النص المفهرس

صفحات 201-220

الآية : ٩
٢٠١
سُورَةُ الْكَفَّفِ
ووجهُ ربطِ هاتين الآيتين بما قبلَهما - على ما قاله بعضُ المحقّقين - أنَّ قوله
تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَا) إلخ تعليلٌ لِمَا في ((لعل)) مِن معنى الإِشفاق، وقوله سبحانه:
(وَإِنَّا لَجَعِلُونَ) إلخ تكميلٌ للتعليل، وحاصلُ المعنى: لا تحزنْ بما عاينتَ من القوم
من تكذيبٍ ما أنزلنا عليك من الكتاب؛ فإنَّا قد جعلنا ما على الأرضٍ من فنون
الأشياءِ زينةً لها لنختبرَ أعمالَهم، فنجازيَهم بحسَبها، وإنَّا لَمُفْنونَ ذلك عن قریب،
ومجازون بحسَب الأعمال. وفي معنى ذلك ما قيل: إنَّه تسكينٌ له عليه الصلاة
والسلام، كأنَّه قيل: لا تحزن؛ فإنَّا نتتقم لك منهم.
وظاهرُ كلام بعضِهم جعلُ ما يُفهَم من أوَّل السورةِ تعليلاً للإشفاق، حيث قال:
المعنى: لا يعظُمْ حزنُك بسبب كفرِهم؛ فإنَّا بعثناك منذراً ومبشِّراً، وأمَّا تحصيلُ
الإِيمان في قلوبهم فلا قدرةً لك عليه. قيل: ولا يضرُّ جعلُ ما ذُكر تعليلاً لذلك
أيضاً؛ لأنَّ العِلَل غيرُ حقيقية.
وقيل في وجهِ الربط: إنَّ ما تقدَّم تضمَّن نهيَهُ وَّهِ عن الحزن، وهذا تضمَّن
إرشادَه إلى التخلُّق ببعض أخلاقِه تعالى، كأنَّه قيل: إنِّي خلقت الأرضَ وزينتَها
ابتلاءً للخلق بالتكاليف، ثم إنَّهم يتمرَّدون ويكفرون، ومع ذلك لا أَقطعُ عنهم
نِعَمي، فأنت أيضاً يا محمدُ لا تترك الاشتغالَ بدعوتهم بعدَ أَلَّا تأسف عليهم،
والجملةُ الثانيةُ لمجرَّد التزهيدِ في الميل إلى زينة الأَرض. ولا يخفَى عليك بُعْدُ هذا
الرَّبط، بل لا يكاد ينساق الذِّهن إليه، فتأمَّل.
﴿أَمْ حَسِبْتَ﴾ خطابٌ لسيِّد المخاطَبِينِوَّهِ والمقصودُ غيره، كما ذهب إليه غيرُ
واحد. و((أم)) منقطعةٌ مقدَّرة بـ ((بل)) - التي هي للانتقال من كلامٍ إلى آخَرَ،
لا للإِبطال - وهمزةِ الاستفهامِ عند الجمهور، وببل وحدَها عند بعضٍ، وقيل: هي
هنا بمعنى الهمزة.
والحقُّ الأوَّل، أي: بل أَحسبتَ ﴿أَنَّ أَصْحَبَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُواْ﴾ في بقائهم
على الحياة ونومِهم مدةً طويلةً من الدَّهر ﴿مِنْ ءَايَئِنَا﴾ أي: مِن بين دلائلنا الدالّة
أي: آيةً ذاتَ عجب، وضعاً له موضعَ
على القدرة والألوهية ﴿عَجَبًا أ
المضاف، أو وصفاً لذلك بالمصدر مبالغةً. وهو خبرٌ لـ ((كانوا))، و((من آياتنا)) حالٌ
منه، كما هو قاعدةُ نعتِ النكرةِ إذا تقدَّم عليها .

الآية : ٩
٢٠٢
سُوَدَّةُ الكَهْفِ
وجوَّز أبو البقاءِ(١) أن يكونَ ((عجباً)) و((من آياتنا)) خبرَين، وأن يكونَ ((عجباً))
حالاً من الضمير في الجارِّ والمجرور. وليس بذاك.
والمعنى: إنَّ قصَّتهم وإن كانت خارقةً للعادة ليست بعجيبةٍ بالنّسبة إلى سائر
الآياتِ التي من جملتها ما تقدَّم. ومن هنا يُعلمُ وجهُ الربط. وفي ((الكشف)) أنَّه
تعالى ذكر من الآيات الكلِّية - وإن كان لتسليته وَلِّ، وأَنَّه لا ينبغي أن يبخعَ نفسَه
على آثارهم، فالمسترشدُ يكفيه أدنى إِشارة، والزائغُ لا تجدي فيه آياتُ النذارةِ
والبشارة - ما يشتمل على أمَّهات العجائب، وعقَّبه سبحانه بقوله: (أَمْ حَسِبْتَ) إلخ،
يعني أنَّ ذلك أعظمُ من هذا، فمَن لا يتعجّب من ذلك لا ينبغي أن يتعجَّبَ من
هذا، وأُريد من الخطاب غيرُهُ وَّهِ؛ لأنَّه كان يعرف مِن قدرته تعالى ما لا يتعاظمه
لا الأوَّلُ ولا الثاني، فأنكر اختلافَهم في حالهم تعجُّباً، وإِضرابهم عن مثل تلك
الآياتِ البیِّنات.
والاعتراضُ عليه بأنَّ الإِضرابَ عن الكلام الأوَّلِ إنَّما يَحسُنُ إذا كان الثاني
أغربَ ليحصلَ الترقِّي، وإيثار أنَّ الهمزةَ للتقرير، وهو قولٌ آخَرُ في الآية لذلك =
غيرُ قادح؛ لأنَّ تعجّبهم عن هذا دون الأوَّلِ هو المنكر، وهو الأغرب، فافهم.
وبأنَّ المنكَرَ ينبغي أن يكون مقرَّراً عند السامع معلوماً عنده، وهذا ابتداءُ إعلام منه
تعالى على ما يُعرَف من سبب النزولِ = كذلكَ؛ لأنَّ الإِنكارَ من تعجُّبهم، ويكّفي
في ذلك معرفتُها إجمالاً وكانت حاصلة، كيف وقد علمتَ أنَّه راجعٌ إلى الغير،
أعني أصحابَ الكتابِ الذين أَمروا قريشاً بالسؤال وكانوا عالمين، ثم إنَّه مشتركُ
الإِلزام؛ لأنَّ التقريرَ أيضاً يقتضي العلم، بل أَوْلى. انتهى.
وقال الطبريّ(٢): المرادُ إِنكار ذلك الحِسبانِ عليه عليه الصلاة والسلام، على
معنى: لا يعظُمْ ذلك عندك بحسَب ما عَّمه عليك السائلون من الكَفَرة؛ فإنَّ سائرَ
آياتِ الله تعالى أعظمُ من قصَّتهم. وزَعَمَ أنَّ هذا قولُ ابنِ عباس ومجاهدٍ وقتادةً
وابن إِسحاق. وفي القلب منه شيء.
(١) في الإملاء ٥٠٥/٣.
(٢) انظر تفسيره ١٥٥/١٥ فما بعد.

