النص المفهرس
صفحات 481-500
الآية : ٢٤ ٤٨١ سُؤَدَةُ الإِسْرَاةِ لا يحتاج الولدُ إلى إِذنه في الجهاد ونحوِهِ، وحيث اعتبرنا إذنَ الوالد، فلا فرق بين أن يكونَ حرًّا أو عبداً. وقولنا: أو أن يخالفَه في سفر ... إلخ، أردنا به السفرَ لحجِّ التطوُّع حيث كان فيه مشقَّة، وأَخرجنا بذلك حجَّ الفرض، وإذا كان فيه رکوبُ البحرِ یجب رکوبُه عند غَلَبَة السَّلامة، فظاهرُ الفقهِ أنَّه لا يجب الاستئذانُ، ولو قيل بوجوبه لِمَا عند الوالدِ من الخوف في رُكوب البحرِ وإن غلبت السَّلامة، لم يكن بعيداً. وأمَّا سفرُه للعلم المتعيِّن، أو لفَرْض الكفاية، فلا منعَ فيه وإن كان يُمكنه التعلُّم في بلده، خلافاً لمن اشترط ذلك؛ لأنه قد يتوقَّع في السفر فراغَ قلب، وإرشادَ أستاذ، ونحوَ ذلك، فإن لم يتوقَّع شيئاً من ذلك، احتاج إلى الاستئذان. وحيث وجبت النفقةُ للوالد على الولدِ وكان في سفره تضييعٌ للواجب، فللوالد المنعُ، وأمَّا إذا كان الولدُ بسفره يحصِّل وقيعةً في العِرض لها وَقْع، بأن يكونَ أمردَ ويخاف من سفره تُهَمة، فإنَّه يمنع من ذلك، وذلك في الأُنثى أَوْلى، وأمَّا مخالفةُ أمرِه ونهيهِ فيما لا يدخل على الولد فيه ضررٌ بالكلِّية، وإنَّما هو مجرَّد إِرشادٍ للولد، فلا تكون عقوقاً، وعدمُ المخالفةِ أَولى. اهـ كلامُ البُلقينيّ. وذكر بعضُ المحقّقين أنَّ العقوق فعلُ ما يحصل منه لهما أو لأحدهما إيذاءٌ ليس بالهيِّن عرفاً، ويحتمل أنَّ العِبرة بالمتأذِّي، لكن لو كان الوالدُ مثلاً في غاية الحمقِ أو سفاهةِ العقل، فَأَمَرَ أو نهَى ولدَه بما لا يعدُّ مخالفتُه فيه في العرف عقوقاً، لا يفسق ولدُه بمخالفته حينئذٍ؛ لعذره، وعليه فلو كان متزوِّجاً بمن يحبُّها، فَأَمره بطلاقها ولو لعدم عفَّتها، فلم يمتثل أمرَه، لا إثمَ عليه، نعم الأفضلُ طلاقُها امتثالاً لأمر والدِهِ، فقد روى ابن حبَّان في ((صحيحه)» (١) أنَّ رجلاً أتى أبا الذَّرداءِ فقال: إنَّ أبي لم يزل بي حتى زوَّجني امرأةً، وإنَّه الآن يأمرني بفراقها، قال: ما أنا بالذي آمرُك أن تعقّ والديك، ولا بالذي آمرُك أن تطلقَ زوجتك، غير أنك إن شئتَ حدَّثْتُك بما سمعتُ عن رسول اللهِوَّرَ، سمعته يقول: ((الوالدُ أَوسطُ أبواب الجنة)) فحافِظُ على ذلك إن شئتَ أو دَعْ. (١) برقم (٤٢٥)، وهو عند الترمذي (١٩٠٠)، وابن ماجه (٢٠٨٩) بنحوه. ◌ُدَةُ الإِسْرَةِ ٤٨٢ الآية : ٢٤ وروى أصحاب السُّنن الأَربعة (١)، وابنُ حبَّان في ((صحيحه))(٢)، وقال الترمذيُّ: حديثٌ حسنٌ صحيح، عن ابن عمرَ ﴿يَا قال: كان تحتي امرأةٌ أحبُّها، وكان عمرُ يكرهها، فقال لي: طلِّقها، فأبيتُ، فأتى عمرُ رسولَ اللهِ وَلَّ، فذكر ذلك له، فقال رسولُ اللهِوَلِ: ((طلِّقها)). وكذا سائرُ أوامره التي لا حاملَ لها إلَّا ضعفُ عقلِهِ وسفاهةُ رأيه، ولو عُرضت على أرباب العقولِ لعَدُّوها متساهلاً فيها، ولَرأوا أنَّه لا إيذاءَ بمخالفتها، ثم قال: هذا هو الذي يتّجه في تقرير الحدّ. وتعقب ما نُقل عن البلقينيّ بأنَّ تخصيصه العقوقَ بفعل المحرَّم الصغيرة بالنّسبة للغير فيه وَقفة، بل ينبغي أنَّ المدار - على ما ذكر - من أنَّه لو فعل معه ما يتأذَّى به تأذِّياً ليس بالهيِّن عرفاً، كان كبيرةً وإن لم يكن محرَّماً لو فعله مع الغير، كان يلقاه فيقطّبَ في وجهه، أو يَقْدَمَ عليه في ملأٍ فلا يقومُ إليه ولا يعبأ به، ونحو ذلك مما يَقضي أهلُ العقلِ والمروءةِ من أهل العرفِ بأنّه مؤذٍ إيذاءً عظيماً، فتأمَّل. ثم إنَّ السببَ في تعظيم أمرِ الوالدين أنَّهما السببُ الظاهريُّ في إيجاده وتعيُّشه، ولا يكاد تكونُ نعمةُ أحدٍ من الخَلق على الولدِ كنعمة الوالدين عليه. لا يُقال عليه: إنَّ الوالدين إنَّما طلبا تحصيلَ اللذَّة لأنفسهما، فلَزِمَ منه دخولُ الولدِ في الوجود، ودخولُه في عالَم الآفات والمخافات، فأيُّ إنعام لهما عليه. وقد حُكِي أَّ واحداً من المتَّسمين بالحِكمة كان يضربُ أباه ويقول: هو الذي أَدخَلَني في عالَم الكونِ والفساد، وعرَّضني للموت والفقرِ والعمَى والزَّمانة، وقيل لأبي العلاءِ المعرِّي ولم يكن ذا ولدٍ: ما نكتبُ على قبرك؟ فقال: اكتُبوا عليه: وما جنيتُ على أحدْ(٣) هذا جناه أبي عليَّ وقال في ترك التزوُّج وعدمِ الولد: سبقتْ وصدَّت عن نعيم العاجلِ وتركتُ فيهم نعمةً العدم التي (١) سنن أبي داود (٥١٣٨)، والترمذي (١١٨٩)، وابن ماجه (٢٠٨٨)، والنسائي كما في تحفة الأشراف ٣٣٩/٥. (٢) برقم (٤٢٦) و(٤٢٧). (٣) معاهد التنصيص ١٤٥/١. الآية : ٢٥ ٤٨٣ سُؤَةُ الإِسْراءِ ولوَ انَّهِم وُلدوا لَنالوا شدَّةٌ تَرمي بهم في موبقات الآجل(١) وقال ابنُ رَشيق(٢): نالها الأُمَّهاتُ والآباءُ قبَّح اللهُ للَّةً لشَقانا ـدَ فإيجادنا علينا بلاء نحن لولا الوجودُ لم نألم الفقـ وقيل للإِسكندر: أستاذُك أَعظم مِنَّةً عليك أم والدُك؟ فقال: الأستاذ أعظمُ مِنَّة؛ لأنَّه تحمَّل أنواعَ الشدائدِ والمِحنَ عند تعليمي، حتى أَوقفني على نور العِلم، وأمَّا الوالدُ، فإنَّه طلب تحصيلَ لذّة الوِقاع لنفسه، فأَخرجني إلى عالم الكونِ والفساد. لأنَّا نقول(٣): هَبْ أنَّه في أوَّل الأمرِ كان المطلوبُ لذَّة الوِقاع، إلّا أن الاهتمامَ بإيصال الخيراتِ ودفعِ الآفات من أوَّل دخولِ الولدِ في الوجود إلى وقت بلوغهِ الكبَر، أعظمُ من جميع ما يتخيَّل من جهات الخيراتِ والمبرَّات. وقد يقال: لو كان الإِدخالُ في عالَم الكونِ والفساد، والتعريضُ للأكدارِ والأَنكادِ دافعاً لحقِّ الوالدين، لَزِم أن يكونَ دافعاً لحقِّ اللهِ تعالى؛ لأنَّه سبحانه الفاعلُ الحقيقيّ، وأيضاً يعارض ذلك التعريضَ التعريضُ للَّعيم المقيم، والثوابِ العظيم، كما لا يخفى على ذي العقلِ السَّليم، ولَعَمري إنَّ إنكار حقِّهما إنكارٌ لأَجلَى الأُمور، ومَن لم يجعل اللهُ له نوراً فما له من نور. ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِىِ نُفُوسِكُمْ﴾ مِن قصد البِرِّ إليهما، وانعقادٍ ما يجب من التوقير لهما. وهو - على ما قيل - تهديدٌ على أن يُضمرَ لهما كراهةً واستثقالاً . وفي ((الكشف)) أنَّه كالتعليل لما أكَّد عليهم من الإِحسان إلى الوالدين، بأنَّ اللهَ تعالى أعلمُ بما في ضمائرهم من ذلك، فمجازيهم على حَسَبه. والظاهرُ أنه وعدٌ لمن أَضمر البرَّ، ووعيدٌ لغيره، لكن غلِّب ذلك الجانبُ لأنَّ الكلامَ بالأَصالة فيه. (١) لزوم ما لا يلزم ١٣٣٦/٣ وفيهما اختلاف عن رواية المصنف. (٢) كذا قال المصنف رحمه الله، والبيتان في معجم الأدباء ٤١/١٠، والوافي بالوفيات ١٣/٣ ضمن قصيدة منسوبة لابن الشبل محمد بن الحسين أبي علي البغدادي. (٣) جواب لقوله: لا يقال عليه ... . سُورَةُ الإِسْرَاة ٤٨٤ الآية : ٢٦ ﴿إِن تَكُونُواْ صَلِحِينَ﴾ قاصدين الصلاحَ والبِرَّ دون العقوقِ والفساد ﴿فَإِنَّهُ﴾ تعالى شأنُه ﴿كَانَ لِلْأَرَّبِينَ﴾ أي: الراجعين إليه تعالى، التائبين عما فَرَطَ منهم مَّما لا يكاد يخلو منه البشرُ ﴿غَفُورًا (٥) لِمَا وقع منهم من نوعٍ تقصيرٍ أو أَذيّة. وهذا - كما في ((الكشف)) - تيسيرٌ بعد التأكيدِ والتعسيرِ مع تضييقٍ وتحذير، وذلك أنَّه شرط في البادرة التي تقع على النَّدرة قصدَ الصلاح، وعبَّر عنه بنفس الصَّلاح، ولم يصرِّح بصدورها، بل رمز إليه بقوله تعالى: ((فإنه كان للأوابين غفوراً) لدلالة المغفرة على الذنب والأَوَّابِ أيضاً، فإنَّ التوبةَ عن ذنبٍ يكون، فشرط (١) قصدَ الصَّلاح، وأن يتوبَ عنه مع ذلك التوبةَ البالغة، وهو استئنافٌ ثانٍ يقتضيه مقامُ التأكيدِ والتشديد، كأنَّه قيل: كيف نقوم بحقِّهما وقد يَندر بوادرُ؟ فقيل: إذا بنيتم الأمرَ على الأساس، وكان المستمرُّ ذلك، ثم اتَّفق بادرةٌ من غير قصدٍ إلى المساءة فلُطفُ اللهِ تعالى يحجز دون عذابِه قائماً بالكلاءة. وكونُ الآيةِ في البادرة تكونُ من الرَّجل إلى والديه مرويٌّ عن ابن جُبَير، وجوِّز أن تكونَ عامَّةً لكلِّ تائب، ويندرجُ الجاني على أبويه التائبُ من جنايته اندراجاً أوَّليًّا . ﴿وَءَاتِ ذَا اُلْقُرْبَ﴾ أي: ذا القرابةِ منك ﴿حَقَّهُ﴾ الثابتَ له. قيل: ولعلَّ المرادَ بذي القُربى المحارمُ، وبحقٌّهم النفقةُ عليهم إذا كانوا فقراءَ عاجزين عن الكسب، كما يُنبئُ عنه قوله تعالى: ﴿وَالْمِسْكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ﴾ فإنَّ المأمورَ به في حقِّهما المساواةُ المالية، أي: وآتِهما حقّهما ممَّا كان مفترَضاً بمكةً بمنزلة الزّكاة، وكذا النهيُ عن التبذير وعن الإِفراط في القبض والبسط، فإنَّ الكلَّ من التصرُّفات المالية. واستدلَّ بعضُهم بالآية على إيجاب نفقةِ المحارمِ المحتاجين وإن لم يكونوا أصلاً كالوالدين، ولا فرعاً کالولد. والكلامُ من باب التعميم بعدَ التخصيص، فإنَّ ذا القربى يتناول الوالدين لغةً وإنْ لم يتناوله عرفاً؛ فلذا قالوا في باب الوصيَّةِ المبنيةِ على العُرف: لَو أَوصَى (١) في (م): بشرط. الآية : ٢٦ ٤٨٥ سُؤَةُ الإِسْرَاة لذوي قرابتهِ، لا يدخلان. وفي ((المعراج)) (١) عن النبيِّ وَ ل *: ((مَن قال لأبيه: قريبي، فقد عقَّه)) والغرضُ من ذلك تناولُ غيرِهما من الأقارب والتوصيةُ بشأنه. وفي ((الكشف)) أنَّ الحقَّ أن إيتاءَ الحقِّ عامٌّ، والمقام يقتضي الشمولَ، فيتناول الحقَّ الماليَّ وغيرَه، من الصِّلة وحُسنِ المعاشرة، فلا تنتهض الآيةُ دليلاً على إيجاب نفقةِ المحارم. وتعقّب أنَّ قوله تعالى: ((حقه)) يُشعر باستحقاق ذلك؛ لاحتياجه، مع أنَّه إذا عمّ دخل فيه الماليُّ وغيرُه، فكيف لا تنتهض الآيةُ دليلاً؟! وأنا ممَّن يقول بالعموم وعدم اختصاص ذي القربى بذي القرابة الولاديَّة، والعطفُ وكذا ما بعده لا يدلُّ على تَخصيصٍ قطعاً، فتدبّر. وقيل: المرادُ بذي القربى أقاربُ الرسولِ وَّ، ورُوي ذلك عن السُّدِّي، وأخرج ابن جَرِيرٍ (٢) عن عليٍّ بن الحسينِ ﴿ مَا أَنَّه قال لرجلٍ من أهل الشَّام: أقرأتَ القرآن؟ قال: نعم، قال: أَفما قرأتَ في ((بني إسرائيل)): (وَءَاتِ ذَا الْقُرْبَ حَقَّهُ)؟ قال: وإنَّكم القرابةُ الذي أَمَرَ اللهُ تعالى أن يؤتَى حقَّه؟ قال: نعم. ورواه الشيعةُ عن الصَّادِق ◌َظُه. وحقُّهم توقيرُهم وإِعطاؤهم الخُمسَ. وضعِّف بأنَّه لا قرينةً على التخصيص. وأُجيب بأنَّ الخطاب قرينةٌ. وفيه نظرٌ، وما أَخرجه البزَّار، وأبو يَعلَى، وابنُ أبي حاتم، وابنُ مردويه عن أبي سعيد الخدريِّ من أنَّه لمَّا نزلت هذه الآيةُ دعا رسولُ اللهِوَّهِ فاطمةَ فأعطاها فَدَكاً(٣) = لا يدلُّ على تخصيص الخطابِ به عليه الصلاة والسلام، على أنَّ في القلب من صحَّة الخبرِ شيءٌ(٤)، بناءً على أنَّ السُّورة مكِّية، وليست هذه الآيةُ من المستثنَيات، وفدك لم تكن إذ ذاك تحت تصرُّف رسولِ الله ﴿، بل طَلَبُها ◌ِّ ذلك إرثاً بعد وفاتهِ عليه الصلاة والسلام كما هو المشهورُ = يأبى القولَ بالصحّة كما لا يخفَى. (١) لعله معراج الدراية إلى شرح الهداية لقوام الدين محمد بن محمد البخاري الكاكي، المتوفى سنة (٧٤٩هـ). (٢) في تفسيره ١٤ / ٥٦٣. (٣) الدر المنثور ١٧٧/٤، وكشف الأستار (٢٢٢٣)، ومسند أبي يعلى (١٠٧٥). (٤) وهذا شيء صحيح؛ ففي سنده عطية العوفي، وهو متروك على ما في مجمع الزوائد ٤٩/٧. سُؤَةُ الإشرارة ٤٨٦ الآية : ٢٦ نهيٌّ عن صرف المالِ إلى مَن لا يستحقُّه؛ فإنَّ التبذير ﴿وَلَا نُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إنفاقٌ في غير موضعهِ، مأخوذٌ من تفريق البِذر وإِلقائه في الأرض كيفما كان من غير تعهُّدٍ لمواقعه. وقد أخرج ابنُ المنذر، وابنُ أبي حاتم، والطبرانيُّ، والحاكمُ وصحَّحه، والبيهقيُّ في ((الشُّعب))(١) عن ابن مسعودٍ أَّه قال: التبذيرُ: إنفاق المالِ في غیر حقِّه. وفي ((مفردات)) الرَّاغب(٢) وغيره أنَّ أصلَه إلقاءُ البذرِ وطرحُه، ثم استُعير لتضييع المال، وعَدَّ من ذلك بعضُهم تشييدَ الدارِ ونحوه. وفرَّق الماورديُّ بينه وبين الإِسراف بأنَّ الإسرافَ تجاوزٌ في الكمية، وهو جهلٌ بمقادير الحقوق، والتبذير تجاوزٌ في موقع الحقِّ، وهو جهلٌ بالكيفية وبمواقعها، وكلاهما مذمومٌ، والثاني أَدخلُ في الذَّمّ. وفسَّر الزمخشريُّ(٣) التبذيرَ هنا بتفريق المالِ فيما لا ينبغي، وإنفاقِه على وجه الإِسراف، وذكر أنَّ فيه إشارةً إلى أنَّ التبذيرَ شاملٌ للإسراف في عرف اللغة، ويراد منه حقيقةٌ (٤)، وإنْ فرِّق بينهما بما فرِّق. وفي ((الكشف)) بعد نقلِ الفرقِ والنصِّ على أنَّ الثانيَ أدخلُ في الذمّ: إنَّ الزمخشريَّ لم يَغِب ذلك عليه؛ لأنَّ الاشتقاق يُرشد إليه، وإنَّما أراد أنَّه في الآية يتناول الإسرافَ أيضاً بطريق الدَّلالة؛ إذ لا يفترقان في الأَحكام، لاسيَّما وقد عقَّبه سبحانه بالحثِّ على الاقتصاد المناسبِ لاعتبار الكِّيَّة، المرشدِ إلى إرادته من النصّ. وتعقِّب بأنه إذا كان التبذيرُ أَدخلَ في الذمِّ من الإِسراف، كيف يتناولُه بطريق الدَّلالة، والنهيُ عن الإِسراف فيما بعدُ يُبعد إرادتَه هاهنا؟ فتأمَّل. (١) الدر المنثور ٤ / ١٧٧، والمعجم الكبير (٩٠٠٥) و(٩٠٠٦) و(٩٠٠٧) و(٩٠٠٨) و(٩٠٠٩)، ومستدرك الحاكم ٣٦١/٢، وشعب الإيمان ٠٢٥٠/٥ (٢) مادة (بذر). (٣) في الكشاف ٢/ ٤٤٦ . (٤) في حاشية الشهاب ٦/ ٦٢ - والكلام منه -: حقيقته. الآية : ٢٧، ٢٨ ٤٨٧ سُورَةُ الإِسْرَاءِ ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِنَ كَانُواْ إِخْوَنَ الشَّيَاطِينِ﴾ تعليلٌ للنهي عن التبذير ببيانِ أنَّه يجعل صاحبَه مَلزُوزاً في قَرن الشَّياطين. والإخوانُ جمعُ: أخ، والمرادُ به المماثلُ مجازاً، أي: أنَّهم مماثلون لهم في صفات السوءِ، التي من جملتها التبذيرُ. أو الصديقُ والتابعُ مجازاً أيضاً، أي: أنَّهم أصدقاؤهم وأَتْباعهم فيما ذُكر من التبذير والصَّرفِ في المعاصي، فإنَّهم كانوا يَنْحرون الإِبل ويتياسرون عليها، ويبذرون أموالَهم في السُّمعة وسائرِ مالا خيرَ فيه من المناهي والملاهي. أو القرينُ كما سبق أيضاً، أي: أنَّهم قرناؤهم في النَّار على سبيل الوعيد. ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ، كَفُورًا (٦)﴾ من تتمَّة التعليل، أي: مبالغاً في كُفران نِعَمِه تعالى؛ لأنَّ شأنه صرفُ جميع ما أعطاه الله تعالى من القُوى والقُدَر إلى غير ما خُلقت له، من أنواع المعاصي والإِفَسادِ في الأرض، وإضلالِ الناسِ وحَمْلهم على الكفر بالله تعالى، وكفرانِ نِعَمِه الفائضةِ عليهم، وصرفِها إلى غير ما أَمر اللهُ تعالى به. وفي تخصيص هذا الوصفِ بالذِّكر من بين صفاتِهِ القبيحةِ إيذانٌ بأنَّ التبذيرَ الذي هو عبارةٌ عن صرف نِعَم اللهِ تعالى إلى غير مصرفِها من باب الكُفرانِ المقابلِ للشُّكر الذي هو صرفُها إلى ما خُلقت له. وفي التعرُّض لعنوان الربوبيةِ إشعارٌ بكمال عتوِّه كما لا يخفَى. ويُشعر كلامُ بعضِهم بجواز حملِ الكفرِ هنا على ما يقابل الإيمانَ. وليس بذاك. ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنَهُ﴾ أي: عن ذي القُربى والمسكينِ وابن السَّبيل، على ما هو الظَّاهر. وقيل: عن السَّائلينِ مطلقاً. والإِعراضُ في الأصل إظهارُ العُرْض، أي: الناحية، فمعنى أَعرضَ عنه: ولَّى مُبدياً عُرضَه. والمرادُ به هنا حقيقتُه على ما قيل، بناءً على ما رُوي من أنَّه وَليهِ كان إذا سئل شيئاً ليس عنده، صرفَ وجهَه الشريفَ وسكت، فنزلت: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ أَنْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّنِ زَّكَ تَرْجُوهَا﴾ والخطاب عامٌّ لَه وَّله ولغيره. والمرادُ بالرَّحمة - على ما أخرج ابنُ جَرِير (١) عن ابن عباسٍ ومجاهدٍ والضَّّاك ـ الرِّزق. ونصب ((ابتغاء)) على أنَّه مفعولٌ له. قال في ((الكشف)): قد أُقيم ابتغاءُ الرزقِ مُقَامَ فُقدانه، وفيه لُطف، فكان ذلك (١) في تفسيره ١٤/ ٥٧٠-٥٧١. سُورَةُ الإِسْرَاءِ ٤٨٨ الآية : ٢٨ الإِعراض لأَجل السعي لهم، وهو من وضع المسبَّب موضعَ السببِ كما أَوضحه في (الكشّاف))(١)، وقد يفَسَّر الابتغاءُ بالانتظار، ويجوز جعلُه في موضع الحالِ من ضمير ((تعرضن)) أي: مبتغياً. وجَعلُه حالاً من الضمير المجرورِ بعيدٌ. وجوِّز أن يكونَ الإِعراضُ كنايةً عن عدمِ النَّفع وتركِ الإِعطاء؛ لأنه لازِمُه عرفاً، والابتغاءُ مجازاً عن عدم الاستطاعة، والتعلَّق أيضاً بالشَّرط. وأُيِّد ذلك بما أَخرَجه سعيدُ بن منصورٍ وابنُ المنذر عن عطاءِ الخراسانيّ قال: جاء ناسٌ من مُزَينةً يستحملون رسولَ اللهِ لّه، فقال: ((لا أجد ما أحملكم عليه)) فتولَّوا(٢) وأعينهم