النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
سُوَرَّةُ الكَهْفِ
وقال الجلالُ السيوطيُّ(١) في ذلك: إنَّ اليهودَ أَمروا المشركين أن يسألوا
النبيَّ ◌َِّ عن ثلاثة أشياء: عن الرُّوح، وعن قصَّة أصحاب الكهف، وعن قصة
ذي القَرنين، وقد ذُكر جوابُ السؤالِ الأوَّل في آخر السورةِ الأولى، وجوابُ
السؤالين الآخرَين في هذه، فناسب اتصالَهما، ولم تُجمع الأَجوبة الثلاثةُ في
سورة لأنَّه لم يقع الجوابُ عن الأوَّل بالبيان، فناسب أن يُذكرَ وحدَه في سورة،
واختيرت سورةُ الإسراءِ لما بين الروحِ وبين الإِسراء من المشاركة بأنَّ كلَّا
منهما ممَّا لا يكاد تصلُ إلى حقيقته العقولَ. وقيل: إنمَّا ذكر هناك لِمَا أنَّ الإسراء
متضمِّن العروجَ إلى المحلِّ الأرفع، والروحَ متصفةٌ بالهبوط من ذلك المحلّ؛
ولذا قال ابنُ سينا فيها :
هبطت إليك من المحلِّ الأرفعِ
ورقاءُ ذات تعزّز وتمنُّع(٢)
ثم قال: ظهر لي وجهٌ آخَر، وهو أنَّه تعالى لمَّا قال في تلك: ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ
اَلْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الآية: ٨٥] والخطابُ لليهود، استظهر على ذلك بقصَّة موسى نبيِّ بني
إسرائيلَ مع الخَضِر عليهما السلام، التي كان سببَها ذِكرُ العلم والأَعلم وما دلَّت
عليه من كثرة معلوماتِ الله تعالى التي لا تحصَى، فكانت هذه السورةُ كإقامة الدليلِ
لمَا ذُكر من الحكم في تلك السورة. وقد ورد في الحديث أنَّه لمَّا نزل (وَمَا أُوِيتُمَ
مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) قال اليهود: قد أُوتينا التوراةَ فيها علمُ كلِّ شيء، فنزل ﴿قُل لَّوْ
كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَتِ رَبِ﴾ الآية [الكهف: ١٠٩] فتكون هذه السورةُ من هذه الجهةِ
جواباً عن شُبهة الخصوم فيما قرِّر في تلك، وأيضاً لمَّا قال سبحانه هناك: ﴿فَإِذَا جَّةَ
وَعْدُ الْآَخِرَةِ جِثْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ [الآية: ١٠٤] شرح ذلك هنا وبَسَطه بقوله سبحانه: ﴿فَإذَا
جَآءَ وَعْدُ رَبِّ جَعَلَهُ ذَكَّةَ﴾ [الآية: ٩٨] إلى قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِى الْشُورِ لَبَعْنَهُمْ جَمْعَا
٩٩
وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَّمَيِدٍ لِلْكَفِينَ عَرْضًا﴾ [الآية: ٩٩-١٠٠] اهـ. وللمناسبة أوجُهٌ أُخَرُ تظهر
بأدنی تأمُّل.
وأمَّا فضلُها فمشهور.
(١) في تناسق الدرر ص٦٤ .
(٢) وفيات الأعيان ١٦٠/٢، والخزانة ١٦٨/١١.

١٨٢
سُوَرَّةُ الْكَهْفِ
وقد أَخرج ابنُ مردويه عن ابن عمرَ مرفوعاً: ((من قرأ سورةَ الكهفِ في يوم
الجمعة، سطع له نورٌ من تحت قدمِهِ إلى عَنان السماء، يُضيءُ له إلى يومِ القيامة،
وغُفر له ما بينَ الجُمُعتين))(١) .
وروى غيرُ واحدٍ عن أبي سعيدِ الخُذْري: مَن قرأ سورةَ الكهفِ في يوم
الجمعة، أَضاء له من النُّور ما بينه وبينَ البيتِ العتيق(٢).
وكان الحسنُ بن عليٍّ ﴿ُّ - كما أَخرج أبو عُبَيدٍ والبيهقيُّ عن أمِّ موسى - يقرؤها
كلَّ ليلة(٣).
وأخرج ابنُ مردويه عن عبد اللهِ بن مغفَّلٍ مرفوعاً: ((البيتُ الذي تُقرأ فيه سورةٌ
الكهفِ لا يدخله شيطانٌ تلك الليلة)»(٤).
وإلى سُنِّية قراءتِها يومَ الجمعةِ وكذا ليلتَها ذهب غيرُ واحدٍ من الأئمّة،
وقالوا بندب تكرارٍ قراءتها .
وأخرج أحمدُ، ومسلم، وأبو داودَ، والتِّرمذي، والنَّسائي، وابنُ حِبَّان(٥)،
وجماعةٌ عن أبي الدَّرداء، عن النبيِّ وَِّ: ((مَن حفظ عشرَ آياتٍ من أوَّل سورةٍ
الكهف، عُصم من فتنة الدجَّال)). وفي روايةٍ أخرى عنه رواها أحمدُ، ومسلمٌ،
والنسائيّ، وابن حبانَ أيضاً (٦) قال: قال رسول الله وَّ: ((من قرأ العشر الأواخرَ من
سورة الكهف، عُصِم من فتنة الدجّال)).
(١) ذكره ابن كثير في أول تفسير سورة الكهف وقال: في رفعه نظر، وأحسن أحواله الوقف.
(٢) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ١٣١، والدارمي (٣٤١٠)، وأخرجه مرفوعاً الحاكم
٣٦٨/٢ وقال: صحيح الإسناد.
(٣) فضائل القرآن لأبي عبيد ص ١٣٢، وشعب الإيمان ٢/ ٤٧٥ .
(٤) الدر المنثور ٢٠٩/٤.
(٥) مسند أحمد (٢١٧١٢)، وصحيح مسلم (٨٠٩)، وسنن أبي داود (٤٣٢٣)، والسنن الكبرى
(١٠٧٢١)، وصحيح ابن حبان (٧٨٥).
(٦) مسند أحمد (٢٧٥١٦)، وصحيح مسلم (٨٠٩)، والسنن الكبرى (١٠٧٢٠)، وصحيح ابن
حبان (٧٨٦).

الآية : ١
١٨٣
سُورَةُ الكَهْفِ
وأخرج الترمذيُّ وصحَّحه(١) عنه مرفوعاً: ((مَن قرأ ثلاثَ آياتٍ من أوَّل الكهفِ
عُصم ... )) إلخ.
وجاءَ في حديثٍ أَخرجه ابنُ مردويه عن عائشةَ رُْها مرفوعاً أنَّ: ((مَن قرأ
الخمسَ الأواخرَ منها عند نومِه، بعثه اللهُ تعالى أيَّ الليلِ شاء»(٢) وقد جرَّبت ذلك
مِراراً، فلْيُحفظ، والله تعالى الموفِّق.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿اَلْحَبْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ محمدٍ نَّهِ ﴿اَلْكِنَبَ﴾ الكاملَ الغنيَّ عن الوصف
بالكمال، المعروفَ بذلك من بين سائرِ الكتب، الحقيقَ باختصاص اسم الكتاب
به. وهو إمَّا عبارةٌ عن جميع القرآن، ففيه تغليبُ الموجودِ على المترقّب، وَإما عبارةٌ
عن الجميع المنزَّل حينئذ، فالأمرُ ظاهر.
وفي وصفه تعالى بالموصول إشعارٌ بعِلِّية ما في حيِّز الصلةِ لاستحقاق الحمد
الدالِّ عليه اللامُ، على ما صرَّح به ابنُ هشامٍ وغيرُه، وإِيذانٌ بعِظَم شأنِ التنزيلِ
الجليل، كيف لا، وهو الهادي إلى الكمال الممكنِ في جانبَي العلمِ والعمل.
وفي التعبير عن الرَّسول ◌َ ليه بالعبد مضافاً إلى ضميره تعالى من الإِشارة إلى
تعظيمه عليه الصلاة والسلام - وكذا تعظيم المنزَّل عليه - ما فيه. وفيه أيضاً إشعارٌ
بأنَّ شأن الرسولِ أن يكونَ عبداً للمرسِل، لا كما زعمت النصارى في حقِّ عیسی
عليه السلام.
وتأخيرُ المفعولِ الصريح عن الجارِّ والمجرورِ مع أن حقَّه التقديمُ عليه ليتَّصلَ
به قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ﴾ أي: للكتاب ﴿عِوَمَّ ﴾﴾ أي: شيئاً من العِوَج
باختلال اللفظِ من جهة الإعراب، ومخالفةِ الفصاحةِ وتناقض المعنى، وكونِه
مشتملاً على ما ليس بحقّ، أو داعياً لغير اللهِ تعالى.
(١) في جامعه (٢٨٨٦).
(٢) الدر المنثور ٢٠٩/٤، وضعَّف سنده الكناني في تنزيه الشريعة ٣٠٢/١.