الآية : ٩
٢٠٣
سُوَدَّةُ الكَهْفِ
وقيل: المرادُ من الاستفهام إثباتُ أنَّهم عجب، كأنَّه قيل: إِعلم أنَّهم عجب،
كما تقول: أَعلمتَ أنَّ فلاناً فعل كذا؟ أي: قد فعل فاعلمه، والمقصودُ بالخطاب
رسولُ اللهِ وَل﴾ أيضاً. وليس بشيءٍ ..
وزعم الطيبيُّ أنَّ الوجهَ أن يجريَ الكلامُ على التسلِّي والاستفهامُ على التنبيه،
ويقالَ: إنَّه عليه الصلاة والسلام لمَّا أخذه من الكآبة والأسفِ من إِباء القومِ عن
الإيمان ما أخذه، قيلَ له ما قيل، وعلِّل بقوله تعالى: (إِنَا جَعَلْنَا) إلى آخره، على
معنى: إنَّا جعلنا ذلك لنختبرَهم، وحين لم تتعلَّق إرادتُنا بإيمانهم تشاغلوا به عن
آياتنا، وشُغلوا عن الشُّكر، وبدَّلوا الإِيمانَ بالكفران، فلم نبالٍ بهم، وإنَّا لجاعلون
أبدانَهم جُرُزاً لأسيافكم، كما إنَّا لجاعلون ما عليها صعيداً جُرُزاً، ألا ترى إلى أولئك
الفتيانِ كيف اهتدَوا وفرُّوا إلى الله تعالى، وتركوا زينةَ الدنيا وزُخرفَها، فأوَوْا إلى
الكهف قائلين: (رَبَّآ ءَائِنَا مِن لَُّنَكَ رَيْهَةٌ وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا) وكما تعلَّقت الإِرادةُ
بإرشادهم فاهتدَوا، تتعلَّق بإرشاد قوم من أمَّتك يحبُّهم ويحبُّونه، أذلَّةٍ على المؤمنين
أعزَّةٍ على الكافرين. اهـ. ويكاد يكونَ أعجبَ من قصَّة أهلِ الكهف، فتأمَّل.
والحِسبان إمَّا بمعنى الظنّ، أو بمعنى العلم، وقد استُعمل بالمعنيين.
والكهف: الثَّقب المتَّسع في الجبل، فإنْ لم يكن واسعاً فهو غار. وأخرج ابنُ
أبي حاتم [عن الضحاك] أنَّه غارُ الوادي(١). وعن مجاهدٍ أنَّه فُرجةٌ بين الجبلين.
وعن أنسٍٍ هو الجبل، وهو غيرُ مشهورٍ في اللغة.
والرقيم: اسمُ كلِهم على ما رُوي عن أنسٍ والشعبيّ، وجاءَ في روايةٍ عن ابن
جُبير، ويدلُّ عليه قولُ أميةَ بنِ أبي الصلت:
وليس بها إلَّ الرقيمُ مجاوراً وصيدهمُ والقومُ في الكهف هُجَّدًا(٢)
وأخرج ابنُ المنذرِ وغيرُه عن ابن جُبَير أنَّه لوحٌ من حجارةٍ كتبوا فيه قصةً
أصحاب الكهف وأَمْرَهم، ثم وُضع على بابِ الكهف.
(١) الدر المنثور ٢١١/٤، وما بين حاصرتين منه، وأخرجه الطبري ١٥٨/١٥، ولفظ الدر: غار
في الوادي.
(٢) في ديوان أمية ص ٤٧: هُمَّدُ.

الآية : ٩
٢٠٤
سُورَةُ الكَهْفِ
وقيل: لوحٌ من حجارةٍ كُتِب فيه أسماؤهم وجُعِل في سور المدينة، ورُوي ذلك
عن الشُّدِّي.
وقيل: لوٌ من رصاصٍ كُتِب فيه شأنُهم ووُضِع في تابوتٍ من نحاسٍ في فم
الكهف.
وقيل: لوحٌ من ذهبٍ كُتِب فيه ذلك، وكان تحت الجدارِ الذي أقامه الخَضِرُ
عليه السلام.
ورُوي عن ابن عباسٍ أَّه كتابٌ كان عندهم فيه الشرعُ الذي تمسّكوا به من دین
عيسى عليه السلام. وقيل: من دينٍ قبلَ عيسى عليه السلام. فهو لفظٌ عربيّ، وفعيلٌ
بمعنى مفعول.
وأخرج ابنُ جَرير وابنُ أبي حاتمٍ من طريق العَوفيِّ عن ابن عباسٍ أنَّه وادٍ دون
فلسطين قريبٌ من أَيلة (١). والكهفُ - على ما قيل - في ذلك الوادي، فهو مِن رَقْمة
الوادي، أي: جانبِهِ. وأَخرجا - هما - وجماعةٌ من طريقٍ آخَرَ عنه ◌َُّبه أنَّه قال:
لا أدري ما الرَّقيم، وسألت كعباً فقال: اسمُ القريةِ التي خرجوا منها (٢). وعلى
جميع هذه الأقوالِ يكون أصحابُ الكهفِ والرقيمِ عبارةً عن طائفةٍ واحدة.
وقيل: إنَّ أصحابَ الرقيم غيرُ أصحابٍ الكهف، وقصَّتُهم في الصحيحين
وغيرهما. فقد أخرج البخاريُّ وَمسلمٌ(٣) والنَّسائي وابنُ المنذرِ عن ابن عمرَ ظّا أنَّ
رسولَ اللهِ وَ ◌ّرِ قال: ((بينما ثلاثةُ نفرٍ ممَّن كان قبلكم يمشون إذا أصابهم مطر، فأَوَوا
إلى غار، فانطبق عليهم، فقال بعضُهم لبعض: إنَّه واللهِ يا هؤلاء لا يُنجيكم إلَّا
الصدق، فلْيَدْعُ كلُّ رجلٍ منكم بما يعلم أنَّه قد صَدَق فيه، فقال واحدٌ منهم: اللهمَّ
إن كنتَ تعلم أنَّه كان لي أجيرٌ عمل على فَرَق من أَرُزّ، فذهب وتركه، وإنِّي عمدت
إلى ذلك الفَرَق فزرعته، فصار من أمره أنَّني اشتريتُ منه بقراً، وأنَّه أتاني يطلب
(١) تفسير الطبري ١٥٧/١٥-١٥٨، وعزاه لابن أبي حاتم السيوطي في الدر ٢١٢/٤.
(٢) تفسير الطبري ١٥٧/١٥، والدر المنثور ٢١٢/٤، ولفظ الطبري: يزعم كعب أن الرقيم
القرية.
(٣) صحيح البخاري (٣٤٦٥)، وصحيح مسلم (٢٧٤٣).

الآية : ١٠
٢٠٥
سُورَةُ الكَهْفِتَ
أجرَه، فقلت: إِعمَدْ إلى تلك البقرِ فسُقها، فقال لي: إنَّما لي عندك فَرَقٌ من أَرُز،
فقلتُ: إِعمد إلى تلك البقرِ فإنَّها من ذلك الفَرَق، فساقها، فإنْ كنتَ تعلم أنِّي
فعلت ذلك من خشيتك ففرِّج عنا، فانساخت عنهم الصَّخرة، فقال الآخَر: اللهمَّ إن
كنت تعلم أنَّه كان لي أبوان شيخانٍ كبيران، فكنتُ آتيهما كلَّ ليلةٍ بلبنٍ غنمٍ لي،
فأبطأتُ عليهما ليلة، فجئتُ وقد رقدا وأهلي وعيالي يتضاغون من الجوع، فكنت
لا أَسقيهم حتى يشربَ أَبواي، فكرهتُ أن أوقظَهما، وكرهت أن أدعَهما فيستكِنَّا (١)
لشَرْبتهما، فلم أزل أنتظرُ حتى طلع الفجر، فإن كنتَ تعلم أنِّي فعلت ذلك من
خشيتك ففرِّج عنا، فانساخت عنهم الصخرةُ حتى نظروا إلى السماءِ، فقال الآخَر:
اللهمَّ إن كنتَ تعلم أنَّه كان لي ابنةُ عمٍّ مِن أحبِّ الناسِ إليّ، وإني راودتها عن
نفسها فأَبت إلّا أن آتيَها بمئةٍ دينار، فطلبتها حتى قَدَرت، فأتيتُها بها فدفعتها إليها،
فَأَمكنتني من نفسها، فلمَّا قعدتُ بين رِجليها قالت: إِنَّقِ اللهَ تعالى ولا تفضَّ الخاتَمَ
إلَّا بحقِّه، فقمتُ وتركت المئةَ دينار، فإنْ كنت تعلم أنِّ فعلت ذلك من خشيتك
ففرِّج عنا، ففرَّج اللهُ تعالى عنهم فخرجوا)).
ورُوي نحوُ ذلك عن ابن عباسٍ وأنسٍ والنعمان بن بشير، كلٌّ يرفعه إلى
رسول الله له .
والرَّقيم - على هذا - بمعنى محلٌّ في الجبل. وقيل: بمعنى الصَّخرة. وقيل:
بمعنى الجبل. ويكون ذِكْر ذلك تلميحاً إلى قصَّتهم، وإشارةً إلى أنَّه تعالى لا يُضيع
عملَ أحدٍ خيراً أو شرًّا، فهو غيرُ مقصودٍ بالذات. ولا يخفَى أنَّ ذلك بعيدٌ عن
السِّياق. وليس في الأخبار الصحيحةِ ما يضطرُّنا إلى ارتكابه، فتأمَّل.
﴿إِذْ أَوَى﴾ معمولُ ((عجباً)) أو ((كانوا)) أو: اذكر، مقدَّراً. ولا يجوزُ أن يكونَ
ظرفاً لـ ((حسبتَ))؛ لأنَّ حِسبانه لم يكن في ذلك الوقت، أي: حين التجأ ﴿اٌلْفِتْيَةُ
إِلَى الْكَهْفِ﴾ واتَّخذوه مأوى ومكاناً لهم.
(١) في (م): فيستكينا. قال القسطلاني في إرشاد الساري ٤٢٨/٥: بتشديد النون من الاستكنان،
أي: يلبثا في كنِّهما منتظرين لشربتهما، أو بتخفيف النون كما أفهمه كلام الكرماني، وتفسير
الحافظ ابن حجر مقتصراً عليه حيث قال: أي: يضعفا لأنه عشاؤهما، وترك العشاء
يُهرِم ...

