النص المفهرس

صفحات 421-440

الآية : ١٣
٤٢١
سُورَةُ السراة
وفي ((الكشّاف))(١) أنَّهم كانوا يتفاءلون بالطّير ويسمُّونه زجراً، فإذا سافروا ومرَّ
بهم طيرٌ زجروه، فإنْ مرَّ بهم سانحاً، بأن مرَّ من جهة اليسار إلى اليمين، تيمَّنوا،
وإن مرَّ بارحاً، بأن مرَّ من جهة اليمينِ إلى الشَّمال، تشاءموا؛ ولذا سمِّي تطيُّراً،
فلمَّا نَسبوا الخيرَ والشرَّ إلى الطائر، استُعير استعارةً تصريحيةً لما يُشبههما من
قَدَر اللهِ تعالى وعملِ العبد؛ لأنَّه سببٌ للخير والشرّ. ومنه: طائرُ اللهِ تعالى
لا طائرُك، أي: قَدَرُ اللهِ جلَّ شأنه الغالبُ الذي يُنسب إليه الخيرُ والشرُّ، لا طائرُك
الذي تتشاءم به وتتيمَّن، وقد كَثُر فعلُهم ذلك، حتى فعلوه بالظّباء أيضاً وسائر
حيوانات الفَلَا، وسمّوا كلَّ ذلك تطيُّراً كما في ((البحر))(٢).
وتفسيرُه بالعمل هنا مرويٌّ عن ابن عباس، ورواه البيهقيُّ في ((شُعب
الإیمان»(٣) عن مجاهد، وذهب إليه غيرُ واحد.
وفسَّره بعضُهم بما وقع للعبد في القِسمة الأَزليةِ الواقعةِ حسبَ استحقاقِه في
العلم الأزليِّ، من قولهم: طار إليه سهمُ كذا، ومن ذلك: فطار لنا من القادمين
عثمانُ بن مظعون (٤)، أي: أَلزمنا كلَّ إنسانٍ نصيبَه وسهمَه الذي قَسَمناه له في الأَزَل
﴿فِ عُنُقِهِ﴾ تصويرٌ لشدَّةِ اللزوم وكمالِ الارتباط، وعلى ذلك جاء قولُه: إنَّ لي
حاجةً إليك، فقال: بين أُذني وعاتقي ما تريد.
وتخصيصُ العنقِ لظهور ما عليه مِن زائن كالقلائد والأَطواق، أو شائنٍ
كالأَغلال والأَوهاق(٥)؛ ولأنَّه العضو الذي يبقى مكشوفاً يظهر ما عليه، ويُنسب
إليه التقدُّم والشَّرف، ويعبّر به عن الجملة وسيِّدِ القوم. فالمعنى: أَلزمناه غُلَّه بحيث
لا يفارقه أبداً، بل يلزمه لزومَ القِلادة والغُلِّ لا ينفكُ عنه بحال.
(١) ٣/ ١٥١.
(٢) ٦ / ١٥.
(٣) برقم (٢١٦١).
(٤) هذا كلام أم العلاء امرأة من الأنصار، قالته عند اقتسام الأنصار للمهاجرين، كما في
صحيح البخاري (١٢٤٣).
(٥) الوَهَق: حبل يلقى في عنق الشخص يؤخذ به ويوثق، وأصله للدواب. المصباح المنير
(وهق).

سُورَةُ الإِسْرَةِ
٤٢٢
الآية : ١٣
وأخرج ابنُ مَردويه عن حذيفةَ بنِ أُسَيد: سمعتُ رسولَ اللهِوَلَّهِ يقول: ((إِنَّ
النُّطفة التي يُخلَق منها النسمةُ تطير في المرأة أربعين يوماً وأربعين ليلةً، فلا يبقَى
منها شعرٌ ولا بَشَرٌ ولا عِرقٌ ولا عظم إلَّا دخلته، حتى إنَّها لَتدخل بين الظُّفر
واللحم، فإذا مضى أربعون ليلةً وأربعون يوماً، أَهبطها اللهُ تعالى إلى الرَّحم،
فكانت علقةً أربعين يوماً وأربعين ليلةً، ثم تكون مُضغةً أربعين يوماً وأربعين ليلةً،
فإذا تمَّت لها أربعةُ أشهر، بعث اللهُ تعالى إليها مَلَكَ الأَرحام، فيخلق على يده
لحمَها ودمَها وشعرَها وبَشَرَها، ثم يقول سبحانه: صوِّر، فيقول: يا ربِّ، أُصوِّر؟
أزائدٌ أم ناقص، أذَكَر أم أنثى، أجميلٌ أم ذميم، أَجَعد أم سِبط، أقصيرٌ أم طويل،
أأبيضُ أم آدَم، أسويٌّ أم غيرُ سويٍّ؟ فيكتبُ من ذلك ما يأمر اللهُ تعالى به، ثم
يقول: أيْ ربِّ، أشقيٍّ أم سعيد؟ فإن كان سعيداً، نَفَخَ فيه بالسَّعادة في آخر أجَلِهِ،
وإنْ كان شقيًّا، نفخ فيه بالشَّقاوة في آخِر أجله، ثم يقول: اكتب أَثَرَها ورزقَها
ومصيبتها وعملَها بالطّاعة والمعصية، فيكتب من ذلك ما يأمره الله تعالى، ثم يقول
المَلَك: يا ربِّ، ما أَصنع بهذا الكتاب؟ فيقول سبحانه: علَّقْه في عنقه إلى قضائي
عليه. فذلك قوله تعالى: (وَكُلَّ إِذَنٍ أَلْزَمْنَهُ طَهِرَهُ، فِ عُنُقِهِ))»(١).
ولا يخفى أنَّ الظاهرَ من هذا الخبرِ أنَّ ذِكر العنقِ ليس للتصوير المذكور، وأنَّ
الطائر عبارةٌ عن الكتاب الذي كُتب فيه ما كُتب.
وأَخرح ابنُ أبي شيبة وابنُ المنذر عن أنسٍ أنَّه فسَّره بذلك صريحاً (٢)، وبابُ
المجازِ واسعٌ، ونحن نؤمن بالحديث إذا صحَّ، ونفوِّض كيفيةَ ما دلَّ عليه إلى
اللَّطيف الخبيرِ جلَّ جلالُه.
والظاهرُ منه أيضاً عدمُ تقييدِ الإِنسان بالمكلَّف، ويؤيِّد ذلك ما أخرجه أبو داودَ
في كتاب ((القدر))، وابن جَرير، وابنُ المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهدٍ أَّه قال
في الآية: ما من مولودٍ يولَد إلَّا وفي عنقه ورقةٌ مكتوبٌ فيها شقيٍّ أو سعيد(٣).
وآخِرِ الآيةِ ظاهرٌ في التقييد.
(١) الدر المنثور ٤/ ١٦٧ .
(٢) الدر المنثور ١٦٧/٤، ومصنف ابن أبي شيبة ٣٦٧/١٣.
(٣) الدر المنثور ١٦٧/٤، وتفسير الطبري ١٤/ ٥٢٠.