تفيض من الدمع حزناً، ظنُّوا ذلك من غضب رسولِ اللهِ عليه الصلاة والسلام عليهم، فأنزل الله سبحانه: (وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ) الآية. وفشِّر الرحمةُ بالفيء، لكن أنت تعلم أنَّ هذا غيرُ ظاهر، بناءً على ما سمعتَ من أنَّ هذه السورةَ مكِّية، والآيةُ المذكورةُ ليست من المستثنَيَات، وكأنَّه لهذا قيل: إنَّ المعنى: إنْ ثبت وتحقَّق في المستقبل أنَّك أعرضتَ عنهم في الماضي ابتغاءَ رحمةٍ من ربِّك ترجوها، فقل .. إلخ، والمرادُ سببيةُ الثبوتِ للأَمر بالقول، فتأمَّل. وجوِّز أن يتعلَّق ((ابتغاء)) بجواب الشَّرط، أعني قولَه تعالى: ﴿فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا (٨)﴾ أي: إمَّا تُعرضنَّ عنهم، فقل لهم ذلك ابتغاءَ رحمةٍ من ربِّك. وقدَّم هذا الوجهَ على سائر الأوجهِ الزمخشريُ(٣) . واعتُرض بأنَّ ما بعد الفاءِ لا يعمل فيما قبلَها في غير بابٍ ((إمَّا)) وما يلحق بها. وأُجيب بأنَّه ذكره على المذهب الكوفيِّ المجوِّز للعمل مطلقاً. أَو أراد التعلُّق المعنويَّ، فَيُضمَر ما يَنصبه ويُجعلُ المذكورُ جارياً مَجرى التفسير. والإِعراضُ - على هذا - على حقيقته، واحتمالُ كونهِ كنايةً مختصٌّ بتعلُّقه بالشَّرط على ما زعمه الطَّبيُّ، والحقُّ عدم الاختصاصِ كما لا يخفَى. وجملةُ ((ترجوها)) على سائر الأَوجُه يحتمل أن تكونَ وصفاً لـ ((رحمة))، وأن تكونَ (١) ٢/ ٤٤٧ . (٢) في الأصل(م): تولوا، وكذا وردت في الدر المنثور ١٧٧/٤-١٧٨، والمثبت من أسباب النزول للسيوطي ص٢٢٧ . (٣) في الكشاف ٢/ ٤٤٧. الآية : ٢٨ ٤٨٩ سُورَةُ الإشرارة حالاً من الفاعل، و((من ربك)) متعلِّق بـ ((ترجوها)). وجوِّز أن يكونَ صفةً لـ ((رحمة)). والميسورُ اسمُ مفعول، من يُسِر الأمرُ، بالبناء للمجهول، مثل: سُعِد الرجل، ومعناه: السَّهل، أي: فقل لهم قولاً سهلاً ليِّناً وعِدهم وعداً جميلاً. قال الحسن: أُمر أن يقولَ لهم: نَعَم وكرامة، وليس عندنا اليومَ، فإنْ يأتِنا شيءٌ نَعرِفْ حقَّكم. وقيل: الميسورُ مصدر، وجُعل صفةً مبالغة، أو بتقديرٍ مضاف، أي: قولاً ذا ميسور، أي: يُسر، والمرادُ به القولُ المشتمل على الدُّعاء باليسر، مثل: أَغناكم اللهُ تعالى ويسَّر لكم. وفسَّره ابنُ زيد بِرَزَقنا اللهُ تعالى وإِيَّاكم، بارك الله تعالى فيكم. وتعقِّب ذلك بأنَّ الميسورَ معناه ذا يُسر؛ ولهذا وقع صفةً لقول، فأيُّ ضرورةٍ في أن يجعلَ مصدراً ثم يؤوَّلَ بذا ميسور. ودُفع بأنَّه إذا أُريد القولُ المشتملُ على الدُّعاء، لا يكون القولُ حينئذٍ ميسوراً، بل ميسِّر (١) لِمَا أرادوه. وميسورٌ مصدراً مما ثبت في اللُّغة من غير تكلُّف، فجعله صفةً مبالغة، أو بتقدیر مضافٍ، له وجهٌ وجيه، وفيه تأمُّل. والحقُّ أنَّ اعتبارَه مصدراً خلافُ الظاهر، وفي الآية على القول الأخيرِ دلالةٌ على أنَّ الدعاءَ للسائل ممَّا لا بأسَ به، وعن الإِمام مالكٍ رحمه الله تعالى أنَّه كان لا يرى أن يقالَ للسَّائل إذا لم يُعطَ شيئاً: رزقك الله تعالى، ونحوُه، قائلاً: إنَّ ذلك ممَّا يَثقل عليه ويَكره سماعَه، ولا ينبغي أن يذكرَ اسمُ اللهِ تعالى لمن لا يهشُّ له. ولَعمري إنَّه مغزّی بعید. وأفاد بعضُهم أنَّ في الآية دليلاً على النَّهي عن الإِعراض بالمعنى الأوَّل، فإنَّ المعنى: إن أردتَ الإعراضَ عنهم، فقل لهم قولاً ميسوراً ولا تُعرض. وله وجهٌ وجیه، لا یخفَی علی مَن له بصرٌ حدید. واستشكل العزّ بن عبدِ السلام جعلَ ((ابتغاء)» من متعلِّقات الشرطِ بأنَّا مأمورون بالردِّ الجميل إن انتظرنا شيئاً يحصلُ لنا أو لم ننتظر. وأجاب بأنَّ المرادَ بالقول الميسورِ الوعدُ بالعطاء، فيكون مفادُ الآية: لا تَعِدوا إلَّا إذا كنتم على رجاءٍ من حصول ما تَعِدون به، فالتقييدُ بالابتغاء في غاية المناسبةِ للشَّرط؛ لأنَّه لا يَحسن الوعدُ عند عدمِ الرَّجاء، لِمَا أنه يؤدِّي إلى الإِخلاف. وهو كما ترى. (١) في حاشية الشهاب: ٦/ ٢٧: ميسراً. سُورَةُ الإِسْرَاءِ ٤٩٠ الآية : ٢٩ ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُوْلَةٌ إِلَى عُنُقِكَ وَلَا نَبْسُطَهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ تمثيلانِ لمنع الشَّحيح وإسرافِ المبذِّر، زجراً لهما عنهما، وحملاً على ما بينَهما من الاقتصاد والتوسُّطِ بين الإِفراطِ والتفريط، وذلك هو الجودُ الممدوح، فخيرُ الأمورِ أوساطُها. وأَخرج أحمدُ وغيرُه عن ابن عباسٍ قال: قال رسولُ اللهِ نَّهِ: ((ما عالَ مَن اقتصد))(١)، وأخرج البيهقيُّ(٢) عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَّر: ((الاقتصادُ في النفقة نصفُ المعيشة))، وفي روايةٍ عن أنسٍ مرفوعاً: ((التدبيرُ نصفُ المعيشة، والتودُّد نصفُ العقل، والهمُّ نصفُ الهرم، وقلَّة العيالِ أحدُ اليسارَين))(٣)، وكان يقال: حسنُ التدبيرِ مع العفاف، خيرٌ من الغنى مع الإِسراف. ﴿فَنَفْعُدَ مَلُومًا﴾ أي: فتصيرَ ملوماً عند اللهِ تعالى وعندَ الناس ﴿تَحْسُورًا ٢٢٩ نادماً مغموماً، أو منقطعاً بك لا شيءَ عندك. مِن: حَسَره السفرُ: أَعياه وأَوقفه حتى انقطعَ عن رُفقته. قال الراغبُ (٤): يقال للمُعْيي: حاسرٌ ومحسور، أمَّا الحاسر، فتصور أنَّه قد حَسَرَ بنفسه قُواه، وأما المحسورُ، فتصور أنَّ التعبَ قد حسره. وهذا بيانُ قبحِ الإسرافِ المفهوم من النَّهي الأخير، وبيِّنُ في أَثره؛ لأنَّ غائلةَ الإِسراف في آخِرِه، وحيث كان قبحُ الشحِّ المفهومِ من النهي الأوَّل مقارِناً له معلوماً من أوَّل الأمر، رُوعي ذلك في التصوير بأقبحِ الصُّوَر، ولم يُسلَك فيه مسلكُ ما بعده. كذا قيل، وفي أَثرٍ عن ابن عباسٍ ﴿ّ - أخرجه عنه ابنُ جَرير وابنُ أبي حاتم(٥) - ما يقتضيه. وقال بعضُ المحقّقين: الأَوْلى أن يكونَ ذلك بياناً لقبح الأَمرين ويُعتبر التوزيعُ: ((فتقعد)) منصوبٌ في جواب النَّهيَين، والملومُ راجعٌ إلى قوله تعالى: (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةٌ إِلَى عُنُفِكَ) كما قيل: (١) أخرجه أحمد (٤٢٦٩) من حديث عبد الله بن مسعود ربه. وأخرجه عن ابن عباس. الطبراني في الكبير (١٢٦٥٦). (٢) في الشعب ٢٥٤/٥ -٢٥٥. (٣) أخرجه القضاعي في مسند الشهاب (٣٢) عن علي (٤) في المفردات (حسر). (٥) الدر المنثور ١٧٨/٤، وتفسير الطبري ٥٧٤/١٤-٥٧٥ . الآية : ٢٩ ٤٩١ سُؤَدَّةُ الإِشْرَاةِ إنَّ البخيلَ ملومٌ حيثما كانا(١) والمحسورُ راجعٌ إلى قوله سبحانه: (وَلَا نَبْسُطُهَا) وليس ببعيد. وفي ((الكشاف)): عن جابر: بينا رسولُ اللهِنَ ◌ّل﴿ جالسٌ، إذ أتاه صبيٍّ فقال: إنَّ أمِّي تستكسيك درعاً، فقال: ((من ساعةٍ إلى ساعةٍ يظهر، فعُد إلينا)) فذهب إلى أمِّه فقالت: قل له: إنَّ أمِّي تستكسيكَ الدِّرعَ الذي عليك، فدخل ◌َِّ دارَه، ونزع قميصَه وأعطاه وقعد عُرياناً، وأذَّن بلالٌ وانتظر، فلم يخرج عليه الصلاة والسلام إلى الصَّلاة، فنزلت(٢). وأنت تعلمُ أنه يأبى هذا كونُ السورةِ مِّية، والآيةُ ليست من المستثنَيات، ولعل الخبرَ لم يَثبت، فعن وليِّ الدين العراقيِّ أنَّه لم يجده في شيءٍ من كتب الحديث. أي: بهذا اللَّفظ، وإلا فقد أخرج ابنُ مردويه عن ابن مسعودٍ قال: جاء غلامٌ إلى النبيِّ وَّه فقال: إن أمِّي تسألكَ كذا وكذا، فقال: ((ما عندنا اليومَ شيء)) قال: فتقولُ لك: أكسُني قميصَك، فخلع عليه الصَّلاة والسلام قميصه فدفعه إلیه، وجلسَ في البيت حاسراً، فنزلت(٣). وأَخرج ابنُ أبي حاتمٍ عن المِنهال بن عَمٍو نحوَه(٤)، وليس في شيءٍ منهما حديثُ أذانِ بلالٍ وما بعده. وقيل: إنَّه عليه الصلاة والسلام أَعطى الأَقرِعَ بن حابسٍ مئةً من الإِبل وعيينةَ بن حصن الفَزاري، فجاء عباسُ بن مِرداس، فأنشأ يقول: دِ بين عيينةَ والأَقرعِ أَتجعلُ نهبي ونهبَ العُبيـ يفوقان مرداسَ في مَجمْعٍ وما كان حِصِنٌ ولا حابسٌ ومَن يُخفَض اليومَ لم يُرفعِ وما كنتُ دون امرئٍ منهما (١) البيت بتمامه - كما في دیوان زهير بن أبي سلمی ص١٥٢ -: إن البخيل ملوم حيث كان ولـ كنَّ الجواد على عِلَّاته هَرِمُ (٢) الكشاف ٢/ ٤٤٧ . (٣) أسباب النزول للسيوطي ص٢٢٨، وأورده أيضاً في الدر المنثور ١٧٨/٤ لكن عزاه لابن جرير. (٤) الدر المنثور ١٧٨/٤. سُورَةُ الإِسْرَاءِ ٤٩٢ الآية : ٣٠ فقال ◌َله: ((يا أبا بكرٍ، إِقطع لسانَه عني، أَعطِه مائةً من الإِبل)) وكانوا جميعاً من المؤلّفة قلوبُهم، فنزلتُ(١). وفيه الإِباءُ السابقُ كما لا يخفَى. وكذا ما أَخرجه سعيدُ بن منصورٍ وابنُ المنذر عن سيار أبي الحكم قال: أتى رسولَ اللهِ وَّرَ بَزّ من العراق، وكان مِعطاءً كريماً، فقسمه بين الناس، فبلغ ذلك قوماً من العرب، فقالوا: نأتي النبيَّ وَّ نسأله، فوجدوه قد فرغَ منه، فأنزل الله تعالى الآيةَ(٢). ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ تعليلٌ لقوله سبحانه: (وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُ) إلخ، كأنَّه قيل: إن أَعرضتَ عنهم لفقد الرِّزق، فقل لهم قولاً ميسوراً، ولا تهتمَّ لذلك؛ فإنَّ ذلك ليس لهوانٍ منك عليه تعالى، بل لأنَّ بيده جَلَّ وعلا مقاليدَ الرِّزق، وهو سبحانه يُوسِّعه على بعضٍ ويضيِّقه على بعض، حَسبما تتعلَّق به مشيئته التابعةُ للحكمة، فما يَعرضُ لك في بعض الأحيانِ من ضيق الحالِ الذي يُحوجك إلى الإِعراض ليس إلَّا لمصلحتك، فيكون قولُه تعالى: (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ) إلخ معترِضاً، تأكيداً لمعنى ما تقتضيه حكمتُه عزَّ وجلَّ من القبض والبسط. وقولُه تعالى: ﴿إِنَّهُ﴾ سبحانه ﴿كَانَ﴾ لم يَزَل ولا يزال ﴿بِعِبَادِهِ،﴾ جميعِهم ﴿خَيرًا﴾ عالماً بسرِّهم ﴿بَصِيرًا ﴾﴾ عالماً بعَلَنهم، فيعلمُ من مصالحهم ما يخفىَ عليهم = تعليلٌ لسابقه. وجوِّز أن يكونَ ذلك تعليلاً للأمر بالاقتصاد المستفادِ من النَّهَيَين؛ إمَّا على معنى أنَّ البسطَ والقبضَ أمران مختصَّان بالله تعالى، وأمَّا أنت فاقتصِد واترُك ما هو مختصّ به جلَّ وعلا. أو على معنى أنَّكم إذا تحقَّقتم شأنَه تعالى شأنُه، وأنَّه سبحانه يَبسط ويَقبض، وأَمعنتم النظرَ في ذلك، وجدتموه تعالى مقتصِداً، فاقتصدوا أنتم واستنُّوا بسنَّته. وجعله بعضُهم تعليلاً لجميع ما مرَّ، وفيه خفاءٌ كما لا يخفى. وجوِّز كونُه تعليلاً للَّهي الأخير، على معنى: إنَّه تعالى يَبسط ويَقبض حَسَبَ مشيئته، فلا تبسطوا على مَن قَدَرَ عليه رزقه. وليس بشيءٍ . (١) أخرجه بنحوه مسلم (١٠٦٠) من حديث رافع بن خديج ربه، وينظر الكافي الشاف ص٩٩. (٢) الدر المنثور ١٧٨/٤ . الآية : ٣١ ٤٩٣ سُورَةُ الإِسْرَاة وجوِّز أيضاً كونُه تمهيداً لقوله سبحانه: ﴿وَلَا نَقْتُواْ أَوْلَدَّكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَقٍ﴾ واستُبعد بأنَّ الظاهرَ حينئذٍ: فلا . والإِملاق: الفقرُ، كما رُوي عن ابن عباسٍ وأَنشد له قولَ الشاعر: وإنِّي على الإِملاق يا قوم ماجدٌ أُعدُّ لأضيافي الشِّواءَ المُضَهَّبا(١) وظاهرُ اللفظِ النهيُ عن جميع