخلَق أم نَسْجاً
تُنْسَج؟ فقال ◌ََّ: ((بل يتشفَّقُ عنها ثمرُ الجنة)). وظاهرُه أنها من سُندُسٍ كانت أو
من إستبرق كذلك.
وقدِّمت التحليةُ على اللباس؛ لأنَّ الحُلي في النفس أعظمُ، وإلى القلب أحبُّ،
وفي القيمة أغلى، وفي العين أحلى. وبُني فعلُه للمفعول؛ إشعاراً بأنَّهم لا يتعاطون
ذلك بأنفُسهم، وإنما يفعله الخَدَمُ، كما قال الشاعر:
غَرائرُ في كِنِّ وصَونٍ ونِعمةٍ يُحلَّينَ ياقوتاً وشذْراً مُفقَّرًا(٣).
وكذلك سائرُ الملوك في الدنيا يُلبِسهم التيجانَ ونحوَها من العلامات المرصَّعةِ
بالجواهر خدَمُهم، وأُسنِد اللبسُ إليهم لأنَّ الإنسانَ يتعاطى ذلك بنفسه، خصوصاً
إذا كان فيه سترُ العورة.
وقيل: بُني الأولُ للمفعول والثاني للفاعل؛ إشارةً إلى أنَّ التَحْليةَ تفضُّلٌ من الله
تعالى واللبسُ استحقاقُهم. وتعقِّب بأنَّ فيه نزغةً اعتزاليةً، ويُدفع بالعناية.
﴿مُتَّكِينَ فِهَا عَلَى الْأَرَابِكِ﴾ جمعُ: أريكة وهو - كما قال غير واحد -: السريرُ في
(١) البعث والنشور (٣٣٤).
(٢) في الأصل و(م): ابن عمر، وهو تحريف، والحديث في مسند الطيالسي (٢٢٧٧)،
والتاريخ الكبير ١١٢/٣، والسنن الكبرى (٥٨٤١)، وأخرجه أحمد (٦٨٩٠).
(٣) البيت لامرئ القيس وهو في ديوانه ص٥٩. وقوله: غرائر؛ وقع في الأصل و(م): غرائز،
وهو تصحيف. ومعنى الغرائر: الغوافل عن الدهر لصيانتهن وتنقُّمِهنَّ، والكِنُّ: ما يُكتُّ به
عن الحرّ والبرد. والشذْر: قطع الذهب، والمفقَّر: المصوغ على هيئة فِقار الجرادة، وهو
مربع .

سُوَّةُ الكَهْفِ
٣٣٤
الآية : ٣١
الحَجَلة، فإن لم يكن فيها فلا يسمَّى أريكةً. وأخرج ذلك البيهقيُّ عن ابن
(١)
عباس(١).
وقال الراغب: الأريكةُ: حَجَلَةٌ على سريرٍ، وتسميتُها بذلك إما لكونِها في
الأرض متخذة من أراك، وهو شجرٌ معروفٌ، أو لكونها مكاناً للإقامة من قولهم:
أَرَك بالمكانِ أُرُوكاً، وأصلُ الأُروك: الإقامة على رَعْي الأراك، ثم تُجوِّز به في
غيره من الإقامات(٢). ورُوي تفسيرُها بذلك عن عكرمة.
وقال الزجَّاج: الأرائك: الفُرُش في الحِجَال(٣).
والظاهرُ أنَّها على سائر الأقوال عربيةٌ، وحَكَى ابن الجوزي في ((فنون الأفنان))
أنها السُّرُر بالحبشية.
وأيًّا ما كان فالكلامُ على ما قاله بعضُ المحقّقين كنايةٌ عن تنقُّمِهم وترقُّهِهم،
فإنَّ الاتكاءَ على الأرائك شأنُ المتنعِّمين المترفِّهين، والآثارُ ناطقةٌ بأنَّهم يتّكؤون
ويتنعَّمون؛ فقد أخرج ابن أبي حاتم عن الهيثم بن مالك الطائي أنَّ رسولَ الله ◌َله
قال: ((إنَّ الرجلَ ليتَّكئُ المتَّكأ مقدارَ أربعين سنةً، ما يتحوَّل منه ولا يمَلُّه، يأتيه
ما اشتهَتْ نفسُه ولذَّت عينُه))(٤).
