النص المفهرس
صفحات 41-60
الآية : ٧٨ ٤١ سُورَةُ الإِسْرائة القولَ في الإِلهيات والمعادِ والنبوَّات، أمر بأَشرف العباداتِ بعد الإِيمان، وهي الصَّلاة، فقال جلَّ وعلا: ﴿أَفِ الصَّلَوَةَ﴾ أي: المفروضةَ ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ أي: لزوالها عن دائرة نصفِ النَّهار. وهو المرويُّ عن عمرَ بنِ الخطاب، وابنِهِ، وابن عباسٍ في رواية، وأنسٍ، وأبي بَرزةَ الأَسلميّ، والحسن، والشعبيّ، وعطاءٍ، ومجاهد، ورواه الإماميةُ عن أبي جعفرٍ وأبي عبد اللهِ عَ﴾ّ وخلقٍ آخَرين. وأخرج ابنُ جَرير، وإسحاقُ بن راهويه في («مسنده)) وابنُ مردويه في ((تفسيره)) والبيهقيُّ في ((المعرفة)) عن أبي مسعودٍ عقبة بن عامر قال: قال رسول الله وَّةٍ: (أتاني جبريلُ عليه السلام لدلوك الشمسِ حين زالت فصلَّى بي الظُّهر))(١). وقيل: لغروبها. وهو المرويُّ عندنا عن عليٍّ كرَّم اللهُ تعالى وجهَه، وأَخرجه ابنُ مردويه، والطبرانيّ، والحاكمُ وصحَّحه، وغيرُهم عن ابن مسعود(٢)، وابنُ المنذر وغيرُه عن ابنِ مسعود(٣)، ورُوي عن زيد بن أسلم، والنخعيّ، والضحَّاك، والسُّدِّي، وإليه ذهب الفرَّاء(٤) وابن قتيبة(٥)، وأنشد لذي الرُّمَّة: مصابيحُ ليست باللَّواتي يقودها نجومٌ ولا بالآفلات الدوالكِ(٦) وأصلُ مادَّة (دل ك) تدلُّ على الانتقال، ففي الزوال انتقالٌ من دائرة نصفٍ النَّهار إلى ما يليها، وفي الغروبِ انتقالٌ من دائرة الأُفق إلى ما تحتها، وكذا في الدَّلك المعروفِ انتقالُ اليد من محلٌّ إلى آخر، بل كلُّ ما أوَّله دالٌ ولاٌ مع قطع النظرِ عن آخرِه يدلُّ على ذلك، كدَلَجَ بالجيم من الدُّلْجة، وهي سيرُ الليل، وكذا دَلَجَ بالدَّلو إذا مشى بها من رأس البئرِ للمصبّ، ودَلَح بالحاءِ المهمَلة إذا مشى مشياً متثاقلاً، ودَلَعَ بالعين المهملةِ إذا أَخرج لسانَه، وَلَفَ بالفاءِ إذا مشى مِشيةَ المقيّد، (١) تفسير الطبري ٢٩/١٥ ومعرفة السنن والآثار (٢٣٤٤). (٢) المعجم الكبير (٩١٢٧-٩١٣٨)، والمستدرك ٣٦٣/٢. (٣) كذا في الأصل و(م)، ولعل الصواب: عن علي، وقد أخرجه ابن المنذر في الأوسط ٣٢٣/٢ عن علي وابن مسعود، وينظر الدر المنثور ٤/ ١٩٥ . (٤) في معاني القرآن ١٢٩/٢. (٥) في تفسير غريب القرآن ص٢٥٩. (٦) تتمة الديوان ١٧٣٤/٣. سُؤَةُ الإِسْرَةِ ٤٢ الآية : ٧٨ وبالقاف إذا أَخرج المائعَ من مقرِّه، ودَلِهَ إذا ذهب عقلُه، وفيه انتقالٌ معنويٌّ، إلى غير ذلك، وهذا المعنى يشملُ كلا المعنيين السابقين وإنْ قيل: إنَّ الانتقالَ في الغروب أتمّ؛ لأنَّه انتقالٌ من مكانٍ إلى مكان، ومن ظهورٍ إلى خفاء، وليس في الزَّوال إلَّا الأوَّل. وقيل: إنَّ الدُّلوك مصدرٌ مزيدٌ مأخوذٌ من المصدر المجرَّد، أَعني الدلكَ المعروف، وهو أَظهرُ في الزَّوال؛ لأنَّ مَن نظر إلى الشمسِ حينئذٍ يَدِلُك عينَه، ويكون على هذا في دُلوك الشمسِ تجوُّز عن دلوك ناظرِها . وقد يُستأنس في ترجيح القولِ الأوَّل مع ما سبق بأنَّ أولَ صلاةٍ صلَّاها النبيُّ نِله نهارَ ليلةِ الإِسراءِ الظّهر، وقد صحَّ أنَّ جبريل عليه السلام ابتدأ بها حين علَّم النبيَّ عليه الصلاة السلام كيفيةَ الصلاةِ في يومين(١). وقال المبرِّد: دلوكُ الشمسِ من لَدُن زوالِها إلى غروبها، فالأمرُ بإقامة الصلاةِ لدُلوكها أمرٌ بصلاتين: الظّهر والعصر، وعلى القولَين الآخَرين أمرٌ بصلاة واحدة: الظهر أو العصر. واللامُ للتأقيت متعلِّقة بـ ((أقم))، وهي بمعنى بَعد، كما في قول متمِّم بن نُويرة يرثي أخاه: فلمَّا تفرَّقنا كأني ومالكاً لِطول اجتماعٍ لم نَبِت ليلةً معا(٢) ومنه: كتبتُه لثلاثٍ خَلَونَ من شهرٍ كذا، وتكونُ بمعنى عند أيضاً، وقال الواحديّ: هي للتعليل؛ لأنَّ دخولَ الوقتِ سببٌ لوجوب الصلاة. ﴿إِلَى غَسَقِ الَِّلِ﴾ أي: إلى شدَّة ظلمتِهِ، كما قال الراغبُ(٣) وغيرُه، وهو وقتُ العشاء. وأَخرج ابنُ الأنباريِّ في ((الوقف)» (٤) عن ابن عباسٍ أنَّ نافع بنَ الأَزرقِ قال (١) أخرجه أحمد (١٤٥٣٨)، والترمذي (١٥٠)، والنسائي ٢٦٣/١ من حديث جابر ظه. ومن حديث ابن عباس أخرجه أبو داود (٣٩٣)، والترمذي (١٤٩) وقال: حديث حسن صحيح. (٢) المفضليات ص ٢٦٧، والشعر والشعراء ٣٣٨/١، والخزانة ٢٧٢/٨. (٣) في المفردات (غسق). (٤) ١/ ٨٩ . الآية : ٧٨ ٤٣ سُؤَةُ الإِسْرائة له: أَخِرني ما الغسق؟ فقال: دخولُ الليلِ بِظُلمته، وأَنشد قولَ زهيرِ بن أبي سُلمی: حتى إذا جنح الإِظلامُ والغسقُ ظلَّت تجود يداها وهي لاهيةٌ وقال النَّضر بن شُميل: غسقُ الليلِ دخولُ أوَّله، قال الشاعر(١): واشتكيتُ الهمَّ والأَرقا إنَّ هذا الليلَ قد غسقا وهو عنده وقتُ المغرب، ورُوي ذلك عن مجاهد، وأصلُه من السَّيلان، يقال: غَسِقَت العينُ تَغْسِقِ، إذا هَمَلت بالماء، كأنَّ الظُلمة تنصبُّ على العالَم. وقيل: المرادُ من غَسَق الليلِ ما يعمُّ وقتَي المغربِ والعشاء، وهو ممتدٌّ إلى الفجر، كما أنَّ المرادَ بدُلوك الشمسِ ما يعمُّ وقتَي الظهرِ والعصر، ففي الآية - بدخول الغايةِ تحت المغيَّا وبضمِّ ما بَعد - إشارةٌ إلى أَوقات الصَّلوات الخمس. واختاره جماعةٌ من الشّيعة، واستدلُّوا بها على أنَّ وقتَ الظهرِ موسّع إلى غروب الشمس، ووقتَ المغرب موسّع إلى انتصافِ الليل، وهي أحدُ أدلَّة الجمعِ في الحضر بلا عذرٍ الذي ذهبوا إليه، وأيَّدوا ذلك بما رواه العيّاشيُّ بإسناده عن عُبيد بن زرارة(٢)، عن