سُورَةُ الْكَفَّفِ
٢٠٦
الآية : ١٠
والفِتية جمعُ قِلَّة لفتَّى، وهو - كما قال الراغبُ(١) وغيرُه - الطَّريُّ من الشبّان،
ويُجمَع أيضاً على فتيان، وقال ابن السرَّاج: إنه اسمُ جمع. وقال غيرُ واحد: إنَّه
جمع فَتِيّ، كصبيٍّ وصبية، ورجّح بكثرة مثله.
والمرادُ بهم أصحابُ الكهف، وإيثارُ الإِظهارِ على الإِضمار لتحقيقِ ما كانوا
عليه في أنفسهم من حال الفُتَوَّة، فقد رُوي أنَّهم كانوا شبَّاناً من أبناء أشرافِ الرُّوم
وعظمائهم، مطوَّقين مسوَّرين بالذهب ذوي ذوائب، وقيل: لأنَّ صاحبيَّة الكهفِ من
فروع التجائهم إلى الكهف، فلا يناسب اعتبارُها معهم قبلَ بيانه، والظاهرُ مع
الضمير اعتبارُها، وليس الأمرُ كذلك مع هذا الظاهر وإنْ كانت أل فيه للعهد.
﴾ عظيمة، أو نوعاً من الرحمة،
﴿فَقَالُواْ رَبَّنَاَ ءَائِنَا مِن لَّدُّنْكَ﴾ أي: من عندك
فالتنوينُ للتعظيم أو للنَّوع، و((من)) للابتداء متعلِّق بـ ((آتنا))، ويجوز أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ
وقع حالاً من ((رحمة))، قدِّم عليها لكونها نكرةً، ولو تأخّر لَكان صفةً لها.
وفسِّرت الرحمةُ بالمغفرة والرزقِ والأمن، والأَوْلى تفسيرُها بما يتضمَّن ذلك
وغیرَه.
وفي ذِكر ((من لدنك)) إيماءٌ إلى أنَّ ذلك من باب التفضُّل لا الوجوب، فكأنَّهم
قالوا: ربَّنا تفضَّلْ علينا برحمةٍ ﴿وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا﴾ الذي نحن عليه من مُهاجَرة
الكفارِ والمثابرةٍ على طاعتك.
وقرأ أبو جعفرٍ وشيبةٌ والزُّهري: ((وهيِّي)) بياءَين من غيرِ همز(٢)، يعني أنَّهم
أَبدلوا الهمزةَ الساكنةَ ياء.
وفي كتاب ابنٍ خالويه(٣): قرأ الأعشَى عن أبي بكرٍ عن عاصم: ((وهَيٍّ))
بلا همز. انتهى. وهو يَحتمل أن يكونَ قد أَبدل الهمزةَ ياء، وأن يكونَ حَذَفها،
والأوَّل إبدالٌ قياسي، والثاني مختلفٌ فيه: أَينقاس حذفُ الحرفِ المبدَل من الهمزة
في الأمر والمضارعِ المجزومَين أم لا؟
(١) في المفردات (فتى).
(٢) النشر ٣٩٠/١-٣٩١ عن أبي جعفر، والكلام من البحر ١٠٢/٦.
(٣) ص٧٨، ونقله المصنف عن البحر ٦/ ١٠٢.

الآية : ١٠
٢٠٧
سِوَرَّةُ الكَهْفِ
وأصلُ التهيئة: إِحداثُ الهيئة، وهي الحالةُ التي يكون عليها الشيء،
محسوسةً أو معقولة، ثم استُعمل في إِحضار الشيءٍ وتيسيرِه، أي: يسِّر لنا من
» إصابةً للطريق الموصلِ إلى المطلوب واهتداءً إليه.
أَمرِنا ﴿رَشَدًا ®
وقرأ أبو رجاء: ((رُشْداً) بضمِّ الراء وإسكان الشين(١)، والمعنى واحد، إلَّا أن
الأَوفقَ بفواصل الآياتِ قراءةُ الجمهور.
وإلى اتِّحاد المعنى ذهب الرَّاغب، قال: الرَّشَد بفتحتين: خلافُ الغَيّ،
ويُستعمل استعمالَ الهداية، وكذا الرُّشْدُ بضمٌّ فسكون. وقال بعضُهم: الرَّشَد - أي:
بفتحتين كما في بعض النُّسخ المضبوطة - أخصُّ من الرُّشد؛ لأن الرُّشِدَ بالضمِّ يقال
في الأمور الدُّنيوية والأخروية، والرَّشَد يقال في الأمور الأُخرويةِ لا غير(٢). اهـ.
وفيه مخالفةٌ لِمَا ذكره ابنُ عطية (٣)، فإنه قال: إنَّ هذا الدعاءَ منهم كان في أمرٍ
دنياهم، وألفاظُه تقتضي ذلك، وقد كانوا على ثقةٍ من رشد الآخرةِ ورحمتها،
وينبغي لكلِّ مؤمنٍ أن يجعلَ دعاءه في أمر دنياه لهذه الآية، فإنَّها كافية. ويحتمل أن
يرادَ بالرحمة رحمةُ الآخرة. اهـ.
نعم فيما قاله نظر، والأَوْلى جعلُ الدعاءِ عامًّا في أمر الدُّنيا والآخرة، وإنْ كان
تعقيبُهُ بما بعدُ ظاهراً في كونه خاصًّا في أمر الأُولى.
واللامُ و(مِن)) متعلِّقان بـ ((هيِّئ))، فإن اختلف معناهما بأن كانت الأُولى للأَجْل
والثانيةُ ابتدائية، فلا كلامَ، وإنْ كانتا للأجْل، احتاجت صحةُ التعلَّق إلى الجواب
المشهور.
وتقديمُ المجرورَين على المفعول الصريحِ لإظهار الاعتناءِ بهما وإبراز الرغبةِ
في المؤشّر، وكذا الكلامُ في تقديم ((من لدنك)) على ((رحمة)) على تقدير تعلُّقه
بـ ((آتنا)). وتقديمُ المجرورِ الأوَّل على الثاني للإيذان من أوَّل الأمرِ بكون المسؤولِ
مرغوباً فيه لدیھم.
(١) البحر ٦/ ١٠٢.
(٢) المفردات (رشد).
(٣) في المحرر الوجيز ٣/ ٥٠٠.

سُوَّةُ الكَهْفِ
٢٠٨
الآية : ١١
وقيل: الكلامُ على التجريد، وهو أن ينتزعَ من أمرٍ ذي صفةٍ آخَرُ مثله مبالغة،
كأنَّه بلغ إلى مرتبةٍ من الكمال بحيث يمكنُ أن يؤخذَ منه آخَر، كرأيتُ منك أسداً،
أي: اجعل أمرَنا كلَّه رشداً.
﴿فَضَرَبْنَا عَلَّ مَاذَانِهِمْ﴾ أي: ضربنا عليها حجاباً يمنع السَّماع، فالمفعولُ
محذوف، كما في قولهم: بنى على امرأته، والمراد: أَنمناهم إنامةً ثقيلةً لا تنبِّههم
فيها الأَصوات، بأن يجعلَ الضربُ على الآذان كنايةً عن الإنامة الثقيلة، وإنَّما صلح
كناية؛ لأنَّ الصوتَ والتنبيهَ طريقٌ من طرق إزالة النَّومِ، فَسَدُّ طريقِه يدلُّ على
استحكامه، وأمَّا الضربُ على العين وإنْ كان تعلُّقه بها أشدَّ، فلا يصلُح كناية؛ إذ
ليس المبصرَاتُ من طرق إِزالته حتى يكونَ سدُّ الأبصارِ كناية، ولو صلح كناية،
فعن ابتداءِ النوم لا النومةِ الثقيلة.
واعترض القطبُ جعلَه كنايةً عما ذُكر بما لا يخفَى ردُّه، وخرَّج الآيةَ على
الاستعارة المكنيّة، بأن يقال: شبّه الإِنامة الثقيلة بضرب الحجاب على الآذان، ثم
ذكر ((ضربنا)) وأُريد: أَنمنا، وهو وجهٌ فيها.
وجوِّز أن تكونَ من باب الاستعارةِ التمثيلية، واختاره بعضُ المحقّقين.
ومن الناس مَن حمل الضربَ على الآذانِ على تعطيلها، كما في قولهم: ضرب
الأميرُ على يد الرَّعية، أي: منعهم عن التصرُّف. وتعقِّب بأنَّه مع عدم ملاءمته
لما سيأتي إن شاء الله تعالى من البعث، لا يدلُّ على إرادة النوم، مع أنَّه المرادُ
قطعاً. وأُجيب بأنَّه يمكن أن يكونَ مرادُ الحاملِ التوصُّلَ بذلك إلى إِرادة الإِنامة،
فافهم .
والضربُ إمَّا من: ضربتُ القُفلَ على الباب، أو من: ضربت الخِباءَ على
ساكنه. والفاءُ هنا مثلُها في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ [الأنبياء: ٧٦] بعد قولهِ
سبحانه: (إِذْ نَادَى) فإنَّ الضربَ المذكورَ وما يترتَّب عليه من التقليب ذاتَ اليمينِ
وذاتَ الشِّمالِ والبعثِ وغيرِ ذلك من آثار استجابةٍ دعائهم السابق.
فِي الْكَهْفِ﴾ ظرفٌ لـ ((ضربنا))، وكذا قولُه عزَّ وجلّ: ﴿سِنِينَ﴾ ولا مانعَ من
ذلك، لا سيَّما وقد تغايرا بالمكانية والزَّمانية ﴿عَدَدًا ﴾﴾ أي: ذواتِ عدد، على

الآية : ١٢
٢٠٩
سُورَةُ الكَهْفِ
أنَّه مصدرٌ وصف بالتأويل الشائع. وقيل: إنَّه صفةٌ بمعنى: معدودة. وقيل: إنَّه
مصدرٌ لفعل مقدَّر، أي: تُعَدُّ عدداً .
والعددُ - على ما قال الراغبُ وغيرُهُ(١) - قد يراد به التكثير؛ لأنَّ القليلَ لا يحتاج
إلى العدِّ غالباً، وقد يُذكَر للتقليل في مقابلة ما لا يحصَى كثرة، كما يقال: بغير
حساب، وهو هنا يحتمل الوجهين، والأوَّلُ هو الأنسبُ بإِظهار كمالِ القدرة،
والثاني هو الأَليقُ بمقام إِنكار كونِ القصّة عجباً من بين سائرِ الآياتِ العجيبة؛ فإنَّ
مدةَ لَبثهم وإن كَثُرت في نفسها، فهي كبعض يومٍ عند اللهِ عزَّ وجلّ.
وفي ((الكشف)) أنَّ الكثرةَ تناسب نظراً إلى المخاطَبين، والقلَّةَ تناسب نظراً إلى
المخاطب. اهـ.
وقد خَفِي على العزِّ بن عبدِ السلام أمرُ هذا الوصفِ وظنَّ أنَّه لا يكون للتكثير،
وأنَّ التقليلَ لا يمكن هاهنا. وهو غريبٌ من جلالة قدرِهِ، وله في ((أماليه)) أمثالُ
ذلك. وللعلَّامة ابنِ حجرٍ في ذلك كلامٌ ذكره في ((الفتاوى الحديثية)»(٢) لا أظنُّه
شيئاً .
﴿ثُمَّ بَعَنْتَهُمْ﴾ أي: أَيقظناهم وأَثَرناهم من نومِهِم ﴿لِنَعْلَمَ أَىُّ الْحِزِيَزِ﴾ أي: منهم،
وهم القائلون: ﴿لَِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْءٍ﴾ [الآية: ١٩] والقائلون (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا
لِثْتُمْ).
وقيل: أحدُ الحزبَين الفتيةُ الذين ظنُّوا قِلَّةَ زمانٍ لَبثهم، والثاني أهلُ المدينةِ
الذين بُعث الفتيةُ على عهدهم، وكان عندهم تاريخُ غَيبتهم. وزعم ابنُ عطية (٣) أنَّ
هذا قول جمهورِ المفسِّرین.
وعن ابن عباسٍ أنَّ أحدَ الحزبين الفتية، والآخَرَ الملوكُ الذين تداولوا ملكَ
المدينةِ واحداً بعد واحدٍ.
وعن مجاهد: الحِزبان قومُ أهلِ الكهف، حزبٌ منهم مؤمنون وحزبٌ كافرون.
(١) انظر المفردات (عدد).
(٢) ص٢٦١- ٢٦٢.
(٣) في المحرر الوجيز ٥٠٠/٣.

سُودَةُ الكَهْفِ
٢١٠
الآية : ١٢
وقال الفرَّاء(١): الحزبان: مؤمنان كانوا في زمنهم، واختلفوا في مدَّة لبثهم.
وقال السُّدِّي: الحزبان كافران، والمراد بهما اليهودُ والنصارَى الذين علَّموا
قريشاً سؤالَ رسولِ الله وَّر عن أهل الكهف.
وقال ابنُ بحر(٢): الحزبان: الله سبحانه وتعالى، والخلقُ، كقوله تعالى:
﴿وَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اَللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٠].
والظاهرُ هو الأوَّل؛ لأنَّ اللامَ للعهد، ولا عهدَ لغير مَن سمعت.
﴿أَحْصَى﴾ أي: ضَبَطَ، فهو فعلٌ ماض، وفاعلُه ضمير ((أيُ)) واختار ذلك
الفارسيُّ والزمخشريُّ وابنُ عطية(٣). و((ما)) في قوله تعالى: ﴿لِمَا لَبِنُواْ﴾ مصدرية،
والجارُّ والمجرورُ حالٌ مقدَّم عن قوله تعالى: ﴿أَمَدًا (®﴾ وهو مفعولُ («أحصى)).
والأمدُ - على ما قال الراغب(٤) - مدَّةٌ لها حدّ، والفرقُ بينه وبين الزمانِ أنَّ
الأمدَ يقال باعتبار الغاية، بخلاف الزّمان، فإنَّه عامّ في المبدأ والغاية، ولذلك قال
بعضُهم: المدى والأمدُ يتقاربان، وليس اسماً للغاية حتى يكونَ إطلاقُه على المدَّة
مجازاً، كما أُطلقت الغايةُ عليها في قولهم: ابتداءُ الغايةِ وانتهاؤها، أي: ليعلمَ
أيُّهم أحصى مدَّةٌ كائنةً للَبثهم.
والمرادُ من إحصائها ضبطُها من حيث كميتُها المنفصلةُ العارضةُ لها، باعتبار
قسمتِها إلى السِّنين وبلوغِها من تلك الحيثية إلى مراتب الأعداد، كما يرشدك إليه
كونُ المدةِ عبارةً عما سبق من السِّنين، وليس المرادُ ضبطَها من حيث كميتُها
المتصلةُ الذاتية؛ فإنَّه لا يسمَّى إحصاء.
وقيل: إطلاقُ الأمدِ على المدَّة مجاز، وحقيقتُه غايةُ المدَّة. ويجوز إرادةُ ذلك
بتقدير المضاف، أي: لنعلمَ أيُّهم ضبط غايةً لزمان لَبثهم، وبدونه أيضاً؛ فإنَّ اللَّبث
(١) في معاني القرآن ١٣٦/٢ .
(٢) في الأصل و(م): حرب، والمثبت من البحر ١٠٤/٦، والكلام منه، وهو علي بن
إبراهيم بن سلمة بن بحر.
(٣) الكشاف ٤٧٤/٢، والمحرر الوجيز ٥٠٠/٣.
(٤) في المفردات (أمد).