الآية : ١٣
٤٢٣
سُورَةُ الإِسْرَاةِ
وقرأ مجاهدٌ والحسنُ وأبو رجاءٍ: ((طَيْرَه))(١). وقُرئ: ((عُنْقِه)) بسكون النون(٢).
﴿وَتُخْرِجُ لَهُ, يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ والبعثِ للحساب ﴿كِتَبًا﴾ هي صحيفةُ عمله، ونَصْبه
على أنَّه مفعولُ ((نخرج))، وجوِّز أن يكون حالاً من مفعولٍ لـ ((نخرج)) محذوفٍ،
وهو ضميرٌ عائد على الطَّائر، أي: نخرجه له حالَ كونِه كتاباً. ويعضُدُ ذلك قراءةٌ
يعقوبَ ومجاهدٍ وابنِ محيصن: ((وَيَخرُجِ))(٣) بالياء مبنيًّا للفاعل، من: خَرَجَ يَخرُج،
ونصبٍ ((كتاباً)) فإنَّ فاعله حينئذٍ ضميرُ الطائر، و((كتاباً) حالٌ منه، والأصلُ توافقُ
القراءتين، وكذا قراءةُ أبي جعفر: ((ويُخرَج)) (٤) بالياء مبنيًّا للمفعول، من: أخرج،
ونصبٍ ((كتاباً» أيضاً.
ووجهُ كونها عاضدةً أنَّ في ((يُخرَج)) حينئذٍ ضميراً مستتراً هو ضميرُ الطائر، وقد
كان مفعولاً، واحتمالُ أن يكونَ ((له)) نائبَ الفاعلِ فلا تعضد، لا يُلتفت إليه؛ لأنَّ
إقامة غيرِ المفعولِ مع وجوده مُقامَ الفاعل ضعيفة، وليس ثمَّة ما يكون ((كتاباً)) حالاً
منه، فيتعيَّن ما ذُكر كما قاله ابنُ يعيش في ((شرح المفضَّل)).
وعنه أيضاً (٥) أنَّه قرأ: ((يُخرَج)) بالبناء للمفعول أيضاً ورفع ((كتاب)) على أنَّه
نائبُ الفاعل. وقرأ الحسن: ((يَخرُج)) (٦) بالبناء للفاعل من الخروج، ورفع ((كتاب))
على الفاعليَّة، وقرأت فِرقة: ((ويُخرِجِ)) (٧) بالياء، من الإِخراج مبنيًّا للفاعل، وهو
ضميرُ اللهِ تعالى، وفيه التفاتٌ من التكلِّم إلى الغَيبة.
وأخرج أبو عُبَيد وابنُ المنذر عن هارون قال: في قراءة أُبيِّ بن كعب: ((وكلَّ
إنسانٍ أَلزمناه طائرَه في عُنُقه يقرأه يومَ القيامةِ كتاباً))(٨).
﴿يَلْقَتُهُ﴾ أي: يلقَى الإِنسانَ، أو يلقاه الإِنسانُ ﴿مَنْشُورًا ﴾﴾ غيرَ مطويٍّ؛
(١) البحر المحيط ١٥/٦، وقراءة الحسن في القراءات الشاذة ص ٧٥.
(٢) البحر ٦/ ١٥، والقراءات الشاذة ص ٧٥.
(٣) البحر ١٥/٦، وقراءة يعقوب في النشر ٣٠٦/٢.
(٤) النشر ٣٠٦/٢.
(٥) أي: عن أبي جعفر، كما في البحر ١٥/٦ .
(٦) البحر ١٥/٦.
(٧) البحر ١٥/٦.
(٨) الدر المنثور ١٦٨/٤.

سُورَةُ الإِسْرَةِ
٤٢٤
الآية : ١٤
لتُمكِنَ قراءتُه. وفيه إشارةٌ إلى أنَّ ذلك أمرٌ مهيّأْ له غيرُ مغفولٍ عنه.
وجملةُ ((يلقاه)) صفةُ ((كتاباً))، و((منشوراً) حالٌ من ضميره. وجوِّز أن يكونا
صفَتين له، وفيه تقدُّمُ الوصفِ بالجملة على الوصف بالمفرَد، وهو خلافُ الظاهر.
وقرأ ابنُ عامر، وأبو جعفرٍ، والجحدريُّ، والحسنُ بخلاف عنه: ((يُلَقَّا))(١)
بضمِّ الياءِ وفتح اللام وتشديد القاف، من لقَّيته كذا، أي: يلقَّى الإِنسان إِيَّاه.
وأخرج ابن جريرٍ عن الحسن أنَّه قال: يا ابنَ آدم، بُسطت لك صحيفة، ووكّل
بك مَلَكان كريمان، أحدُهما عن يمينك والآخَرُ عن شِمالك، حتى إذا مثَّ، طُويَت
صحيفتُك فجُعلت في عُنُقُك في قبرك، حتى تجيءَ يومَ القيامةِ فتخرج لك(٢) .
﴿أَقْرَأْ كِتَبَكَ﴾ بتقدير: يقالُ له ذلك، وهذه الجملةُ إمَّا صفةٌ أو حالٌ أو مستأنفة.
والظاهرُ أنَّ جملة قولِه تعالى: ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴾ من جملة
مقولِ القولِ المقدَّر، و((كفى)) فعلٌ ماض، و((بنفسك)) فاعلُه، والباءُ سيفُ خطيب،
وجاء إِسقاطها ورفعُ الاسم، كما في قوله(٣):
كفى الشَّيبُ والإسلامُ للمرءِ ناهيا
وقولِه(٤):
ويُخبرني عن غائب المرءِ هَدْيُهُ كفى الهَدْيُ عمَّا غيَّبَ المرءُ مُخِرا
ولم تلحق الفعلَ علامةُ التأنيثِ وإن كان مثله تَلحقه، كقوله تعالى: ﴿مَآ ءَامَنَتْ
قَبْلَهُم مِّنْ قَرْيَةٍ﴾ [الأنبياء: ٦]، ﴿وَمَا تَأْثِيِهِم مِّنْ ءَايَةٍ﴾ [الأنعام: ٤] قيل: لأنَّ الفاعلَ
مؤنَّث مجازيٌّ. ولا يَشفي الغَليل؛ لأنَّ فاعلَ ما ذُكر من الأفعال مؤنَّث مجازيٌّ
مجرورٌ بحرف زائدٍ أيضاً، وقد لحق فِعْلَه علامةُ التأنيث، وغايةُ الأمرِ في مثل ذلك
(١) البحر ١٥/٦، وقراءة ابن عامر في التيسير ص١٣٩، والنشر ٣٠٦/٢، وقراءة أبي جعفر في
النشر ٣٠٦/٢.
(٢) الدر المنثور ١٦٨/٤، وتفسير الطبري ٥٢٣/١٤-٥٢٤.
(٣) قائله سحيم عبد بني الحسحاس كما في البيان والتبيين ٧١/١، والخزانة ٢٦٧/١. وصدره:
عُميرةَ ودِّع إن تجهزتَ غاديا
(٤) قائله زيادة بن زياد كما في البيان والتبيين ٢٤٤/٣، واللسان (هدي)، والخزانة ١١/ ١٧٤.

الآية : ١٤
٤٢٥
سُورَة الأسرة
جوازُ الإِلحاق وعدمُه، ولم يُحفَظ - كما في ((البحر))(١) - الإِلحاقُ في كفى إذا كان
الفاعلُ مؤثّئاً مجروراً بالباء الزائدة، ومن هنا قيل: إنَّ فاعلَ كفى ضميرٌ يعود على
الاكتفاء، أي: كفَى هو، أي: الاكتفاءُ بنفسك. وقيل: هو اسمُ فعلٍ بمعنى:
اكتفٍ، والفاعلُ ضميرُ المخاطَب، والباءُ على القولَين ليست بزائدة، ومَرضيُّ
الجمهورِ ما قدَّمناه، والتزامُ التذكيرِ عندهم على خلاف القياس.
ووجَّه بعضُهم ذلك بكثرة جرِّ الفاعلِ بالباءِ الزائدة، حتى إنَّ إسقاطها منه
لا يوجد إلَّا في أمثلةٍ معدودة، فانحظّت رتبتُه عن رتبة الفاعِلِين، فلم يؤنَّث الفعلُ
له، وهذا نحوُ ما قيل في: مرَّ بهند. وقيل غيرُ ذلك.
و((اليوم)) ظرفٌ لـ (كفى))، و((حسيباً)) تمييزٌ، كقوله تعالى: ﴿وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ
رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] وقولِهم: للهِ تعالى دُرُّه فارساً. وقيل: حالٌ، و((عليك)) متعلّق
به، قدِّم لرعاية الفواصل، وعدِّي بـ ((على)) لأنَّه بمعنى الحاسبِ والعادِّ، وهو يتعدَّى
بعلى، كما تقول: عدَّد عليه قبائحَه. وجاء فعيلٌ الصفةُ من: فَعَلَ يَفعِل، بكسر
العين في المضارع، كالضَّريم بمعنى الصارم، وضَريب القِداح بمعنى ضاربها، إلَّا
أنَّه قلیل.
أو بمعنى الكافي، فتجوِّز به عن معنى الشهيد؛ لأنَّه يكفي المدَّعي ما أهمَّه،
فعدِّي بـ ((على)) كما يعدَّى الشهید.
وقيل: هو بمعنى الكافي مِنِ غير تجوُّز، لكنه عُدِّي تعديةَ الشهيد لِلُزوم معناه
له، كما في: أسدٌ عليّ، وهو تكلُّف بارد.
وتذكيرُه وهو فعيلٌ بمعنى فاعلٍ وصف للنفس المؤنَّثة معنَى؛ لأنَّ الحسابَ
والشهادةَ ممَّا يغلب في الرجال، فأُجري ذلك على أغلبٍ أحواله، فكأنَّه قيل: كفى
بنفسك رجلاً حسيباً، أو لأنَّ النفس مؤوَّلة بالشخص، كما يقال: ثلاثة أنفُس، أو
لأنَّ فعيل المذكورَ محمولٌ على فعيل بمعنى فاعل.
والظاهر أنَّ المرادَ بالنفس الذاتُ، فكأنَّه قيل: كفى بك حسيباً عليك. وجعل
بعضُهم في ذلك تجريداً، فقيل: إنَّه غلطٌ فاحشٌ. وتعقّب بأنَّ فيه بحثاً، فإنَّ الشاهدَ
(١) ٦/ ١٦.