سُوَدَّةُ الكَهْفِ
١٨٤
الآية : ٢
والعِوَج - وكذا العَوَج -: الانحرافُ والميلُ عن الاستقامة، إلَّا أنَّه قيل: هو بكسر
العينِ ما يُدرَك بفتح العين، وبفتح العينِ ما يُدرَك بفتح العين(١)، فالأوَّل: الانحرافُ
عن الاستقامة المعنويةِ التي تُدرَك بالبصيرة، كعِوَج الدِّين والكلام، والثاني:
الانحرافُ عن الاستقامة الحسيةِ التي تُدرَك بالبصر، كعَوَج الحائطِ والعُود ..
وأُورد عليه قولُه تعالى في شأن الأرض: ﴿لَّا تَرَى فِيَهَا عِوَجًا وَلَّ أَمْتًا﴾
[طه: ١٠٧] فإنَّ الأرضَ محسوسة، واعوجاجُها وكذا استقامتُها مما يدرك بالبصر،
فكان ينبغي - على ما ذُكر - فتحُ العين.
وأُجيب بأنَّه لمَّا أُريد به هنا ما خفي من الاعوجاجِ حتى احتاج إثباتهُ إلى
المقاييس الهندسيةِ المحتاجةِ إلى إعمال البصيرة، أُلحَقَ بما هو عقليٍّ صِرْف،
فأُطلق عليه ذلك لذلك.
وتعقّب بأنَّ(لا ترى)) ظاهرٌ في أنَّ المنفيَّ ما يُدرَك بالبصر، فيحتاج إلى أن يرادَ
به الإِدراك.
وعن ابن السِّكِّيت أنَّ المكسورَ أعمُّ من المفتوح(٢). واختار المرزوقيُّ في شرح
((الفصيح)) أنَّه لا فرقَ بينهما.
﴿قَبِّمَا﴾ أي: مستقيماً، كما أخرجه ابنُ المنذر عن الضخَّاك، ورُوي أيضاً عن
ابن عباس. والمرادُ مما قبلُ أنَّه لا خللَ في لفظه ولا في معناه، والمرادُ من هذا
أنه معتدلٌ لا إفراطَ فيما اشتمل عليه من التكاليفِ حتى يشقَّ على العباد، ولا تفريطَ
فيه بإهمالِ ما يحتاج إليه حتى يحتاجَ إلى كتابٍ آخَرَ، كما قال سبحانه: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِى
اَلْكِتَبٍ مِن شَىْءٌ﴾ [الأنعام: ٣٨] ولذا كان آخرَ الكتبِ المنزَّلَ على خاتم الرسلِ عليه
الصلاة والسلام.
وقيل: المرادُ منه ما أُريد ممّا قبله، وذَكَره للتأكيد.
وقال الفرَّاء(٣): المراد: قيِّماً على سائر الكتبِ السماويَّة شاهداً بصحّتها.
(١) جاء في هامش الأصل: ((ما)) الأولى نافية و((ما)) الثانية موصولة. اهـ منه.
(٢) ينظر إصلاح المنطق ص ١٨٥ .
(٣) في معاني القرآن ١٣٣/٢.

الآية : ٢
١٨٥
سُوَرَّةُ الكَهْفِ
وقال أبو مسلم: المراد: قيِّماً بمصالح العباد، متكفِّلاً بها وببيانها لهم؛
لاشتماله على ما ينتظم به المعاشُ والمعاد.
وهو على هذين القولَين تأسيسٌ أيضاً لا تأكيد، فكأنَّه قيل: كتاباً صادقاً في
نفسه مصدِّقاً لغيره، أو: كتاباً خالياً عن النقائص حالياً بالفضائل.
وقيل: المرادُ على الأخير أنه كاملٌ في نفسه ومكمِّل لغيره.
ونصبه بمضمَر، أي: جعله قيِّماً، على أنَّ الجملةَ مستأنفة، أو: وجعله قيِّماً،
على أنَّها معطوفةٌ على ما قبل، إلَّا أنَّه قيل: إنَّ حذفَ حرفِ العطفِ مع المعطوف
تكلُّف. وكان حفصّ يسكت على ((عوجا)) سكتةً خفيفةً ثم يقول: ((قيماً)(١).
واختار غيرُ واحدٍ أنَّه على الحالِ من الضمير في ((له))، أي: لم يجعلْ له عِوَجاً
حالَ كونِه مستقيماً. ولا عِوَجَ فيه على ما سمعتَ أوَّلاً من معنى المستقيم؛ إذ
محصِّله أنَّه تعالى صانه عن الخَلَل في اللفظ والمعنى حالَ كونِه خالياً عن الإِفراط
والتفريط، وكذا على القولَين الأخيرين.
نعم قيل: إنَّ جَعْلَه حالاً من الضمير مع تفسير المستقيم بالخالي عن العِوَجِ
ركيك. وتعقّبه بعضُهم بأنَّه تندفع الركاكةُ بالحمل على الحالِ المؤكِّدة، كما في قوله
تعالى: ﴿ثُمَّ وَلَيْتُمْ قُدْبِينَ﴾ [التوبة: ٢٥]. وفيه بحث.
وجوِّز أن يكونَ حالاً من الكتاب. واعتُرض بأنَّه يلزم حينئذٍ العطفُ قبل تمامٍ
الصِّلة؛ لأنَّ الحالَ بمنزلة جزءٍ منها. وأُجيب بأنَّه يجوز أن يجعلَ ((ولم يجعل)) إلخ
من تتمَّة الصلةِ الأولى على أنَّه عطفٌ بياني، حيث قال تعالى: (أَنزَلَ عَلَ عَبْدِهِ
اُلْكِتَبَ) الكاملَ في بابه [ثم] (٢) عقَّبه بقوله سبحانه: (وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ، عِوَمَاٌ) فحينئذٍ
لا يكون الفصلُ قبل تمام الصِّلة، وهو نظيرُ قولِه تعالى: ﴿وَصَدُّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
وَكُفْرَّا بِهِ، وَاَلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ٢١٧] على قول.
وأيضاً يجوز أن يكونَ الواوُ في ((ولم يجعل)) للحال، والجملةُ بعده حالٌ من
(الكتاب)) كـ ((قيِّماً)). واختاره الأصبهانيّ.
(١) التيسير ص ١٤٢، والنشر ٣١٠/٢.
(٢) زيادة يقتضيها السياق.

