النص المفهرس

صفحات 281-300

الآية : ٢٤
٢٨١
سُوَرَّةُ الكَهْفِ
يومَك - وهو المتبادِر - دخولاً أوَّليًّا؛ فإنَّ الآيةَ نزلت حين سألت قريشٌ النبيَّ وَّلـ
عن الرُّوحِ وأصحابٍ الكهف وذي القَرنين، فقال عليه الصلاة والسلام: غداً
أُخبرُكم، ولم يستئنٍ، فأبطأَ عليهِ وَّرِ الوحيُّ خمسةَ عشرَ يوماً - على ما رُوي عن
ابن إسحاق(١)، وقيل: ثلاثةَ أيام، وقيل: أربعين يوماً - فشقَّ ذلك عليه عليه الصلاة
والسلام، وكذَّبته قریشٌ، وحاشاه.
وجوَّز غيرُ واحدٍ أن يبقَى على المعنى المتبادِر، وما بعده بذلك المعنى يُعلَم
بطريق دَلالةِ النصّ. وتُعقِّب بأنَّ ما بعدَه ليس بمعناه في مناط النَّهي، وهو احتمالُ
المانع؛ فإنَّ الزمانَ إذا اتَّسعِ قد ترتفع فيه الموانعُ أو تخفّ. وليس بشيء؛ لأنَّ
المانعَ شاملٌ للموت، واحتمالُه في الزمان الواسعِ أقوَى.
﴿إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾ استثناءٌ متعلِّق بالنَّهي على ما اختاره جمعٌ من المحقّقين،
وقولُ ابنِ عطيةً(٢) اغتراراً بردِّ الطبريّ(٣): إنَّه من الفسادِ بحيث كان الواجبُ ألَّ
يُحكَى = خروجٌ عن الإِنصاف.
وهو مفرَّغ من أعمِّ الأَحوال. وفي الكلام تقديرُ باءٍ للملابسة داخلةٍ على ((أنْ))،
والجارُّ والمجرورُ في موضع الحال، أي: لا تقولَنَّ ذلك في حالٍ من الأَحوال إلَّا
حالَ ملابستِهِ بمشيئة اللهِ عزَّ وجلَّ بأنْ تذكر.
قال في ((الكشف)): إنَّ التباسَ القولِ بحقيقة المشيئةِ محال، فبقي أن يكونَ
بذِكرها، وهو: إن شاءَ اللهُ تعالى، ونحوه مما يدلُّ على تعليقه الأمورَ بمشيئة اللهِ
تعالى. ورُدَّ بما يصلح أن يكونَ تأييداً لا ردًّا.
وجوِّز أن يكونَ المستثنَى منه أعمَّ الأوقات، أي: لا تقولَنَّ ذلك في وقتٍ من
الأوقات إلَّا في وقت مشيئةِ اللهِ تعالى ذلك القولَ منك، وفسِّرت المشيئةُ على هذا
بالإِذن؛ لأنَّ وقتَ المشيئةِ لا يُعلَم إلَّا بإِعلامه تعالى به وإِذنِه فيه، فيكون مآلُ
المعنى: لا تقولَنَّ إلَّا بعد أن يؤذنَ لك بالقول.
(١) في السيرة النبوية لابن هشام ١/ ٣٠١، وهو في السير والمغازي لابن إسحاق ص ٢٠٢ من
حديث ابن عباس رة
(٢) في المحرر الوجيز ٥٠٨/٣-٥٠٩.
(٣) في تفسيره ٢٢٤/١٥-٢٢٥ .

سُورَّةُ الكَهْفِ
٢٨٢
الآية : ٢٤
وجوِّز أيضاً أن يكونَ الاستثناءُ منقطعاً، والمقصودُ منه التأبيد، أي: ولا تقولَنَّ
ذلك أبداً. ووجَّه ذلك في ((الكشف)) بأنَّه نهيٌ عن القول إلَّا وقتَ مشيئة الله تعالى،
وهي مجهولة، فيجب الانتهاءُ أبداً، وأشار إلى أنَّه هو مرادُ الزمخشريّ(١)،
لا ما يتوهّم من جعلِه مثلَ قولِه تعالى: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَّا أَنْ نَعُودَ فِيَهَا إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾
[الأعراف: ٨٩] من أنَّ التأبيدَ لعدم مشيئته تعالى فِعْلَ ذلك غداً؛ لقبحه، كالعَود في
مِلَّة الكفر؛ لأنَّ القبحَ فيما نحن فيه على إِطلاقه غيرُ مسلّم. والتخصيصُ بما يتعلَّق
بالوحي على معنى: لا تقولَنَّ فيما يتعلَّق بالوحي: إني أُخبرُكم به إلَّا أن يشاءَ اللهُ
تعالى، والله تعالى لم يشأ أن تقولَه من عندك، فإذن لا تقولنَّه أبداً = يأباه النَّكرةُ في
سياق النَّهي المتضمِّنِ للنفي والتقييدِ بالمستقبل. وأنَّ قولَه: ((فاعلٌ ذلك غداً» - أي:
مخبرٌ عن أمرٍ يتعلَّق بالوحي غداً - غيرُ مؤذِنٍ بأنَّ قولَه في الغد يكون مِن عنده لا عن
وحي، فالتشبيهُ في أنَّ الاستثناءَ بالمشيئة استُعمل في معرض التأبيدِ وإنْ كان وجهُ
الدَّلالة مختلفاً، أخذاً من متعلَّق المشيئةِ تارةً ومن الجهل بها أخرى. ولا يخفَى أنَّ
الظاهرَ في الآية الوجهُ الأوَّل، وأنَّ أمَّتِهِ وَّر وهو في الخطاب الذي تضمَّنته
سواءٌ(٢).
ولا يجوزُ أن يكونَ الاستثناءُ متعلِّقاً بقوله تعالى: ((إني فاعل)) بأن يكونَ استثناءً
مفرَّغاً ممَّا في حيِّزه من أعمِّ الأحوالِ أو الأوقات؛ لأنَّه حينئذٍ إمّا أن تعتبرَ تعلُّقَ
المشيئةِ بالفعل، فيكون المعنى: إني فاعلٌ في كلِّ حالٍ أو في كلِّ وقتٍ إلَّا في حالٍ
أو وقتٍ مشيئة الله تعالى الفعل، وهو غيرُ سديد، أو يُعتبرَ تعلُّقُها بعدمه، فيكون
المعنى: إنِّ فاعلٌ في كلِّ حالٍ أو في كلِّ وقتٍ إلَّا في حالٍ أو وقت مشيئةِ اللهِ
تعالى عدمَ الفعل. ولا شبهةَ في عدم مناسبتِه للنَّهي، بل هو أمرٌ مطلوب.
وقال الخَفاجي(٣): إذا كان الاستثناءُ متعلِّقاً بـ ((إني فاعلٌ)) والمشيئةُ متعلِّقةً
بالعدم، صار المعنى: إنِّي فاعلٌ في كلِّ حالٍ إلَّا إذا شاء اللهُ تعالى عدمَ فعلي،
وهذا لا يصحُّ النهيُّ عنه، أمَّا على مذهب أهلِ السُّنَّة فظاهر، وأمَّا على مذهب
(١) في الكشاف ٤٧٩/٢ -٤٨٠.
(٢) بعدها في (م): مخصوصاً بالنبي وَّل .
(٣) في حاشيته ٦ / ٩١.

