النص المفهرس

صفحات 101-120

الآية : ٨٥
١٠١
سُؤَدَةُ الأسْراة
وأما مستقرُّ أرواح سائر المؤمنين، فقيل: في الجنة أيضاً؛ وهو نصُّ الإمام
الشافعيّ، وقد أخرج الإمام مالكٌ عن كعب بنِ مالك مرفوعاً: ((إنَّما نسمةُ المؤمنِ
طائرٌ يَعلُق في شجر الجنةِ حتى يُرجعَه اللهُ تعالى في جسده حين يبعثه)) ورواه الإمام
أحمدُ في ((مسنده)) وخرَّجه النسائيُّ من طريق مالك، وخرَّجه ابنُ ماجه (١)، ورواه
خلقٌ کثیر.
وروى ابن مَندَه من حديث أمٌّ بشرٍ مرفوعاً ما هو نصٌّ في أنَّ مستقرَّ أرواحٍ
المؤمنين نحوُ مستقرِّ أرواحِ الشهداء(٢).
وقال وهب بن منبِّه: إنَّ الله تعالى في السماء السابعةِ داراً يقال لها البيضاء،
يجتمع فيها أرواحُ المؤمنين، ومستقرُّ أرواح الكفار في سِجِّين. وفي حديث أمّ بشرٍ
أنَّ أرواحَ الكفارِ في حواصل طيرٍ سُود، تأكل من النارِ وتشربُ من النار، وتأوي
إلى جُحرٍ في النار، يقولون: ربَّنا لا تُلحق بنا إخوانَنا، ولا تؤتِنا ما وعدتَنَا(٣).
وقيل: مستقرُّ أرواح الموتى أَفنيةُ قبورهم، وحكى هذا ابنُ حزمٍ عن عامَّة أهلٍ
الحديث، واستدلَّ له بعضُهم بحديث ابنِ عمرَ(٤) عن النبيِّ ◌َّهِ: ((إذا مات أحدُكم،
عُرض عليه مقعدُه بالغداة والعَشيّ، إنْ كان من أهل الجنةِ فمن أهل الجنّة، وإنْ
كان من أهل النارِ فمن أهل النَّار، يقال: هذا مقعدُك حتى يبعثَك الله تعالى))
وبأنه وَ ل﴿ حين زَار الموتى قال: ((السلامُ عليكم دارَ قوم مؤمنين)» (٥).
ورجَّح ابن عبد البرِّ أنَّ مستقرَّ أرواح ماعدا الشهداءَ بأَفنية القبور(٦). وفيه أنَّه إن
أُريد أنَّ الأرواحَ لا تفارق الأَفنية، فهو خطأ يردُّه نصوصُ الكتاب والسنة، وإن أُريد
أنَّها تكون هناك وقتاً من الأوقات - كما رُوي عن مجاهد: الأرواحُ على القبور
(١) الموطأ ١/ ٢٤٠، ومسند أحمد (١٥٧٧٧)، والمجتبى ١٠٨/٤، وسنن ابن ماجه (٤٢٧١).
قوله: يعلق، أي: يأكل.
(٢) وأخرجه أيضاً ابن ماجه (١٤٤٩)، وينظر الحديث (١٥٧٧٦) في مسند أحمد.
(٣) لم نقف عليه.
(٤) أخرجه البخاري (١٣٧٩)، ومسلم (٢٨٦٦).
(٥) أخرجه مسلم (٢٤٩) من حديث أبي هريرة ربه، و(٩٧٤) من حديث عائشة
(٦) التمهيد ١٠٩/١٤، وما سيأتي هو من كلام ابن القيم في الروح ص ١٢٢-١٢٣.

عَرَةُ الإشرارة
١٠٢
الآية : ٨٥
سبعة أيامٍ من يومٍ دفن الميت - أو لها إشراقٌ على قبورها وهي في مقرِّها، فهو
حقّ، لكنّ لا يقالَ: مستقرُّها أفنيةُ القبور.
وعوَّل بعض المحقّقين على أنَّ الأرواحَ حيث كانت لها اتِّصالٌ لا يعلم حقيقتَه
إلَّا الله تعالى، وبذلك تردُّ السلام، وتعرف المسَلِّمَ، ويُعرض عليها مقعدُها من
الجنَّة أو النار. وقال بعضُهم: لا مانعَ من انتقالها من مستقرِّها وعودِها إليه في
أسرع وقتٍ حيث يشاء الله تعالى ذلك، نعم جاءَ في حديث البراءِ بن عازبٍ(١)
ما يدلُّ على أنَّ أرواحَ المؤمنين تستقرُّ في الأرض ولا تعود إلى السماءِ بعد
عرضِها، حيث قال فيه في صفة قبضٍ روحٍ المؤمن: ((فإذا انتهى إلى العرش كُتب
كتابُهُ في علِّيين، ويقول الربُّ تعالى شأنه: رُدُّوا عبدي إلى مضجعه، فإني وعدتهم
أنِّي منها خلقتهم وفيها أُعيدهم ومنها أُخرجهم تارةً أخرى))، وفي لفظ: ((رُدُّوا روحَ
عبدي إلى الأرض، فإنِّي وعدتهم أن أردَّهم فيها))، ثم قرأ رسولُ اللهِ نَّهِ (مِنْهَا
خَلَقْتَكُمْ) الآية، لكن قال الحافظُ ابن رجب: إنَّ حديثَ البراءِ وحده لا يعارض
الأحاديثَ الكثيرةَ المصرِّحة بأنَّ الأرواحَ في الجنة، لاسيَّما الشهداء، وقولُه تعالى:
(مِنْهَا خَلَقْنَكُمْ) إلخ باعتبار الأبدان.
وقالت طائفة: مستقرُّ الأرواح مطلقاً في السماء الدُّنيا عن يمين آدمَ عليه السلام
وعن شِماله، ويدلُّ عليه ما في الصَّحيحين(٢) عن أبي ذرٍّ من حديث المعراج، ففيه:
((لما فُتْح علونا السماءَ الدنيا، فإذا رجلٌ قاعد، على يمينه أَسودةٌ وعلى يساره أَسودة،
فإذا نظر قِبَلَ يمينِهِ ضحك، وإذا نظر قِبَلَ شمالهِ بكى، فقال: مرحباً بالنبيِّ الصالح
والابنِ الصالح، قلت لجبريل: مَن هذا؟ قال: آدم، وهذه الأَسودةُ عن يمينه وشمالهِ
نَسَمُ بنيه، وأهلُ اليمينِ هم أهلُ الجنة، والأسودةُ التي عن شِماله أهلُ النار)».
ويجاب بأنَّ المرادَ أنَّه عليه السلام يرى هذين الصِّنفين من جهة يمينِهِ وجهةٍ
شماله، وهو يجامع كونَ أرواحٍ كلِّ فريقٍ في مستقرِّها من الجنَّة والنار، فقد رأى
النبي ◌َّ الجنةَ والنارَ في صلاة الكسوفِ وهو في الأرض (٣)، والجنةُ ليست فيها،
(١) أخرجه أحمد (١٨٥٣٤)، والطبري في تهذيب الآثار (٧٢٣).
(٢) صحيح البخاري (٣٤٩)، وصحيح مسلم (١٦٣).
(٣) أخرجه البخاري (٨٦)، ومسلم (٩٠٥) من حديث السيدة عائشة رضيتا