وأخرج ابن المنذر وجماعة عن ابن عباس أنَّ على الأرائك فُرشاً منضودةً في
السماء مقدارَ فَرْسَخِ (٥).
وقرأ ابن محيصن: ((عَلَّرائِكِ)) بنقلِ حركةِ الهمزة إلى لام التعريف وإدغام لامٍ
(على)) فيها(٦)، فيُحذف ألفُ ((على)) لتوهُّم سكونِ لام التعريف، ومثلُه قول الشاعر:
(١) البعث والنشور (٣٣٤) والحجلة: ساتر كالقبة يزين بالثياب والستور للعروس. المعجم
الوسيط (حجل).
(٢) المفردات (أرك).
(٣) معاني القرآن وإعرابه ٢٨٤/٣.
(٤) عزاه لابن أبي حاتم السيوطيُّ في الدر ٢٢٢/٤، وهو مرسل.
(٥) عزاه لابن المنذر وعبد بن حميد وابن أبي حاتم السيوطيُّ في الدر ٢٢٢/٤، وهو في
مصنف ابن أبي شيبة ١٣/ ١٣٥ .
(٦) البحر المحيط ٦/ ١٢٢.

الآية : ٣٢
٣٣٥
سُورَةُ الكَهْفِ
فما أصبحَتْ علَّرْضٍ نفسي بَرِيّةً(١)
يريد: على الأرض.
﴿نِعْمَ الثَّوَابُ﴾ ذلك الذي وُعِدوا به من الجنةِ ونعيمِها ﴿وَحَسُنَتْ﴾ أي: الأرائكُ
أو الجناتُ ﴿مُرْتَفَقًا ®﴾ متكأً، وقد تقدم آنفاً الكلامُ فيه.
﴿وَأَضْرِبٌّ لَمُ﴾ للمؤمنينِ الذين يَدْعُون ربَّهم بالغداةِ والعشيِّ، والكفرةِ الذين
طلبوا طردَهم ﴿مَّثَلَا تَّجُلَيْنِ﴾ مفعولانِ لـ ((اضرب))، ثانيهما أوَّلُهما؛ لأنه المحتاجُ إلى
التفصيل والبيانِ، قاله بعضُهم، وقد مرَّ تحقيقُ هذا المقام(٢)، فتذكَّر. والمرادُ
بالرجلين إما رجلان مقدَّران على ما قيل، وضَربُ المثلِ لا يقتضي وجودهما،
وإما رجلان موجودان، وهو المعوَّلُ عليه، فقيل: هما أخوَان من بني إسرائيل،
أحدُهما كافرٌ اسمه: فرطوس، وقيل: اسمه: قطفير، والآخرُ مؤمنٌ اسمُه: يَهُوذا،
في قولِ ابن عباس. وقال مقاتل: اسمه: يمليخا(٣).
وعن ابن عباس أنَّهما ابنا ملِكٍ من بني إسرائيل أنفق أحدُهما مالَه في سبيل الله
تعالى، وكَفَر الآخَرُ واشتغل بزينة الدنيا وتنميةِ ماله (٤). ورُوي أنهما كانا حدَّادَیْنِ
کسیا مالاً.
ورُوي أنَّهما وَرِثا من أبيهما ثمانيةَ آلاف دينار فتشاطَراها، فاشترى الكافرُ أرضاً
بألفٍ، فقال المؤمن: اللَّهم أنا أشتري منك أرضاً في الجنة بألفٍ، فتصدَّقَ به، ثم
بَنَى أخوه داراً بألف، فقال: اللَّهمَّ إنِّي أشتري منك داراً في الجنة بألف، فتصدَّق
به، ثم تزوَّج أخوه امرأةً بألف، فقال: اللهمَّ إنِّي جعلتُ ألفاً صَداقاً للحُور،
فتصدَّق به، ثم اشترى أخوه خَدَماً ومتاعاً بألف، فقال: اللهمَّ إنِّي أشترِي منك
الولدانَ المخلَّدين بألف، فتصدَّق به، ثم أصابته حاجةٌ فجلس لأخيه على طريقه،
(١) لم نهتد إلى قائله، وهو في البحر ١٢٣/٦ برواية: نَفْسٌ، وفي الدر المصون ٧/ ٤٨٥
برواية: نفس بريئةٌ. وعجزه كما في البحر والدر المصون:
ولا غيرها إلّا سليمان نالها
(٢) في سورة إبراهيم عند الآية (٢٤).
