النص المفهرس

صفحات 401-420

الآية : ٧
٤٠١
سُورَةُ الإِسْرَةِ
واختار في ((الكشف)) - وقال: هو الحقُّ - أنَّ المبعوث عليهم في المرَّة الثانيةِ
بيردوس من ملوك الطوائف، وكأنَّه هو خردوش الذي مرَّ آنفاً، فقد ذكر أنَّه ملك
بابل من ملوك الطّوائف. وقيل: اسمُه جوزور.
وهؤلاء الملوكُ ظهروا بعد قتل الإسكندر دارا واستيلائه على ملك الفُرس،
وكان ذلك بصنع الإسكندرِ متَّبعاً فيه رأيَ معلِّمه أرسطو، وعدتُهم تزيد على سبعين
ملكاً، ومدةُ ملكهِم - على ما في بعض التواريخ - خمسُ مئة واثنتا عشرةَ سنة،
وحصل اجتماعُ الفرسِ بعد هذه المدةِ على أزدشير بن بابك طوعاً وكرهاً، وكان
أحدَ ملوك الطوائف على إصطخر.
وعلى هذا يكون المَلِكُ المبعوث لفساد بني إسرائيل بقتل يحيى عليه السَّلام مِن
أواخر ملوك الطوائف كما لا يخفى، ويكون بين هذا البعثِ والبعثِ الأوَّل - على
القول بأنَّ المبعوث بُخْتنَصَّر وأتباعُه - مدةٌ متطاولة، ففي بعض التواريخِ أنَّ قتل
الإسكندرِ دارا بعد بختنصر بأربع مئةٍ وخمس وثلاثين سنة، وبعد مُضيِّ نحوٍ من
ثلاث مئة سنة من غَلَبة الإسكندرِ وُلِدَ المسيحُ عليه الصلاة والسلام، ولا شكَّ أنَّ
قتل يحيى عليه الصَّلاة والسَّلام بعد الولادةِ بزمان، والبعثُ بعد القتل كذلك،
فيكون بين البعثَين ما يزيد على سبع مئةٍ وخمسٍ وثلاثين سنة.
والذي ذهب إليه اليهودُ أنَّ المبعوثَ أولاً بختنصر، وكان في زمن أرميا عليه
السلام، وقد أَنذرهم مجيئَه صريحاً بعد أنْ نهاهم عن الفساد وعبادة الأصنام،
كما نطق به كتابُه، فحبسوه في بئرٍ وجرحوه، وكان تخريبُه لبيت المقدسِ في السَّنة
التاسعةَ عشرةَ من حكمه، وبين ذلك وهبوطِ آدمَ ثلاثةُ آلافٍ وثلاث مئة وثمانٍ
وثلاثين سنة، وبقيَ خراباً سبعين سنة، ثم إنَّ أسبيانوس قيصرَ الروم وجَّه وزيرَه
طوطوز إلى خرابه، فخربه سنةً ثلاثةِ آلافٍ وثمان مئةٍ وثمانيةٍ وعشرين، فيكون بين
البعثين عندهم أربعُ مئة وتسعون سنة. وتفصيلُ الكلام في ذلك في كتبهم، واللهُ
تعالى أعلمُ بحقيقة الحال.
ونِعمَ ما قيل: إنَّ معرفةَ الأقوامِ المبعوثين بأعيانهم وتاريخ البعث ونحوِهِ ممَّا
لا يتعلَّق به كبيرُ غرض؛ إذ المقصودُ أنَّه لما كثرت معاصيهم، سلّط اللهُ تعالى عليهم
مَن ينتقم منهم مرّة بعد أخرى.

سُورَةُ الإِسْرَاءِ
٤٠٢
الآية : ٨
وظاهرُ الآية يقتضي اتِّحادَ المبعوثين أوَّلاً وثانياً، ومَن لا يقول بذلك، يجعل
رجوعَ الضمائر للعباد على حدِّ رجوعِ الضمير للدِّرهم في قولك: عندي درهمٌ
ونصفُهُ(١)، فافهم.
﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرَّحَمَكُمْ﴾ بعد البعثِ الثاني إنْ تبتم وانزجرتم عن المعاصي. ﴿وَإِنْ
عُدْتُمْ﴾ للإفساد بعد الذي تقدَّم منكم ﴿عُدْنَا﴾ للعقوبة، فعاقبناكم في الدُّنيا بمثل
ما عاقبناكم به في المرَّتين الأوليين.
وهذا مِن المقضيِّ لهم في الكتاب أيضاً، وكذا الجملةُ الآتية، وقد عادوا
بتكذيب النبيِّ وَّ﴿ وقصدِهم قتلَه، فعاد اللهُ تعالى بتسليطه عليه الصَّلاة والسَّلام
عليهم، فقتل قريظةً وأَجلَى بني النَّضير، وضرب الجزيةَ على الباقين. وقيل: عادوا
فعاد الله تعالى بأن سلَّط عليهم الأكاسرةَ، ففعلوا بهم ما فعلوا من ضرب الإتاوةِ
ونحوِ ذلك. والأوَّلُ مرويٌّ عن الحسن وقتادة. والتعبيرُ بـ (إنْ))؛ للإشارة إلى أنَّه
لا ينبغي أن يعودوا.
﴿وَحَعَلْنَا ◌َجَهَنَّمَ لِلْكَفِنَ حَصِيرًا ﴾﴾ قال ابن عباسٍ وغيرُه: أي: سجناً، وأنشد
في ((البحر))(٢) قولَ لَبيد:
ومَقَامةٍ غُلْبِ الرِّقابِ کأنهمْ
جِنٌّ على باب الحَصيرِ قيامُ(٣)
فإنْ كان اسماً للمكان المعروف، فهو جامدٌ لا يَلزم تأنيثُه وتذكيرُه، وإنْ كان
بمعنى حاصر، أي: محيطٌ بهم، وفَعيل بمعنى فاعل يلزم مطابقتُه، فعدمُ المطابقةِ
هنا إمَّا لأنَّه على النَّسب، كـ: لابن وتامر، أي: ذاتُ حَصْر، وعلى ذلك خُرِّج
قولُه تعالى: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَظِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨] أي: ذاتُ انفطار، أو لحمله على
فعیل بمعنی مفعول.
وقيل: التذكيرُ على تأويل جهنّم بمذكَّر. وقيل: لأنَّ تأنيثها ليس بحقيقيٍّ. نقل
ذلك أبو البقاء(٤)، وهو كما ترى.
(١) أي: ونصف درهم آخر.
(٢) ٦ / ١١.
(٣) ديوان لبيد ص ٢٩٠. والمقامة: الجماعة يجتمعون في المجلس. وغلب الرقاب: غلاظها.
(٤) في الإملاء ٣/ ٤٧٢ .

الآية : ٩
٤٠٣
سُورَةُ الإِسْرَارَة
وأخرج ابنُ المنذرِ وغيرُه عن الحسن أنه فسَّر ذلك بالفِراش والمِهاد. قال
الرَّاغب (١): كأنَّه جعل الحصيرَ المرمول، وأَطلق عليه ذلك لحَصْر بعضٍ طاقاته على
بعض، فحصيرٌ على هذا بمعنى محصور، وفي الكلام التشبيهُ البليغ.
وجاء الحصيرُ بمعنى السُّلطان، وأَنشد الراغبُ (١) في ذلك البيتَ السابقَ، ثم
قال: وتسميتُه بذلك، إمّا لكونه محصوراً، نحو محجَّب، وإمَّا لكونه حاصراً، أي:
مانعاً لمن أراد أن يمنعه من الوصول إليه. اهـ.
وحَمْلُ ما في الآية على ذلك ممَّا لم أرَ مَن تعرَّض له، والحَملُ عليه في غاية
البُعد، فلا ينبغي أن يحملَ عليه وإنْ تضمَّن معنّى لطيفاً يُدرَك بالتأمُّل.