الآية : ١٢
٢١١
سُؤَدَّةُ الكَهْفَِّ
عبارةٌ عن الكون المستمرِّ المنطبقِ على الزمان المذكور، فباعتبار الامتدادِ العارض
له بسببه يكون له أمدٌ وغايةٌ لا محالة، لكن ليس المرادُ ما يقع غايةً ومنتهى لذلك
الكونِ المستمرِّ باعتبار كمِّيته المتصلةِ العارضةِ له بسبب انطباقِه على الزمان الممتدِّ
بالذات، وهو آنُ انبعاثِهم من نومهم؛ فإنَّ معرفته من تلك الحيثيةِ لا تخفَى على
أحد، ولا تسمَّى إحصاءً أيضاً، بل باعتبار كميتِه المنفصلةِ العارضة له بسبب
عروضِها لزمانه المنطبقِ هو عليه باعتبار انقسامِه إلى السِّنين، ووصوله إلى مرتبةٍ
معيَّنة من مراتبِ العدد.
والفرقُ بين هذا وما سبق أنَّ ما تعلَّق به الإحصاءُ في الصورة السابقةِ نفسُ
المدةِ المنقسمةِ إلى السنين، فهو مجموعُ ثلاثٍ مئةٍ وتسع سنين، وفي الصورة
الأخيرة منتهى تلك المدةِ المنقسمة إليها، أَعني التاسعةَ بعَد الثلاث مئة. وتعلُّق
الإِحصاءِ بالأمد بالمعنى الأوَّل ظاهر، وأمَّا تعلَّقه به بالمعنى الثاني، فباعتبار
انتظامِهِ لما تحته من مراتب العددِ واشتمالِه عليها. انتهى.
وأنت تعلم أنَّ ظاهرَ كلامِ الراغب - وهو هو في اللغة - يقتضي أنَّ الأمدَ حقيقةٌ
في المدَّة، وأنَّه في الغاية مجازَ، وأنَّ توجيهَ إرادةِ الغايةِ هنا بما ذُكِر تكلَّف لا يُحتاج
إليه على تقدير كونِ ((ما)) مصدرية. نعم يُحتاج إليه على تقدير جعلها موصولةً حُذِف
عائدُها من الصِّلة، أي: لنعلمَ أيُّهم أَحصى أمداً كائناً للذي لبثوه، أي: لبثوا فيه من
الزمان.
وقيل: ((ما لبثوا)) في موضع المفعولِ له؛ وجيءَ بلام التعليلِ لكونه غيرَ مصدرٍ
صريح، وغيرَ مقارنٍ أيضاً. وليس بذاك.
وقيل: اللامُ مزيدة، و((ما)) موصولة، وهي المفعولُ به، وعائدُها محذوف،
أي: أَحصى الذي لبثوه، والمراد: الزمانَ الذي لبثوا فيه، و((أمداً)) على هذا تمييزٌ
للنسبة، مفسِّر لما في نسبة المفعولِ من الإِبهام، محوَّل عن المفعول، وأَصله:
أحصى أمدَ الزمانِ الذي لبثوا فيه.
وزَعْمُ أنه لا يصحُّ أن يكونَ تمييزاً للنسبة لأنَّه لا بدَّ أن يكونَ محوَّلاً عن الفاعلِ
ولا يمكن ذلك هنا، ليس بشيء؛ لأنَّ اللَّبُدِّية في حيِّز المنع، والذي تحقَّق في
المعتبَرات - كشروح ((التسهيل)) وغيرِها - أنَّه يكون محوَّلاً عن المفعول، كـ :

سُوَّةُ الكَهْفَِّ
٢١٢
الآية : ١٢
﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر: ١٢] كما يكون محوَّلاً عن الفاعل، كـ : تصبَّب زيدٌ
عرقاً، ولو جُعل تمييزاً لما كان تمييزاً لمفرَد، ولم يقل أحدٌ باشتراط التحويلِ فيه
أصلاً.
وجوِّز في ((ما)) على هذا التقديرِ أن تكونَ مصدرية، وهو بعيد، وضعِّف القولُ
بزيادة اللام هنا بأنَّها لا تزاد في مثلٍ ذلك.
واختار الزجَّاج (١) والتِّبريزيُّ كونَ ((أحصى)) أفعلَ تفضيل؛ لأنَّه الموافقُ لما وقع
في سائر الآياتِ الكريمة، نحو: ﴿أَيُهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الآية: ٧] ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾
[النساء: ١١] إلى غير ذلك مما لا يُحصَى، ولأنَّ كونَه فعلاً ماضياً يُشعر بأنَّ غاية البعثِ
هو العلمُ بالإِحصاء المتقدِّم على البعث، لا بالإِحصاء المتأخّر عنه، وليس كذلك.
واعتُرض أوَّلاً: بأنَّ بناءً أفعل التفضيلِ من غير الثلاثيِّ المجرَّد ليس بقياس،
وما جاء منه شاذّ، كـ: أعدَى من الجَرَب، وأفلسُ من ابن المُدلَّق(٢).
وأُجيب بأنَّ في بناء أفعل من ذلك ثلاثةَ مذاهب: الجوازُ مطلقاً، وهو ظاهرٌ
كلامٍ سيبويه. والمنعُ مطلقاً، وما ورد شاٌّ لا يقاس عليه، وهو مذهبُ أبي عليّ.
والتفَصيلُ بين أن تكونَ الهمزةُ للنقل، فلا يجوز، أو لغيره، كأَشكل الأمرُ، وأَظلم
الليلُ، فيجوز، وهو اختيارُ ابنِ عُصفور. فلعلَّهما يريان الجوازَ مطلقاً كسيبويه، أو
التفصيلَ كابن عُصفور، والهمزةُ في ((أحصى)) ليست للنقل.
وثانياً: بأنَّ ((أمداً)) حينئذٍ إنْ نُصب على أنَّه مفعولٌ به، فإن كان بمضمَرٍ كما في
قول العباس بن مِرْداس:
ولا مثلَنا لمَّا التقينا فوارسا
فلم أرَ مثلَ الحيِّ حيًّا مصبَّحاً .
وأَضربَ منَّا بالسيوف القَوانِسا(٣)
أَكرَّ وأَحمَی للحقیقة منھمُ
(١) في معاني القرآن ٢٧١/٣ .
(٢) المدلَّق: يروى بالدال والذال، وهو رجل من بني عبد شمس بن سعد بن زيد مناة، لم يكن
يجد في بيته قوت ليلة، وأبوه وأجداده يعرفون بالإفلاس. جمهرة الأمثال ٢/ ١٠٧.
(٣) الأصمعيات ص ٢٠٥، والحماسة البصرية ٥٥/١. والحقيقة: ما يحق على المرء أن يحميه،
والقوانس: جمع قونس، وهو أعلى بيضة الرأس.

الآية : ١٢
٢١٣
سُورَةُ الكَهْفِ
لزم الوقوعُ فيما فرًّا منه، حيث لم يجعلا المذكورَ فعلاً ثم قدَّرا، وإنْ كان به
فليس صالحاً لذلك، وإنْ نصب بـ ((لبثوا))، لا يكونُ المعنى سديداً؛ لأنَّ الضبط
لمدّة اللَّبث وأَمدِه لا للَّبث في الأمد. ولا يقال: فليكن نظيرَ قولكم: أيُّكم أضبطُ
لصومه في الشهر، أي: لأيام صومِه، والمعنى: أيُّهم أضبطُ لأيام اللبثِ أو ساعاتِهِ
في الأمد، ويراد به جميعُ المدَّة؛ لِمَا قيل: يعضل حينئذٍ تنكيرُ (أمداً)). والاعتذارُ
بأنَّهم ما كانوا عارفين بتحديده يوماً أو شهراً أو سَنَة، فنكِّر على أنَّه سؤالٌ إما عن
الساعات، أو الأيام(١)، أو الأَشهر، غيرُ سديد؛ لأنَّه معلومٌ أنَّه أمدُ زمانِ اللَّبث،
فليعرَّف إضافةً أو عهداً، ويكون الاحتمالُ على حاله.
ووجَّه أبو حيان(٢) نصبَه بأنَّه على إِسقاط حرفِ الجرّ، وهو بمعنى المدَّة،
والأصل: لِمَا لبثوا مِن أمد، ويكون مِن أمدٍ تفسيراً لما أُبهم في لفظ ((ما)) كقوله
تعالى: ﴿مَا نَنسَغْ مِنْ ءَايَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦] ﴿مَّا يَفْتَجِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ﴾ [فاطر: ٢] ولمَّا
سقط الحرفُ وصل إليه الفعل. وهو كما ترى. وتَعقَّب منعَ صلاحيةٍ أفعل لنصب
المفعولِ به بأنَّه قولُ البصريين دون الكوفيين، فلعل الإِمامَين سلکا مذهبَ
الكوفيين، فجعلا ((أحصى)) أفعلَ تفضيل، و((أمداً)) مفعولاً له.
والحقُّ أنَّ الذاهب إلى كون ((أحصى)) أفعلَ تفضيلٍ جعل ((أمداً) تمييزاً، وهو
يعمل في التمييز على الصَّحيح، والقولُ بأنَّ التمييزَ يجب كونُه محوَّلاً عن الفاعل قد
مُیّزت حالُه.
وثالثاً: بأنَّ توهُّم الإِشعار بأنَّ غايةَ البعثِ هو العلمُ بالإِحصاء المتقدِّم عليه مردودٌ
بأنَّ صيغةَ الماضي باعتبار حالِ الحكاية، ولا يكاد يتوهّم من ذلك الإِشعارُ المذكور.
ورابعاً: بأنَّه يلزم حينئذٍ أن يكونَ أصلُ الإحصاءِ متحقِّقاً في الحزبين إلَّا أنَّ
بعضَهم أفضلُ والبعضَ الآخَر أدنى، مع أنَّه ليس كذلك.
وفي ((الكشف)) أنَّ قولَ الزَّجَّاج ليس بذلك المردود، إلّا أنَّ ما آثره الزمخشريُّ
أحقُّ بالإِيثار لفظاً ومعنّى، أما الأوَّل فظاهر، وأما الثاني؛ فلأنَّه تعالى حكى تساؤلَهم
(١) في (م): والأيام.
(٢) في البحر ٦/ ١٠٥.