الآية : ٨٥
١٠٣
سُورَةُ الإِسْرَاءِ
ورآهما وهو في السماء، والنارُ ليست فيها، وفي حديثٍ لأبي هريرةَ في الإِسراء(١)
مايؤيِّد ما قلنا .
والنسفيُّ في (بحر الكلام)) جعل الأرواحَ على أربعةِ أقسام: أرواحُ الأنبياءِ
عليهم السلام تخرج من جسدها ويصير مثلُ صورتِها مثلَ المسكِ والكافور، وتكونُ
في الجنة، تأكلُ وتشرب وتتنعَّم، وتأوي بالليل إلى قناديلَ معلَّقةٍ تحت العرش.
وأرواحُ الشهداءِ تخرجُ من جسدها وتكون في أجواف طيرٍ خضرٍ في الجنة، تأكل
وتتنَّم وتأوي إلى قناديلَ كأرواح الأنبياءِ عليهم السلام. وأرواحُ المطيعين من
المؤمنين برَبَض الجنة، لا تأكل ولا تتمثَّع، ولكن تنظرُ إلى الجنَّة، وأرواحُ العصاةِ
منهم تكون بين السماءِ والأرضِ في الهواء، وأما أرواحُ الكفارِ ففيٍ سِجِّين في
جوفٍ طيرٍ سودٍ تحت الأرضِ السابعة، وهي متَّصلة بأجسادها، فتعذّب الأرواحُ
وتتألَّم من ذلك الأجساد. انتهى.
وما ذكره في أَرواح المطيعين مخالفٌ لما صحَّ من أنها تتمتَّع في الجنة.
وفي ((الإفصاح)) (٢) أنّ المنعَّم من الأرواح على جهاتٍ مختلفة، منها ما هو طائرٌ
في شجر الجنَّة، ومنها ما هو في حواصل طيرٍ خضر، ومنها ما يأوي إلى قناديلَ تحت
العرش، ومنها ما هو في حواصل طيرٍ بيض، ومنها ما هو في حواصلٍ طير
كالزَّرازير(٣)، ومنها ما هو في أشخاص صُوَرٍ من صُوَر الجنة، ومنها ما هو في صورةٍ
تُخلَق من ثواب أعمالهم، ومنها ما تسرح وتتردّد إلى جثَّتها وتزورها، ومنها ما تتلقَّى
أرواحَ المقبوضين، وممَّن سوى ذلك ما هو في كفالة ميكائيلَ عليه السلام، ومنها
ما هو في كفالة آدَمَ عليه السلام، ومنها ما هو في كفالة إبراهيمَ عليه السلام. انتهى.
قال القرطبيّ(٤): وهذا قولٌ حسنٌ يجمع الأخبارَ حتى لا تتدافع. وارتضاه
الجلالُ السُّيوطي.
(١) أخرجه ابن جرير في تفسيره ٤٢٤/١٤ فما بعد، والبيهقي في الدلائل ٣٩٦/٢ فما بعد،
مطولاً جدًّا.
(٢) لضياء الدين شيث بن إبراهيم المعروف بابن الحاج، والكلام من التذكرة للقرطبي ص١٥٩ .
(٣) جمع زُرْزُور، وهو طائر أكبر قليلاً من العصفور. المعجم الوسيط (زرزر).
(٤) في التذكرة ص ١٥٩ .

سُؤَدَةُ الاسْرَةِ
١٠٤
الآية : ٨٥
وأخرج ابنُ أبي الدُّنيا عن مالكِ قال: بلغني أنَّ الروحَ مرسلة تذهب حيث
شاءت. وهو إن صحَّ ليس على إطلاقه.
وقيل في مستقرِّ الأرواحِ غيرُ ذلك، حتى زعم بعضُهم أنَّ مستقرَّها العدمُ
المحض، وهو مبنيٌّ على أنَّهاَ من الأعراض، وهي الحياة، وهو قولٌ باطلٌ عاطل،
فاسدٌ كاسد، يردُّه الكتابُ والسنة، والإجماعُ والعقلُ السليم.
ويُعجبني في هذا الفصلِ ما ذكره الإمامُ العارفُ ابن بَرَّجان في ((شرح
أسماءِ الله تعالى الحسنى)) حيث قال: والنفسُ مُبْرَأَةٌ من باطن ما خُلق منه
الجسم، وهي روحُ الجسم، وأوْجَدَ تبارك وتعالى الروحَ من باطن ما برَأ منه
النفس، وهو للنَّفس بمنزلة النفسٍ للجسم، والنفس حجابُه، والروحُ يوصف
بالحياة بإِحياء اللهِ تعالى شأنه له، وموتُه خمود، إلَّا ما شاء الله تعالى يومَ خمودٍ
الأَرواح، والجسمُ يوصف بالموت حتى يحيَى بالرُّوح، وموتُه مفارقةُ الروحِ إياه،
وإذا فارق هذا العبدُ الروحانيُّ الجسمَ صُعِد به، فإن كان مؤمناً فُتحت له أبوابُ
السماءِ حتى يصعدَ إلى ربِّه عزَّ وجلَّ، فيؤمر بالسُّجود، فيسجد، ثم يُجعل حقيقتُه
النفسانيةُ تَعمُر السفلَ من قبره إلى حيث شاءَ اللهُ تعالى من الجوّ، وحقيقتُه
الروحانيةُ تعمر العلوَ من السماءِ الدنيا إلى السابعة في سرورٍ ونعيم؛ ولذلك لقي
رسولُ اللهِ وَ﴿ موسى عليه السلام قائماً في قبره يصلِّي(١) وإبراهيمَ عليه السلام
تحت الشجرةِ قبل صعودهِ إلى السماءِ الدنيا(٢)، ولَقيهما في السماوات العُلى(٣)،
فتلك أرواحُهما وهذه نفوسُهما وأجسادُهما في قبورهما، وإنْ كان شقيًّا لم يُفتَح
له، فُرُمي من علوِّ إلى الأرض. انتهى.
وفيه القولُ بالمغايرة بين الرُّوحِ والنفسِ، وبهذا التحقيقِ تندفع معارضاتٌ
كثيرة، واعتراضاتٌ وفيرة، ويُعلَم أنَّ حديثَ ((ما مِن أحدٍ يمرُّ بقبر أخيه المؤمنِ كان
يعرفه في الدنيا فسلَّم عليه، إلَّا عرفه وردَّ عليه السلام)» (٤) ليس نصًّا في أنَّ الروحَ
(١) أخرجه مسلم (٢٣٧٥) من حديث أنس
(٢) أخرجه الحسن بن عرفة في جزئه كما في تفسير ابن كثير ١٦/٣ .
(٣) أخرجه البخاري (٣٨٨٧)، ومسلم (١٦٤) من حديث أنس عن مالك بن صعصعة
(٤) أخرجه ابن عبد البر في الاستذكار ١٦٥/٢ من حديث ابن عباس

الآية : ٨٥
١٠٥
سُؤَةُ الإِسْرَاةِ
على القبر، إذ يُفهَم منه أنَّ الذي في القبر حقيقتُه النفسانيةُ المتّصلة بالرُّوحِ اتِّصالاً
لا يَعلم كنهَه إلَّا الله تعالى.
وللرُّوح مع ذلك أحوالاً وأطواراً(١) لا يعلمها إلا الله تعالى، فقد تكون
مستغرقةً بمشاهدة جمالِ الله تعالی وجلاله سبحانه ونحو ذلك، وقد تصحو عن ذلك
الاستغراق، وهو المرادُ بردِّ الروح في خبر: ((ما من أحدٍ يسلِّم عليَّ إلَّا ردَّ اللهُ
تعالى عليَّ روحي فأردُّ عليه السلام)» (٢).
والذي ينبغي أن يعوَّلَ عليه - مع ما ذُكر - أنَّ الأرواحَ وإن اختلف مستقرُّها
بمعنى محلّها الذي أُعطيته بفضل اللهِ تعالى جزاءً عملها، لكنَّ لها جَوَلاناً في
ملك اللهِ تعالى حيث شاء جلَّ جلالُه، ولا يكون إلَّا بعد الإِذن، وهي متفاوتةٌ في
ذلك حَسَبَ تفاوتِها في القُرب والزُّلفَى من الله تعالى، حتى إنَّ بعضَ الأَرواح
الطاهرةِ لَتظهر فيراها مَن شاء اللهُ تعالى من الأحياء يقظة، وإنَّ أرواح الموتى تتلاقَى
وتتزاورُ وتتذاكر، وقد تتلاقى أرواحُ الأمواتِ والأحياءِ مناماً، ولا ينكر ذلك إلَّا مَن
يجعل الرُّؤيا خيالاتٍ لا أصلَ لها، وذلك لا يُلتفت إليه، لكن لا ينبغي أن يُبنَى
على ذلك حكمٌ شرعي؛ لاحتمال عدمِ الصَّة وإنْ قامت قرينةٌ عليها.
وما صحَّ من أنَّ ثابت بن قيسٍ بن شمَّاسٍ خرج مع خالد بن الوليد إلی حربٍ
مسيلمة، فاستشهد ◌َُّه، وكان عليه درٌ نفيسة، فمرَّ به رجلٌ من المسلمين
فَأَخذها، فبينا رجلٌ من الجند نائم، إذ أتاه ثابتٌ في منامه فقال له: أُوصيك
بوصيّة، فإِيَّاك أن تقولَ: هذا حلم، فتضيِّعَه، إنَّي لما قُتلت أمس مرَّ بي رجلٌ من
المسلمين فأخذ درعي، ومنزلُه في أَقصى الناس، وعند خِبائه فرسٌ يستنُّ في
◌ِوَله(٣)، وقد كفأ على الدِّرعِ بُرمة وفوقَ البرمةِ رحل، فأتِ خالداً فمُره أن يبعثَ
إلى درعي فيأخذها، وإذا قدمت المدينةَ على خليفة رسولِ الله وَله فقل له: إنَّ
عليَّ من الدَّين كذا وكذا، وفلانٌ من رقيقي عتيق، فأتى الرجلُ خالداً فأخبره،
فبعث إلى الدِّرع وأتى بها، وحدَّث أبا بكرِ ظُه برؤياه، فأجاز وصيّته. وقد ذكر
(١) كذا في الأصل و(م)، والصواب: أحوال وأطوار.
(٢) أخرجه أبو داود (٢٠٤١) من حديث أبي هريرة
(٣) أي: يعدو لمرحه ونشاطه ولا راكب عليه، والطّوَل: الحبل الذي يطوَّل للدابة لترعى فيه.

