النص المفهرس
صفحات 161-180
الآية : ١٠٨ - ١٠٩ ١٦١ سُورَةُ الإِسْرَاةِ ما تجازَون به، ثم ضرب لهم المثلَ على جهة التقريع بمن تقدَّم من أهل الكتاب، أي: إنَّ الناسَ لم يكونوا كما أنتم في الكفر، بل كانَ الذين أوتوا التوراةَ والإنجيلَ والزَّبور والكتبَ المنزَّلة إذا يُتلَى عليهم ما أُنزل عليهم خشعوا وآمنوا. اهـ. وهو بعيدٌ جدًّا، ولا يخلو عن ارتكاب مجاز، وربَّما يكون في الكلام عليه استخدام. ﴿وَيَقُولُونَ﴾ أي: في سجودهم، أو مطلقاً: ﴿سُبْحَنَ رَيْنَا﴾ عن خُلف وعدِه، أو عمَّا يفعل الكفرةُ من التكذيب ﴿إِن كَانَ وَعْدُ رَيْنَا لَمَفْعُولًا (®)﴾ إنْ مخفَّفة من المثقّلة، واسمُها ضميرُ شأن، واللامُ فارقة، أي: إنَّ الشأنَّ هذا. ﴿وَيَخِزُونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ كرَّر الخرورَ للأَذقان لاختلاف السبب، فإنَّ الأوَّل لتعظيم أمرِ الله تعالى، أو الشكرِ لإنجاز الوعد، والثاني لما أَثَّر فيهم من مواعظ القرآن. والجارُّ والمجرورُ إما متعلِّق بما عنده، أو بمحذوفٍ وقع حالاً مما قبلُ أو مما بعد، أي: ساجدين. وجملةُ ((يبكون)) حالٌ أيضاً، أي: باكين من خشية اللهِ تعالى. ولمَّا كان البكاءُ ناشئاً من الخشية الناشئةِ من التفكّر الذي يتجدَّد، جيءَ بالجملة الفعليةِ المفيدةِ لِلتجدُّد. وقد جاءَ في مدح البكاءِ من خشيته تعالى أَخبارٌ كثيرة، فقد أَخرج الحكيمُ الترمذيُّ عن النَّضر بن سعيد قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((لو أنَّ عبداً بكى في أُمَّة، لأَنجَى اللهُ تعالى تلك الأمةَ من النار ببكاءِ ذلك العبد، وما من عمل إلَّا له وزنٌ وثواب، إلَّا الدمعة، فإنَّها تطفئُ بحوراً من النار، وما اغرورقت عينٌ بمائها من خشية اللهِ تعالى إلَّا حرَّم اللهُ تعالى جسدَها على النار، فإنْ فاضت على خدِّه، لم يَرَهَق وجهَه قَتَرٌ ولا ذِلَّةً))(١). وأَخرج أيضاً (٢) عن ابن عباسٍ قال: سمعتُ رسولَ اللهِنَّه يقول: ((عينان لا تمسُّهما النار: عينٌ بكت من خشية اللهِ تعالى، وعينٌ باتت تحرس في سبيل اللهِ تعالی)). (١) نوادر الأصول ص ١٩٥، والنضر بن سعيد ضعفه ابن قانع، كما أن الحديث معضل، ينظر اللسان ٦/ ١٦٠ وتحرف سعيد في الأصل و(م) إلى: سعد. (٢) هذا وهم من المصنف رحمه الله تعالى، وإنما أخرجه الترمذي صاحب الجامع (١٦٣٩). سُؤَةُ الإِسْرَامة ١٦٢ الآية : ١١٠ وأخرج هو والنَّسائي ومسلمٌ عن أبي هريرةَ قال: قال رسولُ اللهِ وَلاير: ((لا يلج النارَ رجلٌ بكى من خشية اللهِ تعالى حتى يعودَ اللبنُ في الضَّرع، ولا اجتمع على عبدٍ غبارٌ في سبيل اللهِ تعالى ودخانُ جهَّم))(١) زاد النسائيُّ: ((في مَنخِرِيه)) ومسلم : ((أبداً))(٢) . وينبغي أن يكونَ ذلك حالَ العلماء؛ فقد أخرج ابنُ جَريرٍ وابنُ المنذرِ وغيرُهما عن عبد الأعلى التيميِّ أنَّه قال: إنَّ مَن أُوتي من العلم ما لا يُبكيه لَخليقٌ أن قد أُوتي من العلم ما لا ينفعه؛ لأنَّ اللهَ تعالى نعت أهلَ العلم فقال: (وَخِزُونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ)(٣). ﴿وَيَزِيدُهُمْ﴾ أي: القرآنُ بسماعهم ﴿خُشُوعًا (٣) لِمَا يزيدهم علماً ويقيناً بأمر اللهِ تعالى على ما حصل عندهم من الأدلّة. ﴿قُلِ أَدْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَّ﴾ أَخرج ابن جَرِيرٍ وابنُ مردويه عن ابن عباسٍ قال: صلَّى بَّهِ بمكةً ذاتَ يوم، فدعا اللهَ تعالى فقال في دعائه: ((يا الله، يا رحمن)) فقال المشركون: انظروا إلى هذا الصابئ، ينهانا أن ندعوَ إلهين وهو يدعو إلهين، فنزلت(٤). وعن الضحَّاك أنَّه قال: قال أهلُ الكتابِ للرَّسول وَّهِ: إنك لَتُقِلُّ ذِكرَ الرحمن، وقد أَكثر الله تعالى في التوراةِ هذا الاسم، فنزلت. والمرادُ على الأوَّل التسويةُ بين اللفظين بأنَّهما عبارتان عن ذاتٍ واحدٍ وإن اختلف الاعتبار، والتوحيدُ إنَّما هو للذات الذي هو المعبود، وهو يلائم قولَه تعالى فيما بعد: (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لَمْ يَخِذْ وَلَا وَ يَكُن لَّهُ, شَرِيٌ فِى الْمُلْكِ). وعلى الثاني التسويةُ في حُسن الإِطلاق والإِفضاءِ إلى المقصود، فإنَّ أهل (١) جامع الترمذي (١٦٣٣)، (٢٣١١)، وسنن النسائي ١٢/٦، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وليس في صحيح مسلم. وانظر التعليق التالي. (٢) كذا في الأصل و(م). وهو وهم من المصنف رحمه الله، والصواب: زاد النسائيُّ: ((في منخري مسلم أبداً)) كما في مشكاة المصابيح (٣٨٢٨). (٣) الدر المنثور ٢٠٦/٤، وهو في تفسير الطبري ١٢٢/١٥-١٢٣. (٤) الدر المنثور ٢٠٦/٤، وهو في تفسير الطبري ١٢٣/١٥. الآية : ١١٠ ١٦٣ سُورَةُ الإِسْرَاءِ الكتابِ فهموا أحسنيةَ الرحمنِ لكونه أحبَّ إليه تعالى؛ إذ أَكْثَرَ ذِكرَه في كتابهم، وكأنَّ حكمةَ ذلك أنَّ موسى عليه السلام كان غَضوباً كما دلَّت عليه الآثار، فأكثر له من ذِكر الرحمنِ ليعاملَ أمَّتَه بمزيد الرَّحمة؛ لأنَّ الأنبياء عليهم السلام يتخلَّقون بأخلاق الله تعالی. قال القاضي البيضاوي: وهذا أَجوبُ(١)؛ لقوله تبارك اسمُه: ﴿أَيََّ مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ اُلْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ لأنَّ توصيفَ الأسماءِ بالحسنى يُفْهَم منه أنَّ المقولَ لهم ذلك يظنُّون أحسنيةَ اسمٍ من اسمٍ لا التغايرَ. وقال صاحبُ (الكشف)): الغرضُ على الوجهين التسويةُ بين اللفظين في الحُسن، والاختلافُ إنَّما هو بأن الاستواءَ في الحسن ردٌّ لمن قال: إنك لَتُقِلّ .. إلخ، بأنَّ الإتيانَ بأحد الحسنينِ كاف، أو