سُورَةُ الكَهْفِ
٢١٤
الآية : ١٢
فيما بينهم وأنَّه عن العارف لا عن الأَعرف، وغيرُهم أَوْلى به. انتهى، فافهم.
و((أيُّ)) استفهاميةٌ مبتدأ، وما بعدها خبرُها، وقد علَّقت (نَعلَمَ)) عن العمل
كما هو شأنُ أدواتِ الاستفهام في مثل هذا الموضع، وهذا جارٍ على احتمالَي کونٍ
((أحصى)) فعلاً ماضياً، وكونِه أَفعلَ تفضيل.
وجوِّز جعلُ ((أيُّ)) موصولة؛ ففي ((البحر))(١): إذا قلنا بأنَّ ((أحصى)) أفعلُ
تفضيل، جاز أن تكونَ ((أيُّ) موصولاً مبنياً على مذهب سيبويه؛ لوجود شرطٍ جواز
البناءِ فيه، وهو كونُ ((أيُّ)) مضافةً حُذف صدرُ صلتها، والتقدير: لنعلمَ الفريقَ الذي
هو أحصى لِمَا لبثوا أمداً من الذين لم يُحصوا، وإذا كان فعلاً ماضياً امتنع ذلك؛
لأنَّه حينئذٍ لم يُحذَف صدرُ صلتها؛ لوقوع الفعلِ مع فاعله صلة، فلا يجوزُ بناؤها
لفوات تمامٍ الشرط، وهو حذفُ صدرِ الصلة. انتهى.
وقرأ الزُّهري: ((لَيَعلَمَ))(٢) بالياء على إِسناد الفعل إليه تعالى بطريق الالتفات.
وأيًّا ما كان، فالعلمُ غايةٌ للبعث، وليس ذلك على ظاهره، وإلَّا تكن الآيةُ
دليلاً لهشام على ما يزعمه(٣)، تعالى الله تعالى عن ذلك علوًّا كبيراً، فقيل: هو غايةٌ
بجعله مجازاً عن الإظهار والتمييز. وقيل: المراد: ليتعلَّقَ علمُنا تعلُّقاً حاليًّا مطابقاً
التعلُّقه أوّلاً تعلُّقاً استقباليًّا، كما في قوله تعالى: ﴿لِنَعْلَمَ مَن يَتَبِعُ الرَّسُولَ مِمَن يَنْقَلِبُ
عَلَ عَقِبَيْهٍ﴾ [البقرة: ١٤٣].
واعترضه بعضُ الأَجلَّة بأنَّ بعثَ هؤلاء الفئةِ لم يترتَّب عليه تفرُّقُهم إلى
المحصَى وغيرِه حتى يتعلَّقَ بهما العلمُ تعلُّقاً حاليًّا أو الإِظهارُ والتمييز، ويتسنَّى نظمُ
شيءٍ من ذلك في سلك الغاية، كما ترتّب على تحويل القِبلة انقسامُ الناسِ إلى متَّبع
ومنقلب، فصحَّ تعلّقُ العلم الحاليِّ والإظهارِ بكلِّ من القسمين، وإنَّما الذي ترتّب
على ذلك تفرُّقهم إلى مقدِّرٍ تقديراً غيرَ مصيب، ومفوِّضٍ العلمَ إلى الله عزَّ وجلّ،
وليس في شيءٍ منهما إحصاء أصلاً .
(١) ٦ / ١٠٤.
(٢) البحر المحيط ١٠٣/٦، وانظر القراءات الشاذة ص٧٨.
(٣) سلف كلامه ص١٩٨ من هذا الجزء.

الآية : ١٢
٢١٥
سُورَةُ الكَهْفِ
ثم قال: إنَّ جعل ذلك غايةً بحمل النظم الكريم على التمثيل المبنيٌّ على جعل
العلمِ عبارةً عن الاختبارِ مجازاً، بإطلاق اسم المَسبَّب على السبب، وليس من
ضرورة الاختبارِ صدورُ الفعلِ المختبر به عن المختبر قطعاً، بل قد يكون لإظهاره
عجزَه عنه على سنن التكاليفِ التعجيزية، كقوله تعالى: ﴿فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾
[البقرة: ٢٥٨] وهو المرادُ هنا، فالمعنى: بعثناهم لنعاملَهم معاملَة مَن يختبرهم أيُّهم
أحصى لِمَا لبثوا أمداً فيظهرَ لهم عجزُهم ويفوِّضوا ذلك إلى العليم الخبير، ويتعرَّفوا
حالَهم وما صنع الله تعالى بهم من حفظ أبدانهم، فيزدادوا يقيناً بكمال قدرته تعالى
وعلمِه، ويستبصروا به أمرَ البعث، ويكون ذلك لطفاً لمؤمني زمانِهم، وآيةً بيِّنة
الكفارهم، وقد اقتصر هاهنا من تلك الغاياتِ الجليلةِ على مبدئها الصادرِ عنه
سبحانه، وفيما سيأتي إن شاءَ اللهُ تعالى على ما صدر عنهم من التساؤل المؤدِّي
إليها، وهذا أَوْلى من تصوير التمثيلِ بأن يقال: بعثناهم بعثَ مَن يريد أن يعلم؛ إذ
ربَّما يتوهّم منه استلزامُ الإِرادة لتحقّق المراد، فيعود المحذور، فيصار إلى جعل
إِرادة العلمِ عبارةً عن الاختبار، فاختبِر واختَر. انتهى.
وتعقّبه الخفاجيُّ(١) بأنَّ ما ذكره مع تكلُّفه وقلةِ جدواه غيرُ مستقيم؛ لأنَّ
الاختبارَ الحقيقيَّ لا يتصوَّر ممَّن أحاط بكلِّ شيءٍ علماً، فحيث وقع جعلوه مجازاً
عن العلم أو ما يترتَّب عليه، فلزمه بالآَخَرَةِ الرجوعُ إلى ما أنكره، واختار جعلَ
العلمِ كنايةً عن ظهور أمرِهم ليطمئنَّ بازدياد الإيمان قلوبُ المؤمنين وتنقطعَ حَجَّة
المنكرين، وعِلمُ اللهِ تعالى حيث تعذّر إِرادةُ حقيقتِّه في كتابه تعالى جُعِلَ كنايةً عن
بعض لوازمِه المناسبةِ لموقعه، والمناسبُ هنا ما ذكر.
ثم قال: وإنَّما علِّق العلمُ بالاختلاف في أمده، أي: المفهوم من ((أيُّ الحزبين
أحصى لما لبثوا أمداً))، لأنَّه أدعَى لإظهاره، وأَقوى لانتشاره.
وفي ((الكشف)) توجيهاً لِمَا في ((الكشاف)): أراد أنَّ العلمَ مجازٌ عن التمييز
والإِظهار، كأنَّه قيل: لنُظهرَ ونميِّز لهم العارفَ بأمدٍ ما لبثوا ولينظر مَن هذا
العارف؛ فإنَّه لا يجوز أن يكونَ أحداً منهم، لأنَّهم بين مفوِّض ومقدِّر غيرِ مصيب.
(١) في حاشيته ٧٩/٦.