أبي عبد اللهِ أنَّه قال في هذه الآية: إنَّ الله تعالى افترض أربعَ صلوات، أوَّلُ وقتِها من زوال الشَّمس إلى انتصافِ الليل، منها صلاتانِ أولُ وقتِهما من عند زوالِ الشمسِ إلى غروبها، إلّا أنَّ هذه قبل هذه، ومنها صلاتان أوَّلُ وقتهما غروبُ الشمس إلى انتصاف اللَّيل، إلَّا أن هذه قبلَ هذه. وهو مرتضَى المرتضَى في أوقات الصَّلاة. والمعتمدُ عليه عندَ جمهورِ المفسِّرين أنَّ دلوكَ الشمسِ وقتُ الظهر، وغسقَ الليل وقتُ العشاء، كما ينبئُّ عنه إقحامُ الغسقِ وعدمُ الاكتفاءِ بـ ((إلى الليل)). والجارُّ والمجرور متعلِّق بـ ((أقم))، وأَجاز أبو البقاءِ (٣) تعلُّقَه بمحذوفٍ وقع حالاً من الصلاة، أي: ممدودةً إلى الليل، والأوَّل أولى. (١) هو عبيد الله بن قيس الرقيات، والبيت في ديوانه ص١٨٧ . (٢) في الأصل و(م): عبيدة وزرارة، والمثبت من مجمع البيان ٨٧/١٥، والكلام منه. وهو عبيد بن زرارة بن أعين، ينظر الفهرست ص ٢٧٦ . (٣) في الإملاء ٤٩٤/٣. سُورَةُ الإِسْرَائِ ٤٤ الآية : ٧٨ وليس المرادُ بإقامة الصلاةِ فيما بين هذين الوقتَين على وجهِ الاستمرار، بل إِقامةُ كلِّ صلاةٍ في وقتها الذي عيِّن لها ببيان جبريل عليه السلام الثابتِ في الرِّوايات الصحيحةِ التي لم يروِها مَن شَهِدَ أحدٌ من الأئمَّة الطاهرين بزندقتهم ونجاسةِ بواطنهم، كما أنَّ أعدادَ ركعاتٍ كلِّ صلاةٍ موكولةٌ إلى بيانِه عليه الصلاة والسلام. ولعل الاكتفاءَ ببيان المبدأ والمنتَهى في أوقات الصلاةِ من غير فصلٍ بينها لِمَا أنَّ الإنسانَ فيما بين هذه الأَوقاتِ على اليقظة، فبعضُها مثَّصل ببعض، بخلاف وقتِ العشاءِ والفجر، فإنَّه باشتغاله فيما بينهما بالثَّوم عادةً ينقطع أحدُهما عن الآخَر؛ ولذلك فَصَل وقتَ الفجرِ عن سائر الأَوقات. ثم إنَّ المستدلَّ من الشِّيعة بالآية لا يتمُّ له الاستدلالُ بها على جواز الجمعِ بين صلاتَي الظهرِ والعصر وبين صلاتي المغربِ والعشاءِ ما لم يضمَّ إلى ذلك شيئاً من الأَخبار، فإنَّها إذا لم يضمَّ إليها ذلك أَولى بأن يستدلَّ بها على جواز الجمعِ بين الأربعةِ جميعِها، لا بين الاثنتينِ والاثنتين. ولا يخفَى ما في الاستدلالِ بها على هذا المطلب؛ ولذا لم يرتضِه أبو جعفرٍ منهم. نعم ما ذهبوا إليه مما يؤيِّده ظواهرُ بعضِ الأحاديثِ الصَّحيحة، كحديث ابنِ عبَّاس وهو في صحيح مسلم(١): صلَّى رسولُ اللهِ وَِّ الظهر والعصرَ جمعاً بالمدينة. وفي روايةٍ أَنَّهِ وَّهِ صَلَّى ثمانياً جميعاً وسبعاً جميعاً من غير خوفٍ ولا سفر(٢). واختلف في تأويلِه، فمنهم مَن أوَّله بأنَّه جَمَعَ بعذر المطر، والجمعُ بسبب ذلك تقديماً وتأخيراً مذهبُ الشافعيِّ في القديم، وتقديماً فقط في الجديد، بالشَّرط المذکور في کتبھم. وخصَّ مالكٌ جوازَ الجمعِ بالمطر في المغربِ والعشاء، وهذا التأويلُ مشهورٌ عن جماعةٍ من الكبار المتقدِّمين، وهو ضعيف؛ لمَا في صحيح مسلمٍ عنه أيضاً: جمع رسولُ اللهِ وَيْهِ بين الظّهر والعصرِ والمغربِ والعشاءِ بالمدينة في غير خوفٍ (١) برقم (٧٠٥)، والحديث عند البخاري (٥٤٣) و(٥٦٢) و(١١٧٤) بنحوه. (٢) انظر الحديث السابق. الآية : ٧٨ ٤٥ سُؤَةُ الإِسْرَاءِ ولا مطر (١). وكونُ المراد: ولا مطرٍ كثير، لا يرتضيه ذو إِنصافٍ قليل، والشذوذُ غير مسلَّم. ومنهم مَن أوَّله بأنَّه كان في غيم، فصلَّى ◌َِّ الظهرَ ثم انكشفَ الغيم، وبَانَ أنَّ أولَ وقتِ العصر دخل فصلًاها. وفيه أنَّه وإنْ كان فيه أدنى احتمالٍ في الظهر والعصر، إلَّا أنه لا احتمالَ في المغربِ والعشاء. ومنهم مَن أوَّله بأنه عليه الصلاة والسلام أخَّر الأُولى إلى آخِر وقتها فصلَّاها فيه، فلمَّا فرغ منها، دخل وقتُ الثانيةِ فصلًاها، فصارت الصورةُ صورةً جمع. وفيه أنَّه مخالفٌ للظاهر مخالفةً لا تُحتَمل، ويردُّه أيضاً ما صحَّ عن عبد اللهِ بن شَقيقٍ قال: خَطَبَنا ابنُ عباس يوماً بعد العصرِ حتى غربت الشمسُ وبدت النُّجوم، وجعل الناسُ يقولون: الصلاةَ الصلاة، فجاءَ رجلٌ من بني تميم فجعل لا يَفْتُر ولا يَنثني: الصلاةَ الصلاة، فقال ابنُ عباس: أتعلِّمني بالسُّنَّة لا أمّ لك؟ رأيتُ رسولَ اللهِنَّه جمع بين الظّهر والعصرِ والمغرب والعشاء. قال عبدُ الله بن شقيق: فحاكَ في صدري من ذلك شيء، فأتيتُ أبا هريرةَ فسألته، فصدَّق مقالَته(٢). ومنهم مَن قال: هو محمولٌ على الجمع بعذر المرضِ أو نحوِهِ ممَّا هو في معناه من الأعذار. وهذا قولُ الإمامِ أحمد، والقاضي حسينٍ من الشافعية، واختاره منهم الخطَّبيُّ(٣) والمتولِّي والرُّوياني. وقال النوويّ(٤): هو المختارُ في التأويل. ومذهبُ جماعةٍ من الأئمّة جوازُ الجمعِ في الحضرِ للحاجة لمن لا يتَّخذه عادة. وهو قولُ ابنِ سيرين، وأشهبَ من أصحابٍ مالك، وحكاه الخطابيُّ(٥) عن القفَّال الشاشيِّ الكبير من أصحابِ الإمام الشافعيّ، وعن أبي إسحاقَ المروزيّ، وعن جماعةٍ من أصحاب الحديث، واختاره ابنُ المنذر(٦). ويؤيِّده ظاهرُ ما صحَّ (١) صحيح مسلم (٧٠٥): (٥٤). (٢) أخرجه مسلم (٧٠٥): (٥٧). (٣) انظر معالم السنن ٢٦٥/١. (٤) في شرح صحيح مسلم ٢١٨/٥. (٥) في معالم السنن ٢٦٥/١. (٦) انظر الأوسط ٤٣٢/٢-٤٣٤. سُورَةُ الإِسْرَةِ ٤٦ الآية : ٧٨ عن ابن عباسٍ ورواه مسلمٌ أيضاً (١) أنَّه لمَّا قال: جَمَعَ رسولُ اللهِ وَّهِ بين الظّهر والعصرِ والمغرب والعشاءِ بالمدينة في غير خوفٍ ولا مطر، قيل له: لِمَ فعل ذلك؟ فقال: أَراد ألَّا يُحرِجَ أحداً من أمَّته. وهو من الحرجِ بمعنى المشقّة، فلم يعلِّله بمرضٍ ولا غيره. ويعلم ممَّا ذكرنا أنَّ قول الترمذيِّ في آخر كتابه: ليس في كتابي حديثٌ أَجمعت الأمَّة على ترك العملِ به إلَّا حديثُ ابنِ عباس في الجَمع بالمدينة من غير خوفٍ ولا مطر، وحديثُ قتلٍ شارب الخمرِ في المرَّة الرابعة(٢) = ناشئٌّ من عدم التتبُّع. نَعَم ما قاله في الحديثِ الثاني صحيحٌ؛ فقد صرَّحوا بأنَّه حديثٌ منسوخ دلَّ الإِجماعُ على نسخه. وقال ابنُ الهُمام(٣): إنَّ حديثَ ابن عباس معارَضٌ بما في مسلم (٤) من حديث ليلةِ التَّعريس أنَّ بَّهِ قال: ((ليس في النَّوم تفريط، إنَّما التفريطُ في اليقظة أن يؤخّرَ الصلاةَ حتى يدخلَ وقتُ صلاةٍ أُخرى)» وللبحثِ في ذلك مجال. ومذهبُ الإمامِ أبي حنيفةَ عدمُ جوازٍ جمع صلاتَي الظّهر والعصرِ في وقتٍ إحداهما، والمغربٍ والعشاءِ كذلك مطلقاً، إلَّ بعرفات، فيُجمع فيها بين الظُّهر والعصرِ بسبب النُّسك، وإلّا بمزدلفة، فيُجمع فيها بين المغرب والعشاءِ بسبب ذلك أيضاً، واستدلَّ بما استدلّ، وفي الصَّحيحين(٥) وسنن أبي داودَ(٦) وغيرِهِ ما لا يساعده على التخصيص. وأنت تعلمُ أنَّ الاحتياط فيما ذهب إليه الإِمامُ ظُبه، فالمحتاطُ لا يُخرج صلاةَ الظهرِ - مثلاً - عن وقتها المتيقّن الذي لا خلافَ فيه إلى وقتٍ فيه خلاف، وقد صرَّح غيرُ واحدٍ بأنَّه إذا وقع التعارضُ يقدَّم الأحوط، وتعارضُ الأخبارِ في هذا الفصلِ ممَّا لا يخفَى على المتتبّع. (١) صحيح مسلم (٧٠٥): (٥٠). (٢) سنن الترمذي ٧٣٦/٥ في أول كتاب العلل. (٣) في فتح القدير ١/ ٤٠٧. (٤) برقم (٦٨١) من حديث أبي قتادة ـ . (٥) صحيح البخاري (١١٠٦-١١٠٨)، وصحيح مسلم (٧٠٣ - ٧٠٥) من حديث ابن عمر وابن عباس وأنس پے. (٦) برقم (١٢٠٦- ١٢٢٠) من حديث معاذ وابن عمر وابن عباس وجابر وأنس م﴿ه الآية : ٧٨ ٤٧ سُؤَةُ الإِسْرَاةِ هذا وزعم بعضُهم أنَّ المرادَ بالصلاة المأمورِ بإقامتها صلاةُ المغرب، والتحديدُ المذكورُ بيانٌ لمبدأ وقتِها ومنتهاه على أنَّ الغايةَ خارجة، واستدلَّ به على امتدادِه إلى غروبِ الشَّفق، وهو خلافُ ما ذهب إليه الإمامُ الشافعيُّ ◌َّه في الجديدِ مِن أنَّه ينقضي بمُضِيٍّ قَدْرِ زمنٍ وضوءٍ وغُسلٍ وتيمُّم، وطلبٍ خفيف، وإزالةِ خبثٍ مغلَّظ يعمُّ البدنَ والثوبَ والمحلّ، وسَترِ عورة، واجتهادٍ في القِبلة، وأذانٍ وإقامة، وأُلحق بها سائرُ سننِ الصلاة المتقدِّمة، كتعمُّم وتقمُّصٍ، ومشي لمحلِّ الجماعة، وأكلٍ جائعٍ حتى يشبع، وسبعِ رَكَعات، ولعلَّ الزمانَ الذي يسعَ كلَّ هذا يَزيد على زمن ما بين غروب الشمس وغروبِ الشفق أيَّ شفقٍ كان في أَكثر الأعراض. ثم لا يخفَى أَّه إذا كان المرادُ من غَسَق الليلِ وقتَ العشاء وفسِّر الغسقُ باجتماع الظلمةِ وشدَّتها، كان ذلك مؤيِّداً لما في ظاهر الرِّوايةِ عن الإِمام أبي حنيفةَ رَُبه من أنَّ أوَّل وقتِ العشاءِ حين يغيب الشفقُ بمعنى البياضِ الذي يَعقُب الحُمرةَ في الأُفقِ الغربيّ؛ لأنَّ الظلمةَ لا تجتمع ولا تشتدُّ ما لم يَغِب. ولا يأبى ذلك أنَّ الأحاديثَ الصحيحةَ صريحةٌ في أنَّ أولَ وقتِها حين يغيب الشفقُ وهو في اللغةِ الحمرةُ المعلومة؛ لأنَّ تفسيرَه بالبياض قد جاء أيضاً، ورُوي ذلك عن أبي بكرٍ الصدِّيق، وعمرَ، ومعاذٍ بن جبل، وعائشةَ رضي الله تعالى عنهم أجمعين، ورواه عبدُ الرزاق عن أبي هريرةَ وعن عمرَ بنِ عبد العزيز(١)، وبه قال الأوزاعيّ، والمُزَني، وابنُ المنذر(٢)، والخطَّابي، واختاره المبرِّد وثعلب(٣). وما رواه الترمذيُّ(٤) عن أبي هريرةَ ◌َهُ عن النبيِّ وَّرِ أنه قال: ((أوَّلُ وقتٍ العشاءِ حين يَغيب الأُفق)) ظاهرٌ في كون الشَّفقِ البياض؛ إذ لا غيبوبةَ للأُفق إلَّا بسقوطه. نَعَم ذهب صاحباه إلى أنَّه الحمرةُ، وهو قولُ ابنِ عباس(٥) وابنِ عمرَ ﴿ ، ورواه أَسدُ بن عَمرٍو عن الإِمام أيضاً، لكنَّه خلافُ ظاهرِ الرِّواية عنه. (١) مصنف عبد الرزاق (٢٠٤٠) و(٢١١٠). (٢) انظر الأوسط ٣٤٠/٢-٣٤٢. (٣) انظر مجالس ثعلب ص٣٠٨. (٤) في جامعه (١٥١). (٥) جاء فوقها في الأصل: أي: في رواية. اهـ منه. سُوَّة الاسْرَاءِ ٤٨ الآية : ٧٨ والصحيحُ المفتَى به عندنا ما جاءَ في ظاهرِ الرِّواية، وقد نصَّ على ذلك المحقّق ابنُ الهُمام (١)، والعلَّامة قاسم وابن نُجَيم، وغيرُهما. وما قاله الإِمامُ أبو المفاخرِ من أنَّ الإِمام رجع إلى قولِهما وقال: إنَّه الحُمرة، لِمَا ثَبَتَ عنده من حَمل عامَّةِ الصحابةِ إِيَّاه على ذلك وعليه الفتوى، وتَبِعه المحبوبيُّ وصدرُ الشريعة = ليس بشيء؛ لأنَّ الرجوع لم يثبت، ودون إِثباته - مع نقل الكافَّة عن الكافةِ خلافَه - خَرْطُ القتاد. وكذا دعوى حملٍ عامَّة الصحابةِ خلافُ المنقول كما سمعتَ، حتى إنَّ البيهقيَّ(٢) لم يروِ أنَّ الشَّفقَ الحُمرةُ إلّا عن ابن عمرَ . وما رواه الدار قطنيُّ(٣) عنه قال: قال رسولُ اللهِوَّهِ: ((الشفقُ الحُمرة، فإذا غابَ وجبت الصلاة)) قال البيهقيُّ والنوويُّ فيه: الصحيحُ أنَّه موقوفٌ على ابن عمرَ ط﴾ (٤). ومثلُ هذا الاختلافِ الاختلافُ في أوَّل وقتِ العصر، فقال الإِمام: هو إذا صار ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلَيه بعد ظلِّ الزَّوال، وقالا: إذا صار ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلَه بعد ظلِّ الزَّوال. وفتوى المحقّقين على قولِه رحمةُ الله تعالى عليه، بل قال ابن نُجيم: إنَّ الإِفتاء بغيره لا يجوز، وقد أَطال الكلامَ في ذلك في رسالته ((رفعُ الغِشاء عن وقتَي العصرِ والعشاء)). ﴿وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّ﴾ عطفٌ على مفعول ((أقم)) أو نصبٌ على الإغراء كما قال الزجَّاج(٥) وأبو البقاءِ(٦)، والجمهورُ على الأوَّل. والمرادُ بقرآن الفجرِ صلاتُه كما رُوي عن ابن عباسٍ ومجاهد. وسميت قرآناً - أي: قراءةً - لأنَّها ركنُها، كما سمِّيت ركوعاً وسجوداً. وهذه حجَّة على ابن عُلَيّة والأصمِّ في زعمهما أنَّ القراءةَ ليست بركنٍ في الصلاة، قاله في ((الكشَّاف))(٧). (١) في فتح القدير ١/ ١٥٥ . (٢) في سننه ١/ ٣٧٣. (٣) في سننه (١٠٥٦). (٤) سنن البيهقي ١/ ٣٧٣، والمجموع ٤٤/٣ . (٥) في معاني القرآن ٣/ ٢٥٥ دون ذكر النصب على الإغراء. (٦) في الإملاء ٣/ ٤٩٤ . (٧) ٢/ ٤٦٢ . الآية : ٧٨ ٤٩ سُورَةُ الإِسْرَاة ورُدَّ بأنَّ ذلك لا يدل على الرُّكنية؛ لجواز كونِ مدارِ التجوُّز كونَ القراءةِ مندوبةً فيها . وفي ((الكشف)) أنَّه مدفوعٌ بأنَّ العلاقةَ المعتبرة في إطلاق غيرِ الصلاة وإِرادةٍ الصلاة هي علاقةُ الكلِّ والجزء، بدليل النَّظائر، وهاهنا إذ ورد تجوُّزاً فحملُه على معلوم النظيرِ من الاستقراءِ واجب، على أنَّ النَّدْبِيةَ لا تصلُح علاقةً معتبرة إلَّا بالتكلُّف وجَعْلِ سَبَّح بمعنى صلَّى؛ لأنَّ التسبيحَ بمعنى التنزيهِ البالغ، والمصلِّي مسبِّح قولاً بقراءة الفاتحة، بل بالتكبير الواجبِ بالاتِّفاق، وفعلاً أيضاً بالرُّكوع والسجودِ مثلاً الدالّين على كمال التعظيم والتبجيل، فهو الرُّكن كلُّه، لا لأنَّ التسبيحَ بمعنى قولِ: سبحان الله، ليقالَ: تُجوِّز عن الصلاة بما هو مندوبٌ فيها . وتعقِّب بأنَّ الاكتفاءَ بعلاقة الندبيةِ التي يقول بها الأصمُّ وابنُ عُلَيّة لا تكلُّفَ فيه، فإِن القرآنَ جزءٌ من الصلاةِ الكاملة، فيكونُ ذلك كالنَّظائر بلا ضررٍ ولا ضَیر، وبأنَّ مذهبهما في التكبير غيرُ معلوم، فدعوى الاتِّفاقِ غيرُ مسلَّمة منه، ولو كان كما ذكره لكان الوجوبُ كافياً في علاقةٍ أخرى، وهي اللَّزوم. وفيه بحث. وأَبقى الجصَّاص(١) القرآنَ على حقيقتِه وقال: في الآية دلالةٌ على وجوب القراءة في صلاةِ الفجر؛ لأنَّ التقديرَ فيها: وأَقِم قرآنَ الفجر، والأَمر للوجوب، ولا قراءةً في ذلك الوقتِ واجبةٌ إلَّا في الصلاة، وزعمُ أنَّ كونَ المعنى: صلُّوا الفجر، غلطٌ من وجهين: الأوَّل: أنَّه صرفٌ عن الحقيقة بغيرِ دليل. والثاني: أنَّ ((فتهجد به)) فيما بعدُ يأباه؛ إذ لا معنى للتهُّد بصلاةِ الفجر. وفيه أنَّ الدليلَ قائم، وهو ((أقم)) لاشتهار ((أقم الصلاة)) دون أَقم القراءة، وضمير ((به)) فيما بعدُ يجوز أن يرجعَ إلى القرآنِ بمعناه الحقيقيِّ استخداماً (٢)، وهو أكثرُ من أن يُحصَى، ثم متى دلَّت الآيةُ على وجوب القراءةِ في صلاة الفجرِ نصًّا، كان ثبوتُ وجوبِها في غيرِها من الصلاةِ قياساً. (١) في أحكام القرآن ٢٠٦/٣. (٢) الاستخدام: هو أن يؤتى بلفظ له معنيان فأكثر مراداً أحد معانيه، ثم يؤتى بضميره مراداً به المعنى الآخر. الإتقان ٩٠١/٢. 1 سُورَةُ الإِسْرَاءِ ٥٠ الآية : ٧٨ وذكر بعضُهم أنَّ في التعبير عن صلاة الفجرِ بخصوصها بما ذُكر إشارةً إلى أنَّه يُطلَب فيها من تطويل القراءةِ ما لم يُطلَبْ في غيرها، وهو حسن. وقال الإِمام(١): إنَّ في الآية دلالةٌ على أنه يسنُّ التغليسُ في صلاة الفجر؛ لأنَّه أُضيف فيها القرآنُ إلى الفجر على معنى: أَقم قرآنَ الفجر، والأمرُ للوجوب، والفجرُ أوُّل طلوعِ الصُّبح؛ لانفجار ظلمةِ الليلِ عن نور الصباحِ حينئذ، ولذلك سمِّي الفجرُ فجراً، فيقتضي ذلك وجوبَ إقامة صلاة الفجرِ أولَ الطلوع، وحيث أُجمع على عدم وجوبٍ ذلك بقي النَّدب؛ لأنَّ الوجوبَ عبارةٌ عن رُجحان مانعِ الترك، فإذا منع مانعٌ من تحقَّق الوجوبِ كالإجماع هنا، وجب أن يرتفعَ المنعُ من التركِ وأن يبقَى أصلُ الرُّجحان حتى تقلَّ مخالفةُ الدليل. وأنت تعلمُ ما للعلماء من الخلاف في الباقي بعد رفع الوجوب، وما ذكر قولٌ في المسألة، لكنَّه لا يُفيد المطلوب؛ لأنَّ صلاة الفجرِ اسْمٌ للصلاة المخصوصة، سواءٌ وقعت بغلسٍ أم إسفار، والأخبارُ الصحيحة تدلُّ على سنِّية الإِسفار بها، كخبر الترمذيٌّ(٢) - وهو كما قال حسنٌ صحيح -: (أَسفِروا بالفجر؛ فإنَّه أَعظمُ للأجر)) وحَملُه على تبيَّن الفجرِ حتى لا يكونَ شٌّ في طلوعِه ليس بشيء؛ إذ ما لم يتبيَّن لا يُحكَم بجواز الصلاةِ فضلاً عن إِصابة الأَجر المفادِ بآخر الخبرِ ولو حُمِلَ ((أعظمُ)) فيه على عظيم، ورُدَّ أنَّ المناسبَ في التعليل: فإنَّه لا تصحُّ الصلاةُ بدونه، على أنَّه - على ما فيه - يَنفيه روايةُ الطَّحاوي(٣): ((أسفِروا بالفجر، فكلَّما أسفرتم فهو أَعظمُ للأجر)) أو (لأُجوركم)) أو كما قال. وروى بسنده الصَّحيحِ(٤) عن إبراهيمَ قال: ما اجتمع أصحابُ رسولِ الله وَّ على شيءٍ ما اجتمعوا على التَّنوير. ومحالٌ - نظراً إلى علوِّ شأنِهم - أن يجتمعوا على خلافِ ما فارقهم عليه حبيبُهم رسولُ اللهِ عليه الصلاة والسلام. (١) في التفسير الكبير ٢٧/٢١. (٢) برقم (١٥٤) من حديث رافع بن خديج حظه. وهو عند أبي دواد (٤٢٤)، والنسائي ١/ ٢٧٢، وابن ماجه (٦٧٢) بنحوه. (٣) في شرح