النص المفهرس
صفحات 21-40
الآية : ٧١ ٢١ سُؤَدَةُ الاسْرَاءِ وما ذُكر من تعلُّق الجارِّ بما عنده هو الظاهرُ الذي ذهب إليه الجمهور، وجوِّز أن يكونَ متعلِّقاً بمحذوفٍ وقع حالاً، أي: مصحوبين بإمامهم. ثم إنَّ الداعي إمَّا الله عزَّ وجلّ، وإمَّا المَلَك، وهو الذي تُشعر به الآثار، فإسنادُ الفعلِ إليه تعالی مجاز. وقرأ مجاهد: ((يَدعو)) بالياءِ آخرِ الحروف(١)، أي: يدعو اللهُ تعالى أو المَلَك. والحسنُ في روايةٍ: ((يُدْعَى))(٢) بالبناء للمفعول ورفع ((كل)) على النِّيابة عن الفاعل. وفي روايةٍ أخرى: ((يُدعَوا)) بضمِّ الياءِ وفتح العين بعدَها واو (٣)، ورفعٍ ((كل))، وخرِّجت على وجهين، فإنَّ الظاهرَ: يُدعَون، بإِثَبات النونِ التي هي علامةُ الرفع: الأوَّل: أنَّ الواو ليست ضميرَ جمعٍ ولا علامتَه، وإنَّما هي حرفٌ من نفسٍ الكلمة، وكانت ألفاً، والأصل: يُدعَى، كما في القراءة الأُخرى، وقُلبت الألفُ واواً على لغةٍ مَن يقول في أَفعى وهي الحية: أَفعو، وهذه اللغةُ مخصوصةٌ بالوقفِ على المشهور، فيكون قد أُجري هنا الوصلُ مُجرَى الوقف. ونُقل عن سيبويه أنَّ قلبَ الألفِ في الآخِرِ واواً لغةٌ مطلقاً (٤). والثاني: أنَّ الواو ضميرٌ أو علامةٌ كما في: ((يتعاقبونَ فيكم ملائكة)»(٥) والنونُ محذوفةٌ كما في قوله وَّهِ: ((لا تُؤمنوا حتى تحابُّوا))(٦) و: ((كما تكونوا يولَّى عليكم))(٧) في قول، وكذا في قولِ الشاعر: أَبيتُ أَسري وتبيتي تدلُكي وجهَك بالعنبرِ والمسكِ الذَّكى(٨) (١) القراءات الشاذة ص٧٧، والبحر المحيط ٦/ ٦٢. (٢) البحر المحيط ٦٢/٦، وانظر القراءات الشاذة ص٧٧. (٣) المحتسب ٢٢/٢، والبحر المحيط ٦٢/٦، وانظر القراءات الشاذة ص٧٧. (٤) الكتاب ٢٤١/٤. (٥) أخرجه البخاري (٥٥٥)، ومسلم (٦٣٢) عن أبي هريرة ◌ُبه، وسلف ٦٧/١٣. (٦) أخرجه مسلم (٥٤) من حديث أبي هريرة څ. (٧) أخرجه الصيداوي في معجم الشيوخ ١٤٩/١، وفي إسناده وضاع. ينظر ما سلف ٣١٨/٢. (٨) البحر المحيط ٣٦/٦، والخزانة ٣٣٩/٨ وقال: لم أقف على قائله. سُؤَةُ الإِسْرَاءِ ٢٢ الآية : ٧١ وكأنَّها لكونها علامةَ إعرابٍ عوملت معاملةَ حركتِه في إظهارها تارةً وتقديرِها أخرى. ولا فرقَ في كونها علامةَ إعرابٍ بين أن تكون الواو ضميراً وأن تكونَ علامة جمعٍ على الصَّحيح، والظاهر أن حذفها في مثل ما ذُكر شاذٌّ لا ضرورة، وإلَّا فلا يصحُّ هذا التخريجُ في الآية. وفي توجيهِ رفع ((كل)) على هذه القراءةِ الأقوالُ في توجيه الرفع في أَمثاله، وهي مشهورةٌ في كتب النّحو. ﴿فَمَنْ أُوِ﴾ يومئذٍ من أولئك المدعوِّين ﴿كِتَبَهُ﴾ صحيفة أعمالِهم، والله سبحانه أعلمُ بحقيقتها ﴿بِسَمِنِهِ﴾ إبانةً لخطر الكتابِ المؤتَى، وتشريفاً لصاحبه، وتبشيراً له من أوَّل الأمرِ بما في مطاويه ﴿فَأُوْلَئِكَ﴾ إشارةٌ إلى ((مَن)) باعتبار معناه، وكأنَّه أُشير بذلك إلى أنَّهم حزبٌ مجتمعون على شأنٍ جليل. وقيل: فيه إشعارٌ بأنَّ قراءتهم لكُتبهم على وجه الاجتماعِ لا على وجهِ الانفرادِ كما في حالِ الإيتاء. وأكثرُ الأخبارِ ظاهرةٌ في أنَّ حالَ القراءةِ كحال الإِيتاء، نعم جاءَ من حديثٍ عائشةَ ﴿َّا أَنَّه يؤتَى العبدُ كتابه بيمينه، فيقرأ سيئاتِه ويقرأ الناسُ حسناتِه، ثم يحوِّل الصحيفة، فيحوِّل اللهُ تعالى حسناتِهِ، فيقرؤها الناسُ فيقولون: ما كان لهذا العبدٍ من سيّئة (١). ويحتمل أن يكونَ كلُّ مَن يؤتَى كتابه بيمينه بعد أن يقرأَه منفرداً يأتي أصحابَه ويقول: ﴿هَاؤُمُ أَقْرَهُوا كِنَبِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] فيجتمعون عليه ويقرؤونه، ويقرؤه هو أيضاً معهم تلذَّذاً به، لكن لم نجدْ في ذلك أثراً، ومع هذا لا يُجدي نفعاً فيما أراد القائل. وفي إلحاق اسم الإشارةِ علامةَ البُعد إشارةٌ إلى رفعة درجاتِ المشارِ إليهم، أي: أولئك المختصُّون بتلك الكرامةِ التي يُشعر بها إيتاءُ الكتابِ باليمين ﴿يَقْرَهُونَ﴾ ولو لم يكونوا قارئين في الدُّنيا ﴿كِتَبَهُمْ﴾ الذي أُوتوه باليمين؛ ليذكروا أعمالَهم ويقفوا على تفاصيلها فيحاسبوا عليها . (١) لم نقف عليه. الآية : ٧١ ٢٣ سُؤَدَةُ الاسْراءة وقيل: يقرؤونه تبجّحاً بما سُطر فيه من الحسناتِ المستتبِعة لفنون الكرامات. والإِظهارُ في مقام الإِضمارِ لمزيد الاعتناء. ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ﴾ أي: لا يُنقصَون من أُجور أعمالِهم المرتسمةِ في كتبهم، بل يؤتَونها مضاعفة. ﴾ أي: قدرَ فتيل، وهو القِشرُ الذي في شَقِّ النَّواة، سمِّي بذلك ﴿فَتِيلًاً لَـ لأنَّه على هيئة الشيءِ المفتول. وقيل: هو ما تَفتِله بين أصابعِك من خيطٍ أو وسخ، ويُضرَب به المثلُ في الشيءِ الحقير. ثم إنَّ الذي يُسرع إلى الذِّهن أنَّ فاعلَ الإيتاءِ الملائكةُ عليهم السلام يُعُطُون السعيدَ بعد أن يُدَعى كتابه بيمينه، فيقرؤه، فيُحاسَب حساباً يسيراً، وينقلبُ إلى أَهله مسروراً . لكن أَخرج العُقيليُّ عن أنسٍ، عن النبيِّ ◌َّر قال: ((الكتبُ كلَّها تحت العرش، فإذا كان يومُ القيامة، يبعث الله تعالى ريحاً فتُطيرها إلى الأَيمان والشَّمائل، وأوَّل خطّ فيها ﴿اقْرَأْ كِتَبَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤]))(١). وهو ظاهرٌ في أنَّ فاعلَ الإيتاءِ ليس المَلَك، إلَّا أنَّ الخبرَ يحتاج إلى تنقير، فإنِّي لست من صحّته علی یقین. نعم جاءَ في حديثٍ أَخرجه الإِمام أحمدُ(٢) عن عائشةَ الصِّدِّيقَةِ رِ﴿َّ أنَّها قالت: قلت: يارسولَ الله، هل يذكر الحبيبُ حبيبَه يومَ القيامة؟ قال: ((أمَّا عند ثلاثٍ فلا .. إلى أن قال: وعند تطايرِ الكُتُب)) وهو مؤيِّد بظاهره الخبرَ السابق، واللهُ تعالى أعلم. وجاءَ في بعض الآثارِ أنَّ أوَّل مَن يؤتَى كتابه بيمينه مِن هذه الأمَّةِ أبو سلمةً عبدُ الله بنُ عبدِ الأسد، وأوَّل مَن يؤتَى كتابَه بشماله أخوه الأسودُ(٣) سوَّد الله تعالى (١) الضعفاء للعقيلي ٤٦٦/٤، وفي إسناده يغنم بن سالم، قال عنه أبو حاتم: ضعيف. وقال ابن حبان: كان يضع على أنس بن مالك. الميزان ٤٥٩/٤ . (٢) في مسنده (٢٤٧٩٣). (٣) أخرجه ابن أبي عاصم في الأوائل ص٣٤، والطبراني في الأوائل (٨٢) من حديث ابن = سُؤَة الاسْراءِ ٢٤ الآية : ٧٢ وجهه، بعد أن يمدَّ يمينَه ليأخذَه بها فيخلعُها مَلَك. وسببُ ذلك مذكورٌ في السِّيَر. ﴿وَمَّنْ كَانَ﴾ من المدعوِّين المذكورين ﴿فِى هَذِهِ﴾ الدنيا التي فُعل بهم فيها من التكريم والتفضيلِ ما فُعل ﴿أَعْمَى﴾ لا يهتدي إلى طريق نجاتِهِ من النّظر إلى ما أَولاه مولاه جَلَّ عُلاه، والقيام بحقوقه، وشكرِه سبحانه بما ينبغي له عزَّ شأنه من الإِيمان والعمل. ﴿فَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ﴾ التي عبَّر عنها بـ ((يوم ندعو)) ﴿أَعْمَى﴾ لا يهتدي أيضاً إلى ما يُنجيه، ولا يَظفر بما يُجديه؛ لأنَّ العَمَى الأوَّل موجبٌ للثاني، وهو في الموضعَين مستعارٌ من آفة البصر. وجوِّز أن يكونَ ((أعمى)) الثاني أفعلَ تفضيلٍ من عَمَى البصيرة، وهو من العيوبِ الباطنةِ التي يجوز أن يصاغَ منها أفعلُ التفضيل، كالأحمقِ والأَبله، وبُني على ذلك إمالةُ أبي عَمٍو الأولَ وتفخيمُه الثاني(١)، وبيانُه أنَّ الألفَ في الأوَّل آخرُ الكلمةِ كما ترى، وتَحسُن الإِمالة في الأواخر، وهي في الثاني على تقدير كونِه أفعلَ تفضيلٍ كأنَّها في وسطِ الكلمة؛ لأنَّ أفعل المذكورَ غيرَ معرَّفٍ باللام ولا مضافٍ لا يُستعمَل بدون ((مِن)) الجارَّة للمفضَّل عليه، ملفوظةً أو مقدَّرة، وهو معها في حكم الكلمةِ الواحدة، ولا تَحسُن الإِمالةُ فيها ولا تَكثُر كما في المتطرِّفة . وقد صرَّح بذلك أبو عليٍّ في ((الحجَّة))(٢) فلا يَرِدِ إِمالةُ ((أدنى من ذلك)) و(الكافرين)) وأنَّ حمزةَ والكسائيَّ وأبا بكرٍ يُميلون الأَعمى في الموضعين(٣)، ولا حاجةً إلى أن يقال: إنَّهم لا يرونه أفعلَ تفضيل، أو أنَّ الإِمالةَ فيما يرونه كذلك للمشاكلة. = عباس ها، وجاء بدل: الأسود، في الأول: سفيان، وفي الثاني: أبو سفيان. والخبر في إسناده حبيب بن زريق، قال عنه ابن عدي: أحاديثه كلها موضوعة. الكامل ٨١٨/٢، والميزان ١/ ٤٥٢ . (١) التيسير ص ١٤٠، والنشر ٣٥/٢ فما بعد. (٢) ٥/ ١١٢- ٠١١٣ (٣) انظر التيسير ص١٤٠، وص٤٦ فما بعد، والنشر ٣٥/٢ فما بعد. الآية : ٧٢ ٢٥ سُورَة الاسْرَةِ وقال بعضُ المحقّقين: إنَّه لمَّا أُريد افتراقُ معنيِي الأَعمى في الموضعين، افترق اللفظان إمالةً وتفخيماً، وفخِّم الثاني لأنَّ ما يدلُّ على زيادةِ المعنى أَوْلى بالتفخيم، مع عدمٍ حُسنِ الإِمالة فيه حُسنَها في الأوَّل، ولا يُظَنُّ بأبي عليٍّ أنَّه يقول بامتناع الإِمالة، وإنَّما يقول بأَولويَّة التفخيم. وقال بعضُهم: إنْ كان العمى فيما يكون للبصرِ وما يكون للبصيرةِ حقيقةً، فلا إِشكال، وإنْ كان حقيقةً في الأوَّل وتجوِّز به عن الثاني، ففيه إِشكال، إلَّا أن يقال: إنَّه أُلحق بما وُضع لذلك، وقد منعه آخَرون؛ لأنَّ العِلَّة - وهي الإِلباسُ بالوصف - موجودةٌ فیه، فتدبر. وقوِّي هذا التأويلُ بعطف قولِه تعالى: ﴿وَأَضَلُّ سَيْلًا منه في الدنيا؛ لزوالٍ VY الاستعداد، وعدم إمكانِ تداركٍ ما فات. وهذا بعينه هو الذي أوتي كتابه بشِماله، بدلالة حالِ ما سبق من الفريق المقابلِ له. ولعل العُدولَ إلى هذا العنوانِ للإِيذان بالعلَّة الموجبةِ، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] بعد ، وللرمز إلى عِلَّة حالِ الفريقِ ٩٠ قولِه سبحانه: ﴿وَأَمَّ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَبِ آلْيَمِينِ الأوَّل، وفي ذلك ما هو من قبيل الاحتباك، حيث ذكر في أَحدِ الجانبين المسبَّبَ وفي الآخَر السبب، ودلّ بالمذكور في كلِّ منهما على المتروكِ في الآخَر، تعويلاً على شهادةِ العقل. وجعله ابنُ المنير (١) مقابلاً للقسم الأوَّل، على معنى: فمَن أُوتِي كتابه بيمينه فهو الذي يتبصَّره ويقرؤه، ومن كان في الدُّنيا أعمى غيرَ متبصِّر في نفسه، ولا ناظرٍ في معاده، فهو في الآخرة كذلك غيرُ متبصِّرٍ في كتابه، بل أعمى عنه، أو أشدُّ عمّى ممَّا كان في الدُّنيا، على اختلافِ التأويلين. وهو خلافُ الظاهر، ويُشعر أيضاً بأنَّ مَن كان في الدُّنيا أَعمى عن السُّلوك في طريق نجاتِه، لا يقرأ في الآخرة كتابَه. وهو خلافُ المصرَّح به في الآياتِ والأحاديث. نعم فرِّق بين القراءتين، ولعل الآيةَ تُشعر بالفرق وإنْ لم تقرِّر المقابلةَ بما ذُكر. (١) في الانتصاف ٢/ ٤٦٠. سُورَةُ الإسْراءِ ٢٦ الآية : ٧٢ هذا وعن أبي مسلم تفسيرُ ((أعمى)) الثاني بأَعمَى العينٍ ولا تجوُّز، أي: مَن كان في الدُّنيا أَعمى القلّب، فهو في الآخرةِ أعمَى العين، أي: يُحشَر كذلك عقوبةً له على ضلالتِه في الدنيا، وهو كقوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤] الآية، وتأوَّل ﴿فَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢] بالعلم والمعرفة. وعنه أيضاً تجويزُ أنْ يكونَ العمَى عبارةً عمَّا يَلحقه من الغمِّ المفرِط، كأنَّه قيل: مَن كان في الدُّنيا ضالًا فهو في الآخرةِ مغمومٌ جدًّا، فإنَّ مَن لا يرى إلَّا ما يسوءُه والأَعمى سواءٌ، وهذا كما يقال: فلانٌ سخينُ العين. وهو كما ترى. وقيل: إنَّ ((هذه)) إشارةٌ إلى النِّعم المذكورةِ قبلُ، على معنى: مَن كان أعمَى غيرَ متبصِّر في هذه النِّعم وقد عايَنَها، فهو في شأن الآخرةِ التي لم يعاينْها أعمَى وأضلُّ سبيلاً. واستند في ذلك إلى ما أخرجه الفريابيُّ وابنُ أبي حاتم عن عِكرمةَ قال: جاء نفرٌ من أهل اليمنِ إلى ابن عبّاس، فسأله رجلٌ منهم: أرأيتَ قُولَه تعالى: ((ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى)) فقال ابنُ عباس: لم تَصِل المسألةَ، اقرأ ما قبلَها: ((هو الذي يزجي لكم الفلك في البحر)) حتَّى بلغ ((وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً)) ثم قال: مَن كان أعمَى عن هذه النِّعم التي قد رأى وعاين، فهو في أمر الآخرةِ التي لم يَرَ ولم يعاينْ أعمى وأضلُّ سبيلاً(١). وفي روايةٍ أخرى أَخرجها عنه ابنُ أبي حاتمٍ وأبو الشيخ في ((العظمة))(٢) من طريق الضحَّاك أنَّه قال في الآية: يقول تعالى: مِّن كان في الدُّنيا أعمى عمَّا رأى من قدرتي من خلق السماءِ والأرضِ والجبالِ والبحارِ والناس والدوابِّ وأشباهِ هذا، فهو عمَّا وصفتُ له في الآخرة أعمى وأضلُّ سبيلاً، يقول سبحانه: أبعدُ حَجَّة. وروى أبو الشَّيخ عن قتادةَ نحوَه(٣). ولا يخفى أنَّ كلا التأويلَين بعيدٌ جدًّا، وإن كان الثاني دون الأوَّل في البُعد، ولا أظنُّ الحَبرَ يقول ذلك، والله تعالى أعلم. (١) الدر المنثور ٤ / ١٩٤. (٢) برقم (٢٦)، وعزاه لابن أبي حاتم السيوطي في الدر ٤/ ١٩٤. (٣) العظمة (٦٩). التفسير الإشاري (٢٣-٧٢) ٢٧ سُورَةُ الإشرارة ومن باب الإِشارة في الآيات: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوَاْ إِلَّ إِيَّهُ﴾ قالت الوجوديةُ من الصُّوفية: إنَّه تعالى سبق قضاؤه ألَّا يُعبَد سواه، فكلُّ عابدٍ إنَّما يعبد الله سبحانه من حيث يدري ومن حيث لا يدري، فإنَّه جلَّ شأنه الأولُ والآخِرُ والظاهرُ والباطن، والأَعيانُ الثابتة ما شمَّت رائحةَ الوجود، ولا تشَمُّه أبداً. وممّا ينسبونه إلى زينِ العابدين ◌َظُهُ ويزعمون أنَّه مشيرٌ إلى مدَّعاهم قولُه: كيلا يرى الحقَّ ذو جهلٍ فيفتتنا إنِّي لأَكتم مِن علمي جواهرَهُ إلى الحسينٍ وأوصَى قبله الحسنا وقد تقدَّم في هذا أبو حسنٍ لقيل لي أنت ممَّن يعبد الوثنا فِرُبَّ جوهرٍ علمٍ لو أبوح به يرون أقبحَ ما يأتونه حَسَنا ولا ستحلَّ رجالٌ مسلمون دمي قالوا: إنَّه رَظَهُ عنَى بهذا الجوهرِ الذي لو باح به لَقيل له: أنت ممَّن يعبد الوثن: علمَ الوحدة؛ إذ منه يُعلم أنَّ الوثنَ - وكذا غيرُه - مَظهرٌ له جلَّ وعلا، وليس في الدَّار غیرُه دیَّار. وقد مرَّ عن قُربٍ ما نُقل عن الحلَّاج، ومثلُه كثيرٌ للشيخ الأكبر قدِّس سرُّه ولغيرِه عرباً وعجماً، وهو عفا الهُ تعالى عنه قد فتح باباً في هذا المطلبٍ لا يُدُّ إلى أن يأتيَ أمرُ اللهِ عزَّ وجلّ، وكأنَّه أُوصي إليه بأن يبوحَ وينثرَ هاتيك الجواهر، بين الأَصاغرِ والأكابر، كما أُوصي إلى الحسنين بأنْ يكتما من ذلك ما عَلِما. وفي بعض كتبِه قدِّس سرُّه ما هو صريحٌ في أنَّه مأمور، فإنْ صحَّ ذلك فهو معذور. وأنا لا أَرى عُذراً لمن يقفو أثرَه في المقال، مع مباينتِهِ له في الحال، فإنَّ هذا المطلبَ أجلٌّ من أن يحصُلَ لغريق الشهوات، وأسيرِ المألوفات، ورهینٍ العادات، وللهِ تعالى دَرُّ مَن قال: محاسنَ ليلى مُتْ بداء المَطامعِ تقول نساءُ الحيِّ تطمع أن ترى سواها وما طهّرتَها بالمدامع وكيف ترى ليلى بعينٍ ترى بها حديثُ سواها في خروقِ المسامع(١) وتطمعُ منها بالحديث وقد جَرَی (١) الأبيات في وفيات الأعيان ٣٥٤/٤-٣٥٥ منسوبةً ليزيد بن معاوية، وهي في الكشكول ٢٣٠/٢ منسوبة لمجنون ليلى. سُورَة الاسْراء ٢٨ التفسير الإشاري (٢٣-٧٢) ولا يخفَى أنَّه على تأويل الصوفيةِ هذه الآيةَ لا يكون قولُه تعالى: ﴿وَبِلْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَا﴾ داخلاً فيما قضى؛ إذ لا يسعهم أن يقولوا: إنَّ كلَّ أحدٍ محسنٌ بوالديه مِن حیث یدري ومِن حیث لا . ويُفهَم من كلام بعضٍ المتصوِّفة أنَّ هذا إيصاءٌ بالإحسانِ إلى الشيخ أيضاً، وعليه فيحتمل أن يكونَ تثنيةُ الوالدين كما في قولهم: القلمُ أحدُ اللِّسانين. ﴿وَءَاتِ ذَا الْقُرْبَ حَقَّهُ، وَأَلْمِسْكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ﴾ قيل: ذو القربى إشارةٌ إلى الرُّوح؛ لأنَّها كانت قبلُ في القربةِ والمشاهدة، ثم هبطت حيثُ هبطت، والمسكينُ إشارةٌ إلى العقل؛ لأنَّه عاجزٌ عن تحصيل العلم بحقيقة ربِّه سبحانه، وابنُ السبيلِ إشارةٌ إلى القلب؛ لأنه يتقلَّب في سُبُل السلوكِ إلَى مَلِك الملوك، وحقُّ الروحِ المشاهدة، والعقلِ الفكرُ، والقلبِ الذِّكر. وقيل: الأوَّل إشارةٌ إلى إِخوان المعرفةِ الذين وصلوا معاليَ المقامات، وحقُّهم ذِكرُ ما يزيد تمكينَهم، والثاني إشارةٌ إلى العاشقين الذين سَكَّنهم عشقُ مولاهم عن طلبٍ ما سواه، وحقُّهم ذِكرُ ما يَزيد عشقَهم، والثالثُ إشارةٌ إلى السَّالكين سُبُلَ الطلب، الممتطين نجائبَ الهِمَّة، وحقُّهم ذكرُ ما يزيد رغبتَهم ويهوِّن مشقَّتَهم. ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَلَكَ مَغْلُوَةٌ إِلَى عُنُقِكَ وَلَا نَبْسُطُهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ فيه إِشارةٌ للمشايخ كيف يكونون مع المريدين، أي: لا تبخلْ على المريد بنشر فضائلِ المعرفة وحقائقٍ القُربة، ولا تذكر شيئاً لا يتحمَّلُه فيَهلِكَ، وکن بينَ بين. ﴿وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِّ﴾ الذي أُخذ منكم قبلَ خلقِ الأَشباح، وهو أن توحّدوه تعالى ولا تُشركوا به شيئاً . وقال يحيى بنُ معاذ: لربِّك عليك عهودٌ ظاهراً وباطناً، فعَهد على الأسرار ألَّا تشاهدَ سواه جلَّ جلالُه، وعَهد على الرُّوح ألَّا تفارقَ مقامَ القُربة، وعَهد على القلب ألَّا يفارقَ الخوف، وعَهد على النفْس أَلَّا تترك شيئاً من الفرائض، وعَهد على الجوارح أن تلازمَ الأدبَ وتتركَ المخالفات. ﴿وَأَوْفُوْ اْلْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ﴾ قيل: فيه إشارةٌ للمشايخ أيضاً ألَّ ينقُصوا المستعدِّين ما يقتضيه استعدادُهم من الفيوضاتِ القلبية، وفي قوله تعالى: ﴿وَزِئُواْ بِالْقِسْطَاسِ التفسير الإشاري (٢٣-٧٢) ٢٩ سُؤَدَةُ الإِسْرارة الْمُسْتَقِيمِ﴾ إشارةٌ لهم أن يَعرِضوا أعمالَ المريدين القلبيةَ والقالَبيةَ على الشَّريعة، فهي القِسطاسُ المستقيم، وكِفَّتاها الحظرُ والإِباحة. ﴿وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْهٌ﴾ الآيةَ، فيه إشارةٌ إلى بعض ما يَلزم السالكَ من التثُّت والاحتياطِ والكفّ عن الدَّعاوي العاطلة. ﴿تَُّعُ لَهُ السَّمَوَتُ السَّبْعُ﴾ الآية، وقد علمت ما عند الصوفيةِ في تسبيح الأشياءِ من أنَّه قاليّ، إلّا أنَّه لا يسمعه إلَّ مَن فاز بقُرب النوافلِ أو مَن أَشرق عليه شيءٌ من أنواره، كالذين سمعوا تسبيحَ الحصى في مجلسٍ سيِّد الكاملينِ وَِّ، والتسبيحُ الحاليُّ مما لا يُنكره أحدٌ من المسلمين، وقرَّره بعضُ الصوفيةِ بأنَّ لكلِّ شيءٍ خاصِّيةً ليست لغيره، وكما لا يخصُّه دون ما عداه فهو يشتاقه ويطلبُه إذا لم يكن حاصلاً له، ويحفظه ويحبُّه إذا حصل، فهو بإظهار خاصِّيته ينزِّه الله تعالى من الشَّريك، وإلَّا لم يكن متوحِّداً فيها، فلسانُ حالِه يقول: أوحِّده على ما وخَّدني، وبطلب كمالِهِ ينزِّهه سبحانه عن صفاتِ النَّقص، كأنَّه يقول: يا كاملُ كمِّلني، وبإظهار كمالِهِ كأَنَّه يقول: كمَّلني الكاملُ المكمِّل، وعلى هذا القياسُ، وحينئذٍ يقال: تسبِّحه السماواتُ بالكمال والتأثيرِ والرُّبوبية، وبأنه كلَّ يومٍ هو في شأن، ونحوِ ذلك، والأرضُ بالخلَّاقية والرزَّاقية والرَّحمةِ إلى غير ذلك، والملائكةُ بالعلم والقدرة والتجرُّد عن المادّة، على القول بأنَّهم أرواحٌ مجرَّدة، وهكذا. ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَنَّكَ وَ بَيْنَ اُلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِلَآَخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ من الجهلِ وعَمَى القلب، فلا يرون حقيقتَك القُدسية، ولا يُدركون منك إلَّ الصورةَ البشرية، وإنَّما خصَّ ذلك بوقت قراءةِ القرآنِ مع أنَّهم في كلِّ وقتٍ هم أَجهلُ الخلقِ به ◌ََّ؛ لأنَّ في ذلك الوقتِ يظهر إِشراقُ أنوارِ الصفاتِ عليه عليه الصلاة والسلام، فإذا كانوا محجوبين إذ ذاك، كانوا في غيرِهِ من الأوقاتِ أحجبَ وأَحجب. ﴿وَحَعَلْنَا عَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةٌ﴾ من الغِشاوات الطبيعيةِ والهيئاتِ البدنية ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ فإنَّ القرآنَ كلامُه تعالى، وهو أحدُ صفاته، وإذا لم يعرفوا نبيَّهِ وَّه لم يعرفوه عزَّ وجلّ، وإذا لم يعرفوه سبحانَه لم يعرفوا صفاتِه تعالى، فلم يعرفوا كلامَه سبحانه ﴿َوَفِّ مَانِهِمْ وَقْرأْ﴾ لرسوخ أوساخ التعلَّقات فيها يمنعهم عن سماع القراءة، وهذا ناشئٌ من جهلهم بأفعالِه تعالی. سُورَةُ الإِسْرَاءِ ٣٠ التفسير الإشاري (٢٣-٧٢) ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِىِ الْقُرْءَانِ وَحْدَهُ وَلَّوْ عَلَى أَدْبَرِهِمِ نُفُورًا﴾ لتشتُّت أهوائهم وتفرُّقِ همِّهم في عبادة آلهتهم المتنوِّعة، فلا تُناسب الوحدةُ بواطنهم. ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ للقيام من القبور ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ،﴾ حامدين له تعالى مجدُه بلسان القالِ أو بلسانِ الحال، حيث أَظهر فيكم الحياةَ بعد الموتِ ونحوَ ذلك. ﴿ وَتَقُونَ إِن لَِّئْتُمْ﴾ في القبورِ أو في الدُّنيا ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ لذُهولكم عن ذلك الزَّمان، أو لاستقصاركم الدُّنيا بالنّسبة إلى الآخرة. ﴿رَبِّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرَحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبَّكُمْ﴾ فيه إِشارةٌ إلى أنَّ المشيئةَ تابعةٌ للعلم، فمَن عَلِمَ سبحانه أهليَّتَه للرَّحمة، شاءَ تعالى رحمتَه فَرَحِمه، ومَن عَلِمَ جلَّ وعلا أهليَّته للعذاب، شاء عذابَه فعذَّبه. ولا يخفى ما في تقديم شِقِّ مشيئةٍ الرَّحمة من تقويةِ الأمل. ﴿أُوْلَكَ الَّذِيْنَ يَدْعُونَ﴾ أي: يدعونهم الكفارُ ويعبدونهم ﴿يَبْنَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ اُلْوَسِيلَةَ أَيُهُمْ أَقْرَبُ﴾ أي: يطلب الأَقربُ منهم الوسيلةَ إلى الله تعالى، فكيف بغير الأَقرب؟ والوسيلةُ في الأصل الواسطةُ التي يتوسَّل ويتقرَّب بها إلى الشيء، وهي هنا الطاعةُ كما تقدَّم. وقيل: هي كرمُه تعالى القديم، وإحسانُه عزَّ وجلَّ العميم. وقيل: هي الشفاعةُ يومَ القيامة. ولمَّا كان مقامُ الوسيلةِ بهذا المعنى خاصًّا بنبيِّنَا وَّةِ، أطلقوا الوسيلةَ عليه عليه الصلاة والسلام، وفسَّرها بذلك هنا بعضُ الصُّوفية. فكلُّ مَن عُبد مِن دون اللهِ تعالى من عيسى وعُزَير والملائكة عليهم السلام وسيلتُهم إلى اللهِ تعالى نبيُّنَا وَلِ، بل هو عليه الصلاة والسلام وسيلةُ سائرِ الموجودات، والواسطةُ بينهم وبين اللهِ تعالى في إِفاضته سبحانه الوجودَ، وكذا سائرُ ما أُفيض عليهم، وأحظَى الخلقِ بوساطته الأنبياءُ عليهم السلام، فإنَّهم أشعةُ أنوارِهِ، وعكوساتُ آثارِهِ، وهو النورُ الحقّ، والنبيُّ المطلق، وكان نبيًّا وآدمُ بين الماءِ والطين(١)، وقد تلقَّى الأنبياءُ منه من وراء حجابٍ الأَرحام والأَصلاب، وظهروا إذ كان محتجباً ظهورَ الكواكبِ في (١) لفظه في كتب الحديث: ((وآدم بين الروح والجسد)) وينظر ما سلف ١٤٠/٨. سُؤَةُ الإِسْرَاةِ ٣١ التفسير الإشاري (٢٣-٧٢) الليل، فلمَّا بزغت شمسُ النبوّة المطلقةٍ من أُفق الظهور، غابوا ونُسخت أحكامُهم، على نحو غيبوبةِ الكواكبِ وانمحاقٍ أَنوارها وأضوائها عند طلوع الشمسٍ من تحت الحجاب، منخلعةً عن الجلباب. ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ، وَيَخَافُونَ عَذَابَهٌ﴾ لِعلمهم بجماله وجلاله. والرجاءُ والخوفُ جناحا مَن يطيرُ إلى حضرة القُدس، وروضةِ الأُنس، ومَن عظَّل أحدَهما تعطّل عن الطيران. وَأَسْتَفْزِزْ مَنِ اُسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ إلى قولِه سبحانه: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ فيه إشارةٌ إلى اختلاف مراتبٍ تمكُّن الشيطانِ من إِغواء بني آدم، فمن كان منهم ضعيفَ الاستعداد، استفزَّه واستخفَّه بصوته، فأَغواه بوسوسةٍ وهمس، بل هاجسةٍ ولَمَّة، ومن كان قويَّ الاستعداد، فإنْ كان خالصاً عن شوائبٍ الغيرية، أو عن شوائب الصفاتِ النفسانية، لم يتمكَّن من إِغوائه، وهذا هو المرادُ بقولِه تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَمْ﴾ وإنْ لم يكن خالصاً، فإنْ كان منغمساً في الشواغل الحِسِّية، منهمكاً في الأمور الدُّنيوية، شاركه في أَمواله وأولادِهِ، وحرَّضه على إِشراكهم بالله تعالى في المحبَّة، وسوَّل له التمتُّع والتكاثرَ والتفاخرَ بهم، ومنَّاه الأمانيَّ الكاذبة، وزيَّن له الآمالَ الفارغة، وإنْ لم ينغمس، فإن كان عالماً بتسويلاته، أَجلبَ عليه بخَيله ورَجِله، أي: مَكَرَ بأنواع الحِيلَ، وكاده بصنوفٍ الفتن، وأَفتاه بأنَّ تحصيل أنواعِ الحُطام والملاذٌ من جملة مصالح المعاش، وغرّه بعلمه، وحمله على الإِعجاب به، وأمثالٍ ذلك، حتى أضلَّه على عَلم، وإن لم يكن عالماً بل كان عابداً متنسِّكاً، أَغواه بالوعد، وغرَّه برؤية الطاعةِ وتزكية النفس. ﴿وَلَقَدْ كُرَّمْنَا بَنِيّ ءَمَ﴾ الآية. قيل: كرَّمهم تعالى بأنْ خَلَق أباهم آدمَ على صورة الرَّحمن(١)، وجعل لهم ذلك بحكم الوراثةِ وأنَّ الولد سرُّ أبيه، وفضَّلهم على الكثير بأنْ جعل لهم من النِّعم ما يستغرق العدّ. وجوِّز أن يقال: تكريمُهم بأن بسط موائدَ الإِنعام لهم وجعل مَن عداهم ◌ُفيليًّا، وتفضيلُهم بما ذُكر في التكريم أولاً. وفيه احتمالاتٌ أُخَر. (١) إشارة إلى حديث سلف ٢/ ٩١. سُورَةُ الإِسْرَاةِ ٣٢ الآية : ٧٣ ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلّ أُنَاسٍِ بِإِمَنِعٍ﴾ أي: نناديهم بنِسبتهم إلى مَن كانوا يقتدون به في الدُّنيا؛ لأنَّه المستعلي محبَّتُهم إياه على سائر محبَّاتهم ﴿فَمَنْ أُوَِّ كِتَبَهُ. بِسَمِنِهِ﴾ أي: من جهة العقلِ الذي هو أقوى جانبَيه ﴿فَأُوْلَئِكَ يَقْرَهُونَ كِتَبَهُمْ﴾ ﴾ أدنَى شيءٍ حقيرٍ من ويأخذون أجورَ أعمالِهم المكتوبةِ فيه ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ذلك ﴿وَمَن كَانَ فِى هَذِهِهِ أَعْمَى﴾ عن الاهتداء إلى الحقِّ ﴿فَهُوَ فِ الْأَخِرَةِ أَعْمَى﴾ أيضاً ﴿وَضَلُّ سَبِيلًا ®﴾ لبطلان الكسبِ هناك، وهذا الذي يؤتَى كتابَه بشِماله، أي: من جهة النفسِ التي هي أضعفُ جانبَيه، إلّا أنَّه عبَّر عنه بما ذكر لِمَا قدَّمنا، والله تعالى هو الهادي إلى سواء السبيل. ثم إنَّه عزَّ وجلَّ لمَّا عدَّد نعمَه على بني آدم، ثم ذكر حالَهم في الآخرة وانقسامَهم إلى قسمين: سعداء وأَشقياء، أَتْبع ذلك بذِكر بعضٍ مساوي بعضٍ الأَشقياءِ في الدنيا، من المكرِ والخِداع والتلبيسِ على سيِّد أهل السَّعادةِ المقطوع له بالعِصمة ◌َ﴿. وفي ذلك إشارةٌ إلى أنَّهم داخلون فيمن عَمِيَ عن الاهتداء في الدُّنيا دخولاً أوليًّا، فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ﴾ قيل: نَزَلَت في ثَقيف، قالوا للنبيِّ وَّر: لا ندخلُ في أمرك حتى تُعطيَنا خصالاً نفتخر بها على العرب: لا نُعشَر ولا نُحشَر، ولا نُجَبِّي في الصلاة، وكلُّ ربًا لنا فهو لنا، وكلُّ ربًا علينا فهو موضوعٌ عنا، وأن تمثِّعَنا باللَّات سَنَة، وأن تحرِّمَ واديَنا وَجًّا كما حرَّمت مكة، فإنْ قالت العرب: لم فعلتَ ذلك؟ فقل: إنَّ اللهَ تعالى أمرني. وروى ذلك الثعلبيُّ عن ابن عباسٍ ولم يذكرْ له سنداً، وقال العراقيُّ فيه: إنَّا لم نجده في كتبٍ الحديث. ونقله الزمخشريُّ بزيادة (١). ونقل غيرُه أنَّهم طلبوا ثلاثَ خصال: عدم التجبيةِ في الصلاة، وكسر أَصنامِهم بأيديهم، وتمتيعهم باللَّات سَنَةً من غيرِ أن يعبُدوها، بل ليأخذوا ما يُهدَى لها، (١) الكشاف ٤٦٠/٢، وقوله: لا نُعشر، هو أخذ العشر، وقوله: ولا نحشر، أي: لا نبعث ونساق إلى غزاةٍ وجهاد، ونجبِّي بضم النون وفتح الجيم وكسر الباء الموحدة، والياء آخر الحروف، من التجبية وهي وضع اليدين على الركبتين أو على الأرض أو الانكباب على الوجه، والمراد: لا نصلي. انظر حاشية الخفاجي ٥١/٦. الآية : ٧٣ ٣٣ سُورَةُ الإِسْرَاةِ فقال ◌َّ: ((لا خيرَ في دينِ لا ركوعَ فيه ولا سجود. وأمَّا کسرُ أصنامِکم بأیدیکم فذلك لكم. وأمَّا الطاغيةُ اللات، فإني غيرُ ممِّعكم بها)) وقام