(٣) تفسير البغوي ٣/ ١٦١.
(٤) زاد المسير ١٣٨/٥-١٣٩.

سُوَدَّةُ الكَهْفِ
٣٣٦
الآية : ٣٢
فمرَّ به في حَشَمه فتعرَّض له، فطرده ووبَّخه على التصدُّق بماله(١).
وقيل: هما أخوان من بني مخزوم: كافرٌ هو: الأسود بن عبد الأسد، ومؤمنٌ
هو: أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد (٢).
والمرادُ: ضربُهما مثلاً للفريقَيْن المؤمِنيْنَ والكافرينَ، لا من حيثُ
أحوالهما المستفادة مما ذُكِر آنفاً من أنَّ للمؤمنين في الآخرة كذا، وللكافرين فيها
كذا، بل من حيثُ عصيانُ الكَفَرةِ مع تقلُِّهم في نِعَم الله تعالى، وطاعةُ المؤمنين مع
مكابَدتهم مشاقَّ الفقر، أي: اضرب لهم مثلاً من حيثيةِ العصيان مع النعمةِ،
والطاعةِ مع الفقر، حالَ رجلين ﴿جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا﴾ وهو الكافر ﴿جَنَّنِ﴾ بستانَيْنِ، لم
يعيِّن سبحانه مكانَهما؛ إذ لا يتعلَّق بتعيينِهِ كبيرُ فائدة.
وذكر إبراهيم بن القاسم الكاتب في كتابه: ((عجائب البلاد)) أنَّ بُحَيْرَةَ تِنِّیس
كانت هاتينِ الجنَّتينِ، فجَرى ما جرى، ففرَّقهما الله تعالى في ليلةٍ واحدةٍ (٣).
وسيأتي إن شاء الله تعالى ما يُعلم منه قولٌ آخَرُ.
والجملةُ بتمامها تفسيرٌ للمَثَلِ، فلا موضعَ لها من الإعراب، ويجوز أن تكونَ
في موضع الصفة لـ ((رجلين)) فموضعُها النصب.
﴿مِنْ أَعْنَبٍ﴾ من كرومٍ متنوّعةٍ، فالكلامُ - على ما قيل - إما على تقديرِ مضافٍ،
وإما الأعنابُ فيه مجازٌ عَنْ الكروم، وهي أشجارُ العنب، والمفهومُ من ظاهرٍ كلام
الراغب أنَّ العنبَ مشتَرٌ بين الثمرة والكرْم(٤)، وعليه فيُرادُ الكرومُ من غير حاجةٍ
إلى التقديرِ أو ارتكابِ المجاز، والداعي إلى إرادةٍ ذلك أنَّ الجنةَ لا تكون من ثمرٍ
بل من شجرٍ.
(١) تفسير البغوي ١٦١/٣، والكشاف ٤٨٣/٢.
(٢) تفسير السمر قندي ٢٩٨/٢، والبحر المحيط ١٢٤/٦.
(٣) المحرر الوجيز ٥١٥/٣، والبحر المحيط ١٢٤/٦. و((تِنِّيس)): جزيرة في بحر مصر، قريبةٌ من
البرِّ، ما بين فرما ودمياط، والفرما في شرقيها. معجم البلدان ٥١/٢. وقد وقع في الأصل
و(م): ((تينيس)) بياء بعد التاء، والمثبت من المصادر. وإبراهيم بن القاسم هو المعروف
بالرقيق القيرواني، له: تاريخ إفريقيا والمغرب، وكتاب الراح والارتياح، وكتاب الأغاني،
وغيرها، وله شعر، توفي نحو (٤٢٥ هـ). معجم الأدباء ٢١٦/١، والأعلام ١ / ٥٧ .
(٤) المفردات (عنب) وفيه: العنب يقال لثمرة الكرْم، وللكرْم نفسه.

الآية : ٣٣
٣٣٧
سُورَةُ الكَهْفِنَ
﴿وَحَنَفْتَهُا بِنَخْلٍ﴾ أي: جعلنا النخلَ مُحيطةً بهما، مُطيفَة بحِفَافَيهما، أي:
جانبَيْهما، مؤزَّراً بها كرومُهما، يقال: حقَّه القومُ: إذا طافوا به، وحفَفْته بهم: إذا
جعلتَهم حافِّين حولَه، فتَزيده الباءُ مفعولاً آخَرَ، كقولك: غشِيتُه به.