وكان الظاهرُ أن يقالَ: لكم، بدل: ((للكافرين))، إلَّا أنه عُدل عنه تسجيلاً على
كفرهم بالعَود، وذمًّا لهم بذلك، وإشعاراً بعلَّة الحكم.
﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ﴾ الذي آتيناكَه، و((هذا)) متعلِّق بصدر السورة كما مرَّت الإِشارةُ
إليه، وفي الإِشارة بـ ((هذا)) تعظيمٌ لما جاء به النبيُّ المجتبى وَّل.
﴿يَهْدِى﴾ أي: الناسَ كافَّة، لا فِرقةٌ مخصوصةً منهم كدأب الكتابِ الذي آتيناه
موسى عليه السلام ﴿لِلَّتِى﴾ أي: للطريقة التي ﴿فِى أَقْوَمُ﴾ أي: أقومُ الطرقِ
وأسدُّها، أعني ملَّةَ الإِسلام والتوحيد، فـ ((للتي)) صفةٌ لموصوف حُذف اختصاراً،
وقدَّره بعضُهم الحالةَ أو الملَّة، وأيُّما قدِّرت لم تَجِدْ مع الإِثبات ذوقَ البلاغةِ الذي
تجده مع الحذف؛ لما في الإِبهام من الدَّلالة على أنَّه جرى الوادي وطمَّ على
القُرى.
و ((أقوم)) أفعلُ تفضيلٍ على ما أَشار إليه غيرُ واحد.
وقال أبو حيَّان(٢): الذي يظهر من حيث المعنى أنَّه لا يُراد به التفضيلُ؛ إذ
لا مشاركةَ بين الطريقةِ التي يَهدي لها القرآنُ وغيرِها من الطُرق في مبدأ الاشتقاقِ
لتفضَّلَ عليه، فالمعنى: للتي هي قيِّمة، أي: مستقيمة، كما قال الله تعالى: ﴿فِيهَا
(١) في المفردات (حصر).
(٢) في البحر ٦/ ١٣.

سُؤَةُ الإِسْرَاءِ
٤٠٤
الآية : ١٠
كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٣،٥]. اهـ. وإلى ذلك ذهب الإِمامُ
الرازي(١).
﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بما في تضاعيفه من الأحكام والشرائع.
وقرأ عبدُ الله، وطلحةُ، وابن وثَّاب، والأَخوان: ((ويَبْشُرُ)) بالتخفيف(٢)،
مضارعُ بَشَرَ المخفَّف، وجاء: بَشَرْته وبشَّرته وأَبشرته.
﴿الَّذِينَ يَعْمَلُونَ﴾ الأعمالَ ﴿الصَّلِحَتِ﴾ التي شُرحت فيه ﴿أَنَّ لَمْ﴾ أي: بأنَّ لهم
بمقابلة أعمالِهِم ﴿أَجْرًا كَبِيرًا ﴾﴾ بحسب الذَّات وبحسب التضعيفِ عشراً
فصاعداً، وفسَّر ابنُ جُرَيج الأجرَ الكبيرَ وكذا الرزقَ الكريمَ في كلِّ القرآن بالجنَّة.
﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِلَخِرَةِ﴾ وأحكامِها المشروحةِ فيه، من البعث والحساب
والجزاءِ من الثواب والعقابِ الروحانيّين والجسمانيّين.
وتخصيصُ الآخرةِ بالذِّكر من بين سائر ما لم يؤمن به الكفرةُ؛ لكونها معظمَ
ما أُمروا بالإيمان به، ولمراعاة التناسبٍ بين أعمالِهم وجزائها الذي أَنبأَ عنه قولُه
تعالى: ﴿أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾﴾ وهو عذابُ جهنّم، أي: أَعددنا وهيَّأْنا لهم
فيما كفروا به وأَنكروا وجودَه من الآخرة عذاباً مؤلماً، وهو أبلغُ في الزجر؛ لِمَا أنَّ
إتيان العذابٍ من حيث لا يُحتَسب أفظعُ وأفجع.
ولعل أهلَ الكتابِ داخلون في هذا الحكم؛ لأنَّهم لا يقولون بالجزاء
الجسمانيِّ، ويعتقدون في الآخرة أشياءَ لا أصل لها، فلم يؤمنوا بالآخرة وأحكامِها
المشروحةِ في هذا القرآنِ حقيقةَ الإِيمانِ، فافهم.
والعطفُ على: ((أنَّ لهم أجراً كبيراً)، فيكون إعدادُ العذابِ الأليم للذين
لا يؤمنون بالآخرة مبشراً به كثبوت الأجرِ الكبيرِ للمؤمنين الذين يعملون
الصالحات، ومصيبةُ العدوِّ سرورٌ يبشَر به، فكأنه قيل: يبشِّر المؤمنين بثوابهم
وعقابِ أعدائهم.
(١) في تفسيره ٢٠/ ١٦١ .
(٢) البحر المحيط ١٣/٦، وقراءة الأخوين حمزة والكسائي في التيسير ص ٨٧، والنشر ٢٣٩/٢.

الآية : ١٠
٤٠٥
سُؤَدَةُ الإِسْرَاةِ
ويجوز أن تكونَ البِشارةُ مجازاً مرسلاً، بمعنى مطلَقِ الإخبار الشاملِ للإِخبار
بما فيه سرورٌ، وللإِخبار بما ليس كذلك، وليس فيه الجمعُ بين معنيَي المشترك أو
الحقيقة والمجاز حتى يقالَ: إنَّه من عموم المجاز، وإنْ كان راجعاً لهذا، أو
العطف على ((يبشر)) أو ((يهدي)) بإضمار: يُخبر، فيكون من عطف الجملةِ على
الجملة. ولا يخفَى ما في الآية من ترجيح الوعدِ على الوعيد.
ونبّه سبحانه - على ما في ((البحر))(١) - بوصف المؤمنين بالَّذين يعملون
الصالحاتِ على الحالة الكاملةِ لهم؛ ليتحلَّى المؤمنُ بذلك، وأنت تعلم أنَّه إن فُسِّر
الأجرُ الكبير بالجنة، فهو ثابتٌ للمؤمن العاملِ وللمؤمن المفرِّط؛ إذ أصلُ الإيمان
متكفِّل بدخول الجنةِ فضلاً من الله تعالى ورحمةً. نَعَم ما أُعدَّ للعامل في الجنة
أعظمُ مما أُعدَّ للمفرِّط، وإن فسِّر بما أعدَّه الله تعالى في الآخرة من الجنة
والدرجاتِ العُلى وأنواعِ الكراماتِ فيها التي لا يتكفَّل بها مجرَّد الإيمان، فظاهرٌ أنَّ
ذلك غيرُ ثابتٍ للمؤمنَ المفرِّط، فلا بدَّ من التوصيف، ولا يَلزم منه عدمُ دخولٍ
المفرِّط الجنةَ. نَعَم يلزم منه ألَّا يَثبتَ له الأجرُ الكبيرُ بالمعنى السابق، والآياتُ
التي يُفهَم منها دخولُه الجنةَ كثيرة، ولعل هذه الآيةَ يُفهَم منها ذلك، واقتضى المقامُ
عدمَ التصريحِ بحكمه.
وفي ((الكشّاف))(٢) أنَّه تعالى ذكر المؤمنين الأبرارَ والكفارَ ولم يذكر الفَسَقة؛
لأنَّ الناس حينئذٍ إمَّا مؤمنٌ تقيّ، وإمَّا مشرك، وأصحابُ المنزلةِ بين المنزلتين
إنَّما حدثوا بعد ذلك.
وتعقّبه أبو حيَّان بأنَّه مكابرة، فقد وقع في زمان الرسولِ وَّ من بعض المؤمنين
هَفَواتٌ وسقطات، بعضُها مذكورٌ في القرآن، وبعضُها مذكورٌ في الأحاديث
الصحيحة . اهـ.