سُورَةُ الإِسْرَارَةِ
١٠٦
الآية : ٨٥
ذلك ابنُ عبدِ البرِّ(١) وغيرُه = مجابٌ عنه بأنَّ ذلك كان بإجازة الوارث؛ وهي بنتُه،
لغلبة ظنِّ صدقِ الرُّؤيا بما قام من القرينة، ولو لم تُجِزْ لم يَسُغ لأبي بكرٍ بَُّه
ذلك بمجرَّد الرؤيا. وقيل: إنَّ أبا بكر لم يرَ الردّ، ففعل ذلك من حصَّة بيتٍ
المال.
ومثلُ هذه القصَّةِ قصةُ الصعب(٢) بن جثَّامة وعوفٍ بن مالك، وقد ذكرها ابن
القيِّم في كتاب ((الرُّوح))(٣) وهي أَغربُ مما ذكر بكثير.
وربَّما يؤذَن لأرواح بعضٍ الناس في زيارة أهليهم، كما ورد في بعض الآثار،
وبعضُ الأرواح تُحبس في قبرها أو حيث شاء اللهُ تعالى عن مقامها، كروح مَن
يموت وعليه دينٌ استدانه في محرَّم، لا مطلقاً كما هو المشهور، وتحقيقُه في ((شرح
الشَّمائل)» للعلَّامة ابنِ حجر.
ثم اعلَمْ أنَّ اتِّصال الرُّوحِ بالبدن لا يختصُّ بجزءٍ دون جزء، بل هي متصلةٌ
مشرقةٌ على سائر أجزائه، وإن تفرَّقت وكان جزءٌ بالمشرق وجزء بالمغرب، ولعل
هذا الإشراقَ على الأجزاء الأصلية؛ لأنَّها التي يقوم بها الإنسانُ من قبره يومَ
القيامةِ على ما اختاره جمع.
واعلم أيضاً أنَّ الروحَ على القول بتجرُّدها لا مستقرَّ لها، بل لا يقال: إنها
داخلَ العالَم أو خارجَه، كما سمعتَ، وإنَّما المستقرُّ حينئذٍ للبدن الذي تتعلَّق به.
وقد نصَّ بعضُ الصوفيةِ على أنَّه لا مانعَ من أن تتعلَّقَ نفسٌ ببدنين فأكثر، بل
هو واقعٌ عندهم، وذكر بعضُهم أنَّ أحدَ البدنين هو البدنُ الأصليّ، والآخَر مثاليٍّ
يظهر للعِيان على وجه خرق العادة. وقال آخر: إنَّ الآخرَ من باب تطوُّر الروحِ
وظهورِها بصورة، على نحو ظهورِ جبريلَ عليه السلام بصورة دحيةَ الكلبيّ (٤)،
وظهورِ القرآنِ لحافظه بصورة الرجلِ الشاحبِ يومَ القيامة (٥) .
(١) في الاستيعاب ٧٣/٢-٧٤، وأخرجه الطبراني في الكبير (١٣٢٠)، والحاكم ٢٣٥/٣.
(٢) في (م): مصعب.
(٣) ص ٢٠ وأخرجها ابن أبي الدنيا في كتاب المنامات (٢٥).
(٤) أخرجه البخاري (٣٦٣٣)، ومسلم (٢٤٥١) من حديث أسامة بن زيد ها، وسلف ٤٦/٣.
(٥) أخرجه أحمد (٢٢٩٧٦)، وابن ماجه (٣٧٨١) من حديث بريدة رضاه، وسلف ١٠٤/٥.

الآية : ٨٥
١٠٧
سُؤَةُ الإِسْرَةِ
والفلاسفةُ قالوا: لا يجوز أن تتعلَّق نفسٌ واحدة بأبدانٍ كثيرة؛ لأنَّه يلزم أن
يكونَ معلومُ أحدِها معلومَ الآخَر ومجهولُ أحدِها مجهولَ الآخَرِ، ومعلومٌ أنَّ الأمرَ
ليس كذلك. ولا يخفى أنَّ هذا الدليلَ يدلُّ على أنَّ كلَّ إنسانَين يعلم
أحدُهما ما لا يعلم الآخَر، فإنَّ نفسَهما متغايرتان، فلمَ لا يجوز وجودُ إنسانين
يتعلَّق ببدنهما نفسٌ واحدة، ويكون كلُّ ما علمه أحدُهما علمه الآخَرُ لا محالة،
وما يجهله أحدُهما يكون مجهولاً للآخر، لا بدّ لعدم الجوازِ من دلیل.
وعلى ما ذكره هؤلاء الصوفيةُ يجوز أن تتعلَّقَ الروحُ ببدنٍ في الجنة وببدنٍ آخَر
حيث شاء اللهُ تعالى، بل يجوز أن تظهرَ في صورٍ شتَّى في أماكنَ متعدِّدة، على حدٍّ
ما قالوه في جبريل عليه السلام أنَّه في حال ظهورِه في صورة دِحيةَ أو أعرابيٍّ غيرِه
بين يدي النبي ◌َّ لم يفارق سِدرةً المنتهى.
وأنت تعلمُ ما يقولون في تجلِّ الله تعالى في الصُّور، وسمعتَ خبرَ ((إنَّ اللهَ
تعالى خلق آدمَ على صورته)»(١)، ومن هنا قالوا: مَن عرف نفسَه فقد عرف ربَّه،
فافهم الإِشارة، ولَعَمري هي عبارة.
ثم إنَّ أرواحَ سائرِ الحيوانات من البهائم ونحوِها قيل: تكون بعد المفارقةِ في
الهواء ولا اتَّصال لها بالأَبدان. وقيل: تُعدَم ولا يُعجِز الله تعالى شيءٍ.
ومِن الناس مَن قال: إنْ كان للحيوانات حشرٌ يوم القيامةِ كما هو المشهورُ
الذي تقتضيه ظواهرُ الآياتِ والأخبار، فالأَوْلى أن يقالَ ببقاءِ أَرواحها في الهواء،
أو حيث شاء الله تعالى، وإنْ لم يكن لها حشر، كما ذهب إليه الغزاليُّ وأوَّلَ
الظواهر، فالأَولى أن يقالَ بانعدامها .
هذا وبقيت أبحاثٌ كثيرة، تركناها لضيقِ القفص، وانِّساع دائرةِ الغصص،
ولعلَّ فيما ذكرناه هنا مع ما ذكرناه فيما قبلُ كفايةً لأهل البداية، وهدايةً لمن
ساعدته العناية، والله عزَّ وجلَّ وليُّ الكرم والجود، ومنه سبحانه بدءُ كلِّ شيءٍ وإليه
جلَّ وعلا يعود.
(١) سلف ص٩١ من هذا الجزء، و٩٠/٢-٩١.

