النص المفهرس
صفحات 61-80
الآية : ٧٩ ٦١ سُؤَةُ الاسْراءِ وأَجاب مَن ذهب إلى الأوَّل بأنَّه يحتمل أن يكونَ المرادُ: المقامُ الذي أَشفع فيه أوَّلاً لأمَّتي، فقد أخرج الشيخان(١) وغيرُهما عن أبي هريرةَ أيضاً من حديثٍ طويل في الشفاعةِ فيه فَزَعُ الناسِ إلى آدَمَ ونوحٍ وإبراهيمَ وموسى وعيسى عليهم السلام، واعتذارُ كلِّ منهم - ما عدا عيسى عليه السلام - بذنب، أنَّه ◌ِوَِّ قال: ((فيأتوني - يعني الناسَ بعد مَن علمتَ من الأنبياءِ عليهم السلام - فيقولون: يا محمد، أنت رسولُ اللهِ وخاتَمُ الأنبياء، وقد غفر الله تعالى لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخّر، اِشفعْ لنا إلى ربِّك، أَلا ترى إلى ما نحن فيه، فَأَنطلقُ فآتي تحتَ العرشِ فأقعُ ساجداً لربِّي، ثم يفتح الله تعالى عليَّ من محامده وحُسنِ الثناءِ عليه شيئاً لم يفتحه على أحدٍ قبلي، ثم يقال: يا محمَّد، إِرفع رأسَك، سل تعطّه، واشفع تشفَّع، فَأَرفع رأسي فأقول: أُمَّتي ياربِّ، فيقال: يا محمد، أَدخل مِن أمَّتْك مَن لا حسابَ عليهم من الباب الأيمنِ من أبواب الجنَّة، وهم شركاءُ الناسِ فيما سوى ذلك من الأبواب». ومِن الناس مَن فسَّره بمقام الشفاعةِ في موقفِ الحشر، حيث يعترف الجمیعُ بالعجز، أعمُّ من أن تكونَ عامَّةً كالشَّفاعة لفصلِ القضاء، أو خاصَّةً كالشفاعة لبعض عُصاةٍ أَمَّته وَِّ في العفو عنهم، والاقتصارُ على أَحد الأمرَين في بعض الأخبارِ لنكتةٍ اقتضاها الحال، ولكلِّ مقام مقال، وحَمَلَ هذا الشفاعةَ للأمَّة في خبر أبي هريرةَ المتقدِّمِ على الشفاعة لبعض عصاتِهم في الموقفِ قبل دخولهم النار، وإلّا فلو أُريد الشفاعةُ لهم بعد الحساب ودخولِ أهل الجنةِ الجنةَ وأهلِ النارِ النار - كما رُوي عن أبي سعيد - لم يتيسَّر الجمعُ بين الرِّوايات، إلَّا بأن يقال: المقامُ المحمودُ هو مقامُ الشفاعة، أعمُّ من أن تكونَ في الموقف عامَّةً وخاصةً وأن تكونَ بعد ذلك، ويكونُ الاقتصارُ لنكتة. وقد جاءَ تفسيرُه بمقام الشفاعةِ مطلقاً، فقد أَخرج ابنُ مردويه عن سعد بنٍ أبي وقاصٍ قال: سئل النبيُّ وَّر عن المقام المحمود، فقال: ((هو الشفاعة))(٢). (١) صحيح البخاري (٤٧١٢)، وصحيح مسلم (١٩٤). (٢) الدر المنثور ٤ / ١٩٧ . سُؤَةُ الإِسْراءِ ٦٢ الآية : ٧٩ وأخرج ابن جَريرٍ عن وَهْب، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسول الله وَّهِ قال: ((المقامُ المحمودُ الشفاعة)» (١). وأخرج ابن جَريرٍ والطبرانيُّ وابنُ مردويه من طرقٍ عن ابن عباسٍ أنه فسَّره بذلك(٢). ثم الشفاعةُ من حيث هي وإن شاركه فيها وََّ غيرُه من الملائكة والأنبياءِ عليهم السلام وبعضٍ المؤمنين، إلَّا أنَّ الشفاعةَ الكاملة والأنواعَ الفاضلة لا تَثْبت لغيره عليه الصلاة والسلام، وقد أَوصل بعضُهم الشفاعةَ المختصَّة به وَّهِ إلى عشر، وذكره بعضُ شرَّاح البخاريِّ فليراجع. ووصفُ المقام بأنَّه محمودٌ - على ما ذُكر - باعتبار أنَّ النبيَّ ◌َّهِ يُحمَد فيه على إِنعامه الواصل إلى الخاصِّ والعامّ من أَصناف الأَنام. وأَخرج النَّسائي، والحاكمُ وصحَّحه(٣)، وجماعةٌ عن حذيفةَ رَظُه قال: يُجمَع الناسُ في صعيدٍ واحدٍ يسمعهم الدَّاعي ويَنفُذهم البصر، حفاةً كما خُلقوا، قياماً، لا تكلّم نفسٌ إلَّا بإذنه، فينادَى: يا محمد، فيقول: لبّيك وسَعدَيك، والخيرُ في يديك، والشرُّ ليس إليك، والمَهديُّ مَن هَديت، وعبدُك بين يديك وبك وإليك، لا ملجأً ولا منجى منك إلا إليك، تباركتَ وتعاليت، سبحانَك ربَّ البيت. فهذا المقامُ المحمود. وأخرج الطبرانيُّ(٤) عن ابن عباسٍ أنَّه قال في الآية: يُجلسه فيما بينه وبين جبريلَ عليه السلام ويشفع لأمَّته، فذلك المقامُ المحمود. وأخرج ابن جَريرٍ (٥) عن مجاهدٍ أنَّه قال: المقامُ المحمودُ أن يُجلسَه معه على عرشه . (١) تفسير الطبري ١٥/ ٤٧ ولكن من طريق يزيد بن عبد الرحمن الأودي عن أبي هريرة به. (٢) الدر المنثور ١٩٧/٤، وهو في تفسير الطبري ٤٤/١٥. (٣) السنن الكبرى (١١٢٣٠)، والمستدرك ٣٦٣/٢. (٤) في الكبير (١٢٤٧٤). (٥) في تفسيره ١٥/ ٤٧ . الآية : ٧٩ ٦٣ سُورَةُ الإِسْرَاةِ وأنت تعلم أنَّ الحمد على أَكثرِ ما في هذه الرِّواياتِ مجازٌ عند مَن يقول: إنَّه مختصّ بالثَّناء على الإِنعام، وأمَّا عند مَن يقول بعدم الاختصاص، فلا مجاز. وتعقّب الواحديُّ القول بأنَّ المقام المحمودَ إجلاسُه وَّرِ معه عزَّ وجلَّ على العرشِ بعد ذِكر روايته عن ابن عباسٍ ﴾(١) بأنَّه قولٌ رَزِل موحِشٌ فظيع، لا يصحُّ مثلُه عن ابن عباس، ونصُّ الکتابِ ينادي بفساده من وجوه : الأوَّل: أنَّ البعثَ ضدُّ الإِجلاس، يقال: بعث الله تعالى الميِّت، إذا أَقامه من قبره، وبعثتُ الباركَ والقاعد فانبعث، فتفسيرُه به تفسيرُ الضِّدِّ بالضد. الثاني: لو كان جالساً سبحانه وتعالى على العرش، لَكان محدوداً متناهياً، فيكون محدثاً، تعالى عن ذلك عُلوًّا كبيراً. الثالث: أنَّه سبحانه قال: ((مقاماً)) ولم يقل مقعداً، والمقامُ موضعُ القيامِ لا القعود. الرابع: أنَّ الحمقى والجهَّالَ يقولون: إنَّ أهل الجنةِ كلَّهم يجلسون معه تعالى ويسألهم عن أَحوالهم الدُّنياوية، فلا مزيَّةً له وََّ بإِجلاسه معه عزَّ وجلّ. الخامس: أنَّه إذا قيل: بعث السلطانُ فلاناً، يُفهَم منه أنَّه أَرسله إلى قومٍ لإصلاح مهمّاتهم، ولا يُفهم منه أنَّه أَجلسه مع نفسه. انتهى. وأبو عمرَ (٢) لم يطَّلع إلَّا على رواية ذلك عن مجاهدٍ فقال: إنَّ مجاهداً وإن كان أحدَ الأئمّة بتأويل القرآنِ حتى قيل: إذا جاءك التأويلُ عن مجاهدٍ فحسْبُك، إلَّا أنَّ له قولَين مهجورَين عند أهلِ العلم، أحدُهما: تأويلُ المقام المحمودِ بهذا