أنواع قتل الأولاد، ذكوراً كانوا أو إناثاً، مخافةً الفقرِ والفاقة، لكن رُوي أنَّ من أَهل الجاهليةِ مَن كان يَئد البناتِ مخافةَ العجزِ عن النفقة عليهنَّ، فنُهي في الآية عن ذلك، فيكون المرادُ بالأولاد البنات وبالقتل الواد. والخشيةُ في الأَصل خوفٌ يَشوبه تعظيم، قال الرَّاغب(٢): وأَكثر ما يكونُ ذلك عن علمٍ بما يخشَى منه. وقُرئ بكسر الخاءِ (٣). والظاهرُ أنَّ هذا النهيَ معطوفٌ على ما تقدَّم من نظيره. وجوَّز الطبرسيُّ(٤) أن يكونَ عطفُه على قوله سبحانه: (أَلَّا تَعْبُدُوَأْ إِلَّ إِيَّاهُ) وحينئذٍ فيحتملُ أن يكونَ الفعلُ منصوباً بـ ((أنْ)) كما في الفعل السَّابق. ﴿أَغْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ ضمانٌ لرزقهم، وتعليلٌ للَّهي المذكور بإِبطال موجِبه في زعمهم، أي: نحن نرزقهم لا أنتم، فلا تخافوا الفقرَ بناءً على عِلمكم بعجزهم عن تحصيل رزقِهم. وتقديمُ ضميرٍ الأولاد على ضمير المخاطَبين على عكس ما وقع في سورة الأنعام؛ للإشعار بأَصالتهم في إفاضة الرِّزق، وعارَضَ هذه النُّكتةَ هناك تقدُّمُ ما يستدعي الاعتناءَ بشأن المخاطَبين من الآيات. كذا قيل. وجوَّز المولى شيخُ الإِسلام(٥) كونَ ذلك لأنَّ الباعثَ على القتل هناك الإِملاقُ (١) الدر المنثور ١٧٩/٤، واللحم المُضَهَّب: الذي قد شوي على جمر محمَّى. اللسان (ضهب). (٢) في المفردات (خشي). (٣) البحر المحيط ٦/ ٣٢. (٤) في مجمع البيان ٤٥/١٥ . (٥) في إرشاد العقل السليم ١٦٩/٥. سُورَةُ الإِسْرَاة ٤٩٤ الآية : ٣١ الناجز، ولذلك قيل: ﴿مِّنْ إِمْلَقٍّ﴾ [الأنعام: ١٥١] وهاهنا الإِملاقُ المتوقَّع؛ ولذلك قيل: ((خشية إِملاق)) فكأنَّه قيل: ((نرزقُهم)) من غير أن يَنقصَ من رزقكم شيءٌ فيعتريكم ما تخشَونه ((وإِيًّاكم)) أيضاً رزقاً إلى رزقكم. ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا ﴾﴾ تعليلٌ آخَر ببيان أنَّ المنهيَّ عنه في نفسه منكَرٌ عظيم؛ لِمَا فيه من قطع التناسلِ وقطعِ النوع. والخِظْءُ كالإِثم، لفظاً ومعنّى، وفعلُهما من باب عَلِمَ. وقرأ أبو جعفرٍ، وابنُ ذكوان عن عامر: ((خَطَأَ)) بفتح الخاءِ والطاءِ من غير مدِّ (١). وخرَّج ذلك الزجَّاجُ(٢) على وجهين: الأوَّل: أن يكونَ اسمَ مصدرٍ من: أَخطأ يُخطئ، إذا لم يُصِب، أي: إنَّ قتلَهم كان غيرَ صواب. والثاني: أن يكونَ لغةً في الخِظْء، بمعنى الإِثم، مثل: مِثل ومَثَل، وحِذْر وحَذَر، فمَن استشكل هذه القراءةَ بأنَّ الخطأ ما لم يتعمَّد - وليس هذا محلَّه - فقد نادَى على نفسه بقلَّة الاطلاع. وقرأ ابنُ كَثير: ((خِطَاءً)) بكسر الخاءِ وفتحِ الطاء والمدِّ(٣). وخُرِّج على وجهيَن أيضاً: الأوَّل: أن يكونَ لغةً في الخِطِ بمعنى الإثم، مثل: دِبْغ ودِباغ، ولِبْس ولباس. والثاني: أن يكونَ مصدرَ: خاطَأَ يخاطئُ خِطاءً، مثل: قاتَلَ يقاتل قِتالاً. قال أبو عليٍّ الفارسيُّ(٤): وإنْ كنّا لم نجد: خاطَّاً، لكن وُجد: تخاطأَ (٥) مطاوعُه، فدلَّنا عليه، وذلك في قولهم: تخطّأت(٦) الثَّبلُ أحشاءَه (١) التيسير ص ١٤٠، والنشر ٣٠٧/٢. (٢) في معاني القرآن ٢٣٦/٣. (٣) التيسير ص ١٣٩، والنشر ٣٠٧/٢. (٤) في الحجة ٩٦/٥ -٩٧. (٥) في (م): تخطأ . (٦) كذا في اللسان (خطأ)، وفي الحجة ٩٧/٥، والصحاح (خطأ)، وتفسير القرطبي ٧١/١٣، والبحر ٣٢/٦: تخاطأت. والبيت لأوفى بن مطر، وعجزه: وأخّر يومي فلم يُعجّل. الآية : ٣٢ ٤٩٥ سُورَة الأسرة وأنشد محمدُ بن السري في وصف كمأةٍ كما في ((مَجْمَع البيان))(١): أَدرَّت عليه المُدْجناتُ الهواضبُ(٢) وأشعثَ قد ناولتُه أحرشَ القَرَا وخُرطومه في منقع الماءِ راسبُ تخطّأه(٣) القنّاص حتَّى وجدته والمعنى على هذا: إنَّ قتلَهم كان عُدولاً عن الحقِّ والصواب، فقولُ أبي حاتمٍ : إِنَّ هذه القراءةَ غلطٌ، غلط. وقرأ الحسن: ((خَطَاءً)) بفتح الخاءِ والطاءِ مع المدِّ(٤)، وهو اسمُ مصدر: أَخطَى، كالعطاء اسمُ مصدر: أَعطَى. وقرأ الزُّهريُّ وأبو رجاءٍ: ((خِطًا)) بكسر الخاءِ وفتحِ الطاء وألفٍ في آخره مُبدَلةٍ من الهمزة(٥)، وليس من قَصْر الممدود؛ لأنَّه ضرورةٌ لا داعيَ إليه. وفي روايةٍ عن ابن عامرٍ أنَّه قرأ: ((خَطَا)) كعَصًا (٦). ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ الْزِفٌ﴾ بمباشرة مباديه القريبةِ أو البعيدة، فضلاً عن مباشرته. والنهيُ عن قُربانه على خلافٍ ما سبقَ ولحق؛ للمبالغة في النَّهي عن نفسه، ولأنَّ قُربانه داعٍ إلى مباشرته. وفسَّره الراغبُ(٧) بوطء المرأةِ من غير عقدٍ شرعيٍّ. وجاءَ فيه المدُّ والقصرُ، وإذا مدَّ، يصحُّ أن يكونَ مصدرَ المفاعلة. وتوسيطُ النهي عنه بين النَّهي عن قتل الأولادِ والنهي عن قتل النفسِ المحرَّمة مطلقاً - كما قالَ شيخُ الإِسلام(٨) - باعتبار أنَّه قتلٌ للأولاد؛ لِمَا أَنَّه تضييعٌ للأنساب، فإنَّ مَن لم يَثْبُت نسبُهُ ميِّت حكماً. (١) ٤٣/١٥، وهو في الحجة ٩٧/٥، ورسالة الصاهل والشاحج ص ١٤٩. (٢) أحرش القرا: خشن الظهر، المدجنات الهواضب: السحب الممطرة الدائمة. (٣) في المصادر: تخاطأه. (٤) المحتسب ١٩/٢، والبحر ٣٢/٦. (٥) المحتسب ١٩/٢، والبحر ٣٢/٦. (٦) البحر ٣٢/٦. (٧) في المفردات (زنى). (٨) في إرشاد العقل السليم ١٦٩/٥ - ١٧٠. سُورَةُ الإِسْرَاءِ ٤٩٦ الآية : ٣٢ أي: وبئسَ ﴿إِنَّهُ، كَانَ فَاحِشَةً﴾ فِعْلةً ظاهرةَ القبح زائدتَه ﴿وَسَآءَ سَبِيلًا السبيلُ سبيلاً؛ لِمَا فيه من اختلال أَمرِ الأَنْسَاب وهيجانِ الفِتَن. وقد روى