النص المفهرس
صفحات 541-560
الآية : ٤٧ ٥٤١ سُؤَةُ الإِسْرَاةِ هو اسمٌ موضوعٌ موضعَ المصدر، وهو: إيحادٌ، الموضوعُ موضعَ الحال، وهو موحّد. ومذهب يونس أنَّه منصوبٌ على الظرفية، وتحقيقُ الأقوالِ فيه في ((الرفدة))(١) كما قدَّمنا. وذكر أنه على الحاليَّة إذا وقع بعد فاعلٍ ومفعولٍ كما هنا، جاز كونُه حالاً من كلِّ منهما، أي: وإذا ذكرتَ ربَّك موحِّداً لَه، أو موحِّداً بالذِّكر ﴿وَلَوْ عَلَى أَدْبَرِهِمْ﴾ هربوا ونفروا ﴿نُفُورً ﴾﴾ فهو مفعولٌ مطلقٌ منصوب بـ ((ولَّوا))؛ لتقارُب معناهما. وجوِّز أن يكونَ مفعولاً لأجله، أي: ولَّوا لأَجل النفورِ والانزعاج. وأَن يكونَ حالاً على أنَّه جمعُ نافر، أي: ولَّوا نافرین من ذلك. والضميرُ للمشركين الذين لا يؤمنون بالآخِرة. وأخرج ابن جَريرٍ (٢) وغيرُه عن ابن عباسٍ ما ظاهرُه أنَّه للشياطين. ولا يكاد يصحُّ عن الحَبر إلَّا بتأويل. ﴿وَّْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ﴾ أي: ملتبسين به من اللَّغو والاستخفافِ والهُزءِ بك وبالقرآن. يُروى أنَّه عليه الصلاة والسلام كان يقوم عن يمينه رجلان من عبد الدَّار، وعن يساره رجلان منهم، فيصفّقون ويصفِّرون ويخلطون عليه بالأَشعار(٣). ويجوز أن تكونَ الباءُ للسببية، أو بمعنى اللَّام، أي: نحن أَعلمُ بما يستمعون بسببه أو لأَجله من الهُزء، وهي متعلِّقة بـ ((يستمعون))، وجَعْلُها على ظاهرها على معنى: أَيستمعون بقلوبهم أم بظاهر أسماعِهم، غيرُ ظاهر. والباءُ الأولى متعلِّقة بـ ((أعلم))، وأَفعلُ التفضيلِ في العلم والجهلِ يتعدّى بالباء، وفي سوى ذلك يتعدَّى باللام، فيقال: هو أَكسَى للفقراء، مثلاً. والمرادُ من كونه تعالی اعلم بذلك الوعيدُ لهم. ﴿إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ ظرفٌ لـ ((أَعلم)) لا مفعولٌ به، وفائدته - كما قال شيخُ الإِسلام(٤). تأكيدُ الوعيدِ بالإخبار بأنَّه كما يقع الاستماعُ المزبورُ منهم يتعلَّق به (١) لعله ((الرفدة في معنى الوحدة)) للشيخ تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي. انظر كشف الظنون ١ / ٩٠٩. (٢) في تفسيره ١٤/ ٦١٠. (٣) أخرجه الطبري ١٦٤/١١ عن ابن عباس رضيها بنحوه. (٤) في إرشاد العقل السليم ٥/ ١٧٦ . سُورَةُ الاسْراءِ ٥٤٢ الآية : ٤٧ العِلم، لا أنَّ العلمَ المستفادَ هناك من أَحد. وليس المرادُ تقييدَ علمِه تعالى بذلك الوقت، وكذا قوله تعالى: ﴿وَإِذْ هُمْ تَجْوَةٌ﴾ لكن من حيث تعلَّقه بما به التناجي المدلولُ عليه بسياق النَّظم. والمعنى: نحن أَعلمُ بما يستمعون به ممَّا لا خيرَ فيه ممَّا سمعت، وبما يتناجون به فيما بينهم. وجوِّز أن يكونَ الأولُ ظرفاً لـ ((يستمعون))، والثاني ظرفاً لـ ((يتناجون))، والمعنى: نحن أعلمُ بما به الاستماعُ وقتَ استماعِهم من غير تأخير، وبما به التَّناجي وقتَ تناجيهم. والأوَّل أَظهر. و((نجوى)) مصدرٌ مرفوعٌ على الخبرية، وفي ذلك ما في: زيدٌ عدل. ويجوز أن يُعتبرَ جمعَ نَجِيٍّ، كقتلَی وقتيل، أي: إذ هم متناجُون. ﴿إِذْ يَقُولُ النََّالِمُونَ﴾ بدلٌ من ((إذ) الثانية، وبيانٌ لِمَا يتناجون به، فهو غيرُ ما يستمعون به، لا معمولٌ لـ : اذكُرْ محذوفاً كما قيل. و((الظالمون)) من المُظهَر الذي أقيم مُقَامَ المضمر، للدَّلالة على أنَّ تناجيَهم بابٌ من الظلم، أي: يقول كلٌّ منهم للآخرين عند تناجيهم: ﴿إِن تَِّعُونَ﴾ أي: ما تَبعون إنْ وُجِد منكم الاتِّاعُ فَرْضاً. وجوِّز أن يكونَ المعنى: ما تَتَّبعون باللَّغو والهزءِ ﴿إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا ®﴾ أي: سُحِر فجنَّ، فهو كقولهم: إنْ هو إلَّا رجلٌ مجنون. وقيل: جُعل له سِحرٌ يَتوصَّل بلطفه ودقَّته إلى ما يأتي به ويدَّعيه، فهو في معنى قولهِم: ساحر. وجَعَلَ بعضُهم ((مسحوراً)) بمعنى ساحراً، كمستور بمعنى ساتر. وعن أبي عُبيدة(١) أنَّ مسحوراً بمعنى: جُعِل له سَحر، أو ذا سَحرٍ، أي: رِئة، ومن هذا قولُ امرئ القيس(٢): أرانا موضِعِين لأمرٍ غيبٍ ونُسْحَرُ بالطعام وبالشرابِ وأراد: نُغذَى، وقولُ لبيدٍ أو أمية بن أبي الصَّلت: فإنْ تسألينا فيمَ نحن فإنَّنا عصافيرُ من هذا الأنام المسخَّرِ(٣) (١) مجاز القرآن ١/ ٣٨١. (٢) ديوانه ص ٩٧ . (٣) ديوان لبيد ص٥٦، وعصافير: صِغار ضعاف. الآية : ٤٨، ٤٩ ٥٤٣ سُورَةُ الإِسْرَائِ وكَنَّوا بذلك عن كونه بشراً يتنفّس ويأكل ويشرب، لا يمتاز عنهم بشيءٍ يقتضي اتّباعَه على زعمهم الفاسد. ولا يخفى ما فيه من البُعد، حتى قال ابنُ قتيبة (١): لا أدري ما الذي حمل أبا عبيدةً على هذا التفسير المستكرَه، مع أنَّ السلفَ فسَّروه بالوجوه الواضحة. وقال ابنُ عطية(٢): إنَّه لا يناسب قولَه تعالى: ﴿أَنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ اُلْأَمْثَالَ﴾ أي: مثَّلوك، فقالوا تارةً: شاعر، وتارةً: ساحر، وتارةً: مجنون، مع عِلمهم بخلافه . ﴿فَضَلُّواْ﴾ في جميع ذلك عن منهاج المحَاجَّة ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٨) طريقاً ما إلى طعنٍ يُمكن أن يَقبلَه أحدٌ بل يتهافتون(٣) ويَخبطون ويأتون بما لا يَرتاب في بطلانه مَن سمعه، أو إلى سبيل الحقِّ والرَّشاد. وفيه من الوعيد وتسليةِ الرَّسول ◌ِّه مالا يخفَی . ﴿وَقَالُواْ أَوِذَا كُنَّا عِظَمًا وَرُفَنَا﴾ عطفٌ على ((ضربوا)) ولمَّا عجَّب من ضربهم الأَمثال، عطف عليه أمراً آخرَ يعجب منه أيضاً. وفي ((الكشف)): الَّ ظهرُ أن يكونَ هذا إلى تمام المقالاتِ الثلاثِ تفسيراً لـ ((ضربوا