الإِجلاس، والثاني: تأويلُ ((إلى ربها ناظرة)) [القيامة: ٢٣] بانتظار الثَّوَاب. وذكر النّقَّاش عن أبي داود السِّجستانيّ أنَّه قال: مَن أَنكر هذا الحديثَ فهو عندنا مثَّهم. فما زال أهلُ العلم يحدِّثون به. (١) أخرجه الذهبي في الميزان ١٢٤/٤ من طريق علي بن محمد القادسي، عن مقاتل، عن الضحاك، عن ابن عباس. وقال: فهذا لعله وضعه أحد هؤلاء أصحاب مقاتل أو القادسي. اهـ. وكلام الواحدي في البحر ٧٣/٦. (٢) هو ابن عبد البر، وكلامه في التمهيد ٧/ ١٥٧-١٥٨، ونقله المصنف عن البحر ٦/ ٧٢. سُؤَدَةُ الإسْراءِ ٦٤ الآية : ٧٩ قال ابنُ عطية: أراد: مَن أَنكره على تأويله فهو مثَّهم(١). وقد يؤوَّل قولُهُ وَّةٍ: ((يُجلسني معه)) على رفع محلّه وتشريفِه على خلقه، كقولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] وقولِه سبحانه حكايةً: ﴿أَبْنِ لِ عِندَكَ بَيْتًا﴾ [التحريم: ١١] وقولِه تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩] إلى غير ذلك ممَّا هو كنايةٌ عن المكانة لا عن المكان. وأنت تعلم أنَّه لا ينبغي لمجاهدٍ ولا لغيره أن يفسِّرَ المقامَ المحمودَ بالإِجلاس على العرش حَسْبما سمعتَ من غير أن يثبتَ عنده ذلك الإِجلاسُ في خبر، كخبر الديلميِّ عن ابن عمرَ ﴿هَا قال: قال رسولُ اللهِ وَّل في قولِه سبحانه: ((عسى أن يبعثك ... )) إلخ: ((يُجلسني معه على السَّرير))(٢) فإنْ تمسّك المفسِّرُ بهذا أو نحوِهِ، لم يناظَر إلَّ بالطّعن في صحّته، وبعد إِثبات الصحّة لا مجالَ للمؤمن إلَّا التسليم. وما ذكره الواحديُّ لا يستلزم عدمَ الصحة، فكم وكَمْ من حديثٍ نصُّوا على صحّته ويَلزم من ظاهرِه المحال، كحديث أبي سعيد الخدريِّ المشتملِ على رؤية المؤمنين اللهَ عزَّ وجلَّ ثم إتيانِه إياهم في أدنَى صورةٍ من التي رأوه فيها، وقولِه تعالی لهم: «أنا ربكم)) وقولهم: نعوذُ بالله تعالى منك، حتی یکشفَ لهم عن ساق، فيسجدون، ثم يرفعون رؤوسَهم وقد تحوَّل في صورته التي رأوه فيها أوَّل مرَّة. وهو في الصَّحيحين(٣)، وحديثٍ لَقيطٍ بن عامرٍ المشتملِ على قوله ◌َّهِ: ((تلبثون ما لبثتم، ثم يتوفّى نبيِّكم، ثم تلبثون ما لبثتم، ثم تُبعث الصائحة - لَعَمِرُ إلهِك - لا تدعُ على ظهرها شيئاً إلَّا مات والملائكةُ الذين مع ربِّك عزَّ وجلّ، فَأَصبح ربُّك يطوفُ في الأرض وخلت عليه البلاد ... )) الحديث(٤)، وقد رواه أئمَّة السنَّةِ في كتبهم وتلقَّوه بالقَبول، وقابلوه بالتسليم والانقياد، إلى ما لا يُحصَى من هذا القبيل، ومذاهبُ المحدِّثين وأهلِ الفكر من العلماءِ في الكلام على ذلك ممَّا لا يخفى، ومتى أُجريت هناك فلتُجرَ هناَ، فالكلُّ قريب من قريب. (١) المحرر الوجيز ٤٧٩/٣ وما سيأتي هو من كلام أبي حيان في البحر ٦/ ٧٢-٧٣. (٢) الفردوس (٤١٥٩). (٣) صحيح البخاري (٧٤٣٩)، وصحيح مسلم (١٨٣) بنحوه. (٤) أخرجه عبد الله بن أحمد في زيادات المسند (١٦٢٠٦) والطبراني في الكبير ١٩/ (٤٧٧). قال ابن كثير في البداية والنهاية ٣٣/٧: هذا حديث غريب جدًّا، وألفاظه في بعضها نكارة. وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب ٢/ ٢٦٠: هو حديث غريب جدًّا. الآية : ٧٩ ٦٥ سُؤَةُ الإشرارة والصوفية يقولون: إنَّ لله عزَّ وجلَ الظهورَ فيما يشاءُ على ما يشاء، وهو سبحانه في حال ظهورِه باقٍ على إطلاقه حتى عن قيد الإِطلاق، فإنَّه العزيزُ الحكيم، ومتى ظهر جلَّ وعلا في صورة، أُجريت عليه سبحانه أحكامُها من حيث الظُّهور، فيوصف عزَّ مجدُه عندهم بالجلوس ونحوِه من تلك الحيثية، وينحلُّ بذلك أمورٌ كثيرة. إلّا أنَّه مبنيٌّ على ما دون إثباتِهِ خَرْطُ القتاد. ويَرِد على ما ذكره الواحديُّ في الوجه الثالثِ أنَّ المقام وإنْ كان في الأصل بمعنى محلِّ القيام، إلّا أنَّه شاع في مطلق المحلِّ، ويُطلقَ على الرُّتبة والشرف. وعلى ما ذكره في الوجه الأوَّل أنَّه ليس هناك إلَّا تفسيرُ المقام المحمود بالإِجلاس، لا تفسيرُ البعثِ بالإِجلاس، نَعَم فيه مسامحة، والمرادُ أنَّ إِحلالَه في المحلِّ المحمودِ هو إِجلاسُه على العرش، وهذا المعنى يتأتّى بإِبقاء البعثِ على معناه وتقديرٍ فيُقيمك بمعنى فيُحلَّك، وبتفسيره بالإِقامة بمعنى الإِحلال، وقد يقال: لا مسامحة، والمرادُ من المقام الرُّتبة، والبعثُ متضمِّن معنى الإِعطاء، أي: عسى يُعطيك ربُّك رتبةً محمودة، وهي إجلاسُه إياك على عرشه باعثاً. وما ذكره في الوجهِ الثاني حقٌّ لو أُريد من الجلوس على العرش ظاهرُه، أما لو أُريد معنَّى آخر، فلا نسلِّم اللازم، وبابُ التأويلِ واسع. وقد أوِّل الإِجلاسُ معه على رفع المحلِّ والتشريف، وهو مقولٌ بالتشكيك، فمتى صحَّ أنَّ أهل الجنةِ كلَّهم يجلسون معه، آمنًّا به مع إِثبات المزيةِ الرَّسُول ◌َّل، فاندفع ما ذكره في الوجهِ الرابع. ويَرِدِ على ما في الوجه الخامسِ أنَّ الإِجلاسَ معه لم يُفهَم من مجرَّد البعث، وما ادَّعى أحدٌ ذلك، فكونُ: بَعَثَ السلطانُ فلاناً، يُفهَم منه أنَّه أَرسله إلى قومٍ لإصلاح مهمّاتهم، ولا يُفْهَم منه أنَّه أَجلسه مع نفسه، لا يضرُّنا، كما لا يخفَى على منصف . وبالجملة كلُّ ما قيل أو يقال لا يُصغى إليه إن صحَّ التفسيرُ عن رسول اللهِ وَلآ، لكن يبقَى حينئذٍ أنَّه يلزم التعارضُ بين ظواهر الرِّوايات، ومن هنا قال بعضُهم: المرادُ بالمقام المحمودِ ما ينتظم كلَّ مقامٍ يتضمَّن كرامةً له وِّهِ، والاقتصارُ في سُورَةُ الإِسْرَاءِ ٦٦ الآية : ٨٠ بعض الرِّوايات على بعضٍ لنكتة نحو ما مرّ، ووصفُه بكونه محموداً إمّا باعتبار أَنَّهِ وَلَهُ يحمد اللهَ تعالى عليه أَبلغَ الحمد، أو باعتبار أنَّ كلَّ من يشاهده يحمده، ولم يشترط أن يكونَ الحمدُ في مقابلة النِّعمة، ويدخل