سُورَةُ الاسْرَةِ
٤٢٦
الآية : ١٤
يغاير المشهود عليه، فإن اعتبر كون الشخص في تلك الحال كأنه شخصٌ آخَر، كان
تجريداً، لكنه لا يتعلَّق به غرضٌ هنا.
وعن مقاتل أنَّ المرادَ بالنفس الجوراحُ، فإنَّها تشهد على العبد إذا أَنكر. وهو
خلاف الظاهر.
وعن الحسن أنَّه كان إذا قرأ الآية قال: يا ابنَ آدم، أَنصفكَ واللهِ مَن جعلك
حسيبَ نفسِك. والظاهرُ أنَّه يقال ذلك للمؤمن والكافر. وما أخرجه ابنُ أبي حاتم
عن السُّدِّي من أنَّ الكافر يُخرَج له يومَ القيامةِ كتاب، فيقول: ربِّ إنك قضيتَ أنَّك
لست بظلام للعبيد، فاجعلني أُحاسب نفسي، فيقال له: ((اقرأ كتابك كفى بنفسك»
الآية، لا يدلُّ على أنَّه خاصٌّ بالكافر كما لا يخفَى. ويَقرأ في ذلك اليومِ - كما رُوي
عن قتادة - مَن لم يكن قارئاً في الدُّنيا.
وجاء أنَّ المؤمنَ يقرأ أوَّلاً سيئاتِهِ، وحسناتُه في ظهر كتابه يراها أهلُ الموقفِ
ولا يراها هو، فيَغِطونه عليها، فإذا استوفى قراءةً السيئاتِ وظنَّ أنَّه قد هلك، رأى
في آخرها: هذه سيئاتُك قد غفرناها لك، فيتبلَّج وجهُه ويَعُم سرورُه، ثم يقرأ
حسناتِهِ فيزداد نوراً، وينقلب إلى أهله مسروراً، ويقول: ﴿هَاؤُمُ أَقْرَءُواْ كِنَبِيَة * إِنّ
◌َنْتُ أَنّى مُلَقٍ حِسَابِيَةٍ﴾ [الحاقة: ١٩-٢٠]. وأما الكافرُ، فيقرأ أوَّلاً حسناتِهِ، وسيئاتُه
في ظهر كتابه يراها أهلُ الموقفِ فيتعوَّذون من ذلك، فإذا استوفى قراءةَ الحسنات،
وجد في آخِرِها: هذه حسناتُك قد رددناها عليك، وذلك قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا
عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَهُ هَبَآءُ مَنْتُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] فيسودُ وجهُه، ويَعُم كَربُهُ، ثم
يقرأ سيئاتِه فيزداد بلاءً على بلاء، وينقلب بمزيد خيبةٍ وشقاء، ويقول: ﴿يَلَيِّكَنِ لَ
أُوَتَ كِنَفِيَةِ * وَلَوْ أَدْرِ مَا حِسَلِيَةٌ﴾ [الحاقة: ٢٥-٢٦] جَعَلَنا الله تعالى ممَّن يقرأ فيَرْقَى،
لا ممَّن يقرأ فيشقَى، بمنِّه وكرمه.
هذا وفسَّر بعضُهم الكتابَ بالنَّفْس المنتقشةِ بآثار الأعمال، ونشرَه وقراءته بظهور
ذلك له ولغيره. وبيانُه: أنَّ ما يصدر عن الإِنسان خيراً أو شرًّا يحصل منه في الرُّوحِ أثرٌ
مخصوص، وهو خفيٍّ ما دامت متعلِّقةً بالبدن، مشتغلةً بواردات الحواسِّ والقُوى،
فإذا انقطعت علاقتُها قامت قيامتُه؛ لانكشاف الغطاءِ باتِّصالها بالعالَم العلويّ، فيظهر
في لوح النفسِ نقشُ أثرِ كلِّ ما عمله في عمره، وهو معنى الكتابة والقراءة.

الآية : ١٤
٤٢٧
سُورَة الاسْراءِ
ولا يخفَى أنَّ هذا منزعٌ صوفيٍّ حِكميٌّ، بعيدٌ من الظهور، قريبٌ من البطون،
وفيه حملُ القيامةِ على القيامة الصُّغرى، وهو خلافُ الظاهر أيضاً، والرواياتُ
ناطقةٌ بما يُفهم من ظاهر الآية، نَعَم ليس فيها نفيُ انتقاش النفْس بآثار الأعمال
وظهورٍ ذلك يومَ القيامة، فلا مانعَ من القول بالأمرَين. ومن هنا قال الإِمامُ(١): إنَّ
الحق أنَّ الأحوال الظاهرةَ التي وردت فيها الرواياتُ حقٌّ وصدق لا مِريةَ فيها،
واحتمالُ الآيةِ لهذه المعاني الروحانيةِ ظاهرٌ أيضاً، والمنهجُ القويم والصِّراطُ
المستقيم هو الإِقرارُ بالكلِّ. ونِعمَ ما قال، غيرَ أنَّ كونَ ذلك الاحتمالِ ظاهراً غيرُ
ظاهر.
وقال الخَفَاجي (٢): ليس في هذا ما يخالف النقلَ، وقد حُمل عليه ما رُوي عن
قتادةً من أنَّه يقرأ في ذلك اليوم مَن لم يكن قارئاً، ولا وجهَ لعدِّه مؤيِّداً له. وأنت
تعلم أنَّ حملَ كلام قتادةَ على ذلك تأويلٌ له أيضاً، ولعل قتادةً وأمثاله من سلف
الأمَّة لا يخطرُ لهم أمثالُ هذه التأويلاتِ ببال، والكلام العربيُّ كالجمل الأَنوف،
والله تعالى أعلمُ بحقائق الأمور.
وفي كيفية النَّظمِ ثلاثةُ أَوجهٍ ذكرها الإمام(٣):
الأوَّل: أنَّه تعالى لمَّا قال: (وَكُلَّ شَىْءٍ فَصَلْنَهُ تَفْصِيلًا) تضمَّن أنَّ كلَّ ما يُحتاج
إليه من دلائل التوحيد والنبوَّة والمعادِ قد صار مذكوراً، وإذا كان كذلك فقد أُزيحت
الأَعذارُ وأُزيلت العِلل، فلا جَرَمَ كلُّ مَن ورد عَرْصةَ القيامة فقد أَلزمناه طائرَه في
عُنُقه .
الثاني: أنَّه تعالى لمَّا بين أنَّه سبحانه أَوصل إلى الخلق أصنافَ الأَشياءِ النافعةِ
لهم في الدِّين والدنيا، مثل آيتي الليلِ والنهار وغيرِهما، كان مُنعِماً عليهم بوجوه
النِّعم، وذلك يقتضي وجوبَ اشتغالهِم بخدمته تعالى وطاعتِهِ، فلا جَرَمَ كلُّ مَن ورد
عَرْصَةَ القيامةِ يكون مسؤولاً عن أقواله وأعمالِهِ.
(١) في التفسير الكبير ٢٠/ ١٧١ .
(٢) في حاشيته ١٦/٦.
(٣) في التفسير الكبير ٢٠/ ١٦٦ -١٦٧.