معاني الآثار ١٧٨/١ . (٤) في شرح معاني الآثار ١٨٤/١ . الآية : ٧٨ ٥١ سُؤَةُ الإِسْرَاةِ وفي الصَّحيحين(١) عن ابنِ مسعود: ما رأيتُ رسولَ اللهِوَّهِ صلَّى صلاةٌ [إِلَّ] لميقاتها، إلَّا صلاتين: صلاة المغرب والعشاءِ بجمع، وصلَّى الفجرَ يومئذٍ قبلَ ميقاتها. مع أنَّه كان بعدَ الفجرِ كما يفيده لفظُ البخاريّ، فيكون المراد: قبل ميقاتِها الذي اعتاد الأَداءَ فيه. والظاهرُ أنَّه عليه الصلاة والسلام لم يكن يعتادُ التغليس، إلَّا أنَّه فعله يومئذٍ ليمتدَّ الوقوف، ونحن نقول بسنِّته بفجرٍ جمع لهذا الحديث. وخبرُ عائشةَ ﴾(٢): كان ◌َّهُ يصلِّي الصبحَ بغلس، فتشهد معه نساءٌ متلفِّعاتٌ بمروطهنّ، ثم يَرجعنَ إلى بيوتهنَّ ما يعرفهنَّ أحدٌ من الغلس = حَمَلَ الغلسَ فيه بعضُ أصحابِنا على غلسٍ داخلَ المسجد، ويأباه قولُها: ثم يرجعنَ إلى بيوتهنَّ ما يعرفهن أحدٌ من الغلس؛ إذ لا يمكن حملُ هذا الغلسِ المانعِ من معرفتهنَّ في طريق رجوعهنَّ إلى بيوتهنَّ على غلسٍ داخلَ المسجد، وكونُ المراد: ما يعرفهنَّ أحدٌ في داخل المسجدِ من الغلس، خلافُ الظاهرِ على تقدير جعلِ الجملةِ حالاً من ضميرٍ يرجعن. والظاهرُ ما أشرنا إليه، وكذا جعلُ الجملةِ حالاً من نساء أو صفةً لها، كأنَّه قيل: فتشهد معه نساءٌ بمروطهنَّ ما يعرفهن أحدٌ من الغَلَس ثم يرجعنَ إلى بيوتهنّ. وقيل: كان ذلك في يوم غيم، ويُبعده ((كان)) فإنَّها شائعةُ الاستعمالِ فيما كان يداومُ عليه عليه الصلاة والسلام. وقيل: هو منسوخ، كما يدلُّ عليه اجتماعُ الصحابةِ على التنوير. ويُبعد ذلك أنَّ النسخَ يقتضي سابقيةَ وجودِ المنسوخ، وقولُ ابنِ مسعود: ما رأيتُ ... إلخ، يفيد أنْ لا سابقيةً له. وقال بعضُهم: تُرجَّح في الأخبار المتعارضةِ هنا روايةُ الرِّجال خصوصاً، مثل ابنِ مسعود؛ فإنَّ الحالَ أكشفُ لهم في صلاة الجماعة، فتأمَّل. وذكر الطحاويُّ(٣) أنَّ الذي ينبغي الدخولُ في الفجر وقتَ التغليس والخروجُ (١) صحيح البخاري (١٦٨٢)، وصحيح مسلم (١٢٨٩)، وما سيأتي بين حاصرتين منهما. (٢) أخرجه البخاري (٥٧٨)، ومسلم (٦٤٥). (٣) في شرح معاني الآثار ١/ ١٨٤. سُؤَةُ الاسْرَةِ ٥٢ الآية : ٧٨ وقتَ الإِسفار، وهو قولُ الإمام أبي حنيفةَ وصاحبَيه، وهو خلافُ ما يذكره الأصحابُ عنهم من البدءِ والختم في الإِسفار، وهو الذي يفيده حديثُ الترمذيِّ وغيره، والله تعالى أعلم. ثم إنَّ صلاةَ الفجرِ وإنْ كانت إحدى الصلواتِ الخمسِ التي فُرضت ليلةً الإِسراء عليه وَّ﴿ وعلى أمَّته ودلَّت هذه الآيةُ على وجوبٍ إقامتها كذلك، إلّا أنَّه عليه الصلاة والسلام لم يصلِّها صبحَ تلك الليلة؛ لعدم العلم بكيفيَّتها حينئذ، وإنَّما علم الكيفيةَ بعد. وقد قدّمنا قريباً أنَّ البداءةَ وقعت في صلاةِ الظُهر إشارةً إلى أنَّ دِينَه عليه الصلاة والسلام سيظهر على الأَديان ظهورَها على بقية الصَّلوات. ونوَّه سبحانه هنا بشأن صلاةِ الفجرِ بقوله عزَّ وجلّ: ﴿إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ﴾ حيث لم ١٨ يقل سبحانه: إنَّه ﴿كَانَ مَشْهُودًا أَخرج أحمد، والنَّسائي، وابنُ ماجه، والترمذيّ، والحاكم، وصحَّحاه(١)، وجماعةٌ عن أبي هريرة، عن النبيِّ وَّ أنَّه قال في تفسير ذلك: ((تشهده ملائكةٌ الليلِ وملائكةُ النهار)» وفي الصَّحيحين(٢) عنهَُّهُ أنَّه قال: قال النبيُّ ◌َّهُ: (تجتمع ملائكةُ الليلِ وملائكةُ النهارِ في صلاةِ الفجر)» ثم قال أبو هريرة: إقرؤوا إن شئتم: (وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) والمرادُ بهؤلاء الملائكةِ الكتبةُ والحفظة، فتنزل ملائكةُ النهارِ وتصعد ملائكةُ الليل، وتلتقي الطائفتان في ذلك الوقت، وكذا تلتقي الطائفتان - وأمرُ النزولِ والصُّعود على العكس - وقتَ العصر، كما جاءَ في الآثار(٣). وهذا ممَّا يعكِّر على الإِمام في زعمه أنَّ هذا أيضاً دليلٌ قويٌّ على أنَّ التغليسَ أَفضلُ من التنوير؛ لأنَّ الإِنسان إذا شرع في الصلاة من أوَّل الصُّبح يكون ملائكةُ الليلِ حاضرين لبقاءِ الظُّلمة، فإذا امتدَّت الصلاةُ بسبب ترتيلِ القراءةِ وتكثيرِها، زالت الظلمةُ وظهر الضوءُ وحضر (١) مسند أحمد (١٠١٣٣)، وسنن النسائي الكبرى (١١٢٢٩)، وسنن ابن ماجه (٦٧٠)، وسنن الترمذي (٣١٣٥)، والمستدرك ٢١٠/١-٢١١. (٢) صحيح البخاري (٦٤٨)، وصحيح مسلم (٦٤٩): (٢٤٦). (٣) انظر ما سلف ١٣/ ٦٧. الآية : ٧٩ ٥٣ سُورَةُ الإِشْرَةِ ملائكةُ النهار، فإنه يلزمه - على هذا البيانِ الذي لا يروج إلَّ على الصِّبيان - القولُ بأنَّ تأخيرَ صلاةٍ العصر إلى أن يزولَ الضوءُ وتظهرَ الظَّلمة، وهو لا يقول به، بل لا یقولُ به أحد. وهل الطائفةُ التي تشهد اليومَ مثلاً تشهد غداً، أو كلَّ يومٍ تشهد طائفةٌ أخرى لم تشهد قبلُ ولا تشهدُ بعد؟ فيه خلاف، وسيأتي الكلامُ إن شاءَ اللهُ تعالى فيما يتعلَّق بذلك. وقيل: يشهدُه الكثيرُ من المصلِين في العادة. وقيل: مِن حقِّه أن تشهدَه الجماعةُ الكثيرة. وقيل: تشهده وتحضرُ فيه شواهدُ القدرة، من تبدُّلِ الضياءِ بالظُّلمة، والانتباهِ بالنوم الذي هو أخو الموت. وهو احتمالٌ أبداه الإِمامُ (١) وبسط الكلامَ فيه، ثم قال: وهذا هو المرادُ من قولِه تعالى: (إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) ثم ذكر احتمالَ كونِ المرادِ: مشهوداً بالجماعة الكثيرة، وبسط الكلامَ أيضاً في تحقيقه. وأنت تعلم أنَّه لا وجهَ للحصر المدلولِ عليه بقوله: وهذا هو المرادُ، ثم إبداءُ ذلك الاحتمال، على أنَّه بعدما صحَّ تفسيرُ النبيِّ وَّهِ له بما سمعتَ لا ينبغي أن يقالَ في غيره: هذا هو المراد. ولا يخفَى ما في هذه الجملةِ من الترغيب والحثِّ على الاعتناءِ بأمر صلاةٍ الفجر؛ لأنَّ العبدَ في ذلك الوقتِ مشيِّعٌ كِراماً ومتلقٍّ كراماً، فينبغي أن يكونَ على أَحسنِ حالٍ يتحدَّث به الراحل، ويرتاحُ له النازل. ﴿وَمِنَ الَّيْلِ﴾ قيل: أي: وعليك بعضَ الليل، وظاهرُه أنَّه من باب الإِغراء، كما نُقل عن الزجَّاج وأبي البقاءِ في قوله تعالى: ((وقرآن الفجر)). وتعقّبه أبو حيَّان(٢) بأنَّ المُغرَى به لا يكون حرفاً، ولا يُجدي نفعاً كونُ ((مِن)) للتبعيض؛ لأنَّ ذلك لا يجعلها اسماً، أَلَا ترى إجماعَ النُّحاةِ على أنَّ واوَ ((مَعَ)) حرفٌ وإنْ قُدِّرت بامَعَ)). وأُجيب بأنَّه يحتملُ أن يكونَ القائلُ بذلك قائلاً باسميَّة ((مِن)) في مِثل ذلك، (١) في التفسير الكبير ٢٨/٢١. (٢) في البحر ٦/ ٧١. سُؤَةُ الإِسْرَاةِ ٥٤ الآية : ٧٩ كما قالوا باسميةِ الكافِ في نحو: ﴿فَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾ [الفيل: ٥] و((عن)) في نحو : من عن يميني تارةً وشِمالي(١) و ((على)) نحو: مِن عليه، وكذا القائلُ بأنَّ ذلك نصبٌ على الظرفية بمقدَّر، أي: وقم بعضَ الليل. واختار الحوفيُّ أنَّ (مِن)) متعلِّقة بفعلٍ دلَّ عليه معنى الكلام، أي: واسهَرْ من الليل، فالفاءُ في قوله تعالى: ﴿فَتَهَجَّدُ بِهِ،﴾ إمّا عاطفةٌ على ذلك المقدَّر، أو مفسِّرةٌ بناءً على أنَّه من أسلوب ﴿وَإِنَّىَ فَأَرْهَبُونِ [البقرة: ٤٠]. وفي ((الكشف)) أنَّ الإِغراءَ هو الظاهرُ هاهنا بخلافه فيما تقدَّم؛ لأنَّ النصبَ على التفسير والصِّلاتُ مختلفةٌ لا يتَضح كلَّ الاتِّضاح، ومعنى الإغراءِ من السابق واللاحقِ تتعاضد الأدلةُ عليه. وفيه منعٌ ظاهر. والتهُجُّد - على ما نُقل عن الليث - الاستيقاظُ من الثَّوم للصلاة، ويُطلق على نفس الصلاةِ بعد القيام من النَّوم ليلاً، يقال: تهجَّد، أي: صلَّى في الليل بعدَ الاستيقاظ، وكذا هَجَدَ، وهذا يقتضي سابقيةَ النوم في تحقّق التهجّد، فلو لم ينم وصلَّى ما شاء، لا يقال له: تَهَجَّدَ، وهو المرويُّ عن مجاهدٍ والأسودِ وعلقمةً وغيرهم. وقال المبرِّد: هو السَّهرُ للصلاة أو لِذِكر اللهِ تعالى. وقيل: السهرُ للطاعة. وظاهرُه عدمُ اشتراطِ سابقيةِ النوم في تحقُّقه، والمشهورُ أنَّ ذلك يسمَّى قياماً، وما بعد النومِ يسمَّى تهجّداً. وأَغربَ الحَجَّاجِ بنُ عَمرِو المازني(٢)، فإنَّه رُوي عنه أنَّه قال: أَيحسب أحدُكم (١) البيت بتمامه - كما في حماسة أبي تمام ١ / ٦٨ -: فلقد أراني للرِّماح دريئةً من عن يميني مرَّةً وأمامي ونسبه القطري بن الفجاءة المازني. (٢) الأنصاري الخزرجي، مختلف في صحبته، قال أبو نعيم: شهد صفِّين مع علي لله . الإصابة ٢١٦/٢ والخبر أخرجه الطبراني في الكبير (٣٢١٦)، وابن قانع في معجم الصحابة ١٩٤/١. الآية : ٧٩ ٥٥ سُورَةُ الإِسْرَاة إذا قام من الليلِ فصلَّى حتى يُصبحَ أنَّه قد تهَجَّد، إنَّما التهجُّدُ الصلاةُ بعد الرُّقاد، ثم صلاةٌ أخرى بعد رَقدة، ثم صلاةٌ أخرى بعد رَقدة، هكذا كانت صلاةٌ رسولِ الله ◌َل﴾. وأنا أقول: إنَّ تخلُّل النوم بين الصلواتِ جاءَ في صحيح مسلمٍ من رواية حُصين عن حبيبٍ بن أبي ثابتَ(١)، وهي ممَّا استدركها الدارقطنيُّ على مسلم لاضطرابها، فقد قال: ورُوي عنه على سبعة أَوجُه، وخالف فيه الجمهور. يعني الخبرَ الذي فيه تخلَّل النوم، والكثيرُ من الرِّوايات ليس فيه ذلك، فليُحفَظ. واشتُرط ألَّا تكونَ الصلاةُ إحدى الخَمس، فلو نام عن العشاءِ ثم قام فصلًاها لا يسمَّى متهجِّداً، ولا ضررَ في كونها واجبة، كأَنْ نام عن الوتر ثم قام إليها . وفي ((القاموس)): الهجودُ النوم، كالتهجّد، وتهَجَّد: استيقظ، كهجد، ضِدّ(٢). وقال ابن الأعرابي: هَجَدَ الرجل: صلَّى من الليل، وهجد: نام باللَّيل. وقال أبو عبيدة: الهاجد: النائمُ والمصلِّي(٣). وفي ((مَجمع البيان))(٤) أنَّه يقال: هَجَّدته: إذا أَنمتَه، وعليه قولُ لبيد: قلت هجِّدْنا فقد طال السُّرى(٥) ونُقل عن ابن بُزُرْج(٦) أنَّه يقال: هَجَّدته: إذا أيقظتَه، ومصدرُ هذا التهجيدُ، وصرَّح في ((القاموس))(٧) بأنَّه من الأَضداد أيضاً. وذكر بعضُهم أنَّ المعروفَ في كلام العربِ كونُ الهجودِ بمعنى النوم، وفسِّر (١) برقم (٧٦٣): (١٩١). (٢) القاموس (هجد). (٣) انظر مجاز القرآن ٣٨٩/١. (٤) ١٥ / ٨٥. (٥) ديوان لبيد ص ١٨٢، وعجزه: وقَدَرْنا إن خَتَى دهرٍ غَفَلْ. (٦) في الأصل و(م): برزخ، والصواب ما أثبتناه، وهو عبد الرحمن بن بُزُرْج، كان حافظاً للغريب والنوادر، قال الأزهري في تهذيب اللغة ١٩/١: قرأت له كتاباً بخط أبي الهيثم الرازي في النوادر فاستحسنه. وكلامه في تهذيب اللغة ٣٦/٦. (٧) مادة (هجد). سُؤَةُ الإِسْرَةِ ٥٦ الآية : ٧٩ التهجُّد بترك الهجود، أي: النوم، على أنَّ التفعُّل للسَّلْب، كالتأثُّم والتحنُّث، وهو مأخذُ مَن فسَّره بالاستيقاظ. ويجوزُ أن يقال: إنَّ التفعُّل للتكلُّف، أي: تكلُّف الهجودِ بمعنى اليقظة. ورجّح هذا بأنَّ مجيءَ التفعُل للتكلُّف أكثرُ من مجيئه للسَّلْب. وعُورض بأنَّ استعمالَ الهجودِ في اليقظة مختلَفٌ في ثبوته، وإنْ ثبت فهو أَقلُّ من استعماله