لمن قال: ينهانا أن ندعوَ إلهينٍ وهو يدعو، بأنَّ الاختلاف بين اللفظين الدالَّين على كماله تعالى لا بين كاملَين، فالأ جوبيةُ ممنوعة. انتھی. وتعقّب بأنَّ أنسبية التوصيفِ بالحسنى للثاني ظاهرةٌ ممَّا لا تكاد تُنكَر. ووجَّه الطيبيُّ الأجوبيةَ بأن اعتراضَ اليهودِ كان تعبيراً للمسلمين على ترجيح أحدِ الاسمين على الآخَر، واعتراضَ المشركين كان تعييراً على الجمع بين اللَّفظين، وقوله تعالى: (أَيَّا مَّا تَدْعُوا) يطابق الردّ على اليهود؛ لأنَّ المعنى: أيَّ اسم من الاسمين دعوتموه فهو حسن، وهو لا ينطبقُ على اعتراضٍٍ المشركين. ثم قال: هذا مسلّم إذا كان (أو)) للتخيير، ويجوز أن تكونَ للإِباحة، والانطباقُ حينئذٍ ظاهر؛ فإنَّ المشركين حظروا الجمعَ بين الاسمين، فيكون ردُّهم بإِباحة الجمعِ بين الأسماءِ المتكاثرة فضلاً عن الجمع بين الاسمين، على أنَّ الجوابَ بالتخيير في الردِّ على أهل الكتابِ غيرُ مطابق؛ لَأنَّهم اعترضوا بالترجيح. وأُجيب بالتسوية؛ لأنَّ ((أو)) تقتضيها. وكان الجوابُ العتيدُ أن يقال: إنَّما رجَّحنا ((الله)) على (١) في المطبوع من تفسير البيضاوي: أجود. قال الخفاجي في حاشيته ٦٩/٦: أي: أكثر جودة، وفي نسخة أخرى أي: أنسب. وفي النسخ الصحيحة: أجوب. من الجواب بالجيم والباء الموحدة، أي: أشد إجابة، والمعنى: أليق بالجواب لما قالوا. سُورَةُ الإِسْرَاةِ ١٦٤ الآية : ١١٠ ((الرحمن)) في الذِّكر؛ لأنه جامعٌ لجميع صفاتِ الكمال، بخلاف الرحمن. وسيأتي قريباً إن شاءَ اللهُ تعالى تتمَّةُ الكلام فيما يتعلَّق بهذا. ومنع الأَجْوَبية أيضاً الجلبيُّ بأنَّ تقديمَ الخبرِ في قوله تعالى: (فَلَهُ الْأَسْمَاءُ اُْْنِى) يقتضي أجوَبية الأوَّل؛ إذ معناه: هذه الأسماءُ لله تعالى لا لغيرِه كما زعم المشركون، إلّا أن يقال: ((أو)) للتخيير، وهو غيرُ مسلَّم، بل يتعيَّن كونُها للإِباحة؛ لأنها - كما قال الرضيُّ وغيرُه - يجوز الجمعُ فيها بين المتعاطفين والاقتصارُ على أحدهما، وفي التخييرِ لا يجوز الجمع، وهو هنا جائز. ودفع بأن المعنى: لله تعالى أسماءٌ مثَّفقة في الحُسن؛ لأنَّها لا تختلف مدلولاتُها بالذات، بخلاف غيرِه سبحانه، فإنَّ أسماءه تختلف، فالقصرُ إذا كان بأن لم يكن التقديمُ لمجرَّد التشويقِ ناظرٌ إلى الوصف لا للأسماء، وهذا لا يتوقّف على تسليم التخيير، ثم إنَّه لا مانعَ من إِرادته، بل ((أيُّ) تقتضيه؛ لأنَّها لأحد الشيئين، فإذا قلتَ لأحد: أيَّ الأمرَين تفعل فافعل، لم تأمره بفعلهما، بل بفعل أحدِهما، وأما الدَّلالةُ على جواز الجمعِ فمن خارج النظمٍ ودلالةِ العقل؛ لأنَّهما إذا لم يتنافيا جاز الجمعُ بينهما، ومن هنا تعلم أنَّه لا حاجةً إلى حمل التخييرِ في كلام مَن عَبَّر به على غير الاصطلاحِ المشهورِ الذي هو اصطلاحُ النُّحاةِ فيه إذا قوبل بالإِباحة بأن يقال: مرادُه به التسويةُ بين الاسمين في الدَّلالة على ذاتٍ واحدةٍ، وسواءٌ فيه الإفرادُ والجمع. قال في ((التلويح)): وفي التخيير قد يجوز الجمعُ بحكم الإِباحة الأَصلية، وهذا يسمَّى التخييرَ على سبيل الإِباحة. اهـ. والظاهرُ أنَّ الحقَّ مع مانعِ الأَجوبية والقائلِ بالإِباحة، فتدبّر. والدُّعاء - على ما اختاره أبو حيَّان(١) وجماعة - بمعنى النِّداء، وقال الزمخشريّ: هو بمعنى التسميةِ لا بمعنى النِّداء، وهو يتعدَّى إلى مفعولين، تقول: دعوتُه زيداً، ثم يُتْرَك أحدُهما استغناءً عنه، فتقول: دعوت زيداً (٢). والأصلُ ـ على ما قيل - أن يتعدَّى إلى الثاني بالباء، لكنه يتَسع فيحذف الباء، والمفعولُ الآخَر هنا (١) في البحر ٦/ ٩٠. (٢) الكشاف ٢/ ٤٧٠ . الآية : ١١٠ ١٦٥ سُؤَةُ الإسْراء محذوف، أي: سمُّوه بهذا الاسم أو بهذا الاسم، وكذا يقال في الدُّعاء الثاني، وعلِّل ذلك بأنَّه لو حُمِل على الحقيقةِ المشهورة، يلزم إمَّا الاشتراكُ إنْ تغاير مدلولا الاسمين، أو عطفُ الشيءٍ على نفسه بـ ((أو)) وهو إنَّما يجوز بالواو إن اتَّحدا. وبُحِث فيه بأنَّا نختار الثاني، ولا يلزم ما ذُكر؛ لأنَّه قصدُ اللفظ، كما تقول: نادي النبيَّ وَّر بمحمد، أو بأحمدَ، مع أنَّ اختلاف مفهومَيهما يكفي لصحّته. وما رُوي في سبب النزولِ أوَّلاً ينادي - على ما قيل - على إِرادة النِّداء. وقيل: إنْ كانت الآيةُ ردّاً على المشركين، فهو بمعنى التسمية، وإنْ كانت ردّاً على اليهود، فهو بمعنى النِّداء. وجعل الطّيبي لذلك تفسيرَ الزمخشريِّ إياه بالتسمية مؤذِناً بميله إلى أنها ردٌّ على المشركين، وفي ذلك تأمُّل. و ((أيًّا)) اسمُ شرطٍ جازٌ منصوبٌ بـ ((تدعوا)) وجازٌ له، فهو عاملٌ ومعمولٌ من جهتين، والتنوينُ عوضٌ عن المضاف إليه المحذوف، والتقدير: أيَّ هذين الاسمَين، و((ما)) حرفٌ مزيدٌ للتأكيد. وقيل: إنها اسمُ شرطٍ مؤكّدٌ به. وقرأ طلحةُ بن مصرِّف: ((مَن))(١) بدلَ ((ما))، وخرِّج على زيادتها على مذهب الكِسائي، أو جعلِها أداةَ شرط. والجمعُ بين أداتي الشرطِ كالجمع بين حرفَي الجرِّ في قوله : فأصبحنَ لا يسألْنني عن بما به (٢) شاذّ. وجملةُ ((فله الأسماء الحسنى)» واقعةٌ موقعَ جواب الشرط، وهي في الحقيقة تعليلٌ له، وكأن أصلَ الكلام: أيًّا ما تدعوه به فهو حَسَن؛ لأنَّ له سبحانه الأسماءَ الحسنى اللَّاتي منها هذان. وفي العدول عن حقِّ الجوابِ إقامةُ الشيءٍ بدليله، وفيه (١) البحر ٦/ ٩٠. (٢) البحر ٦/ ٩٠ دون نسبة، وعجزه - كما في الخزانة ٩/ ٥٢٧ -: أَصغَّدَ في عُلْو الهوى أم تصوَّبا. وقال: هذا البيت لم أقف على قائله ولا تتمته، والله أعلم. اهـ. وقال العيني في شرح الشواهد الكبرى ١٠٣/٤ (على هامش الخزانة): قاله