سُورَةُ الإِسْرَاةِ
٤٢٨
الآية : ١٥
الثالث: أنَّه تعالى بيَّن أنه ما خلق الخلقَ إلَّا لعبادته، كما قال: ﴿وَمَا خَلَفْتُ
الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] فلمَّا شرحَ أحوالَ الشمسِ والقمر والنهارِ
واللَّيلِ، كان [المعنى](١): إنَّما خلقتُ هذه الأَشياءَ لتنتفعوا بها فتصيروا متمكِّنين من
الاشتغال بطاعتي، وإذا كان كذلك، فكلُّ مَن ورد عرصةَ القيامة سألته: هل أتَى
بتلك الطاعة أو تمرَّد وعصی . اهـ.
وقد يقال: وجهُ الربطِ أنَّ فيما تقدَّم شرحَ حالِ كتابِ الله تعالى المتضمِّنِ بيانَ
النافع والضارِّ من الأعمال، وفي هذا شرحُ حالِ كتاب العبدِ الذي لا يغادرُ صغيرةً
ولا كَبيرةً من تلك الأَعمالِ إلَّا أحصاها، وحسنُه وقبحُه تابعٌ للأخذ بما في الكتاب
الأوَّل وعدمِه، فمَن أخذ به فقد هُدي، ومَن أعرضَ عنه فقد غَوَى.
وقولُه تعالى: ﴿مِّنِ آَهْتَدَى فَإِنَّمَا يَدِى لِنَفْسِهِ ﴾ فذلكةٌ لما تقدَّم من كون القرآنِ
هادياً للتي هي أَقوم، وللزوم الأعمالِ لأصحابها. أي: اهتدى بهدايته، وعمل
بما في تضاعيفه من الأحكام، وانتهى عمَّا نهاه عنه، فإنَّما تعود منفعةُ الاهتداءِ به
إلى نفسهِ، لا تتخطَّاه إلى غيره ممَّن لم يهتدِ.
﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ عمَّا يهديه إليه ﴿فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَاً﴾ أي: فإنَّما وبالُ ضلالِه عليها،
لا على مَن لم يباشره. حتى يُمكِنَ مفارقةُ العملِ صاحبه.
﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَ﴾ تأكيدٌ للجملة الثانية، أي: لا تحمل نفسٌ حاملةٌ
للوزر وزرَ نفسٍ أخرى حتى يمكنَ تخلُّصُ النفسِ الثانيةِ عن وزرها ويختلَّ ما بين
العاملِ وعملِهِ من التلازم. وخُصَّ التأكيدُ بالجملة الثانيةِ قطعاً للأطماع الفارغة،
حيث كانوا يزعمون أنَّهم إنْ لم يكونوا على الحقِّ فالشَّبِعةُ على أَسلافهم الذين
قلّدوهم.
ورُوي عن ابن عباسٍ أنَّها نزلت في الوليد بن المغيرة لمَّا قال: اكفروا بمحمدٍ
وعليَّ أَوزارُكم.
ولا ينافي هذه الآيةَ ما يدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿مَن يَشْفَعْ شَفَعَةً حَسَنَةُ يَكُن لَّهُ
نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَعَةُ سَيِئَةٌ يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا﴾ [النساء: ٨٥] وقولُه تعالى:
(١) زيادة من التفسير الكبير.

الآية : ١٥
٤٢٩
سُورَةُ الإِسْرَةِ
﴿لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةُ يَوْمَ الْقِيَئِمَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُونَهُم بِغَيْرِ عِلٍْ﴾ [النحل:
٢٥] مِن حَمل الغيرِ وزرَ الغيرِ وانتفاعِه بحسنته وتضرُّرِه بسيئته؛ لأنَّه في الحقيقة
انتفاعٌ بحسنة نفسِه وتضرُّرٌ بسيئته، فإنَّ جزاءَ الحسنة والسيئةِ اللَّتين يعملهما العاملُ
لازمٌ له، وإنَّما يصل إلى مَن يشفع جزاءُ شفاعته، لا جزاءُ أصل الحسنةِ والسيئة،
وكذلك جزاءُ الضَّلال مقصورٌ على الضالِّين، وما يحمله المضِلُّون إنَّما هو جزاءُ
الإِضلال لا جزاءُ الضلال. قاله شيخُ الإِسلام(١).
ولهذه الآيةِ طعنت عائشةُ رِّ في صحَّة خبرِ ابن عمرَ عًَّا أنَّهِ وَّهِ قال: ((إنَّ
المَيِّت يعذَّب ببكاءِ أهلِه عليه)»(٢)، فإنَّ فيه أَخذَ الإِنسان بجُرم غيرِه، وهو خلافُ
ما نطقت به الآية.
وأُجيب بأنَّ الحديث محمولٌ على ما إذا أَوصى الميِّتُ بذلك، فيكونُ ذلك
التعذيبُ من قبيل جزاءِ الإِضلال. وقيل: المرادُ بالميِّت المحتضرُ مجازاً،
وبالتعذيب التعذيبُ في الدنيا، أي: إنَّ المحتضر يتألَّم ببكاء أهلِه عليه، فلا ينبغي
أنْ يبكوا .
ولها أيضاً مَنَعَ جماعةٌ من قدماء الفقهاءِ صرفَ الدِّية على العاقلة؛ لما فيه من
مؤاخذة الإنسان بفعل غيرِه.
وأُجيب بأنَّ ذلك تكليفٌ واقعٌ على سبيل الابتداءِ، وإلَّا فالمخطئُ نفسُه ليس
بمؤاخَذٍ على ذلك الفعل، فكيف يؤاخَذ غيرُه عليه؟
واستدلَّ بها الجبائيُّ على أنَّ أطفالَ المشركين لا يعذَّبون، وإلّا كانوا مؤاخذين
بذنب آبائهم، وهو خلافُ ظاهرِ الآية. وزعم بعضُهم أنَّها نزلت فيهم، وليس
بصحيح، نَعَم أَخرج ابنُ عبد البرِّ في ((التمهيد))(٣) بسند ضعيفٍ عن عائشةَ قالت:
سألتْ خديجةُ رسولَ اللهِ وَّر عن أولاد المشركين، فقال: ((هم مِن آبائهم)) ثم سأَلَتْه
بعدَ ذلك، فقال: ((اللهُ تعالى أعلمُ بما كانوا عاملين)) ثم سأَلَّته بعدما استحكم
(١) في إرشاد العقل السليم ٥/ ١٦٢ .
(٢) أخرجه البخاري (١٢٨٦)، ومسلم (٩٢٨).
(٣) ١١٧/١٨.

سُورَةُ الإِسْرَاةِ
٤٣٠
الآية : ١٥
الإِسلامُ، فنزلت: (وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىُّ) فقال: ((هُم على الفِطرة)) أو قال: ((في
الجنة)) .
والمسألةُ خلافية، وفيها مذاهبُ، فقال الأكثرون: هم في النَّار تَبَعاً لآبائهم،
واستُدلَّ لذلك بما أَخرجه الحكيمُ الترمذيُّ في ((نوادر الأصول))(١) عن عائشةَ أيضاً
قالت: سألتُ النبيَّ وَِّ عن ولدان المسلمين: أين هم؟ قال: ((في الجنَّة)) وسألته
عن ولدان المشركين: أين هم؟ قال: ((في النار)) قلت: يا رسولَ الله، لم يُدركوا
الأعمال، ولم تَجرِ عليهم الأَقلام؟! قال: ((ربُّكِ أعلمُ بما كانوا عاملين، والذي
نفسي بيده إنْ شئتِ أَسمعتُكِ تضاغيَهم في النَّار)) وفيه أنَّ هذا الخبرَ قد ضعَّفه ابنُ
عبد البرِّ(٢)، فلا يُحتجُّ به، نعم صحَّ أنَّه وَّل سئل عن أولاد المشركين، فقال: ((اللهُ
تعالى أعلمُ بما كانوا عاملين))(٣) وليس فيه تصريحٌ بأنَّهم في النار، وحقيقةُ لفظِه: الله
تعالى أعلمُ بما كانوا عاملين لو بلغوا. ولم يبلغوا، والتكليفُ لا يكون إلَّا بالبلوغ.
وأَخرج الشيخانِ وأصحابُ السُّنن(٤) وغيرُهم عن ابن عباسٍ قال: حدَّثني
الصعبُ بنُ جَّامة: قلت: يا رسولَ اللهِ، إنَّا نُصيب في البَيَات مِن ذَراري
المشركين، قال: ((هم منهم)). وهو عند المخالفين محمولٌ على أنَّهم منهم في
الأحكام الدُّنيوية، كالاسترقاق.
وتوقَّفت طائفةٌ فيهم، ومن هؤلاء أبو حنيفةً رَُّه.
وقيل: فيهم مَن يدخل الجنةَ ومَن يدخل النَّار، لِمَا أَخرج الحكيمُ الترمذيُّ في
(النَّوادر))(٥) عن عبد اللهِ بن شدَّاد: أنَّ رسولَ اللهِ وَلِّ أتاه رجلٌ فسأله عن ذَراري
المشركينَ الذين هلكوا صغاراً، فوضع رأسَه ساعةً ثم قال: ((أين السائل))؟ فقال:
(١) ص٨٧.
(٢) في التمهيد ١٢٢/١٨.
(٣) أخرجه البخاري (١٣٨٣) و(١٣٨٤)، ومسلم (٢٦٥٩) و(٢٦٦٠) من حديث أبي هريرة وابن
عباس
(٤) صحيح البخاري (٣٠١٢)، وصحيح مسلم (١٧٤٥)، وسنن أبي داود (٢٦٧٢)، والترمذي
(١٥٧٠)، والسنن الكبرى للنسائي (٨٥٦٨)، وابن ماجه (٢٨٣٩).
(٥) ص٨٨.

