النص المفهرس
صفحات 561-580
الآية : ٥٧ ٥٦١ سُورَة الاسْرَاةِ وقولُه تعالى: ﴿أَنْهُمْ أَقْرَبُ﴾ فيه وجوهٌ من الإِعراب، فالزمخشريُّ ذكر وجهَين(١): الأوَّل: كونُ ((أيُّ) موصولةً بدلاً من ضمير ((يبتغون)) بدلَ بعضٍ من كلٍّ، وهي إمَّا معرَبَةٌ أو مبنيّة على اختلاف الرأيين، أي: أولئك المعبودون يَطلب مَن هو أقربُ منهم الوسيلةَ إلى الله تعالى بطاعته، فكيف بالأَبعد. وليس فيه إلَّا حذفُ صدرٍ الصِّلة، والتقدير: أيُّهم هو أقرب، وهو ممَّا لا بأسَ به، ولا ينافي ذلك جمعُ (يرجون)) و((يخافون)) فيما بعدُ؛ لعدم اختصاص ما ذُكر بالأَقرب، أو لكون الأقربِ متعدِّداً . والثاني: كونُ ((أيُّ) استفهاميةً، وهي مبتدأ، و((أقرب)) خبرُها، والجملةُ في محلٌّ نصبٍ بـ ((يبتغون))، وضمِّن معنى يحرصون، فكأنَّه قيل: يَحرصون أيُّهم يكون أقربَ إلى الله تعالى، وذلك بالطاعة وازديادِ الخيرِ والصلاح، قيل: واعتُبر التضمينُ ليصحَّ التعليق، فإنَّه مختصٍّ بأفعال القلوبِ خلافاً ليونُس . وقال الطّيبيّ: لا بدَّ من تقدير حرفِ الجرّ؛ لأنَّ حَرَصَ يتعدَّى بـ : على، كقوله تعالى: ﴿إِن تَحْرِصْ عَلَى هُدَهُمْ﴾ [النحل: ٣٧] ولا بدَّ من تأويل الإِنشاء بأنْ يقال: يحرصون على ما يقال فيه: أيُّهم أقربُ إلى اللهِ تعالى بسببه من الطّاعة، ويتعلَّق حينئذٍ قولُه تعالى: ((إلى ربهم)) بـ ((أقرب)). وهو كما ترى. وقال صاحبُ ((الكشف)) في تحقيق هذا الوجه: إنَّ المطالبَ إذا كانت مشترَكة، اقتضت التسارعَ إليها في العادة، وهو نفسُ الحرص، أو ما لا ينفكُّ عنه، فناسبَ أن يضمَّن الابتغاءُ معنى الحرص، لا سيَّما وبعده استفهامٌ لا يَحسُن موقعُه دون تضمينِه؛ لأنَّ قولك: أيُّهم أقربُ إلى فلانٍ بكذا، سؤالٌ عن مميِّز أحدِهم عن الباقين بما يتقرَّب به زيادةَ فضيلةٍ مع الاستواءِ في أصل التقرُّب، فإذا ورد استئنافاً بعد فعلٍ صالحٍ لأن يكونَ معلولَه، وجب تقديرُه، ذلك لأنَّك إذا قلت: هؤلاء يَحرصون على الهدى، كان كلاماً جارياً على الظاهر، وإذا قلت: هؤلاء يَحرصون أيُّهم يكون أَهدَى، أَفاد أنَّ حرصَهم ذلك على الهدى مع مغالبة بعضِهم بعضاً فيه، فیکونُ أتمّ في وصفهم بالحِرص عليه. (١) الكشاف ٤٥٤/٢ . سُؤَةُ الإِسْرَةِ ٥٦٢ الآية : ٥٧ ووجه الإِفادة أنَّه تعقيبُه على وجهِ التعليل، وكأنَّ كلَّ واحدٍ يسأل نفسَه: أهو أهدَى أم غيرُه؟ أي: هو أشدُّ حرصاً عليه أم غيرُه؟ إذ لا معنى لهذا السؤالِ عن النفس إلَّ الحثُّ وتعرُّفُ أنَّ ثمَّتَ تقصيراً في ذلك أو لا، وعلى هذا لو قلت: يحرصون على الهدى أيُّكم يكون أهدى، عُدَّ مستهجناً؛ لأنَّ الاستئناف سدَّ مسدًّ صلتِه، كما في: أمرته فقام، و: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَمَنَ﴾ [يونس: ٩٩] و: ودَّ لو أنَّه أحسن، وكم وكم. فعلى هذا الطلبُ واقعٌ على الوسيلة، وهي الطاعة، والحرصُ على الأَقربية بها والازديادِ منها، ولا يمكن أن يُستغنَى عن يحرصون بإِجراء ((أيهم أقرب)) مُجرى التعليلِ لـ ((يبتغون)) على ما أُشير إليه؛ لأنَّ ((أيهم أقرب)) لا يصلُح جواباً فارقاً بين الطالبين وغيرِهم، إنَّما هو فارقٌ بين الطالبين - أعني المتقرِّبين - بعضهم مع بعض، وهو يناسب الحرصَ والشَّغَف، ولأن صلَة الطلب - أعني الوسيلةَ - مذكورة، وقد عرفتَ أنَّ الاستئنافَ مغنٍ عن ذلك، والجمعُ مستهجن. اهـ. ولَعَمري لم يُبقِ في القوس مَنزِعاً في تحقيقه، لكنَّ الوجهَ مع هذا متكلَّف. وجوَّز الحوفيُّ والزجَّاج(١) أن يكونَ ((أيهم أقرب)) مبتدأ وخبر، والجملةُ في محلٌ نصبٍ بينظرون، أي: يفكرون، والمعنى: ينظرون أيُّهم أقربُ فيتوسَّلون به، وكأنَّ المرادَ: يتوسّلون بدعائه، وإلَّا ففي التوسُّل بالذَّوات ما فيه. وتعقَّب ذلك في ((البحر))(٢) بأنَّ في إضمار الفعلِ المعلَّق نظراً، ومع ذا هو وجهٌ غیرُ ظاهر. وجوَّز أبو البقاءِ (٣) كونَ ((أيهم أقرب)) جملةً استفهاميةً في موضع نصبٍ بـ ((يدعون))، وكونَ ((أيُّ)) موصولةً بدلاً من ضمير ((يدعون)). وتعقِّب الأوَّلُ بأنَّ فيه تعليقَ ما ليس بفعل قلبيّ، والجمهورُ على منعه، وأما الثاني فقال أبو حيَّان (٤): فيه الفصلُ بين الصِّلة ومعمولِها بالجملة الحاليَّة، (١) في معاني القرآن ٢٤٦/٣. (٢) ٦ / ٥٢. (٣) في الإملاء ٤٨٦/٣. (٤) في البحر ٦/ ٥٢. الآية : ٥٨ ٥٦٣ سُورَةُ الإِسْرائة لكنه لا يَضُرّ؛ لأنَّها معمولةٌ للصلة. وأنت إذا نظرتَ في المعنى على هذا لم ترضَ أن تحملَ الآيةَ علیه. وقولُه تعالى: ﴿وَرْجُونَ﴾ عطفٌ على ((يبتغون))، أي: يبتغون القُربةَ بالعبادة ويتوقَّعون ﴿رَحْمَتَهُ﴾ تعالى ﴿وَيَخَافُونَ عَذَابٌَ﴾ كدأب سائرِ العباد، فأين هم مِن مُلك كشفِ الضُّرِّ فضلاً عن كونهم آلهة؟ ﴿إِنَّ عَذَابَ رَّكَ كَنَ مَحْذُورًا (@﴾ حقيقاً بأن يحذرَه ويحترزَ عنه كلُّ أحدٍ من الملائكة والرُّسلِ عليهم السلام وغيرِهم. والجملةُ تعليلٌ لقوله سبحانه: (وَيَخَافُونَ عَذَابَةٌ) وفي تخصيصه بالتعليل زيادةُ تحذيرٍ للكَفَرة من العذاب. وتقديمُ الرجاءِ على الخوف لِمَا أنَّ متعلَّقه أسبقُ من متعلَّقه، ففي الحديث القدسيّ: ((سَبَقَت رحمتي غضبي))(١)، وفي اتِّحاد أسلوبَي الجملتين إيماء إلى تساوي رجاءٍ أولئك الطالبين للوسيلة إليه تعالى بالطاعة والعبادةِ وخوفِهم، وقد ذكر العلماءُ أنَّه ينبغي للمؤمن ذلك ما لم يحضُرْه الموت، فإذا حضره الموتُ ينبغي أن یغلّب رجاءه على خوفه. وفي الآية دليلٌ على أنَّ رجاءَ الرحمةِ وخوفَ العذاب ممَّا لا يُخلُّ بكمال العابد، وشاع عن بعضٍ العابدين أنَّه قال: لست أَعبدُ اللهَ تعالى رجاء جنَّتِهِ ولا