الأسود بن يعفر من قصيدة أولها .. ثم ذكر أبياتاً. سورة الإسراءِ ١٦٦ الآية : ١١٠ مبالغةٌ لا تخفَى. وهذا التقديرُ ظاهرٌ على القول الثاني في سبب النزول، ويقدَّر على القول الأوَّل فيه: فمدلولُه واحدٌ، ونحوُه، ولا حاجة إلى ذلك، بل يقدَّر على القولَين: فهو حسن، على ما سمعتَ عن صاحب ((الكشف)). وقال الطَّيبي - وقد حَمَلَ ((أو)) على الإباحة وجعل الخطابَ للمشركين -: التقدير: قل سمُّوا ذاتَه المقدَّسة بالله وبالرحمن، فهما سِيَّان في استصواب التسميةِ بهما، فبأيِّهما سمَّيتَه فأنت مصيب، وإن سمَّيتَه بهما جميعاً فأنت أَصوب؛ لأنَّ له الأسماء الحسنى، وقد أَمرَنا سبحانه بأن ندعوَه بها في قوله تعالى: ﴿وَلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْمُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] فجوابُ الشرطِ الأوَّل قولُنا: فأنت مصيب، ودلَّ على الشرط الثاني وجوابِه قولُه تعالى: (فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) والآيةُ على هذا من فنون الإِيجاز الذي هو من حِلية التَّزيل، وعلى تقدير: فهو حَسَن - حَسَبما سمعتَ أوَّلاً - من باب الإِطناب. اهـ. وهو كما ترى. ونَقَلَ في ((البحر))(١) أنَّ منهم مَن وقف على ((أيًّا)) على معنى: أيَّ اللفظين تدعوه به جاز، ثم استأنفَ فقال: ((ما تدعوا فله الأَسماءُ الحسنى)). وتعقّبه بأنَّ هذا لا يصحّ؛ لأن ((ما)) لا يُطلَق على آحادِ ذوي العلم، ولأنَّ الشرطَ يقتضي عموماً ما، وهو لا يصحُّ هنا. وضميرُ ((فله)) عائدٌ على المسمَّى، أو المنادَى المفهوم من الكلام، والقرينةُ عقلية، وهي أن الاسماءَ تكون للمسمَّى وللمنادَى، لا للاسم واللفظِ المنادَى به، وسيأتي إن شاء الله تعالى عن مُحيي الدِّين قدِّس سرُّه غيرُ ذلك في باب الإِشارة. ووصفُ الأسماءِ بالحسنَى لدَلالتها على ما هو جامعٌ لجميع صفاتِ الكمال بحيث لا يشذُّ منها شيءٌ، وما هو من صفات الجلالِ والجمالِ والإكرام. هذا واعلم أنَّ الظاهرَ مما رُوي عن اليهود أنَّهم لا يُنكرون حُسنَ سائرٍ أسمائه تعالى، وإنَّما يزعمون أنَّ الرحمنَ منها أحبُّ أسمائه تعالى إليه وأعظمُها وأشرفُها؛ لكثرة ذِكره تعالى إيَّاه في التوراة. (١) ٦ / ٩٠. الآية : ١١٠ ١٦٧ سُورَةُ الإِسْرَائِ واختلافُ أسمائه عزَّت أسماؤه في الشَّرف والعِظَم ممَّا ذهب إليه المسلمون أيضاً، ويدلُّ عليه تخصيصُه ◌َله بعضَ الأسماءِ بأنه الاسمُ الأَعظم، فقد رُوي أن النبيَّ نَّه سمع رجلاً يدعو وهو يقول: اللهمَّ إني أسالك بأنِّي أشهد أنَّك أنت الله لا إله إلا أنت، الأحدُ الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كُفُواً أحد، فقال عليه الصلاة والسلام: ((والذي نفسي بيده لقد سأل الله تعالى باسمه الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى)) (١) ورُوي أنَّه عليه الصلاة والسلام قال: ((اسمُ الهِ تعالى الأعظمُ في هاتين الآيتين ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣] وفاتحة آل عمران ﴿الَّمـ ج اللّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُُّ لو ونصَّ حجَّة الإسلام الغزاليُّ في أوائل كتابِهِ ((المقصد الأَسنَى))(٣) على أنَّ اللهَ أعظمُ الأسماءِ التسعةِ والتّسعين؛ لأنَّه دالٌّ على الذات الجامعةِ لصفات الإلهية كلِّها، وسائرُ الأسماءِ لا يدلُّ آحادُها إلَّا على آحاد المعاني، من علمٍ أو قدرةٍ أو فعلٍ أو غيرِهِ، ولأنه أخصُّ الأسماء؛ إذ لا يطلقه أحدٌ على غيره تعالىّ، لا حقيقةً ولا مجازاً، وسائرُ الأسماءِ قد يسمَّى به غيرُه عزَّ وجلّ، كالقادر والعليمِ والرحيمِ وغيرها، واسمُه تعالى الرحمنُ لا يسمَّى به غيرُه تعالى أيضاً، فهو من هذا الوجهِ قريبٌ من اسم اللهِ سبحانه وإن كان مشتقّاً من الرَّحمة قطعاً؛ ولذا جمع عزَّ وجلَّ بينهما في قوله سبحانه: (قُلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَّ) اهـ. وقال في أواخره(٤): فإن قيل: ما بالُ تسعةٍ وتسعين من أسمائه تعالى اختصَّت بأنَّ مَن أحصاها دخل الجنةَ مع أنَّ الكلَّ أسماءُ اللهِ تعالى؟ فنقول: الأسامي يجوز أن تتفاوتَ فضيلتُها لتفاوت معانيها في الجلالة والشَّرف، فتكون تسعةٌ وتسعون منها تجمع أنواعاً من المعاني المنبئةِ عن الجلال لا يجمع ذلك غيرُها مختصِّ(٥) بزيادة شرف. انتهى. (١) أخرجه أبو داود (١٤٩٤)، والترمذي (٣٤٧٥)، وابن ماجه (٣٨٥٧) من حديث بريدة ضـ (٢) أخرجه أبو داود (١٤٩٦)، والترمذي (٣٤٧٨)، وابن ماجه (٣٨٥٥) من حديث أسماء بنت یزید یا . (٣) ص ٦١ . (٤) ص ١٦٩ . (٥) في المقصد الأسنى: فتختص. سُورَةُ الإِسْرَةِ ١٦٨ الآية : ١١٠ وقال الإمام الرازيُّ في هذه الآية: تخصيصُ هذين الاسمين - يعني اللّهَ والرحمن - بالذِّكر يدلُّ على أنَّهما أشرفُ من سائر الأَسماء، وتقديمُ اسم الله على اسم الرحمنِ يدلُّ على قولنا: اللهُ أعظمُ الأسماءِ(١). إلى غير ذلك ممَّا ذكره غيرُ واحدٍ من الأَجِلَّة. والآيةُ إنمَّا تصلح بحسَب الظاهرِ ردّاً لما فهمه اليهودُ إذا كان المرادُ منها نفيَ التفاوتِ الذي زعموه، وحينئذٍ يقع التعارضُ بينها وبين ما يدلُّ على التفاوت من الأخبار، وقد يجعل هذا وجهاً لاختيار كونِ سبب النزولِ قولَ المشركين، ولعل أثرَه أَصحّ، وما نقلناه فيما سبق عن العلّامة الطَّيبي مؤيِّد لمَا قلناه. واحتجَّ الجبَّائي بالآية على أنَّه تعالى ليس خالقَ الُلْم، وإلَّ لصحَّ اشتقاقُ اسم له سبحانه منه، وحينئذٍ يبطل ما دلَّت عليه الآيةُ من كون أسمائه تعالى بأسرها حُسنی. وأُجيب بمنع الملازمة؛ لأنَّ الظلم ليس صفتَه عزَّ وجلّ، وكونُه خالقاً له لا يصحِّح الاشتقاقَ منه، وإلَّا لصحَّ الاشتقاقُ من الظُول والقِصَر والسَّواد والبياض؛ لأنَّه تعالى خالقٌ لذلك بالاتّفاق، نعم لا ينبغي أن يقال لله تبارك وتعالى: خالقُ القبيح؛ للزوم الأدبِ معه سبحانه، ويقال: خالقُ كلِّ شيءٍ، وما هو من أسمائه جلَّت أسماؤه الخالق، لا خالقُ كذا، فافهَم، سلك اللهُ تعالى بنا وبك الطريقَ الأَقوم. وهذه الآيةُ ـ على ما قيل - من آيات الحفظ، بناءً على ما أَخرج البيهقيُّ في ((الدلائل)) من طريق نهشلٍ بن سعيد، عن الضخَّاك، عن ابن عباس، أنَّ رسولَ اللهِوَ ﴿ قال في قوله تعالى: (قُلِ أَدْعُواْ اللَّهَ أَوِ أَدْعُواْ الرَّحْمَنّ) إلى آخر الآية: (هو أمانٌ من السَّرَق)) وأنَّ رجلاً من المهاجرين تلاها حين أخذ مضجعه، فدخل (١) لم نقف عليه في تفسيره، ولعله في كتابه المسمى: لوامع البينات في تفسير الأسماء والصفات، أشار إليه عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ اَلْأَسْمَاءُ لَلْمُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨]. الآية : ١١٠ ١٦٩ سُؤَةُ الاسْراءِ علیه سارق، فجمعَ ما في البيت وحمله والرجلُ لیس بنائم، حتى انتهى إلى الباب فوجده مردوداً، فوضع الكارة(١)، وفعل ذلك ثلاثَ مرَّات، فضحك صاحبُ الدارِ ثم قال: إني أَحصنتُ بيتي (٢). ﴾ أَخرج أحمدُ ﴿وَلَا تَّْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَأَبْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سِيلًا والبخاريُّ ومسلمٌ والترمذيُّ والنَّسائي وابن حِبَّان(٣) وغيرُهم عن ابن عباسٍ قال: نزلت ورسولُ اللهِ وَلّ﴾ مختفٍ بمكة، فكان إذا صلَّى بأصحابه رفع صوتَه بالقرآن، فإذا سمع ذلك المشركون، سبُّوا القرآنَ ومَن أنزله ومَن جاء به، فقال الله تعالى لنبيِّه عليه الصلاة والسلام: ((ولا تجهر بصلاتك)) أي: بقراءتك، فيسمع المشركون فيسبُّوا القرآن ((ولا تخافت بها)) عن أصحابك، فلا تُسمعهم القرآنَ حتى يأخذوه عنك. ﴿وَبْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (®﴾ يقول: بين الجهرِ والمخافتة، وظاهرُه أنَّ المرادَ بالصلاة القراءةُ التي هي أحدُ أجزائها مجازاً، ويجوز أن يكونَ الكلامُ على تقدیرِ مضاف، أي: بقراءة صلاتِك. والظاهرُ أنَّ المرادَ بالقراءة ما يعمُّ البسملةَ وغيرَها، وبعضُ الأخبار يفيد ظاهرُه تخصيصَها بالبسملة، فقد أخرج ابنُ أبي شيبةً في ((المصنَّف)) عن سعيدٍ قال: كان النبيُّ وَّرِ يرفع صوتَه بـ ((بسم الله الرحمن الرحيم))، وكان مسيلمةُ قد تسمَّى الرحمن، فكان المشركون إذا سمعوا ذلك من النبيِّ عليه الصلاة والسلام قالوا: قد ذكر مسيلمةَ إلهَ اليمامة، ثم عارضوه بالمُكاءِ والتصديةِ والصفير، فأنزل الله تعالى هذه الآية (٤). ولا يخفَى على هذه الروايةِ أشدِّيةُ مناسبةِ الآيةِ لما قبلها . (١) دلائل النبوة ٧/ ١٢١ والضحاك لم يسمع من ابن عباس، ونهشل متروك كما في التقريب. (٢) هي كلمة فارسية، يراد بها كلُّ ما يحمل على الظهر من الثياب والحطب والكلأ وغير ذلك. معجم الألفاظ الفارسية المعربة ص١٤٠ . (٣) مسند أحمد (١٥٥)، وصحيح البخاري (٤٧٢٢)، وصحيح مسلم (٤٤٦)، وجامع الترمذي (٣١٤٦)، وسنن النسائي ١٧٧/٢ -١٧٨، وصحيح ابن حبان (٦٥٦٣). (٤) الخبر بهذا اللفظ فيه نكارة، فإن السورة مكية، وما ذكر عن مسيلمة كان في أواخر حياة النبي وَلهر. وينظر مصنف ابن أبي شيبة ٣٤٩/٥ (تحقيق محمد عوامة). وسعيد هو ابن جبير. سُؤَةُ الإِسْرَةِ ١٧٠ الآية : ١١٠ وأخرج ابنُ أبي حاتم عن الرَّبيع قال: كان أبو بكرٍ إذا صلَّى من الليل خفض صوتَه جدّاً، وكان عمرُ إذا صلى من الليل رفع صوتَه جدّاً، فقال عمر: يا أبا بكر، لو رفعتَ من صوتك شيئاً، وقال أبو بكر: يا عمر، لو خفضتَ من صوتك شيئاً، فأتَيا رسولَ اللهِ نَّر، فأخبراه بأمرهما، فأنزل اللهُ تعالى الآية، فأرسل عليه الصلاة والسلام إليهما فقال: ((يا أبا بكر، إِرفعْ من صوتك شيئاً)) وقال لعمر: ((إِخفض من صوتك شيئاً)). وفي رواية أنَّه قيل لأبي بكر: لمَ تصنعُ هذا؟ فقال: أُناجي ربِّي، وقد عرفَ حاجتي، وقيل لعمر: لمَ تصنع هذا؟ قال: أَطرد الشيطان، وأُوقظ الوَسنان(١). وأمرُ التجوُّز أو حذفِ المضاف على هذا مِثْلُهُ على الأوَّل، وكذا على ما أخرجه ابنُ أبي حاتمٍ عن ابن عباسٍ أنَّ المعنى: لا تجهر بصلاتك كلِّها ولا تخافت بها كلِّها، وابتغٍ بين ذلك سبيلاً بالجهر في بعض، كالمغربِ والعشاء، والمخافتةِ في بعض، كما فيما عدا ذلك. وقيل: الصلاةُ بمعنى الدُّعاء؛ لما أخرج الشيخان(٢) وغيرُهما عن عائشةَ قالت: إنمَّا نزلت هذه الآيةُ (وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَفِتْ بِهَا) في الدُّعاء، وأخرج نحوَه ابنُ أبي شيبةً(٣) عن مجاهد، وروَى ذلك عن ابن عباسٍ أيضاً ابنُ جريرٍ (٤ وابنُ المنذر وجماعة، وكانوا يجهرون باللهمَّ ارحمني. وأَخرَجوا(٥) عن عبد اللهِ بن شدَّاد أنَّ أعراباً من بني تميمٍ كانوا إذا سلّم النبيُّ نَِّ قالوا - أي: جهراً -: اللهمَّ ارزقنا إِيلاً وولداً، فنزلت. وفي روايةٍ أخرى(٦) عن عائشةَ أنَّ الصلاةَ هنا التشهُّد، وكان الأَعراب - كما نُقُل عن ابن سِیرین - يجهرون بتشُّدهم، فنزلت. (١) أخرجه الطبري ١٢٣/١٥، وهذه الأخبار نقلها المصنف عن الدر المنثور ٢٠٦/٤-٢٠٨. (٢) صحيح البخاري (٤٧٢٣)، وصحيح مسلم (٤٤٧). (٣) في المصنف ٢/ ٤٤١. (٤) في تفسيره ١٢٦/١٥، ١٢٨. (٥) ابن أبي شيبة ٤٤١/٢، والطبري ١٣٣/١٥. (٦) عند ابن خزيمة (٧٠٧)، والطبري ١٣٣/١٥. الآية : ١١١ ١٧١ سُؤَةُ الإشرارة وقيل: الصلاةُ على حقيقتها