الآية : ١٥
٤٣١
سُورَةُ الاسْراء
ها أَنذا يا رسولَ الله، فقال: ((إنَّ اللهَ تبارك وتعالى إذا قضى بين أهل الجنَّة والنارِ
ولم يبقَ غيرُهم، عجُّوا فقالوا: اللهمَّ ربَّنا لم تأتنا رسلُك، ولم نَعلم شيئاً، فأرسل
إليهم مَلَكاً، والله تعالى أعلمُ بما كانوا عاملين، فقال: إني رسولُ ربِّكم إليكم
فانطلِقوا، فاتَّبعوا حتى أتَوا النارَ، فقال: إنَّ الله تعالى يأمركم أنْ تقتحموا فيها،
فاقتحمت طائفةٌ منهم، ثم خرجوا من حيث لا يَشعر أَصحابُهم، فجعلوا في
السابقين المقرَّبين، ثم جاءهم الرسولُ فقال: إنَّ الله تعالى يأمركم أنْ تقتحموا في
النَّار، فاقتحمت طائفةٌ أخرى، ثم أُخرجوا من حيث لا يشعرون، فجُعلوا في
أصحاب اليمين، ثم جاء الرسولُ فقال: إنَّ الله تعالى يأمركم أنْ تقتحموا في النَّار،
فقالوا: ربّنا لا طاقة لنا بعذابك، فأَمر بهم، فجُمعت نواصيهم وأقدامُهم ثم أُلقوا
في النَّار)).
وذهب المحفِّقون إلى أنَّهم من أهل الجنَّة، وهو الصَّحيح، ويُستدلُّ له بأشياءَ،
منها الآيةُ على ما سمعتَ عن الجبَّائي.
ومنها حديثُ إبراهيمَ الخليلِ عليه السلام حين رآه النبيُّ ◌َّ في الجنَّة وحولَه
أولادُ الناس، قالوا: يا رسولَ الله، وأولادُ المشركين؟ قال: ((وأولاد المشركين))
رواه البخاريُّ في ((صحيحه))(١).
ومنها ما أَخرجه الحكيمُ الترمذيُّ أيضاً في ((النَّوادر))(٢)، وابنُ عبد البرِّ(٣) عن
أنسٍ قال: سأَلنا رسولَ الله ◌ِنَ ◌ّه عن أولاد المشركين، فقال: ((هم خدَّام أهلٍ
الجنة)).
ومنها الآيةُ الآتيةُ حيث أَفادت أنْ لا تعذيبَ قبل التكليف، ولا يتوجَّه على
المولود التكليفُ ويَلزمُه قولُ الرسولِ عليه الصَّلاة والسلام حتى يبلغ.
ولم يخالف أحدٌ في أنَّ أولادَ المسلمين في الجنة، إلَّا بعض مَن لا يُعتدُّ به،
فإنَّه توقَّف فيهم؛ لحديث عائشة (٤): توفِّي صبيٍّ من الأَنصار، فقلت: طوبَى له،
(١) برقم (٧٠٤٧).
(٢) ص٨٨.
(٣) في التمهيد ١١٨/١٨.
(٤) أخرجه مسلم (٢٦٦٢).

سُؤَةُ الإِسْرَةِ
٤٣٢
الآية : ١٥
عُصفورٌ من عصافير الجنة، لم يعمل السوءَ ولم يُدرِكِه، فقال ◌َّ: ((أَوَغيرَ ذلك
يا عائشة، إنَّ اللهَ تعالى خلق للجنَّة أهلاً، خلقهم لها وهم في أَصلاب آبائهم،
وخلق للنَّار أهلاً، خلقهم لها وهم في أَصلابِ آبائهم)) .
وأجاب العلماءُ عنه بأنَّه لعلَّه عليه الصلاة والسلام نهاها عن المسارعة إلى
القَطع من غيرِ أن يكونَ لها دليلٌ قاطع، كما أَنكر على سعد بن أبي وقَّاص في
قوله: أَعطِه إني لَأراه مؤمناً، قال: ((أَوْ مسلماً ... )) الحديث(١). ويحتمل أنَّه وَهُ
قال ذلك قبل أنْ يعلمَ أنَّ أطفال المسلمين في الجنَّة، فلمَّا عَلِمَ قال ذلك في
قوله ◌َّر: ((ما مِن مسلم يموت له ثلاثةٌ من الولد لم يبلغوا الحنث، إلَّا أَدخله اللهُ
تعالى الجنةَ بفضله ورحمتِهِ إِيَّهم)»(٢) إلى غيرِ ذلك من الأحاديث.
وقال القاضي: دلَّت الآيةُ على أنَّ الوزر ليس مِن فعله تعالى؛ لأنَّه لو كان
كذلك، لامتنع أن يؤاخَذَ العبدُ به، كما لا يؤاخَذ بوِزر غيرِهِ، ولأنَّه كان يجب
ارتفاعُ الوزرِ أصلاً، لأنَّ الوازرَ إنَّما يوصَف بذلك إذا كان مختاراً يمكنه التحرُّز؛
ولهذا المعنى لا يوصَف الصبيُّ بذلك. وأنت تعلم أنَّ هذا إنَّما ينتهض على
الجبرية، لا على الجماعةِ القائلين: لا جبرَ ولا تفويض.
﴿وَمَا كُنَا مُعَذِِّينَ﴾ بيانٌ للعناية الربَّانية إثرَ بيانِ اختصاصٍ آثارِ الهداية والضَّلال
بأصحابها، وعدم حرمان المهتدي من ثَمَرات هدايته، وعدم مؤاخذةِ النَّفس بجناية
غيرِها، أي: وما صحَّ وما استقام منَّا بل استحال في سنَّتنا المَبنَّةِ على الحِكَم
البالغة، أو: ما كان في حكمنا الماضي وقضائنا السابقِ أن نعذُّبَ أحداً بنوعٍ ما من
العذاب، دنيويًّا كان أو أخرويًّا، على فعل شيءٍ أو تركٍ شيء، أصليًّا كان أو فرعيًّا
يَهدي إلى الحقِّ ويَردع عن الضَّلال ويُقيم الحُجَجَ
﴿حَّى نَبْعَثَ﴾ إليه ﴿رَسُولًا ﴾﴾
ويمهِّد الشرائع، أو: حتى نبعثَ رسولاً كذلك تَبلغه دعوتُه، سواءٌ كان مبعوثاً إليهِ أم
لا ، على ما ستعلمه إنْ شاءَ اللهُ تعالى من الخلاف.
وهذا غايةٌ لعدم صحَّةٍ وقوع العذابٍ في وقته المقدَّر له، لا لعدم وقوعِه مطلقاً،
(١) أخرجه البخاري (٢٧)، ومسلم (١٥٠) من حديثه رحي له.
(٢) أخرجه البخاري (١٢٤٨) من حديث أنس

الآية : ١٥
٤٣٣
سُؤَدَقُ الاسْراءِ
كيف والأُخرويُّ لا يمكن وقوعُه عقيبَ البعث، والدنيويُّ لا يحصل إلَّا بعد تحقُّق
ما يوجبه من الفِسق والعصيان؟ ألا يرى إلى قوم نوح عليه السلام كيف تأخّر عنهم
ما حلَّ بهم زهاءَ ألفِ سَنَة؟
وألزم المعتزلةُ القائلون بالوجوب العقليّ قبل البعثةِ بهذه الآية؛ لأنَّه تعالى نفَى
فيها التعذيبَ مطلقاً قبل البعثة، وهو من لوازم الوجوب بشرط ترك الواجب
عندهم، إذ لا يجوِّزون العفوَ، فينتفي الوجوبُ قبل البعثةِ لانتفاء لازمِه، ومحصولُه
أنَّه لو كان وجوبٌ عقليٌّ لَثبت قبلَ البعثة، ولا شبهةَ في أنَّ العقلاءَ كانوا يتركون
الواجباتِ حينئذ، فيلزم أن يكونوا معذَّبين قبلها، وهو باطلٌ بالآية.
وتعقّب بأنه إنَّما يتمُّ إذا أُريد بالعذاب ما يشمل الدنيويَّ والأخرويَّ كما أُشير
إليه، لكن المناسب لِما بعدُ أن يرادَ عذابُ الاستئصالِ في الدنيا، ولا يلزم من
انتفاء العذابِ الدنيويِّ قبل البعثِ انتفاءُ الوجوب؛ لأنَّ لازم الوجوبِ عندهم هو
العذابُ الأخرويّ.
وأُجيب بعد تسليم أنَّ المناسب لما بعدُ أن يرادَ العذابُ الدنيويُّ: بأنَّ الآية لمَّا
دلَّت على أنَّه لا يليقُ بحكمته إيصالُ العذابِ الأدنَى على تركِ الواجبِ قبل التنبيهِ
ببعثة الرسول، فدلالتُها على عدم إيصالِ العذابِ الأكبرِ على تركه قبلَ ذلك أَولى.
وأَورد الأصفهانيُّ(١) في شرح ((المحصول)» على مَن استدلَّ بالآية على نفي
الوجوبِ العقليِّ قبل البعثةِ أموراً: الأوَّل: أنَّ المراد بالرَّسول فيها العقل. الثاني:
أنَّا سلَّمنا أنَّ المراد النبيُّ المرسَل، لكن الآيةَ دلَّت على نفي تعذيبِ المباشرةِ قبل
البعثة، ولا يَلزمُ منه نفيُ مطلقِ التعذيب. الثالث: أنَّا سلَّمنا ذلك، لكن ليس في
الآية دلالةٌ على نفي التعذيبِ قبلها عن كلِّ الذنوب. الرابع: أنا سلَّمنا الدلالةَ،
لكن لا يلزمُ من نفي المؤاخذةِ انتفاءُ الاستحقاق؛ لجواز سقوطِ المؤاخذةِ بالمغفرة.
ثَّ أجاب عن الأوَّل بأنَّ حقيقة الرسولِ هو النبيُّ المرسَل، والأصلُ في الكلام
الحقيقةُ. وعن الثاني بأنَّ مِن شأن عظيمِ القَدْر التعبيرُ عن نفي التعذيبِ مطلقاً بنفي
(١) هو شمس الدين محمد بن محمود الأصفهاني المتوفى سنة (٦٧٨هـ). وشرحه على كتاب
المحصول حافل، ومات ولم يكمله، ذكره السبكي. كشف الظنون ١٦١٥/٢.

سُورَةُ الإِسْراة
٤٣٤
الآية : ١٥
المباشرة. وعن الثالث بما أَشرنا إليه من أنَّ تقديرَ الكلام: وما كنَّا معذِّبين أحداً،
ويَلزم من ذلك انتفاءُ تعذيبٍ كلِّ واحدٍ من الناس، وذلك هو المطلوبُ؛ لأنَّ
الخصمَ لا يقول به. وعن الرابع بأنَّ الآية تدلُّ على انتفاء التعذيبِ قبلَ البعثة،
وانتفاؤه قبلَها ظاهراً يدلُّ على عدم الوجوبِ قبلها، فمَن ادَّعى أنَّ الوجوب ثابتٌ
وقد وقع التجاوزُ بالمغفرة فعليه البيانُ . اهـ.
وأنت تعلم أنَّه إذا كان الاستدلالُ إلزاميًّا كما قال به غيرُ واحد، لا يَرِد
الأمرُ الرابع أصلاً؛ لأنَّ المعتزلة لا يجوِّزون العفوَ عن تارك الواجبِ العقليِّ،
وقد أَشرنا إلى ذلك، نَعَم قال المراغيُّ في شرح ((منهاج الأصول)) للقاضي:
لا حاجةً إلى جعل الدليلِ إلزاميًّا بل يجوز إتمامُه على تقدير جوازِ العفوِ أيضاً
بأن يقالَ: وقوعُ العذابِ وإنْ لم يكن لازماً للوجوب، لكن عدمَ الأمنِ من
وقوعه لازمٌ له ضرورةً؛ إذ يجوز العقابُ على ترك الواجبِ عندنا وإنْ لم
يجب، وهذا اللازمُ، أعني عدمَ الأمنِ، منتفٍ؛ لدلالة الآيةِ على عدم وقوعِه،
فينتفي الملزوم.
ورُدَّ ذلك أوَّلاً: بمنع أنَّ عدمَ الأمنِ من وقوع العذابِ من لوازم تركِ الواجبِ
مطلقاً، بل عدمُ الأمن إذا لم يتيقَّن عدمُ وقوعِ العذاب بدليلٍ آخَر.
وأمَّا ثانياً: فبأنَّ انتفاءَ عدم الأَمن إنَّما هو بالآية؛ إذ قبلَ ورودِها كان العقابُ
جائزاً، ولا شكَّ أنَّ انتفاءه بها انتفاءٌ بالعفو؛ لأنَّ معنى العفوِ عدمُ العقاب، والآيةُ
تدلُّ عليه، فلم يتمَّ الدليلُ على تقدير جوازٍ العفو. وهو كما ترى.
وقيل: نجعل اللازمَ جوازَ العقاب، فيتمُّ الدليل تحقيقاً؛ لأنَّ جواز العفوِ
لا ينافي جوازَ العقاب.
وردّ بأنَّ الملازمةَ القائلةَ بأنَّه لو كان الوجوبُ ثابتاً قبل الشرع لَعذِّب تاركُ
الواجب وإن كانت مسلَّمة حينئذ، لكنَّ بطلانَ التالي ممنوعٌ؛ لأنَّ الآية إنَّما تدلُّ
على نفي وقوعِ العذابِ لا على نفي جوازِهِ.
وفيه أنَّ معنى: ((ما كنَّا معذِّبين)) ما سمعتَ، وهو يدلُّ على نفي الجواز. وقد كثر
استعمالُ هذا التركيبِ في ذلك، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا ظَلِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٩]

الآية : ١٥
٤٣٥
سُؤَدَةُ الإِسْرَاةِ
((وما كنا لاعبين))(١) إلى غير ذلك، ولو أُريد نفيُ الوقوع لَقيل: وما نعذِّب حتى نبعثَ
رسولاً .
وضعَّف الإمامُ(٢) الاستدلالَ بالآية بأنَّه لو لم يَثبت الوجوبُ العقليُّ لم يثبت
الوجوبُ الشرعيُّ البَّة، وهذا باطلٌ، فذاك باطل، قال: بيانُ الملازمةِ من وجوه:
أحدها: أنَّه إذا جاءَ الشارعُ واذَّعى كونَه نبيًّا من عند اللهِ تعالى وأَظهرَ
المعجزة، فهل يجبُ على المستمع استماعُ قولِهِ والتأمُّلُ في معجزته أَو لا يجب؟
فإنْ لم يجب، فقد بطل القولُ بالنبوّة، وإن وجب، فإمَّا أن يجبَ بالشّرع أو
بالعقل، فإن وجب بالعقل فقد ثبت الوجوبُ العقليُّ، وإنْ وجب بالشَّرع فهو باطلٌ؛
لأنَّ ذلك الشارعَ إِمَّا أن يكونَ هو ذلك المدَّعي أو غيرَه، والأوَّل باطل؛ لأنَّه يرجع
حاصلُ الكلام إلى أن يقولَ ذلك الرجل: الدليل على أنَّه يجب قَبولُ قولي أنّي
أَقول: يجب قبَولُ قولي. وهذا إثباتٌ للشيء بنفسه. وإنْ كان غيره، كان الكلامُ فيه
كما في الأوَّل، ولزم إمَّا الدَّور أو التسلسلُ، وهما محالان.
وثانيها: أنَّ الشرع إذا جاء وأَوجبَ بعضَ الأفعالِ وحرَّم بعضَها، فلا معنى
للإيجاب والتحريم إلَّا أن يقول: لو تركتَ كذا أو فعلتَ كذا لَعاقبتُك، فنقول: إمَّا
أن يجبَ عليه الاحترازُ عن العقاب أَو لا يجب، فإن لم يجب، لم يتقرَّر معنى
الوجوبِ البَّةَ، وإنْ وجب، فإمَّا أن يجبَ بالعقل أو بالسَّمع، فإنْ وجب بالعقل فهو
المقصودُ، وإنْ وجب بالسَّمع، لم يتقرَّر معنى الوجوبِ إلَّ بسبب ترتيبِ العقابِ
عليه، وحينئذٍ يعود التقسيمُ الأولُ ويلزم التسلسلُ، وهو محال.
وثالثها: أنَّ مذهب أهلِ السُّنة أنَّه يجوز من الله تعالى العفوُ عن العقاب على
تركِ الواجب، وإذا كان كذلك، كانت ماهيَّةُ الوجوبِ حاصلةً مع عدم العقاب، فلم
يبقَ إلَّا أن يقال: إنَّ ماهيةَ الوجوبِ إنما تتقرَّر بسبب حصولِ الخوفِ من العقاب،
وهذا الخوفُ حاصلٌ بمحض العقل، فثبت أنَّ ماهيةَ الوجوبِ إنَّما تحصلُ بسبب
(١) لا توجد آية بهذا اللفظ، وإنما جاء في سورة الأنبياء [١٦]: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا
بَيْنَهُمَا لَحِينَ﴾ .
(٢) في التفسير الكبير ١٧٢/٢٠-١٧٣ .

سُؤَدَةُ الإِسْرَةِ
٤٣٦
الآية : ١٥
هذا الخوف، وأنَّ هذا الخوفَ حاصلٌ بمجرَّد العقل، فلزم أنْ يقال: الوجوبُ
حاصلٌ بمجرَّد العقل، فإنْ قالوا: ماهيةُ الوجوبِ إنَّما تتقرَّر بسبب حصولِ الذَّمَ،
قلنا: إنَّه تعالى إذا عفا فقد سقط الذَّمّ، فعلى هذا ماهيةُ الوجوبِ إنَّما تتقرَّر بسبب
حصولِ الخوفِ من الذمِّ، وذلك حاصلٌ بمحضِ العقل، فثبت بهذه الوجوهِ أنَّ
الوجوب العقليَّ لا یمکن دفعُه. اهـ.
وتعقّبه العباديُّ بأنه يمكنُ الجوابُ عن الأوَّل بأنَّه إذا أَظهر المعجزةَ على دعواه
أنَّه رسول، ثبت صدقُه كما تقرَّر في محلِّه، فيجب قبولُ قولِه في كلِّ ما يُخبر به
عن الله تعالى، من غير لزوم محذورٍ من إثبات الشيءٍ بنفسه أو الدَّورِ أو التسلسل،
وإنْ كان ثبوتُ ما أَخبر به بالَشَرع، بمعنى أنَّ ثبوته بإخبار مَن ثبتت رسالتُه بالمعجزة
عن الله تعالى بذلك، وليس حاصلُ الكلام على هذا أنَّه يقول: الدليلُ على أنَّه
يجب قبولُ قولي أنِّي أقول: يجب [قبولُ](١) قولي، حتى يلزمَ ما يلزمُ، بل حاصلُه
أنَّه يقول: يجب قبولُ قولي لأنَّه ثبت أنِّي رسولُ اللهِ تعالى، فيجبُ صدقي وتصديقي
في كلِّ ما أدَّعيه. وليس في هذا شيءٌ من المحاذير السَّابقة.
وقد صرَّح السيدُ السندُ في شرح ((المواقف))(٢) بأنَّه يَثبت الشرعُ وتجب المتابعةُ
بمجرَّد دعوى الرسالةِ مع اقتران المعجزةِ وتمكّنِ المبعوث إليه العاقلِ من النّظر وإنْ
لم ينظر، وذَكَرَ أنه حينئذٍ لا يجوز للمكلَّف الاستمهال، ولو استَمهلَ لم يجب
الإِمهال؛ لجريان العادةِ بإيجاب (٣) العلم عقيبَ النظرِ الذي هو متمكَّن منه.
فعُلم أنَّه بمجرَّد دعوى الرسالةِ مع ما ذكر يثبت الوجوبُ بإخباره، وهو ثبوتُ
الشّرع؛ لأنَّ معنى الثبوتِ به هو الثبوتُ بالإخبار عن الله تعالى حقيقةً أو حكماً،
وعلى هذا لا يتأتّى الترديدُ الذي ذكره بقوله: لأنَّ ذلك الشرعَ إِمَّا أن يكونَ .. إلخ،
فليتأمَّل.
وعن الثاني بأنَّ وجوبَ الاحترازِ عن العقاب ليس أمراً أجنبيًّا عن وجوبٍ كذا
حتى يتوجَّهَ عليه الترديدُ الذي ذكره، بل هو نفسُ وجوبٍ كذا، أو لازمُه؛ إذ
(١) ما بين حاصرتين لم يرد في الأصل و(م)، وهي زيادة يقتضيها السياق.
(٢) ٢٣٢/٨.
(٣) في شرح المواقف: بإيجاد.
٠

الآية : ١٥
٤٣٧
سُورَةُ الإِسْراءِ
الاحترازُ ليس إلَّا بالإتيان بكذا الذي هو الواجبُ، فوجوبُ الاحترازِ إِمَّا وجوبُ
كذا أو لازمُه، فوجوبُه بوجوبه، فلا يَلزم الترديدُ المذكور.
وعن الثالث بأنَّه إن أراد بقوله: إنَّ ماهيةَ الواجبِ إنَّما تتقرَّر بسبب حصولٍ
الخوفِ من العقاب، أنَّ حصولَ الواجبٍ في الخارج بالإِتيان به إنَّما هو بسبب
حصولِ الخوف، فليس الكلامُ فيه، ومع ذلك إنَّا لا نسلِّم أنَّ الإتيان بالواجب
متوقِّف على حصول الخوف، وإنْ أراد أن تحقُّق وجوبِ الواجب - أي: تعلُّقَ
وجوبِه بالمكلَّف الذي هو التكليفُ التنجيزيُّ - متوقِّف على حصول الخوفِ
المذكور، فهو ممنوعٌ كما هو ظاهر. اهـ، فتدبّر.
وأنت تعلم أنَّ الاستدلالَ بالآية على تقدير تمامِه لا يختصُّ بالمعتزلة، بل
يشاركهم في ذلك أحدُ فريقَي الحنفيةِ من أهل السُّنَّة، وهم الماتريديةُ وعامةُ مشايخ
سمرقند؛ لأنَّهم وإنْ لم يقولوا كالمعتزلة بأنَّ العقلَ حاكمٌ بالحُسن والقُبح اللَّذينَ
أَثبتوهما جميعاً، لكنَّهم قالوا: إنَّ العقل آلةٌ للعلم بهما، فيخلقه اللهُ تعالى عقيبَ
نظرٍ العقل نظراً صحيحاً. وأَوجبوا الإيمانَ بالله تعالى وتعظيمَه، وحرَّموا نسبةً ما هو
شنيعٌ إليه سبحانه، حتى رُوي عن أبي حنيفةَ رَبُهُ أنَّه قال: لو لَم يَبعث الله تعالى
رسولاً، لوَجبَ على الخلق معرفتُه. وقد صرَّح غيرُ واحدٍ من علمائهم بأنَّ العقل
حجَّةٌ من حُجج اللهِ تعالى، ويجب الاستدلالُ به قبلَ ورودِ الشَّرع، واحتجُوا في
ذلك بما أَخبر اللهُ تعالى به عن إبراهيمَ عليه السلام من قوله لأبيه وقومِه: ﴿إِنَّ أَرَكَ
وَقَّوْمَكَ فِىِ ضَلَلٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٧٤] حيث قال ذلك ولم يَقُل: أَوحي إليَّ، ومن
استدلاله بالنُّجوم ومعرفةِ اللهِ تعالى بها وجعلها حجَّةً على قومه، وكذاك كلُّ الرسلِ
حاجُوا قومهم بحُجَج العقل، كما ينبئ عنه قوله تعالى: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِىِ اللَّهِ
شَكِكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية [إبراهيم: ١٠] وبقوله تعالى: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ
إِلَهَا ءَاخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ الآية [المؤمنون: ١١٧] حيث لم يقل: ومَن يدعُ مع اللهِ
إلهاً آخَرَ بعد ما أُوحي إليه أو بلغته الدَّعوة، وبقوله سبحانه خبراً عن أهل النَّار:
﴿وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَتْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُلَّا فِ أَمْخَبِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠] حيث أَخبروا أنَّهم
صاروا في النَّار لتركهم الانتفاعَ بالسَّمع والعقل.
وفيه أنَّهم لو انتفعوا بالعقول في معرفة الصانعِ قبلَ ورودِ الشَّرع، لم يصيروا في

سُورَةُ الإِشْرَاةِ
٤٣٨
الآية : ١٥
النَّار، وبأنَّ الحُجج السمعيةَ لم تكن حججاً إلَّا باستدلال عقليٍّ، وبأنَّ المعجزة بعد
الدَّعوة لا تُعرف إلَّا بدليل عقليٍّ، وآياتُ الأنفسِ والآفاقِ أدلُّ على الصانع من
دلالة المعجزة على أنَّها من الله تعالى، فلمَّا كان بالعقل كفايةُ معرفةِ المعجزة، كان
به كفايةُ معرفةِ اللهِ تعالى من طريق الأولى، وبأنَّ دعاء جميع الكَفَرة إلى دين
الإسلام واجبٌ على الأمَّة، ومعلومٌ أن الدَّهرية لا يُحتجُّ عليهم بكلامِ اللهِ تعالى
ورسولِه عليه الصلاة والسلام، فلم يبقَ إلَّا حُجَجُ العقولِ، إلى غير ذلك، وحينئذٍ
يقال لهم: لو وَجَبَ على الخلق معرفةُ اللهِ تعالى والإيمانُ به قبلَ بعثةِ رسول، لَزِمَ
تعذيبُ الكافرِ قبلها؛ لإخباره تعالى بأنَّه لا يَغفر الشركَ به، وقد نفى التعذيبَ في
الآية، فلا وجوبَ، ضرورةً انتفاءِ الملزوم بانتفاء اللازم، على نهج ما فُعل مع
المعتزلة.
والإمام الرازيُّ بعد أن ضعَّف الاستدلالَ بالآية وأَثبت الوجوبَ العقليَّ، ذكر
في الآية وجهين: الأوَّل: حملُ الرسولِ على العقل. والثاني: تخصيصُ العمومِ بأن
يقال: المرادُ: وما كنَّا معذّبين في الأعمال التي لا سبيلَ إلى معرفتها إلَّا بالشَّرعَ إلَّا
بعد مجيء الشَّرع، ثم قال: والذي نرتضيه ونذهب إليه أنَّ مجرَّد العقل سببٌ في أن
يجبَ علينا فعلُ ما يُنتفعَ به وتركُ ما يتضرَّر به، ويمتنع أن يحكمَ العقلُ عليه تعالى
بوجوب فعلٍ أو تركٍ فعل(١) . اهـ.
وأنت تعلم ما قيل مِن حَمل الرَّسولِ على العقل، وهو خلافُ استعمالِ القرآنِ
الكريم، ويُبعده توبيخُ الخزنةِ الكفارَ بقولهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيَكُمْ رُسُلُكُمْ بِلْبِنَتِ﴾
[غافر: ٥٠] ولم يقولوا: أوَلم تكونوا عقلاءَ، وحملُ الرسولِ فيه على العقل ممَّا
لا يرتضيه العقلُ، واعتذر هو عن التخصيصِ بأنَّه وإنْ كان عدولاً عن الظاهر، إلَّا
أنَّه يجب المصيرُ إليه إذا قام الدليلُ عليه، وقد قام بزعمه .
وأبو منصورٍ الماتُريديُّ ومَّبعوه حملوا الآيةَ على نفي تعذيبِ الاستئصالِ في
الدُّنيا، وذهب هؤلاء إلى تعذيب أهل الفترةِ بترك الإيمان والتوحيد، وهم: كلُّ مَن
كان بين رسولَين ولم يكن الأولُ مرسَلاً إليهم ولا أدركوا الثاني.
(١) التفسير الكبير ٢٠/ ١٧٢ -١٧٤ .