والمقرَّر في الأصول أنَّ الأكثر علی عدالة الصحابة، ومَن طرا له منھم قادحٌ،
كسرقة وزنّى، عُمِل بمقتضاه، ثمَّ ما ذكره من المنزلة بين المنزلتين، الظاهرُ أنَّه أراد
(١) ٦/ ١٣.
(٢) ٤٣٩/٢ -٤٤٠ .

سُؤَةُ الاسْراءة
٤٠٦
الآية : ١١
بما ذهب إليه إخوانُه المعتزلة من أنَّ مرتكبَ الكبيرةِ ليس بمؤمن ولا كافرٍ، وإذا
مات من غير توبةٍ خلِّد في النار، وقد رُدَّ ذلك في علم الكلام، فتدبّر.
وقوله تعالى ﴿وَيَدْعُ اَلْإِسَنُ بِلشَّرِّ﴾ قال شيخُ الإسلامِ(١): بيانٌ لحال المهديِّ إثرَ
بيان حالِ الهادي، وإظهارٌ لما بينهما من التباين.
والمرادُ بـ ((الإِنسان)) الجنسُ، أُسند إليه حالُ بعضِ أفراده، وهو الكافرُ، وإليه
يُشير كلامُ ابنِ عباسٍ رَّا. أو حُكي عنه حالُه في بعض أحيانه، كما يقتضيه ما رُوي
عن الحسن ومجاهدٍ .
فالمعنى على الأول أنَّ القرآن يدعو الإنسانَ إلى الخير الذي لا خيرَ فوقه من
الأجر الكبير، ويُحذِّره من الشّرِّ الذي لا شرَّ وراءه من العذاب الأليم، وهو - أي:
بعضُ أفراده، أَعني الكافرَ - يدعو لنفسه بما هو الشرُّ من العذاب المذكور، إمَّا
بلسانه حقيقةً، كدأب مَن قال منهم: ﴿اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ
فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةٌ مِنَ السَّمَاءِ أَوِ أَثْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] ومَن قال:
﴿فَأْنَا بِمَا تَعِدُنَّاً إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِقِينَ﴾ [الأعراف: ٧٠] إلى غير ذلك مما حُكي
عنهم. وإمَّا بأعمالهم السيئةِ المفضيةِ إليه، الموجبةِ له مجازاً، كما هو ديدنُ كلِّهم.
وبعضُهم جعل الدعاءَ باللسان مجازاً أيضاً عن الاستعجال استهزاءً.
﴿دُعَلَهُ﴾ أي: دعاءً كدعائه، فحُذف الموصوفُ وحرفُ التشبيه، وانتصب
المجرورُ على المصدريَّة، وهو مرادُ مَن قال: مِثلَ دعائه ﴿بَلْخَيْرِ﴾ المذكورِ فَرْضاً
لا تحقيقاً؛ فإنَّه بمعزلٍ عن الدعاء به، وفيه رمزٌ إلى أنَّه اللائقُ بحاله.
﴿وَكَانَ الْإِسَنُ﴾ أي: مَن أُسند إليه الدعاءُ المذكورُ من أفراده ﴿عَجُلًا
يسارع إلى طلب كلِّ ما يخطرُ بباله، متعامياً عن ضرره، أو مبالغاً في العجلة،
يستعجل الشرَّ والعذابَ، وهو آتيه لا محالةَ، ففيه نوعُ تهكُّم به. وعلى تقدير
حملِ الدعاءِ على أعمالهم تُجعل العَجوليةُ على اللَّجِّ والتمادي في استيجاب
العذابِ بتلك الأعمال.
والمعنى على الثاني أنَّ القرآنَ يدعو الإِنسانَ إلى ما هو خيرٌ، وهو في بعض
(١) في إرشاد العقل السليم ١٥٨/٥ -١٥٩ .

الآية : ١١
٤٠٧
سُورَةُ الإِسْرةِ
أحيانِه - كما عند الغضب - يَدَعهُ ويدعو اللهَ تعالى لنفسه وأهلِهِ ومالِه بما هو شرٌّ،
وكان الإِنسانُ بحسب جِبَلَّته عجولاً ضَجِراً، لا يتأنَّى إلى أن يزولَ عنه ما يعتريه.