الآية : ٢
١٨٦
سُورَةُ الكَهْفِ
وقال أبو حيَّان(١): إنَّ ذاك على مذهب مَن يجوِّز وقوعَ حالَين من ذي حالٍ
واحدٍ بغير عطف، وكثيرٌ من أصحابنا على منعه.
وقال آخر: إنَّ قياسَ قولِ الفارسيِّ في الخبر أنَّه لا يتعدَّد مختلفاً بالإفراد
والجملية أن يكونَ الحالُ كذلك.
وأُجيب بأنَّه غيرُ وارد؛ إذ ما ذكره الفارسيُّ خلافُ مذهبٍ الجمهور، مع أنَّه
قياسٌ مع الفارق، فلا يُسمَع. وكذا ما ذكره أبو حيَّانَ عن الكثير خلافُ المعوَّل
عليه عند الأكثر. نعم فِراراً من القيل والقال جعل بعضُهم الواوَ للاعتراض والجملةَ
اعتراضية، وفي الكلام تقديمٌ وتأخير، والأصل: الحمدُ لله الذي أنزل على عبده
الكتابَ قيِّماً ولم يجعل له عِوَجاً. ورُوي القولُ بالتقديم والتأخيرِ عن ابن عباسٍ
ومجاهد. وذَكَرَ السمينُ أنَّ ابن عباسٍ حيث وقعت جملةٌ معترضةٌ في النَّظم يجعلها
مقدَّمةً من تأخير(٢)، ووجِّه ذلك بأنَّها وقعت بين لفظَين مرتبطين، فهي في قوَّة
الخروج من بينهما، ولما كان ((قيماً)) يُفيد استقامةً ذاتيةً أو ثابتةً(٣)؛ لكونه صفةً
مشبَّهة أوصيغةً(٤) مبالغة، وما من شيءٍ كذلك إلَّا وقد يتوهّم فيه أدنَى عِوَج، ذُكر
قولُه تعالى: ((ولم يجعل)) إلخ للاحتراس، وقدِّم للاهتمام، كما في قوله:
ولا زال منهاًا بجرعائك القَطْرُ(٥)
أَلا يا اسلمي يا دارَ ميٍّ على البِلى
ومن هنا يُعلَم أنَّ تفسير القيِّمِ بالمستقيم بالمعنى المتبادِر، وأنَّ قول
الزمخشريِّ: فائدةُ الجمعِ بينه وبين نَفي العِوَج التأكيدُ، فرُبَّ مستقيم مشهودٍ له
بالاستقامة ولا يخلو من أدنَى عِوَج عند السَّبر والتصفّح(٦) = غيرُ ذيْ عِوَجِ عند
السَّبر والتصفُّح، وأنَّه لا يَرِد قولُ الإمام(٧): إنَّ قولَه تعالى: ((لم يجعل له عوجا)»
(١) في البحر٦ / ٩٦.
(٢) ينظر الدر المصون ٦٧/٦-٦٨، ونقله بواسطة الشهاب في الحاشية ٧٣/٦، وما بعده منه.
(٣) في حاشية الشهاب: أو تابعة، وهو الأنسب بالسياق.
(٤) في الأصل و(م): وصيغة، والمثبت من حاشية الشهاب.
(٥) البيت لذي الرمة، وهو في ديوانه٥٥٩/١.
(٦) في الكشاف٢/ ٤٧٢ .
(٧) في التفسير الكبير ٧٤/٢١.

الآية : ٢
١٨٧
سُوَرَّةُ الكَهْفِ
يدلُّ على كونه مكمَّلاً في ذاته، وقوله سبحانه: ((قيماً)) يدلُّ على كونه مكمِّلاً لغيره،
فثبت بالبرهان العقليِّ أنَّ الترتيب الصحيحَ كما ذكره اللهُ تعالى، وأنَّ ما ذكروه من
التقديم والتأخيرِ فاسدٌ يمتنع العقلُ من الذهاب إليه. انتهى.
ولَعمري إنَّ هذا الكلامَ لا ينبغي من الإمام إِنْ صحَّ عنده أنَّ القولَ المذكورَ
مرويٌّ عن ابن عباسٍ ومجاهد؛ فإنَّ الأولَ تَرجمانُ القرآن وناهيكَ به جلالةٌ ومعرفةً
بدقائق اللِّسان، وقد قيل في الثاني: إذا جاءك التفسيرُ عن مجاهدٍ فحسْبُك.
وقال صاحبُ ((حلّ العقد)): يمكن أن يكونَ ((قيِّماً)) بدلاً من قوله تعالى: ((ولم
يجعل له عوجاً)) قال أبو حيَّان(١): ويكون حينئذٍ بدلَ مفردٍ من جملة، كما قالوا
في: عرفتُ زيداً أبو مَن هو : إنَّه بدلُ جملةٍ من مفرَد، وفي جواز ذلك خلاف.
هذا وزعم بعضُهم أنَّ ضميرَ(له)) عائدٌ على ((عبده)) وحينئذٍ لا يتأتَّی جمیعُ
التخاريجِ الإِعرابيةِ السابقة .
وقرأ أَبانُ بن تَغلب (٢): ((قِيَماً) بكسر القاف وفتح الياء المخفَّفة. وفي بعض
مصاحفِ الصحابة: ((ولم يَجعلْ له ◌ِوَجاً لكنَّه قيِّماً))(٣) وحُمل ذلك على أنَّه تفسيرٌ
لا قراءة .
﴿لَيُنذِرَ﴾ متعلِّق بـ ((أَنزِلَ))، واللامُ للتعليل، واستدلَّ به مَن قال بتعليل أفعالِ الله
تعالى بالأَغراض، كالسلف والماتُريدية، ومَن يأبى ذلك يجعلها لامَ العاقبة، وزعم
الحوفيُّ أنَّه متعلّق بـ ((قيِّماً)). وليس بقيِّم.
والفاعلُ ضميرُ الجلالة، وكذا في الفعلَين المعطوفين عليه.
وجوِّز أن يكونَ الفاعلُ في الكلِّ ضميرَ ((الكتاب))، أو ضميرَهُ وَّهِ.
وأَنذر يتعدّى لمفعولَين، قال تعالى: ﴿أَنْذَرْنَكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾ [النبأ: ٤٠] وحُذف
هنا المفعولُ الأوَّل واقتصر على الثاني، وهو قولُه تعالى: ﴿بَأْسًا شَدِيدًا﴾ إيذاناً بأنَّ
(١) في البحر ٦/ ٩٦.
(٢) في الأصل و(م): ثعلب، والقراءة في القراءات الشاذة ص٧٨، والدر المصون ٤٣٤/٧.
(٣) في تفسير الطبري ١٤١/١٥، والبحر٩٦/٦، والدر المصون ٤٣٥/٧: ((لكن جعله قيِّماً)).

الآية : ٢
١٨٨
سُورَةُ الكَهْفِ
ما سيق له الكلامُ هو المفعولُ الثاني، وأنَّ الأولَ ظاهرٌ لا حاجةَ إلى ذِكره، وهو:
الذين كفروا، بقرينةٍ ما بعدُ، والمراد: الذين كفروا بالكتاب.
والظاهرُ أنَّ المرادَ من البأس الشديدِ عذابُ الآخرةِ لا غير. وقيل: يحتمل أن
يندرج فيه عذابُ الدنيا .
﴿مِّن لَُّنْهُ﴾ أي: صادراً مِن عندِه تعالى نازلاً من قِبَله بمقابلة كفرِهم، فالجارّ
والمجرورُ متعلِّق بمحذوفٍ وقع صفةً ثانيةً للبأس.
و(لَدُن)) هنا بمعنى عند كما رُوي عن قتادة. وذكر الراغبُ(١) أنه أخصُّ منه؛
لأنَّه يدلُّ على ابتداءِ نهاية، نحو: أقمتُ عنده من لَدُن طلوع الشمسِ إلى غروبها،
وقد يوضع موضعَ عند، وقال بعضُهم: إِنَّ ((لدن)» أبلغُ مَن عند وأَخصّ. وفيه
لغات. وقرأ أبو بكرٍ عن عاصم بإشمام الدال(٢)، بمعنى تضعيفِ الصوتِ بالحركة
الفاصلة بين الحرفين، فيكون إخفاءً لها، وبكسر النونِ لالتقاء الساكنين، وكسرٍ
الھاءِ لإِثْباع.
ويُفهَم من كلام بعضِهم أنَّه قرأ بالإِسكان مع الإِشمام، بمعنى الإشارة إلى
الحركة بضمِّ الشفتين مع انفراجِ بينهما، فاستُشكل في ((الدُّر المصون))(٣) وغيرِه بأنَّ
هذا الإشمامَ إنما يتحقَّق فيّ الوقف على الآخِر، وكونُه في الوسَط كما هنا
لا يتصوَّر؛ ولذا قيل: إنَّه يؤتَى به هنا بعدَ الوقفِ على الهاء.
ودُفع الاعتراضُ بأنَّه لا يدلُّ حينئذٍ على حركة الدال، وقد علِّل به بأنَّه متعيِّن؛
إذ ليس في الكلمة ما يصلحُ أن يشارَ إلى حركته غيرُها. ولا يخفَى ما فيه،
وما قدَّمناه حاسمٌ لمادَّة الإِشكال.
وقرأ الجمهورُ بضمِّ الدالِ والهاءِ وسكونِ النون، إلَّا أنَّ ابنَ كثيرٍ يصل الهاءَ
بواو، وغيرُه لا يَصِل (٤).
(١) في المفردات (لدن).
(٢) التيسير ص١٤٢، والنشر ٣١٠/٢.
(٣) ٤٣٨/٧.
(٤) التيسير ص ١٤٢، والنشر ٣١٠/٢.