الشَّرعية، فقد أخرج ابنُ عساكر عن الحسن أنَّه قال: المعنى: لا تصلِّ الصلاةَ رياءً، ولا تَدَعْها حياء. وروَى نحوَه ابنُ أبي حاتم والطبرانيُّ(١) عن ابن عباسٍ أيضاً. والأكثرون على التفسير المرويِّ عنه أوَّلاً . والمخافتة: إسرارُ الكلامِ بحيث لا يسمعه المتكلِّم، ومن هنا قال ابنُ مسعود - كما أخرجه عنه ابنُ أبي شيبةً وابن جَرير (٢) -: لم يخافتْ مَن أَسمع أذنيه. وخَفَتَ - وهو من بابٍ ضرب - وخافَتَ بمعنًى، يقال: خَفَتَ يخفِت خَفْتاً وخُفوتاً، وخافَتَ مُخافتةً، إذا أسرَّ وأَخفَى. والتعبيرُ عن الأمر الوسطِ بالسبيل باعتبار أنَّه أمرٌ يتوجَّه إليه المتوجِّهون، ويؤمُّه المقتدون، ويوصِلهم إلى المطلوب، وقد جاء عن عبد اللهِ بن الشِّخِّير وأبي قِلابة: خيرُ الأمورِ أوساطُها . والآيةُ على ما يقتضيه كلامُ الأكثرين محكّمة. وقيل: منسوخة، بناءً على ما أخرجه ابنُ مردويه وابنُ أبي حاتمٍ (٣) عن ابن عباسٍ من أنَّهِوَلِ أُمر بمكةً بالتوسُّط بألّا يجهرَ جهراً شديداً ولا يخفضَ حتى لا يُسمعَ أُذنيه، فلمَّا هاجر إلى المدينة سقط ذلك. وقيل: هي منسوخةٌ بقوله تعالى: ﴿أَدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةٌ﴾ [الأعراف: ٥٥] وهو كما ترى. ولا يخفَى عليك حكمُ رفع الصوتِ بالقراءة فوقَ الحاجة وحكمُ المخافتةِ بالمعنى الذي سمعتَه المسطوران في كتب الفقه، فراجِعْها إنْ لم يكن ذلك على ذُكرِ منك. وأَخرج ابنُ أبي داودَ في ((المصاحف))(٤) عن أبي رَزينٍ قال: قرأ عبدُ الله: ((ولا تخافِتْ بصوتك ولا تُعالٍ به». ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لَمْ يَخِذْ وَا﴾ ردٌّ على اليهود والنَّصارى وبني مليح حيث قالوا: عُزِيرٌ ابن الله، والمسيحُ ابن اللهِ تعالى، والملائكة بناتُ الله، سبحانه وتعالى (١) في المعجم الكبير (١٣٠٢٩). (٢) مصنف ابن أبي شيبة ٢/ ٤٤٠، وتفسير الطبري ١٣٧/١٥. (٣) كما في الدر المنثور ٢٠٧/٤. (٤) برقم (١٨٠). سُورَةُ الإِسْرائة ١٧٢ الآية : ١١١ عمَّا يقولون عُلوًّا كبيراً. ونفيُّ اتِّخاذ الولدِ ظاهرٌ في نفي التبِّي، ويُعلَم منه نفيُ أن يكونَ له سبحانه ولدُ الصُّلبِ من باب أَوْلى، وقد نُفي ذلك صريحاً في قوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾. ﴿وَلَمْ يَكُ لَّهُ شَرِكٌ فِىِ الْمُلْكِ﴾ ظاهرُه أنه ردٌّ على الثَّنَوية، وهم المشركون في الرُّبوبية، ويجوز أن يكونَ كنايةً عن نفي الشَّركة في الألوهية، فيكون ردّاً على الوثنية. ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌ مِّنَ الذُّلِّ﴾ أي: ناصرٌ ومانعٌ له سبحانه من الذُّل لاعتزازه تعالى بنفسه. فـ ((مِن)) صلةٌ لـ ((وليّ))، وضمِّن معنى المنع والنصر، أو لم يوالِ تعالى أحداً من أجل مذلَّة، فالولايةُ بمعنى المحبَّةِ على أصَلها، و((من)) تعليلة. وليس المعنى على الوجهيَن نفيَ الذلِّ والنصر في الأوَّل والموالاةِ والذلِّ في الثاني، على أسلوب: لا يهتدى بمناره(١) بل المرادُ أنَّه تعالى إذا اتّخذ عبداً له وليّاً، فذلك محضُ الاصطناعِ في شأن العبد، لا أنَّ هناك حاجة، وكذلك نصرُ اللهِ تعالى كمالٌ للناصر، لا أنَّ ثمَةَ حاجةٌ، أَلا ترى إلى قوله سبحانه: ﴿إِن نَنصُرُواْ اللَّهَ يَنَصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧] وإلى هذا ذهب صاحبُ ((الكشف)) وهو حَسَن، وجعل ذلك على الوجهين الفاضلُ الطَّيبي من ذاك الأسلوب. وفي الحواشي الشِّهابية(٢) في بيان ثاني الوجهَين أنَّ المراد نفيُ أن يكونَ له تعالى مولّى يلتجئُ هو سبحانه إليه، وأما الوليُّ الذي يوصَف به المؤمن، فليس الولايةُ فيه بهذا المعنى، بل بمعنى مَن يتولَّى أمرَه لمحبَّته له، تفضُّلاً منه عزَّ وجلَّ ورحمة، فغايَرَ بين الولايتين، ولعل الحقَّ مع صاحبٍ ((الكشف)). ومن عجيبٍ ما قيل: إنَّ ((من الذل)) في موضع الصفةِ لـ ((وليّ))، و((مِن)) فيه للتبعيض، وإنَّ الكلامَ على حذف مضاف، أي: لم يكن له وليٍّ من أهل الذُّل، والمرادُ بهم اليهودُ والنصارى. ولَعمري إنَّه لا ينبغي أن يلتفتَ إليه. (١) قطعة من بيت لا مرئ القيس، وهو في ديوانه ص ٦٦، وسلف ١/ ٤٥٧ . (٢) ٦ / ٧٠. الآية : ١١١ ١٧٣ سُؤَدَةُ الإِسْرائة وربَّما يتوهّم أن المقامَ مقامُ التنزيهِ لا مقامُ الحمد؛ لأنَّه يكون على الفعل الاختياريِّ وبه، وما ذُكر من الصفاتِ العدمية. ويدفع بأنَّه لاقَ وصفُه تعالى بما ذُكر بكلمة التحميد؛ لأنَّه يدلُّ على نفي الإِمكانِ المقتضي للاحتياج، وإثباتِ أنَّه تعالى الواجبُ الوجودِ لذاته، الغنيُّ عمَّا سواه، المحتاجُ إليه ما عداه، فهو الجوادُ المعطي لكلِّ قابلٍ ما يستحقّ، فهو تعالى المستحقُّ للحمد دون غيرِهِ عزَّ وجلّ. وهذا الذي عناه الزمخشريّ(١). وقال في ((الكشف)): لك أن تتخذَ نفيَ هذه الصفاتِ - وهي ذرائعُ منعٍ المعروف، أما الولدُ فلأنَّه مَبخَلة، وأما الشريكُ فلأنَّه مانعٌ من التصرُّف كيف يشاء، وأما الاحتياجُ إلى مَن يعتزُّ به أو يذبُّ عنه فأظهرُ - رديفاً لإثبات أَضدادها على سبيل الكناية، وهو وجهٌ حسن. ولو حُمِل الكلامُ على ظاهره أيضاً لَكان له وجه؛ وذلك لأنَّ قولَ القائل: الحمدُ لله، فيه ما يُنبئ أنَّ الإلهيةَ تقتضي الحمد، فإذا قلت: الحمدُ لله المنزَّهِ عن النقائص، مثلاً، يكون قد قوَّيتَ معنى الإلهيةِ المفهومة من اللفظ، فيكون وصفاً لائقاً مؤيِّداً لاستحقاقه تعالى الحمدَ، من غير نظرٍ إلى مدخلية الوصفِ في الحمدِ بالاستقلال، وهذا بيِّن مكشوف، إلَّا أنَّ الزمخشريَّ حاول أن ينبَِّ على مكان الفائدةِ الزائدة. اهـ. وتعقِّب بأنَّ ما ذكره