سُؤَةُ الإِسْرَارَةِ
١٠٨
الآية : ٨٦ - ٨٧
﴿وَلَيْنِ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِىّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ من القرآنِ الذي هو شفاءٌ ورحمةٌ
للمؤمنين، والذي ثبَّتناك عليه حين كادوا يفتنونكَ عنه، إلى غير ذلك من أَوصافه
التي يُشعر بها السِّياق. وإنَّما عبّر عنه بالموصول؛ تفخيماً لشأنه ووصفاً له بما في
حيِّز الصلةِ ابتداءً، إعلاماً بحاله من أوَّل الأَمر، وبأنَّه ليس من قَبيل كلامٍ
المخلوق .
واللامُ الأُولى موطِّئة للقسم، و((لنذهبن)) جوابُه النائبُ منابَ جزاءِ الشرط، فهو
مُغْنٍ عن تقديره، وليس جزاءً؛ لدخول اللام عليه، وهو ظاهر، وبذلك حَسُنَ حذفُ
مفعولِ المشيئة.
والمرادُ بالذهاب به محوُه عن المصاحف والصُّدور، وهو أبلغُ من الإِفعال،
ويُراد على هذا من القرآن - على ما قيل - صورتُه، أعمُّ من أن تكونَ في نقوش
الكتابة، أو في الصُّوَر التي في القوَّة الحافظة.
أُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ﴾ أي: القرآنِ ﴿عَلَيْنَا وَكِيلًا ﴾﴾ أي: متعهِّداً وملتزماً
استردادَه بعد الذهابِ به، كما يلتزم الوكيلُ ذلك فيما يتوثّل عليه، حالَ كونِهِ متوقّعاً
أن يكونَ محفوظاً في السطور والصدورِ كما كان قبل، فالوكيلُ مجازٌ عما ذكر.
﴿إِلَّا رَحْمَةٌ مِّن رَّيِكَ﴾ استثناءٌ منقطع، على ما اختاره ابنُ الأنباريِّ وابنُ
عطية(١) وغيرُهما، وهو مفسَّر بـ ((لكنْ)) في المشهور، والاستدراكُ ـ على ما صرَّح به
الطّيبيُّ وغيرُه، واقتضاه ظاهرُ كلامِ جمعِ - عن قوله تعالى: (وَلَيْنِ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ).
وقال في ((الكشف)): إنَّه ليس استدراكاً عن ذلك؛ فإنَّ المستثنَى منه ((وكيلاً))
وهذا من المنقطع الممتنعِ إيقاعُه موقعَ الاسمِ الأوَّل الواجبِ فيه النصبُ في لغتَي
الحجازِ وتميم، كما في قوله تعالى: ﴿لَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ الَّهِ إِلَّا مَن زَحِرّ﴾ [هود:
٤٣] في رأي، وقولهم: لا تكوننَّ من فلانٍ إلَّا سلاماً بسلام، فقد صرَّح الرَّضِيُّ
وغيرُه بأنَّ الفريقين يوجبون النَّصب، ولا يجوِّزون الإبدالَ في المنقطع فيما لا يكون
قبلَه اسمٌ يصحُّ حذفه، وكونُ ما نحن فيه من ذلك ظاهرٌ لمن له ذوق، والمعنى: ثم
بعد الإذهابٍ لا تجد مَن يتوكّل علينا بالاسترداد، ولكن رحمةً من ربِّك تركتُه غیرَ
(١) في المحرر الوجيز ٤٨٢/٣.

الآية : ٨٧
١٠٩
سُؤَةُ الإِسْرَاةِ
مذهوب (١)، فلم تحتج إلى مَن يتوكّل للاسترداد مأيوسٍ عنه بالفقدان المدلولِ عليه
بـ ((لا تجد))، والتغايرُ المعنويُّ بين الكلامين من دَلالة الأوَّل على الإِذهاب ضمناً
والثاني على خلافه حاصل، وهو كافٍ، فافهم.
ويُفهِم صنيعُ البعضِ اختيارَ أنه استثناءٌ متصلٌ من ((وكيلاً))، أي: لا تجد وكيلاً
باسترداده إلَّا الرحمةَ، فإنك تجدها مستردَّة، وأنت تعلم أنَّ شمولَ الوكيلِ للرَّحمة
يحتاج إلى نوع تكلُّف.
وقال أبو البقاءِ (٢): إنَّ ((رحمة)) نصبٌ على أنه مفعولٌ له، والتقدير: حفظناه
عليك للرَّحمة، ويجوز أن يكونَ نصباً على أنه مفعولٌ مطلق، أي: ولكن رحمناك
رحمةً. انتهى. وهو كما ترى.
والآيةُ - على تقدير الانقطاع - امتنانٌ بإبقاء القرآنِ بعد الامتنانِ بتنزيله، وذكروا
أنَّها على التقدير الآخَر دالّة على عدم الإبقاء، فالمَّةُ حينئذٍ إنَّما هي في تنزيله،
ولا يخفى ما فيه من الخفاء، وما يُذكّر في بيانه لا يَروي الغلیل.
والآية ظاهرةٌ في أنَّ مشيئة الذَّهابِ به غيرُ متحقِّقة، وأنَّ فقدان المستردِّ إلَّا
الرحمةَ إنَّما هو على فَرْض تحقُّق المشيئة، لكن جاءَ في الأخبار أنَّ القرآنَ يُذْهَب به
قبل يوم القيامة، فقد أَخرج البيهقي، والحاكمُ وصحَّحه، وابنُ ماجه بسند قويٍّ عن
حذيفةً قال: قال رسول الله وَّهِ: ((يَدْرُسُ الإسلامُ كما يَدرسُ وَشْيُ الثوب، حتى
لا يُدرَى ما صيامٌ ولا صدقةٌ ولا نُسُك، ويُسرَى على كتاب اللهِ تعالى في ليلة،
فلا يبقَى في الأرضِ منه آية، ويبقى الشيخُ الكبيرُ والعجوزُ يقولون: أَدركنا آباءنا
على هذه الكلمة: لا إله إلَّا الله، فنحن نقولها))(٣).
وأَخرج ابنُ مردويه عن ابن عباسٍ وابنِ عمرَ قالا: خطب رسول الله وَله فقال:
((يا أيها الناس، ما هذه الكتبُ التي بلغني أنَّكم تكتبونها مع كتاب الله تعالى،
يوشك أن يغضبَ اللهُ تعالى لكتابه، فيُسرَى عليه ليلاً لا يُتَرَك في قلبٍ ولا ورقٍ منه
(١) في (م): منصوب، وهو خطأ.
(٢) في الإملاء ٤٩٧/٣ .
(٣) الشعب ٣٥٦/٢، والمستدرك ٤/ ٤٧٣، وسنن ابن ماجه (٤٠٤٩).

سُؤَدَةُ الإِسْرَاةِ
١١٠
الآية : ٨٧
حرفٌ إلَّا ذُهب به)) فقيل: يا رسولَ الله، فكيف بالمؤمنين والمؤمنات؟ قال: ((مَن
أراد الله تعالى به خيراً أبقَى في قلبه لا إله إلا الله))(١).
وأخرج ابنُ أبي حاتم، والحاكمُ وصحَّحه(٢) عن أبي هريرةَ قال: يُسْرَى على
كتاب اللهِ تعالى فيُرفع إلى السماءِ، فلا يبقَى في الأرض آيةٌ من القرآن ولا من
التوراة والإنجيل والزَّبور، فيُنزع من قلوب الرِّجال، فيصبحون في الضَّلالة لا يدرون
ما هم فيه.
وأخرج الدَّيلميُّ عن ابن عمرو (٣) مرفوعاً: ((لا تقوم الساعةُ حتى يرجعَ القرآنُ
من حيث جاء، له دويٌّ حول العرشِ كدويِّ النحل، فيقول الله عزَّ وجلّ: ما لَك؟
فيقول: منك خرجتُ وإليك أعود، أُتْلَى ولا يُعمل بي)) وأَخرج محمدُ بن نصرٍ نحوَه
موقوفاً عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
وأَخرج غيرُ واحدٍ عن ابن مسعودٍ أنَّه قال: سيُرفع القرآنُ من المصاحف
والصُّدور، ثم قرأ: (وَلَيِنِ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ) الآية، وفي ((البهجة)) أنَّه يُرفَع أولاً من
المصاحف، ثم يرفع لأَعجلٍ زمنٍ من الصدور.
والذاهبُ به هو جبريلُ عليه السلام، كما أخرجه ابنُ أبي حاتم من طريق
القاسم بن عبدِ الرَّحمن، عن أبيه، عن جدِّه (٤). فيا لَها من مصيبةٍ ما أعظّمَها، وبليَّةٍ
ما أوخَمَها، فإن دلَّت الآيةُ على الذهاب به، فلا منافاةَ بينها وبين هذه الأخبار،
وإذا دلَّت على إبقائه، فالمنافاةُ ظاهرة، إلّا أن يقال: إنَّ الإبقاءَ لا يستلزم
الاستمرار، ويكفي فيه إِبقاؤه إلى قُرب قيام الساعة، فتدبّر.
وممَّا يرشد إلى أنَّ سَوق الآيةِ للامتنان قولُه تعالى: ﴿إِنَّ فَضْلَهُ، كَانَ﴾ لم يزل
ولا يزال ﴿عَلَيْكَ كَبِيرًا ﴾﴾ ومنه إنزالُ القرآن، واصطفاؤه على جميعِ الخلق،
وختمُ الأنبياءِ عليهم السلام به، وإعطاؤه المقامَ المحمود، إلى غير ذلك.
(١) الدر المنثور ٢٠١/٤- ٢٠٢، وأخرجه أيضاً الطبراني في الأوسط (٧٥١٤).
(٢) في المستدرك ٥٠٦/٤ وعزاه لابن أبي حاتم السيوطي في الدر ٤/ ٢٠١.
(٣) في الأصل و(م): عمر، والمثبت في مسند الفردوس (٧٥١٣) وهو الصواب، فإنه من طريق
أبي قبيل (واسمه حيي بن هانئ) عن عبد الله بن عمرو به، وينظر تهذيب الكمال ٧/ ٤٩١ .
(٤) الدر المنثور ٤/ ٢٠٢.

الآية : ٨٨
١١١
سُؤَةُ الإِسْراء
وقال(١) أبو سهل إلى أنَّها سيقت لتهديد غيرِهِ وَّهِ بإذهاب ما أُوتوا ليصدَّهم عن
سؤال ما لم يؤتَوا، كعلم الرُّوح وعلمِ الساعة.
وقال صاحبُ ((التحرير)): يحتمل أن يقال: إنَّه وَيَ لمَّا سئل عن الرُّوح وذي
القَرنين وأهلِ الكهف وأبطأَ عليه الوحي، شقَّ عليه ذلك، وبلغ منه الغايةَ، فأنزل اللهُ
تعالى هذه الآيةَ تسكيناً له وَّهِ والتقدير: أَيعِزُّ عليك تأخّر الوحي، فإنَّا إن شئنا ذهبنا
بما أوحينا إليك جميعِه، فسكن ما كان يجدُهُ وَّهِ وطاب قلبُه. انتهى، وكلا القولَين
كما ترى.
﴿قُل لَّيْنِ أَجْتَمَعَتِ الْإِسُ وَآلْجِنُّ﴾ أي: أنَّفقوا ﴿عَلَى أَنْ يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْمَانِ﴾
المنعوتِ بما لا تُدركه العقولُ من التُّعوت الجليلةِ الشأن، من البلاغة وحسنِ النَّظم
وكمالِ المعنى.
وتخصيصُ الثقلينِ بالذِّكر لأنَّ المنكِر لكونه من عند اللهِ تعالى منهما لا من
غيرهما، والتحدِّي إنَّما كان معهما وإنْ كان النبيُّ وَّهِ مبعوثاً إلى المَلَك كما هو
مبعوثٌ إليهما، لا لأنَّ غيرَهما قادرٌ على المعارضة، فإنَّ الملائكةَ عليهم
السلام - على فَرْض تصدِّيهم لها وحاشاهم؛ إذ هم معصومون لا يفعلون إلَّا
ما يؤمرون - عاجزونَ كغيرهم .
﴿لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ أي: هذا القرآنِ. وأُوثر الإظهار على إِيراد الضميرِ الراجعِ
إلى المثل المذكور؛ احترازاً عن أن يتوهّم أنَّ له مثلاً معيَّناً، وإيذاناً بأنَّ المراد نفيُ
الإتيانِ بمثلٍ مّا، أي: لا يأتون بكلام مماثلٍ له فيما ذكر من الصِّفات الجليلةِ الشأن
وفيهم العربُ العرباءُ أربابُ البراعةِ والبيان.
وقيل: المرادُ تعجيزُ الإنس، وذِكرُ الجنِّ مبالغةٌ في تعجيزهم؛ لأنَّهم إذا عجزوا
عن الإِتيان بمثله ومعهم الجنُّ القادرون على الأَفعال المستغربة، فهم عن الإِتيان
بمثله وحدهم أَعجز. وليس بذاك.
وقيل: يجوز أن يرادَ من الجنِّ ما يشمل الملائكةَ عليهم السلام، وقد جاءَ
(١) كذا في الأصل و(م)، وهو وهم من المصنف رحمه الله، والصواب: وذهب ... ، ينظر
البحر ٦/ ٧٦.

سُؤَةُ الإِسْرَاةِ
١١٢
الآية : ٨٨
إطلاقُ الجنَّ على الملائكة، كما في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ اَلِنَّةِ نَسَبَّ﴾
[الصافات: ١٥٨] نعم الأكثرُ استعمالُه في غير الملائكة عليهم السلام. ولا يخفَى أنَّه
خلاف الظاهر.
وزعم بعضُهم أن الملائكةَ عليهم السلام حيث كانوا وسائطً في إتيانه لا ينبغي
إدراجُهم؛ إذ لا يلائمه حينئذٍ ((لا يأتون بمثله)). وفيه أنَّه ليس المرادُ نفيَ الإتيان
بمثله من عند الله تعالى في شيءٍ ممن أُسند إليهم الفعل.
وجملةُ ((لا يأتون)) جوابُ القسم الذي ينبئُ عنه اللامُ الموطِّئةُ، وسادٍّ مسدّ
جزاءِ الشرط، ولولاها لكان ((لا يأتون)) جزاءً الشرطِ وإن كان مرفوعاً بناءً على
القول بأنَّ فعلَ الشرطِ إذا كان ماضياً يجوز الرفعُ في الجواب، كما في قول
زهیر:
وإنْ أتاه خليلٌ يومَ مسغبةٍ يقول لا غائبٌ مالي ولا حَرِمُ (١)
لأنَّ أداةَ الشرطِ إذا لم تؤثِّر في الشَّرط ظاهراً مع قُربه، جاز ألَّا تؤثِّرَ في
الجواب مع بُعده. وهذا القولُ خلافُ مذهبٍ سيبويه ومذهبِ الكوفيِّين والمبرِّدِ
كما فصِّل في موضعه(٢).
ولا يجوز عند البصريِّين مع وجودِ هذه اللامِ جعلُ المذكورِ جواب الشرطِ
خلافاً للفرَّاء(٣)، وأمَّا قولُ الأعشى:
لَئْن مُنيتَ بنا عن غِبِّ معركةٍ لا تُلفِنا عن دماء الخلقِ ننتفلُ(٤)
فاللامُ ليست الموطّئة، بل هي زائدةٌ على ما قيل، فافهم.
وحيث كان المرادُ بالاجتماع على الإِتيان بمثل القرآنِ مطلقَ الاتفاقِ على
ذلك، سواءٌ كان التصدِّي للمعارضة من كلِّ واحدٍ منهم على الانفراد، أو من
المجموعِ بأن يتألَّبوا على تلفيق كلامٍ واحدٍ بتلاحق الأفكارِ وتعاضدِ الأَنظار = قال
(١) ديوان زهير ص ١٥٣ .
(٢) انظر ٣٦٣/٢.
(٣) انظر معاني القرآن ١٣٠/٢-١٣١.
(٤) ديوان الأعشى ص ١١٣.