الآية : ٣ - ٤
١٨٩
سُوَّةُ الكَهْفِ
﴿وَيُبَشِّرَ﴾ بالنصب عطفٌ على ((ينذر)) وقُرئ شاذّاً بالرفع(١).
وقرأ حمزةٌ والكِسائي: ((ويَبْشُرَ)) بالتخفيف(٢).
﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: المصدِّقين بالكتاب، كما يُشعر به - وكذا بما تقدَّم - ذكرُ ذلك
بعد الامتنانِ بإِنزال الكتاب (الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّلِحَتِ) أي: الأعمالَ الصالحةَ التي
بيِّنت في تضاعيفه.
وإيثارُ صيغةِ الاستقبالِ في الصِّلة للإشعار بتجدُّد العملِ واستمراره، وإجراءُ
الموصولِ على موصوفه المذكورِ لمَا أنَّ مدارَ قبولِ العمل الإِيمان.
﴿أَنَّ لَهُمْ﴾ أي: بأنَّ لهم بمقابلة إيمانهم وعملِهم المذكورِ ﴿أَجْرًا حَسَنًا
هو - كما قال السُّدِّي وغيرُه ـ الجنة، وفيها من النعيم المقيمِ والثوابِ العظيم
ما فيها، ويؤيِّد كونَ المرادِ به الجنةَ ظاهرُ قولهِ تعالى: ﴿مَّكِئِينَ فِهِ﴾ أي: مقيمين
في الأجر ﴿أَبَدًا
﴾﴾ من غير انتهاءٍ لزمان مُكثهم.
ونصبُ ((ماكثين)) على الحالِ من الضمير المجرورِ في (لهم)) والظرفان متعلِّقان
به، وتقديمُ الإنذارِ على التبشير لإِظهار كمالِ العناية بزجر الكفارِ عمَّا هم عليه، مع
مراعاة تقديم التخلية على التحلية.
وتكريرُ الإنذارِ بقوله تعالى: ﴿وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُواْ أَتَّخَذَ اَللَّهُ وَلَا ﴾ متعلِّقاً
بفرقةٍ خاصَّة ممن عمَّه الإنذارُ السابقُ من مستحقِّي البأسِ الشديد؛ للإيذان بكمال
فظاعةِ حالهم، لغاية شناعةِ كفرِهم وضلالهم، كما ينبئُ عنه ما بعد، أي: ويُنذرَ مِن
بين هؤلاء الكفرةِ المتفوِّهين بمثل هاتيك العظيمةِ خاصَّة، وهم العربُ القائلون:
الملائكةُ بناتُ اللهِ تعالى، واليهودُ القائلون: عُزَير ابنُ اللهِ سبحانه، والنصارى
القائلون: المسيحُ ابن اللهِ عزَّ وجلّ.
وتركُ إجراءِ الموصولِ على الموصوف كما في قوله تعالى: (وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ) إلخ
للإيذان بكفاية ما في حيِّز الصلةِ في الكفر على أَقبح الوجوه؛ وإيثارُ صيغةِ الماضي في
الصلة؛ للدَّلالة على تحقَّق صدورِ تلك الكلمةِ القبيحةِ عنهم فيما سبق.
(١) البحر ٦ / ٩٦.
(٢) التيسير ص ٨٧، والنشر ٢٣٩/٢.

سُوَدَّةُ الكَهْفِ
١٩٠
الآية : ٥
وجعل بعضُهم المفعولَ المحذوفَ فيما سلف عبارةً عن هذه الطائفة، وفي الآية
صنعةُ الاحتباك، حيث حُذف من الأوَّل ما ذُكر فيما بعد، وهو المنذَر، وحُذف
مما بعدُ ما ذُكر في الأوَّل، وهو المنذَرُ به.
وتعقّب بأنَّه يؤدِّي إلى خروج سائرٍ أصناف الكفرةِ عن الإِنذار والوعيد.
وأُجيب بأنَّه يُعلَم إنذارُ سائرِ الأَصناف ودخولُهم في الوعيد من باب الأَوْلى؛
لأنَّ القول بالتبِّي - وإن كَبُرَ كلمةً - دون الإشراك، وفيه نظر.
وقدَّر ابنُ عطية(١) : العالَم، وأبو البقاءِ(٢): العباد، فيعمُّ المؤمنين أيضاً.
وتعقِّب بأنَّ التعميمَ يقتضي حملَ الإنذارِ على معنى مجرَّد الإِخبار بالأمر الضارِّ
من غير اعتبارٍ حلولِ المنذَر به على المنذَر، كما في قوله تعالى: ﴿أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ
وَبَشْرِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [يونس: ٢] وهو يفضي إلى خلوِّ النظم الكريم عن الدَّلالة على
حلول البأسِ الشديدِ على مَن عدا هذه الفرقة، فتأمَّل.
﴿مَّا لَهُم بِهِ﴾ أي: باتِّخاذه سبحانه وتعالى ولداً ﴿مِنْ عِلْمٍ﴾ مرفوعُ المحلِّ على
الابتداء، أو الفاعلية، لاعتماد الظرف. و((مِن)) مزيدةٌ لتأكيد النفي، والجملةُ حاليّة،
أو مستأنفة، لبيان حالِهم في مقالهم، أي: ما لهم بذلك شيءٌ من العلم أصلاً،
لا لإِخلالهم بطريق العلمِ مع تحقّق المعلومِ أو إِمكانه، بل لاستحالته في نفسه،
ومعها لا يستقيم تعلّق العلَم.
واستُظهر كونُ ضميرٍ ((به)) عائداً على الولد، وعدمُ العلم وكذا حالُ الجملةِ على
ما سمعت. وزعم المهدويُّ أنَّ الجملةَ على هذا صفةٌ لـ ((ولداً)). وليس بشيء.
وجوِّز أن يعودَ على القول المفهوم من ((قالوا)) أي: ليس قولُهم ذلك ناشئاً عن
علمٍ وتذكّرٍ ونظرٍ فيما يجوز عليه تعالى وما يمتنع.
وقال الطبريّ (٣): هو عائدٌ على الله تعالى، على معنى: ليس لهم علمٌ بما يجوز
عليه تعالى وما يمتنع ﴿وَلَا لِأَبَآَبِهِمْ﴾ الذين قالوا مِثلَ ذلك ناسبين التبنِّي إليه
(١) في المحرر الوجيز ٤٩٥/٣ .
(٢) في الإملاء ٥٠٤/٣ .
(٣) في تفسيره ١٥/ ١٤٧.