سُوَّةُ الكَهْفِ
٢١٦
الآية : ١٣
والفرقُ بين ما في ((الكشف)) وما ذكره الخفاجيُّ لا يخفى على بصير، وما في
((الكشف)) أقلُّ مؤونةً منه. وتصويرُ التمثيلِ بأن يقال: بعثناهم بعثَ مَن يريد أن
يعلم، أحسنُ عندي من التصوير الأوَّل، والتوهُّم المذكورُ ممَّا لا يكاد يُلتَفَت إليه،
فتدبّر جدًّا.
وقُرئ: ((ليُعْلِمَ)) مبنيًّا للفاعل(١)، من الإِعلام، وخرِّج ذلك على أنَّ الفاعل
ضميرُه تعالى، والمفعولَ الأوَّل محذوفٌ لدَلالة المعنى عليه، و((أيُّ الحزبين)) إلخ
من المبتدأ والخبرِ في موضع مفعولَي ((يُعلِمِ)) الثاني والثالث، والتقدير: ليُعلِمَ اللهُ
الناسَ أيُّ الحزبين .. إلخ، وإذا جُعِل العلم عرفانًّا، كانت الجملةُ في موضع
المفعولِ الثاني فقط، وهو ظاهر.
وقُرئ: ((ليُعلَمَ)) بالبناء للمفعول(٢)، وخرّج على أنَّ نائبَ الفاعلِ محذوفٌ،
أي: ليُعلَمَ الناسُ، والجملة بعدُ إمَّا في موضع المفعولَين أو المفعول،
حسبما سمعت. وقال بعضُهم: إنَّ الجملةَ هي النائبُ عن الفاعل. وهو مذهبٌ
كوفيٍّ، ففي ((البحر))(٣): البصريُّون لا يجوِّزون كونَ الجملةِ فاعلاً ولا نائباً عنه،
وللكوفيين مذهبان: أحدُهما أنَّه يجوز الإسنادُ إلى الجملة مطلقاً. والثاني: أنَّه
لا يجوز إلَّا إذا كان المسندُ ممَّا يصحُّ تعليقُه، وتحقيقُ ذلك في محلِّه.
﴿َّحْنُ نَقُُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ﴾ شروعٌ في تفصيل ما أُجمل فيما سلف، أي: نحن
نُخبرك بتفصيل خبرِهم الذي له شأنٌ وخطر.
﴿يَلْحَقِّ﴾ إما صفةٌ لمصدرٍ محذوف، أو حالٌ من ضمير ((نقصُّ)) أو مِن ((نبأهم)) أو
صفةٌ له على رأي مَن يرى جوازَ حذفِ الموصولِ مع بعض الصِّلة، أي: نقصُّ قَصصاً
ملتبساً بالحقّ، أو نقصُّه ملتبسين به، أو نقصُّ نبأَهم ملتبساً به، أو نبأَهم الملتبسَ به.
ولعل في التقييد ((بالحق)) إشارةً إلى أنَّ في عهده وَّهِ مَن يقصُّ نبأَهم لكن
لا بالحقّ.
(١) البحر ١٠٣/٦.
(٢) البحر المحيط ١٠٣/٦، وانظر القراءات الشاذة ص٧٨.
(٣) ١٠٣/٦.

الآية : ١٣
٢١٧
سُورَةُ الكَهْفِ
وفي ((الكشف)) بعد نقلٍ شعر أمية بن أبي الصلتِ السابقِ ما نصُّه: وهذا يدلُّ
على أنَّ قصةَ أصحاب الكهفِ كانت من علم العربِ وإنْ لم يكونوا عالِميها على
وجهها .
ونبؤهم - حسبما ذكره ابنُ إسحاقَ وغيرُهُ(١) - أنَّه مَرِجَ أهلُ الإنجيلِ وعَظُمت
فيهم الخطايا، وطغت ملوكُهم، فعبدوا الأصنامَ وذبحوا للطّواغيت، وفيهم بقايا على
دين المسيحِ عليه السلام متمسِّكين بعبادة اللهِ تعالى وتوحيدِه، وكان ممَّن فعل ذلك
من ملوكهم وعتا عتوًّا كبيراً دقيانوس، وفي رواية: دقيوس، فإنَّه غلا غلوًّا شديداً،
فجاس خلالَ الديارِ والبلاد، وأَكثرَ فيها الفساد، وقتل مَن خالفه من المتمسِّكين
بدين المسيحِ عليه السلام، وكان يتّبَّع الناسَ فيخيِّرهم بين القتل وعبادةِ الأَّوثان،
فمَن رغب في الحياةِ الدُّنيا انقاد لأَمره وامتثله، ومَن آثر عليها الحياةَ الأبديةَ لم
يبالِ بأيِّ قِتلةٍ قتله، فكان يقتل أهلَ الإيمانِ ويقطع أجسادهم ويجعلها على سور
المدينةِ وأبوابِها، فلمَّا رأى الفتيةُ ذلك - وكانوا عظماءَ مدينتهم، واسمُها على ما في
بعض الرِّوايات: أفسوس، وفي بعضها: طرسوس، وقيل: كانوا من خواصٌ
الملك ــ قاموا فتضرَّعوا إلى الله عزَّ وجلّ، واشتغلوا بالصلاة والدُّعاء، فبينما هم
كذلك، دخل عليهم الشُّرَط فأخذوهم وأعينُهم تفيض من الدَّمع ووجوهُهم معفَّرة
بالتّراب، وأَحضروهم بين يدي الجبّار، فقالوا لهم: ما منعكم أن تشهدوا الذَّبحَ
لآلهتنا؟ وخيَّرهم بين القتل وعبادة الأوثان، فقالوا: إنَّ لنا إلهاً ملأ السماواتِ
والأرضَ عظمتُه وجبروتُه، لن ندعوَ من دونه أحداً، ولن نُقرَّ بما تدعونا إليه أبداً،
فاقضٍ ما أنت قاض، وأوَّل مَن قال ذلك أكبرُهم مكسلمينا، فَأَمر الجبارُ فنُزِع
ما عليهم من الثياب الفاخرة وأخرجهم مِن عنده، وخرج هو إلى مدینةٍ أخرى،
قيل: هي نينوى، لبعض شأنِه، وأَمهلهم إلى رجوعه، وقال: ما يمنعني أن أعجِّلَ
عقوبتكم إلَّا أني أراكم شبَّاناً، فلا أحبُّ أن أهلككم حتى أجعلَ لكم أجلاً تتأمّلون
فيه وترجعون إلى عقولِكم، فإنْ فعلتم فيها، وإلَّا أَهلكتكم، فلمَّا رأَوا خروجَه
اشتوروا فيما بينهم، واتَّفقوا على أن يأخذَ كلٌّ منهم نفقةً من بيت أبيه فيتصدَّقَ
ببعضها ويتزوَّد بالباقي وينطلقوا إلى كهفٍ قريبٍ من المدينة يقال له: بنجلوس،
(١) أخرجه الطبري مطولاً ١٦٣/١٥ - ١٧٢.