في هذا كلُّ مقامٍ له وَل محمودٍ في الجنة. وكذا يدخلُ فيه ما جوَّز مفتي الصوفيةِ سيِّدي شهابُ الدِّين السُّهرَ ورديُّ أن يكونَ المقامَ المحمود، وهو إِعطاؤه عليه الصلاة والسلام مرتبةً من العلم لم تُعطّ لغيره من الخلقِ أصلاً، فإنَّه ذكر في رسالةٍ له في العقائد أنَّ علمَ عوامٌ المؤمنين يكون يومَ القيامةِ كعلم علمائهم في الدُّنيا، ويكون علمُ العلماءِ إذ ذاك كعلم الأنبياءِ عليهم السلام، ويكون علمُ الأنبياءِ كعلم نبيِّنا وَّه، ويعطَى نبيِّنا عليه الصلاة والسلام من العلم ما لم يعطّ أحدٌ من العالمين، ولعله المقامُ المحمود. ولم أرَ ذلك لغيره عليه الرَّحمة، والله تعالى أعلم. ثم هذا الاختلافُ في المقام المحمودِ هنا لم يقع فيه في دعاءِ الأَذان، بل ادَّعى العلامة ابنُ حجرِ الهيتميُّ أنّه فيه مقامُ الشفاعةِ العُظمى لفصل القضاءِ اتفاقاً، فتأمَّل في هذا المقام، واللهُ تعالى ولي الإِنعامِ والإِفهام. ﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِى مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ أي: إدخالاً مَرْضيًّا جيداً لا يرى فيه ما يكره، والإِضافةُ للمبالغة. ﴿وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ نظيرُ الأوَّل. واختلف في تعيين المرادِ من ذلك، فأَخرِج الزُّبير بن بكّار عن زيد بن أسلمَ أنَّ المرادَ إدخالُ المدينةِ والإِخراجُ من مكة، ويدلُّ عليه - على ما قيل - قولُه تعالى: (وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِرُونَكَ) إلخ. وأيِّد بما أَخرجه أَحمد، والطبرانيّ، والترمذيُّ وحسَّنه، والحاكم وصحَّحه(١)، وجماعةٌ عن ابن عباسٍ قال: كان النبيُّ ◌َّر بمكة ثم أُمر بالهجرة، فأنزل الله تعالى عليه: (وَقُل رَّبِّ) الآية. وبدأ بالإِدخال لأنَّه الأهمّ. وأخرج ابن جَريرٍ (٢) وابنُ أبي حاتم عن ابن عباسٍ أنَّه الإِدخالُ في القبر والإِخراجُ منه. وأيِّد بذكره بعد البعث. (١) مسند أحمد (١٩٤٨)، والمعجم الكبير (١٢٦١٨)، وجامع الترمذي (٣١٣٩)، والمستدرك ٣/٣. (٢) في تفسيره ١٥/ ٥٦. الآية : ٨٠ ٦٧ سُؤَدَةُ الإِسْرَاءِ وقيل: إدخالُ مكةَ ظاهراً عليها بالفتح وإِخراجُه وَلِّ منها آمناً من المشركين. وقيل: إخراجُه من المدينة وإدخالُ مكةً بالفتح. وقال محمد بنُ المنكدر: إدخالُه الغارَ وإخراجُه منه. وقيل: الإِدخالُ في الجنة والإِخراجُ من مكّة. وقيل: الإِدخالُ في الصلاة والإِخراجُ منها . وقيل: الإدخالُ في المأمورات والإخراجُ عن المنهيَّات. وقيل: الإدخالُ فيما حمله وَلِّ من أَعباء النبوّة وأداءِ الشرع، وإخراجُه منه مؤدِّياً لِمَا كَلَّفه من غيرِ تفريط. وقيل : الإدخالُ في بحار التوحيدِ والتنزيه، والإخراجُ من الاشتغال بالدَّليل إلى معرفةِ المدلول، والتأمُّلِ في الآثار إلى الاستغراقِ في معرفة الواحدِ القهَّار. وقيل وقيل، والأَظهرُ أنَّ المراد إدخالُه عليه الصلاة والسلام في كلِّ ما يدخل فيه ويلابسه من مكانٍ أو أَمر، وإخراجُه منه، فيكون عامًّا في جميع المواردِ والمصادر، واستظهر ذلك أبو حيَّان(١)، وفي ((الكشف)) أنَّه الوجهُ الموافقُ لظاهر اللفظ، والمطابقُ لمقتضَى النَّظم، فسابقُه ولاحقُه لا يختصَّان بمكانٍ دون آخَر، وكفاك قولُه تعالى: ((واجعل لي)) إلخ شاهدَ صدقٍ على إيثاره. وقرأ قتادةُ وأبو حيوةً وحميدٌ وإبراهيمُ بن أبي عبلة: ((مَدخَلَ)) و ((مَخرَجَ)) بفتح الميمِ فيهما(٢)، قال صاحبُ (اللوامح)): وهما مصدران مِن: دَخَلَ وخَرَجَ، لكنَّهما جاءا منَ معنى: (أَدخِلني)) و((أخرجني)) السابقَين دونَ لفظِهما، ومثلُ ذلك: ﴿أَنْبَّكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧] ويجوز أن يكونا اسمَي مكانٍ وانتصابُهما على الظرفية. وقال غيرُه من المحقّقين: هما مصدرانٍ منصوبان على تقدير فِعلَين ثلاثيين؛ إذ مصدرُ المزيدين مضمومُ الميم كما في القراءة المتواترة، أي: أَدخِلني فأَدْخُلَ مَدخَلَ صدقٍ وأخرجني فأَخْرُجَ مَخرِجَ صدق. (١) في البحر ٦/ ٧٣. (٢) البحر ٧٣/٦، وانظر القراءات الشاذة ص٧٧. سُورَةُ الإِسْرَةِ ٦٨ الآية : ٨١ أي: حجَّةً تنصرني على مَن خالفني، ﴿وَأَجْعَل لِيِ مِن لَّدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا وهو مرادُ مجاهدٍ بقوله: حجَّةً بَيِّنة. وفي روايةٍ أخرى عنه أنَّه كتابٌ يحوي الحدودَ والأَحكام. وعن الحسن أنَّه أُريد التسلُّطُ على الكافرين بالسَّيف، وعلى المنافقين بإقامة الحدود. وقريبُ ما قيل أنَّ المراد قهراً وعزَّا تنصر به الإِسلامَ على غيره. وزعم بعضُهم أنّه فتح مكة. وقيل: السلطان: أحدُ السلاطينِ الملوك. فكأنَّ المرادَ الدعاءُ بأن يكونَ في كلِّ عصرٍ مَلِكٌ ينصر دينَ اللهِ تعالى؛ قيل: وهو ظاهرُ ما أخرجه البيهقيُّ في ((الدلائل)) والحاكمُ(١) وصحَّحه عن قتادةَ قال: أَخرجه اللهُ تعالى من مكة مُخرجَ صدق وأَدخله المدينةَ مُدخلَ صِدق، وعَلِمَ نبيُّ اللهِ أنَّه لا طاقةَ له بهذا الأمرِ إلَّا بسلطان، فسأل سلطاناً نصيراً لكتاب اللهِ تعالى وحدودِه وفرائِضه، فإنَّ السلطانَ عزَّةٌ من الله عزَّ وجلَّ جعلها بين أَظهُر عبادِهِ، لولا ذلك، لأَغار بعضُهم على بعضٍ وأكل شديدُهم ضعيفهم. وفيه نظر. وفعيلٌ على سائر الأَوجُه مبالغةٌ في فاعل. وجوِّز أن يكونَ في بعضها بمعنى مفعول. والحقُّ أنَّ المرادَ من السُّلطان كلُّ ما يُفيده الغلبةَ على أعداء اللهِ تعالى، وظهورَ دينه جلَّ شأنُه. ووصفُه بـ ((نصيراً)) للمبالغة. ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾ الإسلامُ والدِّين الثابتُ الراسخ. والجملةُ عطفٌ على جملة ((قل)) أوَّلاً، واحتمالُ أنَّها من مقول القولِ الأوَّل لِمَا فيها من الدَّلالة على الاستجابة في غاية البُعد. ﴿وَزَهَقَ الْبَطِلٌ﴾ أي: زال واضمحلّ، ولم يَثبت الشِّركُ والكفرُ وتسويلاتُ الشيطان، مِن: زَهَقَت نفْسُه، إذا خرجت من الأَسف. وعن قتادةَ أنَّ الحقَّ القرآن، والباطلَ الشيطان. وعن ابن جُريج أنَّ الأولَ الجهاد، والثاني الشِّرك. وعن مقاتلٍ: الحقُّ عبادةُ اللهِ تعالى، والباطلُ عبادةٌ الشيطان. وهذا قريبٌ ممَّا ذكرنا . (١) دلائل النبوة ٥١٧/٢، والمستدرك ٣/٣، وسكت عنه الحاكم والذهبي. ٠ الآية : ٨٢ ٦٩ سُورَةُ الإِسْرَاءِ مضمحاًا غيرَ ثابتٍ الآن، أو ﴿إِنَّ الْبَطِلَ﴾ كائناً ما كان ﴿كَانَ زَهُوقًا فيما بعد، أو مطلقاً؛ لكونه كأن لم يكن. وصيغةُ فَعول للمبالغة. أَخرج الشيخان(١) وجماعةٌ عن ابن مسعودٍ قال: دخل النبيُّ وَّ مكةَ وحولَ البيتِ ستُّون وثلاثُ مئة نُصُب، فجعل يطعنها بعودٍ في يده ويقول: ((﴿جَاءَ الْحَقُّ ﴾، ﴿َةَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾)) AD وَزَهَقَ الْبَطِلَّ إِنَّ الْبَطِلَ كَانَ زَهُوقًا [سبأ: ٤٩]. وفي رواية الطبرانيِّ في ((الصغير)) والبيهقيِّ في ((الدلائل)) عن ابن عباسٍ أَنَّه ◌َ لِّ جاء ومعه قضيب، فجعل يَهوي به إلى كلِّ صنم منها، فيَخرُّ لوجهه، فيقول: ﴾ حتى ◌ّمَرَّ عليها كلِّها(٢). ﴿جَآءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَطِلُّ إِنَّ الْبَطِلَ كَانَ زَهُوقًا ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِينَ﴾ أي: ما هو في تقويم دينِهم واستصلاحِ نفوسهم كالدَّواء الشافي للمرضى. و ((من)) للبيان، وقدِّم اهتماماً بشأنه - وأَنكر أبو حيَّان(٣) جوازَ التقديم، واختار هنا كونَ ((مِن)) لابتداءِ الغاية، وهو إنكارٌ غيرُ مسموع - فيفيد أنَّ كلَّ القرآنِ كذلك، وفي الخبر: (مَن لم يستشفِ بالقرآن، فلا شفاه اللهُ تعالى))(٤). أو للتبعيض، ومعناه ـ على ما في ((الكشف)) -: وننزِّل ما هو شفاء، أي: تدرَّج في نزوله شفاءً فشفاء. وليس معناه أنَّه منقسمٌ إلى ما هو شفاءٌ وليس بشفاءٍ والمنزَّلُ الأوَّل، كما وهم الحوفيُّ فَأَنكر جوازَ إرادةِ التبعيض، وإنَّما المعنى أنَّ ما لم ينزل بعدُ ليس بشفاءٍ للمؤمنين؛ لعدم الاطّلاع، وأنَّ كلَّ ما ينزل فهو شفاءٌ لداء خاصٌّ، يتجدَّد نزولُ الشفاءِ كِفاءَ تجدُّدِ الداء. وفيه أيضاً أنَّ هذا الوجهَ أوفقُ لمقتضَى المقام. ولا يخفَى عليك بُعده؛ ولذا اختير في توجيه التبعيضِ أنَّه باعتبار الشفاءِ الجسماني، وهو من خواصٌ بعضٍ دونَ بعض. (١) صحيح البخاري (٤٢٨٧)، وصحيح مسلم (١٧٨١). (٢) المعجم الصغير (١١٥٢)، والدلائل ٧١/٥-٧٢. (٣) في البحر ٦/ ٧٤. (٤) عزاه في كنز العمال (٢٨١٠٦) إلى الدارقطني في الأفراد من حديث أبي هريرة رضي ته، وأخرجه الثعلبي من حديث رجاء الغنوي مرفوعاً، كما في تخريج أحاديث الكشاف لابن حجر ص ١٠٢؛ وفي إسناده أحمد بن الحارث الغساني وهو متروك. وفي الاستيعاب ٢٦٦/٣: رجاء الغنوي لا يصح حديثه، ولا تصح له صحبة. سُورَةُ الإِسْرَارَة ٧٠ الآية : ٨٢ ومن البعض الأوَّلِ الفاتحة، وفيها آثارٌ مشهورة، وآياتُ الشِّفاء، وهي ستّ: ﴿وَيَشْفِ صُدُوَرَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٤] ﴿وَشِفَآءُ لِّمَا فِ الصُّدُورِ﴾ [يونس: ٥٧] ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩] ﴿وَنُغَزِّلُ مِنَ اُلْفُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينٌّ﴾ ﴿وَإِذَا مَرِضِتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] ﴿قُلّ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدَّى وَشِفَأَيٌ﴾ [فصلت: ٤٤]. قال السُّبكي: وقد جرِّبت كثيراً، وعن القشيريِّ أنَّه مرض له ولدٌ أَيِس من حياته، فرأى الله تعالى في منامه، فشكى له سبحانَه ذلك، فقال له: إِجمَع آياتٍ الشِّفاء واقرأها عليه، أو اكتُبها في إناءٍ واسقِه فيه ما محيت به، ففعل، فشفاه اللهُ تعالى. والأطبَّاء معترفون بأنَّ من الأُمور والرُّقى ما يَشفي بخاصِّية روحانية، كما فصَّله الأندلسيُّ في ((مفرداته)) وكذا دوادُ في الجلدِ الثاني من ((تذكرته)»(١)، ومَن ینکِرِ لا يُعبأ به. نعم اختلف العلماءُ في جواز نحوٍ ما صنعه القشيريُّ عن الرؤيا، وهو نوعٌ من النُّشرة، وعرَّفوها بأنَّها أن يُكتبَ شيءٌ من أسماء اللهِ تعالى أو من القرآن، ثم يُغسل بالماء، ثم يُمسح به المريضُ أو يسقاه. فمنع ذلك الحسنُ والنخعيُّ ومجاهد، وروى أبو داودَ(٢) من حديث جابرٍ أنَّ النبيَّ وَّ سئل عن النُّشرة فقال: ((هي من عملِ الشَّيطان)». وأجاز ذلك ابنُ المسيَّب. والنشرةُ التي قال فيها وَّهِ ما قال هي النشرةُ التي كانت تُفعل في الجاهلية، وهي أَنواع، منها ما يفعله أهلُ التعزيمِ في غالب الأعصارِ من قراءة أشياءَ غيرِ معلومةِ المعنى ولم تثبتْ في السُّنَّة، أو كتابتِها وتعليقها، أو سقيها. وقال مالك: لا بأسَ بتعليق الكتبِ التي فيها أسماءُ اللهِ تعالى على أَعناق المرضَى على وجه التبرُّك بها إذا لم يُرِد معلِّقها بذلك مدافعةً العين. وعنى بذلك أنَّه (١) تذكرة أولي الألباب والجامع للعجب العجاب، لداود بن عمر الأنطاكي، الحكيم الطبيب المشهور، نزيل القاهرة، المتوفى سنة (١٠٠٨ أو ١٠٠٥ أو ٩٨٩ أو ١٠١١ هـ). شذرات الذهب ٤١٥/٨، وخلاصة الأثر ٢/ ١٤٠، وكشف الظنون ٣٨٦/١. (٢) في سننه (٣٨٦٨). الآية : ٨٢ ٧١ سُؤَدَةُ الإِسْرَاةِ لا بأسَ بالتعليق بعد نزول البلاءِ رجاءَ الفَرَج والبُرء، كالرُّقى التي وردت السنةُ بها من العين، وأما قبلَ النزولِ ففيه بأس. وهو غريب. وعند ابنِ المسيَّب يجوز تعليقُ العُوْذةِ من كتاب اللهِ تعالى في قصبةٍ ونحوِها، وتوضع عند الجماع وعند الغائط، ولم يقيِّد