الآية : ٥
١٩١
سُوَدَّةُ الكَهْفِ
عزَّ وجلّ. والتعرُّضُ لنفي العلم عنهم لأنَّهم قدوةُ هؤلاء.
﴿كَبِرَتْ كَلِمَةٌ﴾ أي: عَظُمت مقالتُهم هذه في الكفرِ والافتراء؛ لمَا فيها من
نسبته تعالى إلى ما لا يكاد يليقُ بكبريائه جلَّ وعلا، وكَبُر - وكذا كلُّ ما كان على وزن
فَعُلَ موضوعاً على الضمّ، كظَرُف، أو محوَّلاً إليه من فَعَلَ أو فَعِل - ذهب الأَخفش(١)
والمبرِّد إلى إِلحاقه بباب التعجّب، فالفاعلُ هنا ضميرٌ يرجع إلى قوله
تعالى: ((اتخذ)) إلخ بتأويل المقالة، و((كلمةً)) نصبٌ على التمييز، وكأنَّه قيل: ما أكبرَها
كلمة! وقولُه تعالى: ﴿تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَمِهِمْ﴾ صفةٌ ((كلمة)) تفيد استعظامَ اجترائهم على
النُّطق بها وإخراجِها من أفواههم، فإنَّ كثيراً ممَّا يوسوس به الشيطانُ وتحدِّث به
النفسُ لا يمكن أن يتفوَّهَ به، بل يُصرَف عنه الفكر، فكيف بمثل هذا المنكر؟
وذهب الفارسيُّ وأكثرُ النُّحاة إلى إِلحاقه بباب نِعمَ وبئس، فيَثْبُتُ له جمیعُ
أحكامه، ككون فاعلِه معرَّفاً بأل، أو مضافاً إلى معرَّف بها، أو ضميراً مفسَّراً
بالتمييز. ومن هنا جوِّز أن يكونَ الفاعلُ هنا ضميرَ («كلمة)) وهي أيضاً تمييز،
والجملةُ صفتها، ولا ضيرَ في وصف التمييزِ في باب نِعَم وبئس. وجوَّز أبو حيانَ(٢)
وغيرُه أن تكونَ صفةً لمحذوف هو المخصوصُ بالذمّ، أي: كبرت كلمةً كلمةٌ
خارجةٌ من أفواههم.
وظاهرُ كلام الأَخفش تغايُرُ المذهبَين. وفي ((التسهيل))(٣) أنَّه من باب نِعمَ وبئسَ
وفيه معنى التعجّب، والمرادُ به هنا تعظيمُ الأمرِ في قلوب السامعين. وهذا ظاهرٌ
في أنه لا تغايرَ بينهما، وإليه يميل كلامُ بعضِ الأئمَّة.
وقيل: نُصبت على الحال، ولا يَخفَى حاله. وتسميةُ ذلك كلمةً على حدٍّ تسميةٍ
القصيدة بها .
وقُرئ: (كَبْرَتْ)) بسكون الباء، وهي لغةُ تميم(٤)، وجاء في نحو هذا الفعل ضمُّ
العين، وتسكينُها، ونقلُ حركتها إلى الفاء.
(١) في معاني القرآن ٦١٦/٢.
(٢) في البحر ٦ / ٩٧.
(٣) انظر ص ١٢٨، والكلام من حاشية الشهاب ٦/ ٧٥.
(٤) البحر ٦ / ٩٧.

سُورَةُ الكَهْفِ
١٩٢
الآية : ٦
وقرأ الحسنُ وابن يَعمَر وابنُ محيصنٍ والقوَّاس عن ابن كثير: ((كلمةٌ)) بالرَّفع
على الفاعلية (١). والنصبُ أَبلغُ وأَوكد.
واستدلَّ النّام على أنَّ الكلامَ جسمٌ بهذه الآية؛ لوصفه فيها بالخروج الذي هو
من خواصِ الأَجسام.
وأُجيب: بأنَّ الخارجَ حقيقةً هو الهواءُ الحاملُ له، وإِسنادُه إلى الكلام الذي
هو كيفيةٌ مجازٌ.
وتعقّب بأنَّ النّظَام القائلَ بجسمية الكلام يقول: هو الهواءُ المكيَّف لا الكيفية.
واستدلالُه على ذلك مبنيٌّ على أنَّ الأصلَّ هو الحقيقة. إلَّا أنَّ الخلافَ لفظيٌّ
لا ثمرةَ فيه.
﴿إِن يَقُولُونَ إِلَّ كَذِبًا ﴾﴾ أي: ما يقولون في ذلك الشأنِ إلَّا قولاً كذباً،
لا يكاد يدخل تحت إِمكان الصدقِ أصلاً، والضميرانِ لهم ولآبائهم.
﴿فَلَمَلَّكَ بَخٌِ﴾ أي: قاتلٌ ﴿نَفْسَكَ﴾ وفي معناه ما في ((صحيح البخاريِ))(٢):
مُهلِك. والأوَّل مرويٌّ عن مجاهدٍ والسُّدِّي وابنٍ جبير وابنِ عباس، وأَنشد لابن
الأزرق إذ سأله قولَ لبيدٍ بن ربيعة:
لعلك يوماً إنْ فقدتَ مزارها على بُعده يوماً لنفسك باخعُ(٣)
وفي (البحر)) (٤) عن الليث: بَخَعَ الرجلُ نفسَه بَخْعاً وبُخوعاً: قتلها من شدَّة
الوَجْد، وأَنشد قولَ الفرزدق(٥):
ألا أيُّهذا الباخعُ الوجدُ نفسَه
لشيءٍ نَحَتْه عن يديه المقَادِرُ
(١) القراءات الشاذة ص٧٨، والمحتسب٢٤/٢، والبحر ٩٧/٦. والقواس: هو الإمام
أبو الحسن أحمد بن محمد المكي النّبَّال المقرئ، قرأ عليه قنبل وغيره، توفي سنة (٢٤٠ أو
٢٤٥ هـ). معرفة القراء الكبار١/ ٣٧٠-٣٧١.
(٢) قبل حديث (٤٧٢٤).
(٣) إيضاح الوقف والابتداء لابن الأنباري ٨٩/١، والدر المنثور ٢١١/٤.
(٤) ٦ / ٩٢.
(٥) كذا نقل المصنف عن البحر ٩٢/٦، والصواب أن البيت لذي الرمة، وهو في ديوانه
١٠٣٧/٢.

الآية : ٦
١٩٣
سُوَُّ الكَهْفِ
وهو من: بَخَعَ الأرضَ بالزِّراعة، أي: جعلها ضعيفةً بسبب متابعةِ الزراعة،
كما قال الكِسائي.
وذكر الزمخشريُ(١) أنَّ البخعَ أن يبلغَ الذبحُ البِخَاعِ، بالباء، وهو عِرِقٌ مستبطنُ
القفا، وقد ردّه ابنُ الأثير(٢) وغيرُه بأنّه لم يوجد في كتب اللغةِ والتشريح، لكنَّ
الزمخشريَّ ثقةٌ في هذا البابِ واسعُ الاطّلاع.
وقرئ: ((باخعُ نفسِك)) بالإضافة(٣)، وهي خلافُ الأصلِ في اسم الفاعلِ إذا
استوفى شروط العملِ عند الزمخشريّ، وأشار إليه سيبويه في ((الكتاب)) (٤). وقال
الكِسائي: العملُ والإضافةُ سواء، وزعم أبو حيَّان(٥) أنَّ الإضافةَ أحسنُ من العمل.
﴿عَلَى ءَثَرِهِمْ﴾ أي: مِن بعدِهم. يعني: من بعدِ تولِّيهم عن الإيمان وتباعدِهم
عنه. أخرج ابنُ مردويه عن ابن عباسٍ أنَّ عتبةً بن ربيعةً وشيبةَ بن ربيعة وأبا جهلٍ بنَ
هشام والنضرَ بن الحارث وأميةً بن خلفٍ والعاصيَ بن وائلٍ والأسودَ بن المطلب
وأبا البَخْتريِّ في نفرٍ من قريشٍ اجتمعوا، وكان رسولُ اللهِ وَّه قد كَبُرَ عليه ما يرى
من خلاف قومِه إياه وإِنكارهم ما جاء به من النَّصيحة، فأَحزنه حزناً شديداً،
فأنزل الله تعالى: (فَلَعَلَّكَ بَنَخِعٌ) إلخ (٦). ومنه يُعلَم أنَّ ما ذكرنا أوفقُ بسبب النزولِ
من كون المراد: مِن بعدٍ موتِهم على الكفر.
﴿إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ الجليلِ الشأن، وهو القرآنُ المعبّر عنه في صدر
السورة بالكتاب، ووصفُه بذلك - لو سُلِّمَ دلالتُه على الحدوث - لا يضرُّ الأشاعرةَ
وأضرابَهم القائلين بأنَّ الألفاظَ حادثة.
و ((إنْ)) شرطية، والجملةُ بعدها فعلُ الشرط، والجوابُ محذوفٌ ثقةً بدلالة
ما سبق عليه عندَ الجمهور. وقيل: الجواب: ((فلعلك .. )) إلخ المذكور، وهو مقدَّم
لفظاً مؤخّر معنَى، والفاءُ فيه فاءُ الجواب.
(١) في الفائق (بخع).
(٢) في النهاية (بخع) والكلام من حاشية الشهاب ٦/ ٧٥.
(٣) البحر ٦ / ٩٧.
(٤) انظر ١/ ١٨١ فما بعد، والكلام من البحر ٦/ ٩٧-٩٨.
(٥) في البحر ٩٨/٦.
(٦) الدر المنثور ٢١١/٤.
:

سُورَةُ الكَهْفِ
١٩٤
الآية : ٦
وقُرئ: ((أَنْ لم يؤمنوا))(١) بفتح همزةِ ((أنْ)) على تقدير الجارّ، أي: لأنْ، وهو
متعلَّق بـ ((باخع)) على أنَّه عِلَّ له. وزعم غيرُ واحدٍ أنَّه لا يجوز إعمالُه على هذا؛ إذ
هو اسمُ فاعل، وعملُهُ مشروطٌ بكونه للحالِ أو الاستقبال، ولا يعمل وهو للمُضِيّ،
و ((إن)) الشرطيةُ تقلب الماضي بواسطة ((لم)) إلى الاستقبال، بخلاف أن المصدرية،
فإنَّها تدخلُ على الماضي الباقي على مُضِيِّه، إلَّا إذا حُمِل على حكاية الحالِ
الماضيةِ لاستحضار الصورةِ للغرابة.
وتعقّبه بعضُ الأجِلَّة بأنَّه لا يلزم من مُضيٍّ ما كان عِلَّةٌ لشيءٍ مُضُّه، فكم من
حزنٍ مستقبلٍ على أمرٍ ماض، سواء استمرَّ أو لا، فإذا استمرَّ فهو أَوْلى؛ لأنه أشدُّ
نكاية، فلا حاجةً إلى الحمل على حكايةِ الحال.
ووجَّه ذلك في ((الكشف)) بأنَّه إذا كانت علةُ البخع عدمَ الإِيمان، فإن كانت
العلَّةُ قد تمَّت، فالمعلولُ كذلك، ضرورةَ تحقّق المعلَولِ عند العلَّة التامَّة، وإن
كانت بعد، فكمِثلٍ، ضرورةً أنَّه لا يتحقَّق بدون تمامِها .
وتعقّب بأنَّه غيرُ مسلَّم، لأنَّ هذه ليست علَّةً تامةً حقيقيةً حتى يلزمَ ما ذُكر،
وإنَّما هي منشأً وباعث، فلا يضرُّ تقدُّمها.
وقيل: إنَّه تفوت المبالغةُ حينئذٍ فِي وَجْدَه بَِّ على تولِّيهم؛ لعدم كونِ البخع
عقبَه، بل بعدَه بمدَّة، بخلاف ما إذا كان للحكاية.
وتعقِّب أيضاً بأنه لا وجهَ له، بل المبالغةُ في هذا أَقوى؛ لأنَّه إذا صدر منه
لأمرٍ مضى، فكيف لو استمرَّ أو تجدَّد؟ ولعل في الآية ما يترجَّح له البقاءُ على
الاستقبال، فتدبّر.
وانتصابُ قولِه تعالى: ﴿أَسَفًا ﴾﴾ بـ ((باخع)) على أنَّه مفعولٌ من أجله. وجوِّز
أن يكونَ حالاً من الضمير فيه بتأويلٍ متأسِّفاً؛ لأنَّ الأصلَ في الحال الاشتقاق،
وأن ينتصبَ على أنَّه مصدرُ فعلٍ مقدَّر، أي: تأسفُ أسفاً.
والأسف على ما نُقل عن الزجَّاج(٢): المبالغةُ في الحزن والغضب. وقال
(١) القراءات الشاذة ص٧٨.
(٢) معاني القرآن ٢٦٩/٣.

الآية : ٦
١٩٥
سُوَدَّةُ الكَهْفِ
الراغب: الأَسف: الحزنُ والغضبُ معاً، وقد يقال لكلٍّ منهما على الانفراد،
وحقيقتُه ثَوَرانُ دم القلب شهوةَ الانتقام، فمتى كان على مَن دونه انتشر فصار
غضباً، ومتى كان على ما فوقه انقبض فصار حزناً، ولذلك سئل ابنُ عباسٍ مِّ عن
الحزن والغضبٍ فقال: مَخرجُهما واحدٌ واللفظُ مختلف، فمَن نازع مَن يقوَى عليه،
أَظهره غيظاً وغضباً، ومَن نازع مَن لا يقوَى عليه، أَظهره حزناً وجَزَعاً. وبهذا النظرِ
قال الشاعر:
فحزنُ كلِّ أخي حزنٍ أخو الغضبٍ(١)
وإلى كون الأسفِ أعمَّ من الحزن والغضب، وكونِ الحزنِ على مَن لا يملك
ولا هو تحت يدِ الآسف، والغضبٍ على مَن هو في قبضته وملكه ذهب منذرُ بن
سعيد(٢)، وفسَّر الأسفَ هنا بالحزن، بخلافه في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا
أُنْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥].
وإذا استُعمل الأسفُ مع الغضب، يراد به الحزنُ، على ما قيل في قولِه تعالى:
﴿وَلَنَّا رَجَعَ مُوسَىَ إِلَى قَوْمِهِ، غَضَْنَ أَسِفًا﴾ [الأعراف: ١٥٠] وجُعل كلٌّ منهما فيه بالنّسبة
إلى بعضٍ من القوم.
وعن قتادةَ تفسيرُ الأسفِ هنا بالغضب، وفي روايةٍ أخرى بالحزن. وفي ((صحيح
البخاريِّ))(٣) تفسيرُه بالندم. وعن مجاهدٍ تفسيرُه بالجَزَعِ. وأهلُ الحزنِ أكثر.
و(لعل)) للترجِّي، وهو الطمعُ في الوقوع أو الإِشفاقُ منه، وهي هنا استعارة،
أي: وصلتَ إلى حالةٍ يَتوقَّع منك الناسُ ذلك؛ لمَا يشاهَد من تأسُّفك على عدم
إیمانهم.
.......... وقال العسكريّ: هي هنا موضوعةٌ موضعَ النهي، كأنَّه قيل: لا تبخعْ نفسَك.
وقيل: موضعَ الاستفهام. وجعله ابنُ عطيةً(٤) إنكاريًّا على معنى: لا تكن كذلك.
(١) مفردات القرآن (أسف) وصدر البيت: جزاك ربُّك بالأحزان مغفرةً. وهو للمتنبي في ديوانه
٢٢٣/١.
(٢) في الأصل و(م): سعد، وهو تصحيف، والمثبت من البحر المحيط ٩٨/٦.
(٣) بعد حديث (٤٧٢٣).
(٤) في المحرر الوجيز ٤٩٦/٣ ونقل المصنف كلامه وكلام العسكري من البحر ٦/ ٩٧.