خوفاً من ناره. والناسُ بين قادحِ لمن يقول ذلك ومادح، والحقُّ التفصيل، وهو أنَّ مَن قاله إِظهاراً للاستغناء عن فضل اللهِ تعالى ورحمتهِ، فهو مخطئٌ كافر، ومَن قاله لاعتقاد أنَّ الله عزَّ وجلَّ أهلٌ للعبادة لذاته، حتى لو لم يكن هناك جنةٌ ولا نارٌ لَكان أهلاً لأن يُعبَد، فهو محقِّق عارفٌ كما لا يخفى. ﴿َوَإِن مِّن قَرْبَةٍ﴾ الظاهرُ العموم؛ لأنَّ ((إنْ)) نافية، و((مِن)) زائدةٌ لاستغراقٍ الجنس، أي: وما مِن قريةٍ من القرى ﴿إِلَّ غَْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ اٌلْقِيَمَةِ﴾ بإِماتة أهلِها حتفَ أُنوفهم ﴿أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا﴾ بالقتل وأنواعِ البلاء. ورُوي هذا عن مقاتل، وهو ظاهرُ ما رُوي عن مجاهد، وإليه ذهب الجبَّائِيُّ وجماعة. ورُوي عن الأوَّل أنه قال: الهلاكُ للصالحة، والعذابُ للطالحة. وقال أيضاً: وجدتُ في (١) سلف ١/ ١١٤. سُورَةُ الإِسْرَاةِ ٥٦٤ الآية : ٥٨ كتاب الضحَّاك بنِ مزاحم في تفسيرها: أمَّا مكةُ فتخرِّبها الحبشة، وتهلك المدينةُ بالجوع، والبصرةُ بالغرق، والكوفةُ بالتُّرك، والجبالُ بالصواعق والرَّواجف، وأمَّا خراسانُ فهلاكُها ضروب، ثمَّ ذكر بلداً بلداً. ورُوي عن وهب بن منبِّه أنَّ الجزيرةَ آمنةٌ من الخراب حتى تخربَ إرمينية، وإرمينيةُ آمنةٌ حتى تخربَ مِصر، ومصرُ آمنةٌ حتى تخربَ الكوفة، ولا تكون الملحمةُ الكبرى حتى تخربَ الكوفة، فإذا كانت الملحمةُ الكبرى فُتحت قُسطَنطِينية على يد رجلٍ من بني هاشم، وخرابُ الأندلسِ من قِبلَ الزّنج، وخراب إفريقيةَ من قِبَل الأندلس، وخرابُ مصرَ من انقطاع النيلِ واختلافِ الجيوشِ فيها، وخرابُ العراقِ من الجوع، وخرابُ الكوفةِ من قبل عدوٌّ يَحصرِهِم ويمنعهم الشُّربَ من الفرات، وخرابُ البصرةِ من قِبَل العراق(١)، وخرابُ الأُبُلَّة من عدوٍّ يَحصرهم برًّا وبحراً، وخراب الرِّيِّ من الديلم، وخرابُ خراسانَ من قِبَل النبت(٢)، وخراب النبت(٢) من قبل الصِّين، وخراب الهندِ واليمنِ من قِبَل الجرادِ والسُّلطان، وخرابُ مكةً من الحبشة، وخراب المدينةِ من قِبَل الجوع. وعن أبي هريرةَ ◌َُهُ أنَّ النبيَّ ◌َِّ قال: ((آخِرُ قريةٍ من قرى الإِسلامِ خراباً المدينة)) كذا نقله العلّامة أبو السُّعود(٣)، وما في كتاب الضخَّاك، وكذا ما رُوي عن وهبٍ لا يكاد يُعوَّل عليه، وما رُوي عن أبي هريرة مقبول، وقد رواه عنه بهذا اللفظِ النَّسائيُّ، ورواه أيضاً الترمذيُّ بنحوه وقال: حسنٌ غريب(٤)، ورواه أبو حيَّان(٥) بلفظ: ((آخِرُ قريةٍ في الإِسلام خراباً المدينة». وفي ((البحور الزاخرة)) أنَّ سببَ خرابِها أنَّ بعضَ أهلِها يخرجون مع المهديِّ إلى الجهاد، ثم تَرجُف بمنافقيها وتَرميهم إلى الدجّال، ويهاجر بعضُ المخلصين (١) كذا في الأصل و(م)، والصواب الغرق، كما في إرشاد العقل السليم ١٨٠/٥، ونسخة في هامش السنن الواردة في الفتن (٤٥٦)، والخبر مخرج فيه. (٢) كذا في (م)، وفي الأصل: المنبت، والصواب: التبت، كما في إرشاد العقل السليم، والسنن الواردة في الفتن. (٣) في إرشاد العقل السليم ١٨٠/٥. (٤) سنن الترمذي (٣٩١٩)، ولم نقف عليه عند النسائي. (٥) لعله أراد أن يكتب ابن حبان فسها به قلمه، فالحديث في صحيحه (٦٧٧٦) بلفظ المصنف. الآية : ٥٨ ٥٦٥ سُورَةُ الإِسْرَائِ إلى بيت المقدسِ عند إِمامهم، ومَن بقي منهم تَقبِضُ الريحُ الطيِّبة روحَه، فتبقَى خاوية. ويأبى كونَها سببُ خرابها الجوعُ - حَسبما سمعتَ عن الضخَّاك وابنٍ منبِّه - ظاهرُ ما أخرجه الشيخان(١): (لتُتَركنَّ المدينةُ على خيرٍ ما كانت، مذَلَّلة ثمارُها، لا يغشاها إلَّا العوافي - الطيرُ والسِّباع - وآخِر مَن يُحشر راعيان من مُزَينة .. )) الحدیثَ. وأخرج الإِمام أحمدُ(٢) بسندٍ رجاله ثقات: ((المدينةُ يتركها أهلُها وهي مُرطِبة)) قالوا: فَمَن يأكلها؟ قال: ((السِّباعُ والعوافي)). وما ذُكر من أنَّ مكةَ تخرِّبها الحبشةُ ثابتٌ في الصحيحين وغيرِهما، لكن بلفظ: (يخرِّب الكعبةَ ذو السَّويقتين من الحبشة))(٣)، وفي حديثٍ حذيفةَ مرفوعاً: ((كأنِّي أَنظر إلى حبشيٍّ أحمرِ الساقين، أزرقِ العينين، أَفطسِ الأنف، كبيرِ البطن، وقد صفّ قدميه على الكعبةِ هو وأصحابٌ له، يَنقضونها حجراً حجراً، ويتداولونها بينهم حتى يطرحوها في البحر))، وفي حديثٍ أحمدَ (٤) عن أبي هريرةَ أنَّه تجيءُ الحبشةُ فيخرِّبونه، أي: البيت، خراباً لا يعمر بعده أبداً . نعم اختلف في أنَّه متى يكون ذلك؟ فقيل: زمنَ عيسى عليه السلام. وقيل: حينَ لا يبقى على الأرض مَن يقول: الله، وهو آخرُ الآيات. ومال إلى ذلك السَّفاريني، وظاهرُ ما تقدَّم في المدينة من الأخبار بأنَّها آخرُ قرى الإِسلام خراباً يقتضي أنَّ خرابَ مكةَ قبلها، والله تعالى أعلم. وما ذُكر في خبر ابنٍ منبِّه من أنَّ مصرَ آمنةٌ حتى تخربَ الكوفةُ - إن صحَّ - يقتضي أنَّ الكوفةَ تُعمَر ثم تخرب، وإلا فهي قد خربت منذ مئاتٍ من السنين وبقيت إلى الآن خراباً، ومصرُ آمنةٌ عامرةٌ على أحسنِ حالٍ اليوم، وبِعمارتها - حَسبما يقتضيه (١) صحيح البخاري (١٨٧٤)، وصحيح مسلم (١٣٨٩) من حديث أبي هريرة ده. (٢) في مسنده (١٤٥٥٧) من حديث جابر څ. (٣) صحيح البخاري (١٥٩١)، وصحيح مسلم (٢٩٠٩) من حديث أبي هريرة ـ (٤) في مسنده (٧٩١٠). سُؤَدَّةُ الإِسْراءِ ٥٦٦ الآية : ٥٨ الخبرُ - جاءت آثارٌ عديدةٌ، كما لا يخفَى على مَن طالع الكتبَ المؤلّفة في أَمارات الساعةِ وأخبارِ المهديِّ والسُّفياني، إلَّا أنَّ في أكثرها للمنقِّر مقالاً. وزعم البونيُّ وأَضرابُه أنَّها تعمر في أواخر القرنِ الثالثَ عشر، وقد أخذوا ذلك من كلام الشيخ محيي الدين قدِّس سرُّه. وأنتَ تعلم أنه أشبهُ شيءٍ بالهندية، ولا يكاد يُعدُّ من اللغَةً العربية . وما ذُكر من أنَّ خرابَ العراقِ من الجوعِ يعُّ بغدادَ؛ فإنَّها قاعدته. وقال القاضي عياضٌ في ((الشِّفا))(١): رُوي أنَّهِ وَّرِ قال: ((تُبنَى مدينةٌ بين دجلة ودُجَيل وقُظْرُبُلَّ والصَّرَاة، تنتقل إليها الخزائن، يُخسَف بها))(٢) يعني بغداد. وهذا صريحٌ في أنَّ هلاكَها بالخسف لا بالجوع، لكن ذكر المحدِّثون أنَّ في سند الخبرِ مجهولاً . ثم الظاهرُ - على هذا التفسير - أنَّ قولَه تعالى: (أَوْ مُعَذِّبُوهَا) إلخ مقيَّد بمثل ما قيِّد به المعطوفُ عليه، فيكون كلٌّ من الإِهلاك والتعذيبِ قبل يومِ القيامة، أي: في الزمان القريبٍ منه. وقد شاع استعمالُ ذلك بهذا المعنى، وستسمعه قريباً إن شاء اللهُ تعالى في الحديث، وإنكارُه مكابرةٌ غيرُ مسموعة، وكأنَّه سبحانه بعد أنْ ذكر من شأن البعثِ والتوحيدِ ما ذكر، ذكر بعضَ ما يكون قبلَ يوم البعث ممَّا يدلُّ على عظمتِه سبحانه، وفيه تأييدٌ لما ذكر قبله، وقد صحَّ أنَّه بعد موتٍ عيسى عليه السلام تجيءُ ريحٌ باردة من قِبَل الشام، فلا تُبقي على وجه الأرضِ أحداً في قلبه مثقالُ ذرَّةٍ من إيمانٍ إلَّا قبضته، فيبقى شرارُ الناسِ، وعليهم تقومُ الساعة(٣). وجاء في غيرِ ما خبرٍ ما يصيب الناسَ قبل قيامِها من العذاب، فمن ذلك ما أخرجه الطبرانيُّ وابنُ عساكرٍ(٤) عن حذيفة بن اليمان وظُ: (لتَقصدنَّكم نارٌ هي اليومَ خامدةٌ في وادٍ يقال له: بَرَهُوت، يغشى الناسَ فيها عذابٌ أليم، تأكل الأنفُسَ (١) ٧٠٣/١. (٢) أخرجه الخطيب في تاريخه ٢٨/١، وابن عدي في الكامل ١٧٢٦/٥ وقال: هذا حديث منکر. (٣) أخرجه مسلم (١٩٢٤) بنحوه. (٤) في تاريخه ٢٦٧/٦٤، وأخرجه أيضاً أبو نعيم في الحلية ٥/ ١٩٢، ولم نقف عليه عند الطبراني. الآية : ٥٨ ٥٦٧ سُورَةُ الاسْراء والأموال، تدور الدنيا كلَّها في ثمانيةِ أيام، تطير طيرانَ الريح والسَّحاب، حرُّها بالليل أشدُّ مِن حرِّها بالنهار، ولها بين السماءِ والأرضَ دويٌّ كدويِّ الرعدِ القاصف)) قيل: يا رسول الله، أسليمةٌ يومئذٍ على المؤمنين والمؤمنات؟ قال: ((وأين المؤمنون والمؤمنات؟ الناسُ يومئذٍ شرٌّ من الحُمُر، يتسافدون كما يتسافد البهائمُ، وليس فيهم رجلٌ يقول: مَه مَه)) إلى غير ذلك من الأخبار. ولا يَبَعُد بَعْدَ أن اعتُبر العمومُ في القرية حملُ الإِهلاك والتعذيبِ على ما تضمَّنته تلك الأخبارُ مِن إِماتة المؤمنين بالرِّيح وتعذيبِ الباقين من شِرار الناسِ بالنار المذكورة، وصحَّ أنَّها تسوقهم إلى المحشر، وورد أنَّهم يتَّقون بوجوههم كلَّ حدپٍ وشوك، وأنَّه تُلقَى الآفةُ على الظّهر حتى لا تبقَى ذاتُ ظهر، حتى إنَّ الرجل لَيعطي الحديقةَ المعجبةَ بالشارف ذاتِ القَتَب ليفرَّ عليها . وكونُ ذلك قبلَ يومِ القيامة هو المعوَّلُ عليه، وقد اعتمده الحافظُ ابن حجر(١)، وصوَّبه القاضي عياض، وذهب إليه القرطبيُّ والخطّابي، وجاء مصرَّحاً به في بعض الأَحاديث، فقد أَخرج الإِمامُ أحمدُ والترمذيُّ(٢). وقال: حسنٌ صحيح - عن ابن عمرَ طًِّا مرفوعاً: ((ستخرج نارٌ من حَضْرَمَوت، أو مِن بحرِ حضرموت، قبلَ يوَمِ القيامةِ تحشر الناس ... )) الحديثَ. ولا يَبعُد أن يعذَّبوا بغير ذلك أيضاً، بل في الآثار ما يقتضيه . ﴿كَنَ ذَلِكَ﴾ أي: ما ذُكر من الإهلاكِ والتعذيب ﴿فِي الْكِتَبِ﴾ أي: في اللَّوح مكتوباً. وذكر غيرُ المحفوظ، كما رُوي عن إبراهيمَ التيميِّ وغيرِهِ ﴿مَسْطُوراً ﴾﴾ واحدٍ أنَّه ما من شيءٍ إلا بيِّن فيه بكيفيَّاته وأسبابِهِ الموجبة له ووقتِه المضروبِ له. واستُشكل العمومُ بأنَّه يقتضي عدمَ تناهي الأَبعاد، وقد قامت البراهينُ النقليةُ والعقليةُ على خلافِ ذلك، فلا بدَّ أن يقالَ بالتخصيص، بأن يحملَ الشيءُ على ما يتعلَّق بهذه النشأةِ أو نحو ذلك. وقال بعضُهم بالعموم، إلَّا أنَّه التزم كونَ البيانِ على نحوٍ يجتمع مع التَّناهي، (١) في فتح الباري ١١/ ٣٨١. (٢) مسند أحمد (٤٥٣٦)، وسنن الترمذي (٢٢١٧). سُورَةُ الإِسْرَةِ ٥٦٨ الآية : ٥٨ فاللوحُ المحفوظ في بيانه جميع الأشياءِ الدنيوية والأخروية وما كان وما يكون، نظيرُ الجفرِ الجامع في بيانه لما يبيِّنْه، وقد رأيتُ أنا صحيفةً للشيخ الأكبرِ قدِّس سرُّه اذَّعى أنَّه يعلم منها ما يقع في أرض المحشرِ يومَ القيامة، وأخرى ادَّعى أنَّه يعلم منها أسماءَ أهلِ الجنةِ والنارِ وأسماءَ آبائهم، وأخرى ادَّعى أنَّه يعلم منها الحوادثَ التي تكون في الجنة. وقَبولُ هذه الدعاوى وردُها مفوَّض إليك. وفسَّر بعضُهم ((الكتابَ)) بالقضاء السابق، ففي الكلام تجوُّز لا يخفى. هذا وذهب أبو مسلم إلى أنَّ المراد: ما من قريةٍ من قرى الكفّار، واختاره المولى أبو السُّعود (١)، وجِّعَلَ الآيةَ بياناً لتحتُّم حلولِ عذابِه تعالى بمَن لا يحذره إثرَ بيانِ أنَّه حقيقٌ بالحذر، وأنَّ أساطينَ الخلقِ من الملائكة والنبيِّين عليهم السلام على حَذَرٍ من ذلك. وذَكَرَ أنَّ المعنى: ما مِن قريةٍ من قرى الكفَّارِ إلَّا نحن مخربوها البثَّةَ بالخسف بها، أو بإِهلاك أهلِها بالمرَّة لِمَا ارتكبوا من عظائم الموبقاتِ المستوجبةِ لذلك، أو معذِّبو أهلِها عذاباً شديداً لا يُكتَنَهَ كُنهُه، والمراد به ما يعمُّ البلايا الدنيويةَ من القتل والسَّبي ونحوهما، والعقوباتِ الأخرويةَ ممَّا لا يعلمه إلا الله تعالى، حَسبما يُفصح عنه إِطلاقُ التعذيب عمَّا قَيِّد به الإِهلاكُ من قَبْلية يوم القيامة، ولا يخصُّ بالبلايا الدنيوية، كيف وكثيرٌ من القرى العاتيةِ العاصيةِ قد أُخِّرَتَ عقوبتُها إلى يوم القيامة؟ ثم إنَّه يحتمل أن يقال في وجه الرّبطِ على تقدير التخصيص: إنَّه سبحانه بعد أن أشار إلى أنَّ الكفرةَ المخاطَبين في بلاءٍ وضُرّ، وأنَّ آلهتهم لا يملكون كشفَ ذلك عنهم ولا تحويلَه، أشار إلى أنَّ مثلَ ذلك لا بدَّ وأن يصيبَ الكفرة، ولا يملك أحدٌ كشفَه ولا تحويلَه عنهم. وهذا ظاهرٌ بناءً على ما تقدَّم عن البعض في سبب النزولِ الذي بسببه فسِّر الضُّرُّ بالقحط، فتأمَّل. وفي اختيار صيغةٍ الفاعل في الموضعين - وإنْ كانت بمعنى المستقبل - من الدَّلالة على التحقُّق والتقرُّر ما فيه. والتقييدُ بيوم القيامة؛ لأنَّ الإِهلاكَ يومئذٍ غيرُ مختصٍّ بالقرى الكافرة، ولا هو بطريق العقوبة، وإنَّما هو لانقضاء عُمْرِ الدنيا . ثم قال: إنَّ تعميمَ القريةِ لا يساعده السِّياق ولا السِّباق. اهـ. وفيه تأمُّل. (١) في إرشاد العقل السليم ١٧٩/٥ . الآية : ٥٩ ٥٦٩ سُؤَدَةُ الإِسْرَارَة ومن الناس مَن رجَّحه على ما سبق بأنَّ فيه حملَ الإِهلاك على ما يتبادر منه، وهو ما یکونُ عن عقوبة، ولا كذلك فيما سبق. وأُجيب بأنَّ ذلك سهل، فقد استُعمل في مقام التخويفِ فيما لم يكن عن عقوبة، كقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ تُرْسِلَ بِلَيَتِ﴾ أي: الآياتِ التي اقترحتها قريش، فقد أَخرج أحمدُ، والنسائيّ، والحاكمُ وصحَّحه، والطبرانيّ(١)، وغيرُهم عن ابن عباسٍ قال: سأل أهلُ مكةَ النبيَّ ◌َ له أن يجعلَ لهم الصَّفا ذهباً، وأن ينحِّيَ عنهم الجبالَ فيزرعوا، فقيل له: إن شئتَ أن تستأنيَ بهم، وإن شئت أن تؤتيَهم الذي سألوا، فإنْ كفروا أُهلكوا كما أُهلكت مَن قبلهم من الأمم، فقال عليه الصلاة والسلام: ((لا، بل أستأني بهم)) فأنزل اللهُ تعالى هذه الآية. و((أنْ)) وما بعدها في تأويل مصدرٍ منصوبٍ على أنَّه مفعولُ منع، على ما صرَّح به الطبرسي(٢) . أو منصوبٌ بنزع الخافض - كما قيل - لتعدِّي الفعلِ إلى مفعوله الثاني بالحرف، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمَّ نَسْتَحْرِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْتَعَّكُم مِّنَ اُلْمُؤْمِنِينَّ﴾ [النساء: ١٤١] أي: وما منعِنا الإِرسالَ أو من الإِرسال بالآيات ﴿إِلَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا﴾ أي: بجِنسها ﴿ آْأَوَّلُونَ﴾ من الأُمم السابقةِ المقترِحة. والاستثناءُ مفرَّغ من أعمِّ الأشياء، و((أنْ)) وما بعدها في تأويل مصدرٍ فاعل منع، أي: ما منعنا شيءٌ من الأشياء إلَّا تكذيبُ الأوَّلين. وزعم أبو البقاءِ(٣) أنَّه على تقديرِ مضاف، أي: إلَّا إهلاكُ تكذيبِ الأوَّلين، ولا حاجةَ إليه عند الآخرين. والمنعُ لغةً: كفُّ الغير وقَسْرُه عن فعلٍ يريد أن يفعلَه، ولاستحالة ذلك في حقِّه سبحانه لاستلزامه العجزَ المحالَ المنافيّ للرُّبوبية قالوا: إنَّه هنا مستعارٌ للصَّرف، وأنَّ المعنى: وما صرفنا عن إِرسال الآياتِ المقترَحة إلَّا تكذيبُ الأوَّلين المقترِحين المستتبعُ لاستئصالهم، فإنَّه يؤدِّي إلى تكذيب الآخرين المقترحين بحكم اشتراكهم (١) مسند أحمد (٢٣٣٣)، وسنن النسائي الكبرى (١١٢٢٦)، ومستدرك الحاكم ٣٦٢/٢، والمعجم الكبير (١٢٧٣٦). (٢) في مجمع البيان ٦٤/١٥ . (٣) في الإملاء ٤٨٧/٣ . سُورَةُ الإِسْرَةِ ٥٧٠ الآية : ٥٩ في العُتَوِّ والعناد، وهو مُفضٍ إلى أن يَحلَّ بهم مثلُ ما حلَّ بهم بحكم الشّركة في الجريرة والفساد، وجريانِ السنَّة الإلهية والعادةِ الربّانية بذلك، وفعلُ ذلك بهم مخالفٌ لِمَا كُتب في لوح القضاءِ بمداد الحكمةِ من تأخير عقوبتهم، وحاصلُه: إنَّا تركنا إِرسالَ الآياتِ لسبق مشيئتنا تأخيرَ العذابِ عنهم لحِكَمٍ نعلمها . واستشعر بعضُهم من الصَّرف نوعَ محذورٍ، فجعل المنعَ مجازاً عن التَّرك. وتعقّب بأنَّه لا يصحُّ مع كون الفاعلِ التكذيب؛ لأنَّ التاركَ هو الله تعالى. وأُجيب بأنَّ دعوى لزومِ اتِّحاد الفاعلِ في المعنى الحقيقيِّ والمستعارِ له ممَّا لم يَقُمْ عليه دليل، بل الظاهرُ خَلافه. وذكر بعض المحقّقين - ولله تعالى أبوه وإنْ نوقش ـ أنَّ تكذيبَ الأوَّلين المستتبعَ للاستئصال، والمستلزمَ لتكذيب الآخرين المفضي لحلول الوبال، منافٍ لإِرسال الآياتِ المقترَحة؛ لتعيُّن التكذيبِ المستدعي لِمَا ينافي الحكمةَ في تأخير عقوبةِ هذه الأمَّة، فعبّر عن تلك المنافاةِ بالمنع على نهج الاستعارة، إيذاناً بتعاضُد مبادي الإِرسال، لا كما زعموا من عدم إِرادته تعالى لَتأييد رسولِهِ وَال* بالمعجزات، وهو السرُّ في إيثار الإِرسال على الإِيتاء؛ لما فيه من الإِشعار بتداعي الآياتِ إلى النزول لولا أن تُمسكَها يدُ التقدير. وإسنادُ المنعِ إلى تكذيب الأوَّلين لا إلى عِلمه تعالى بما سيكون من المقترِحين الآخِرِين كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اَللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَنَوَلَّواْ وَّهُم مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣] لإِقامة الحجّة عليهم بإِبراز الأُنموذج، وللإِيذان بأنَّ مدارَ عدم الإِجابة إلى إيتاءِ مقترحهم ليس إلَّا صنيعُهم. ثم حكمةُ التأخيرِ، قيل: إظهارُ مزيدٍ شرف النبيِّ وَّهِ. وقيل: العنايةُ بمَن سيولد من بعضِهم من المؤمنين وبمَن سيؤمن منهم. وينبغي أن يزادَ في كل إلى غير ذلك مثلاً ، وإلا فلا حصر. وقيل : معنى الآية: إنَّا لا نرسلُ الآياتِ المقترحةَ لِعِلمنا بأنَّهم لا يؤمنون عندَها كما لم يؤمن بها مَن اقترحوها قبلَهم، فيكون إِرسالُها عبئاً لا فائدةَ فيه، والحكيمُ لا یفعله . الآية : ٥٩ ٥٧١ سُؤَةُ الإِسْرَاةِ وأنتَ تعلم أنَّه إذا كان إرسالُ المقترَح إذا لم يؤمِنْ عنده المقترح عبثاً لا يفعله الحكيمُ، أَشكلَ فِعلُه من أوَّل مرَّة، على أنَّ ما رُوي في سبب النزولِ يقتضي التفسيرَ الأوَّل كما لا يخفَى، وفسِّرت الآياتُ بالمقترَحة؛ لأنَّ ما بها إِثباتُ دعوى الرسالةِ من مقتضيات الإِرسال، وما زاد على ذلك ولم يكن عن اقتراحِ لطفٌ من المَلِك المتعال . ﴿وَءَانَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ﴾ عطفٌ على ما يُفصح عنه النظمُ الكريم، كأنَّه قيل: وما منعنا أن نُرسلَ بالآيات إلّا أن كذَّب بها الأوَّلون حيث آتيناهم ما اقترحوا على أنبيائهم عليهم السلامُ من الآيات الباهرةِ فكذَّبوها، وآتينا ثمودَ الناقةً باقتراحهم على نبيِّهم صالح عليه السلام، وأَخرجناها لهم من الصَّخرة ﴿مُصِرَةً﴾ على صيغة اسم الفاعل، حالٌ من الناقة. والمراد: ذاتَ إبصار، أو ذات بصيرةٍ يُبصِرها الغير ويتبَصَّر بها، فالصيغةُ للنَّسب. أو جاعلةُ الناسَ ذوي بصائر، على أنَّه اسمُ فاعل مِن أَبصَرَه، والهمزةُ للتعدية، أي: جعله ذا بصيرةٍ وإدراك، ويحتمل أن يكونَ إسنادُ الإبصار إليها مجازاً، وهو في الحقيقة حالُ مَن يشاهدها . وقرأ قوم: ((مُبْصَرَةً)) بزنة اسم المفعول(١)، أي: يُبصرها الناس. ولا خفاءَ في ذلك. وقرأ قتادة: ((مَبْصَرةً)) بفتح الميم والصاد(٢)، أي: محلَّ إِبصار، بجعل الحاملِ على الشيءٍ بمنزلة محلِّه، نحو: ((الولدُ مَبخَلَة مَجِبَنَة))(٣). وقرأ زيدُ بن عليٍّ ﴿هُ: ((مُبصِرةٌ)) بزنة اسم الفاعلِ والرفع(٤) على إضمار مبتدأ، أي: هي مُبصِرة. وقرأ الجمهور: ((ثمود)) ممنوعاً من الصرف. وقال هارون: أهل الكوفة ينوِّنون في كلِّ وجه، وقال أبو حاتم: لا تنوِّن العامَّة والعلماء بالقرآن ((ثمود)) في وجهٍ من الوجوه، وفي أربعة مواطنَ أَلِفٌ مكتوبة، ونحن نقرؤه بغير ألف. اهـ. (١) البحر المحيط ٥٣/٦. (٢) القراءات الشاذة ص٧٧، والبحر المحيط ٦/ ٥٣. (٣) سلف ٤ / ٦١. (٤) البحر المحيط ٥٣/٦. سُورَةُ الإِسْراءِ ٥٧٢ الآية : ٥٩ وهو- كما قال الراغب (١) . عجمي. وقيل: عربي، وتركُ صرفِه لكونه اسمَ قبيلة. وهو فعولٌ من الثَّمد، وهو الماءُ القليلُ الذي لا مادَّةَ له، ومنه قيل: فلانٌ مثمودٌ ثَمَدَتْه النساءُ، أي: قطعن مادةَ مائه لكثرة غشيانِه لهنَّ، ومثمود، إذا كَثُرَ عليه السُّؤَالُ حتى نفدت مائَةُ مالِهِ. وصحّح كثيرٌ عربيَّته، أي: آتينا تلك القبيلةَ الناقةَ ﴿فَظَلَمُواْ بِهَا﴾ أي: فكفروا بها وجحدوا كونَها من عند اللهِ تعالى لتصديق رسولِه. أو: فكفروا بها ظالمين، أي: لم يكتفوا بمجرَّد الكفرِ بها، بل فعلوا بها ما فعلوا من العَقر. أو ظلموا أنفسَهم وعرَّضوها للهلاك بسبب عَقرِها . ولعلَّ تخصيصَ إيتائها بالذِّكر لِمَا أنَّ ثمودَ عربٌ مثلُ أهلِ مَّة المقترِحين، وأنَّ لهم من العلم بحالهم ما لا مزيدَ عليه، حيث يشاهدون آثارَ هلاكِهم؛ لقُرب ديارِهم منهم وروداً وصدوراً. وجوِّز أن يكونَ ذلك لأنَّ الناقةَ من جهة أنَّها حيوانٌ أُخرج من الحجر أوضحُ دليلٍ على تحقّق مضمونِ قولِه تعالى: (قُلْ كُنُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا) إلخ. والأوَّل أَقرب. ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِلَيَتِ إِلَّا تَخْوِفًا ﴾﴾ أي: لمن أُرسلت عليهم، والمرادُ بها إمَّا المقترَحة، فالتخويفُ بالاستئصال لإِنذارها به في عادة اللهِ تعالى، أي: ما نُرسلها إلَّا تخويفاً من العذاب المستأصِل كالطّليعة له، فإنْ لم يخافوا فُعل بهم ما فُعل، وإمَّا غيرُها، كآيات القرآنِ والمعجزات، فالتخويفُ بعذاب الآخرةِ دون العذابِ الدنيويِّ بالاستئصال، أي: ما نُرسلها إلَّا تخويفاً وإِنذاراً بعذاب الآخرة. واستظهر أبو حيَّان(٢) كونَ المرادِ بها الآياتِ التي معها إمهال، كالخسوف والكسوفِ، وشدَّةِ الرعد والبرقِ، والرِّياح والزَّلازل، وغَور ماءِ العيون وزيادتِها على الحدِّ حتى يغرقَ منها بعضُ الأَرَضين. وعدَّ الحسنُ من ذلك الموتَ الذَّريع، أي: ما نُرسلها إلَّا تخويفاً مما هو أعظمُ منها. أَخرج ابن جَرِيرِ (٣) عن قتادةَ قال: إنَّ اللهَ تعالى يخوِّف الناسَ بما شاء من آياته لعلَّهم يُعتِبون، أو يذَّرون ويرجعون. (١) في المفردات (ثمد). (٢) في البحر ٦/ ٥٣. (٣) في تفسيره ١٤/ ٦٣٨. الآية : ٦٠ ٥٧٣ سُؤَةُ الإِسْرَاءِ وذكر ابنُ عطيةً(١) أنَّ آياتِ اللهِ تعالى المعتَبَر بها ثلاثةُ أقسام: قسمٌ عامٌّ في كلِّ شيءٍ: ففي كلِّ شيءٍ له آية تدلُّ على أنَّه واحدُ(٢) وهناك فِكرةُ العلماء. وقسمٌ معتاد، كالرَّعد والكسوف، وهناك فكرةُ الجَهَلة. وقسمٌ خارقٌ للعادة، وقد انقضى بانقضاءِ النبوَّة، وإنَّما يُعتبر اليومَ بتوهُّم مثلِه وتصوُّره. اهـ. وفيه غفلةٌ عن الكرامة، فإنَّ أهل السنَّة يُثبتونها للوليّ في كلِّ عصر. والجملةُ مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإعراب. وجوِّز على الوجه الأوَّل أن تكونَ حالاً من ضميرٍ ((ظلموا»، أي: فظلموا بها ولم يخافوا العاقبةَ والحالُ أنَّا ما نُرسل بالآيات التي هي من جملتها إلَّا تخويفاً من العذاب الذي يعقبها، فنزل بهم ما نزل. ونصب («تخويفاً) على أنه مفعولٌ له. وجوِّز أن يكونَ حالاً، أي: مخوِّفين، والباءُ في الموضعَين سيفُ خطيب(٣)، و((الآيات)) مفعولُ ((نرسل))، أو للملابسة والمفعولُ محذوف، أي: ما نرسل نبيًّا ملتبساً بها، وقيل: إنَّها للتعدية، وإنَّ (أرسل)) يتعدَّى بنفسه وبالباء. ورُدَّ بأنَّه لم يُنقَل عن أحدٍ من الثِّقات، قال الخفاجي(٤): ولا حجَّةَ في قولٍ كثير (٥): لقد کذب الواشون ما بُحتُ عندهم بسرِّ ولا أَرسلتهم برسولِ لاحتمال الزيادةِ فيه أيضاً، مع أنَّ الرسولَ فيه بمعنى الرِّسالة، فهو مفعولٌ مطلق، والكلامُ في دخولها على المفعول به، ولا يخفَى أنَّ جعلَ الرسولِ مفعولاً به وزيادة الباءِ فیه ممَّا لا يُقدِم عليه فاضل. ﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾ أي: واذكُر زمانَ قولِنا بواسطة الوحي ﴿لَكَ﴾ يا محمد: ﴿إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِلنَّاسِ﴾ أي: علماً، كما رواه غيرُ واحدٍ عن ابن عباس ◌ًَّا، فلا يخفَى عليه (١) في المحرر الوجيز ٤٦٧/٣. (٢) سلف ١/ ٢٧١. (٣) أي: زائدة للتوكيد. (٤) في حاشيته ٦/ ٤٤. (٥) ديوانه ص٢٧٨، وسلف ٣٤١/٢. سُورَةُ الإِسْرَةِ ٥٧٤ الآية : ٦٠ سبحانه شيءٌ من أحوالهم وأفعالهم الماضيةِ والمستقبلةِ من الكفر والتكذيب. وقولُه تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا اُلُّنْيَا الَّتِىّ أَيْنَكَ إِلَّا فِتْنَةٌ لِلنَّاسِ﴾ إلى آخر الآية، تنبيهٌ على تحقُّقها بالاستدلال عليها بما صدر عنهم عند مجيءٍ بعض الآيات؛ لاشتراك الكلِّ في كونها أموراً خارقةً للعادات، منزلةً من جناب ربِّ العزَّة جلَّ مجدُه لتصديق رسوله عليه الصلاة والسلام، فتكذيبُهم ببعضها يدلُّ على تكذيب الباقي، كما أنَّ تكذيبَ الأوَّلين بغير المقترَحة يدلُّ على تكذيبهم بالمقترَحة. والمرادُ بـ ((الرؤيا)) ما عاينه وَل﴾ ليلةَ أُسري به من العجائب السماويةِ والأَرضية، كما أخرجه البخاريُّ والترمذيُّ والنسائيُّ وجماعةٌ عن ابن عباس(١)، وهي عند کثیرٍ بمعنى الرؤيةِ مطلقاً، وهما مصدرُ رأى، مثل: القُربى والقَرابة. وقال بعض: هي حقيقةٌ في رؤيا المنامِ ورؤيا اليقظةِ ليلاً . والمشهورُ اختصاصُها لغةً بالمناميَّةِ، وبذلك تمسَّك مَن زعم أنَّ الإِسراءَ كان مناماً، وفي الآية ما يردُّ عليه، والقائلون بهذا المشهورِ الذاهبون إلى أنَّه كان يقظة - كما هو الصحيح - قالوا: إنَّ التعبيرَ بها إمَّا مشاكلةً لتسميتهم له رؤيا، أو جارٍ على زعمهم كتسمية الأصنام آلهة؛ فقد رُوي أنَّ بعضَهم قال له وَِّ لمَّا قصَّ عليهم الإِسراء: لعله شيءٌ رأيتَه في منامك. أو على التشبيه بالرؤيا لِمَا فيها من العجائب، أو لوقوعها ليلاً، أو لسرعتها، أي: وما جعلنا الرؤيا التي أَريناكَها عياناً مع كونها آيةً عظيمة، وأيَّةُ آية، وقد أقمتُ البرهانَ على صحَّتها إلَّا فتنةً افتتن بها الناس، حتى ارتدَّ بعضُ مَن أَسلم منهم. ﴿وَالشَّجَرَةَ﴾ عطفٌ على ((الرؤيا)) أي: وما جعلنا الشجرةَ ﴿ٌلْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْءَانِ﴾ إلَّا فتنةً لهم أيضاً. والمرادُ بها - كما روى البخاريُّ(٢) وخلقٌ كثيرٌ عن ابن عباس ﴿ُّ - شجرةٌ الزقُّوم. والمرادُ بلعنها لعنُ طاعميها من الكفرة، كما رُوي عنه أيضاً، ووصفُها بذلك من المجازِ في الإِسناد، وفيه من المبالغةِ ما فيه. أو لعنها نفسَها، ويراد (١) انظر أحاديث الإسراء في بداية الجزء. (٢) في صحيحه (٣٨٨٨). الآية : ٦٠ ٥٧٥ سُؤَبَةُالإشرارة باللَّعن معناه اللغويّ، وهو البُعد، فهي في أَبعدِ مكانٍ من الرحمة - وهو أصلُ الجحيم الذي تنبت فيه - ملعونةٌ حقيقة. وأَخرج ابنُ المنذر عن الحَبر أنَّها وُصفت بالملعونة لتشبيه طلعِها برؤوس الشياطين، والشياطينُ ملعونون(١). وقيل: تقول العربُ لكلِّ طعامِ مكروهٍ ضارّ: ملعون . ورُوي في جعلها فتنةً لهم أنَّه لمَّا نزل في أمرها في ((الصافَّات))(٢) وغيرِها ما نزل، قال أبو جهلٍ وغيرُه: هذا محمدٌ يتوقَّدكم بنارٍ تحرق الحجارة، ثم يقول: ينبت فيها الشَّجر، وَما نعرف الزُّقومَ إلَّا التمرَ بالزُّبد، وأمر أبو جهلٍ جاريةً له فأحضرت تمراً وزُبداً، وقال لأصحابه: تزقَّموا(٣). وافتتن بهذه المقالةِ أيضاً بعضُ الضعفاءِ، ولقد ضلُّوا في ذلك ضلالاً بعيداً، حيث كابروا قضيةً عقولهم؛ فإنَّهم يرَون النعامةَ تبتلع الجمرَ وقِطَعَ الحديد المحمَّاة الحُمْرَ فلا تضرُّها، والسَّمَنْدلَ(٤) يُتَّخذ من وَبّره مناديلُ تُلقى في النار إذا اتَّسخت، فيذهب الوسخُ وتبقَى سالمة، ومن أمثالهم: في كلِّ شجرٍ نار، واستمجدَ المَرْغُ والعَفَار (٥). وعن ابن عباسٍ أنَّها الكَشوث(٦) المذكورةُ في قوله تعالى: ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ﴾ [إبراهيم: ٢٦] ولعنُها في القرآن وصفُها فيه بما سمعتَ في هذه الآية، ومرَّ آنفاً ما مرَّ عن العرب، والافتتانُ بها أنَّهم قالوا عند سماعِ الآية: ما بالُ الحشائشِ تُذكَر في القرآن. والمعوَّل عليه عند الجمهورِ روايةٌ الصحيحِ عن الحَبر. (١) الدر المنثور ٤ / ١٩٢ . (٢) في قوله تعالى: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ ثُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُومِ﴾ إلخ [الآيات: ٦٢ -٦٧]. (٣) أخرجه أحمد (٣٥٤٦)، والنسائي في الكبرى (١١٤٢٠)، وأبو يعلى (٢٧٢٠) عن ابن عباس ◌ًا بنحوه. (٤) طائر بالهند لا يحترق بالنار. (٥) مجدت الإبل تمجد مجوداً: إذا نالت من الخَلَى قريباً من الشبع، واستمجد المرخ والعفار: استكثرا وأخذا من النار ما هو حسبهما، شبها بمن يكثر العطاء طلباً للمجد. يضرب في تفضيل بعض الشيء على بعض. مجمع الأمثال ٢/ ٧٤. (٦) نبات مجتث مقطوع الأصل. اللسان (كشث). سُورَةُ الإِسْرَاءِ ٥٧٦ الآية : ٦٠ وقرأ زيدُ بن عليٍّ ﴿هَا: ((والشجرةُ)) بالرفع(١) على الابتداءِ وحذفِ الخبر، أي: والشجرةُ الملعونةُ في القرآن كذلك. ﴿وَتُخَوِّفُهُمْ﴾ بذلك ونظائرِه من الآيات، فإنَّ الكلَّ للتخويف، وإيثارُ صيغةٍ الاستقبال