أخرج الواقديُّ في ((المغازي)) (١) عن عائشةَ ﴿ُّ أن النبيَّ ◌ِ ◌َّ دخل عليها بأسيرٍ
وقال لها: ((احتفظي به)) قالت: فلهوتُ مع امرأة، فخرج ولم أَشعر، فدخل
النبيُّ ◌َّ فسأل عنه، فقلت: واللهِ لا أدري، وغفلتُ عنه فخرج، فقال: ((قطع اللهُ
يدَك)) ثم خرج عليه الصَّلاة والسَّلام فصاح به، فخرجوا في طلبه حتى وجدوه، ثم
دخل عليَّ فرآني وأنا أُقْلِّب يدي، فقال: ((ما لكِ))؟ قلت: أنتظر دعوتَك، فرفع يديه
وقال: ((اللهمّ إنَّما أنا بشرٌ، آسَفُ وأغضب كما يغضب البشر، فأيُّما مؤمنٍ أو مؤمنةٍ
دعوتُ عليه بدعوة فاجعلها له زكاةً وطُهراً)).
أو يدعو بما هو شرٌّ ويحسبه خيراً، وكان الإنسان عجولاً غيرَ مستبصر، لا يتدبَّر
في أموره حقَّ التدبُّر ليتحقَّقَ ما هو خيرٌ حقيقٌ بالدعاء به، وهو شرٌّ جديرٌ بالاستعاذة
منه . اهـ مع بعض زيادةٍ وتغيير.
واختار إرادةَ الكافرِ من الإنسان الأوَّلِ بعضُ المحقّقين، وذَكَرَ في وجه ربطِ
الآيات أنَّه تعالى لمَّا شرح ما خصَّ به نبيَّهِ وََّ من الإِسراء وإيتاءِ موسى عليه السلام
التوراةَ، وما فعله بالعصاة المتمرِّدين من تسليط البلاءِ عليهم، كان ذلك تنبيهاً على
أنَّ طاعةَ اللهِ تعالى توجِب كلَّ خيرٍ وكرامة، ومعصيتَه سبحانه توجب كلَّ بليَّةٍ
وغرامة، لا جَرَمَ قال: (إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِى) إلخ، ثم عطف عليه: (وَجَعَلْنَا أَلَيْلَ) إلخ
بجامع دليلِ العقلِ والسمع، أو نعمَتَي الدِّين والدنيا، وأما اتِّصال قولِه تعالى: (وَيَدْعُ
الْإِنسَنُ) إلخ، فهو أنَّه سبحانه لمَّا وصف القرآنَ حتى بلغ به الدرجةَ القصوى في
الهداية، أتى بذِكر مَن أَفرط في كفران هذه النعمةِ العظمى قائلاً: (اللَّهُمَّ إِن كَانَ
هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ) إلخ.
ومثلُ هذا ما قيل: إنَّه تعالى بعد أن وصف القرآنَ بما وصف، ذمَّ قريشاً بعدم
سؤالِهم الهدايةَ به، وطلبهِم إِنزالَ الحجارةِ عليهم، أو إيتاءَ العذابِ الأليم إنْ كان حقًّا .
وفي ((الكشف)) أنَّ قولَه تعالى: (وَيَدْعُ الْإِنسَنُ) إلخ بيانُ أنَّ القرآنَ يهديهم للتي
هي أقوم، ويأبَون إلَّا التي هي أَلوم، وهو وجهٌ للربط مطلقاً .
(١) وأحمد في المسند (٢٤٢٥٩).

سُورَةُ الإِسْرَةِ
٤٠٨
الآية : ١١
وكلُّ ما ذكروه في ذلك متقارِب. ويَرِد على حَمْلِ الدُّعاءِ على الدعاء
بالأَعمال، والعَجوليةِ على اللَّجِّ والتمادي في استيجاب العذابِ بتلك الأَعمالِ
خلافُ المتبادرِ كما لا يخفَى.