الآية : ٨٨
١١٣
سُورَةُ الإِسْرَةِ
سبحانه: ﴿وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ﴾﴾ أي: مُعِيناً في تحقيق ما يتوخَّونه من
الإِتيان بمثله.
والجملة عطفٌ على مقدَّر، أي: لا يأتون بمثله لو لم يكن بعضُهم لبعضٍ ظهيراً
ولو كان ... إلخ. وهي في موضع الحالِ كالجملة المحذوفة، والمعنى: لا يأتون
بمثله على كلِّ حالٍ مفروض، ولو في مثل هذه الحالِ المنافيةِ لعدم الإتيان به فضلاً
عن غيرها. وفيه ردٌّ لليهود أو قريش في زعمهم الإتيانَ بمثله، فقد رُوي أنَّ طائفةً
من الأوَّلين قالوا: أَخيِرنا يا محمدُ بهذا الحقِّ الذي جئتَ به، أحقٌّ من عند اللهِ
تعالى؟ فإنَّا لا نراه متناسقاً كتناسق التَّوراة، فقال ◌َِّ لهم: ((أَمَا واللهِ إنَّكم لتعرفونه
أنَّه من عند اللهِ تعالى)) قالوا: إنَّا نجيئك بمثلٍ ما تأتي به، فأنزل اللهُ تعالى هذه
الآية(١) .
وفي روايةٍ أنَّ جماعةً من قريشٍ قالوا له وَّهِ: جئنا بآية غريبةٍ غيرِ هذا القرآن،
فإِنَّا نحن نقدر على المجيءٍ بمثله، فنزلت. ولعل مرادَهم بهذه الآيةِ الغريبةِ ما تضمَّنه
الآياتُ بعد، وهي قوله تعالى: (وَقَالُواْ لَن تُؤْمِنَ لَكَ) إلخ، وحينئذٍ قيل: يمكن أن
تكونَ هذه الآيةُ مع الآياتِ الأُخَر ردًّا لجميع ما عَنَوه بهذا الكلام، إلَّا أنَّه ابتدأ بردٌ
قولهم: نحن نقدر .. إلخ، اهتماماً به، فإنَّ قولَهم ذلك منشأُ طلبهم الآيةَ الغريبة.
وفي «إرشاد العقلِ السليم))(٢) أنَّ في هذه الآيةِ حسمَ أطماعِهم الفارغةِ في رَومِ
تبديلٍ بعض آياتهِ ببعض، ولا مساغَ لكونها تقريراً لما قبلها من قولِه تعالى: (ثُمَّ لَاّ
تَجِدُ لَّكَ بِهِ، عَلَيْنَا وَكِيلًا) كما قيل، لكن لا لِمَا قيل من أنَّ الإتيانَ بمثله أصعبُ من
استرداد عينِه ونفيُّ الشيءٍ إنَّما يقرِّره نفي ما دونه دونَ نفي ما فوقه؛ لأنَّ أصعبيةً
الاستردادِ بغير أمرٍ تعالى من الإتيان المذكورِ ممَّا لا شبهةَ فيه، بل لأنَّ الجملةَ
القَسَمية ليست مسوقةً إلى النبيِّ وَّ، بل إلى المكابرين من قَبلِه عليه الصلاة
والسلام. انتھی.
ومنه يُعلَم ما في قول بعضِهم في وجهِ التقرير: إنَّ عدم قدرةِ الثَّقلين على ردِّه
بعد إِذهابه مساوٍ لعدم قدرتهم على مثله؛ لأنَّ ردَّه بعينه غيرُ ممكن، لعدم وصولهم
(١) أخرجه الطبري ٧٦/١٥ مطولاً من حديث ابن عباس.
(٢) ٥/ ١٩٤.

سُورَةُ الإِسْرَاءِ
١١٤
الآية : ٨٩
إلى الله تعالى شأنُه، فلم يبقَ إلَّا ردُّه بمثله، فصرَّح بنفيه تقريراً له من النّظر وعدم
الجدوى.
هذا واستدلَّ صاحبُ ((الكشّاف))(١) بإعجاز القرآنِ على حدوثه؛ إذ لو كان قديماً
لم يكن مقدوراً، فلا يكونُ معجزاً، كالمحال. وتعقّبه في ((الكشف)) بأنَّه لا نزاعَ في
حدوث النَّظمِ - وإن تحاشَى أهلُ السنةِ من إطلاق المخلوقِ عليه للإيهام - وهو
المعجز، إنَّما النزاعُ في المعبَّر بهذه العبارةِ المعجزة، وهو المسمَّى بالكلام النفسيّ،
فهو استدلالٌ لا ينفعه. وذكر نحوَه ابنُ المنير(٢).
وقال صاحبُ ((التقريب)): الجوابُ منعُ الملازمة؛ إذ مصحِّح المقدوریةِ
الإمكانُ، وهو حاصلٌ، لا الحدوث، وأيضاً المعجزُ لفظُه، ولا يقال بقِدَمه،
والقديمُ كلامُ النفس، ولا يقال بإعجازه، وأيضاً سلَّمنا أنَّ القديمَ لا يقدر البشرُ على
عینه، لكن لم لا يقدر على مثله.
واختار العلّامةُ الطيبيُّ هذا الأخيرَ في الجواب، وقد ذكرنا في المقدِّمات من
الكلام ما ينفعكَ في هذا المقام، فتدبّر، والله تعالى وليُّ الإنعام، ومسدِّد الأفهام.
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا﴾ كرَّرنا وردَّدنا على أساليبَ مختلفةٍ توجب زيادةً تقريرٍ ورسوخ
﴿لِلنَّاسِ﴾ أهلِ مكةً وغيرِهم، كما هو الظاهرُ ﴿فِى هَذَا الْقُرْءَانِ﴾ المنعوتِ بما ذُكر
من النعوتِ الفاضلة ﴿مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ من كلِّ معنّى بديع، هو في الحُسن والغرابةِ
واستجلاب التُّفوس کالمثل.
ومفعولُ ((صرفنا)) - على ما استظهره أبو حيَّان(٣) - محذوف، أي: البيانَ،
وقدَّره البيناتِ والعِبرَ، و((مِن)) لابتداء الغاية، وجوَّز ابن عطية(٤) أن تكونَ سيفَ
خطيب، فـ (كل)) هو المفعول، وهذا مبنيٌّ على مذهب الكوفيِّين والأَخفش؛ لأنَّهم
يجوِّزون زيادةَ مِن في الإيجاب دون جمهورِ البصريين.
(١) ٢ / ٤٦٥ .
(٢) في الانتصاف ٢/ ٤٦٥.
(٣) في البحر ٧٩/٦.
(٤) في المحرر الوجيز ٤٨٤/٣.

الآية : ٩٠
١١٥
سُؤَةُ الإشرارة
وقرأ الحسن: ((صَرَفنا)) بتخفيف الراءِ (١)، وقراءةُ الجمهورِ أبلغ.
وأيَّاما كان، فالمرادُ: فعلنا ذلك للنَّاس ليُذعنوا ويتلقَّوه بالقَبول ﴿فَأَّ أَكْثَرُ النَّاسِ
إِلَّا كُفُورًا ﴾﴾ أي: جحوداً، وفسِّر به لثبوت الصّدق بأصل الإعجاز.
والمرادُ بالناس المذكورون أولاً، وأُوثر الإظهارُ على الإضمار تأكيداً
وتوضيحاً، والمرادُ بالأكثر قيل: مَن كان في عهده وَّ من المشركين وأهلٍ
الكتاب. واستظهر في ((البحر))(٢) أنَّهم أهلُ مكة، بدليل أنَّ الضمائرَ الآتيةَ لهم.
ونصب (كفوراً)) على أنَّه مفعولُ (أبى))، والاستثناءُ مفرَّغ، وصحَّ ذلك هنا
مع أنَّه مشروطٌ بتقدُّم النفي - فلا يصحّ: ضربتُ إلَّا زيداً - لأنَّ ((أبى)) قريبٌ من
معنى النفي، فهو مؤوَّل به، فكأنَّه قيل: ما قَبِل أَكثرهم إلَّا كفوراً، وفيه من
المبالغة ما ليس في: أَبَوا الإيمان؛ لأنَّ فيه زيادةً على أنهم لم يرضَوا بخصلةٍ
سوى الكفرِ من الإيمان والتوقُّفِ في الأمر ونحوِ ذلك، وأنَّهم بالغوا في عدم
الرِّضا حتى بلغوا مرتبةَ الإباء، وإنَّما لم يَجُز ذلك في الإثباتِ لفساد المعنى، إذ
لا قرينةَ على تقديرِ أمرٍ خاصّ، والعمومُ لا يصحّ، إذ لا يمكن في المثال أن
تضربَ كلَّ أحدٍ إلَّا زيداً، فإن صحّ العمومُ في مثال، جاز التفريغُ في غير
تأويلٍ بنفي، فيجوز: صلَّيتُ إلَّا يومَ كذا، إذ يجوز أن تصلِّ كلَّ يومٍ غيرَه.
وجوِّز أن تكونَ الآيةُ من هذا القَبيل، بأن يكونَ المراد: أَبوا كلَّ شيءٍ
فيما اقترحوه إلَّا كفوراً.
﴿وَقَالُواْ﴾ عند ظهورِ عجزِهم ووضوحٍ مغلوبيَّتهم بالإعجاز التنزيليِّ وغيرِه من
المعجزاتِ الباهرة، متعلُّلين بما لا تقتضي الحكمةُ وقوعَه من الأمور، ولا توقُّفَ
لثبوت المدَّعَى عليه، وبعضُه من المحالاتِ العقلية: ﴿لَن تُؤْمِنَ لَكَ حَّى تَفْجُرَ﴾
بالتخفيف من باب نَصَرَ المتعدِّي، وبذلك قرأ الكوفيُّون(٣)، أي: تفتح، وقرأ باقي
السبعة: ((تفجِّرَ)) من فجَّر مشدّداً، والتضعيفُ للتكثير لا للتعدية.
(١) البحر المحيط ٧٩/٦.
(٢) ٦/ ٧٩.
(٣) التيسير ص ١٤١، والنشر ٣٠٨/٢.