للدَّلالة على الاستمرار التجدُّدي. وقرأ الأعمش: ((ويخوِّفهم)) بالياءِ آخرِ الحروف(٢). ﴿فَمَا يَزِيدُهُمْ﴾ التخويفُ ﴿إِلَّ ◌ُغْيَنًا﴾ تجاوزاً عن الحدّ ﴿ كَبِيرًا ﴾﴾ لا يقادَر قَدْرُه، فلو أَرسلنا بما اقترحوه من الآيات، لَفعلوا بها فِعلَهم بأَخواتها، وفُعِل بهم ما فُعل بأَمثالهم، وقد سبقت كلمتنا بتأخير العقوبةِ العامَّة إلى الطَّامَّة الكبرى. هذا فيما أَرى هو الأَوفقُ بالنَّظم الكريم، واختاره في ((إرشاد العقل السليم))(٣). وعن الحسنِ ومجاهدٍ وقتادةً وأكثرِ المفسِّرين تفسيرُ الإِحاطة بالقدرة، والكلامُ مسوقٌ لتسلية رسولِ اللهِوَّرِ عمَّا عسى يعتريه من عدم الإِجابة إلى إِنزال الآياتِ المقترَحة لمخالفتها للحكمة مِن نوعٍ حزنٍ مِن طعْنِ الكفرة، حیث کانوا يقولون: لو كنتَ رسولاً حقًّا لأَتيت بهذه المعجزةِ كما أَتى بها مَن قبلك مِن الأنبياءِ عليهم السلام. فكأنَّه قيل: أذكر وقتَ قولِنا لك: إنَّ ربَّك اللطيفَ بك قد أَحاط بالناس، فهم في قبضة قدرتِه، لا يقدرون على الخروج من ربقة مشيئته، فهو يحفظُك منهم، فلا تهتمَّ بهم، وامضٍ لِمَا أمرتُك به من تبليغ الرِّسالة، أَلا ترى أنَّ الرؤيا التي أَريناك من قبلُ جعلناها فتنةً للناس مورثةً للشُّبهة، مع أنَّها ما أَورثت ضعفاً لأمرك وفتوراً في حالك؟ وبعضُهم حمل الإحاطةَ على الإحاطة بالعلم، إلَّا أنَّه ذَكَرَ في حاصل المعنى ما يَقرُب ممَّا ذكر، فقال: أي: إنَّه سبحانه عالمٌ بالناس على أتمٍّ وجه، فيعلم قصدَهم إلى إِيذائك إذا لم تأتِهم بما اقترحوا ويَعصمُك منهم، فامضٍ على ما أنت فيه من التبليغ والإِنذار، ألا ترى ... إلخ. (١) البحر المحيط ٦/ ٥٦. (٢) القراءات الشاذة ص ٧٧، والبحر ٦/ ٥٦. (٣) ١٨١/٥. الآية : ٦٠ ٥٧٧ ولا يخفَى أنَّ ذكر الربِّ مضافاً إلى ضميره بَّهِ، وأَمْرَه عليه الصلاة والسلام بذِكر ذلك القولِ أَنسبُ بكون الآيةِ مسوقةً لتسليته على الوجه الذي نُقل، وذِكْرَ التخويفِ وأنَّه ما يَزيدهم إلَّا طغياناً كبيراً أوفقُ بما فسِّرت به الآيةُ أولاً. وادَّعى بعضُهم أنَّه لا يخلو عن نوعٍ تسلية. وقيل: الإِحاطةُ هنا الإِهلاك، كما في قوله تعالى: ﴿وَأُحِطَ بِشَرِهِ﴾ [الكهف: ٤٢] والناسُ قريش، ووقتُ ذلك الإِهلاكِ يومُ بدر، وعبّر عنه بالماضي مع كونه منتظراً حَسبما ينبئُ عنه قوله تعالى: ﴿سَيُّهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبْرَ﴾ [القمر: ٤٥] وقولُه سبحانه: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْتَرُونَ إِلَى جَهَنَّمْ﴾ [آل عمران: ١٢] وغيرُ ذلك؛ لتحقُّق الوقوع. وأوِّلت الرؤيا بما رآه وَّر في المنام من مصارعهم، كما صرِّح به في بعض الرِّوايات وصحَّ أنَّه ◌َيهِ لَمَّا ورد ماءَ بدرٍ كان يقول: ((واللهِ لَكأني أنظر إلى مصارعِ القوم)) وهو يضع يده الشريفةَ على الأرضِ هاهنا وهاهنا ويقول: «هذا مصرعُ فلان، هذا مصرع فلان))(١). وهو ظاهرٌ في كون ذلك مناماً. ويُروى أنَّ قريشاً سمعت بما أُوحِي إلى رسول اللهِ وَلَّ في شأن بدرٍ وما أُري في منامه من مصارِعهم، فكانوا يضحكون ويسخرون، وهو المرادُ بالفتنة، وبما رآه عليه الصلاة والسلام أنَّه سيدخل مكةَ وأَخبر أصحابَه فتوجَّه إليها فصدَّه المشركون عامَ الحديبية. وإليه ذهب أبو مسلم والجبَّائي، واعتذر عن كون ما ذُكر مدنيًّا بأنَّه يجوز أن يكونَ الوحيُّ بإهلاكهم - وَكذا الرُّؤيا - واقعاً بمَّة، وذِكرُ الرُّؤيا وتعيينُ المصارعِ واقعَين بعد الهجرة، ويلزمُ منه أن يكونَ الافتتانُ بذلك بعد الهجرة، وأن يكونَ ازديادُهم طغياناً متوقَّعاً غيرَ واقعٍ عند نزولِ الآية، وكلُّ ذلك خلافُ الظاهر. وأخرج ابن جريرٍ (٢) عن سهلٍ بن سعد قال: رأى رسولُ اللهِ وَ لَر بني أميةَ يَنْزُون على مِنبره نَزْوَ القِردة، فساءَه ذلك، فما استجمع ضاحكاً حتى مات عليه الصلاة والسلام، وأَنزل الله تعالى هذه الآية: (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا) إلخ. (١) أخرجه مسلم (١٧٧٩). (٢) في تفسيره ٦٤٦/١٤، وذكره ابن كثير في تفسيره بإسناد الطبري وقال: وهذا السند ضعيف جداً؛ فإن محمد بن الحسن بن زبالة متروك، وشيخه أيضاً ضعيف بالكلية. سُورَةُ الإِسْرَةِ ٥٧٨ الآية : ٦٠ وأَخرج ابنُ أبي حاتم، وابنُ مردويه، والبيهقيُّ في ((الدَّلائل))، وابنُ عساكرٍ عن سعيد بن المسيّب قال: رأى رسولُ الله وَله بني أميةً على المنابر فساءه ذلك، فَأَوحى الله تعالى إليه: إنَّما هي دنيا أُعطوها، فقرَّت عينُه، وذلك قوله تعالى: (وَمَا جَمَلْنَا)(١) إلخ. وأخرج ابنُ أبي حاتم عن يعلى بن مرَّة قال: قال رسول الله وَّر: ((رأيتُ بني أميةَ على منابر الأرض، وَسيملكونكم، فتجدونهم أَربابَ سوء)» واهتمَّ عليه الصلاة والسلام لذلك، فأنزل الله سبحانه: (وَمَا جَعَلْنَا) الآية(٢). وأَخرج عن ابن عمرَ أنَّ النبي ◌َِّ قال: ((رأيتُ ولدَ الحكم بن أبي العاص على المنابر كأنَّهم القِرَدة)) وأنزل اللهُ تعالى في ذلك ﴿وَمَا جَعَلْنَا﴾ إلخ. والشجرةُ الملعونةُ: الحَكَمُ وولدُه(٢). وفي عبارة بعض المفسِّرين: بنو أمية. وأخرج ابنُ مردويه عن عائشةَ ﴿ّا أنَّها قالت لمروان بنِ الحكم: سمعتُ رسولَ اللهِ وَ﴿ يقول لأَبيك وجدِّك: ((إنَّكم الشجرةُ الملعونةُ في القرآن))(٢). فعلى هذا معنى إِحاطته تعالى بالناس إِحاطةُ أَقداره بهم، والكلامُ - على ما قيل - على حذفِ مضاف، أي: وما جعلنا تعبيرَ الرُّؤيا، أو الرؤيا فيه مجازٌ عن تعبيرها. ومعنى جعلٍ ذلك فتنةً للناس جعلُه بلاءً لهم ومختبَراً، وبذلك فسَّره ابن المسيّب، وكان هذا بالنّسبة إلى