الشَّيخان(١) وغيرُهما عن أبي هريرةَ، عن رسول اللهِ وَِّ أنَّه قال: (لا يَزني الزَّاني حين يزني وهو مؤمنٌ)) وجاء في غير روايةٍ أنَّه ((إذا زنى الرجلُ، خرج منه الإِيمانُ، فكان فوقَ رأسِه كالظُّلَّة، فإن تاب ونزع، رجع إليه))(٢)، وهو من الكبائر، وفاحشةٌ مطلقاً، على ما أجمع عليه المحقِّقون، بل في الحديث الصحيحِ أنَّه بحليلة الجارٍ من أكبر الكبائر(٣). وزعم الحليميُّ(٤) أنَّه فاحشةٌ إن كان بحليلة الجار، أو بذات الرَّحم، أو بأجنبيةٍ في شهر رمضان، أو في البلد الحرام، وكبيرةٌ إنْ كان مع امرأةٍ الأب، أو حليلة الابن، أو مع أجنبيةٍ على سبيل القهرِ والإِكراه، وإذا لم يُوجِب حدًّا يكون صغيرةً. ولا يخفَى ردُّه وضعفُ مبناه، والآيةُ ظاهرةٌ في أنه فاحشةٌ مطلقاً، نعم أفحشُ أنواعِه الزِّنى بحليلة الجار، وقال بعضُهم: أعظمُ الزّنى على الإِطلاق الزنى بالمحارم، فقد صحَّح الحاكمُ(٥) أنَّهَ وَِّ قال: ((مَن وقعَ على ذات محرمٍ فاقتلوه)) وزنى الثّيِّب أقبحُ من زنى البِكر، بدليل اختلافِ حدَّيهما، وزنى الشيخ - لكمال عقله - أقبحُ من زنى الشابِّ، وزنى الحُرِّ والعالِم - لكمالهما - أقبحُ من زنى القِنِّ والجاهل. وهل هو أكبرُ من اللُّواط أم لا؟ فيه خلاف، وفي ((الإحياء))(٦) أنَّه أكبرُ منه؛ لأنَّ الشهوة داعيةٌ إليه من الجانبين، فيَكثُرُ وقوعُه ويَعُم الضَّرر، ومنه اختلاطُ الأنساب بکثرته. وقد يعارَض بأنَّ حدَّه أَغلظ، بدليل قولِ مالكٍ وآخَرين برجم اللوطيِّ ولو غيرَ محصَن، بخلاف الزَّاني. (١) صحيح البخاري (٢٤٧٥)، وصحيح مسلم (٥٧). (٢) سنن أبي داود (٤٦٩٠). (٣) أخرجه البخاري (٤٤٧٧)، ومسلم (٨٦) من حديث عبد الله بن مسعود (٤) المنهاج في شعب الإيمان ٣٦/٣-٣٧. (٥) في المستدرك ٣٥٦/٤. (٦) إحياء علوم الدين ٤/ ٢٠. الآية : ٣٢ ٤٩٧ سُورَةُ الإِسْرائة وقد يجاب بأنَّ المفضولَ قد يكون فيه مَزيَّة. وفيه ما فيه. وبالَغَ بعضُهم فقال: إنَّه مطلقاً يلي الشِّركَ في الكِبر، والأصحُّ أنَّ الذي يلي الشّركَ هو القتلُ، ثم الزنى. وخبرُ: ((الغِيبةُ أشدُّ من ثلاثين زنيةً في الإِسلام» الظاهرُ - كما قال ابنُ حجرٍ الهيتميُّ(١) - أنَّه لا أصلَ له. نَعَم روى الطبرانيُّ والبيهقيُّ(٢) وغيرُهما: ((الغِيبةُ أشدُّ من الزنى)) إلَّا أنَّ له ما يبيِّن معناه، وهو ما رواه ابنُ أبي الدُّنيا (٣) وأبو الشّيخ عن جابرٍ وأبي سعيدٍ ﴿ه: ((إِيَّاكم والغيبةَ، فإنَّ الغيبةَ أشدُّ من الزنى، إنَّ الرجل لَيزني فيتوبُ اللهُ تعالى عليه، وإنَّ صاحبَ الغيبةِ لا يُغفر له حتى يغفرَ له صاحبُه)) فعُلم منه أنَّ أشدِّية الغيبةِ من الزِّنى ليست على الإطلاق، بل من جهة أنَّ التوبةَ الباطنةَ المستوفيةَ لجميع شروطها، من النَّدم من حيث المعصية، والإقلاعِ، وعزمٍ ألَّا يعودَ مع عدم الغرغرةِ وطلوعِ الشَّمس مِن مغربها = مكفِّرةٌ لإِثم الزِّنى بمجرَّدها، بخلاف الغِيبة، فإنَّ التوبةَ وإنْ وُجدت فيها هذه الشروطُ لا تكفِّرها، بل لا بدَّ وأن ينضمَّ إليها استحلالُ صاحبِها مع عفوه، فكانت الغيبةُ أشدَّ من هذه الحيثيةِ لا مطلقاً، فلا يعكِّر الحديثُ على الأصحِّ. وعُلم منه أيضاً أنَّ الزِّنى لا يحتاج في التوبةِ منه إلى استحلال، وهو ما صرَّح به غيرُ واحدٍ من المحقّقين، وهو مع ذلك من الحقوق المتعلّقة بالآدميّ، كيف لا وهو من الجناية على الأعراض والأنساب؟! ومعنى قولهم: إِنَّ الزِّنى لا يتعلَّق به حقُّ آدميٌّ، أي: من المال ونحوِهِ، وعدمُ اشتراطِ الاستحلالِ لا يدلُّ على أنَّه ليس من الحقوق المتعلّقة بالآدميِّ مطلقاً، وإنَّما لم يُشترط الاستحلالُ لِمَا يترتَّب على ذِكره من زيادة العار، والظنُّ الغالبُ بأنَّ نحوَ الزوج أو القريبِ إذا ذُكر له ذلك، يبادر إلى قتل الزّاني، أو المزنيِّ بها، أو إلى قتلهما معاً، ومع ما ذُكر كيف يمكن القولُ باشتراطه؟! (١) في الفتاوى الكبرى ٤/ ٢٤٢. (٢) المعجم الأوسط (٦٥٩٠)، وشعب الإيمان ٥/ ٣٠٥ من حديث أبي سعيد وجابر (٣) في كتاب الصمت (١٦٤). سُورَةُ الإِسْرَاةِ ٤٩٨ الآية : ٣٢ وقد صرَّح بنحو ذلك حُجَّةُ الإسلام الغزاليُّ في ((منهاج العابدين)) فقال في ضمن تفصيلٍ - قال الأذرعيُّ(١): إنَّه في غاية الحسنِ والتحقيق -: أَمَّا الذنبُ في الحُرَم، فإنْ خُنتَه في أهله وولدِه، فلا وجهَ للاستحلال والإِظهار؛ لأنه يولِّد فتنةٌ وغيظاً، بل تتضرَّع إلى الله سبحانه ليُرضيَه عنك، ويجعلَ له خيراً كثيراً في مقابلته، فإنْ أُمنت الفتنةُ والهيج، وهو نادرٌ، فتستحلُّ منه، وقد قال الأَذرعيُّ في مواضعَ في الحسد والتوبةِ منه: ويُشبه أن يَحرُم الإخبارُ به إذا غلب على ظنّه ألَّا يحلِّله، وأنَّه يتولد منه عداوةٌ وحقدٌ وأذّى للمخبِر. ثم قال: ويجوز أن ينظر إلى المحسود، فإنْ كان حَسَنَ الخُلقِ بحيث يظنُّ أنه يحلِّله، تعيَّن إخباره؛ ليخرجَ من ◌ُلامته بيقين، وإنْ غلب على ظنِّه أنَّ إخباره يجرُّ شرًّا وعداوة، حَرُمَ إخباره قطعاً، وإنْ تردّد، فالظاهرُ ما ذكره النوويُّ من عدم الوجوبِ والاستحباب، فإنَّ النفس الزَّكية نادرةٌ، وربما جرَّ ذلك شرًّا وعداوةً وإنْ حلَّله بلسانه. اهـ. فإذا كان هذا في الحسد مع سهولته عندَ أكثرِ النَّاس وعدمٍ مبالاتهم به، ومن ثَمَّ أَطلق النوويُّ عدمَ الإِخبار فقال: المختارُ بل الصوابُ أنَّه لا يجب إِخبارُ المحسودِ، بل لا يستحبُّ، ولو قيل: يكره، لم يَبْعد، فما بالك في الزِّنى المستلزمِ أنَّ الزوجَ والقريبَ يقتل فيه بمجرَّد التوقُّم، فكيف مع التحقُّق؟ ويُعلم من الأخبار أنَّ ثمراتِ الزنى قبيحةٌ، منها أنَّه يورد النارَ والعذابَ الشديد، وأنَّه يورث الفقرَ وذهابَ البهاءِ، وقِصَرَ العمر، وأنَّه يؤخذ بمثله من ذريَّة الزاني. ولمَّا قيل لبعض الملوكِ ذلك، أراد تجربتَه بابنةٍ له، وكانت غايةً في الحُسن، فَأَنزلها مع امرأةٍ وأَمرها ألَّا تمنعَ أحداً أراد التعرُّضَ لها بأيِّ شيءٍ شاء، وأَمرها بكشف وجهِها، فطافت بها في الأَسواق، فما مرَّت على أحدٍ إلَّا وأطرق حياءً وخجلاً منها، فلمَّا طافت بها المدينةَ كلَّها ولم يمدّ أحدٌ نظرَه إليها، رجعت بها إلى دار الملك، فلمَّا أرادت الدخولَ، أمسكها إنسانٌ وقبَّلها، ثم ذهب عنها، فأدخَلَتْها على الملك وذَكَرت له القصةَ، فسجد شكراً وقال: الحمدُ لله تعالى، ما وقع مني (١) هو أحمد بن حمدان شهاب الدين أبو العباس الأذرعي، ولد بأذرعات الشام، ومات سنة (٧٨٣هـ)، وله شرحان على المنهاج في كل منهما ما ليس في الآخر. الدرر الكامنة ١/ ١٤٥. الآية : ٣٣ ٤٩٩ سُؤَةُ الإِسْرَاةِ في عُمُري قظُ إلَّا قُبلةٌ، وقد قوصِصتُ بها. نسأل اللهَ سبحانه أن يعصمَنا وذراريَنا ومَن يُنسَب إلينا من الفواحش ما ظهر منها وما بطن، بحرمة النبيِّ وَّهِ. وقرأ أُبيُّ بن كعبٍ - كما أَخرجه عنه ابنُ مردويه -: ((ولا تَقربوا الزِّنى إنَّه كان فاحشةً ومقتاً وسَاءَ سبيلاً، إلَّا مَن تاب فإنَّ اللهَ كان غفوراً رحيماً)) فذُكر لعمرَ نَظَبه، فأتاه فسأله، فقال: أخذتُها من رسول اللهِ وَّهِ، وليس لك عملٌ إلَّ الصفقُ بالنَّقيع (١). وهذا إنْ صحَّ كان قبل العَرْضةِ الأخيرة. ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ النَّفْسَ أَلَّتِ حَرَّمَ اللّهُ﴾ أي: حرَّمها الله تعالى، والمرادُ: حرَّم قتلَها بأنْ عصمها بالإسلام أو بالعهد ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ متعلّق بـ ((لا تقتلوا))، والباءُ للسببية، والاستثناءُ مفرَّغ، أي: لا تقتلوها بسببٍ من الأسباب إلَّ بسبب الحقِّ. ويجوز أن يكون حالاً من الفاعل أو المفعول، أي: لا تقتلوا إلا ملتبسين بالحقِّ، أو: لا تقتلوها إلا ملتبسةً بالحقّ. وجوِّز أن يكونَ نعتاً لمصدرٍ محذوف، أي: لا تقتلوها قتلاً ما إلَّا قتلاً ملتبساً بالحقّ. والأوَّلُ أظهر. وأما تعلُّقه بـ ((حرَّم)) فبعيدٌ وإنْ صحَّ. وفسِّر الحقُّ بما رواه الشيخان(٢) وغيرُهما عن ابن مسعود: ((لا يحلُّ دمُ امرىءٍ يشهد أن لا إله إلَّا اللهُ وأنِّي رسولُ اللهِ إلَّا بإِحدى ثلاث: النَّفْس بالنفس، والثيِّب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة)). ونُقض الحصرُ بدفع الصَّائل، فإنَّ ذلك ربَّما أدَّى إلى القتل. ودُفع بأنَّ المرادَ ما يكون بنفسه مقصوداً به القتلُ، وما ذُكر المقصودُ به الدفعُ، وقد يُفضي إليه في الجملة. والحقُّ عدم انحصار الحقِّ فيما ذُكر، وهو في الخبر ليس بحقيقيٍّ، وقد ذهب الشافعيةُ إلى أنَّ ترك الصلاةِ كسلاً مبيحٌ للقتل، وكذا اللُّواطة عند جمعٍ من الأَجِلّة. ﴿وَمَنْ قُئِلَ مَظْلُومًا﴾ بغير حقِّ يوجب قتله أو يُبيحه للقاتل، حتى إنَّه لا يُعتبر إباحتُه لغير القاتل، فقد نصَّ علماؤنا أنَّ مَن عليه القصاصُ إذا قتله غيرُ مَن له القصاص، يُقتصُّ له، ولا يُفيده قولُ الوليِّ: أنا أَمرته بذلك، إلّا أن يكونَ الأمرُ ظاهراً. (١) الدر المنثور ١٧٩/٤. (٢) صحيح البخاري (٦٨٧٨)، وصحيح مسلم (١٦٧٦). سُؤَةُ الإِسْرَاة ٥٠٠ الآية : ٣٣ ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِّهِ﴾ لمن يَلي أمرَه، من الوارث أو السُّلطانِ عند عدمِ الوارث. واقتصارُ البعضِ على الأوَّل رعايةً للأغلب. ﴿سُلْطَانًا﴾ أي: تسلُّطاً واستيلاءً على القاتل بمؤاخذته بأحد أمرين: القصاص أو الدِّية، وقد تتعيَّن الديةُ كما في القتل الخطأ، والمقتولُ خطأً مقتول ظلماً بالمعنى الذي أُشير إليه وإنْ قلنا: لا إثمَ في الخطأ؛ لحديث: ((رُفع عن أُمَّتي الخطأ))(١) وشرع الكفَّارة فيه لعدم التثُّت واجتنابٍ ما يؤدِّي إليه، فليتأمَّل. واستدلَّ بتفسير الوليِّ بالوارث على أنَّ للمرأة دخلاً في القصاص. وقال القاضي إسماعيل: لا تدخل؛ لأنَّ لفظه مذكَّر. ﴿فَلَا يُسْرِفِ﴾ أي: الوليُّ ﴿فِ اٌلْقَتْلِ﴾ أي: فلا يتجاوز الحدَّ المشروعَ فيه، بأن يقتلَ اثنين مثلاً والقاتلُ واحد، كعادة الجاهلية، فإنَّهم كانوا إذا قُتل منهم واحدٌ قتلوا قاتلَه وقتلوا معه غيرَه، ومن هنا قال مهلهل : حتى ينالَ القتلُ آلَ مُرَّه(٢) كلُّ قتيلٍ في كُلَيب غُرَّه وإلى هذا ذهب ابنُ جُبَير، وأخرجه ابنُ المنذر من طريق أبي صالحٍ عن ابن عباس(٣). أو بأن يقتلَ غيرَ القاتل ويتركَ القاتل. ورُوي هذا عن زيد بن أَسلَم؛ فقد أَخرج البيهقيُّ في ((سُنَنه))(٤) عنه أن الناس في الجاهلية إذا قَتل مَن ليس شريفاً شريفاً، لم يقتلوه به، وقتلوا شريفاً من قومه، فنُهي عن ذلك. أو بأن يزيدَ على القتل المُثلةَ كما قيل. وأخرج ابن جَرِيرٍ(٥) وغيرُه عن طَلْق بن حبيب أنَّه قال: لا يَقتلْ غيرَ قاتله ولا يمثِّل به. (١) أخرجه ابن ماجه (٢٠٤٥) من حديث ابن عباس ﴿يا بلفظ ((إن الله وضع عن أمتي الخطأ ... »، وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٩٥/٣، وابن حبان (٧٢١٩)، والبيهقي ٣٥٦/٧، وغيرهم بلفظ ((إن الله تجاوز لي عن أمتي ... )). (٢) الأغاني ٥/ ٤٧ . (٣) الدر المنثور ٤ /١٨١. (٤) ٨ / ٢٥. (٥) في تفسيره ١٤/ ٥٨٥-٥٨٦.