سُورَّةُ الكَهْفِ
٢١٨
الآية : ١٣
ففعلوا ما فعلوا، وأوَوا إلى الكهف، فلبثوا فيه ليس لهم عملٌ إلَّا الصلاةُ والصيامُ
والتسبيحُ والتحميد، وفوَّضوا أمرَ نفقتِهم إلى فتّى منهم اسمُه يمليخا، فكان إذا
أصبح يتنكَّر ويدخل المدينةَ ويشتري ما يهمُّهم ويتجسَّس ما فيها من الأخبار ويعود
إليهم، فلبثوا على ذلك إلى أن قدم الجبارُ مدينتَهم، فتطلَّبهم وأَحضر آباءهم،
فاعتذروا بأنَّهم عَصَوهم ونهبوا أموالَهم وبذروها في الأسواق وفرُّوا إلى الجبل،
وكان يمليخا إذ ذاك في المدينة، فرجع إلى أصحابه وهو يبكي ومعه قليلُ طعام،
فأخبرهم بما شاهد من الهول، ففزعوا إلى اللهِ تعالى وخرُّوا له سجَّداً، ثم رفعوا
رؤوسَهم وجلسوا يتحدَّثون في أمرهم، فبينما هم كذلك إذ ضرب اللهُ عزَّ وجلَّ على
آذانهم، فناموا ونفقتُهم عند رؤوسهم وكلبُهم باسطٌ ذراعيه بالوصيد، فأصابه
ما أصابهم، فخرج الجبارُ في طلبهم بخيله ورَجِله، فوجدوهم قد دخلوا الكهف،
فأمر بإِخراجهم، فلم يُطِق أحدٌ أن يدخلَه، فلمَّا ضاق بهم ذرعاً قال قائلٌ منهم :
أليس لو كنتَ قَدَرتَ عليهم قتلتهم؟ قال: بلى، قال: فابنِ عليهم بابَ الكهفِ
ودَعْهم يموتوا جوعاً وعطشاً، وليكن كهفُهم قبراً لهم، ففعل، ثم كان من شأنهم
ما قصَّ اللهُ تعالى عزَّ وجلّ.
وأخرج ابنُ أبي شيبةَ وابنُ المنذر وابنُ أبي حاتم عن ابن عباسٍ ◌ًَّا أنَّهم كانوا
في مملكة ملكٍ من الجبابرة يدعو الناسَ إلى عبادة الأوثان، فلمَّا رأوا ذلك،
خرجوا من تلك المدينة، فجمعهم اللهُ تعالى على غيرِ ميعاد، فجعل بعضُهم يقول
لبعض: أين تريدون، أين تذهبون؟ فجعل بعضُهم يخفي عن بعض؛ لأنه لا يدري
هذا علام خرج هذا، ولا يدري هذا علام خرج هذا، فأخذوا العهود والمواثيقَ أن
يخبر بعضهم بعضاً، فإن اجتمعوا على شيء وإلا كتم بعضهم بعضاً، فاجتمعوا على
كلمةٍ واحدة، فقالوا: (رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ) إلى: (مِرْفَقًا) ثم انطلقوا حتى
دخلوا الكهفَ، فضرب اللهُ تعالى على آذانهم فناموا، وفُقدوا في أَهلهم، فجعلوا
يطلبونهم فلم يظفروا بهم، فرُفع أمرُهم إلى الملك، فقال: لَيكوننَّ لهؤلاء القومِ بعد
اليوم شأن، ناسٌ خرجوا لا ندري أين ذهبوا في غير جنايةٍ ولا شيءٍ يُعرَف،
فدعا بلوحٍ من رصاص، فكتب فيه أسماءهم ثمَّ طرح في خزانته، ثم كان من شأنهم
ما قصّه الله سبحانه وتعالى.

الآية : ١٣
٢١٩
سُوَدَّةُ الكَهْفِ
وكانوا - على ما أَخرج ابنُ أبي حاتمٍ عن أبي جعفر - صيارفة(١).
وأَخرج عبدُ الرزَّاق وابنُ المنذر(٢) عن وهب بن منبِّه قال: جاء رجلٌ من
حواريِي عيسى عليه السلام إلى مدينة أصحاب الكهف، فأراد أن يدخلَها، فقيل:
على بابها صنمٌ لا يدخل أحدٌ إلَّا سجد له، فكره أنْ يدخل، فأتى حمَّاماً قريباً
من المدينة، وآجر نفسَه من صاحبه، فكان يعملُ فيه، ورأى صاحبُ الحمامِ
البركةَ والرزق، وجعل يسترسل إليه، وعَلِقه فتيةٌ من أهل المدينة، فجعل يُخبرهم
عن خبر السماءِ وخبرِ الآخرة، حتى آمنوا وكانوا على مِثل حالِهِ في حُسن الهيئة،
وكان يشترط على صاحب الحمَّام أنَّ الليلَ لي، ولا تحولُ بيني وبين الصلاةِ إذا
حضرت، حتى جاءَ ابنُ الملكِ بامرأةٍ يدخل بها الحمّام، فعيَّره الحواريُّ فقال:
أنت ابنُ الملكِ وتدخل مع هذه المرأةِ التي صفتُها كذا وكذا، فاستحيا فذهب،
فرجع مرةً أخرى، فسبَّه وانتهره، فلم يلتفتْ حتى دخل ودخلت معه، فباتا في
الحمَّام جميعاً، فماتا فيه، فأُتي الملكُ فقيل له: قتل ابنَك صاحبُ الحمام،
فالتُمس فلم يُقدَر عليه، وهرب مَن كان يصحبه، والتُمس الفتيةُ، فخرجوا من
المدينة، فمرُّوا بصاحبٍ لهم في زرعٍ له وهو على مثل أمرِهم، فذكروا له أنَّهم
التُمسوا، فانطلق معهم حتى أَواهم الليلُ إلى كهف، فدخلوا فيه فقالوا: نبيت
هاهنا الليلةَ ثم نصبح إن شاء اللهُ تعالى فنرى رأينا، فضُرب على آذانهم، فخرج
الملكُ بأصحابه يتبعونهم حتى وجدوهم قد دخلوا الكهف، فكلَّما أراد الرجلُ
منهم أن يدخلَه أُرعب فلم يُطِق أن يدخل، فقال للملك قائل: ألستَ لو قدرتَ
عليهم قتلتهم؟ قال: بلى، قال: فابنِ عليهم بابَ الكهفِ ودَعْهم يموتوا عطشاً
وجوعاً، ففعل، ثم كان ما كان. ورُوي غير ذلك، والأخبارُ في تفصيل شأنِهم
مختلفة .
وفي ((البحر))(٣): لم يأتِ في الحديث الصحيحِ كيفيةُ اجتماعِهم وخروجهم،
ولا معوَّلَ إلَّا على ما قصَّ الله تعالى من نبئهم.
(١) هذا الخبر والذي قبله نقلهما المصنف عن الدر المنثور ٢١٢/٤، ٢١٣.
(٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٣٩٧، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر ٢١٥/٤.
(٣) ٦/ ١٠١.

سُورَةُ الكَهْفِ
٢٢٠
الآية : ١٤
﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةُ﴾ استئنافٌ مبنيٌّ على السؤال من قِبَل المخاطَب، وتقدَّم الكلامُ آنفاً
في الفتية ﴿ءَامَنُواْ بِرَيّهِمْ﴾ أي: بسيِّدهم والناظرِ في مصالحهم. وفيه التفاتٌ من
التكلُّم إلى الغَيبة، وأُوثر للإِشعار بعِلِّية وصفِ الرُّبوبية الإِيمانهم ولِمَا صدر عنهم من
المقالة حسبما سیحکی عنهم.
﴿وَزِدْنَهُمْ هُدَى ﴾﴾ بالتثبيت على الإِيمان، والتوفيقِ للعمل الصالح،
والانقطاعِ إلى الله تعالى، والزُّهدِ في الدنيا .
وفي «التحرير)): المراد: زدناهم ثمراتِ هدى، أو يقيناً، قولان، وما حصلت
به الزيادةُ امتثالُ المأمورِ وتركُ المنهيّ، أو إنطاقُ الكلبِ لهم بأنَّه على ما هم عليه
من الإِيمان؛ أو إنزالُ مَلَكِ عليهم بالتبشير والتثبيت، وإخبارُهم بظهور نبيٍّ من
العرب یکون به الدینُ كلُّه لله تعالى، فآمنوا به ێ( قبل بعثه. اهـ.
ولا يلزمُ من القول بإِنزال مَلَكِ عليهم بذلك القولُ بنبوَّتهم كما لا يخفَى.
وفي ((زدناهم)) التفاتٌ من الغيبة إلى التكلُّم الذي عليه سبكُ النظمِ الكريمِ سباقاً
وسياقاً. وفيه من تعظيم أمرِ الزِّيادة ما فيه.
﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ قوَّيناها بالصبر، فلم تزحزحها عواصفُ فراقِ الأَّوطان،
وتركِ الأهلِ والنعيم والإخوان، ولم يزعجْها الخوفُ من ملكهم الجبّار، ولم يَرُعها
كثرةُ الكفار.
وأصلُ الربطِ الشدُّ المعروف، واستعمالُه فيما ذُكر مجازٌ كما قال غيرُ واحد.
وفي ((الأساس)) (١): ربطت الدابَّة: شددتها برباط، والمِرْبَطُ: الحبل، ومن المجاز:
ربط اللهُ تعالى على قلبه: صَبَّره، ورابط الجأش.
وفي ((الكشف)): لمَّا كان الخوفُ والقلقُ(٢) يزعج القلوبَ عن مقارِّها - أَلَا ترى
إلى قوله تعالى: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠] قيل في مقابله: ربط
قلبه، إذا تمگّن وثبت، وهو تمثيل.
(١) مادة (ربط).
(٢) في (م): والتعلُّق.