لك الآمثالَ))، أَلا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَأَضْرِبْ لَمُ مَّثَلًا﴾ [الكهف: ٣٢] وتفسيرُه بمثَّلوك غيرُ ظاهر، بل الظاهرُ: مثَّلوا لك. ولا خفاءَ أنَّ تجاوُبَ الكلام على ما ذكرنا أتمُّ، وذلك أنَّه لمّا ذكر استهزاءهم به ◌َّ﴿ وبالقرآن، عجَّبه من استهزائهم بمضمونه من البعث، دلالةً على أنَّه أَدخلُ في التعجّب؛ لأنَّ العقل أيضاً يدلُّ عليه، ولكن على سبيل الإِجمال، وأمَّا على تفسيرِ((ضربوا لك الأمثال)) بمثَّلوك، فوجهُه أن يكونَ معطوفاً على قوله سبحانه: (فَضَلُّوأ) لأنَّه بابٌ من أبواب الضَّلال، أو على مقدَّر دلَّ عليه ((كيف ضربوا)) لأنَّ معناه: مثَّلوك وقالوا: شاعرٌ، ساحرٌ، مجنونٌ، وقالوا: ((أئذا كنا .. )) إلخ. اهـ. (١) في تفسير غريب القرآن ص ٢٥٦. (٢) في المحرر الوجيز ٣/ ٤٦١. (٣) في (م): فيتهافتون. سُورَةُ الإِسْرَاءِ ٥٤٤ الآية : ٤٩ ولا يخفى أنَّه على التفسير الذي اختاره يكون ((قالوا)» معطوفاً على (ضربوا) أيضاً عطفاً تفسيريًّا، لكنَّ الظاهرَ فيه حينئذٍ الفاءُ، وأَنَّه لا يحتاج - على ما ذكرنا - إلى تكلُّف العطفِ على مقدَّر، والارتباطُ عليه لا يقصر عن الارتباطِ الذي ذكره، وعطفُه على ((فضلُوا)) ممَّا لا يَحسُن؛ لعدم ظهورٍ دخولِه معه في حيِّز الفاء. والاعتراضُ على التفسير بمثَّلوك بأنَّهم ما مثَّلوه عليه الصلاة والسلام بالشّاعر والساحرِ مثلاً، بل قالوا تارةً كذا وأُخرى كذا، وأيضاً كان الظاهرُ أن يقالَ: فيك، بدل: لك = ليس بشيء؛ لأنَّ ما ذكروه على طريق التشبيهِ التقريعه وَّر وعجزِهم عن معارضته، و((لك)) أَظهرُ من: فيك؛ لأنَّه عليه الصلاةُ والسلام الممثَّل له. هذا وأقول: انظر هل ثَمَّ مانعٌ من عطف ((قالوا)) على ((يقول الظالمون))، وجَعْلُ هذا القولِ ممَّا يتناجون به أيضاً وإعلانُهم به أحياناً لا يمنع من هذا الجعل، وكذا اختلافُ المتعاطفين ماضَويةً ومضارعيةً لا يمنعُ من العطف، نعم يحتاج إلى نُكتة، ولا أظنُّها تخفى، فتدبَّر. والرُّفات ما تكسَّر وبَلِيَ من كلِّ شيء، وكثر بناءُ فُعَال في كلِّ ما تحظّم وتفرَّق، كدُقاق وفُتَات. وأخرج ابن جَريرٍ (١) وغيرُه عن مجاهدٍ أنَّه التراب، وهو قولُ الفرَّاء(٢). وأَخرج ابنُ المنذرِ وغيرُه عن ابن عباسٍ أنَّه الغبار(٣). وقال المبرِّد: هو كلُّ شيءٍ مدقوقٍ مبالَغِ في دَقِّه. وهي أقوالٌ متقاربة. والهمزةُ للاستفهام الإنكاريِّ، مفيدةٌ لكمال الاستبعادِ والاستنكارِ للبعث بعد ما آلَ الحالُ إلى هذا المآل، كأنَّهم قالوا: إنَّ ذلك لا يكون أصلاً . ومنشؤه أنَّ بين غضَاضةِ الحيِّ وطراوتهِ المقتضيةِ للاتِّصال المقتضي للحياة، وبين يبوسةِ الرَّميم المقتضيةِ للتفرُّق المقتضي لعدم الحياةِ تنافياً . (١) في تفسيره ١٤/ ٦١٤ . (٢) في معاني القرآن ٢/ ١٢٥. (٣) الدر المنثور ١٨٧/٤، وتفسير الطبري ١٤/ ٦١٤. الآية : ٥٠ ٥٤٥ سُورَةُ الإشرارة و((إذا)) هنا - كما في ((الدّرّ المصون))(١) - متمخِّضة للظرفية، والعاملُ فيها ما دلَّ عليه قولُه تعالى: ﴿أَِنَّا لَمَبْعُونُونَ﴾ لا نفسُه؛ لأنَّ ((إنَّ) لها الصَّدر، فلا يعملُ ما بعدَها فيما قبلَها، وكذا الاستفهامُ وإنْ كان تأكيداً، مع كونِ الاستفهامِ بالفعل أَولى، وهو: نُبعَث أو نعاد، وهو مصبُّ الإِنكار. وتقييدُه بالوقت المذكور؛ لتقوية إِنكار البعثِ بتوجيهه إليه في حالةٍ منافيةٍ له، وإلَّ فالظاهرُ من حالهم أنَّهم منكرون للإِحياء بعد الموتِ وإنْ كان البدنُ علی حاله. وجوِّز أن تكونَ شرطيةً وجوابُها مقدَّر، أي: نُبعَث، أو نحوُه، وهو العاملُ فيها، وقيل: الشرطُ، والمعنى: أَنْبعَث وقد كثَّا رُفاتاً في وقت، وهو مذهبٌ لبعض النحويِّين غيرُ مشهورٍ ولا معوَّلٍ عليه. وتحليةُ الجملة بـ ((إنَّ) واللام؛ لتأكيد الإِنكار، لا لإنكارِ التأكيد كما عسى يُتوهّم من ظاهر النَّظم. وليس مدارُ إنكارِهم كونَهم ثابتين في المبعوثية بالفعل في حال كونِهم عظاماً ورُفاتاً كما يتراءَى من ظاهر الجملةِ الاسمية، بل كونَهم بعَرَضية ذلك واستعدادِهم له، ومرجعُه إلى إِنكار البعثِ بعد تلك الحالة. وفيه من الدَّلالة على غلوِّهم في الكفر وتماديهم في الضَّلال ما لا مزيدَ عليه. قاله بعضُ المحقّقين. ﴿خَلَّقًا جَدِيدًا ﴾﴾ نصب بمبعوثين على أنَّه مفعولٌ مطلَق له من غير لفظٍ فعلِه، أو حالٌ على أنَّ الخلقَ بمعنى المخلوق، ووُحِّد لاستواء الواحدِ في المصدر وإنْ أُريد منه اسمُ المفعول، أي: مخلوقين. جواباً لهم وتقريباً لما استبعدوه: ﴿كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا @) ردَّ سبحانه قوله: ((كونوا)) على قولهم: ((كنا))، فهو من باب المشاكلةِ والمقابلةِ بالچِنس. ومعنى الأمرِ - كما قيل - الاستهانةُ، كما في قول موسى عليه السلام: ﴿أَلْقُواْ مَآَ أَنْتُم مُلْقُونَ﴾ [يونس: ٨٠] وجَعَلَه صاحبُ ((الإِيضاح)) أمرَ إِهانة، والفاضلُ الطَّيبيُّ أمرَ تسخير، كما في قوله تعالى: ﴿كُونُواْ قِرَدَةً خَسِنِينَ﴾ [البقرة: ٦٥] لكنَّه قال: إنَّه على الفرض. (١) ٣٦٧/٧ . سُورَةُ الإِسْرَائِ ٥٤٦ الآية : ٥١ وفي ((الكشف)) أنَّه غيرُ ظاهر، ولو جُعل من بابٍ كن فلاناً، على معنى: أنتَ فلانٌ، مِن استعمال الطالبٍ في معنى الخبر، أي: أنتم حجارةٌ ولستم عظاماً ومع ذلك تُبعَثون لا محالةَ، لَكان وجهاً قويماً. وبحث فيه الشِّهاب(١) بأنَّه كيف يقال: أنتم حجارة، على أنَّه خبرٌ وهو غيرُ مطابقٍ للواقع؟ فلابدَّ مِن قصد الإِهانة وعدم المبالاة، وجعلِ الأمرِ مجازاً عن الخبر، والخبرُ خبرٌ فَرْضي، وليس فيه ما يدلُّ على الفَرْض كـ: ((إن)) و((لو)) الشرطيتَين، فهو ممَّا لا يخفَى بُعدُه، وليس بأَقربَ ممَّا استبعده، فالصوابُ أنَّه للإهانة کما جنح إلیه صاحبُ ((الإِیضاح)) فتدبّر. والحجارةُ جمع حَجَر، كأحجار، وهو معروفٌ، وكذا الحديدُ، وهو مفرَد: وجمعه: حدائدُ وحديدات. والظاهرُ أَنَّ المراد: كونوا من هذين الجِنسين ﴿أَوْ خَقًا﴾ أي: مخلوقاً آخَرَ ﴿مِّمَا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ أي: ممَّا يُستبعَد عندكم قبولُه الحياةَ؛ لكونه أَبعدَ شيءٍ منها، وتعيينُهُ مُفوّضٌ إليكم، فإنَّ اللهَ تعالى لا يُعجزه إِحياؤكم؛ لتساوي الأجسام في قبول الأَعراض، فكيف إذا كنتم عِظاماً باليةً وقد كانت موصوفةً بالحياة قبل؟ والشيءُ أَقبلُ لِمَا عُهد فيه مما لم يُعَهد. وقال مجاهدٌ: الذي يَكُبُر: السماواتُ والأرضُ والجبالُ. وأخرج ابن جَرير(٢) وجماعةٌ عن ابن عباسٍ وابن عمرَ والحسنِ وابن جُبيرٍ أنَّهم قالوا: ما يَكُبُر في صدورهم الموتُ، فإنَّه ليس شيءٌ أكبرَ في نفس ابنِ آدمَ من الموت، والمعنى: لو كنتم مجسَّمين من نفس الموت، لأَعادكم، فضلاً عن أصلٍ لا يضادُّ الحياةَ إنْ لم يقتضِها. وفيه مبالغةٌ حسنةٌ وإنْ كان اللفظُ غيرَ ظاهرٍ فيه. ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ لك: ﴿من يُعِيدُنَّ﴾ مع ما بيننا وبين الإِعادة من مثل هذه المباعدةِ والمباينة . (١) في حاشيته ٣٩/٦. (٢) في تفسيره ١٤/ ٦١٦-٦١٧. الآية : ٥١ ٥٤٧ سُورَةُ الإِسْرَاة ﴿قُلِ﴾ لهم تحقيقاً للحقِّ، وإِزاحةً للاستبعاد، وإرشاداً إلى طريقة الاستدلال: ﴿الَّذِى فَطَرَّكُمْ﴾ أي: القادرُ العظيمُ الذي اخترعكم ﴿أَوَّلَ مَرَّؤْ﴾ من غير مثالٍ يحتذيه، ولا أسلوبٍ يَنتحيه، وكنتم تراباً ما شمَّ رائحةَ الحياة، أليس الذي يقدر على ذلك بقادرٍ على أن يُفيضَ الحياةَ على العظام البالية ويُعيدَها إلى حالها المعهودة؟ بلى إنَّه سبحانه على كلِّ شيءٍ قدير. والموصولُ مبتدأ، خبرُهُ: يُعيدكم، المحذوفُ؛ لدَلالة السؤالِ عليه، أو فاعلٌ به، أو خبرُ مبتدأ محذوفٍ، على اختلافٍ في الأَوْلى كما فصِّل في محلِّه. و((أول مرة)) ظرفُ ((فطركم)). ﴿فَسَبْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ أي: سيحرِّكونها نحوَك استهزاءً، كما رُوي عن ابن عباسٍ وأَنشدَ عليه قول الشاعر: خيولاً عليها كالأُسود ضواريا(١) أَتُنغض لي يومَ الفخارِ وقد تری ومثلُه قولُ الآخَر: أَنغضَ نحوي رأسَه وأَقنعا كأنَّه يطلب شيئاً أَطمَعَا(٢) وفي (القاموس))(٣): نَغَضَ: كنصر وضرب، نَغْضاً، ونُغوضاً، ونَغَضاناً ونَغَضاً، محرَّكتين: تحرَّك واضطرب، كأَنْغَضَ، وحرَّك كأَنغض. وفسَّر الفرَّاءُ (٤) الإِنغاضَ بتحريك الرأسِ بارتفاع وانخفاض. وقال أبو الهيثم: مَن أُخبر بشيءٍ فِحرَّك رأسَه إِنكاراً له، فقد أَنغض رأسه، فكأنَّه: سيحرِّكون رؤوسهم إنكاراً ﴿ وَيَقُولُونَ﴾ استهزاءً ﴿مَ مُوْ﴾ أي: ما ذكرتَه من الإِعادة. وجوِّز أن يكونَ الضميرُ للعود أو البعثِ المفهوم من الكلام. فإنَّ ما هو محقَّق إتيانُه ﴿قُلْ﴾ لهم: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ﴾ ذلك ﴿قَرِيبًا ﴾﴾ (١) الدر المنثور ١٨٧/٤-١٨٨. (٢) مجاز القرآن ٣٤٤/١، والنكت والعيون ١٤١/٣، والمحرر الوجيز ٣٦٢/٣، والبحر المحيط ٦ / ٤٥ دون نسبة. (٣) مادة (نغض). (٤) في معاني القرآن ٢/ ١٢٥. سُورَةُ الإِسْرَاءِ ٥٤٨ الآية : ٥٢ قريب. ولم يعَيَّن زمانُه؛ لأنَّه من المغيَّات التي لا يطّلع عليها غيرُه تعالى، ولا يُطلِعِ عليها سبحانَه أحداً. وقيل: قُربه لأنَّ ما بقي من زمان الدُّنيا أقلُّ ممَّا مضى منه. وانتصابُ ((قريباً) على أنَّه خبرُ ((كان)) الناقصة، واسمُها ضميرٌ يعود على ما أشير إليه. وجوِّز أن يكون منصوباً على الظرفية، والأصل: زماناً قريباً، فحُذِف الموصوف، وأقيمت صفته مقامَه، فانتصب انتصابَه، و((كان)) على هذا تامَّة، وفاعلُها ذلك الضميرُ، أي: عسى أن يقعَ ذلك في زمانٍ قريب. وأن يكونَ في تأويل مصدر منصوبٍ وقع خبراً لـ ((عسى))، واسمها ضميرٌ يعود على ما عاد عليه اسم يكون، وجوز أن يكون مرفوعاً بـ ((عسى))، وهي تامَّةٌ لا خبرَ لها، أي: عسى كونُه قريباً، أو في وقتٍ قريب. واعتُرض بأنَّ ((عسى)) للمقاربة، فكأنَّه قيل: قَرُبَ أن يكون قريباً، ولا فائدةَ فيه . وأُجيب بأنَّ نجمَ الأئمَّةِ لم يُثبت معنى المقاربةِ في ((عسى))، لا وضعاً ولا استعمالاً. ويدلُّ له ذِكرُ ((قريباً)» بعدَها في الآية، فلا حاجةَ إلى القول بأنَّها جرِّدت عنه، فالمعنى: يُرجَى ويتوقَّع كونُه قريباً. ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ منصوبٌ بفعلٍ مضمَر، أي: أذكروا، أو بدلٌ من ((قريباً)) على أنَّه ظرف، أو متعلِّق بـ ((يكون)) تامَّةً بالاتفاق، وناقصةً عند مَن يجوِّز إعمالَ الناقصةِ في الظُروف، أو بـ : تُبعثون، محذوفاً، أو بضمير المصدرِ المستتر في ((يكون)) أو ((عسى)) العائدِ على العود مثلاً، بناءً على مذهبِ الكوفيين المجوِّزين إِعمالَ ضميرٍ المصدر، كما في قوله(١): وما الحربُ إلَّا ما علمتمْ وذقتمُ وما هو عنها بالحديث المرجَّمِ وجَعلُه بدلاً من الضمير المستترِ بدلَ اشتمالٍ ولم يُرفَع لأنَّه إذا أُضيف إلى مثل هذه الجملةِ قد يُبنَى على الفتح = تكلّفٌ، وادِّعاءُ ظهورِه مكابرة. (١) قائله زهير، والبيت في ديوانه ص١٨. الآية : ٥٢ ٥٤٩ سُورَةُ الإِسْرَاةِ والدعاءُ قيل: مجازٌ عن