في النَّوم. والضميرُ المجرورُ في ((به)) للقرآنِ من حيث هو، لا بقيد إِضافتِّه إلى الفجر. واستُدلَّ بذلك على تطويل القراءةِ في صلاة التهجُّد، وقد صرَّح العلماءُ بندب ذلك، وفي صحيح مسلم(١) من حديث حذيفةً: صلَّيتُ وراءَ النبيِّ وَِّ ذاتَ ليلة، فافتتح ((البقرة)) فقلت: يركع عندَ المئة، ثم مضى، فقلت: يصلِّ بها في رَكعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح ((النِّساء)) فقرأها، ثم افتتح ((آل عمران)) فقرأها، يقرأ مترسِّلاً، إذا مرَّ بآيةٍ تسبيحٍ سَبَّح ... الخبر. ويجوز أن يكونَ للبعض المفهوم من قوله تعالى: ((ومن الليل)) والباءُ للظرفية، أي: فتهجَّد في ذلك البعض. وقال ابنُ عطية(٢): هو عائدٌ على الوقت المقدَّر في النظم الكريم، أي: قُمْ وقتاً من الليل فتهجَّد فيه ﴿نَافِلَةٌ لَّكَ﴾ فريضةٌ زائدةً على الصَّلوات الخمسِ المفروضةِ خاصَّةً بك دون الأمَّة، ولعله الوجهُ في تأخير ذِكرِها عن ذِكر صلاة الفجر مع تقدُّم وقتِها على وقتها . واستدلَّ به على أنَّ ما أُمر به وَّهِ فأمَّته مأمورون به أيضاً، إلَّا أن يدلَّ دليلٌ على الاختصاصِ كما هنا. ويدلُّ على أنَّ المرادَ ما ذُكر ما أخرجه ابنُ جَرير وابنُ أبي حاتم وابنُ مردويه عن ابن عباسٍ ﴾ أنَّه قال في ذلك: يعني خاصَّةٌ للنبيِّ ◌َِّل، أمر بقيام الليلِ وكُتب عليه(٣). لكن صحَّح النوويُّ أنَّه نُسخ عنه عليه الصلاة والسلام فَرْضیةُ التهجّد، ونقله أبو حامدٍ من الشافعية، وقالوا: إنَّه الصحيح. (١) برقم (٧٧٢). (٢) في المحرر الوجيز ٤٧٨/٣ . (٣) الدر المنثور ١٩٦/٤، وهو في تفسير الطبري ٤٠/١٥. الآية : ٧٩ ٥٧ سُؤَدَةُ الإِسْرَةِ وقيل الخطابُ في ((لك)) له وَّه، والمرادُ هو وأمَّته، على حدِّ الخطابِ في ((أقم الصلاة)) فيما سبق، أي: فريضةً زائدةً على الصلوات الخمسِ لِنفعكم، ففيه دليلٌ على فَرْضية التهجّد عليه عليه الصلاة والسلام، بناءً على ما أخرجه ابنُ أبي حاتم عن الضَّحاك قال: نُسخ قيامُ الليلِ إلَّا عن النبيِّ وَّهِ(١). أو ونُسخ في حقِّهِ وَه أيضاً بناءً على الصحيح، وهو خلافُ الظاهرِ جدًّا. ويجوز أن يرادَ بالنافلةِ الفضيلة، إما لأنَّه عليه الصلاة والسلام فُضِّل على أمَّته بوجوبها وإن نُسخ بعد، أو لأنَّها فضيلةٌ له وَّهِ وزيادةٌ في درجاته، وليست بالنّسبة إليه مكفِّرةً للذنوب وسادَّةً للخَلَل الواقع في الفرائض، كما أنَّها وسائرَ النوافلِ بالنّسبة إلى الأمَّة كذلك؛ لكونه عليه الصلاة والسلام قد غُفر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخّر، وفرائضُه وسائرُ تعبُّداته واقعةٌ على الوجه الأكمل. وقد أَخرج هذا الأخيرَ البيهقيُّ في ((الدلائل)) وابن جَرِيرٍ وغيرُهما عن مجاهد (٢)، وابنُ أبي حاتم عن قتادة، وابنُ المنذر عن الحسن(٣)، واستحسنه الإِمام(٤)، وضعَّفه الطبري(٥)، وجوَّز ابنُ عطيةَ عمومَ الخطاب كما سمعتَ آنفاً، إلّا أنَّه حمل ((نافلة)) على تطوُّعاً. وليس بشيءٍ أيضاً. وربَّما يختلج في بعض الأَذهانِ بناءً على ما تقدَّم عن أبي البقاءِ في قوله تعالى: (سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن زُّسُلِنَّا) من أنَّه بتقدير: اتَّبَعْ سنَّة، كما قال سبحانه: ﴿فَبِهُدَثُمُ أَقْتَدِةُ﴾ [الأنعام: ٩٠] احتمالُ أن يكونَ قولُه تعالى: (أَقِمِ الضَلَوَةَ) إلخ بياناً للاتِّباع المأمورِ به، وهو متضمِّن للأَمر بالصلواتِ الخمس، وقد كان الأنبياءُ عليهم الصلاة والسلام يصلُّونها، على ما يدلُّ عليه قولُ جبريلَ عليه السلام في خبرٍ تعليمِه عليه الصلاة والسلام كيفيةَ الصلاةِ بعد صلاتِهِ الخمس: هذا وقتُ الأنبياءِ من قبلك(٦)، فإنَّه ظاهرٌ في أنَّهم عليهم السلام كانوا يصُّونها . (١) الدر المنثور ٤ /١٩٦. (٢) دلائل النبوة ٥/ ٤٨٧، وتفسير الطبري ١٥/ ٤١. (٣) الدر المنثور ٤ /١٩٦. (٤) في التفسير الكبير ٣٠/٢١. (٥) في تفسيره ١٥/ ٤١-٤٢. (٦) أخرجه أبو داود (٣٩٣)، والترمذي (١٤٩) من حديث ابن عباس سُؤَةُ الإِسْرَاءِ ٥٨ الآية : ٧٩ غايةُ ما في الباب أنَّه على القولِ بأنَّها لم تجتمعْ لغير نبيِّنا وَّ - وهو الصَّحيح - يحتمل أنَّ المرادَ أنَّه وقتُهم على الإِجمال وإن اختصَّ مَن اختصَّ منهم بوقت، حيث ورد أنَّ الصبحَ لآدم، والظهرَ لداود، وفي رواية: لإِبراهيم، والعصرَ لسليمان، وفي رواية: ليونُس، والمغربَ ليعقوب، وفي رواية: لعيسى، والعشاءَ ليونُس، وفي رواية: لموسى عليهم السلام، إلّا أنَّ ذلك لا يضرّ، بل هو أَنسبُ بالأمر باتباع سنَّة جمیعِهم. وقد استدلَّ الإِمامُ(١) على أنَّهِ وَ ﴿ أفضلُ من سائر الأنبياء عليهم السلام بقوله تعالى: ((فبهداهم اقتده)) من جهة أنَّه عليه الصلاة والسلام أُمر بالاقتداءِ بهدى جميعِهم وامتثلَ ذلك، فكان عندَه من الهدى ما عندَ الجميع، فيكون أفضلَ من كلِّ واحدٍ منهم، وحينئذٍ يقال: معنى كونِ ذلك نافلةً له عليه الصلاة والسلام أنَّه زائدٌ على الصلواتِ الخمس، خاصٌّ به ◌َّ ر دون سائرِ الأنبياء عليهم السلام المأمورِ باتِّباع سنَّتهم. وهو ممَّا لا ينبغي أن يُلتفتَ إليه ويعوَّلَ عليه، بل اللائقُ به أن يجعلَ من قبيلٍ حديث النَّفْس، وتخيُّلِها بحراً من مسكٍ مَوجُه الذهب، فإنَّ فسادَه تأصيلاً وتفريعاً ممَّا لا يخفَى على مَن له أدنَى مُسكةٍ وأقلُّ اطّلاع، واللهُ تعالى العاصمُ من الزَّلل، والحافظُ من