الآية : ٢٤
٢٨٣
سُوَرَّةُ الْكَهْفِ
المعتزلة؛ فلأنَّهم لا يشكُّون في أنَّ مشيئةَ اللهِ تعالى لعدم فعلِ العبدِ الاختياريِّ إذا
عرضت دونَه بإيجادِ ما يعوقُ عنه من الموت ونحوِه منعت عنه وإنْ لم تتعلَّق عندهم
بإِيجاده وإِعدامِه، وكذا لا يصحُّ النهيُ إذا كانت المشيئةُ متعلِّقةً بالفعل في
المذهبين، فما قيل: إنَّ تعلُّقَ الاستثناءِ بما ذُكر صحيح، والمعنى عليه النهيُ عن أن
يذهبَ مذهبَ الاعتزالِ في خلق الأَعمالِ فيضيفَها لنفسه، قائلاً: إنْ لم تقترن
مشيئةُ اللهِ تعالى بالفعل فأنا فاعلُه استقلالاً، فإن اقترنت فلا = لا يخفى ما فيه على
نبيه، فتأمَّل.
وقد شاع الاعتراضُ على المعتزلة في زعمهم أنَّ المعاصيَ واقعةٌ من غير
إِرادة اللهِ تعالى ومشيئته، وأنَّه تعالى لا يشاء إلَّ الطاعات: بأنَّه لو كان كذلك،
لَوَجب فيما إذا قال الذي عليه دينٌ لغيره قد طالبه به: واللهِ لأُعطينَّك حقَّك غداً إن
شاءَ اللهُ تعالى، أن يكونَ حانثاً إذا لم يفعل؛ لأنَّ اللهَ تعالى قد شاء ذلك، لكونه
طاعة، وإنْ لم يقع فتلزمه الكفارةُ عن يمينه ولم ينفعْه الاستثناء، كما لو قال: واللهِ
لأُعطينَك إنْ قام زيد، فقام ولم يفعل، وفي التزام الحنثِ في ذلك خروجٌ عن
الإِجماع.
وقد أَجاب عنه المرتضَى بأنَّ للاستثناء الداخلِ في الكلام وجوهاً مختلفة، فقد
يدخل في الأَيمان والطلاقِ والعتاقِ وسائرٍ العقود وما يجري مجراها من الأخبار،
وهذا يقتضي التوقُّفَ عن إِمضاء الكلام، والمنعَ من لزوم ما يلزمُ به، ويصير به
الكلامُ كأنَّه لا حكمَ له، ويصحُّ في هذا الوجهِ الاستثناءُ في الماضي، فيقال: قد
دخلتُ الدارَ إن شاء الله تعالى، ليخرجَ بذلك من أن يكونَ خبراً قاطعاً أو يلزمَ به
حكم، ولا يصحُّ في المعاصي؛ لأنَّ فيه إظهارَ الانقطاعِ إلى الله تعالى، والمعاصي
لا يصلُح ذلك فيها .
قال: وهذا الوجهُ أحدُ محتملاتِ الآية، وقد يدخل في الكلام ويرادُ به التسهيلُ
والإِقدار والتخليةُ والبقاءُ على ما هو عليه من الأَحوال، وهذا هو المرادُ إذا دخل
في المباحات، وهو ممكنٌ في الآية، وقد يدخل لمجرَّد غرضِ الانقطاعِ إلى الله
تعالى، ويكون على هذا غيرَ معتدٍّ به في كون الكلام صادقاً أو كاذباً، وَهَو أيضاً
ممكنٌ في الآية، وقد يدخل ويراد به اللطفُ والتسهيلَ، وهذا يختصُّ بالطاعات،

سُورَةُ الكَهْفِّ
٢٨٤
الآية : ٢٤
ولا يصحُّ أن تُحمَلَ الآيةُ عليه؛ لأنَّها تتناول كلَّ ما لم يكن قبيحاً (١). وقولُ
المديونِ السابقِ إنْ قُصِد به هذا المعنى، لا يلزمُ منه الحنثُ إذا لم يفعل، ويديَّن
المديون وغيرُه إن ادَّعى قصدَ ما لا يلزمه فيه شيءٌ، فلا ورودَ لما اعترضوا به.
والإِنصافُ أنَّ الاعتراضَ ليس بشيء، والردُّ عليهم غنيٌّ عن مِثل ذلك.
هذا ثمَّ اعلمْ أنَّ إطلاقَ الاستثناءِ على التقييد بإنشاء اللهُ تعالى، بل على التقييد
بالشَّرط مطلقاً، ثابتٌ في اللغةِ والاستعمال، كما نصَّ عليه السيرافيُّ في شرح
((الكتاب)).
وقال الراغب(٢): الاستثناءُ دفعُ ما يوجبه عمومٌ سابق، كما في قوله تعالى: ﴿قُل
لَّ أَجِدُ فِ مَآ أُوحِىَ إِلَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُ: إِلَّ أَن يَكُونَ مَيْنَةً﴾ إلخ [الأنعام: ١٤٥]،
أو دفعُ ما يوجِبه اللفظ، كقوله: امرأتُه طالقٌ إن شاءَ اللهُ تعالى. انتهى.
وفي الحديث: ((مَن حلف على شيءٍ فقال: إن شاءَ اللهُ تعالى، فقد استثنَى))(٣)
فما قيل: إنَّ كلمةَ: إن شاء الله تعالى، تسمَّى استثناءً لأنَّه عَبَّر عنها هنا بقولِه
سبحانه: (إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ) ليس بسديد، فكذا ما قيل: إنَّها أشبهت الاستثناءَ في
التخصيص فأُطلق عليها اسمُه، كذا قال الخَفاجي(٤). ولا يخفَى أنَّ في الحديث
نوعَ إباءٍ لدعوى أنَّ إطلاقَ الاستثناءِ على التقييد بإن شاء الله تعالى لغويّ؛ لأنَّه ◌ِالمول
لم يُبْعَث لإِفادة المدلولاتِ اللغوية، بل لتبليغ الأحكام الشرعيَّة، فتذكَّر.
﴿وَأَذْكُر رَبَّكَ﴾ أي: مشيئةَ ربِّك، فالكلامُ على حذفِ مضاف، وذِكرُ مشيئته
تعالى - على ما يدلُّ عليه ما قبل - أن يقال: إن شاءَ اللهُ تعالى، وقد قال ذلك
رسولُ اللهِ وَ ل# حين نزلت.
﴿إِذَا نَسِيتَ﴾ أي: إذا فرط منك نسيانُ ذلك ثم تذكَّرتَه؛ فإنَّه ما دام ناسياً
لا يؤمر بالذِّكر، وهو أمرٌ بالتدارك عند التذكُّر، سواءٌ قَصُرَ الفصلُ أم طال. وقد
(١) أمالى المرتضى ١٢٢/٢-١٢٣.
(١) في المغرب ،في.
(٣) أخرجه أبو داود (٣٢٦١)، والترمذي (١٥٣١) وحسَّنه، والنسائي ٢٥/٧ من حديث ابن
عمر طيار وهو عند النسائي ٢٥/٧، وابن ماجه (٢١٠٦) بألفاظ قريبة.
(٤) في حاشيته ٦ / ٩٠.

الآية : ٢٤
٢٨٥
سُؤَدَّةُ الكَهْفِ
أَخرِج ابن جَريرٍ والطبرانيُّ وابنُ المنذر وغيرُهم عن ابن عباسٍ ظَّا أنَّه كان یری
الاستثناءَ ولو بعد سَنَةٍ ويقرأ الآية (١)، ورُوي ذلك عن أئمَّة أهلِ البيتِ ◌َه، وهو
روايةٌ عن الإِمام أحمدَ عليه الرحمة.
وأخرج ابنُ المنذرِ عن ابن جُبَير في رجلٍ حلف ونسي أن يستثني، قال: له
ثُنياه إلى شهر.
وأخرج ابنُ أبي حاتمٍ من طريق عَمرِو بن دينار، عن عطاءٍ أنَّه قال: مَن حلف
على يمين فله الثُّنيا حلبَ نَاقة، قال: وكان طاوسٌ يقول: ما دام في مجلسِه.
وأخرج ابنُ أبي حاتمٍ أيضاً عن إِبراهيمَ قال: يَستثني ما دام في كلامِه(٢).
وعامةُ الفقهاءِ على اشتراط اتِّصال الاستثناءِ في عدم الحِنث، ولو صحَّ جوازٌ
الفصلِ وعدمُ تأثيرِه في الأَحكام، لاسيَّما إلى الغاية المرويَّةِ عن ابن عباس، لَمَا
تقرَّر إِقرارٌ ولا طلاقٌ ولا عتاق، ولم يُعلَم صِدقٌ ولا گَذِب.
ويُحكَى أَنَّه بلغ المنصورَ أنَّ أبا حنيفةَ رَظُهُ خالف ابنَ عباسٍ في هذه المسألة،
فاستحضره ليُنكرَ عليه، فقال له أبو حنيفة: هذا يرجعُ إليك، إنَّك تأخذ البيعةَ
بالأَيمان، أَفترضَى أنْ يخرجوا مِن عندِك فيستثنوا فيَخرجوا عليك؟ فاستحسن
كلامه .
ومن غريبٍ ما يُحكَى أنَّ رجلاً من علماء المغربِ أحبَّ أن يرى علماءَ بغدادَ
ويتحقَّقَ مبلغَ علمِهم، فشدَّ الرَّحلَ للاجتماع معهم، فدخل بغدادَ من باب الكرخ،
فصادف رجلَين يمشيان أَمامه يبيعان البقلَ في أَطباقٍ على رؤوسهما، فسمع
أحدَهما يقول لصاحبه: يا فلان، إنِّي لأَعجبُ من ابن عباسٍ ﴿ّ كيف جوَّز فصلَ
الاستثناءِ وقال بعدم تأثيره في الأحكام، ولو كان الأمرُ كما يقول، لأَمر الله تعالى
نيّه أيوبَ عليه السلام بالاستثناء لئلا يحنث؛ فإنَّه أقلُّ مؤنةً ممَّا أَرشده سبحانه إليه
بقوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْئًا فَأَضْرِب ◌ِّهِ، وَلَا تَحْنَتَ﴾ [ص: ٤٤] وليس بين سلقٍ لأنٍ
(١) تفسير الطبري ٢٢٥/١٥، والمعجم الأوسط (١١٩)، والكبير (١١٠٦٩)، والدر المنثور
٢١٨/٤.
(٢) نقل المصنف هذه الأخبار عن الدر المنثور ٢١٨/٤.