بقَبل أو بَعد. ورَخَّص الباقرُ في العُوذة تُعلَّق على الصِّبيان مطلقاً . وكان ابنُ سِيرين لا يرى بأساً بالشيءٍ من القرآن يعلِّقه الإنسانُ كبيراً أو صغيراً مطلقاً، وهو الذي عليه الناسُ قديماً وحديثاً في سائر الأَمصار. لكن توجيه التبعيضِ بما ذُكر لا يساعده قولُه سبحانه: ﴿وَلَا يَزِيدُ الَّلِينَ إِلَّا خَسَارًا ﴾﴾ أي: لا يزيد القرآنُ كلُّه أو كلُّ بعضٍ منه الكافرين المكذِّبين به الواضعين للأشياءِ في غير موضِعها - مع كونه في نفسه شفاءً لما في الصُّدور من أَدواء الرَّيب وأسقام الأَوهام - إلَّا خساراً، أي: هلاكاً بكفرهم وتكذيبِهم. وزيادتُهم من حيث إنَّهَم كلَّما جدَّدوا الكفرَ والتكذيبَ بالآية النازلةِ تدريجاً، ازدادوا بذلك هلاكاً . وفسَّر بعضُهم الخسارَ بالنقصان، ورجّح أبو السُّعودِ (١) الأوَّلَ بأنَّ ما بهم من داءِ الكفر والضَّلال حقيقٌ بأن يعبّرَ عنه بالهلاك، لا بالنقصان المُنبئِ عن حصول بعضٍ مبادئ الإِسلام فيهم. وفيه - كما قال - إيماءٌ إلى أنَّ ما بالمؤمنين من الشُّبه والشكوكِ المعتريةِ لهم في أَثناء الاهتداءِ والاسترشادِ بمنزلة الأمراض، وما بالكَفَرة من الجهل والعنادِ بمنزلة الموتِ والهلاك. وإسنادُ الزيادةِ المذكورةِ إلى القرآن مع أنَّهم المزدادون في ذلك؛ لسوءِ صنيعهم باعتبار كونِه سبباً لذلك، وفيه تعجيبٌ من أمره من حيث كونه مداراً للشِّفاء والهلاك: كماءٍ صار في الأَصداف دُرًّا وفي ثغر الأَفاعي صار سُمّا هذا وربَّما يقال: إنَّ انقسامَ القرآنِ إلى ما هو شفاءٌ من أدواء الرَّيب وأَسقامِ الوهم وإلى ما ليس كذلك ممَّا لا ينبغي أن يكونَ فيه ريب؛ لأنَّ الشافيَ من أَدواءَ الرَّيبَ إنَّما هو الأدلَّة، كالآيات الدالَّةِ على بطلان الشِّرك وثبوتِ الوحدانيةِ له (١) في إرشاد العقل السليم ١٩١/٥. سُؤَةُ الإِسْرَةِ ٧٢ الآية : ٨٢ تعالى، وكالآيات الدالَّةِ على إِمكان الحشرِ الجسمانيّ، وليس كلُّ آياتِ القرآنِ كذلك، فإنّ منه ما هو أمرٌ بصلاة وصوم وزكاة، ومنه ما هو نهيٌّ عن قتلٍ وزنّی وسرقة، ونحو ذلك، وهو لا يُشفَى به أدواءُ الريبٍ وأسقامُ الوهم، وكذا آياتٌ القَصَص، نَعَم فيما ذكر نفعُ غيرِ الشفاءِ من تلك الأَداوء، فهو رحمة، وحينئذٍ يقال: في الآية حذف، أي: ننزّل من القرآن ما هو شفاءٌ وما هو رحمة، على معنى: ننزِّل من القرآن آياتٍ هي شفاءٌ وآياتٍ هي رحمة. وفيه أنَّ الريبَ غيرُ مختصٍّ فيما يتعلَّق بالله عزَّ وجلَّ وبإمكان الحشر، بل يكون أيضاً في الرِّسالة وصِدقِهِ وَ له في دعواها، وما من آيةٍ في القرآن إلَّا وهي مستقلّة أو لها دخلٌ في الشِّفاء من ذلك الداء؛ لِمَا فيها من الإِعجاز، وكذا ما مِن آيةٍ إلَّا وفيها نفعٌ من جهة أخرى، فكلُّ آيةٍ رحمة، كما أنَّ كلَّها شفاء، لكن كونُه رحمةً بالنسبة إلى كلِّ واحدٍ واحدٍ من المؤمنين، إذ كلُّ مؤمنٍ ينتفع به نوعاً من الانتفاع، وكونُه شفاءً بالفعل بالنّسبة إلى مَن عرض له شيءٌ من أَدواء الرَّيبِ وأَسقامِ الوهم، وليس كلُّ المؤمنين كذلك، والقولُ بأنَّ كلَّ كذلك في أوَّل الإيمانِ غيرُ مسلَّم، ولا يُحتاج إليه كما لا يخفى. والإمامُ(١) عمَّم شفائيَّته، وقد أَحسن فقال: هو شفاءٌ للأمراض الرُّوحانية، وهي نوعان: اعتقاداتٌ باطلة، وأخلاقٌ مذمومة؛ فلاشتماله على الدَّلائل الحقَّة الكاشفةِ عن المذاهب الباطلةِ في الإلهيات والنبوَّات والمعادِ والقضاءِ والقَدَر المبيِّنةِ لبطلانها، يَشفي عن النوع الأوَّلِ من الأمراض، ولاشتماله على تفاصيل الأخلاقِ المذمومةِ، وتعريفٍ ما فيها من المفاسد، والإِرشادِ إلى الأَخلاق الفاضلةِ والأعمالِ المحمودة، يَشفي عن النوعِ الآخَر، والشفاءُ إشارةٌ إلى التخلية، والرَّحمةُ إشارةٌ إلى التحلية، ولأنَّ الأُولى أهمُّ من الثانية قدَّم الشفاءَ على الرَّحمة، فتأمَّل واللهُ تعالى الموفِّق. وقرأ البصريَّان: ((نُنْزِلُ)) بالنُّون والتخفيف(٢). وقرأ مجاهدٌ بالياء والتخفيف، ورواها المروزيُّ عن حفص(٣). وقرأ زيدُ بن عليٍّ ◌َّمَ: ((شفاءً ورحمةً)) بنصبهما. (١) في التفسير الكبير ٣٤/٢١. (٢) التيسير ص٧٥، والنشر ٢١٨/٢، ٣٠٨. (٣) البحر المحيط ٦/ ٧٤. الآية : ٨٣ ٧٣ مُؤَكَةُ الاسْرَاةِ قال أبو حيَّان(١): ويتخرَّج ذلك على أنَّهما حالان، والخبرُ ((للمؤمنين))، والعاملُ في الحال ما في الجارِّ والمجرورِ من الفعل، ونظيرُ ذلك: ﴿وَالسَّمَوَتُ مَطْوِنَّكٌ بِسَمِينِهِ،﴾ [الزمر: ٦٧] في قراءة نصب: ((مطويات))(٢) وقولُ الشاعر(٣): رهطُ ابنِ كوزٍ محقبي أَدراعِهم فيهم ورهطُ ربيعةَ بنِ محُذارٍ ثم قال: وتقديمُ الحالِ على العاملِ فيه من الظرفٍ لا يجوز إلَّا عند الأَخفش، ومَن منع جَعَلَه منصوباً على إِضمار أَعني. وأنت تعلم أنَّ مَن يجوِّز مجيءَ الحالِ من المبتدأ لا يحتاج إلى ذلك. ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا﴾ بالصِّحة والسَّعة ونحوِهما ﴿عَلَى الْإِنسَنِ﴾ أي: جنسِه، فيكفي في صحَّة الحكم وجودُه في بعض الأَفراد، ولا يضرُّ وجودُ نقيضِه في البعض الآخر. وقيل: المرادُّ به الوليدُ بن المغيرة ﴿أَعْرَضَ﴾ عن ذِكرنا كأنَّه مستغنٍ عنا، فضلاً عن القيام بمواجب شكرِنا ﴿وَنَا بِجَانِيةٍ﴾ لوى عِطفَه عن طاعتنا وولَّاها ظهره. وأصلُ معنى النأيِ البُعد، وهو تأكيدٌ للإِعراض بتصوير صورتِهِ، فهو أَونَى بتأدية المرادِ منه، ومِثلُه يجوز عَطفُه لإيهام المغايرةِ بينهما، وهو أبلغُ من ترك العطفِ على ما بَيِّن في محلِّه. على أنَّ ما ذكره أهلُ المعاني من أنَّ التأكيدَ يتعيَّن فيه تركُ العطفِ لكمال الاتصالِ غيرُ مسلَّم، والجانبُ على ظاهره، والمراد: تَرَكَ ذلك، ويجوز أن يكونَ كنايةً عن الاستكبار؛ فإنَّ ثَنْيَ العِطف من أَفعال المستكبرين، ولا يَبعد أن يرادَ بالجانب النَّفْس، كما يقال: جاء من جانبٍ فلانٍ كذا، أي: منه، وهو كنايةٌ أيضاً، كما يعبّر بالمقام والمجلسِ عن صاحبه. وقرأ ابنُ عامٍ برواية ابنٍ ذَكوان: ((وناءَ)) هنا وفي ((فُصِّلت))(٤) فقيل: ذلك من باب القلبٍ ووضعِ العين محلَّ اللام، كراء ورأى. وقيل: لا قلبَ، وناء بمعنى نهض، كما في قوله: (١) في البحر ٧٤/٦، وما قبله منه. (٢) هي قراءة عيسى بن عمر كما في القراءات الشاذة ص١٣١. (٣) هو النابغة الذبياني، والبيت في ديوانه ص٥٩. (٤) التيسير ص١٤١، والنشر ٣٠٨/٢. سُؤَةُ الإِسْرَاة ٧٤ الآية : ٨٣ وناءَ في شِقِّ الشِّمالِ كاهِلُهُ(١) حتى إذا ما التأمت مفاصلُهْ أي: نهض متوكِّئاً على شِماله، وفسِّر نهض هنا بأسرع، والكلامُ على تقديرٍ مضاف، أي: أَسرعَ بصرف جانبِهِ. وقيل: معناه: تثاقَل عن أَداء الشكرِ فعلَ المُعرِض. شدید ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّهُ﴾ من مرضٍ أو فقرٍ أو نازلةٍ من النوازل ﴿كَانَ يُوسًا شَـ اليأسِ من رحمتنا؛ لأنَّه لم يُحسِن معاملتَنا في الرَّخاء حتى يرجو فضلَنا في الشدَّة. وفي إِسناد المساسِ إلى الشرِّ بعد إِسناد الإِنعام إلى ضميره تعالى إيذانٌ بأنَّ الخيرَ مرادٌ بالذات، والشرَّ ليس كذلك؛ لأنَّ ذلك هو الذي يقتضيه الكرمُ المطلقُ والرحمةُ الواسعة، وإلى ذلك الإِشارةُ بقوله: نَّهِ: ((اللهمَّ إنَّ الخيرَ بيديك، والشرَّ لیس إليك»(٢). وللفلاسفة ومَن يحذو حذوَهم في ذلك بحثٌ طويلٌ لا بأسَ بالاطلاع عليه؛ ليؤخَذَ منه ما صفا ويتركَ منه ما كدر، قالوا: إنَّ الأوَّل تعالى تامُّ القدرةِ والحكمةِ والعلم، كاملٌ في جميع أفاعيلِهِ، لا يتصوَّر بخلُه بإفاضة الخيرات، وليس الداعي له لذلك إلَّا علمُه بوجوه الخيرِ ومصالح الغيرِ الذي هو عينُ ذاتِه، كسائر صفاتِهِ، وأمَّا النقائصُ والشرورُ الواقعةُ في ضربٍ من الممكنات وعدمُ وصولها إلى كمالها المتصوَّرِ في حقٌّها، فهي لقصور قابلياتِها ونقصٍ استعداداتها، لا من بخل الحقِّ تعالى مجدُه عن ذلك. وقصورُ القابليةِ ينتهي في الآخرة إلى لوازم الماهياتِ الإمكانيةِ ومنبعُها الإِمكان. وتحقيقُ ذلك أنَّ الشرَّ يُطلَق عرفاً على معنيين: أحدُهما ما هو عدم، كالفقر والجهلِ البسيط، وهذا على ضربين: الأوَّل: عدمٌ محضٌ ليس بإزاء الوجودِ الذي يطلبه طباعُ الشيء، ولا ما يمكن حصولُه له من الكمالاتِ والخيرات، كقصور الممكنِ عن الوجود الواجبيِّ (١) تهذيب اللغة ١٥/ ٥٤٠ قال: وقد أنشدني بعض العرب ... ثم ذكره، والمحرر الوجيز ٣/ ٤٨٠، واللسان (نوأ)، والبحر ٧٥/٦، والدر المصون ٤٠٤/٧ . (٢) أخرجه أحمد (٨٠٣)، ومسلم (٧٧١): (٢٠١) من حديث علي رضاه، وسلف ٩/ ٤٨٠. الآية : ٨٣ ٧٥ سُؤَدَة الاسْرَاةِ والوجوبِ الذاتيّ، وقصورِ بعضٍ الممكنات عن بعض، كقصور الأجسام عن النفوس، فالخيرُ الذي يقابل هذا منحصرٌ في الواجب تعالى؛ إذ له الكمالُ المَطلقُ والوجودُ الحقُّ بلا جهةِ إمكانيةٍ بوجه من الوجوه، وما عداه من المهيَّت المعروضةِ للوجود لا يخلو من شَوب شَرِّيَّةٍ ما وظلمةٍ ما، على تفاوتِ إمكاناتهم حَسَبَ تفاوتٍ طبقاتهم في البعد عن يَنبوع الوجود، ومطلعٍ نورِ الخيرِ والجود، وهذا الشرُّ منبعه الإِمكانُ الذاتي. والثاني: ما يكون عدمَ ما يطلبه الشيء، أو ما يمكن حصولُه له من الكمالات، ولا يتصوَّر هذا في غير المادِّيات، إذ الإبداعياتُ يكون وجودُها على أَكملٍ ما يتصوَّر في حقِّها، فلا يكون لها شرِّيةٌ بهذا المعنى، وما عداها من المتعلّقة بالمادّة لا تخلو من شرِّية، على تفاوت إِمكاناتها الاستعداديةِ بحسَب تفاوتٍ مراتبها في التعلُّق بالهيولى، وهذا الشرُّ منبعُه الهيولَى، ومنبعُها الإِمكان؛ إذ لولاه ما صدرت من مصدرها، فآلَ الشرُّ إلى الإِمكان كما سمعتَ أولاً . وثانيهما: ما يمنع الشيءَ عن الوصولِ إلى الخير الممكنِ في حقِّه من الوجود أو كمالِ الوجود، كالبرد والحرِّ المفسدين للثِّمار، والمطرِ المانع للقصَّار عن تبييض الثِّاب، والأخلاقِ الذميمةِ المانعةِ للنفْس عن وصولها إلى كمالها العقليّ، كالبخل، والإسراف، والجهل المركَّب، والسَّفاهة، والأفعالِ الذميمة، كالزِّنى والسرقةِ والنميمة، وأَشباءِ ذلك من الآلام والغموم، وغيرٍ ذلك من الأشياءِ الوجودية، لكن يتبعها إِعدام. وإطلاق الشرِّ عندهم على المعنى الأوَّلِ حقيقةٌ، وعلى الثاني مجاز؛ لأنَّ الشرَّ الحقيقيَّ لا ذاتَ له، بل هو إما عدمُ ذات، أو عدمُ كمالٍ لذات، والبرهانُ عليه أنَّه لو كان أمراً وجوديًّا، فلا يخلو: إمَّا أن يكونَ شرًّا لنفسه، أو لغيره، والأوَّل باطل، وإلَّا لَمَا وُجد؛ إذ الشيءُ لا يقتضي لذاته عدمَه أو عدمَ كماله، كيف وجميعُ الأشياءِ طالبةٌ لكمالاتها لا مقتضيةٌ لعدمها، مع أنَّه لو اقتضَى كان الشرُّ ذلك العدمَ لا نفسَه، وكذا الثاني؛ لأنَّ كونه لغيره إمّا لأنَّه لعدم ذلك الغير، أو لأنَّه لعدم بعضٍ كمالاته، فإِنه لو لم يكن معدِماً لشيءٍ أصلاً، لا لَوجوده ولا لكمال وجودِهِ، لم يكن شرًّا لذلك الشيء، ضرورةً أنَّ كلَّ ما لا يوجِب عدمَ شيءٍ ولا عدمَ كمالٍ له لا يكون سُؤَةُ الإِسْرَاةِ ٧٦ الآية : ٨٣ شرًّا له، فإذن ليس الشرُّ إلَّا عدمَ ذلك الشيءٍ أو عدمَ كماله، لا نفسَ الأمرِ الوجوديِّ المعدم، بل هو في ذاته من الكمالات النفسانيةِ أو الجسمانية، كالظُلم فإنَّه وإن كان شرًّا بالقياس إلى المظلوم وإلى النَّفْس الناطقةِ التي كمالُها في تسخير قُواها وكسرِها، لكنَّه خيرٌ بالقياس إلى القوَّة الغَضَبية التي كمالُها بالانتقام، وكذا الإحراقُ كمالٌ للنار، وشرٍّ لمن يتضرَّر به، فعُلِمِ أنَّ الشرَّ إمَّا عدمُ ذاتٍ أو