﴾ لتكونا جامعتَيْن للأقوات والفواكهِ،
﴿وَجَعَلْنَا بَنْهَمَا﴾، وسطَهما ﴿زَرْعًا
متواصِلَتَي العمارةِ على الهيئة الرائقةِ والوضعِ الأنيق.
كِنَا الْجَنَّنِ ءَانَتْ أُكُلَهَا﴾ ثمرَها وبلغ مبلغاً صالحاً للأكل. و((كلتا)) اسمٌ مفردُ
اللفظِ مثنَّى المعنى عند البصريِّين، وهو المذهب المشهور، ومثنَّى لفظاً ومعنّى عند
البغداديِّيْن، وتاؤُه منقلبةٌ عن واوٍ عند سيبويه، فأصلُه: كِلْوَى، فالألفُ فيه
للتأنيث(١). ويُشكل على هذا إعرابُه بالحروفِ بشرطه، ويُجاب بما أُجيبَ به عن
الإشكال في الأسماء الخمسة.
وعند الجرمي: الألفُ لاّ منقلبةٌ عن أصلها، والتاءُ زائدةٌ للتأنيث(٢). ويَرِد
عليه أنه لا يُعرف: فَعْتَل، وأنَّ التاءَ لا تقع حَشْواً ولا بعدَ ساكنٍ صحيحٍ.
وعلى المشهور يجوز في ضميره مراعاةُ لفظه ومراعاةٌ معناه، وقد رُوعِيَ الأولُ
هنا والثاني فيما بعد.
وفي مصحفِ عبد الله: ((كِلَا الجنتين)) أَتَى بصيغة التذكير؛ لأنَّ تأنيثَ الجنَّتَيْن
مجازيٌّ. ثم قرأ: ((آتت)) فأَنَّث؛ لأنَّه ضميرُ مؤنَّثٍ(٣). ولا فرقَ بين حقيقيِّه
ومجازيُّه، فالتركيبُ نظيرُ قولك: طلع الشمسُ وأشرقت. وقال [الفراء]: إنَّ عبد الله
قرأ: ((كُلُّ الجنتَيْن آتى أُكُلَه)) فذكَّر وأعاد الضمير على ((كلّ))(٤).
﴿وَلَمْ تَظْلِرِ مِنْهُ﴾ أي: لم تنقُصْ من أُكُلها ﴿شَيْئاً﴾ من النقص، على خلافٍ
ما يُعهد في سائر البساتين، فإنَّ الثمارَ غالباً تكثُر في عامٍ وتقِلُّ في عامٍ، وكذا بعضُ
الأشجار تأتي بالثمار في بعضِ الأعوام دونَ بعض.
(١) ينظر الكتاب ٣٦٣/٣-٣٦٤، والصحاح (كلي).
(٢) الصحاح (كلي).
(٣) البحر ١٢٤/٦.
(٤) معاني القرآن للفراء ١٤٣/٢، والبحر ١٢٤/٦، والكلام وما بين حاصرتين منه.

سُورَّةُ الكَهْفِ
٣٣٨
الآية : ٣٣
وجوِّز أن يكونَ ((تَظْلِم)) متعدِّياً و((شيئاً)) مفعولَه، والمآل واحد.
، ليدومَ شِربُهما ویزیدَ
﴿وَفَجَرْنَا ◌ِخِلَلَهُمَا﴾ أي: فيما بين كلتا الجنتين ﴿فَهَدََّ ®
بهاؤُهما، قال يحيى بن أبي عمرو السيباني: وهذا النهر هو المسمَّى بنهر
أبي فرطس، وهو على ما قال ابن أبي حاتم: نهرٌ مشهور في الرَّمْلَةُ(١).
وقيل: المعنى: فَجَّرنا فيما بين كلٍّ من الجنتين نهراً على حدة، فيكون هناك
نهران على هذا، ولا يخفى أنه خلافُ الظاهر.
وتشديد ((فَجَّر) قيل: للمبالغة في سعة التفجير. وقال الفراء: لأنَّ النهرَ ممتدٌّ،
فكأنه أنهارٌ(٢).
وقرأ الأعمش وسلَّام ويعقوب وعيسى بن عمر: ((فجَرنا)) بالتخفيف على
الأصل(٣).