سُوَرَُّ الكَهْفِ
٢٨٦
الآية : ٢٤
بما ذُكِر أكثرُ من سَنَة. فرجع ذلك الرجلُ إلى بلده واكتفَى بما سمع ورأى، فسئل:
كيف وجدتَ علماءَ بغداد؟ فقال: رأيتُ مَن يبيع البقلَ على رأسه في الظُّرقات من
أَهلها بلغ مبلغاً من العلمِ يعترض به على ابن عباسٍ ﴿ّ، فما ظنُّك بأهل المدارسِ
المنقطعين لخدمة العلم؟
والإنصافُ أنَّ هذا الاعتراضَ على عِلَّاته(١) يُستكثَر ممَّن يبيع البقل، والله تعالى
أَعلمُ بصحَّة النقل. لا يقال: إنَّ ظاهرَ الآيةِ - على ما سمعتَ - يطابقُ ما ذهب إليه
الحبر، وإلّا لم يكن للتدارك معنّى، وكذا ما جاءَ في الخبر = لِمَا قالوا: إنَّ التداركَ
فيما يرجع إلى تفويض العبدِ يحصل بذِكره بعد التنبُّه (٢)، أمَّا في التأثيرِ في الحكم
حتى يُخرجَه عن الجزم، فليست الآيةُ مسوقةً له، ولا دالَّةً عليه بوجه.
وقال بعضُهم: إنَّ ذلك من خصائصه وَّر، فله عليه الصلاة والسلام أن يستثنيَ
ولو بعد حين؛ بخلاف غيرِهِ. فقد أَخرج ابنُ أبي حاتمٍ وابنُ مردويه والطبرانيُّ في
((الكبير)) بسندٍ متَّصل عن ابن عباسٍ ﴿ًّا أنَّه قال فيّ الآية: إذا نسيتَ الاستثناءَ
فاستئنِ إذا ذكرت، ثم قال: هي خاصَّة لرسول الله وَّر، وليس لأَحدنا أن يستثنيَ
إلَّا في صِلةِ يمين(٣).
وقيل: ليس في الآية والخبرِ أنَّ الاستثناءَ المتداركَ من القولِ السابق، بل من
مقدَّر مدلولٍ به عليه، والتقديرُ في الآية: كلَّما نسيتَ ذِكرَ الله تعالی اذكُرْه حین
التذكُّر إن شاء الله تعالى، وفي الحديث(٤): لا أنسى المشيئةً بعد اليوم ولا أَتركها
إن شاء الله تعالى. أو: أقولُ: إن شاءَ اللهُ تعالى، إذا قلتُ: إني فاعلٌ أمراً
فيما بعد. ولا يخفَى أنَّه خلافُ الظاهرِ جدًّا.
وجوِّز أن يكونَ المعنى: واذكُرْ ربَّك بالتسبيح والاستغفارِ إِذا نسيتَ الاستثناء،
والمرادُ من ذلك المبالغةُ في الحثِّ عليه، بإِهام أنَّ تركَه من الذّنوب التي يجب لها
التوبةُ والاستغفار.
(١) في (م): علامة.
(٢) في الأصل: التنبيه.
(٣) المعجم الكبير (١١١٤٣)، والدر المنثور ٢١٨/٤.
(٤) أي: والتقدير في الحديث ...

الآية : ٢٤
٢٨٧
سُورَةُ الكَهْفِ
وقيل: المعنى: واذكُرْ ربَّك وعقابَه إذا تركتَ بعضَ ما أَمرك به؛ ليبعثَك ذلك
على التدارُك. وحملُ النسيانِ على الترك مجازٌ لعلاقة السببيةِ والمسبَّبية. أو: اذكُر
ربَّك إذا عرض لك نسيانٌ ليذكِّرَك المَنسيّ، و((نسيتَ)) على هذا مُنزلٌ منزلةَ اللازم،
ولا يخفَى بُعدُ ارتباطِ الآيةِ على هذين المعنيَين بما سبق.
وحَمَلَ قتادةُ الآيَةَ على أداء الصلاةِ المنسيةِ عند ذِكرها. فإنْ أَراد أنَّ المرادَ من
الآية: واقضٍ الصلاةَ المنسيةَ إذ ذكرتَها، فهو كما ترى، وأمرُ الارتباطِ كما في
سابقه. وإنْ أراد أنَّها تدلُّ على الأَمر بقضاء الصلاةِ المنسيةِ عند ذِكرها، لِمَا أنَّها
دلَّت على الأمر بذكر الاستثناءِ المنسيّ، وأمرُ الصلاةِ أشدّ، والاهتمامُ بها أَعظم =
فالأمرُ أَسهل، ولكن ظاهر كلامِهم أنَّه أراد الأوَّل.
وأَخرج ابنُ أبي شيبةَ والبيهقيُّ في ((شُعَب الإِيمان)) وغيرُهما عن عكرمةَ أنَّه قال
في الآية: أي: اذكر ربَّك إِذا غضبت(١). ووجهُ تفسيرِ النِّسيان بالغضب أنَّه سببٌ
للنسيان. وأمرُ هذا القولِ نظيرُ ما مرّ.
﴿وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبٍ﴾ أي: يوفِّقَني ﴿لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا﴾ أي: لشيءٍ أقربَ
وأَظهرَ من نبأ أصحابِ الكهف، من الآيات والدَّلائلِ الدالّة على نبؤَّتي ﴿رَشَدًا
٢٤
إِرشاداً للناس ودلالةً على ذلك. وإلى هذا ذهب الزجَّاجِ(٢).
وقد فعل ذلك عزَّ وجلَّ حيث آتاه من الآيات البيِّنات ما هو أعظمُ من ذلك
وأَبْيَن، كقصص الأنبياءِ عليهم السلام المتباعدةِ أيامُهم، والحوادثِ النازلةِ في
الأَعصار المستقبلةِ إلى قيام السَّاعة، وكأنَّه تهوينٌ منه عزَّ وجلَّ لأمر قصةِ أصحابٍ
الكهف، كما هوَّنه جلَّ وعلا أوَّلاً بقوله سبحانه: (أَمْ حَسِبْتَ) إلخ.
وهو متعلِّق بمجموع القِصَّة، وعَطَفه بعضُ الأفاضلِ على العاملِ في قوله
تعالى: (إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ) كأنَّه قيل: اذكر إذ أوى الفتية ... إلخ، وقل:
عسى أن يهديَني ربِّي لِمَا هو أَظهرُ من ذلك دلالةً على نبوَّتي.
(١) في مصنف ابن أبي شيبة ٥٧١/١٣: إذا عصيت. ثم قال: وقال بعضهم: إذا غضبت. وفي
شعب الإيمان ٣٠٢/٦ كما ذكر المصنف.
(٢) في معاني القرآن ٢٧٨/٣.