عدمُ كمالٍ لها، فالوجودُ من حيث إنَّه وجودٌ خيرٌ محض، والعدمُ من حيث إنَّه عدمٌ شرٌّ محض . ثم إنَّك قد علمتَ أنَّ الشرَّ الذي هو بمعنى العدم منه ما هو من لوازم الماهياتِ التي لا علَّةَ لها، ومنه ما لا يكونُ من هذا القبيل، بل قد يَلحق الماهياتِ لا من ذاتها، فلا بدَّ له من علَّة، والكلامُ ليس في الأوَّل الذي لا لِمِيّة له، إذ قد تقرَّر أنَّه ليس للماهيَّات في كونها ممكنةً ولا في حاجتها إلى علَّة لوجودها عِلَّةٌ، ولا لقصور الممكنِ عن الواجب بذاته ولا لتفاوت مراتبٍ هذا النقصانِ في الماهيات عِلَّة، بل إنَّما ذلك لاختلاف الماهياتِ في حدود ذاتِها، لا لأمرٍ خارج عنها، كيف ولو كان النقصُ في جميعها متشابهاً لكانت الماهياتُ ماهيةً واحدة، بل الكلامُ في الثاني، وهو عدمُ ما هو من الأمور الزائدةِ على مقتضى النوع، كالجهل بالفلسفة للإنسان مثلاً، فإنَّ ذلك ليس شرًّا له لأَجل كونِه إنساناً، بل لأجل أنَّه فقدٌ لما اقتضاه شخصٌ مستعدٌّ له مشتاقٌ إليه، من حيث إنَّه وُجد فيه هذا الاستحقاقُ والاشتياقُ الذي لا صلاحَ في أن يَعمّ. وهذا الشرُّ إنَّما يوجد في الأشياءِ على سبيل النَّدرة، فكلُّ ما وجد فهو خيرٌ محض، أو خيرُه أكثرُ من شرِّه، وأمَّا ما يكون شرًّا محضاً، أو مستوليَ الشرِّية، أو متساويَ الطرفين، فممَّا لا وجودَ له أصلاً حتى يُحتاجَ فيه إلى منشئٍ سوى الواجبِ تعالى الذي هو خيرٌ محض لا يوجد منه شرٌّ أصلاً، كما توقَّمه كفرةُ المجوس. ثم كلُّ ما كان خيراً محضاً، أو كان خيرُه أكثر، يصدر من الواجب بمقتضى أنَّ مِن شأنه إِفاضةَ الخير؛ لأنَّ ترك الأوَّل شرٌّ محض، وتركَ الثاني شرٌّ غالب، وعالَم العناصرِ من القسم الثاني، فإنَّ إيجابَه للشُّرور على الوجهِ النادر، ولا تسوِّغُ عنايةٌ المبدعِ ورحمةُ الجَوَاد إهمالَه، وإلَّا لزم خيرٌ كثير لشرِّ قليل، وهو شرٌّ كثير، على الآية : ٨٣ ٧٧ سُورَةُ الإِسْرَائِ أنَّها إنَّما تكون للنَّفع في أشياءً لو لم تُخلَق لَخَلُقَ سربالُ الوجود، وقَصُر رداءُ الجود، وبقي في كتم العدم عوالمُ كثيرة، ونفائسُ جمَّة غفيرة، فمن هذه الحيثيةِ يكون ذلك الشرُّ القليل مقتضَياً بالذات، وهي مع ذلك إنَّما توجد تحت كرةِ القمرِ في بعض جوانبِ الأرضِ التي هي حقيرة، بل لاشيءَ بالنِّسبة إلى ما عند ربِّك سبحانه، وتكونُ لبعض الأشخاص في بعض الأوقات، وليست أيضاً شروراً بالنّسبة إلى نظام الكلّ، فإذا تصوِّرت ذَرَّةُ الشّرِّ في أَبحر أشعَّةِ شمسٍ الخير، لا يضرُّها، بل يزيدها بهاءً وجمالاً، وضياءً وكمالاً، كالشامة السوداءِ على الصُّورة المليحةٍ البيضاء، يزيدها حُسناً ومَلاحة، وإشراقاً وصَبَاحة. ولا يخفى أنَّ هذا إنما يتمُّ على القول بأنَّه تعالى لا يُمكن أن تكونَ إرادتُه متساويةَ النسبةِ إلى الشيءٍ ومقابله بلا داعٍ ومصلحة، كما هو مذهبُ الأشاعرة، وإلا فقد يقال: إنَّ الفاعلِ للكلِّ إذا كانّ مختاراً، فله أن يختارَ أيَّما شاء من الخيرات والُّرور، لكنَّ الحكماءَ وأساطينَ الإسلام قالوا: إنَّ اختيارَه تعالى أرفعُ من هذا النَّمَط، وأمورُ العالَم منوطةٌ بقوانينَ كلِّية، وأفعالُه تعالى مربوطةٌ بحِكُمٍ ومصالحَ جليةٍ وخفية. وقولُ الإِمام: إنَّ الفلاسفةَ لمَّا قالوا بالإيجاب والجبرِ في الأفعال، فخوضُهم في هذا المبحثِ من جملة الفضولِ والضَّلال؛ لأنَّ السؤالَ بلمَ عن صدورها غيرُ وارد، كصدور الإِحراقِ من النار؛ لأنَّه يَصدر عنها لذاتها= ناشئٌّ من التعصُّب؛ لأنَّ محقِّقيهم يُثبتون الاختيار، وليس صدورُ الأفعالِ من الله تعالى عندهم صدورَ الإِحراقِ من النار، وبعد فَرْض التسليمِ بحثُهم عن كيفية وقوعِ الشرِّ في هذا العالم لأجل أنَّ الباريَ تبارك اسمُه خيرٌ محضٌ بسيطً عندهم، ولا يجوِّزون صدورَ الشِّ عمَّا لا جهةَ شرِّيةٍ فيه أصلاً فيلزمَ عليهم في بادئ النظرِ إثباتُ ما افترته الثَّنَويةُ من مبدأين: خيريٍّ وشرِّي، فتخلَّصوا عن ذلك بذلك البحث، فهو فضلٌ لا فضول. وبالجملة ما يصدر عنه تعالى إمَّا ما هو بريءٌ بالكلِّية عن الشرّ، وإمّا ما يلزمه شرٌّ قليلٌ وفي تركه شرٌّ كثير، ولا يَصدر عنه تعالى ذلك أيضاً في حقِّ شخصٍ إلَّا بعد طلبٍ ماهيَّتِه له في نفسها، كما يُشير إليه قولُه تعالى: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَّهُ، ثُّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠] إلى غير ذلك من الآيات. سُؤَدَةُ الإِسْراءِ ٧٨ الآية : ٨٤ وفي ((الإشارات))(١) وشروحِها كلامٌ طويل يتعلَّق بهذا المقام، ولعلَّ فيما ذكرنا كفايةً لذوي الأفهام. هذا ثم إنَّه سبحانه بعد أن ذكر حالَ القرآنِ بالنِّسبة إلى المؤمنين وإلى الكافرين وبَيَّن حالَ الكافرِ في حالَي الإِنعام ومقابله، ذكر ما يصلح جواباً لمن يقول: لِمَ كان الأمرُ كذلك؟ فقال عزَّ قائلاً: ﴿قُلْ كُلُّ﴾ أي: [كل](٢) واحدٍ من المؤمن والكافر، والمعرضِ والمقبِل، والراجي والقانط ﴿يَعْمَلُ﴾ عملَه ﴿عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ أي: على مذهبه وطريقتِه التي تشاكل حالَه وما هو عليه في نفس الأمر، وتشابهه في الحُسن والقبح، من قولهم: طريقٌ ذو شواكل، أي: طرقٍ تتشغَّب منه، وهو مأخوذٌ من الشَّكل بفتح الشِّين، أي: المثل والنظير، ويقال: لستَ من شَكلي ولا شاكلتي، وأما الشِّكل بكسرِ الشينِ فالهيئة، يقال: جاريةٌ حسنةُ الشِّكل، أي: الهيئة، وظاهرُ عبارةٍ ((القاموس))(٣) أنَّ كلَّا من الشَّكل والشّكل يُطلَق على المِثل والهيئة. وهذا التفسيرُ مرويٌّ عن الفرَّاء والزجَّاجِ(٤)، واختاره الزمخشريُّ(٥) وغیرُه؛ لقوله تعالى : ﴾ الذي برأكم متخالفين ﴿أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا (®﴾﴾ أسدُّ طريقاً وأَبينُ منهاجاً . وفسَّر مجاهدٌ الشاكلةَ بالطبيعة، على أنَّها مِن: شكلتُ الدابَّة: إذا قيَّدتَها، أي: على طبيعته التي قيَّدته؛ لأنَّ سلطانَ الطبيعةِ على الإِنسان ظاهر، وهو ضابطٌ له وقاهر، ورُوي ذلك عن ابن عباسٍ پًا. ومثلُ ذلك في المأخذ تفسيرُ بعضِهم بالعادة، ومن مشهور كلامِهم: العاداتُ قاهرات. وكذا تفسیرُ ابن زيدٍ لها بالدِّين. وكلا التفسيرَين دون الأوَّلَين. ولعل الدِّين هنا بمعنى الحال، وهو أحدُ معانيه. (١) الإشارات والتنبيهات في المنطق والحكمة، لابن سينا، وهو كتاب صغير الحجم، وله شروح منها: شرح الإمام فخر الدين الرازي، وشرح العلّامة نصير الدين الطوسي. كشف الظنون ١/ ٩٤. (٢) زيادة يقتضيها السياق، ينظر غرائب القرآن النيسابوري ١٥/ ٧٢، تفسير أبي السعود ٥/ ١٩٢. (٣) مادة (شكل). (٤) معاني القرآن للفراء ١٣٠/٢، ومعاني القرآن للزجاج ٢٥٧/٣. (٥) في الكشاف ٢/ ٤٦٤. الآية : ٨٤ ٧٩ سُورَةُ الإِسْرَاءِ وجوَّز الإمامُ(١) وغيرُه أن يكونَ المرادُ أنَّ كلَّ أحدٍ يفعل على وَفق ما شاكل جوهرَ نفسِه ومقتضَى روحِه، فإن كانت نفساً مشرقةً حرَّة طاهرةً عُلوية، صدرت عنه أفعالٌ فاضلةٌ كريمة (وَالْبَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبٌِّ) وإن كانت نفساً كَدِرة نَذْلةً خبيثةً ظلمانيةً سفلية، صدرت عنه أفعالٌ خسيسةٌ فاسدة ﴿وَالَّذِى خَبُثَ لَا يَخْرُ إِلَّا نَكِدًا﴾ [الأعراف: ٥٨] واختار أنَّ النفوسَ الناطقةَ البشريةَ مختلفةُ الماهية، ولذا اختلفت آثارُها. وسيأتي الكلامُ على ذلك إن شاء اللهُ تعالى قريباً. ولا يَرِدِ أنَّ خِسَّة الأفعالِ وشرافتَها إذا كانتا تابعتَين لخسَّة النفسِ وشرافتها وهما أمران خَلقيان لا مدخلَ للاختيار فيهما، فعلامَ المدحُ والذمُّ والثوابُ والعقاب؟ لأنَّهم قالوا: إنَّ ذلك لأمرٍ ذاتي، وهو حسنُ استعدادِ النفس في نفسها وسوءُ استعدادِها أيضاً في نفسها، ولا تئاب النفسُ ولا تعاقب إلّا لاستعدادها في الأزل وطلبِها لذلك بلسان حالِها، والمشهورُ إطلاقُ القولِ بأنَّ ذلك غيرُ مجعول، وإنَّما المجعولُ وجودُه وإبرازه على طِبق ما هو عليه في نفسه «فاعملوا فكلٌّ ميسَّر لما خُلِقٍ له))(٢) و((من وجد خيراً فليحمد اللهَ تعالى، ومَن وجد غيرَ ذلك فلا يلومنَّ إلَّا نفسه))(٣). وقال بعض: إنَّه مجعولٌ بالجعل البسيط، على معنى أنَّه أثرُ الفيضِ الأَقدس الذي هو مقتضَى ذاته عزَّ وجلَّ بطريق الإِيجاب، ويَجري نحوُ هذا في الوجهين الأوَّلین. وقال(٤) بعض المتأخِّرين من فلاسفة الإِسلام المتصدِّين للجمع برأيهم بين الشريعةِ والفلسفة: إنَّ ذات الإِنسان بحسَب الفطرةِ الأصليةِ لا تقتضي إلَّا الطاعة، واقتضاؤها للمعصية بحسب العوارضِ الغريبةِ الجارية مَجرَى المرضِ والخروجِ عن الحالةِ الطبيعية، فيكون ميلُها للمعصية مثلَ ميلٍ منحرفِ المزاج الأصليِّ إلى أكل الطّين، وقد ثبت في الحِكمة أنَّ الطبيعةَ بسبب عارضٍ غريبٍ تُحدِث في جسم (١) في التفسير الكبير ٣٦/٢١. (٢) أخرجه البخاري (٤٩٤٩)، ومسلم (٢٦٤٨) من حديث علي مظ لته، وسلف ١/ ٤٠٧. (٣) أخرجه مسلم (٢٥٧٧) من حديث أبي ذرِّ ◌َبه، وسلف ١/ ٣٩٠. (٤) جاء في هامش الأصل هنا: الملا صدر الدين الشيرازي صاحب الأسفار لا صاحب حواشي شرح التجريد المشهور حاله مع ملا جلال. اهـ منه. سُؤَةُ الإِسْرَاءِ ٨٠ الآية : ٨٤ المريضِ مزاجاً خاصًّا يسمَّى مرضاً، فالمرضُ من الطبيعة بتوسُّط العارضِ الغريبِ كما أنَّ الصحّة منها، وفي الحديث القدسيّ(١): ((إنِّي خلقتُ عبادي كلَّهم حنفاء، وإِنَّهم أتتهم الشياطينُ فاجتالتهم عن دِينهم)) وفي الأثر(٢): ((كلُّ مولودٍ يولَد على فطرة الإِسلام، ثم أبواه يهوِّدانه وينصِّرانه ويمجِّسانه)) أي: بواسطة الشَّياطين، أو المرادُ بهم ما يعمُّ شياطينَ الإِنس والجنّ، أو الشياطينُ كنايةٌ عن العوارض الغريبة، فالخلقُ لو لم يحصل لهم مسِّ من الشيطان ما عَصَوا، وَبقُوا على فطرتهم، لكنْ مسَّهم الشيطان ففسدت عليهم فطرتُهم الأَصلية، فاقتضَوا أشياءً منافيةً لهم مضادَّة لجوهرهم البهيِّ الإِلهيِّ من الهيئات الظّلمانية، ونسُوا أنفسَهم وما جُبلوا عليه: ولولا المزعجاتُ من الليالي لَمَا ترك القطا طيبَ المنامِ(٣) ولذا احتاجوا إلى رسلٍ يبلِّغونهم آياتِ اللهِ تعالى ويَستُّون لهم ما يذكِّرهم عهدَ ذواتهم، من نحو الصلاة والصيام والزَّكاة وصِلة الأرحام؛ ليعودوا إلى فطرتهم الأصليةِ ومقتضَى ذاتِهم البهية، ويعتدلَ مزاجُهم ويتقوَّمَ اعوجاجُهم؛ ولذا قيل: الأنبياءُ أطبّاء، وهم أعرفُ بالداءِ والدَّواء. ثم إنَّ ذلك المرضَ الذي عرض لذواتهم والحالةَ المنافيةَ التي قامت بهم، لولا أنْ وجدوا من ذواتهم قَبولاً لعروضهما لهم ورخصةً في لحوقهما بهم، لم يكونا يَعرضان ولا يلحقان، فإذن كان ممَّا تقتضيه ذواتُهم أنْ تلحقَهم أمورٌ منافيةٌ مضادّة لجواهرهم، فإذا لحقتهم تلك الأُمور، اجتمعت فيها جهتان: الملاءمةُ، والمنافاة، أمَّا كونُها ملائمة؛ فلكون ذواتِهم اقتضتها، وأمَّا كونُها منافية؛ فلأنَّها اقتضتها على أن تكون منافيةً لهم، فلو لم تكن منافية لم يكن ما فُرض مقتضى لها، بل أمراً آخرَ، وانظر إلى طبيعة التي تقتضي يبوسةً حافظةً لأيِّ شكلٍ كان، حتى صارت ممسكةً للشَّكل القسريِّ المنافي الكرويتها الطبيعيةِ ومنعت عن العودِ إليها، فعروضُ ذلك الشكلِ للأرضية لكونها مقسورةً من وجهٍ ومطبوعةً من وجه، فالإنسانُ عند عروضٍ مثل هذا المنافي ملتذٍّ (١) أخرجه مسلم (٢٨٦٥) عن عياض المجاشعي له، وسلف ١٦٦/٩. (٢) أخرجه البخاري (١٣٥٨)، ومسلم (٢٦٥٨) عن أبي هريرة رضيالله، وسلف ٣١٠/٤. (٣) قطر الندى ص٤٣ دون نسبة.