وقرأ أبو السمَّال والفياض بن غزوان(٤) وطلحة بن سليمان: (نَهْراً)) بسكون
الهاء، وهو لغةٌ جاريةٌ فيه وفي نظائره.
ولعلَّ تأخيرَ ذكر التفجير عن ذكر الإيتاء - مع أنَّ الترتيبَ الخارجيَّ على
العكس - للإيذان باستقلال كلٍّ من إيتاءِ الأُكُل وتفجير النَّهَر في تكميل محاسِن
الجنتَيْنِ، كما في قصَّة البقرة ونحوها(٥)، ولو عَكَس لانْفَهم أنَّ المجموعَ خصلةٌ
واحدةٌ بعضُها مترتِّبٌ على بعضٍ، فإنَّ إيتاءَ الأكل متفرِّع على السفْي عادةً، وفيه
(١) عزاه لابن أبي حاتم السيوطيُّ في الدر ٢٢٢/٦. ويحيى بن أبي عمرو السَّيباني: بالسين
المهملة - وقد وقع في الأصل و(م) بالمعجمة - هو أبو زرعة الحمصي، روى له البخاري في
الأدب المفرد، والترمذي والنسائي وابن ماجه. والرملة: مدينة عظيمة بفلسطين، عمّرها
سليمان بن عبد الملك. معجم البلدان ٦٩/٣ .
(٢) معاني القرآن للفراء ١٤٤/٢.
(٣) المحرر الوجيز ٥١٦/٣، والبحر ١٢٤/٦.
(٤) وقع في الأصل و(م): العياض بن غزوان، وهو تصحيف، والمثبت من البحر ١٢٥/٦،
والكلام منه. وفياض بن غزوان هو الضبي الكوفي، قرأ القرآن على طلحة بن مصرف،
وحدّث عن مالك بن مغول وغيره. تاريخ الإسلام للذهبي ٣/ ٩٥١.
(٥) ينظر ما سلف ٢٢٨/٢.

الآية : ٣٤
٣٣٩
سُوَرَُّ الكَهْفِ
إيماٌ إلى أنَّ إيتاءَ الأكل لا يتوقَّفُ على السقْي كقوله تعالى: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىَءُ﴾
[النور: ٣٥]. قاله شيخ الإسلام(١).
﴿وَكَانَ لَهُ﴾ أي: للأحد المذكور وهو صاحبُ الجنتين ﴿ثَمَرٌ﴾ أنواعُ المال،
كما في ((القاموس)) وغيرِه(٢)، ويقال: ثَمَرَ: إذا تموَّل، وحَمْلُه على حَمْلِ الشجر
كما فعل أبو حيان(٣) وغيره غيرُ مناسب للنظم.
وقرأ ابن عباس ومجاهد وابن عامر وحمزة والكسائيُّ وابن كثير ونافع وقراء
المدينة: (ثُمُرِ)) بضمِّ الثاء والميم، وكذا في (بثمره)) الآتي (٤)، وهو جمعُ: ثِمَارٍ
بكسر الثاء، جمعٍ: ثَمَرٍ بفتحتين، فهو جمعُ الجمع، ومعناه على نحو ما تقدَّم،
أي: أموالٌ كثيرةٌ من الذهبِ والفضَّة والحيوان وغيرها، وبذلك فسَّره ابن عباس
وقتادة وغيرهما. وقال مجاهد: يراد به الذهبُ والفضّة خاصَّةً.
وقرأ الأعمش وأبو رجاء وأبو عمرو بضمِّ الثاء وإسكانِ الميم تخفيفاً (٥)، هنا
وفيما بعدُ، والمعنى على ما سمعتَ.
وقرأ أبو رجاء في رواية: (ثَمْر)) بالفتح والسكون (٦).
وفي مصحفٍ أُبَيِّ - وحُمِل على التفسير -: ((وآتيناه ثَمَراً كَثِيراً))(٧).
﴿فَقَالَ لِصَحِبِهِ﴾ المؤمنِ، والمرادُ بالصاحب المعنى اللغويُّ، فلا ينافي هذا
العنوانُ القولَ بأنَّهما كانا أخوين، خلافاً لمن وَهِم.