البعث، وكذا الاستجابةُ في قوله تعالى: ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ﴾ مجازٌ عن الانبعاث، أي: يومَ يبعثكم فتنبعثون، فلا دعاءَ ولا استجابة، وهو نظيرُ قولِه تعالى: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧] في أنَّه لا خطابَ ولا مخاطَبَ في المشهور، وتُجوِّز بالدُّعاء والاستجابة عن ذلك؛ للتنبيه على السُّرعة والسُّهولة؛ لأنَّ قول: قُمْ يا فلان، أمرٌ سريعٌ لا بطءَ فيه، ومجرَّد النداءِ لیس کمزاولة الإيجادِ بالنسبة إلينا، وعلى أنَّ المقصودَ الإِحضارُ للحساب والجزاءِ، فإنَّ دعوةَ السيِّد لعبده إنَّما تكون لاستخدامه، أو للتفخُّص عن أمره، والأوَّلُ منتفٍ؛ لأنَّ الآخرةَ لا تكليفَ فيها، فتعيَّن الثاني. وقال الإِمامُ وأبو حيَّان(١): ((يدعوكم)) بالنِّداءِ الذي يسمعكم، وهو النفخةُ الأخيرةُ، كما قال سبحانه: ﴿يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَكَانٍ فَرِيبٍ﴾ الآية [ق: ٤١]. ويقال: إنَّ إِسرافيلَ عليه السلام، وفي رواية: جبرائيل عليه السلام ينادي على صخرة بيتِ المقدس: أيَّتها الأجسامُ البالية، والعظامُ النَّخِرة، والأجزاء المتفرِّقة، عودي کما کنتٍ. وأَخرج أبو داودَ وابنُ حِبَّان (٢) عن أبي الدرداءِ أنَّه قال: قال ◌َّهِ: ((إنَّكم تُدعَون يومَ القيامةِ بأسمائكم وأسماءِ آبائكم، فحسِّنوا أسماءَكم) ولعل هذا عندَ الدعاءِ للحساب، وهو بعد البعثِ من القبور. واقتصر كثيرٌ على التجوُّز السابق، فقيل: إنَّ فيه إشارةً إلى امتناع الحملِ على الحقيقة؛ لِمَا يَلزم من الحمل عليها خطابُ الجماد، وهو الأجزاءُ المتفرِّقة، ولو لم تمتنع إرادةُ الحقيقة، لَكان ذلك كنايةً عن البعث والانبعاث، لا مجازاً، والمجوِّزُ لإِرادتها يقول: إنَّ الدعوةَ بالأمر التكوينيّ، وهو ممَّا يوجَّه إلى المعدوم، وقد قال جمعٌ به في قولِ (كن))، ولم يتجوَّزوا في ذلك، وأمَّا أنَّه لو لم تمتنع إرادةُ الحقيقةِ لَكان كنايةً لا مجازاً، فأمرٌ سهلٌ كما لا يخفَى، فتدبّر. ﴿يُحَمْدِهِ﴾ حالٌ من ضمير المخاطَبين، وهم الكفَّار كما هو الظَّاهر، والباءُ (١) التفسير الكبير ٢٢٧/٢٠، والبحر المحيط ٦ / ٤٧. (٢) سنن أبي داود (٤٩٤٨)، وصحيح ابن حبان (٥٨١٨). سُورَة الاسْرَةِ ٥٥٠ الآية : ٥٢ للملابسة، أي: فتستجيبون ملتبسين بحمده، أي: حامدين له تعالى على كمال قدرته. وقيل: المراد: معترفين بأنَّ الحمدَ له على النِّعم لا تُنكرون ذلك؛ لأنَّ المعارفَ هناك ضروريّة. وأخرج عبد بن حميد وغيرُه عن ابن جُبَير أنَّه قال: يَخرجون من قبورِهم وهم يقولون: سبحانك اللهمَّ وبحمدك. ولا بُعدَ في صدور ذلك من الكافر يومَ القيامةِ وإنْ لم ينفعْه(١). وحَمَلَ الزمخشريُّ(٢) ذلك على المجاز، والمرادُ المبالغةُ في انقيادهم للبعث، كقولك لمَن تأمره برُكوب ما يشقُّ عليه فيتأبَّى ويمتنع: ستركبه وأنت حامدٌ شاكر، يعني أنَّك تُحمّل عليه وتُقْسَر قسراً، حتى إنَّك تلين لينَ المسمح الراغبِ فيه الحامدِ عليه، فكأنَّه قيل: منقادين لبعثه انقيادَ الحامدين له. وتعلُّق الجارِّ بـ: ((يدعوكم)) ليس بشيءٍ. وعن الطبريِّ(٣) أنَّ ((بحمده)) معترِضٌ بين المتعاطفَين اعتراضَه بين اسمٍ ((إنَّ) وخبرِها في قوله: فإني بحمد اللهِ لا ثوبَ فاجرٍ لبستُ ولا من غَدرةٍ أَتقنَّعُ(٤) ويكونُ الكلام على حدٍّ قولِك لرجلٍ وقد خصمتَه في مسألة: أخطأتَ بحمد اللهِ تعالى، فكأنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام قال: عسى أن يكونَ البعثُ قريباً يومَ تُدعَون فتقومون بخلاف ما تعتقدون اليوم، وذلك بحمد الله سبحانه على صِدق خبري، وملخّصُه: يكون ذلك على خلاف اعتقادِكم والحمدُ لله تعالى. ولا يخفى أنَّه معنَى متكلَّف لا يكاد يُفهَم من الكلام، ونحن في غنّى عن ارتکابه والحمدُ لله. وقيل : الخطابُ للمؤمنين، وانقطع خطابُ الكافرين عند قولِه تعالى: (قَرِيبًا) (١) الدر المنثور ١٨٨/٤. (٢) في الكشاف ٢/ ٤٥٣. (٣) في تفسيره ١٤/ ٦٢٢ -٦٢٣ . (٤) تفسير الطبري ١٤/ ٦٢٣ دون نسبة، ونسبه المرزباني في معجمه ص٤٣٦ لأوفى بن مطر، وصاحب اللسان (طهر) لغيلان، وصاحب الأغاني ٢٣٥/١٦-٢٣٦ لبرذع بن عدي. الآية : ٥٢ ٥٥١ سُؤَةُ الإِسْرَاءِ فيستجيبون حامدين له سبحانه على إِحسانه إليهم وتوفيقه إيَّاهم للإِيمان بالبعث. وأَخرج الترمذيُّ(١) والطبرانيُّ(٢) وغيرُهما عن ابن عمرَ قال: قال رسولُ اللهِ وَلَّه: ((ليس على أهلِ لا إله إلا اللهُ وحشةٌ في قبورهم ولا في منشرهم، وكأنِّي بأهلِ لا إله إلا الله يَنفضون الترابَ عن رؤوسهم ويقولون: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَّنِّ﴾ [فاطر: ٣٤])). وفي روايةٍ عن أنسٍٍ مرفوعاً (٣): ((ليس على أهلٍ لا إله إلا الله وحشةٌ عند الموت، ولا في القبور، ولا في الحشر، وكأنّي بأهل لا إله إلا الله قد خرجوا من قبورِهم ينفضون رؤوسَهم من التُّراب، يقولون: الحمدُ لله الذي أذهب عنَّا الحَزَن)). وقيل: الخطابُ للفريقين، وكلُّهم يقولون ما رُوي عن ابن جُبَير. ﴿وَتَظُنُونَ﴾ الظاهرُ أنَّه عطفٌ على ((تستجيبون)) وإليه ذهب الحوفيُّ وغيرُه. وقال أبو البقاءِ(٤): هو بتقديرِ مبتدأ، والجملةُ في موضع الحال، أي: وأنتم تظنُّون ﴿إِن لَبِثْتُمْ﴾ أي: ما لبثتم في القبور ﴿إِلَّ قَلِلًا ﴾﴾ كالذي مرَّ على قريةٍ، أو ما لبثتم في الدنيا، كما روَى غيرُ واحدٍ عن قتادة. وعن ابن عباسٍ ﴿يا: يستقلَّون لَبِثَهم بين النفختَين، فإنَّه يُزال عنهم العذابُ في ذلك البَين؛ ولذا