رسولُ اللهِ نَّه، فقال عمرُ بن الخطّابِ رَله: ما بالُكم آذيتم رسولَ اللهِ عليه الصلاة والسلام، وإنَّه لا يدعُ الأصنامَ في أرض العرب، فما زالوا به حتى أنزل الله تعالى الآية. وأخرج ابنُ إسحاقَ وابنُ مردويه وغيرُهما عنه رَبهِ أنَّ أُميةَ بن خَلَف وأبا جهل ورجالاً من قريشٍ أتَوا رسولَ اللهِ وَ ◌ّهِ فقالوا: تعال فتمسَّحْ بآلهتنا وندخلُ معك في دينك، وكان رسولُ اللهِ وَله يشتدُّ عليه فراقُ قومه، ويحبُّ إسلامَهم، فرقَّ لهم، فأنزل اللهُ تعالى هذه الآيةَ إلى قوله سبحانه: (نَصِيرًا)(١). وأَخرج ابنُ مردويه من طريق الكلبيِّ، عن باذان، عن جابر بنِ عبدِ الله مثلَه(٢). وأخرج ابنُ أبي حاتم عن جُبير بن نُفَير أنَّ قريشاً أتَوا النبيَّ وَّهِ فقالوا له: إنْ كنتَ أُرسلتَ إلينا، فاطرِّد الذين اتَّبعوك من سقَّاط الناسِ ومواليهم لنكونَ نحن أصحابَك، فنزلت(٣). وقيل: إنَّهم قالوا له عليه الصلاة والسلام: إِجعلْ لنا آيةَ رحمةٍ آيةَ عذاب، وآيةً عذابٍ آیةَ رحمةٍ حتی نؤمن بك، فنزلت. وفي ذلك رواياتٌ أُخَرُ مختلفةٌ أيضاً، وفي بعضها مالا يصحُّ نسبتهُ إلى الرَّسولِ وَه ولا يكاد يؤوَّل، وذلك يدلُّ على الوضع، والتفسيرُ لا يتوقَّف على شيءٍ من ذلك. وأيًّا ما كان، فضميرُ الجمع للكفار، وهم إمَّا ثقيفٌ أو قريش، و((إنْ)) مخفّفة من المثقَّلة، واسمُها ضميرُ شأنٍ مقدَّر، واللامُ هي الفارقةُ بين المخفَّفة وغيرِها، أي: إنَّ الشأن قاربوا في ظنِّهم أنْ يوقعوك في الفتنة صارِفِيكَ ﴿عَنِ الَّذِىّ أَوْحَيْنَاً (١) الإتقان ١٠٤/١، وفي إسناده محمد بن أبي محمد، قال الذهبي في الميزان ٢٦/٤: لا يُعرف. وذكره ابن الجوزي في زاد السير ٢٦/٥ وقال: هذا باطل، لا يجوز أن يُظنَّ برسول الله وَّ، وهو محال في حقّه وفي حق الصحابة أنهم رووا ذلك عنه. (٢) الدر المنثور ١٩٤/٤، والكلبي متروك. (٣) الدر المنثور ١٩٤/٤. سُؤَدَةُ الإِسْرَاةِ ٣٤ الآية : ٧٤ إِلَيْكَ﴾ من الأوامر والنَّواهي والوعدِ والوعيدِ ﴿لِتَقْتَرِىَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ لتتقوَّل علينا غيرَ الذي أَوحيناه إِليك ممَّا اقترح عليك ثقيفٌ من تحريم وَجِّ مثلاً، أو قريشٌ مِن جعل آيةِ الرحمةِ آيةَ عذابٍ وبالعكس. وقيل: المعنى: لتحلَّ محلّ المفتري علينا؛ لأنَّك إن اتَّبعت أهواءهم أوهمتَ أنَّك تفعل ذلك عن وحينا؛ لأنَّك رسولُنا، فكنتَ كالمفتري. ﴿وَإِذَا لََّتَّخَذُوَكَ خَلِيلًا (٣)﴾ أي: لو فعلتَ لَيتخذُنَّك صديقاً لهم. وكأنَّ المراد: ليكونَنَّ بينك وبينهم مخالَّةٌ وصداقة، وهم أعداءُ اللهِ تعالى، مخالَّتهم تقتضي الانقطاعَ عن ولايته عزَّ وجلَّ، كما قيل: فقد عاداك وانقطع الكلامُ(١) إذا صافَى صديقُك من تعادي وقيل: الخليلُ هذا من الخَلَّة، بمعنى الحاجة، أي: لاتَّخذوك فقيراً محتاجاً إليهم. وهو كما ترى. ﴿وَلَوْلَآ أَن نَبَّنْتَكَ﴾ أي: لولا تثبيتُنا إِيَّاك على ما أنت عليه من الحقِّ بعِصمتنا · من الرُّكون الذي هو أدنى الميل، ٧٤ لك ﴿لَقَدْ كِدِتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِلًا وأصلُه الميلُ إلى ركن، وذكروا أنَّه إذا أُطلق يقع على أدنَى الميل، ونصبُ ((شيئاً) على المصدرية، أي: لولا ذلك لَقاربتَ أن تميلَ إليهم شيئاً يسيراً من الميلِ اليسير؛ لقوَّة خَدعِهم وشدَّة احتيالهم، لكن أدركتك العصمةُ فمنعتك من أن تقرُبَ أدنَی الأدنى من المَيل إليهم، فضلاً عن نفس الميلِ إليهم. وهذا صريحٌ في أنَّه ◌ِوَّه لم يهمَّ بإجابتهم ولم يكد، وبه يُرَدُّ على مَن زعم أنَّه عليه الصلاة والسلام همَّ فمنعه نزولُ الآية، وكأنه غرَّه ظواهرُ بعضِ الرِّوايات في بيان سببِ النزول، كـ : رقَّ، في رواية ابن إسحاقَ ومَن معه عن الحَبر. ولا يخفَى أنَّ في قوله سبحانه: ((إليهم)) دون ((إلى إجابتهم)) ما يقوِّي الدَّلالة على أنَّه عليه الصلاة والسلام بمَعزلٍ عن الإِجابة في أقصى الغايات. وهذا الذي ذُكر في معنى الآيةِ هو الظاهرُ المتبادرُ للأَفهام، وذهب ابن الأَنباريِّ إلى أنَّ المعنى: لقد كادوا أن يُخبروا عنك أنك ركنتَ إليهم، ونُسب (١) سلف ٨/ ٧٤. الآية : ٧٥ ٣٥ سُؤَدَةُ الإِسْرَةِ فِعلُهم إليه عليه الصلاة والسلام مجازاً واتِّساعاً، كما تقول للرجل: كدتَ تقتلُ نفسَك، أي: كاد الناسُ يقتلونك بسببٍ ما فعلت. وهو من الإِلغاز المستغنَى عنه . واستُدلَّ بالآية على أنَّ العصمةَ بتوفيق اللهِ تعالى وعنايتِهِ. وقرأ قتادةُ وابنُ أبي إسحاقَ وابن مصرِّف: (تَرْكُن) بضمِّ الكافِ(١) مضارِعُ رَكَنَ بفتحها، وهو على قراءة الجمهورِ مضارعُ رَكِنَ بكسر الكاف، وقيل: بفتحها أيضاً، وُجُعِلَ ذلك من تداخل اللُّغْتَين. ﴾ أي: لو قاربتَ أن تركنَ إليهم أَدنَى رَكنة ﴿لَّأَذَقْتَكَ ضِعْفَ الْحَيَّةِ﴾ أي: مضاعَفَ الحياة، وهو صفةُ محذوف، والإِضافةُ على معنى في، أو للملابسة، أي: عذاباً مضاعفاً في الحياة، والمرادُ بها الحياةُ الدنيا؛ لأنَّه المتبادر عند إِطلاق لفظِها، وكذا يقال في قولِه تعالى: ﴿وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ أي: وعذاباً ضِعفاً في الممات. والمرادُ به ما يشمل العذابَ في القبر وبعدَ البعث. واستسهل بعضُ المحقّقين أن يكونَ التقديرُ من أوَّل الأمر: لأَذقناك ضعفَ عذابِ الحياة وضعفَ عذابِ الممات، وتكون الإِضافةُ لامية، والقرينةُ على تقديرٍ العذاب ((لأذقناك)) والمعنى: لو قاربتَ ما ذكرنا، لَنضاعفنَّ لك العذابَ المعجَّل للعصاة في الحياة الدنيا والعذابَ المؤجَّلَ لهم بعد الموت. وقيل: المرادُ بالحياة حياةُ الآخرة، وبعذاب الممات ما يكونُ في القبر، وأمرٌ الإضافةِ والتقديرِ على حاله، والمعنى: لو قاربتَ لنضاعفنَّ لك عذابَ القبرِ وعذابَ يومِ القيامة المدَّخرَين للعصاة. وفي هذه الشرطيةِ إجلالٌ عظيم بمكان رسولِ الله وَّهِ، وتنبيهٌ على أنَّ الأقربَ أشدُّ خطراً، وذلك أنَّه أُوعد بضعف العذابِ على مقاربة أَدنَى رُكون، وقد وُضع عنَّا الركون ما لم يصدِّقه العمل. ونظيرُ ذلك مِن وجهٍ ما جاءَ في نسائه عليه الصلاة والسلام من قولِه تعالى: ﴿يَنِسَآءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ ثُبِّنَةٍ يُضَعَفْ لَهَا اُلْعَذَابُ ضِعْفَيْنٍ﴾ [الأحزاب: ٣٠] وذُكر في وجه مضاعفةِ جزاءِ خطأ الخطيرِ أنَّه يكون (١) البحر المحيط ٦٥/٦. سُورَةُ الإِسْرَةِ ٣٦ الآية : ٧٦ سبباً لارتكاب غيرِهِ مثلَه والاحتجاج به، فكأنَّه سنَّ ذلك، وقد جاء: ((ومَن سنَّ سيئةً، فعليه وزرُها ووِزرُ مَن عمل بها إلى يومِ القيامة)) (١) وعلى هذا يضاعَف عذابُ الخطيرِ في خطئه أضعافاً مضاعفة، ولا يَلزم من إثبات الضِّعف الواحدِ نفيُّ الضعفِ المتعدِّد. وقيل: الضِّعف من أسماءِ العذاب، وأَنشدوا على ذلك قولَه: أَبيتُ الليلَ في ضعفٍ أليمٍ (٢) لِمقتلِ مالكٍ إذ بانَ مني وذكر بعضُهم أنَّ الضعفَ ليس من أسماءِ العذاب وضعاً، لكن يعبّر به عنه لكثرة وصف العذابِ به، كما في قولِه تعالى: ﴿عَذَابًا ضِعْفًا﴾ [الأعراف: ٣٨] وزعم أنَّ ذلك مرادُ القائل، والله تعالى أعلم. واللام في ((لأذقناك)) و((لا تخذوك)) لامُ القَسَم على ما نصَّ عليه الحوفي، والماضي في الموضعَين واقعٌ موقعَ المضارعِ الدالٌ عليه اللامُ والنون، على ما نصَّ عليه أبو حيَّان(٣) وأشرنا إليه فيما سبق. ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا ( يدفع العذابَ أو يرفعه عنك، رُوي عن قتادةَ ٧٥ أنَّه لمّا نزل قوله تعالى: ((وإن كادوا)) إلى هنا، قال ◌َّ: ((اللهمَّ لا تَكِلني إلى نفسي طرفةَ عين)) وينبغي للمؤمن إذا تلا هذه الآيةَ أن يجثوَ عندها ويتدبّرها، وأن يستشعرَ الخشيةَ وازديادَ التصلُّب في دين اللهِ تعالى، ويقولَ كما قال النبيُّ ◌َّد. ﴿وَإِن كَادُواْ﴾ أي: أهلُ مكة، كما رُوي عن ابن عباسٍ وقتادةَ وغيرِهما ﴿لَيَسْتَّفِزُونَكَ﴾ لَيزعجونك ويستخفُّونك بعداوتهم ومكرِهم ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ أي: الأرضِ التي أنت فيها، وهي أرضُ مَّة ﴿لِيُخْرِجُوكَ﴾ أي: ليتسبَّبوا إلى خروجك وكان هذا الاستفزازُ بما فعلوا مِن حَصْرِهِ وَّه في الشِّعب والتضييقِ عليه عليه (١) أخرجه أحمد (١٩١٥٦)، ومسلم (١٠١٧) من حديث جرير بن عبد الله البجلي وسلف ١٤/ ٧٨. (٢) النكت والعيون للماوردي ٢٦٠/٣، ومجمع البيان ٨٢/١٥ دون نسبة. (٣) في البحر ٦/ ٦٥. الآية : ٧٦ ٣٧ سُورَةُ الإِسْرَة الصلاة والسلام، ووقع ذلك بعد نزولِ الآيةِ كما في ((البحر))(١) وصار سبباً لخروجه وَ ل# مها جراً . ﴿وَإِذَا لَّا يَلْبَثُونَ﴾ أي: إن استفزُّوك فخرجتَ لا يبقَون ﴿خِلَفَكَ﴾ أي: بعدك، وبه قرأ عطاءُ بن أبي رباح(٢)، واستُحسن أنَّها تفسيرٌ لا قراءة؛ لمخالفتها سوادَ المصحف، وأَنشدوا : عفت الديارُ خلافَهم فكأنما بَسَطَّ الشواطبُ بينهنَّ حصيرا(٣) وقرأ أهلُ الحجاز وأبو بكرٍ وأبو عَمرٍو: ((خَلْفَك)) بغير ألف (٤)، والمعنى واحد، واللفظانِ في الأصلِ من الظروفِ المكانية، فتجوِّز فيهما واستُعملا للزمان. وقد اطَّرد إضافتُهما - كقبلُ وبعد - إلى أسماء الأَعيانِ على حذف مضافٍ يدلُّ عليه ما قبلَه، أي: لا يلبثون خلفَ استفزازِك وخروجِك ﴿إِلَّا قَلِيلًا ﴾﴾ أي: إلَّا زماناً قليلاً . وجوِّز أن يكونَ التقدير: إلَّا لَبثاً قليلاً، والمعنيانِ متقاربان. واختير التقديرُ الأوَّل لأنَّ التوسُّع - أعني إقامةَ الوصفِ مُقَامَ الموصوف - بالظروف أَشبه. وهذا وعيدٌ لهم بإِهلاك مجموعِهم من حيث هو مجموعٌ بعد خروجِهِ وَّ بقليل، وتحقَّق بإفناء البعضِ في بدر، لاسيَّما وقد كانوا صناديدَهم والرؤوس، وأنت تعرفُ أنَّ معظمَ الشيءِ يقام مُقَامَ كلِّه. وكان الزمانُ القليل - على ما روى ابنُ أبي حاتمٍ عن السُّدِّي - ثمانيةَ عشر شهراً (٥). ويجوز أن يفسّرَ الإخراجُ بالإكراه على الخروج، والوعيدُ بإِهلاك كلِّ واحدٍ منهم، أي: لو أخرجوك لاستؤصلوا على بَكرةٍ أبيهم، لكن لم يقع المقدَّم لأنَّ الإكراهَ على الخروج مباشرةً، وقد خرج رسولُ اللهِ وَ ل﴿ مهاجراً بأمر ربِّه عزَّ وجلَّ، (١) ٦/ ٦٦. - (٢) البحر المحيط ٦٦/٦. (٣) قائله الحارث بن خالد المخزومي كما في العين ٢٦٦/٤، واللسان (خلف). والشواطب: النساء اللاتي تشطب الجريد، أي: تشققه لتعمل منه الحصر. الصحاح (شطب). (٤) التيسير ص١٤١، والنشر ٣٠٨/٢. (٥) الدر المنثور ٤ /١٩٥. سُورَةُ الإِسْرَاة ٣٨ الآية : ٧٦ فلم يقع التالي، وهذا هو التفسيرُ المرويُّ عن مجاهد، قال: أرادت قريشٌ ذلك ولم تفعلْ؛ لأنَّه سبحانه أَراد استبقاءها وعدمَ استئصالها ليُسلِمَ منها ومن أَعقابها مَن يُسلم، فأَذِن لرسوله عليه الصلاة والسلام بالهجرة، فخرج بإذنه لا بإخراج قريشٍ وقهرِهم، والإِخراجُ في قوله تعالى: ﴿وَكَأَيْنِ مِّن قَرَْةٍ هِىَ أَشَدُ قُوَّةً مِّن قَرْيَئِكَ الَّتِىّ أَخْرَجَنْكَ﴾ [محمد: ١٣] محمولٌ على المعنى الأول، وكذا في قولِ ورقة: ياليتني كنتُ جَذَعاً إذ يُخرجك قومُك، وقولِه عليه الصلاة والسلام: ((أَوَ مخرجيَّ هم))(١)، فلم تتضمَّن الآيةُ وكذا الخبرُ إثباتَ إخراجٍ قلنا بنفيه هنا . والقولُ بأنَّه يلزم على هذا التناقضُ بين هذه الآيةِ والآيةِ السابقة، بناءً