سُودَةُ الگھْفِ
٢٨٨
الآية : ٢٥
وقال الجبَّائي: هو متعلّق بقوله تعالى: (وَأَذْكُرُ رَبَّكَ) إلى آخره. والمعنى عنده:
ادعُ ربَّك سبحانه وتعالى إذا نسيتَ شيئاً أن يذكِّرَك إِيَّاه، وقل إنْ لم يذكِّرك سبحانه:
عسى أن يهديَني لشيءٍ أقربَ من المنسيِّ خيراً ومنفعةً، فـ ((هذا)) إشارةٌ إلى المنسيّ،
والرَّشَد: الخيرُ والمنفعة، و((أقرب)) على معناه الحقيقيّ. ولا يخفى أنَّ هذا أقربُ
من جهة المتعلَّق وأبعدُ من جهات.
وقيل: إنَّه متعلِّق بالمتعاطفات قبلَه، و((هذا)) إشارةٌ إلى ما تضمَّنته من الخير أمراً
ونهياً، كأنَّه قيل: اِفعلْ كذا ولا تفعلْ كذا، واطمعْ من ربِّك أن يهديَك لأَقربَ
مما أُرشدتَ إليه في ضمن ما سمعتَ من الأمر والنهي خيراً ومنفعة. وقد هُدِي وَلَو
في ضمن ما أُنزل عليه عليه الصلاة والسلام بعدَ ذلك من الأوامر والنَّواهي إلى
ما هو أقربُ من ذلك منفعة، ولا يكاد يُحصَى. وهو كما ترى. ولعله ـ على
عِلَّاته - أقربُ ممَّا نقل عن الجبَّائي.
وقال ابنُ الأَنباري: معنى الآية: عسى أن يعرِّفَني ربِّي جوابَ مسائلِكم قبل
الوقتِ الذي حدَّدتُه لكم، ويعجِّلَ لي من جهته الرَّشاد. ولا يكاد يُستفاد هذا المعنى
من الآية، وعلى فَرْض الاستفادةِ تكون نظيرَ استفادةِ المعاني المرادةِ من المعمَّيات،
ويَجلُّ كتابُ اللهِ تعالى الكريمُ عن ذلك.
وأخرج البيهقيُّ (١) من طريق المعتمرِ بن سليمانَ قال: سمعت أبي يحدِّث عن
رجلٍ من أهل الكوفةِ أنَّه كان يقول: إذا نسي الإِنسانُ الاستثناء، فتوبتُه أن يقول:
((عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشداً) وحكاه أبو حيَّان عن محمدٍ الكوفيِّ
المفسّر(٢)، والظاهرُ أنَّه الرجلُ الذي ذكره المعتمِر(٣). وهو قولٌ لا دليلَ عليه.
﴿وَلَيِثُواْ فِ كَهْفِهِمْ﴾ أحياءً مضروباً على آذانهم ﴿ثَلَثَ مِاْتَكٍ سِنِينَ وَأَزْدَادُواْ
تِسْعًا ﴾﴾ وهي جملةٌ مستأنفةٌ مبيِّنة - كما قال مجاهد - لِمَا أُجمل في قوله
تعالى: (فَضَرَبْنَا عَلَى ءَاذَانِهِمْ فِ اَلْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا) واختار ذلك غيرُ واحد.
(١) في الأسماء والصفات (٣٦٧)، وابن جرير في تفسيره ٢٢٨/١٥.
(٢) البحر ١١٦/٦.
(٣) وهو كذلك، فقد جاء في الأسماء والصفات وتفسير ابن جرير: عن أبيه، عن محمد رجل
من أهل الكوفة كان يفسر القرآن ...

الآية : ٢٦
٢٨٩
سُوَرَّةُ الكَهْفِ
قال في ((الكشف)): فعلى هذا قولُه تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ﴾ تقريرٌ لكون
المدَّةِ المضروبِ فيها على آذانهم هي هذه المدَّة، كأنَّه قيل: قل: اللهُ أَعلمُ
بما لبثوا، وقد أَعلَم، فهو الحقُّ الصحيحُ الذي لا يحوم حولَه شكٌّ قط.
وفائدةُ تأخيرِ البيانِ التنبيهُ على أنَّهم تنازعوا في ذلك أيضاً؛ لذكره عقیب
اختلافِهِم في عدَّة أشخاصهم، وليكونَ التذييلُ بـ ((قُل الهُ أَعلمُ)) محاكياً للتَّذييل بقوله
سبحانه: (قُل رَّبِّ أَعْلَمُ بِعِدَتِهِم) وللدَّلالة على أنَّه من الغيب الذي أُخبر به عليه الصلاة
والسلام ليكونَ معجزاً له، ولو قيل: فضربنا على آذانِهم سنينَ عدداً، وأُتي به مبيّناً
أوَّلاً، لم يكن فيه هذه الدَّلالةُ البَّة. فهذه عدَّةُ فوائد، والأصلُ الأخيرة. انتهى.
ويُحتاج - على هذا - إلى بيان وجهِ العدولِ عن المتبادِر، وهو ثلاثُ مئةٍ وتسعُ
سنين، مع أنَّه أَخصَرُ وأَظهر، فقيل: هو الإِشارةُ إلى أنَّها ثلاثُ مئةٍ بحساب أهلٍ
الكتابِ واعتبارِ السَّنَة الشمسيَّة، وثلاثُ مئةٍ وتسعٌ بحساب العربِ واعتبارِ السَّنة
القمرية، فالتِّسعُ مقدارُ التفاوت. وقد نقله بعضُهم عن عليٍّ كرَّم اللهُ تعالى وجهَه.
واعتُرض بأنَّ دلالةَ اللفظِ على ما ذُكر غيرُ ظاهرة، مع أنَّه لا يوافق ما عليه
الحُسَّاب والمنجِّمون، كما قاله الإِمام (١)؛ لأنَّ السنةَ الشمسيةَ ثلاثُ مئةٍ وخمسٌ
وستُّون يوماً وخمسُ ساعاتٍ وتسعٌ وأربعون دقيقةً على مقتضَى الرَّصدِ الإيلخاني،
والسَّنةَ القمريةَ ثلاثُ مئةٍ وأربعةٌ وخمسون يوماً وثمانِ ساعاتٍ وثمانٍ وأربعون
دقيقة، فيكون التفاوتُ بينهما عشرةَ أيامٍ وإحدى وعشرين ساعةً ودقيقةً واحدة، وإذا
كان هذا تفاوتَ سَنَة، كان تفاوتُ مئة سَنَةٍ ألفَ يومٍ وسبعةً وثمانين يوماً وثلاث(٢)
عشرةَ ساعةً وأربعَ دقائق، وهي ثلاثةُ سنينَ وأربعّةٌ وعشرون يوماً وإِحدى عشرةَ
ساعةً وستَّ عشرةَ دقيقة، فيكون تفاوتُ ثلاثٍ مئةِ سنٍ تسعَ سنينَ وثلاثاً وسبعين
يوماً وتسعَ ساعاتٍ وثمانياً وأربعين دقيقة(٣)؛ ولذا قيل: إنَّ روايته عن عليٍّ كرَّم اللهُ
تعالی وجھَہ لم تثبت.
(١) في التفسير الكبير ١١٢/٢١.
(٢) في الأصل و(م): وثلاثة.
(٣) جاء في هامش الأصل: وإذا اعتبر هذا سنين شمسية كان تسع سنين إلا أربعة وعشرين يوماً
وإحدى عشرة ساعة وإحدى وعشرين دقيقة. اهـ. منه.

سُوَّةُ الكَهْفِ
٢٩٠
الآية : ٢٦
وبحث فيه الخفاجيُّ(١) بأنَّ وجهَ الدلالةِ فيه ظاهر؛ لأنَّ المعنى: لبثوا ثلاثَ مئةٍ
سنةٍ على حساب أهلِ الكتابِ الذين علَّموا قومَك السؤالَ عن شأنهم، وتسعاً زائدةً
على حساب قومِك الذين سألوكَ عن ذلك، والعدولُ عن الظاهر يُشعر به، ودعوى
أنَّ التفاوتَ تسعُ سنين مبنيَّةٌ على التقريب؛ لأنَّ الزائدَ لم يبلغ نصفَ سنة، بل
ولا فصلاً من فصولِها، فلم يعبأُ به، وكونُ التفاوتِ تسعاً تقريباً جارٍ على سائر
الأقوالِ في مقدار السنةِ الشمسيةِ والسنةِ القمرية؛ إذ التفاوتُ في سائرها لا يكاد
يبلغ رُبعاً فضلاً عن نصف.
وقال الطّيبي في توجيهِ العدول: إنَّه يمكن أن يقال: لعلهم لمَّا استكملوا ثلاثَ
مئةٍ سنة، قَرُبوا من الانتباه، ثم اتَّفق ما أَوجب بقاءهم نائمين تسعَ سنين.
وتعقِّب بأنَّ هذا يقتضي أن يكونَ المراد: وازدادوا نوماً، أي: قَوِي نومُهم في
تسع سنين، ولا يخفَى ما فيه.
وقال أيضاً: يجوز أن يكونَ أهلُ الكتابٍ قد اختلفوا في مدَّة لَبثهم كما اختلفوا
في عِدَّتهم، فجاء قولُه تعالى: ((ولبثوا ... )) إلخ رافعاً للاختلاف مبيِّناً للحقّ،
ويكون ((وازدادوا تسعاً)) تقريراً ودفعاً للاحتمال، نظير الاستثناءِ في قوله تعالى:
﴿فَلِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَّةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] وسيجيءُ بيانُه إن شاء اللهُ
تعالى، ولا يخلو عن حُسْن.
وقيل: إنَّهم انتبهوا قليلاً ثم رُدُّوا إلى حالتهم الأُولى؛ فلذا ذُكر الازدياد،
وهو الذي يقتضيه ما أخرجه ابنُ أبي حاتمٍ عن قتادةَ المارُّ في قوله تعالى:
(وَنُقِلِيُهُمْ) إلخ، وهو - فيما أرى - أقربُ مما تقدَّم من حديث السنينَ الشمسيةِ
والقمرية .
وقال جمع: إنَّ الجملةَ من كلام أهلِ الكتاب، فهي مِن مقول ((سيقولون))
السَّابق، وما بينهما اعتراضٌ. ونُسب ذلك إلى ابن عباس، فقد أخرج ابنُ أبي حاتم
وابنُ مردويه عنه رَظُهُ أنَّه قال: إنَّ الرجلَ لَيفسِّر الآيةَ يرى أنَّها كذلك، فيَهوي أَبعدٌ
ما بين السماءِ والأرض، ثم تلا: (وَلَيِثُواْ فِ كَهْفِهِمْ) الآيةَ، ثم قال: كم لبثَ
(١) في حاشيته ٦/ ٩٢.