خلفائهم الذين فعلوا ما فعلوا، وعَدَلوا عن سَنَن الحقِّ وما عدلوا، وما بعده بالنّسبة إلى ما عدا خلفاءهم منهم ممَّن كان عندهم عاملاً، والخبائث عاملاً، أو ممَّن كان من أَعوانهم كيفما كان. ويحتمل أن يكون المرادُ: ما جعلنا خلافتَهم وما جعلناهم أنفسَهم إلَّا فتنة، وفيه من المبالغة في ذمِّهم ما فيه. وجَعْل ضميرٍ ((نخوفهم)) على هذا لِمَا كان له أولاً، أو للشَّجرة باعتبار أنَّ المرادَ بها بنو أمية، ولعنُهم لِمَا صدر منهم من استباحة الدماءِ المعصومة، والفروجِ المحصَنة، وأَخذ الأموالِ من غير حلِّها، ومنعِ الحقوقِ عن أهلها، وتبدیلٍ الأَحكام، والحُكم بغير ما أنزل اللهُ تعالى على نبيِّه عليه الصلاة والسلام، إلى غير (١) الدر المنثور ١٩١/٤، والدلائل ٥٠٩/٦، وتاريخ مدينة دمشق ٣٤١/٥٧. (٢) الدر المنثور ١٩١/٤. الآية : ٦٠ ٥٧٩ سُورَةُ الإِسْرَائِ ذلك من القبائح العِظام، والمخازي الجِسام، التي لا تكاد تُنسَى ما دامت الليالي والأيَّام. وجاء لعنُهم في القرآن إمَّا على الخصوصِ كما زعمته الشِّيعة، أو على العموم كما نقول، فقد قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَّهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَاُلْأَخِرَةِ﴾ [الأحزاب: ٥٧] وقال عزَّ وجلَّ: ﴿فَهَلْ عَسَيِّتُمْ إِن تَوَلَيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُواْ فِى أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنْهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىَ أَبْصَرَهُمْ﴾ [محمد: ٢٢- اُلْأَرْضِ وَتُقَطِّعُواْ أَزْحَامَكُمْ ( ٢٣] إلى آياتٍ أُخَر. ودخولُهم في عموم ذلك يكاد يكون دخولاً أوليًّا، لكن لا يخفَى أنَّ هذا لا يَسوغ عند أكثرٍ أهل السُّنَّة لعنُ واحدٍ منهم بخصوصه، فقد صرَّحوا أنَّه لا يجوز لعنُ كافرٍ بخصوصه ما لم يتحقَّق موتُه على الكفر، كفرعون ونمروذ، فکیف من ليس كافراً؟ وادَّعى السِّراج البُلقينيُّ جوازَ لعنِ العاصي المعيَّن، ونوَّر دعواه بحديث الصَّحيحين(١): ((إذا دعا الرجلُ امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيءَ، فبات غضبان، لعنتها الملائكةُ حتى تُصبِح)). وقال ولدُه الجلال: بحثتُ مع والدي في ذلك باحتمالٍ أن يكونَ لعنُ الملائكةِ لها بالعموم بأن يقول: لعن اللهُ تعالى مَن باتت مهاجرة فراش زوجها . ولو استدلَّ لذلك بخبر مسلم(٢) أنَّه وَّهِ مرَّ بحمارٍ وُسِم بوجهه فقال: ((لعن اللهُ تعالى مَن فعل هذا)) لَكان أَظهرً؛ إذ الإشارةُ بهذا صريحةٌ في لعن معيَّن، إلَّا أن يؤوَّلَ بأنَّ المرادَ فاعلُ جنسٍ ذلك لا فاعلُ هذا المعيّن. وفيه ما فيه. واستدلَّ بعضُ مَن وافقه لذلك أيضاً بما صحَّ أنَّه ◌ِوَّه قال: ((اللهمَّ العَنْ رِعلاً وذَكوان وُصَيَّة؛ عَصَوا اللهَ تعالى ورسولَه)(٣) فإنَّ فيه لعنَ أقوامٍ بأعيانهم. وأُجيب بأنَّه يجوز أنَّه عليه الصلاة والسلام علم موتَهم أو موتَ أكثرِهم على الكفر، فلم يلعن إلَّا مَن علم موتَه عليه. وهو كما ترى. (١) صحيح البخاري (٣٢٣٧)، وصحيح مسلم (١٤٣٦) من حديث أبي هريرة . (٢) برقم (٢١١٧) من حديث جابر ﴿ه، وسلف ٣١٤/٤. (٣) أخرجه مسلم (٦٧٩) من حديث خُفاف بن إيماء الغفاري بنحوه. سُورَةُ الإِسْرَاءِ ٥٨٠ الآية : ٦١ ولا يخفى أنَّ تفسيرَ الآيةِ بما ذُكر غيرُ ظاهر الملاءمةِ للسِّياق، والله تعالى أعلمُ بصحّة الأحاديث. وقيل: الشجرةُ الملعونةُ مجازٌ عن أبي جهل، وكان فتنةً وبلاءً على المسلمين لعنه اللهُ تعالى، وقيل: مجازٌ عن اليهودِ الذين تظاهروا على رسول اللهِ وَله، ولعنُهم في القرآن ظاهر، وفتنتُهم أنَّهم كانوا ينتظرون بعثتَه عليه الصلاة والسلام، فلما بُعث كفروا به، وقالوا: ليس هو الذي كنّا ننتظره، فئبَّطوا كثيراً من الناس بمقالتهم عن الإِسلام. ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَئِكَةِ﴾ تذكيرٌ لما جَرَى منه تعالى من الأَمر، ومن الملائكةِ من الامتثال والطاعةِ من غير تثبُّط، وتحقيقٌ لمضمون قولِه تعالى: (أُوْلَكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْنَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ) إلخ. أمَّا إن كان المرادُ من الموصول الملائكةَ فظاهر، وأمَّا إن كان غيرَهم فللمقايسة. وفيه إشارةٌ إلى عاقبة أولئك الذين عاندوا الحقَّ واقترحوا الآياتِ وكذَّبوا الرسولَ عليه الصلاة والسلام، فإنَّهم داخلون في الذُّرِّية الذين احتنكهم إبليسُ عليه اللعنةُ واتَّبعوه اتِّباعَ الظلِّ لذويه دخولاً أوليًّا، ومشاركون له في العناد أتمَّ مشاركة، حتى قالوا: ﴿إِن كَانَ هَذَا هُوَ أَلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] فوجهُ مناسبةِ الآية لما قبلَها ظاهر. وقيل: الوجه مشابهةُ قريشِ الذين كذَّبوا النبيَّ وَّ لإبليسَ في أنَّ كلَّا منهما حَمَله الحسدُ والكِبْر على ما صدر منه، أي: واذكُر وقتَ قولِنا للملائكة: ﴿أَسْجُدُواْ لَِدَمَ﴾ تحيةً وتكريماً له عليه السلام. وقيل: المعنى: اجعلوه قبلةً سجودِكم الله تعالى ﴿فَسَجَدُوا﴾ من غيرِ تلعثم امتثالاً لأمره تعالى ﴿إِلَّ إِبْلِسَ﴾ لم يكن من السَّاجدين، وكان معدوداً في عِدادهمّ، مندرجاً تحت الأمرِ بالسجود. ﴿قَالَ﴾ استئنافٌ بيانيّ، كأنَّه قيل: فما كان منه بعد التخلُّف؟ فأُجيب بأنَّه قال - أي: بعد أن وبِّخ بما وبِّخ مما قصَّه اللهُ سبحانه في غير هذا الموضعِ على سبيل الإِنكار والتعجُّبـ: ﴿وَأَسْجُدُ﴾ وقد خلقتَني من نارٍ ﴿لِمَنْ خَلَقْتَ طِيئًا ٦١ نصب على نزعِ الخافض، أي: مِن طين، كما صرَّح به في آيةٍ أخرى.