الخطأ والخَطَّل. وانتصابُ ((نافلة)) إمَّا على المصدرية بتقدير: تنقّل. وقدَّر الحوفيُّ: نفَّلناك. أو بجعل ((تهجَّدْ)) بمعنى تنفَّل. أو بجعل ((نافلةً)) بمعنى تهجُّداً، فإنَّ ذلك عبادةٌ زائدة. وإمَّا على الحالِ من الضمير الراجع إلى القرآن، أي: حالَ كونِهِ صلاةً نافلةً كما قال أبو البقاء (٢). وإمَّا على المفعول لَ ((تهجَّد)» - كما جوَّزه الحوفيّ - إذا كان بمعنى: صلِّ، وجُعِلَ الضميرُ المجرورُ للبعضِ المفهوم، أو للوقت المقدَّر، أي: فصلِّ فيه نافلةً لك ﴿عَسَ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ﴾ الذي يبلِّغك إلى كمالك اللائقِ بك من بعد الموتِ الأَكبر، لمَّا انبعثتَ من الموت الأَصغرِ بالصلاة والعبادة. فالمعنى على التعليل والتهوينِ لمشقَّة قيام الليل، حتى زعم بعضُهم أنَّ ((عسى)) بمعنى كي، وهو وَهَم، بل هي - كما قال أهلُ المعاني - للإِطماع، ولمَّا كان إِطماع الكريم إنساناً بشيءٍ ثم (١) في التفسير الكبير ٧١/١٣. (٢) في الإملاء ٤٩٤/٣. الآية : ٧٩ ٥٩ سُورَةُ الإِسْرَاء حرمانُه منه غروراً، واللهُ عزَّ وجلَّ أجلُّ وأكرمُ من أن يغرّ أحداً فيُطمعَه في شيء ثم لا يُعطيَه، قالوا: هي للوجوبِ منه تعالى مجدُه، على معنى أنَّ المُطمَعَ به يكون ولا بدَّ للوعد. وقيل: هي على بابها للترجِّي، لكن يُصرف إلى المخاطَب، أي: لتكن على رجاءٍ من أنْ يبعثَك رَبُّك ﴿مَقَامًا تَحْمُودًا (٣)﴾ وهي تامَّة، و((أن يبعثك)) فاعلُها، و((ربك)) فاعلُه، و((مقاماً)) - كما قال جمعٌ - منصوبٌ على الظّرفية، إمَّا على إِضمار فعلِ الإقامة، أو على تضمين الفعلِ المذكورِ ذلك، أي: عسى أن يبعثَك فيُقيمَك مقاماً، أي: في مقام، أو يُقيمَك في مقام محمودٍ باعثاً، إذ لا يصحُّ أن يعملَ في مثل هذا الظرفِ إلَّا فعلٌ فيه معنى الاستقرار، خلافاً للكسائي. واستظهرَ في ((البحر))(١) كونَه معمولاً لـ ((يبعثَك))، وهو مصدرٌ من غير لفظٍ الفعل؛ لأنَّ نبعث بمعنى نُقيم، تقول: أُقيم من قبره، و: بُعث من قبره. وجوَّز أبو البقاءِ(٢) وغيرُه كونَه حالاً بتقديرٍ مضاف، أي: نبعثك ذا مقام. وقيل: يجوز أن يكونَ مفعولاً به لـ ((يبعثَك)) على تضمينه معنى نُعطيك. وجوَّز أبو حيَّانَ أن تكونَ ((عسى)) ناقصة، و((ربك)) الفاعل(٣)، على تقدير أن ينتصبَ ((مقاماً)) بمحذوفٍ لا بـ ((يبعث))؛ لئلا يلزمَ الفصلُ بين العاملِ والمعمولِ بأجنبيّ. وتنكيرُ ((مقاماً)) للتعظيم. والمرادُ بذلك المقام مقامُ الشفاعة العظمى في فصل القضاء، حيث لا أحدَ إلَّا وهو تحت لوائه وَّه، فقد أخرج البخاريُّ(٤) وغيرُه عن ابن عمرَ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ وَّهِ يقول: ((إنَّ الشمس لَتدنو حتى يبلغَ العرقُ نصفَ الأُذن، فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم، فيقول: لست بصاحبٍ ذلك، ثم موسى، فيقول كذلك، ثم محمَّد، فيشفع، فيقضي اللهُ تعالى بين الخلق، فيمشي (١) ٦ / ٧٢. (٢) في الإملاء ٣/ ٤٩٤. (٣) كذا في الأصل و(م)، وهو خطأ ظاهر، والصواب: اسمها، كما في البحر ٦/ ٧٢. (٤) في صحيحه (١٤٧٥). سُورَةُ الإِسْراءة ٦٠ الآية : ٧٩ حتى يأخذَ بحلقة بابِ الجنَّة، فيومئذٍ يبعثه الله تعالى مقاماً محموداً يحمده أهلُ الجمعِ كلّهم)). وأخرج الترمذيُّ وحسَّنه(١) عن أبي سعيد الخدريِّ قال: قال رسولُ اللهِ وَالآتى : ((أنا سيِّد ولدِ آدمَ يومَ القيامةِ ولا فخر، وما من نبيٍّ يومئذٍ فمَن سواه إلَّا تحت لوائي، وأنا أول من تنشقّ عنه الأرض ولا فخر، وبيدي لواءُ الحمدِ ولا فخر، فيفزع الناسُ ثلاث فزعات، فيأتون آدمَ فيقولون: أنت أبونا فاشفعْ لنا إلى ربِّك، فيقول: إني أَذنبتُ ذنباً أُهبطت منه إلى الأرض، ولكن ائتوا نوحاً، فيأتون نوحاً، فيقول: إني دعوتُ على أهل الأرضِ دعوةً فأُهلكوا، ولكن اذهبوا إلى إِبراهيم، فيأتون إِبراهيم، فيقول: ائتوا موسى، فيقول: إني قتلتُ نفساً، ولكن ائتوا عيسى، فيقول: إني عُبدت من دون اللهِ تعالى، ولكن ائتوا محمداً، فيأتونني، فَأَنطلق معهم فآخذُ بحلقة بابِ الجنةِ فأُقعقعها، فيقال: مَن هذا، فأقول: محمَّد، فيفتحون لي ويقولون: مرحباً، فأخِرُّ ساجداً، فيُلهمني اللهُ تعالى من الثَّناء والحمدِ والمجد، فيقال: إِرفع رأسَك، سَلْ تُعطّ، واشفعْ تشفَّع، وقل يُسمعْ لقولك، فهو المقامُ المحمودُ الذي قال الله تعالى: ((عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً)). وجاء في بعض الرِّواياتِ أنَّه عليه الصلاة والسلام يسجد أربعَ سجدات - أي: كسجود الصلاةِ كما هو الظاهر - تحتَ العرش، فيُجاب لِمَا فزعوا إليه. وذكر الغزاليُّ في ((الدُّرَّة الفاخرة)) أنَّ بين إِتيانهم نبيًّ وإتيانهم ما بعدَه ألفَ سَنَّة، ولا أصلَ له كما قال الحافظُ ابن حجر(٢). وقيل: هو مقامُ الشفاعةِ لأمَّته بَِّ؛ لِمَا أَخرجه أحمدُ، والترمذيُّ، والبيهقيُّ في ((الدَّلائل)) عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ◌َّ أنَّه سئل عن المقام المحمودِ في الآية فقال: ((هو المقامُ الذي أَشفع فيه لأمَّتي))(٣). (١) كما في تحفة الأشراف ٤٦٨/٣، وتحفة الأحوذي ٥٨٨/٨، والذي في المطبوع من سنن الترمذي (٣١٤٨): حديث حسن صحيح. (٢) في فتح الباري ١١/ ٤٣٤ . (٣) مسند أحمد (٩٦٨٤)، وجامع الترمذي (٣١٣٧)، ودلائل النبوة ٤٨٤/٥. ولفظ الترمذي والبيهقي: قال: ((هي الشفاعة)).