الآية : ١٥
٤٣٩
سُؤَدَةُ الإسْراءِ
واعتمد القولَ بتعذيبهم النوويُّ في ((شرح مسلم))(١) فقال: إنَّ مَن مات في
الفترة على ما كانت عليه العربُ من عبادة الأَوثانِ في النَّار، وليس في هذا مؤاخذةٌ
قبل بلوغ الدَّعوة، فإنَّ هؤلاء كانت بلغتهم دعوةُ إبراهيمَ وغيرِه من الرُّسل عليهم
السلام.
والظاهرُ أن النوويَّ يكتفي في وجوب الإِيمان على كلِّ أحدٍ ببلوغه دعوةَ مَن
قبله من الرُّسل وإنْ لم يكن مرسَلاً إليه، فلا منافاةً بين حكمه بأنَّهم أهلُ فترةٍ
بالمعنى السابق وحكمِه بأنَّ الدعوةَ بلغتهم، خلافاً للأُبِّيِّ في زعمه ذلك(٢)، نَعَم
إنَّما تلزم المنافاةُ لو ادَّعى أنَّ مَن تقدَّمهم من الرُّسل مرسلٌ إليهم، وليس فليس.
وإلى ذلك ذهب الحليميُّ، فقال في ((منهاجه))(٣): إنَّ العاقلَ المميِّز إذا سمع
أيةَ دعوةٍ كانت إلى الله تعالى، فترك الاستدلالَ بعقله على صحَّتها وهو من أهل
الاستدلالِ والنَّظر، كان بذلك مُعرِضاً عن الدَّعوة، فكفر، ويَبعد أن يوجَد شخصٌ
لم يبلُغْه خبرُ أحدٍ من الرُّسل على كثرتهم، وتطاولِ أزمانِ دعوتهم، ووفورٍ عددٍ
الذين آمنوا بهم واتَّبعوهم، والذين كفروا بهم وخالفوهم؛ فإنَّ الخبرَ قد يَبلغ على
لسان المخالفِ كما يبلغُ على لسان الموافق، ولو أمكن أن يكونَ لم يسمع قطُّ بدينٍ
ولا دعوةٍ نبيٍّ، ولا عَرَفَ أنَّ في العالَم مَن يُثبت إلهاً، ولا نرى أنَّ ذلك يكون،
فَأَمرُه على الاختلاف في أنَّ الإِيمان هل يجب بمجرَّد العقلِ أو لا بدَّ من انضمام
النقل.
وهذا صريحٌ في ثبوت تكلیفِ كلِّ أحدٍ بالإيمان بعد وجودٍ دعوة أحدٍ من الوُّسل
وإنْ لم يكن رسولاً إليه، وبالغ بعضُهم في اعتماد ذلك حتى قال: فمَن بلغته دعوةٌ
أحدٍ من الرُّسل عليهم السلام بوجهٍ من الوجوه فقصَّر في البحث عنها، فهو كافرٌ من
أهل الثَّار، فلا تغترَّ بقول كثيرٍ من النَّاس بنجاة أهلِ الفَترة مع إخبار النبيِّ وَ هُ بأنَّ
آباءهم الذين مضَوا في الجاهلية في النَّار. اهـ.
(١) ٧٩/٣.
(٢) في إكمال إكمال المعلم ٣٦٩/١-٣٧١. وهو أبو عبد الله محمد بن خِلْفة المعروف
بالأبي الوشتاتي، وصفه ابن حجر بأنه عالم المغرب بالمعقول. وله شرح المدونة. مات
سنة (٨٢٧هـ). شجرة النور الزكية ص ٢٤٤، والبدر الطالع ١٦٩/٢، والأعلام ١١٥/٦.
(٣) ١/ ١٧٥.

سُؤَةُ الإسْرَاةِ
٤٤٠
الآية : ١٥
والذي عليه الأشاعرةُ من أهل الكلام والأُصولِ والشافعيةُ من الفقهاء أنَّ أهلَ
الفترةِ لا يعذَّبون، وأَطلقوا القولَ في ذلك، وقد صحَّ تعذيبُ جماعةٍ من أهل
الفترة. وأُجيب بأنَّ أحاديثَهم آحادٌ لا تعارض القطعَ بعدم التعذيبِ قبلَ البعثة، وبأنَّه
يجوزُ أن يكونَ تعذيبُ مَن صحَّ تعذيبُهُ منهم لأمرٍ مختصٍّ به يقتضي ذلك عَلِمَه اللهُ
تعالى ورسولُهُ وَّ، نظير ما قيلَ في الحكم بكفر الغلامِ الذي قتله الخَضِرُ عليه
السلام مع صِباه.
وقيل: إنَّ تعذيبَ هؤلاء المذكورين في الأحاديث مقصورٌ على مَن غيَّر وبدَّل
من أهل الفترة بما لا يُعذَر به، كعبادة الأوثانِ وتغييرٍ الشرائع، كما فعلَ
عمرو بن لُحيّ.
ولا يخفى أنَّ هذا لا يوافق إِطلاقَ هؤلاء الأئمة، ولا القولَ بأنَّه لا وجوبَ إلَّا
بالشرع، ولو أمكنَ أن يكون مَن ثبت تعذيبُه من أتباع مَن بقي شرعُه إذ ذاك، كعيسى
عليه السلام، لم يبقَ إشكالٌ أصلاً .
واستدلَّ بعضُ مَن يقول بتعذيبهم مطلقاً بما أَخرج الحكيمُ الترمذيُّ في («نوادر
الأُصول))(١) والطبرانيُّ(٢)، وأبو نُعيم (٣) عن معاذ بن جبلٍ، عن رسولِ اللهِ وَّر قال:
(يؤتَى يومَ القيامة بالممسوخ عقلاً، وبالهالك في الفترة، وبالهالك صغيراً، فيقول
الممسوخُ عقلاً: يا ربِّ، لو آتَيْتَني عقلاً، ما كان مَن آتيتَه عقلاً بأسعدَ بعقله منِّي،
ويقول الهالكُ في الفترة: يا ربِّ، لو أتاني منك عهدٌ، ما كان مَن أتاه منك عهدٌ
بأسعدَ بعهدك مِنِّي، ويقول الهالكُ صغيراً: يا ربِّ، لو آتيتَني عُمراً، ما كان مَن آتّيتَه
عُمراً بأسعدَ بعُمره منِّي، فيقولُ لهم الربُّ تبارك وتعالى: فاذهبوا فادخُلوا جهنّم،
ولو دخلوها ما ضرَّتهم شيئاً، فتخرج عليهم قوابصُ(٤) من نارٍ يظنُّون أنَّها قد
أَهلكتْ ما خلق اللهُ تعالى من شيءٍ، فيرجعون سِراعاً ويقولون: يا ربَّنا خرجنا
وعزَّتك نريد دخولَها فخرجت علينا قوابصُ من نارٍ ظنًّا أنْ قد أهلكتْ ما خلق اللهُ
(١) ص٨٧ -٨٨.
(٢) في الأوسط (٧٩٥٥).
(٣) في الحلية ١٢٧/٥ .
(٤) أي: طوائف وجماعات. النهاية (قبص).