الآية : ٢٦
٢٩١
سُورَةُ الگھْفِ
القوم؟ قالوا: ثلاثَ مئةٍ وتسعَ سنين، فقال: لو كانوا لبثوا كذلك، لم يقل اللهُ
تعالى: (قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ) ولكنَّه سبحانه حكى مقالةَ القوم فقال تعالى:
(سَيَقُولُونَ ثَلَثَةٌ) إلى قوله تعالى: (رَمَا بِالْغَيْبٍ) فَأَخبر أَنَّهم لا يعلمون وقال:
سيقولون: لبثوا في كهفهم ثلاثَ مئةٍ سنينَ وازدادوا تسعاً(١).
ولعل هذا لا يصحُّ عن الخَبرِ رَظُه، فقد صحَّ عنه القولُ بأن عِدَّةَ أصحابٍ
الكهف سبعةٌ وثامنُهم كلبُهم، مع أنَّه تعالى عقَّب القولَ بذلك بقوله سبحانه: (قُل
تَّبِّ أَعْلَمُ بِعِذَنِهِم) ولا فرقَ بينه وبين قولِه تعالى: (قُلِ اَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ) فلمَ دلَّ هذا
على الردِّ ولم يدلَّ ذاك؟
نعم قرأ ابنُ مسعود: ((وقالوا لَبِثوا في كهفِهم))(٢) وهو يقتضي أن يكونَ من كلام
الخائضين في شأنهم، إلّا أنَّ التعقيبَ بقوله تعالى: (قُلِ اَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ) كتعقيب
القولِ الثالثِ في العِدَّة بما سمعتَ في عدم الدَّلالةِ على الردّ.
والظاهرُ أنَّ ضميرَ ((وازدادوا)» على هذا القولِ لأَصحاب الكهف، كما أنَّه
كذلك على القولِ السابق.
وقال الخَفاجي(٣): إنَّ الضميرَ عليه لأَهل الكتاب، بخلافه على الأوَّل، ويظهر
فيه وجهُ العدولِ عن ثلاث مئةٍ وتسع سنين؛ لأنَّ بعضَهم قال: لبثوا ثلاثَ مئةٍ،
وبعضهم قال: إنَّه أَزيدُ بتسعة. اهـ. ولا يخفَى ما فيه.
وعلى القولين الظاهرُ أنَّ ((بما لبثوا)) إشارةٌ إلى المدَّة السابق ذِكرُها، وزعم
بعضُهم أنَّه إشارةٌ إلى المدَّة التي بعد الإطلاعِ عليهم إلى زمن الرَّسولِ وَّر. وهو
كما ترى.
وقيل: إنَّه تعالى لمَّا قال: ((وازدادوا تسعاً)) كانت التِّسعُ مبهمة، لا يدرَى أنَّها
سِنونَ أم شهورٌ أم أيامٌ أم ساعات، واختلف في ذلك بنو إسرائيل، فأُمر ◌َلل بردٌ
(١) الدر المنثور ٢١٨/٤.
(٢) تفسير الطبري ٢٣١/١٥، والكشاف ٤٨١/٢، والبحر المحيط ١١٦/٦. وجاء في الأصل
و(م): لبثوا كهفهم، والمثبت من المصادر.
(٣) في حاشيته ٦/ ٩٣.

سُوَّةُ الكَهْفِ
٢٩٢
الآية : ٢٦
العلم إليه عزَّ وجلَّ في التِّسع فقط. اهـ، وليس بشيء؛ فإنَّه إذا سبق عددٌ مفسَّر
وعُطف عليه ما لم يفسّر، حُمِل تفسيرُه على السابق، فـ : عندي مئةُ درهم وعشرة،
ظاهرٌ في: وعشرةِ دراهم، وليس بمجمَلٍ كما لا يخفَى.
هذا ونصب ((تسعاً)) على أنَّه مفعولُ ((ازدادوا)) وهو ممَّا يتعدَّى إلى واحد. وقال
أبو البقاءِ(١): إنَّ زَادَ يتعدَّى إلى اثنين، وإذا بُني على افتعل تعدَّى إلى واحد.
وظاهرُ كلامِ الراغبِ(٢) وغيرِه أنَّ زاد قد يتعدّى إلى واحد، يقال: زدتُه كذا، فزادَ
هو وازداد كذا. ووجهُ ذلك ظاهرٌ فلا تغفُل.
والجمهورُ على أنَّ ((سنين)) في القراءة بتنوين ((مئة)) منصوب، لكن اختلفوا في
توجیهٍ ذلك:
فقال أبو البقاءِ (٣) وابنُ الحاجب: هو منصوبٌ على البدليَّة من («ثلاث مئة)).
وقال الزَّمخشريَّ(٤): على أنَّه عطفُ بيانٍ لـ ((ثلاث مئة)) وتعقَبه في ((البحر)) بأنَّه
لا يجوز على مذهب البصريِّين(٥).
وادَّعى بعضُهم أنه أَوْلى من البدلية؛ لأنَّها تستلزم ألَّ يكونَ العددُ مقصوداً،
ويؤيِّده ما أخرجه ابنُ أبي شيبةَ وابن جَريرٍ وابنُ المنذر وابن أبي حاتم عن الضخَّاك
قال: لمَّا نزلت هذه الآيةُ (وَلَبِثُواْ فِ كَهْفِهِمْ ثَلَثَ مِاْتَةٍ) قيل: يا رسول الله، أياماً أم
أشهراً أم سنين؟ فأنزل الله تعالى (سِنِينَ)(٦).
وجوَّز ابنُ عطية(٧) الوجهين.
وقيل: على التمييز. وتُعقِّب بأنَّه يلزم عليه الشذوذُ من وجهَين، وستعلم وجهَه
قريباً إن شاء اللهُ تعالى، وبما نقل في ((المفضَّل)) عن الزجَّاج أنَّه يلزمُ أن يكونوا
(١) في الإملاء ٥١٣/٣.
(٢) في المفردات (زيد).
(٣) في الإملاء ٥١٣/٣.
(٤) في الكشاف ٢ / ٤٨١ .
(٥) البحر ٦/ ١١٧ .
(٦) تفسير الطبري ٢٣٠/١٥، والدر المنثور ٢١٨/٤، وعنه نقل المصنف.
(٧) في المحرر الوجيز ٣/ ٥١٠.