على تفسير الإِخراج فيها بالتسبُّب إلى الخروج؛ لأنَّ كاد تدلُّ على مقاربته لا حصولِه وهذه الآيةُ دلَّت على حصوله: مجابٌ عنه بأنَّ قصارى ما دلَّت عليه الآيةُ السابقة على التفسيرِ الأوَّل قُربُ حصولِ الاستفزازِ منهم ليتسبَّبوا به إلى خروجه وَِّ، وأَنَّه لم يكن حاصلاً وقتَ نزولِ الآية، لا أنَّه لا يكون حاصلاً أبداً ليناقضَ حصولَه بعد . وحكى الزجَّاج أنَّ استفزازَهم ما أَجمعوا عليه في دار النَّدوةِ من قتله ◌َِّ، والمرادُ من الأرض وجهُ البسيطةِ مطلقاً، وقال أبو حيَّان(٢): المرادُ بها - على هذا - الدُّنيا . وقيل: ضميرُ ((كادوا)) وما بعدَه لليهود، فقد أخرج ابنُ أبي حاتم، والبيهقيُّ في (الدلائل)) وابنُ عساكر عن عبد الرحمنِ بن غَنْم قال: إنَّ اليهودَ أتَوا النبيَّ وَّل فقالوا: إن كنتَ نبيًّا فالْحَقْ بالشام؛ فإنَّها أرضُ المحشرِ وأرضُ الأَنبياء، فصدَّق رسولُ اللهِ عليه الصلاة والسلام ما قالوا، فغزا غزوةَ تبوكٍ لا يريد إلَّا الشام، فلمَّا بلغ تبوكَ أَنزل اللهُ تعالى: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِرُونَكَ﴾ إلى: ﴿تَحْوِيلًا (٣)﴾ وأمَره بالرُّجوع إلى المدينة، وقال: فيها مَحياك وفيها مماتُك ومنها تُبَعَث(٣). (١) أخرجه البخاري (٣)، ومسلم (١٦٠) من حديث عائشة رضيويّا مطولاً. (٢) في البحر ٦٦/٦، وعنه نقل المصنف قول الزجاج، وينظر معاني القرآن للزجاج ٢٥٤/٣. (٣) دلائل النبوة ٢٥٤/٥، وتاريخ ابن عساكر ١٧٨/١، وعزاه لابن أبي حاتم السيوطي في الدر ١٩٥/٤. الآية : ٧٦ ٣٩ سُؤَدَةُ الأسْرَةِ وفي روايةٍ أنَّهم قالوا: يا أبا القاسم، إنَّ الشام أرضٌ مقدَّسة، وهي أرضُ الأنبياء، فلو خرجتَ إليها لآمنًّا بك، وقد علمنا أنَّك تخافُ الرُّوم، فإن كنتَ نبيًّا فاخرجْ إليها، فإنَّ اللهَ تعالى سيحميك كما حمَى غيرَك من الأنبياء، فخرج عليه الصلاة والسلام بسببٍ قولِهم، وعسكر بذي الحُلَيفة وأَقام ينتظر أصحابَه، فنزلت هذه الآية، فرجع ◌َّه، ثم إنَّه عليه الصلاة والسلام قتل منهم بني قريظةَ وأَجلَى بني التَّغیر بقليل. وتعقِّب بأنَّه ضعيفٌ لم يقع في سيرةٍ ولا كتابٍ يُعتَمد عليه، وذو الحليفةِ ليس في طريق الشام من المدينة، وكيفما كان يكون المراد من الأرضٍ عليه المدينة، وقيل: أرضُ الَعرب. وكأنَّ مَن ذهب إلى أن هذه الآيةَ مدنيةٌ يستند إلى ما ذُكر من الرِّوايات، وقد صرَّح الخفاجيُّ(١) بأنَّ هذا المذهبَ غيرُ مرضيّ، والله تعالى أعلم. وقرأ عطاء: ((لا يُلَبَّثون)) بضمِّ الياءِ وفتح اللام والباءِ مشدّدةً(٢). وقرأ يعقوبُ كذلك، إلّا أنَّه كسر الباء(٣). وقرأ أُبَيّ: ((وإذاً لا يلبثوا)) بحذف النُّون(٤)، وكذا في مصحفِ عبدِ الله(٥) . وتوجيهُ الإثبات والحذفِ أنَّ النحويين عدُّوا من جملة شروطِ عمل إِذن كونَها في أوَّل الجملة، فعلى قراءةِ الحذفِ تكون الجملةُ معطوفةً على جملة ((ليستفزونك)) وهي خبرُ كاد، فيكون الشرطُ منخرماً؛ لتوسُّطِها حينئذٍ في الكلام، لِكونِ ما بعدها خبرَ كاد كالمعطوفِ هو عليه، وعلى قراءة الإِثباتِ تكون الجملةُ معطوفةً على جملةِ ((وإن كادوا)) فيتحقَّق الشرط، والعطفُ لا يضرُّ في ذلك. ووجَّه أبو حيَّان الإِهمالَ بأنَّ ((لا يلبثون)) جوابُ قَسَم محذوف، أي: واللهِ إن استفزُّوك فخرجتَ لا يلبثون، وقد توسَّطت ((إذاً)) بين القَسَم المقدَّر والفعل، فأُهملت. ثم قال: ويحتمل أن يكونَ ((لا يلبثون)) خبراً لمبتدأ محذوفٍ يدلُّ عليه (١) في حاشيته ٦/ ٥٢. (٢) القراءات الشاذة ص ٧٧، والبحر ٦/ ٦٦. (٣) البحر ٦٦/٦. (٤) القراءات الشاذة ص٧٧، والبحر ٦/ ٦٦ . (٥) البحر ٦٦/٦. سُورَة الاشرارة ٤٠ الآية : ٧٧ المعنى، تقديره: وهم إذاً لا يلبثون، فتكون ((إذاً)) واقعةً بين المبتدأ وخبرِهِ، ولذلك أُلغيت (١). وكلا التوجيهَين ليس بوجيهٍ كما لا يخفَى. ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا﴾ نصبٌ على المصدرية، أي: سننًا سنَّةَ مَن إلخ، وهي ألَّا ندعَ أمَّةً تستفزُّ رسولَها لتُخرجَه من بين ظهرانيها تلبثُ بعده إلَّا قليلاً. فالسُّنَّة لله عزَّ وجلَّ وأُضيفت للرُّسل عليهم السلام لأنَّها سُنَّت لأجلهم، ويدلُّ على ذلك قولُه سبحانه: ﴿وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا (®﴾ حيث أَضاف السُّنَّةَ إليه تعالی. وقال الفرَّاء(٢): انتصب ((سنة)) على إسقاط الخافض، أي: كسنَّة؛ فلا يوقَفُ على قوله تعالى: ((قليلاً)) فالمرادُ تشبيهُ حالِهِ نَّه بحال مَن قبله، لا تشبيهُ الفردِ بفردٍ من ذلك النوع. وجوَّز أبو البقاءِ(٣) أن يكونَ مفعولاً به لفعلٍ محذوف، أي: اَبعْ سنَّةَ ... إلخ، كما قال سبحانه: ﴿فَهُدَ هُمُ أَقْتَدِةُ﴾ [الأنعام: ٩٠]. والأَنسب بما قبلُ ما قبل، وكأنَّه اعتبر الأوامرَ بَعد، وهو خلافُ ما عليه عامَّةُ المفسِّرين. والتحويلُ التغيير، أي: لا تجد لِمَا أَجرينا به العادةَ تغييراً، أي: لا يغيِّره أحد. والمرادُ من نفي الوجدان هنا وفيما أَشبهه نفيُّ الوجود، ودليلُ نفي وجودٍ مَن يغيِّر عادةَ اللهِ تعالى أَظهرُ من الشمس في رابعة النَّهار، وللإمام(٤) كلامٌ في هذا المقامٍ لا يخلو عن بحث. ثم إنَّه تعالى بعد أنْ ذكر كيدَ الكفارِ وسلَّى نبيَّه عليه الصلاة والسلام بما سلَّى، أَمره أن يُقبِلَ على شأنه من عبادة ربِّه تعالى شأنُه، ووعده بما يَغبطه عليه كلُّ الخلق، ويتضمَّن ذلك إِرشادَه إلى ألَّ يَشغلَ قلبَه بهم. أو أنَّه سبحانه بعد أن قدَّم (١) البحر ٦ / ٦٦. (٢) في معاني القرآن ١٢٩/٢. (٣) في الإملاء ٣/ ٤٩٤. (٤) في التفسير الكبير ٢٤/٢١.