يقولون: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَّا﴾ [يس: ٥٢]. وقيل: يستقلُّون لبثَهم في عَرْصة القيامة؛ لِمَا أنَّ عاقبةَ أمرِهم الدخولُ إلى النار. وهذا في غاية البعدِ كما لا يخفَى. والظنُّ يحتمل أن يكونَ على بابه، ويحتمل أن يكونَ بمعنى اليقين، وهو معلّق عن العمل بـ ((إنْ)) النافية، وقلَّ مَن ذكرها من أَدوات التعليق، قاله أبو حيَّان(٥). (١) هو الحكيم الترمذي، والحديث في نوادر الأصول ص ٢٤٧-٢٤٨. (٢) في الأوسط (٩٤٧٨). (٣) أخرجها ابن مردويه كما في الدر المنثور ١٨٨/٤. (٤) في الإملاء ٣/ ٤٨٥ . (٥) في البحر ٤٨/٦. سُؤَدَةُ الاسْراءِ ٥٥٢ الآية : ٥٣ وانتصابُ ((قليلاً)) على أنَّه نعتٌ لزمانٍ محذوف، أي: إلَّا زماناً قليلاً. وجوِّز أن يكونَ نعتاً لمصدرٍ محذوف، أي: لبئاً قليلاً، ودلالةُ الفعلِ على مصدره دلالةٌ قوية . ﴿وَقُل لِّعِبَادِى﴾ أي: المؤمنين، فالإضافةُ لتشريف المضاف ﴿يَقُولُوا﴾ عند محاورتِهم مع المشركين ﴿الَِّ﴾ أي: الكلمةَ أو العبارةَ التي ﴿هِىَ أَحْسَنٌ﴾ ولا يخاشنوهم، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُحَدِلُواْ أَهْلَ الْكِتَبِ إِلَّا بِأَلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦]. ومقولُ فعلِ الأمرِ محذوف، أي: قل لهم: قولوا التي هي أحسن، يقولوا ذلك، فجزم يقولوا لأنَّه جوابُ الأمر، وإلى هذا ذهب الأَخفش(١)، ولكون المقولِ لهم هم المؤمنون المسارعون لامتثال أمرِ اللهِ تعالى وأمرٍ رسوله ◌َّهَ بمجرَّد ما يقالُ لهم، لم يكن غبارٌ في هذا الجزم. وقال الزجَّاج: إنَّ(يقولوا)) هو المقول، وجزمُه بلام الأمرِ محذوفةً، أي: قل لهم ليقولوا التي ... إلخ. وقال المازنيّ: إنَّه المقولُ أيضاً، إلَّا أنَّه مضارعٌ مبنيٌّ لحلوله محلَّ المبنيّ، وهو فعلُ الأمر، والمعنى: قل لعبادي: قولوا التي هي أحسن. وهو كما ترى. ومقولُ يقولوا ((التي)) وإذا أُريد به الكلمة، حُمِلت على معناها الشاملِ للكلام. ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنَعُ بَيْنَهُمْ﴾ أي: يفسد ويهيِّج الشرَّ بين المؤمنين والمشركين بالمخاشنة، فلعلَّ ذلك يؤدّي إلى تأكُّد العناد، وتمادي الفساد، فالجملةُ تعليلٌ للأمر السابق . وقرأ طلحة: ((يَنْزِغ)) بكسر الزاي(٢). قال أبو حاتم: لعلَّها لغة، والقراءةُ بالفتح. وقال صاحبُ ((اللوامح)): الفتحُ والكسرُ لغتان، نحو: يَمنَح ويَمنِح. ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ﴾ قِدْماً ﴿لِلْإِنسَنِ عَدُوًّا مُّبِينًا ﴾﴾ ظاهرَ العداوة، فهو من أَبانَ (١) في معاني القرآن ٦١٤/٢. (٢) القراءات الشاذة ص٧٧، والبحر ٤٩/٦. الآية : ٥٤ ، ٥٥ ٥٥٣ سُؤَةُ الإِسْرَاةِ اللازم، والجملة تعليلٌ لما سبق من أنَّ الشيطانَ ينزغْ بينهم. ﴿رَبِّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾ بالتوفيق للإيمان ﴿أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبَكُمْ﴾ بالإِماتة على الكفر. وهذا تفسيرُ ((التي هي أحسن))، والجملتان اعتراضٌ بينهما، والخطابُ فيه للمشركين، فكأنَّه قيل: قولوا لهم هذه الكلمةَ وما يشاكلها، وعلِّقوا أمرَهم على مشيئة اللهِ تعالى، ولا تصرِّحوا بأنّهم من أهل النَّار، فإنَّه مما يهيِّجهم على الشرّ، مع أنَّ الخاتمة مجهولةٌ لا يعلمها غيرُه تعالى، فلعلَّه سبحانه يهديهم إلى الإِيمان. والظاهرُ أنَّ ((أو)» للانفصال الحقيقي. وقال الكرماني: هي للإضراب؛ ولذا كُرِّرت معها ((إنْ))، وقال ابنُ الأنباريّ: دَخَلَت ((أو)) هنا لسعة الأَمرين عند الله تعالى، ويقال لها: المُبيحة، كالتي في قولهم: جالِس الحسنَ أو ابنَ سيرين، فإنَّهم يَعنُون: قد وسَّعنا لك الأمر. وهو كما ترى. ﴿وَمَا أَرْسَلْتَكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا ﴾﴾ أي: موكولاً ومفوَّضاً إليك أمرُهم تَقسِرهم على الإِسلام وتُجبرهم عليه، وإنَّما أرسلناك بشيراً ونذيراً، فدارِهم ومُرْ أصحابَك بمداراتهم، وتحمُّلٍ أذيَّتهم، وتَرْكِ المشاقَّة مِعهم. وهذا قبل نزولِ آيَةِ السيف. ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ وبأحوالهم الظاهرة والباطنة، فيختار منهم النبوَّته وولايته مَن يشاء ممَّن تراه حكمتُه أهلاً لذلك، وهو ردٌّ عليهم إذ قالوا: بعيدٌ أن يكونَ يتيمُ ابن أبي طالب نبيًّا، وأن يكون العراةُ الجوَّعُ ـ كصهيب وبلال وخبَّاب وغيرهم - أصحابَه، دون أن يكون ذلك من الأكابر والصَّنادید. وذِكْرُ مَن في السماوات لإِبطال قولهم: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَتَبِكَةُ﴾ [الفرقان: ٢١] وذِكْرُ مَن في الأرض لردِّ قولِهِم: ﴿لَوْلَا نُزِلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] فلا يدلُّ تخصيصُهما بالذِّكر وتعلُّقهما بـ ((أعلم)) على اختصاص أعلمِيَّتِهِ تعالى بما ذُكر، فما قاله أبو عليٍّ من أنَّ الجارَّ متعلِّق بعَلِمَ محذوفاً ولا يجوز تعلُّقه بأَعلم لاقتضائه أنَّه سبحانه ليس بأَعلمَ بغير ذلك = ناشئٌ عن عدم العلمِ بما ذكرنا، على أنَّ أبا حيَّانَ(١) أَنكر تعدِّي عَلِمَ بالباء، وإنَّما يتعدَّى لواحدٍ بنفسه في مثل هذا الموضع. (١) في البحر ٦/ ٥٠. سُؤَدَةُ الإِسْرَاةِ ٥٥٤ الآية : ٥٥ ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبْتِنَ عَلَى بَعْضٍ﴾ بالفضائل النفسانيَّة، والمزايا القُدسية، وإنزالِ الكتب السماوية، لا بكثرة الأموالِ والأَتباع ﴿وَءَاتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا ﴾﴾ بيانٌ لحيثية تفضيلهِ عليه الصلاة والسلام، وأنَّه بإيتائه الزَّبورَ لا بإيتائه الملكَ والسَّلطنة، وفيه إيذانٌ بتفضيل نبيِّنا نَّهِ، فإنَّ كونه عليه الصلاة والسلام خاتم الأنبياء وأمَّتهِ خيرَ الأُمم ممَّا تضمَّنه الزَّبور، وقد أَخبر سبحانه عن ذلك بقوله عزَّ قائلاً: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِ الزُّورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ الصَّلِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] يعني محمداً وَّهِ وأمَّتَه. ونصَّ بعضهم أنَّ هذا من باب التلميحِ، نحو قصَّة المنصورِ وقد وعد الهُذليَّ بعدَةٍ فنسيها، فلمَّا حبجًا وأَتيا المدينة، قالَ له يوماً وهو يسايره: يا أميرَ المؤمنين، هذا بيتُ عاتکةً الذي یقول فیہ الأحوص: يا بيتَ عاتكةَ الذي أتغزَّلُ(١) ففَطِن لمراده حيث قال ذلك، ولم يسألْه، وعلم أنَّه يشير إلى قولِه في هذه القصيدة : وأَراك تفعل ما تقول وبعضُهمْ مَذِقُ اللسان يقول ما لا يفعلُ فأَنجز عِدَتَه. والزَّبور في الأصل وصفٌ للمفعول كالحَلوب، أو مصدرٌ كالقَبول. نعم هذا الوزنُ في المصادر قليل، والأكثرُ ضمُّ الفاء، وبه قرأ حمزة (٢)، وجَعَله بعضُهم على هذه القراءةِ جمعَ زِبْر، بكسر الزَّاي، بمعنى مزبور، ثم جُعل عَلَماً للكتاب المخصوص، وليس فيه من الأحكام شيء، أَخرج ابنُ أبي حاتمٍ عن الربيع بنِ أنسٍ قال: الزَّبور ثناءٌ على الله عزَّ وجلَّ ودعاءٌ وتسبيح. وأَخرج هو وابنُ جَرير (٣) عن (١) ديوانه ص ١٥٢، وعجزه: حَذَرَ العِدى وبه الفؤاد موّلُ. والخبر مذكور في ثمرات الأوراق ص١١٣، والأحوص هو ابن محمد بن عبد الله بن عاصم بن ثابت. وقيل: إن اسمه عبد الله، وإنَّه لقِّب الأحوص لحَوَص [وهو ضيق في مؤخر العينين أو في إحداهما] كان في عينيه. مات سنة (١٠٥ هـ). الشعر والشعراء ٥١٨/١، والأغاني ٢٢٤/٤، والأعلام ١١٦/٤. (٢) التيسير ص٩٨، والنشر ٢٥٣/٢. (٣) الدر المنثور ١٨٨/٤، وتفسير الطبري ١٤ / ٦٢٥ - ٦٢٦. الآية : ٥٥ ٥٥٥ سُؤَدَةُ الإِسْرَاة قتادةً قال: كنَّا نحدّث أنَّ الزبور دعاءٌ علّمه داود عليه السلام وتحميدٌ وتمجيدٌ لله عزَّ وجلّ، ليس فيه حلالٌ ولا حرام، ولا فرائضُ ولا حدود. والذي تدلُّ عليه بعضُ الآثار اشتمالُه على بعض النَّواهي والأوامر، فقد روى ابنُ أبي شيبة (١) أنَّه مكتوبٌ فيه: إنِّي أنا الله لا إله إلا أنا، ملكُ الملوك، قلوبُ الملوكِ بيدي، فأيُّما قوم كانوا على طاعة، جعلتُ الملوكَ عليهم رحمة، وأيُّما قومٍ كانوا على معصية، جعلتُ الملوكَ عليهم نقمة، فلا تَشغلوا أنفسكم بسبِّ الملوك، ولا تتوبوا إليهم وتوبوا إليّ، أَعطِفْ قلوبَهم عليكم. والمزاميرُ التي يُفْهَم منها الأمرُ والنهيُ كثيرةٌ فيه كما لا يخفى على من رآه. ومع هذا الفرقُ بينه وبين الثَّوراةِ ظاهر. ودخولُ ((أل)) عليه في بعض الآياتِ لِلَمح الأصل، وذلك لا ينافي العَلَمية، كما في العبَّاس والفضل. وجوِّز أن يكونَ نكرةً غيرَ عَلَم، ونُكِّر ليفيدَ أنَّه بعضٌ من الكتب الإلهية، أو من مُطلق الكتب، ولا إشكالَ أيضاً في دخول ((أل)) عليه، أي: آتيناه زَبوراً من الزُّبر. وجوِّز أن يكونَ مختصًّا بكتاب داود عليه السلام، ولیس بعَلَم، بل من غلبة اسم الجنس، وهو كالقرآن يُطلَق على المجموع وعلى الأَجزاء، وتقدَّم إفادةُ التنكيرِ للبعضية في قوله تعالى: (قَلِيلًا) فيجوز أن يكونَ المرادُ هنا: آتيناه بعضاً من الزَّبور فيه ذِكْرُهُ وَله . هذا ووجهُ ربطِ الآياتِ بما تقدَّم على هذا التفسير - على ما في ((الكشف)) - أنَّه تعالى لمَّا أَرشد نبيَّهَ بَّهِ إلى جواب الكفارِ بجدِّه في استهزائهم وتوقُّرِه في استخفافهم؛ ليكونَ أغيظَ لهم وأشجَى لحلوقهم، أَرشده إلى أن يَحمل أصحابَه أيضاً على ذلك، وأن يستثُّوا بسنَّته، وعلَّل ذلك بما اعترض به من أنَّ الشيطانَ بنزغه يَحمل على المخاشنة، فعلى العاقلِ الحازم ألَّ يغترَّ بوساوسه، كيف وقد تبيَّن له أنَّه عدوٌّ مبين؟ وقوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا) متعلِّق بجميع السابقِ من قوله تعالى: (قُلْ كُونُواْ) المشتملِ على مجادَلَته بالتي هي أحسنِ ((وقلٍ لعبادي» المشتملِ على حَملهم عليها إلى قوله سبحانه: (أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبَّكُمَّ) وقولُه عزَّ وجلَّ: (وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَن فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ) من تََّّة: ((إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً)) فإنَّهم طعنوا فيه - وحاشاه ـ تارةً (١) في مصنفه ١٣/ ١٨٧ . سُؤَةُ الإِسْرَاةِ ٥٥٦ الآية : ٥٥ بأنَّه شاعر، ساحر، مجنون، وأُخرى بنحو: ﴿لَوْلَا نُزِلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْفَرْبَيْنِ عَظِيمٍ﴾، و: ﴿لَوْ كَانَ خَيْرً مَّا سَبَقُونَاً إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١] فأجيب عن الأوَّل بما أُجيب، وعن الثاني بقولهِ سبحانه: (وَرَبُّكَ أَعْلَمُ)، وربك أعلم. وجوِّز أن يكونَ الخطابُ في قوله تعالى: (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ) إلخ للمؤمنين، ورُوي ذلك عن الكلبيّ، وأخرج الأوَّلَ ابنُ جَرير وابنُ المنذر عن ابن جُرَيج(١)، والمعنى: إنَّه تعالى إنْ يشأ يرحمكم أيُّها المؤمنون في الدنيا بإنجائكم من الكَفَرة ونصرِكم عليهم، أو إنْ يشأُ يعذِّبْكم بتسليطهم عليكم. والمرادُ بـ((التي هي