من أنَّ في ((الحمدُ لله)) ما ينبئُ أنَّ الإلهيةَ تقتضي الحمد، لا يتمُّ على مذهب مانعي الاشتقاقِ في الاسم الكريم. وفيه تأمُّل. والآيةُ - على ما قال العلامة الطّيبي - من التقسيم الحاصر؛ لأنَّ المانع من إِيتاء النِّعم إمَّا فوقَه سبحانه وتعالى، أو دونَه، أو مثلَهَ عزَّ وجلّ، فبني الكلامُ على الترقِّي، وبُدئ من الأدونِ وخُتم بالأعلى، فنُفي الكلُّ، فمنه وله الكثرةُ والقُلّ، والدِّقُّ والجُلّ، تعالى كبرياؤه، وعظُمت نَعماؤه. ولدَلالة ما تقدَّم على أنَّه تعالى هو الكاملُ وما عداه ناقصٌ استحقَّ التكبير؛ ولذا تُعُطف عليه قولُه سبحانه: ﴿وَكَيْهُ تَكْبِرًا (®﴾ والتكبيرُ أَبلغُ لفظةٍ للعرب في (١) في الكشاف ٢/ ٤٧٠-٤٧١ . سُؤَدَقُ الإسْراءِ ١٧٤ الآية : ١١١ معنى التعظيم والإجلال، وفي الأمر بذلك بعد ما تقدَّم مؤَّداً بالمصدر المنكَّر من غير تعيينٍ لما يعظّم به تعالى إشارةٌ إلى أنه ممَّا لا تَسَعه العبارة، ولا تفي به القوَّة البشرية، وإن بالغ العبدُ في التنزيه والتمجيد، واجتهد في العبادةِ والتحميد، فلم يبقَ إلَّا الوقوفُ بأقدام المذلَّة في حضيض القصور، والاعترافُ بالعجز عن القيام بحقِّه جلَّ وعلا وإنْ طالت القصور. وروى غيرُ واحدٍ أَنَّهِ وَليهِ كان يعلِّم الغلامَ من بني عبد المطّلب إذا أَفصح: ((الحمدُ لله)) إلى آخر الآيةِ سبعَ مرَّات (١)، وسمّاها عليه الصلاة والسلام - كما أَخرج أحمدُ والطبرانيُّ عن معاذ - آيةَ العِزّ(٢). وأَخرج أبو يعلَى وابنُ السُّني عن أبي هريرةَ قال: خرجتُ أنا ورسولُ اللهِ وَه ويدي في يده، فأتَى على رجلٍ رِّ الهيئة فقال: ((أيْ فلان، ما بلغ بك ما أَرى)) قال: السُّقم والضُّر، قال وَّهِ: ((ألا أعلِّمك كلماتٍ تُذهب عنك السقمَ والضُّر: تؤكّلت على الحيِّ الذي لا يموت، (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لَمْ يَخِذْ وَلَا) الآيةَ)) فأتى عليه رسولُ اللهِ عليه الصلاة والسلام وقد حَسُنت حالتُه فقال: ((مَهْيَم)) فقال: لم أزل أقول الكلماتِ التي علَّمتني(٣). وأخرج ابنُ أبي الدُّنيا في كتاب ((الفَرَج)) والبيهقيُّ في ((الأسماء والصفات)) عن إسماعيلَ بنِ أبي فُدَيك(٤) قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((ما كَرَبني أمرٌ إلَّا مَثَلَ لي جبريلُ عليه السلام فقال: يا محمد، قل: توكَّلت على الحيِّ الذي لا يموت، و(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لَمْ يَخِذْ وَلَا) إلى آخر الآية)). (١) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ٣٤٨ من طريق عبد الكريم أبي أمية عن عمرو بن شعيب، وأخرجه عبد الرزاق (٧٩٧٦) عن عبد الكريم أبي أمية، وأخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة (٤٢٤) متصلاً من طريق عبد الكريم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. (٢) مسند أحمد (١٥٦٣٤)، والمعجم الكبير ٢٠/(٤٢٩-٤٣٠) وإسناده ضعيف. (٣) مسند أبي يعلى (٦٦٧١)، وعمل اليوم والليلة (٥٤٦) قال في مجمع الزوائد ٧/ ٥٢: فيه موسى بن عبيدة الربذي، وهو ضعيف. اهـ. وقوله: مهيم أي: ما أمركم وشأنكم، وهي كلمة يمانية. النهاية (هيم). (٤) الفرج بعد الشدة (٦٦)، والأسماء والصفات (٢١٦) قال البيهقي: هكذا جاء منقطعاً. اهـ. وأخرجه الحاكم ٥٠٩/١ من حديث أبي هريرة ظته، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. التفسير الإشاري (٧٣ -١١١) ١٧٥ سُورَةُ الإِسْرَاةِ وأخرج ابن السُّنِّي والديلميُّ (١) عن فاطمةَ بنتِ رسول اللهِ صلى الله تعالى عليه وعليها وسلم أنَّ النبيَّ عليه الصلاة والسلام قال لها: ((إذا أخذتِ مضجعَك فقولي: الحمدُ لله الكافي، سبحانَ اللهِ الأعلى، حسْبي الله وكفى، ما شاء اللهُ قضى، سمع اللهُ لمن دعا، ليس من الله ملجأ، ولا وراءَ اللهِ ملتجأ، توَّلت على ربِّي وربّكم، ما من دابَّة إلَّا هو آخذٌ بناصيتها، إنَّ ربِّي على صراطٍ مستقيم، (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا) إلى: (وَكَيْرَهُ تَكِْيرًا) ثم قال ◌َّةِ: ((ما من مسلم يقرؤها عند منامِه ثم ينام وسْطَ الشياطينِ والهوامِّ فتضرّه)). هذا وما ألطفَ المناسبةَ بين ابتداءِ هذه السورةِ وهذا الختام، وليس ذلك بدعاً في كلام اللطيفِ العلَّام. ومن باب الإشارةِ في الآيات: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ﴾ إلى آخره تنبيهٌ لحبيبه وَلَهـ عن الوقوع فيما يُخلُّ بحفظ شرائطِ المحبَّة. وفيه إشارةٌ إلى إيصاله إلى مقامٍ التمکین. ﴿أَقِمِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ الَّلِ﴾ الآية، ذُكر أنَّ الصلاةَ على خمسة أقسام: صلاةُ المواصلةِ والمناغاةِ في مقام الخفيّ، وصلاةُ المشاهدةِ في مقام الرُّوح، وصلاةُ المناجاةِ في مقام السِّرّ، وصلاةُ الحضورِ في مقام القلب، وصلاةٌ المطاوعةِ والانقيادِ في مقام النفْس. فدلوكُ الشمسِ إشارةٌ إلى زوال شمسِ الوحدةِ عن الاستواء على وجود العبدِ بالفناءِ المحض، فإنَّه لا صلاةَ في حال الاستواء؛ إذ لا وجودَ للعبد حينئذ، ولا شعورَ له بنفْسه، وإنمَّا تجب بالزَّوال وحدوثٍ ظلِّ وجودٍ العبد، سواءٌ عند الاحتجابِ بالخَلق وهو حالةُ الفَرْق قبلَ الجمع، أو عند البقاءِ وهو حالةُ الفرقِ بعد الجمع، وغسقُ الليلِ إشارةٌ إلى غسق ليلِ النفس، وقرآنُ الفجرِ إشارةٌ إلى قرآن فجرِ القلب. وأدلُّ الصلواتِ وألطفُها صلاةُ المواصلة، وأفضلُها صلاة الشهودِ المشارُ إليها بصلاة العصر، وأخفُّها صلاة السرِّ المشارُ إليها بصلاة المغرب، وأشدُّها تثبيتاً (١) عمل اليوم والليلة (٧٣٥)، والفردوس (٨٦٦٠). سُورَةُ الإشرارة ١٧٦ التفسير الإشاري (٧٣-١١١) للنفس صلاةُ النفس المشارُ إليها بصلاة العشاء، وأَزجرُها للشيطان صلاةُ الحضورِ المشار إليها بالفجر ﴿إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ أي: تشهده ملائكةُ الليلِ والنهار. وهذا إشارةٌ إلى نزول صفاتِ القلبٍ وأنوارها، وذهابٍ صفات النفسِ وزوالها . ﴿وَمِنَ الَتْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةً لَّكَ﴾ أي: زيادةً على الفرائض الخمسِ خاصَّةً بك. قيل: لكونه علامةَ مقام النفس، فيجب تخصيصُه بزيادةِ الطاعة؛ لزيادة احتياجٍ هذا المقام إلى الصلاة بالنِّسبة إلى سائر المقامات. وقيل: إنمَّا خُصَّ نَّهِ بالتهجّدَ لأنَّ الليلَ وقتُ خلوةِ المحبِّ بالحبيب، وهو عليه الصلاة والسلام الحبيبُ الأَعظم، والخليلُ المكرَّمِ ﴿عَسَقَ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا تَّحْمُودًا﴾، وهو مقامُ إلحاق الناقصِ بالكامل، والكاملِ بالأكمل. ﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِى﴾ حضرةَ الوحدةِ في عين الجمع ﴿مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ إدخالاً مرضيّاً بلا آفةٍ زيغِ البصر إلى الالتفاتِ إلى الغير أصلاً ﴿وَأَخْرِجْنِى﴾ إلى فضاء الكثرةِ عند الرجوعِ إلى التفصيل بالوجود الموهوبِ الحقَّاني ﴿مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ سالماً من آفة التلوينِ والانحرافِ عن جادّة الاستقامة ﴿وَأَجْعَل لِيِ مِن لَّدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ حجَّةً ناصرةً بالتثبيت والتمكين. ﴿وَقُلْ﴾ إذا زالت نقطةُ الغَينِ عن العين: ﴿جَ اُلْحَقُّ﴾ أي: ظهر الوجودُ الثابت، وهو الوجودُ الواجبيّ ﴿وَزَهَقَ الْبَطِلُ﴾ وهو الوجودُ الإمكاني، ففي الحديث الصحيح(١): ((أصدقُ كلمةٍ قالها شاعرٌ كلمةُ لبيد: ألا كلُّ شيءٍ ما خلا اللّهَ باطلٌ». ويقال: الحقُّ العلم، والباطلُ الجهل، والحقُّ ما بدا من الإِلهام، والباطلُ هواجسُ النفسِ ووساوسُ الشيطان. وقال فارس: كلُّ ما يحملك على سلوك سبيلٍ الحقيقةِ فهو حقّ، وكلُّ ما يَحجبك ويفرِّق عليك وقتَك فهو باطل. ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ﴾ من أمراض الصفاتِ الذميمة ﴿وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِينَ﴾ بالغيب، يفيدهم الكمالاتِ والفضائلَ العظيمة. فالأولُ إشارةٌ إلى التخلية، والثاني إلى التحلية. (١) أخرجه البخاري (٦١٤٧)، ومسلم (٢٢٥٦) من حديث أبي هريرة ـ سُورَةُ الإِسْرَاة ١٧٧ التفسير الإشاري (٧٣-١١١) ويقال: هو شفاءٌ من داء الشكِّ لضعفاء المؤمنين، ومن داء النَّكَرةِ للعارفين، ومن وجع الاشتياقِ للمحبِّين، ومن داء القنوطِ للمريدين والقاصدين، وأَنشدوا : وفيها شفاءٌ للذي أنا كاتمُ وگتبك حولي لا تفارق مضجعي ﴿وَلَا يَزِيدُ الََّلِمِينَ﴾ الباخسين حظوظَهم من الكمال بالميل إلى الشَّهواتِ النفسانية ﴿إِلََّّ خَسَارًا﴾ بزيادة ظهور أنفُسهم بصفاتها، من إنكارٍ ونحوه. ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَنِ أَعْرَضَ وَنَا بِجَانٍِ﴾ فاحتجب بالنِّعمة عن المنعم ولم يشكر ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّتُ كَانَ يَتُسًا﴾ لجهله بعظيم قدرةِ اللهِ تعالى ولم يصبر ﴿قُلَّ كُلُّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ على طريقته التي تشاكل استعداده، وكلُّ إناءٍ بالذي فيه يَرشَح. ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الرُِّجْ قُلِ الزُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِ﴾ أي: من عالَم الإِبداع، وهو عالَمُ الذواتِ المقدَّسة عن الشَّكل واللَّون، والجهةِ والأَين، فلا يمكن إدراكُ المحجوبين لها ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ وهو علمُ المحسوسات. ﴿وَمَن يَهْدِ اللَّهُ﴾ بنوره بمقتضى العنايةِ الأزلية ﴿فَهُوَ الْمُهْتَدِّ﴾ دونَ غيره ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ﴾ بمنع ذلك النورِ عنه ﴿فَلَن تَجِدَ لَمْ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِهٌِ﴾ يَهدونه أو يحفظونه من قهره عزَّ وجلّ. ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ لانجذابهم إلى الجهةِ السُّفلية ﴿عُمْيًا وَبِكًا وَصُنَّ﴾ لأنَّها أحوالٌ تناسب أحوالَهم في الدنيا. ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ: إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُونَ لِلْأَذْقَنِ سُجَّدًا﴾ لعلمهم بحقِّته، ووقوفِهم على ما أُودع فيه من الأَسرار ﴿وَيَخِرُونَ لِلْأَذْقَنِ يَبْكُونَ﴾ لعظمته، أو شوقاً لمنزله وحبّاً للقائه. قال أبو يعقوبَ السُّوسي: البكاءُ على أنواع: بكاءٌ من الله تعالى، وهو أن يبكيَ خوفاً ممَّا جرى به القلمُ في الفاتحة ويظهرُ في الخاتمة. وبكاءٌ على الله عزَّ وجلّ، وهو أن يبكيّ تحسُّراً على ما يفوته من الحقِّ تعالى. وبكاءٌ لله تبارك وتعالى، وهو أن يبكيَ عند ذِكره سبحانه وذِكرٍ وعده ووعيدِه. وبكاءٌ بالله تعالى، وهو أن يبكيَ بلا حظّ منه في بكائه. سُورَةُ الإِسْرَاءِ ١٧٨ التفسير الإشاري (٧٣-١١١) وقال القاسم: البكاءُ على وجوه: بكاء الجھَّال على ما جهلوا، وبكاءُ العلماء على ما قصَّروا، وبكاءُ الصالحين مخافةً الفوت، وبكاء الأئمّة مخافةَ السَّبق، وبكاءُ الفرسان من أرباب القلوبِ للهيبة والخشية، ولا بكاءَ للموحّدين. وفي الآية إشارةٌ ما إلى السَّماعِ، ولا أشرفَ من سماع القرآن، فهو الرَّوح والرَّیحان. ﴿قُلِ أَدْعُواْ اللَّهَ أَوِ أَدْعُواْ الرَّحْمَنَّ﴾ قيل: دعاءُ اللهِ بالفَناء في الذات، ودعاءُ الرحمنِ بالفناء في الصفة، وصفةُ الرَّحمانية هي أمُّ الصفات، وبها استوى سبحانَه على عرشه، ومن ذلك يُعلم أنَّه ليس المرادُ من الإِيجاد إلَّا رحمةً الموجودين. ﴿أَيَّا مَّا تَدْعُوا﴾ أي: أيًّا ما طلبتَ من هذين المقامَين ﴿فَلَهُ﴾ تعالى في هذين المقامين ﴿اَلْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ لا لك؛ إذ لستَ هناك بموجود، أمَّا في الفناء في الذاتِ فظاهر، وأمَّا في الفناء في الصفةِ المذكورة، فلأنَّ الرحمنَ لا يصلح اسماً لغير تلك الذَّات، ولا يمكن ثبوتُ تلك الصفةِ لغيرها، ولا يخفَى عليك أنَّ ضميرَ ((ه)) على هذا التأويلِ عائدٌ على ما عاد إليه على التفسير. وفي ((الفتوحات المكية))(١) أنَّه تعالى جعل الأسماء الحسنى الله كما هي للرَّحمن، غيرَ أنَّ الاسمَ له معنًى وصورة، فيدعَى ((الله)) بمعنى الاسم، ويُدعَى ((الرحمن)» بصورته، لأنَّ الرحمن هو المنعوتُ بالنفس، وبالنفس ظهرت الكلماتُ الإلهية في مراتب الخلاءِ الذي ظهر فيه العالَم، فلا ندعوه إلَّا بصورة الاسم، وله صورتان: صورةٌ عندنا من أنفاسنا وتركيبٍ حروفنا، وهي التي ندعوه بها، وهي أسماءُ الأسماءِ الإلهية، وهي كالخِلَع عليها، ونحن بصورة هذه الأسماءِ مترجمون عن الأسماءِ الإلهية، ولها صورٌ من نفس الرحمنٍ من كونه قائلاً ومنعوتاً بالكلام، وخلف تلك الصورِ المعاني، التي هي كالأرواح للأسماءِ الإلهية التي يَذكر الحقُّ بها نفسَه وهي من نفس الرَّحمن، فله الأسماءُ الحسنى، وأرواحُ تلك الصورِ هي التي لاسم اللهِ خارجةٌ عن حكم النفسِ لا تُنعَت بالكيفيةِ، وهي لصور الأسماءِ النفسيةِ الرَّحمانية كالمعاني للحروف، ولمّا علمنا هذا وأمرنا بأن ندعوَه سبحانه (١) ٣٩٦/٢-٣٩٧. التفسير الإشاري (٧٣ -١١١) ١٧٩ سُورَةُ الإِسْرَاة وخُيِّرنا بين الاسمينِ الجليلين، فإن شئنا دعوناه بصور الأسماءِ النفسيةِ الرحمانية، وهي الهممُ الكونيةُ التي في أرواحنا، وإن شئنا دعوناه بالأسماء التي من أنفاسنا بحكم التَّرجمة، فإذا تلقَّظنا بها أَحضرنا في نفوسنا إمَّا الله، فننظر المعنى، وإما الرَّحمن، فننظر صورةَ الاسمِ الإلهي النفسيِّ الرحماني، كيفما شئنا فعلنا؛ فإنَّ دلالةَ الصورتين منَّا ومن الرَّحمن على المعنى واحد، سواءٌ علمنا ذلك أو لم نعلمه . اهـ. وهو كلامٌ يعسُر فهمُه إلَّا على مَن شاء اللهُ تعالى، بيدَ أنَّه ليس فيه حملُ الدعاءِ على ما سمعت. ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَا﴾ فضلاً عن أن يكونَ له سبحانه ولدٌ بطريق التولُّد ﴿وَلَ يَكُنُ لَّهُ شَرِيٌ فِ الْمُلْكِ﴾ فلا مدخلَ لغيره تعالى في ملكية شيءٍ على الحقيقة، وما يوجد بسببٍ ليس السببُ إلَّا آلةً له، ولا تملكُ الآلةُ شيئاً، بل لا شيءَ إلَّا وهو صنعُه تعالى على الحقيقة، والسريرُ مثلاً وإنْ أُضيف إلى النجّار من حيث الصَّنعة، إلّا أنَّه في الحقيقة آلَةٌ كالقَدُوم، ولا يضاف العملُ إلى الآلةِ على الحقيقة. کذا قيل. وللشيخ قدِّس سرُّه كلامٌ في هذا المقام يُفصح عن بعضٍ هذا، ذكره في الباب الثامنِ والتِّسعين بعد المئة(١)، فارجع إليه وتدبّر. وكذا له كلامٌ في قوله سبحانه: ـمْ يَكُن لَّهُ وَإِىٌ مِّنَ الذُّلِّ﴾ لكن يُغني عنه ما قدَّمناه. ﴿وَكَيْهُ تَكْبِرًا﴾ قال بعضُهم: تكبيرُه تعالى أن تعلمَ أنَّك لا تُطيق أن تكبِّرَه إلَّا به. وقال ابنُ عطاء: تكبيرُه عزَّ وجل بتعظيم مِنَّتَه وإحسانِه في القلب بالعلم بالتقصير في الشُّكر، وكيف يُوفي أحدٌ شكرَه تعالى، ونعمُه جلَّ وعلا لا تُحصَى، وآلاؤه لا تُستقصَی. هذا وقد تمَّ بفضل اللهِ تعالى تفسيرُ هذه السورةِ الكريمة. (١) من الفتوحات المكية ٣٩٠/٢ فما بعد. سُورَةُ الكَهْفِ ويقال: سورةُ أصحاب الكهف، كما في حديثٍ أَخرجه ابنُ مردويه(١)، وروى البيهقيُّ(٢) من حديث ابن عباسٍ مرفوعاً أنَّها «تُدعَى في التوراة الحائلة، تحول بين قارئها وبين النَّار)) إلا أنَّه قال: إنَّه منكر. وهي مكِّية كلُّها في المشهور، واختاره الداني، ورُوي عن ابن عباسٍ وابنٍ الزبير ◌ًا، وعدَّها بعضُهم من السُّوَر التي نزلت جملة؛ لما أَخرج الديلميُّ في ((مسند الفردوس))(٣) عن أنس، عن النبيِّ وَّهِ قال: ((نزلت سورةُ الكهفِ جملة، معها سبعون ألفاً من الملائكة)). وفي روايةٍ أخرى عن ابن عباس أنَّها مِّية إلَّا قولَه تعالى: ﴿وَأَصْيِرْ نَفْسَكَ﴾ الآية [٢٨] فمدنيّ، ورُوي ذلك عن قتادة. وقال مقاتلٌ: هي مكِّية إلَّا أولَها إلى ((جرزاً)) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [الآية: ١٠٧] إلى آخرها فمدنيّ. وهي مئةٌ وإِحدى عشرةَ آيةً عند البصريين، ومئةٌ وعشرةٌ عند الكوفيين، ومئةٌ وستُّ عند الشاميين، ومئةٌ وخمسٌ عند الحجازيين. ووجهُ مناسبةٍ وضعها بعدَ الإِسراء - على ما قيل - افتتاحُ تلك بالتسبيح وهذه بالتحميد، وهما مقترنان في الميزان وسائرِ الكلام، نحو: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [الحجر: ٩٨] فسبحانَ اللهِ وبحمده. وأيضاً تشابه اختتام تلك وافتتاحِ هذه؛ فإنَّ في كلٌّ منهما حمداً، نعم فرِّق بينهما بأنَّ الحمدَ الأوَّلَّ ظاهرٌ في الحمد الذاتيّ، والحمدَ المفتتحَ به في هذه يدلُّ على الاستحقاق الغيرِ الذاتي. (١) عن عائشة ثا مرفوعاً، كما في الدر المنثور ٢٠٩/٤، وورد ذلك أيضاً في حديث النواس بن سمعان عند الترمذي (٢٢٤٠)، والنسائي في الكبرى (١٠٧١٧). (٢) في الشعب ٢/ ٤٧٥ . (٣) برقم (٦٨١٢)، وفي إسناده أبو بكر الهذلي، وهو متروك الحديث كما في التقريب.