سُورَةُ الكَهْفِ
١٩٦
الآية : ٧
والقولُ بمجيءٍ (لعل)) للاستفهام قولٌ كوفيّ، والذي يظهر أنَّها هنا للإشفاق
الذي يُقصد به التسلِّ والحثُّ على ترك التحزُّن والتأسُّف، ويمكن أن يكونَ مرادٌ
العسكريِّ ذلك.
وفي الآية عند غيرٍ واحدٍ استعارةٌ تمثيلية، وذلك أنَّه مثِّل حالُهُ وَّهِ في شدَّة
الوجدِ على إِعراض القومِ وتولِّيهم عن الإِيمان بالقرآن وكمالِ الحزنِ عليهم بحال
مَن يُتوقَّع منه إهلاكُ نفسِه إثرَ فوتٍ ما يحبُّه عند مفارقةٍ أحبَّته، تأسُّفاً على مفارقتهم،
وتلقُّفاً على مهاجرتهم، ثم قيل ما قيل، وهو أَوْلى من اعتبار الاستعارةِ المفردةِ
التبعيَّة في الأطراف.
وجوِّز أن تكونَ من باب التشبيه؛ لذكر طرفيه، وهما النبيُّ وَّهِ وباخع، بأن
يشبَّهَ عليه الصلاة والسلام لشدَّة حرصِه على الأمر بمن يريد قتلَ نفسِه لفواتٍ أمر.
وهو كما ترى.
﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ﴾ الظاهرُ عمومُ ((ما)) جميعَ ما لا يعقل، أي: سواءٌ
كان حَيَواناً أو نباتاً أو معدناً، أي: جعلنا جميعَ ما عليها من غيرِ ذوي العقول
﴿زِينَةُ لَّا﴾ تتزيَّن به وتتحلَّى، وهو شاملٌ لزينة أهلِها أيضاً، وزينةُ كلِّ شيءٍ
بحسَبه(١).
وقيل: لا يدخل في ذلك ما فيه إيذاءٌ من حَيّوان ونبات، ومَن قال بالعموم
قال: لا شيءَ مما على الأرض إلَّا وفيه جهةُ انتفاع، ولا أقلَّ من الاستدلالِ به
على الصانع ووحدته.
وخصَّ بعضُهم ((ما)) بالأشجار والأَنهار، وآخَرُ بالنبات؛ لما فيه من الأزهار
المختلفةِ الألوانِ والمنافع، وآخَرُ بالحيوان المختلفِ الأشكالِ والمنافع والأفعال،
وآخَرُ بالذهب، والفضَّة، والرَّصاص، والنُّحاس، والياقوت، والزَّبرجد، واللؤلؤ،
والمرجان، والألماس، وما يَجري مَجرَى ذلك من نفائس الأحجار. وقالت فِرقة:
أُريد بها الخُضرة، والمياه، والنّعم، والملابسُ، والثمار. ولعَمري إنه تخصيصٌ
لا يقبله الخواصُّ على العموم.
(١) بعدها في (م): بالحقيقة وإنما هو زينة لأهلها.

الآية : ٧
١٩٧
سُوَدَّةُ الكَهْفِ
وقيل: إنَّ ((ما)) هنا لمَن يعقل، والمرادُ بذلك - على ما أخرج ابنُ أبي حاتمٍ عن
ابن جُبَير والحسنِ وجاءَ في روايةٍ عن ابن عباس - الرِّجال، وعلى ما أخرج أبو نصرٍ
السِّجْزيُّ(١) في ((الإبانة)) عن ابن عباس: العلماءُ، وعلى ما روى عِكرمة: الخلفاءُ
والعلماءُ والأمراء.
وأنت تعلم أنَّ جَعْلَ ((ما)) لمن يعقل مع إِرادة ما ذُكر بعيدٌ جدًّا، ولعل أولئك
الأَجِلَّة أرادوا مِن ((ما)) العقلاءَ وغيرهم، تغليباً للأكثر على غيره، و((ما على الأَرض))
بهذا المعنى ليس إلَّا بعضَ العناصرِ الأربعةِ والمواليدِ الثلاثة، وأشرفُ ذلك المواليدُ،
وأشرفُها نوعُ الإنسان، وهو متفاوتُ الشَّرفِ بحسَب الأصناف، فيمكن أن يكونَ
ما ذكروه من باب الاقتصارِ على بعض أصنافِ هذا الأَشرف؛ لداعٍ لذلك(٢).
وقد يقال: المرادُ بـ ((ما)) عمومُ ما لا يعقلِ ومَن يعقل، فيدخل مَن توجَّه إليه
التكليفُ وغيرُه، ولا ضيرَ في ذلك؛ فإنَّ للمكلَّف جهتين: جهةً يدخل بها تحتَ
الزينة، وجهةً يدخل بها تحت الابتلاءِ المشار إليه بقوله تعالى: ﴿لِنَبْلُوَهُمْ﴾ وقد
نصَّ سبحانه على بعض المكلَّفين بأنَّهم زينةٌ في قوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِيِنَّةُ
اُلْحَيَوَةِ الدُّنْيَّ﴾ [الكهف: ٤٦] ومن هنا يُعلَم ما في قول القاضي(٣): الأَوْلى ألَّا يدخلَ
المكلَّف؛ لأنَّ ما على الأرض ليس زينةً لها بالحقيقة، وإنَّما هو زينةٌ لأهلها لغرض
الابتلاءِ، فالذي له الزينةُ يكون خارجاً عن الزِّينة.
ونصبُ ((زينة)) على أنه مفعولٌ ثانٍ للجعل إنْ حُمِل على معنى التصيير، أو على
أنَّه حال أو مفعولٌ له - كما قال أبو البقاءِ وأبو حيَّان(٤) - إنْ حُمِل على معنى
الإِبداع، واللامُ الأولى إمَّا متعلِّقة به، أو متعلِّقةٌ بمحذوفٍ وقع صفةً له، أي: زينةً
كائنةً لها، واللامُ الثانيةُ متعلِّقة بـ ((جعلنا))، والكلامُ على هذا وجَعْلِ ((زينةً)) مفعولاً
(١) هو عبيد الله بن سعيد الوائلي البكري السِّجستاني، شيخ الحرم. وهو راوي الحديث
المسلسل بالأولية، توفي سنة (٤٤٤هـ). السير ١٧ /٦٥٤ وهذه الأخبار منقولة من الدر
المنثور ٤ /٢١١.
(٢) بعدها في (م): أصناف.
(٣) هو القاضي عبد الجبار، وكلامه في تفسير الرازي ٢١/ ٨٠، وغرائب القرآن للنيسابوري
١٠٣/١٥، وعنه نقل المصنف.
(٤) الإملاء ٥٠٥/٣، والبحر ٩٨/٦.

سُورَةُ الكَهْفِ
١٩٨
الآية : ٧
له نحوُ: قمتُ إِجلالاً لك لتقابلَني بمثل ذلك، وضميرُ الجمع عائدٌ على سَّان
الأرضِ من المكلّفين المفهوم من السِّياق. وجوِّز أن يعودَ على ((ما)) على تقديرٍ أن
تكونَ للعقلاء.
والابتلاءُ في الأصل الاختبار، وجوَّز ذلك على اللهِ سبحانه هشامُ بن
الحكم (١)، بناءً على جهله وزعمِه أنَّه عزَّ وجلَّ لا يعلم الحوادثَ إلَّا بعد وجودِها؛
لئلا يلزمَ نفيُ قدرته تعالى على الفعلِ أو الترك.
وردَّه أهلُ السنَّة في محلِّه وقالوا: إنَّه تعالى يعلم الكلِّياتِ والجزئياتِ في
الأزل، وأوَّلوا هذه الآيةَ أنَّ المراد: لنعاملَهم معاملةَ مَن يختبرهم ﴿أَيُّهُمْ أَحْسَنُ
عَمَلًا ﴾﴾ فنجازي كلًّا بما يليق به وتقتضيه الحكمة.
وحسنُ العملِ: الزهدُ في زينة الدنيا وعدمُ الاغترارِ بها، وصرفُها على
ما ينبغي، والتأمُّل في شأنها، وجعلُها ذريعةً إلى معرفة خالقِها، والتمتُّع بها
حَسْبما أَذِنَ الشرع، وأداءُ حقوقها، والشكرُ على ما أُوتِي منها، لا اتِّخاذُها وسيلةً
إلى الشهوات والأغراضِ الفاسدةِ كما تفعله الكفرةُ وأصحابُ الأهواء.
ومراتب الحَسَن متفاوتة، وكلَّما قوي الزُّهد مثلاً كان أحسن. وسأل ابنُ
عمرَ ﴿ّ النبيَّ ◌َِّ عن الأحسن عملاً - كما أخرج ذلك ابنُ جَریرٍ وابنُ أبي حاتمٍ
والحاكمُ في ((التاريخ)) - فقال عليه الصلاة والسلام: ((أحسنُكم عقلاً، وأَورِعُ عنّ
محارم اللهِ تعالى، وأسرعُكم في طاعته سبحانَه))(٢).
وأخرج ابنُ أبي حاتم عن الحسن أنَّه قال: أحسنُهم عملاً: أشدُّهم للدنيا تركاً .
وأخرج نحوَه عن سفيان الثوريّ(٣).
وذكر بعضُهم أنَّ الأحسنَ مَن زهد وقنع من الدُّنيا بزاد المسافر، ووراءَه حَسَنٌ،
وهو مَن استكثر من حلالها وصَرَفه في وجوهه، وقبيح: مَن احتطب حلالَها
(١) المتكلم الكوفي الرافضي المشبّه، له نظر وجدل، وتواليف كثيرة. السير ٥٤٣/١٠ .
(٢) تفسير الطبري ٣٣٥/١٢، وابن أبي حاتم ٢٠٠٦/٦ (١٠٧٠٥)، وفي إسناده: داود بن
المحبّر، قال ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص ٨٦: داود ساقط.
(٣) الخبران في الدر المنثور ٢١١/٤، وعنه نقل المصنف.