الآية : ٢٦
٢٩٣
سُوَرَّةُ الكَهْفِ
لبثوا تسعَ مئةِ سنة(١)، قال ابنُ الحاجب: ووجهُه أنَّه فهم من لغتهم أنَّ مميِّز المئةِ
واحدٌ من مئة، كما إذا قلت: مئة رجل، فـ ((رجل)) واحدٌ من المئة، فلو كان ((سنين))
تمييزاً، لَكان واحداً من ثلاث مئة، وأقلُّ السنين ثلاثة، فكان كأنَّه قيل: ثلاثُ مئةٍ
ثلاثٍ سنين، فيكون تسعَ مئة سنة.
ويُردُّ بأنَّ ما ذُكر مخصوصٌ بما إذا كان التمييزُ مفرَداً، وأمَّا إذا كان جمعاً،
فالقصدُ فيه كالقصد في وقوع التمييزِ جمعاً في نحو: ثلاثةُ أثواب، مع أنَّ الأصلَ
في الجميع الجمعُ، وإنَّما عدلوا إلى المفرَد لعِلَّة كما بيِّن في محلٌّه، فإذا استُعمل
التمييزُ جمعاً استُعمل على الأصل، وما قال إنَّما يلزم لو كان ما استُعمل جمعاً
استُعمل كما استُعمل المفرد، فأمَّا إذا استُعمل الجمعُ على أَصله فيما وضع له
العددُ، فلا. انتهى.
وقد صرَّح الخفاجيُّ(٢) أنَّ ذلك كتقابُل الجمعِ بالجمع.
وجوَّز الزجَّاجِ(٣) كونَ ((سنين)) مجروراً على أنَّه نعتُ ((مئة)) وهو راجعٌ في
المعنى إلى جملةِ العدد، كما في قولِ عنترة:
فيها اثنتانٍ وأربعونَ حَلوبةً سُوداً كخافية الغرابِ الأَسحمِ (٤)
حيث جعل سوداً نعتاً لحَلوبةً، وهي في المعنى نعتٌّ لجملة العدد.
وقال أبو عليّ(٥): لا يمتنع أن يكونَ الشاعرُ اعتبر حَلوبةً جمعاً، وجعل سُوداً
وصفاً لها، وإذا كان المرادُ به الجمع، فلا يمتنعُ أن يقعَ تفسيراً لهذا الضرب من
العددِ من حيث كان على لفظ الآحاد، كما يقال: عشرون نفراً، وثلاثون قَبِيلاً.
وقرأ حمزة، والكِسائي، وطلحة، ويحيى، والأَعمش، والحسن، وابنُ
أبي ليلى، وخَلَف، وابنُ سعدان، وابنُ عيسى الأَصبهاني، وابن جُبَيرٍ الأَنطاكي:
(١) شرح المفصل لابن يعيش ٦/ ٢١.
(٢) في حاشيته ٦/ ٩٣.
(٣) في معاني القرآن ٢٧٨/٣.
(٤) الدیوان ص١٧ .
(٥) في الحجة ١٣٨/٥.

سُورَةُ الكَهْفِ
٢٩٤
الآية : ٢٦
(ثلاثَ مئة سنين))(١) بإضافة ((مئة)) إلى ((سنين))، وما نُقل عن الزجَّاجِ يَرِد هنا
أيضاً، ويُرَدُّ بما رُدَّ به هناك، ولا وجهَ لتخصيص الإِيراد بنصب ((سنينَ)) على
التمييز، فإنَّ منشأً اللزوم على فَرْض تسليمِه كونُه تمييزاً، وهو متحقِّق إذا جُرَّ
أيضاً، وجرُّ تمييزِ المئةِ بالإضافة أحدُ الأمرَين المشهورَين فيه استعمالاً،
وثانيهما كونُه مفرداً، ولكون الإفراد مشهوراً في الاستعمال أُطلق عليه الأَصل،
فهو أصلٌ بحسَب الاستعمال.
ولا ينافي هذا قولُ ابنِ الحاحب: إنَّ الأصلَ في التمييز مطلقاً الجمع،
كما سمعتَ آنفاً؛ لأنَّه أراد أنَّه الأصلُ المرفوضُ قياساً، نظراً إلى أنَّ المئةَ جمعٌ
كثلاثةٍ وأربعةٍ ونحوِهما، كذا في ((الكشف))، وقد يَخرج عن الاستعمالِ المشهورِ
فيأتي مفرداً منصوباً، كما في قوله:
إذا عاش الفتى مئتينٍ عاماً فقد ذهب الَّذاذةُ والفَتَاءُ(٢)
وقد يأتي جمعاً مجروراً بالإِضافة، كما في الآية على قراءة الكِسائيِّ وحمزةً
ومَن معهما، لكن قالوا: إنَّ الجمعَ المذكورَ فيها قد أُجري مُجرَى العاري عن
علامةِ الجمع؛ لِمَا أنَّ العلامةَ فيه ليست متمحِّضةً للجمعية، لأنَّها كالعِوَض عن لام
مفردِهِ المحذوفة، حتى إنَّ قوماً لا يُعربونه بالحروف، بل يُجرونه مُجرَى حين، ولم
أجدْ فيما عندي من كتب العربيةِ شاهداً من كلام العربِ لإِضافة المئةِ إلى جمع،
وأكثرُ النَّحويين يوردون الآيةَ على قراءة حمزةَ والكسائيِّ شاهداً لذلك، وكفى
بكلام اللهِ تعالى شاهداً .
وقرأ أُبَيّ: ((ثلاثَ مئةِ سَنَة)) بالإِضافة والإِفراد(٣)، كما هو الاستعمالُ الشائع،
وكذا في مصحفِ ابنِ مسعود(٤).
(١) البحر المحيط ١١٧/٦ وقراءة حمزة والكسائي في التيسير ص١٤٣، والنشر ٣١٠/٢،
وقراءة خلف في النشر.
(٢) قائله الربيع بن ضَبُع الفَزاري، كما في الكتاب ٢٠٨/١، والخزانة ٣٠٦/٣ (دار صادر).
(٣) القراءات الشاذة ص٧٩، والبحر ٦/ ١١٧ .
(٤) البحر ٦/ ١١٧.

الآية : ٢٦
٢٩٥
سُورَةُ الكَهْفَِّ
وقرأ الضحَّاك: ((ثلاثَ مئةٍ سِنون)) بالتنوين ورفع ((سِنونَ)) على أنَّه خبرُ مبتدأ
محذوف، أي: هي سِنون(١).
وقرأ الحسنُ وأبو عَمرٍو في رواية اللؤلؤيِّ عنه: ((تَسعاً)) بفتح التاءِ (٢)، وهو لغةٌ
فيه فاعلَمْ، والله تعالى أعلم.
﴿لَهُ غَيْبُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ أي: جميعُ ما غاب فيهما، وخَفِي من أحوال
أهلِهما، فالغيبُ مصدرٌ بمعنى الغائبِ والخفيّ، جُعل عينَه للمبالغة، واللامُ
للاختصاص العلميّ، أي: له تعالى ذلك علماً، ويلزم منه ثبوتُ علمِه سبحانَه بسائر
المخلوقات؛ لأنَّ مَن عَلِمَ الخفيَّ عَلِمَ غيرَه بالطريق الأَوْلى.
﴿أَبْصِرْ بِهِ، وَأَسْمِعْ﴾ صيغتا تعجّب، والهاءُ ضميرُه تعالى، والكلامُ مندرجٌ تحت
القول، فليس التعجُّب منه سبحانه ليقال: ليس المرادُ منه حقيقتَه لاستحالتِه عليه
تعالى، بل المرادُ أنَّ ذلك أمرٌ عظيمٌ مِن شأنه أن يُتعجّبَ منه كما قيل، ولا يمتنع
صدورُ التعجُّب من بعض صفاتِهِ سبحانه وأفعالِهِ عزَّ وجلَّ حقيقةً من غيره تعالى.
وفي الحديث(٣): ((ما أَحلمَك عمَّن عصاك، وأقربَك ممَّن دعاك، وأَعطفَك
على مَن سألك)) ولهم في هذه المسألةِ كلامٌ طويل، فليرجعْ إليه مَن أَراده، ولابن
هشام رسالةٌ في ذلك.
وأيَّاما كان، ففيه إشارةٌ إلى أنَّ شأنَ بصرِه تعالى وسمعِه عزَّ وجلّ - وهما صفتان
غيرُ راجعتَين إلى صفة العلم - خارجٌ عمَّا عليه بصرُ المبصِرين وسمعُ السامعين، فإنَّ
اللطيفَ والكثيف، والصغيرَ والكبير، والجليَّ والخفيّ، والسِّرَّ والعلن، على حدٍّ
سواءٍ في عدم الاحتجاب عن بصره وسمعِه تبارك وتعالى، بل مِن الناس مَن قال:
إنَّ المعدومَ والموجودَ في ذلك سواء، وهو مبنيٌّ على شيئيَّ المعدوم، والخلافُ في
ذلك معلوم، ولعل تقديمَ ما يدلُّ على عِظَم شأنٍ بصرِهِ عزَّ وجلَّ لِمَا أنَّ ما نحن
بصدده مِن قَبِيل المُبصَرات.
(١) البحر ١١٧/٦.
(٢) القراءات الشاذة ص٧٩، والبحر ٦/ ١١٧ .
(٣) كذا نقل المصنف عن الشهاب في الحاشية ٦/ ٩٣، ولم نقف عليه حديثاً.

سُورَةُ الكَهْفِ
٢٩٦
الآية : ٢٦
والأصل: أَبْصَرَ وأَسْمَعَ، والهمزةُ للصَّيرورة، لا للتعدية، أي: صار ذا بَصَر،
و: صار ذا سَمْع، ولا يقتضي ذلك عدمَ تحقُّقِهما له تعالى، تعالى عن ذلك علوًّا
كبيراً، وفيهما ضميرٌ مستترٌ عائدٌ عليه سبحانه، ثم حوِّلا إلى صيغة الأمر، وبرز
الضميرُ الفاعلُ لعدم لياقةِ صيغةِ الأمر لتحمُّل ضميرٍ الغائب، وجُرَّ بالباءِ الزائدة،
فكان له محلَّان: الجرُّ لمكان الباء، والرفعُ لِمكان كونِهِ فاعلاً، ولكونه صار فَضلةً
صورةً، أُعطي حكمَها، فصحَّ حذفُه من الجملة الثانيةِ مع كونِه فاعلاً، والفاعلُ
لا يجوز حذفُه عندهم، ولا تكاد تُحذَف هذه الباءُ في هذا الموضع إِلَّ إذا كان
المتعَجَّب منه إنْ وصِلَتَها، نحو: أَحسِنْ أن تقولَ، وهذا الفعلُ لكونه ماضياً معنّی
قيل: إنَّه مبنيٌّ على فتح مقدَّر مَنَعَ مِن ظهوره مجيتُه على صورةِ الأمر، وهذا مذهبُ
سيبويه في هذا التركيب.
قال الرَّضِيّ: وضعِّف ذلك بأنَّ الأمرَ بمعنى الماضي ممَّا لم يُعهَد، بل جاءَ
الماضي بمعنى الأمر، كما في حديث: (اتَّقى اللهَ امرؤٌ فعل خيراً يُثَبْ عليه))(١)
وبأنَّ: صار ذا كذا، قليلٌ، ولو كان ما ذكر منه، لَجاز: أَلحِمْ بزيدٍ وأَشِم بزيد،
وبأنَّ زيادةَ الباءِ في الفاعل قليل، والمظَّرد زيادتُها في المفعول.
وتعقّب بأنَّ كونَ الأمرِ بمعنى الماضي ممَّا لم يُعهَد غيرُ مسلَّم، ألا ترى أنَّ
كفَى به بمعنى اكتفٍ به عند الزّجَّاج، وقصد بهذا النقلِ الدَّلالة على أنَّه قصد به
معنّى إنشائيّ هو التعجُّب، ولم يقصد ذلك من الماضي؛ لأنَّ الإنشاءَ أَنسبُ بصيغة
الأمرِ منه؛ لأنَّه خبرٌ في الأَكثر، وبأنَّ كثرةَ أَفْعَلَ بمعنى: صار ذا كذا، لا تخفَى
على المتتبّع، وجوازُ أَلحِم بزيدٍ على معنى التعجُّب لازم، ولا محذورَ فيه، وعلى
معنَى آخَرَ غيرُ لازم، نعم ما ذكر من قِلَّة زيادةِ الباءِ في الفاعل ممَّا لا كلامَ فيه.
والإِنصافُ أنَّ مذهبَ سيبويه في هذه المسألةِ لا يخلو عن تعسُّف، ومذهبُ
الأَخفش - وعزاه الرَّضيُّ إلى الفرَّاء - أنَّ أَفعِلْ في نحو هذا التركيبِ أمرٌ لفظاً
ومعنّى، فإذا قلت: أَحسِن بزيد، فقد أمرتَ كلَّ واحدٍ بأن يجعلَ زيداً حسناً، ومعنى
(١) شاهد نحوي هو قول لبعض العرب، ولم نقف عليه حديثاً، ينظر مغني اللبيب ص ١٤٤
و٥٢٢، وكتاب سيبويه ٣/ ١٠٠، وفيه: فعل خيراً بالواو، ومعناه: ليتَّق وليفعل.

الآية : ٢٦
٢٩٧
سُوَدَّةُ الكَهْفِ
جعلِه كذلك وصفُه به، فكأنَّك قلت: صِفْه بالحُسن كيف شئتَ؛ فإنَّ فيه منه كلَّ
ما يمكن أن يكونَ في شخص، كما قال الشاعر(١):
لقد وجدتَ مكانَ القولِ ذا سَعَةٍ فإنْ وجدتَ لساناً قائلاً فقُلٍ
وهذا المعنى مناسبٌ للتعجّب، بخلاف تقديرٍ سيبويه، وأيضاً همزةُ الجعلِ أكثرُ
من همزةٍ صار ذا كذا، وإنْ لم يكن شيءٌ منهما - على ما قال الرَّضِي - قياساً
مَطَّرداً. واعتُبر الفاعلُ ضميرَ المأمور، وهو: كلُّ أحد؛ لأنَّ المرادَ أنَّه لظهور الأمرِ
يؤمر كلُّ أحدٍ لا على التعيينِ بوصفه بما ذُكر، ولم يتصرَّف في أَفعِل على هذا
المذهبِ فيُسندَ إلى مثَّى أو مجموعٍ أو مؤنَّث؛ لِمَا ذكروا من عِلَّة كونِ فعل التعجُبِ
غيرَ متصرِّف، وهي مشابهتُه الحرّوَفَ في الإِنشاء، وكونُ كلِّ لفظٍ من ألفاظه صار
عَلَماً لمعنّى من المعاني وإنْ كان هناك جملة، فالقياسُ ألَّا يتصرَّفَ فيه احتياطاً؛
لتحصيل الفهم، كأسماءِ الأَعلام، فلذا لم يتصرَّف في نِعمَ وبئسَ في الأمثال،
وسهَّل ذلك هنا انمحاءُ معنى الأمرِ فيه، كما انمحى معنى الجعلِ وصار لمحض
إِنشاء التعجُّب، ولم يبقَ فيه معنى الخطاب، والباءُ زائدةٌ في المفعول.
وأجاز الزجَّاجُ أن تكونَ الهمزةُ للصَّيرورة، فتكون الباءُ للتعدية، أي: صيّه ذا
حُسن. ثم إنَّه اعتذر لبقاءٍ أَحسِن في الأحوال على صورةٍ واحدة؛ لكون الخطاب
المصدر الفعل، أي: يا حُسنُ أَحسِن بزيد، وفيه تكلُّف وسَمَاجة.
وأيضاً نحن نقول: أَحسِن بزيدٍ يا عَمرو، ولا يخاطَب شيئان في حالةٍ إلَّ أن
يقول: معنى خطابٍ الحُسن قد انمحى، وثمرةُ الخلافِ بين سيبويه وغيره تظهر
فيما إذا اضطرَّ إلى حذف الباء، فعلى مذهبٍ سيبويه يلزم رفعُ مجرورِهِ، وعلى غيره
يلزم نصبُه.
هذا وقال ابنُ عطية(٢): يحتمل أن يكونَ معنى الآية: أَبصِر بدين اللهِ تعالى
وأَسمِع به، أي: بُصِر بهُدى اللهِ تعالى وسُمِع به، فترجع الهاءُ إمّا على الهدى، وإمَّا
على الاسمِ الجليل. ونُقل ذلك عن ابن الأنباري، وليس بشيءٍ.
(١) هو المتنبي، والبيت في ديوانه ٢٠٥/٣.
(٢) في المحرر الوجيز ٥١٠/٣ .