أحسنُ)) المجادلةُ الحسنةُ، فكأنَّه تعالى لمَّا ذكر الحجَّة اليقينية في صحّة المعاد، أمر نبيَّه عليه الصلاة والسلام أن يقولَ للمؤمنين: إذا أردتم إِيرادَ الحجّة على المخالفين، فاذكروا الدَّلائلَ بالطريق الأَحسن، وهو ألَّ يكونَ ذلك ممزوجاً بالشَّتم والسَّبّ؛ لأنَّه لو اختلط به لا يَبَعُد أن يقابَلَ بمثله، فيزداد الغضبُ ويهيج الشَّرّ، فلا يحصُلُ المقصود، وأَشار سبحانه إلى ذلك بقوله عزَّ قائلاً: (إِنَّ الشَّيْطَنَ) إلخ. وضميرُ ((بينهم)) إمَّا للكفار، أو للفريقين. ورُوي أنَّ المشركين أَفرطوا في إيذاء المؤمنين، فشَكَوا إلى رسول اللهِ وَّهِ، فنزلت. وقيل: شتم عمرَ رجلٌ، فهمَّ ◌َلُه به، فأَمره الله تعالى بالعفو. قال في ((الكشف)): إنَّه على هذين القولَين الكلمةُ ((التي هي أحسنُ)) نحو: يَهديكم الله تعالى، وليست مفسَّرةً بـ ((ربُّكم أَعلمُ بكم))، وقولُه سبحانه: (إِنَّ الشَّيْطَنَ يَنْزَغُ) تعليلٌ للأمر بالاحتمال بأنَّ المخاشنةَ من فِعل الشيطان، والخطابُ في قوله تعالى: (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ) للمؤمنين، وفيه حتٌّ على المداراة، أي: فداروهم؛ لأنَّ ربَّكم أَعلمُ بكم، وبما يصلُحُ لكم من أوامر، إنْ يشأ يرحمْكم بقَبول أوامرِه ونواهيه، أو إن يشأ يعذِّبْكم بإبائكم، أو إن يشأ يرحمكم بالملاينة والتراحم؛ لأنه سبب السلامة عن أذى الكفار، أو إن يشأ يعذبكم بمخاشنتكم في غير إيَّانها ((وما أرسلناك عليهم وكيلاً)) فهؤلاء المؤمنون وهم أَتباعُك أَولى وأَولى بألّا يكونوا وكيلاً عليهم. (١) الدر المنثور ١٨٨/٤، وتفسير الطبري ١٤ / ٦٢٤ -٦٢٥. الآية : ٥٥ ٥٥٧ سُؤَةُ الإِسْراء ثم قال: والأوَّل أَوفقُ لتأليف النَّظم، وفي إفادة (ربكم أعلم بكم)) الحثَّ - على ما قرِّر - تكلُّف ما. اهـ. وقيل: المرادُ من ((عبادي)) الكفارُ، وحيث كان المقصودُ من الآيات الدعوةَ، لا يَبعُد أن يعبَّرَ عنهم بذلك؛ ليصيرَ سبباً لجذب قلوبِهم وميلِ طباعِهم إلى قَبول الدِّين الحقّ، فكأنَّه قيل: قل يا محمدُ لعبادي الذين أقرُّوا بكونهم عباداً لي: يقولوا التي هي أحسن، وهي الكلمةُ الحقَّة الدالّة على التوحيد وإثباتِ القدرةِ على البعث، وعرِّفْهم أنَّه لا ينبغي لهم أن يُصرُّوا على المذهب الباطل تعصُّباً للأَسلاف، فإنَّ ذلك من الشَّيطان، وهو للإِنسان عدوٌّ مبين، فلا ينبغي أن يُلتفتَ إلى قوله. والمرادُ من الأمر بالقول الأمرُ باعتقاد ذلك، وذَكَرَ القولَ لِمَا أَنَّه دليلُ الاعتقادِ ظاهراً، ثمَّ قال لهم سبحانه: (زَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَأْ يَرَحَمْكُمْ) بالهداية (أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبَكُمَّ) بالإِماتة على الكفر، إلَّا أنَّ تلك المشيئةَ غائبةٌ عنكم، فاجتهِدوا أنتم في طلب الدِّين الحقّ، ولا تصرُّوا على الباطل؛ لئلا تصيروا محرومين عن السَّعادات الأَبدية، والخيراتِ السَّرمدية. ثم قال سبحانه: (وَمَآ أَرْسَلْنَكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا) أي: لا تشدِّد الأمرَ عليهم، ولا تُغلِظ لهم بالقول. والمقصودُ من كلِّ ذلك إِظهارُ اللِّين والرِّفق لهم عند الدَّعوة؛ لأنَّه أقربُ لحصول المقصود. ثم إنَّه تعالى عمَّم عِلمَه بقوله: ((وربك أعلم .. )) إلخ، ويَحسُن - على هذا - ما رُوي عن ابن عباسٍ وأخرجه ابنُ أبي حاتم عن ابن سِيرين من تفسير ((التي هي أحسن)) بـ: لا إله إلا الله. ونقل ذلك ابنُ عطّيةً(١) عن فِرقةٍ من العلماء، ثم قال: ويَلزم عليه أنْ يرادَ بعبادي جميعُ الخلق؛ لأنَّ جميعَهم مدعوٌّ إلى قول: لا إله إلا الله، ويجيءُ قولُه سبحانه: (إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنفَعُ بَيْنَهُمْ) غيرَ مناسبٍ إلَّا على معنى: ينزغ خلالَهم وأثناءهم، ويفسَّر النزُ بالوسوسة والإِملال. ولا يخفى أنَّه في حيِّز المنع، وما ذَكَرَ من الدليل لا يتمُّ إلَّا إذا لم يكن للتخصيص نكتة، وهي هاهنا ظاهرة. (١) في المحرر الوجيز ٤٦٤/٣. سُؤَدَقُ الإسْراءِ ٥٥٨ الآية : ٥٦ ويكون قوله تعالى: ﴿قُلِ أَدْعُواْ الَّذِيْنَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ﴾ إلخ كالاستدلال على حقِّية ما دعاهم إليه من التوحيد. ورَبْطُه بما تقدم - على ما ذكرناه أوَّلاً - لا أظنُّه يخفى. والزَّعم بتثليث الزاي قريبٌ من الظنّ، ويقال: إنَّه القولُ المشكوكُ فيه، ويُستعمل بمعنى الكَذِب، حتى قال ابنُ عباس: كلُّ ما ورد في القرآن زعم فهو كَذِب. وقد يُطلَق على القول المحقّق والصدقِ الذي لا شكَّ فيه، فقد أخرج مسلمٌ(١) من حديث أنسٍ أنَّ رجلاً من أهل البادية - واسمُه: ضِمَام بنُ ثعلبة - جاء إلى رسول اللهِ وَّ﴾ فقال: يا محمد، أتانا رسولُك فزعم أنَّك تزعم أنَّ اللهَ تعالى أرسلك، قال: ((صدق .. )) الحديثَ، فإنَّ تصديق النبيِّ عليه الصلاة والسلام إيَّه مع قولِه: زعم، وتَزْعُم، دليلٌ على ما قلنا. وورد عن النبيِّ وَّ أنَّه قال: ((زعم جبريلُ عليه السلام كذا))(٢). وقد أَكثر سيبويه - وهو إمامُ العربية - في ((كتابه)) من قوله: زَعَمَ الخليل، زعم أبو الخطّابِ، يريد بذلك القولَ المحقَّق، وقد نقل ذلك جماعاتٌ من أهل اللغةِ وغيرِهم، ونقله أبو عمرَ الزاهدُ(٣) في شرح ((الفصيح)) عن شيخه أبي العباسِ ثعلب، عن العلماء باللُّغة من الكوفيين والبصريين. وهو ممَّا يتعدَّى إلى مفعولَين، وقد حُذفا هاهنا، أو ما يسدُّ مسدّهما، أي: زعمتم أنَّهم آلهة، أو: زعمتموهم آلهة، ويدلُّ عليه قولُه تعالى: (ِنِ دُونِ) وحَذْفُ المفعولَين معاً أو حذفُ ما يسدُّ مسدَّهما جائز، والخلافُ في حذف أحدهما. والظاهرُ أنَّ المرادَ من الموصول كلُّ مَن ◌ُبد من دون اللهِ سبحانه من العقلاء، وأَخرج عبدُ الرزاق(٤)، وابنُ أبي شيبة، والبخاريّ(٥)، والنَّسائي(٦)، والطبراني(٧)، وجماعةٌ عن ابن مسعودٍ قال: كان نفرٌ من الإِنس يعبدون نفراً من الجِنّ، فَأَسلم النفرُ من الجنِّ وتمسّك الإِنسيُّون بعبادتهم، فنزلت هذه الآية. وكان هؤلاء الإِنسُ (١) برقم (١٢)، وسلف ١٠٦/٦. (٢) أخرجه عبد بن حميد (١٩٢) عن أبي قتادة رضي الله، وسلف ١٠٦/٦. (٣) هو غلام ثعلب. (٤) في تفسيره ٣٧٩/٢-٣٨٠. (٥) في صحيحه (٤٧١٤) و(٤٧١٥). (٦) في الكبرى (١١٢٢٣) و(١١٢٢٤) و(١١٢٢٥). (٧) في الكبير (٩٠٧٧) و(٩٧٩٨)، والخبر في الدر المنثور ١٨٩/٤. الآية : ٥٦ ٥٥٩ سُورَةُ الإِسْرة من العرب كما صرَّح به في رواية البيهقيّ(١) وغيرِه عنه. وفي أخرى التصريحُ بأنَّهم من خزاعة (٢). وفي رواية ابن جَرير(٣) أنَّه قال: كان قبائلُ من العرب يعبدون صنفاً من الملائكة يقال لهم: الجِنّ، ويقولون: هم بناتُ اللّهِ سبحانه، فنزلت الآية. وعن ابن عباسٍ أنَّها نزلت في الذين أشركوا بالله تعالى، فعبدوا عيسى وأمَّه وعُزَيراً والشمسَ والقمرَ والكواكب. وعلى هذا ففي الآية - على ما في ((البحر)) (٤) - تغليبُ العاقلِ على غيره، ومتى صحَّ إِدراجُ الشمسِ والقمرِ والكواكبِ على سبيل التغليب، بناءً على أنَّها ليست من ذوي العلم، فليُدَرَج سائرُ ما عُبد بالباطل من الأَصنام ويُرتكبِ التغليب. وتعقِّب بأنَّ ما سيأتي قريباً إنْ شاء اللهُ تعالى من ابتغاء الوسيلةِ ورجاءِ الرحمةِ والخوفِ من العذاب يؤيِّد إرادةَ العقلاءِ، كعيسى وعُزَيرٍ عليهما السلام، بناءً على أنَّ الأصنامَ لا يُعقَل منها ذلك، وارتكابُ التغليبِ هناك أيضاً خلافُ الظاهرِ جدًّا . والدعاءُ كالنِّداء، لكنَّ النداءَ قد يقال إذا قيل: يا، أو: أَيَا، أو نحوُهما، من غيرٍ أن يضمَّ إليه الاسمُ، والدُّعاءُ لا يكاد يقال إلَّا إذا كان معه الاسم، نحو: يا فلان، وقد يُستعمل كلٌّ منهما موضعَ الآخَر، والمراد: ادعوهم لكشف الضُرِّ الذي هو أَولى من جلب النفعِ وأهمّ، وتوجُّهُ القلبِ إلى مَن يكشفه أَكملُ وأتمّ. ﴿فَلاَ يَمْلِكُونَ﴾ فلا يستطيعون بأنفسهم ﴿كَثْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ﴾ كالمرض والفقرِ والقحطِ وغيرِها ﴿وَلَا تَحْوِيلًا (﴾﴾ ولا نقله منكم إلى غيرِكم ممَّن لم يعبدهم. أو: ولا تبديلَه بنوع آخر، ومَن لا يملك ذلك لا يستحقُّ العبادة؛ إذ شرط استحقاقِها القدرةُ الكاملةُ التامَّة على دفع الضُّرِّ وجلبِ النفع، ولا تكونُ كذلك إذا كانت مُفاضةً من الغير. وكأنَّ المرادَ من نفي ملكِهم ذلك نفيُ قدرتهم التامَّةِ الكاملةِ عليه، وكونُ قدرة الآلهة الباطلةِ مفاضةً منه تعالى مسلَّم عند الكفرة؛ لأنَّهم لا يُنكرون أنَّها مخلوقٌ لله (١) في دلائل النبوة كما عزاه إليه السيوطي في الدر المنثور ١٨٩/٤، ولم نقف عليه عنده، وأخرجه أيضاً الطبري ٦٢٩/١٤، وأبو نعيم في دلائل النبوة (٢٥١)، ولعله المراد. (٢) تفسير السمرقندي ٢/ ٢٧٣ عن ابن عباس (٣) في تفسيره ١٤/ ٦٣٠. (٤) ٦ / ٥١ . سُورَةُ الإِسْرَةِ ٥٦٠ الآية : ٥٧ تعالى بجميع صفاتِها، وأنَّ اللهَ سبحانه أقوى وأكملُ صفةً منها. وبهذا يتمُّ الدليل ويحصل الإِفحام، وإلّا فنفيُ قدرةٍ نحو الجنِّ والملائكةِ الذين عُبدوا من دون الله تعالى مطلقاً على كشف الضُّرِّ ممَّا لا يظهر دليلُه، فإنَّه إنْ قيل: هو أنَّا نرى الكفرةَ يتضرعون إليهم ولا تحصلُ لهم الإِجابة، عورضَ بأنَّا نرى أيضاً المسلمين يتضرَّعون إلى الله تعالى ولا تحصُلُ لهم الإِجابة. وقد يقال: المرادُ نفيُ قدرتهم على ذلك أصلاً، ويحتجُّ له بدليل الأَشعريِّ على استناد جميعِ الممكناتِ إليه عزَّ وجلَّ ابتداء. وفسَّر بعضُهم الضُّرَّ هنا بالقحط، بناءً على ما رُوي أنَّ المشركين أَصابهم قحطٌ شديدٌ أكلوا فيه الكلابَ والجِيفَ، فاستغاثوا بالنبيِّ وَلّهِ ليدعوَ لهم، فنزلت. وأنت تعلم أنَّ هذا لا يوجب التخصيص. واستُدلَّ بهذه الروايةِ على أنَّ نفيّ الاستطاعةِ مطلقاً عن آلهتهم كان إذ ذاك مسلَّماً عندهم، وإلَّا لَمَا تركوها واستغاثوا بالنبيِّ وَّل ليدعوَ لهم. وفيه نظر، فانظر وتدبَّر. ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ أي: أولئك الآلهةُ الذين يدعونهم ويسمُّونهم آلهة، أو يَدْعونهم وينادونهم لكشف الضُّرِّ عنهم ﴿يَبْتَغُونَ﴾ يطلبون باجتهادٍ لأنفسهم ﴿إِلَى رَيِّهِمُ﴾ ومالكِ أمرهم ﴿اَلْوَسِيلَةَ﴾ القُربةَ بالطّاعة والعبادة. فضمير ((يدعون)) للمشركين، وضمير ((يبتغون)) للمشار إليهم. وقال ابنُ فُورَك: الضميرانِ للمشار إليهم، والمرادُ بهم الأنبياءُ الذين عُبدوا من دون اللهِ تعالى، ومفعولُ ((يدعون)) محذوف، أي: يدعون الناسَ إلى الحقّ، أو يدعون الله سبحانه ويتضرَّعون إليه جلَّ وعلا. وعلى هذا لا يتعيَّن كونُ المرادِ بهم الأنبياءَ عليهم السلام كما لا يخفَى. وهو كما ترى. وقرأ ابنُ مسعودٍ وقتادة: (تَدعون)) بالتاءِ ثالثةِ الحروف. وقرأ زيدُ بن عليٍّ ◌َّا: (يُدْعَون)) بالياءِ آخرِ الحروف مبنيًّا للمفعول. وقرأ ابنُ مسعودٍ تَظُه: ((إلى ربِّك)) بكاف الخطاب(١). واسمُ الإِشارةِ مبتدأ، والموصولُ نعتٌ أو بيان، والخبرُ جملة ((يبتغون))، أو الموصولُ هو الخبر، و((يبتغون)) حال، أو بدلٌ من الصِّلة. (١) البحر المحيط ٥١/٦-٥٢.