ـرَةُ الأَسْرَءِ
١١٦
الآية : ٩١ - ٩٢
وقرأ الأعمشُ وعبد اللهِ بنُ مسلم بن يسار: ((تُفْجِرَ)(١) من أَفجر رباعيًّا، وهي
لغةٌ في فجر.
﴿لَنَا مِنَ الْأَرْضِ﴾ أي: أرضِ مَّة؛ لقلَّة مياهها، فالتعريف عهديّ ﴿يَنْبُوعًا
مفعولٌ من: نَبَعَ الماءُ، كَيَعبُوب، من عبَّ الماءُ، إذا زخر وكثر موجُه، فالياءُ زائدةٌ
للمبالغة، والمراد: عيناً لا ينصُب ماؤها.
وأخرج ابنُ أبي حاتمٍ عن السُّدِّي أنَّ الينبوعَ هو النهرُ الذي يجري من
العين(٢)، والأولُ مرويٌّ عنّ مجاهد، وكفى به.
﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ﴾ خاصَّة ﴿جَنَّةٌ﴾ بستانٌ تستر أشجارُها ما تحتها من العَرصة
﴿مِّنْ تَّخِيلٍ وَعِنَبِ﴾ خصُّوهما بالذِّكر لأنَّهما كانا الغالبَ في هاتيك النَّواحي مع
جلالة قَدْرِهما ﴿فَنُفَجِّرَ الْأَنْهَرَ﴾ أي: تُجريها ﴿خِلَلَهَا﴾ نصبٌ على الظرفية، أي:
وَسْطَ تلك الجنةِ وأثناءها ﴿تفجيرًا
﴾ كثيراً. والمراد: إمَّا إجراءُ الأنهارِ خلالها
٩١
عند سقيها، أو إدامةُ إجرائها كما يُنبئ الفاء.
﴿أَوْ تُتْقِطَ السَّمَآءَ﴾ الجِرمَ المعلوم ﴿كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ جمع كِسْفة،
كقِطعة وقِطَع، لفظاً ومعنّى، وهو حالٌ من السماء.
والكافُ في ((كما)) في محلِّ النصبِ على أنَّه صفةُ مصدرٍ محذوف، أي:
إسقاطاً مماثلاً لما زعمت، يعنُون بذلك قولَه تعالى: ﴿أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ
السَّمَاءِ﴾ [سبأ: ٩].
وزعم بعضُهم أنَّهم يعنون ما في هذه السورةِ من قولِه تعالى: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخِفَ
بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ [الآية: ٦٨] وليس بشيءٍ.
وقيل: إنَّ المعنى: كما زعمت أنَّ ربَّك إن شاءَ فعل. وسيأتي ذلك إن شاء اللهُ
تعالى في خبر ابنِ عباس.
وقرأ مجاهد: ((يَسقطَ السماءُ)) بياء الغيبة ورفع ((السماء))(٣).
(١) البحر ٧٩/٦.
(٢) الدر المنثور ٤/ ٢٠٣.
(٣) القراءات الشاذة ص ٧٧، والبحر ٧٩/٦.

الآية : ٩٢
١١٧
سورة الاسراء
وقرأ ابنُ كثيرٍ وأبو عَمٍو وحمزةٌ والكِسائيُّ ويعقوب: ((كِسْفاً)) بسكون السينِ في
جميع القرآن إلَّا في ((الرُّوم))، وابنُ عامر إلَّا في هذه السُّورة، ونافعٌ وأبو بكرٍ في
غيرهما، وحفصٌ فيما عدا ((الظُّور))، في قول. وفي ((النَّشر))(١) أنَّهم اتَّفقوا على
إسكان السينِ في ((الطور)) وهو إمَّا مخفّف من المفتوح؛ لأنَّ السكونَ من الحركة
مطلقاً، كسِدْر وسِدَر، أو هو فِعْلٌ صفةٌ بمعنى مفعول، كالطّحْن بمعنى المطحون،
أي: شيئاً مكسوفاً، أي: مقطوعاً .
﴾ أي: مقابلاً، كالعشير والمعاشرِ.
٩٢
﴿أَوْ تَأْتِىَ بِاللَّهِ وَالْمَلَِّكَةِ قَبِيلًا
وأرادوا - كما أَخرج ابنُ أبي حاتمٍ عن ابن عباس - عياناً (٢)، وهذا كقولهم: ﴿لَوْلًا
أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَتِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَاْ﴾ [الفرقان: ٢١].
وفي روايةٍ أخرى عن الحَبرِ والضخَّاك تفسيرُ القبيلِ بالكفيل، أي: كفيلاً
بما تدَّعيه، يعنون شاهداً يشهد لك بصحّة ما قلته، وضماناً يضمن ما يترتَّب عليه،
وهو على الوجهَين حالٌ من الجلالة، وحالُ ((الملائكةِ)) محذوفةٌ لدَلالة الحالِ
المذكورةِ عليها، أي: قُبَلاء، كما حُذف الخبرُ في قوله:
ومن يكُ أمسى في المدينة رحلُه فإني وقيَّارٌ بها لغَرِيبُ(٣)
وذكر الطبرسيُّ عن الزجَّاج أنَّه فسَّر ((قبيلاً)) بـ: مقابلةً ومعاينة، وقال: إنَّ
العربَ تُجريه في هذا المعنى مُجرَى المصدر، فلا يثنَّى ولا يُجمع ولا يؤنَّث(٤)،
فلا تغفل.
وعن مجاهد: القبيلُ الجماعةُ كالقبيلة، فيكون حالاً من ((الملائكة)».
وفي ((الكشف)) جعله حالاً من الملائكة لقُرب اللفظ وسدادِ المعنى؛ لأنَّ
المعنى: تأتي بالله تعالى وجماعةٍ من الملائكة، لا: تأتي بهما جماعةً، ليكون حالاً
(١) ٣٠٩/٢.
(٢) الدر المنثور ٢٠٣/٤.
(٣) قائله ضابئ بن الحارث البرجمي، كما في الكتاب ٧٥/١، والحماسة البصرية ٥٦/٢،
والخزانة ٣١٢/١٠-٣٢٠، وسلف ١٨٣/٧، ٣٣٦.
(٤) مجمع البيان ٩٧/١٥، وانظر معاني القرآن للزجاج ٢٥٩/٣ -٢٦٠.

سُورَةُ الإِسْرَةِ
١١٨
الآية : ٩٣
على الجمع، إذ لا يراد معنى المعيةِ معه تعالى، أَلَا ترى إلى قولهِ سبحانه حكايةً
عنهم: ﴿أَوْ نَى رَبَّنَا﴾ [الفرقان: ٢١] والقرآنُ يفسّر بعضه بعضاً. انتهى.
وقرأ الأَعرج: ((قِبَلاً))(١) من المقابلة. وهذا يؤيِّد التفسيرَ الأوَّل.
﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّنْ زُخْرُفٍ﴾ من ذهب، كما رُوي عن ابن عباسٍ وقتادةً
وغيرِهما، وأصلُه الزينة، وإطلاقُه على الذهب؛ لأنَّ الزينةَ به أرغبُ وأعجب.
وقرأ عبدُ الله: ((من ذهب))، وجعل ذلك في ((البحر))(٢) تفسيراً لا قراءة؛
لمخالفته سواد المصحف.
﴿أَوْ تَرْفَى فِ السَّمَاءِ﴾ أي: تصعد في معارجها، فحذف المضاف، يقال: رقَى
في السُّلَّم والدرجة، والظاهرُ أنَّ السماءَ هنا المُظِلَّة.
وقيل: المرادُ المكانُ العالي، وكلُّ ما ارتفع وعلا يسمَّى سماءً، قال
الشاعر:
وقد يسمَّى سماءً كلُّ مرتفعٍ
وإنَّما الفضلُ حيث الشمسُ والقمرُ(٣)
﴿وَلَنْ تُؤْمِنَ لِرُفِيِّكَ﴾ أي: لأجل رقيِّك فيها وحدَه، أو لن نصدِّقَ رقيَّك فيها
﴿حَّى تُنَزِّلَ﴾ منها ﴿عَلَيْنَا كِنَبَا نَّفْرَؤُهُ﴾ بلُغتنا على أُسلوب كلامِنا وفيه تصديقُك.
﴿قُلْ﴾ تعجّباً من شدَّة شكيمتهم، وفَرطِ حماقتهم: ﴿سُبْحَانَ رَبِ﴾ أو قل ذلك
تنزيهاً لساحة الجلالِ عمَّا لا يكاد يليقُ بها من مِثل هذه الاقتراحات، التي تضمَّنت
ما هو من أَعظمُ المستحيلات، كإتيان الله تعالى على الوجه الذي اقترحوه، أو عن
طلبٍ ذلك. وفيه تنبيهٌ على بطلانِ ما قالوه.
وقرأ ابنُ كثيرٍ وابن عامر: ((قال سبحانَ ربِّي))(٤) أي: قال النبيُّ وَّدٍ .
كسائر الرُّسلِ عليهم السلام، وكانوا لا يأتون
﴿هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٥)
(١) البحر المحيط ٦/ ٨٠.
(٢) ٦/ ٨٠.
(٣) البحر المحيط ٦/ ٨٠، وزهر الأكم ٩٠/٢ دون نسبة، ونسبه العماد الكاتب في الخريدة
(٢/ ١١٧ قسم شعراء المغرب) إلى ابن اللبانة الداني الأندلسي.
(٤) التيسير ص ١٤١، والنشر ٣٠٩/٢.