سُوَدَّةُ الكَهْفِ
٢٩٨
الآية : ٢٦
وقرأ عيسى: ((أَبصرَ به وأَسمعَ)) (١) بصيغة الماضي فيهما، وخرَّج ذلك
أبو حيَّان(٢) على أنَّ المرادَ الإخبارُ لا التعجُّب، والضميرُ المجرورُ الله تعالى، أي:
أَبصرَ عبادَه بمعرفته سبحانَه وأَسمَعَهم.
وجوِّز أن يكونَ (أَبْصَرَ)) أَفعلَ تفضيل، وكذا ((أَسمَعَ)) وهو منصوبٌ على الحاليَّة
من ضميرٍ ((له))، وضميرُ ((به)) عائدٌ على الغيب، وليس المرادُ حقيقةَ التفضيل، بل
عِظَم شأنٍ بَصَرِه تعالى وسَمْعه عزَّ وجلّ. ولعل هذا أَقربُ ممَّا ذكره أبو حيَّان.
وحاصلُ المعنى عليه أنَّه جلَّ شأنُه يعلم غيبَ السماواتِ والأرضِ بصيراً به
وسميعاً على أتمٍّ وجهٍ وأعظمِهِ.
﴿مَا لَهُمْ﴾ أي: لأهل السماواتِ والأرضِ المدلولِ عليه بذِكرهما ﴿مِّن
دُونِهِ،﴾ تعالى ﴿مِن وَإٍِ﴾ مَن يتولَّى أمورَهم ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِ﴾ في قضائه تعالى
﴿أَحَدًا ﴾﴾ كائناً مَن كان، ولا يجعلُ له فيه مَدخلاً .
وقيل: يحتمل أن يعودَ الضميرُ لأَصحاب الكهف، وإضافةُ ((حكم)) للعهد، على
معنى: ما لهم مَن يتولَّى أمرَهم ويحفظُهم غيره سبحانه، ولا يُشرك في حكمه الذي
ظهر فيهم أحداً من الخلق.
وجوَّز ابن عطيةً(٣) أن يعودَ على معاصري رسولِ اللهِ نَّهِ من الكفَّار المشاقِّين
له عليه الصلاة والسلام، وجَعَلَ الآيةَ اعتراضاً بتهديد.
وقيل: يحتمل أن يعودَ على مؤمني أهلِ السماواتِ والأرض، والمرادُ أنَّهم لن
يتخذوا من دونه تعالی وليًّا .
وقيل: يعود على المختلفين في مدَّة لَبثِ أصحاب الكهف، أي: لا يتولَّى
أمرَهم غيرُ اللهِ تعالى، فهم لا يقدرون بغير إقداره سبحانه، فكيف يعلمون بغير
إِعِلامِهِ عزَّ وجلّ. والكلُّ كما ترى.
(١) القراءات الشاذة ص٧٩.
(٢) في البحر ٦/ ١١٧ .
(٣) في المحرر الوجيز ٥١١/٣.

الآية : ٢٧
٢٩٩
سُوَرَّةُ الكَهْفِ
ثم لا يخفَى عليك أنَّ ما في النَّظم الكريمِ أبلغُ في نفي الشريكِ من أن يقال:
مِن وليٍّ ولا شريك.
وقرأ مجاهدٌ: ((ولا يُشرِكْ)) بالياء آخرِ الحروفِ والجزم(١). قال يعقوب:
لا أَعرف وجهَ ذلك. ووجَّهه بعضُهم بأنَّه سكّن بنيّة الوقف.
وقرأ ابنُ عامر، والحسن، وأبو رجاءٍ، وقتادة، والجحدريّ، وأبو حَيْوة،
وزيد، وحُميد بنُ الوزير عن يعقوب، والجُعفيّ واللؤلؤيُّ عن أبي بكر:
((ولا تُشرِكْ))(٢) بالتاء ثالثِ الحروفِ والجزم، على أنَّه نهيٌ لكلِّ أحدٍ عن الشِّرك،
لا نهيٌ له بَّ، ولو جُعِل له عليه الصلاة والسلام لَجُعل تعريضاً بغيره، كقوله: إياكِ
أعني واسمعي يا جارة، فيكون مالُه إلى ذلك.
وجوِّز أن يكونَ الخطابُ له وَّرَ، ويجعل معطوفاً على ((لا تقولن)) والمعنى:
لا تسألْ أحداً عمَّا لا تعرفه من قصَّة أصحابِ الكهفِ ولبثهم، واقتصرْ على ما يأتيكَ
في ذلك من الوحي. أو: لا تسألْ أحداً عمَّا أَخبرك الله تعالى به من نبأ مدَّةٍ لَبثهم،
واقتصرْ على بيانهِ سبحانه.
ولا يخفَى ما فيه من كثرة مخالفةِ الظاهرِ وإنْ كان أشدَّ مناسبةً لقوله تعالى ﴿وَآَتْلُ
مَّ أُوْجِىَ إِلَيْكَ مِن كِتَابٍ رَيِّكٌ﴾ ووجهُ الربطِ على القراءةِ المشهورة - حَسبما تقدَّم
من تفسيرها - أنَّه سبحانه لمَّا ذكر قصةَ أصحاب الكهفِ وكانت من المغيَّبات
بالإِضافة إليه وَّهِ ودلَّ اشتمالُ القرآنِ عليها على أنَّه وحيٌّ معجزٌ من حيثية الاشتمالِ
وإنْ كانت جهةُ إعجازِهِ غيرَ منحصرةٍ في ذلك، أَمَره جلَّ شأنُه بالمواظبة على دَرسِه
بقوله سبحانه: ((واتل ... )) إلخ. وهو أمرٌ من التِّلاوة بمعنى القراءة، أي: لازِمْ
تلاوةَ ذلك على أَصحابك، أو مطلقاً، ولا تكترثْ بقول مَن يقول لك: ائتِ بقرآنٍ
غيرِ هذا أو بدِّله.
وجوِّز أن يكونَ ((اتل)) أمراً من التُّلوّ، بمعنى الاتِّباع، أي: إِنَّبع ما أُوحي إليك
والزم العملَ به.
(١) البحر ١١٧/٦.
(٢) البحر ١١٧/٦. وقراءة ابن عامر في التيسير ص ١٤٣، والنشر ٣١٠/٢.

سُورَةُ الكَهْفِ
٣٠٠
الآية : ٢٧
وقيل: وجهُ الربطِ أنَّه سبحانه لمَّا نهاه عن المِراء المتعمَّق فيه وعن الاستفتاء،
أَمَرِه سبحانه بأنْ يتلوَ ما أُوحِي إليه من أَمرهم، فكأنَّه قيل: إِقرأ ما أُوحي إليك مِن
أمرهم واستغنِ به ولا تتعرَّضْ لأَكثرَ من ذلك، أو: اتَّبع ذلك وخُذْ به، ولا تتعمَّق
في جدالهم، ولا تستفتِ أحداً منهم. فالكلامُ متعلِّق بما تقدَّم من النَّواهي، والمرادُ
بـ ((ما أُوحي)) إلخ هو الآياتُ المتضمِّنة شرحَ قصةِ أصحابِ الكهف.
وقيل: متعلِّقٌ بقوله تعالى: (قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِئُواْ) أي: قل لهم ذلك واتلُ
عليهم إخبارَه عن مدَّة لَبثهم، فالمراد بـ ((ما أُوحي)) إلخ: ما تضمَّن هذا الإِخبار.
وهذا دونَ ما قبلَه بكثير، بل لا ينبغي أنْ يلتفتَ إليه، والمعوَّل عليه أنَّ المرادَ
بـ ((ما أُوحي)) ما هو أعمُّ ممَّا تضمَّن القصةَ وغيره من كتابه تعالى.
﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِهِ﴾ لا يَقدِر أحدٌ على تبديلها وتغييرِها غيرُه، وأمَّا هو سبحانه
فقدرتُه شاملةٌ لكلِّ شيء، يمحو ما يشاءُ ويُثبت. ويُعلَم ممَّا ذُكر اندفاعُ ما قيل: إنَّ
التبديلَ واقع؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةٌ﴾ [النحل: ١٠١] الآيةَ.
والظاهرُ عمومُ الكلماتِ الأَخبارَ وغيرها، ومن هنا قال الطبرسيّ (١): المعنى:
لا مغيِّرَ لِمَا أَخبر به تعالى ولا لِمَا أَمَر، والكلامُ على حذفِ مضاف، أي: لا مبدِّلَ
لحکم کلماتِه. انتهى.
لكن أنت تعلم أنَّ الخبرَ لا يقبل التبديلَ، أي: النَّسخ، فلا تتعلَّق به الإرادةُ
حتى تتعلَّقَ به القدرة، لئلا يلزمَ الكَذِبُ المستحيلُ عليه عزَّ شأنُه.
ومنهم مَن خصَّ الكلماتِ بالأَخبار؛ لأنَّ المقامَ للإِخبار عن قصَّة أصحابٍ
الكهف، وعليه لا يُحتاج إلى تخصيص النكرةِ المنفيَّة؛ لِمَا سمعتَ من حال
الخبر، وقولُ الإِمام(٢): إنَّ النسخَ في الحقيقةِ ليس بتبديل؛ لأنَّ المنسوخَ ثابتٌ
في وقته إلى وقت طریانِ الناسخ، فالناسخُ كالمغاير(٣)، فکیف یکون تبديلاً =
توقُّمٌ لا يُقتدى به.
(١) في مجمع البيان ١٥/ ١٤٧ .
(٢) في التفسير الكبير ١١٤/٢١ .
(٣) في التفسير الكبير: كالغاية.