الآية : ٨
١٩٩
سُورَّةُ الكَهْفِ
وحرامَها وأنفقه في شهواته. وكلامُ النبيِّ وَّ في بيان الأَحسنِ أحسن ﴿وَمَآ ءَانَّكُمُ
الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧].
وإيرادُ صيغةِ التفضيلِ مع أنَّ الابتلاءَ شاملٌ للفريقين باعتبار أعمالِهِم المنقسمةِ
إلى الحسن والقبيح أيضاً، لا إلى الحسن والأحسنِ فقط؛ للإشعار بأنَّ الغايةَ
الأصليةَ للجعل المذكور إنَّما هو ظهورُ كمالٍ إحسان المحسنين.
و((أيُ) إمَّا استفهامية، فهي مرفوعةٌ بالابتداء و((أحسنُ)) خبرُها، والجملةُ في
محلِّ نصبٍ بفعل الابتلاء؛ ولِما فيه من معنى العلم باعتبار عاقبتهِ، كالسؤال والنظرِ
ومكانِ الاستفهام، علِّق عن العمل. وإمَّا موصولَةٌ بمعنى الذي، فهي مبنيةٌ على
الضمِّ محلّها النصبُ على أنها بدلٌ من ضمير النصبِ في ((نبلوهم)) و((أحسن)) خبرُ
مبتدأ محذوف، والجملة صلةٌ لها، والتقدير: لنبلوَ الذي هو أحسنُ عملاً.
ويُفهَم من ((البحر)) أنَّ مذهبَ سيبويه في ((أيُّ)) إذا أُضيفت وحذف صدرُ صلتِها
كما هنا، جوازُ البناءِ لا وجوبُه، وتحقيقُ الكلام في مذهبه لا يخلو عن إِشكال، وأفعلُ
التفضيلٍ باقٍ .- على الصَّحيح - على حقيقته كما أشرنا إليه، والمفضَّل عليه محذوف،
والتقدير كما قال أبو حيَّان(١): لنبلوَهم أيُّهم أحسنُ عملاً ممَّن ليس أحسنَ عملاً.
وَإِنَّا لَجَعِلُونَ﴾ فيما سيأتي عند تناهي عُمرِ الدنيا ﴿مَا عَلَيْهَا﴾ ممَّا جعلناه زينة.
والإظهارُ في مقام الإِضمار لزيادة التقرير، وجوَّز غيرُ واحدٍ أن يكونَ هذا أعمَّ
مما جعل زينة؛ ولذا لم يؤتَ بالضمير.
والجعلُ هنا بمعنى التصيير، أي: مصيِّرون ذلك ﴿صَعِيدًا﴾ أي: تراباً ﴿جُزًا
أي: لا نباتَ فيه. قاله قتادة.
﴾
٨
وقال الراغب(٢): الصعيدُ وجهُ الأرض. وقال أبو عبيدة(٣): هو المستوي من
الأرض. ورُوي ذلك عن السدِّي. وقال الزجَّاج(٤): هو الطريقُ الذي لا نباتَ فيه.
(١) ٦ / ٩٨.
(٢) في المفردات (صعد).
(٣) في مجاز القرآن ٣٩٣/١.
(٤) في معاني القرآن ٢٦٩/٣.

سُوَّةُ الكَهْفِ
٢٠٠
الآية : ٨
وأخرج ابنُ أبي حاتم (١) أنَّ الجُرُز الخراب. والظاهرُ أنَّه ليس معنًى حقيقيًّا،
والمعنى الحقيقيّ ما ذكرناه، وقد ذكره غيرُ واحدٍ من أئمَّة اللغة. وفي ((البحر))(٢):
يقال: جَرَزَتِ الأرضُ فهي مجروزة: إذا ذهب نباتُها بقحطٍ أو جراد، وأرَضون
أَجراز: لا نباتَ فيها، ويقال: سَنَة جُرُز وسِنونَ أَجراز: لا مطرَ فيها، وُجُرُز
الأرض: الجرادُ والشاءُ والإِبلُ إذا أكلت ما عليها، ورجلٌ جَروز: أَكول، أو سریعُ
الأكل، وكذا الأنثى، قال الشاعر:
إنَّ العجوزَ خَبَّةً جَروزا
تأكل كلَّ ليلةٍ قفيزا(٣)
وفي ((القاموس))(٤): أرض جُرُز وجُرْز وجَرْز وَجَرَز(٥): لا تُنبت، أو أُكل
نباتُها، أو لم يُصِبها مطر. وفي المثل: لا ترضَى شانئةٌ إلَّا بجَرْزة، أي:
بالاستئصال.
والمراد: تصييرُ ما على الأرض تراباً ساذجاً بعد ما كان يَتعجّب مِن بهجته
النُّغَّار، وتستلذُّ بمشاهدته الأَبصار. وظاهرُ الآيةِ تصييرُ ما عليها بجميع أَجزائه
كذلك، وذلك إنَّما يكون بقلب سائرٍ عناصرِ المواليد إلى عنصر التُّراب،
ولا استحالةً فيه؛ لوقوع انقلابٍ بعض العناصرِ إلى بعضٍ اليومَ.
وقد يقال: إنَّ هذا جارٍ على العرف؛ فإنَّ الناسَ يقولون: صار فلانٌ تراباً: إذا
اضمحلَّه جسدُه ولم يبقَ منه أثرٌ إلَّا التراب. وحديثُ انقلابِ العناصر ممَّا لا يكاد
يخطرُ لهم ببال، وكذا زَعْمُ محقِّقي الفلاسفةِ بقاءَ صورِ العناصرِ في المواليد،
ويوشك أن يكونَ تركُّب المواليدِ من العناصر أيضاً كذلك، وهذا الحديثُ لا تكاد
تسمعُه عن السَّلف الصالح، والله تعالى أعلم.
(١) عن سعيد بن جبير كما في الدر المنثور ٢١١/٤.
(٢) ٦ / ٩٢.
(٣) الرجز في كتاب العين ٦/ ٦٤، والنوادر لأبي زيد ص ١٧٢، والبحر٩٢/٦، والدر المصون
٤/ ٤٩٠ و٤٤٥/٧، واللباب ٤٢٩/١٢ دون نسبة.
(٤) مادة (جرز).
(٥) جاء في هامش الأصل: الأول على وزن كتب جمع كتاب، والثاني كقفل، والثالث كسهم،
والرابع کسبب. اهـ منه.