﴿وَهُوَ﴾ أي: القائل ﴿يُحَاوِرُهُ﴾ أي: يحاور صاحبه، فالجملةُ في موضع الحال
من القائل. والمحاوَرةُ: مراجَعة الكلام، من حارَ: إذا رَجَع، أي: يُراجِعه الكلامَ
في إنكاره البعثَ وإشراكِه بالله تعالى.
(١) في تفسيره إرشاد العقل السليم ٢٢١/٥.
(٢) القاموس (ثمر)، وكذا في اللسان (ثمر).
(٣) في البحر ١٢٥/٦، وهو قول ابن عطية في المحرر الوجيز ٥١٦/٣.
(٤) التيسير ص١٤٣، والمحرر الوجيز ٥١٦/٣، والبحر ١٢٥/٦، والنشر ٣١٠/٢.
(٥) التيسير ص١٤٣، والنشر ٢/ ٣١٠ عن أبي عمرو، والكلام من البحر ١٢٥/٦.
(٦) البحر ٦/ ١٢٥.
(٧) المصدر السابق.

سُورَةُ الكَهْفِ
٣٤٠
الآية : ٣٥
وجوِّز أن تكون الجملةُ حالاً من ((صاحبه))، فضميرُ ((هو)) عائدٌ عليه، وضميرُ
((صاحبه)) عائدٌ على القائل، أي: والصاحبُ المؤمنُ يراجع بالوعظ والدعوةِ إلى الله
عزَّ وجلَّ ذلك الكافرَ القائلَ له :
﴿أَنَاْ أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا
حشماً وأعواناً، وقيل: أولاداً ذكوراً،
٣٤
ورُوي ذلك عن قتادة ومقاتل، وأيِّد بمقابلته ((أقل منك مالاً وولداً))، وتخصيصُ
الذكور لأنَّهم الذين ينفِرون معَه لمَصالِحِه ومعاوَنِتِهِ.
وقيل: عشيرةً، ومِن شأنِهِم أنَّهم ينفِرون مع مَن هو منهم، واستُدِلَّ بذلك على
أنَّه لم يكن أخاه؛ لأنَّ العشيرةَ مشتركةٌ بينَهما، وملتزِمُ الأخُوَّةِ لا يفسِّر بذلك.
ونصبُ ((مالاً)) و((نفراً)) على التمييز، وهو - على ما قيل - محوَّلٌ عن المبتدأ،
والظاهرُ أنَّ المرادَ من أفعل التفضيل معناه الحقيقيُّ، وحينئذٍ يُرَدُّ بذلك ما في بعض
الروايات من أنَّ الأخَ المؤمنَ بقي بعدَ التصدُّقِ بماله فقيراً محتاجاً، فسأل أخاه
الكافرَ ولم يُعطِه ووَّخه على التصدُّق(١).
﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ أي: كلَّ ما هو جنةٌ له يتمثَّعُ بها، بناءً على أنَّ الإضافةَ
للاستغراق والعموم، فتُفيد ما أفادته التثنيةُ مع زيادةٍ، وهي الإشارةُ إلى أنَّه لا جنةً
له غيرُ ذلك، ولا حظّ له في الجنة التي وُعِد المتقون، وإلى هذا ذهب
الزمخشريُّ(٢)، وهو معنى لطيفٌ دقَّ تصوُّرُه على أبي حيان فتعقَّبه بما تعقّبه،
واختارَ أنَّ الإفرادَ لأنَّ الدخولَ لا يُمكِن أن يكونَ في الجنتَيْن معاً في وقتٍ واحدٍ،
وإنما يكون في واحدةٍ واحدةٍ(٣). وهو خالٍ عمَّا أُشيرَ إليه من النكتة. وكذا ما قيل:
إنَّ الإفرادَ لاتصالٍ إحداهما بالأخرى.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السديٌّ أنه قال في قوله تعالى: (جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا
جََّيْنِ) إلخ الجنةُ: البستانُ، فكان له بستانٌ واحدٌ وجدارٌ واحدٌ، وکان بينهما نهرٌ
فلذلك كان جنتَيْن، وسمَّاه سبحانه جنة من قِبَل الجدار المحيط به(٤). وهو كما ترى.
(١) ينظر ما سلف ص٣٣٥-٣٣٦ من هذا الجزء.
(٢) في الكشاف ٢/ ٤٨٤.
(٣) البحر المحيط ٦/ ١٢٥.
(٤) عزاه لابن أبي حاتم السيوطيُّ في الدر ٢٢٢/٤.