الآية : ٩٣
١١٩
سُورَةُ الإِسْرَاءِ
قومَهم إلَّا بما يُظهره اللهُ تعالى على أيديهم حَسْبما تقتضيه الحِكمة، من غير تفويضٍ
إلیھم فیه، ولا تحگم منهم عليه سبحانه.
و ((بشراً)) خبرُ كان، و(رسولاً)) صفتُه، وهو معتمدُ الكلام، وكونُه بشراً توطئةٌ
لذلك، ردًّا لما أَنكروه من جواز كونِ الرَّسول بشراً، ودلالةً على أنَّ الرسلَ عليهم
السلام من قبلُ كانوا كذلك، ولهذا قال الزمخشريّ(١): هل كنتُ إلَّا رسولاً كسائر
الرسلِ بشراً مثلَهم.
وزعم بعضٌ أنَّ ذِكرَ ((بشراً)) ليس للتَّوطئة، فإنَّ طلب القوم منه عليه الصلاة
والسلام ما طلبوه يحتمل أن يكونَ طلبَ أن يأتيَ به بقدرة نفسِهِ وَّر، ويحتمل أن
يكونَ طلبَ أن يأتيَ به بقدرة اللهِ تعالى، فذكر ((بشراً» لنفي أن يأتيَ بذلك بقدرة
نفسِهِ، كأنَّه قال: هل كنتُ إلَّا بشراً، والبشرُ لا قدرةَ له على الإتيانِ بذلك، وذَكَرَ
((رسولاً)) لنفي أن يأتيَ به بقدرة الله تعالى، كأنَّه قيل: هل كنتُ إلَّا رسولاً والرسولُ
لا یتحگّم على ربِّه سبحانه.
وتعقِّب بأنَّ هذا مع ما فيه من مخالفةِ الآثارِ - كما ستعلمه قريباً إن شاءَ اللهُ
تعالى - ظاهرٌ في جعل الاسمين خبرَين، وهو مما يأباه الذَّوقُ السليم.
وقال الخَفاجي(٢): إنَّ كونَ الاسمين خبرين غيرُ متوجّه؛ لأنَّه يقتضي
استقلالَهما، وأنَّهم أنكروا كلَّا منهما حتى ردَّ عليهم بذلك، ولم يُنكِر أحدٌ
بشريَّتِهِ وَل ـ
وتعقِّب بأنَّهم لمَّا طلبوا منه عليه الصلاة والسلام ما لا يتأتَّى من البشر، كالرُّقيِّ
في السماءِ، كانوا بمنزلة مَن أَنكر بشريّته. وهو كما ترى.
وجوَّز بعضُهم كونَ ((بشراً)) حالاً من النكرة، وسوَّغ ذلك تقدُّمُه عليها، وهو
ركيك؛ لأنَّه يقتضي أن له وَلِّ حالاً آخَرَ غيرَ البشرية، ولا يقول بذلك أحد، اللهم
إلَّا أن يكونَ من الوجودية.
هذا والظاهرُ اتِّحاد القائلِ لجميع ما تقدَّم، ويحتمل عدمَ الاتِّحاد، بأن يكونَ
(١) في الكشاف ٦/ ٦١ .
(٢) في حاشيته ٦/ ٦١ .

سُؤَبَقُ الاسْرَاةِ
١٢٠
الآية : ٩٣
بعضٌ اقترح شيئاً وبعضٌ آخَرُ اقترح آخرَ، لكن نُسب القولُ إلى الجميع لرضا كلِّ
بما اقترح الآخر.
وأخرج سعيد بنُ منصور وغيرُه عن ابن جُبيرٍ أنَّ قوله تعالى: (وَقَالُواْ لَنْ تُؤْمِن
لَّكَ) إلخ نزل في عبد اللهِ بن أبي أمية، وهو ظاهرٌ في أنَّه القائل، ولا يعكِّر عليه
ضميرُ الجمع؛ لِمَا أَشرنا إليه.
وأخرج ابنُ إسحاق وجماعةٌ عن ابن عباسٍ ﴾: أنَّ عتبة وشيبةَ ابنَي ربيعة،
وأبا سفيانَ بنَ حرب، والأسودَ بن المطلب، وزمعةَ بنَ الأسود، والوليد بن
المغيرة، وأبا جهلٍ، وعبدَ اللهِ بنَ أبي أمية، وأمية بن خلف، وناساً آخَرين اجتمعوا
بعد غروبِ الشَّمس عند الكعبة، فقال بعضُهم لبعض: ابعثوا إلى محمدٍ فكلِّموه
حتى تُعذِروا فيه، فبعثوا إليه، فجاءهم ◌َِّ سريعاً وهو يظنُّ أنَّهم قد بدا لهم في أمره
بَداء، وكان عليهم حريصاً، يحبُّ رُشدَهم ويَعِزُّ عليه عَنَتُهم، حتى جلس إليهم،
فقالوا: يا محمَّد، إنَّا قد بعثنا إليك لنُعذِرَك، وإنَّا واللهِ ما نعلم رجلاً من العربِ
أدخلَ على قومه ما أَدخلتَ على قومك، لقد شتمتَ الآباء، وعِبت الدِّين، وسفَّهت
الأَحلام، وشتمت الآلهة، وفرَّقت الجماعة، فما بقي من قبيح إلَّا وقد جئتَه
فيما بيننا وبينك، فإن كنتَ إنَّما جئت بهذا الحديثِ تطلب مالاً، جمعنا لك من
أموالنا حتى تكونَ أكثرَنا مالاً، وإن كنتَ إنَّما تطلب الشرفَ فينا، سوَّدناك علينا،
وإنْ كنت تريد ملكاً، ملَّكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيكَ بما يأتيك رئيًّا تراه
قد غلب عليك، بذلنا أَموالنَا في طلب الطبِّ، حتى نُبرتَك منه أو نُعذِرَ فيك. فقال
رسولُ اللهِ وَلجر: ((ما بي ما تقولون، ما جئتُكم بما جئتكم به أَطلب أموالَكم
ولا الشرفَ فيكم ولا الملكَ عليكم، ولكنَّ اللهَ تعالى بعثني إليكم رسولاً، وأنزل
عليَّ كتاباً، وأمرني أن أكونَ لكم بشيراً ونذيراً، فبلَّغْتُكم رسالةَ ربِّي ونصحتُ لكم،
فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظّكم في الدُّنيا والآخرة، وإن ترُدُّوه عليَّ، أَصبر
لأمرِ اللهِ تعالى حتى يَحكمَ الله تعالى بيني وبينكم)). فقالوا: يا محمَّد، فإنْ كنتَ غيرَ
قابلٍ منَّا ما عرضنا عليك، فقد علمتَ أنَّه ليس أحدٌ من الناس أضيقَ بلاداً ولا أقلّ
مالاً ولا أشدّ عيشاً منا، فاسأل ربَّك الذي بعثكَ بما بعثك به فليسيِّر عنا هذه
الجبالَ التي ضيَّقَت علينا، وليَبسُط لنا بلادنا، وليُجرِ فيها أنهاراً كأنهار الشامِ