وفسَّر بعضُهم الإِنسانَ الثاني بآدمَ عليه السلام؛ لِما أخرج ابنُ جَرِير(١) وابنُ
المنذر وغيرُهما عن سلمانَ الفارسيِّ قال: أوَّلُ ما خلق اللهُ تعالى من آدمَ عليه
السلام رأسُه، فجعل ينظر وهو يُخلَق، وبقيت رجلاه، فلما كان بعدَ العصر قال:
يا ربِّ أَعجِل قبلَ الليل، فذلك قوله تعالى: (وَكَانَ الْإِسَنُ عَجُلًا). ورُوي نحوُه عن
مجاهدٍ، وروى القرطبيُّ(٢) - والعُهدةُ عليه - أَنه لمَّا وصلت الرُّوحُ لعينيه، نظر إلى
ثمار الجنَّة، فلمَّا دخلت جوفَه اشتهاها، فوثب عَجِلاً إليها فسقط.
ووجهُ ارتباطِ ((وكان الإنسان ... )) إلخ على هذا القولِ إفادتُهُ أنَّ عجلته بالدُّعاء
لضجره، أو لعدم تأمُّله مِن شأنه، وأنَّه موروثٌ له من أصله، وشِنشنةٌ يعرفها من
أَخزم. فهو اعتراضٌ تذييليٍّ، وكلام تعليليٌّ، والأَوْلى إرادةُ الجنسِ وإن كان ألفاظُ
الآيةِ لا تنبو عن إرادة آدمَ عليه السلام كما زعم أبو حيَّان(٣).
ثم إنَّ الباءَ في الموضعين على ظاهرها صِلةُ الدُّعاء. وقيل: إنَّها بمعنى ((في))،
والمعنى: يدعو في حالة الشرِّ والضُّرِّ كما كان يدعو في حالة الخيرِ، فالمدعوُّ به
ليس الشرَّ والخير. وقيل: إنَّها للسببية، أي: يدعو بسبب ذلك. وكلا القولَين
مخالفان(٤) للظاهر لا يعوَّل عليهما .
واستُدلَّ بالآية - على بعضِ الاحتمالات - على المنع من دعاءِ الرَّجل على
نفسه، أو على ماله، أو على أَهله، وقد جاء النهيُ عن ذلك صريحاً في بعض
الأَخبار، فقد أخرج أبو داود(٥) والبزَّارُ عن جابرٍ قال: قال رسول الله وَلّى:
(١) في تفسيره ١٤/ ٥١٤.
(٢) أورده في تفسيره ٣٦/١٣ عن ابن مسعود ربه. وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات
(٧٧٣) مطولاً .
(٣) في البحر ١٣/٦-١٤.
(٤) في الأصل و(م): مخالفين.
(٥) الدر المنثور ١٦٦/٤، وسنن أبي داود (١٥٣٢)، ولم نقف عليه عند البزار، وهو عند مسلم
(٣٠٠٩).

الآية : ١١
٤٠٩
سُؤَةُ الإِسْرَةِ
((لا تَدْعوا على أنفسكم، لا تَدْعوا على أولادكم، لا تدعوا على أموالكم؛ لئلا
توافقوا من الله تعالى ساعةً فيها إجابةٌ فيستجيب لكم)) وبه يُرَدُّ على ما قيل من أنَّ
الدعاءَ بذلك لا يُستجاب فضلاً من الله تعالى وكرماً.
واستُشكل بأنَّ النبيَّ وَ ◌ّ دعا على أهله كما سمعتَ في حديث الواقديِّ.
وأُجيب عن ذلك بأنَّه كان للزَّجر وإنْ كان وقتَ الغضب، وقد اشترط وَّ على ربِّه
سبحانه في مثل ذلك أن يكونَ رحمة، فقد صحَّ أنَّه عليه الصلاة والسلام قال: ((إنِّي
اشترطت على ربِّي فقلت: إنَّما أنا بَشَر، أرضى كما يرضى البشر، وأَغضب
كما يغضب البَشَر، فأُيُّما أحدٍ دعوتُ عليه من أُمَّتي بدعوةٍ ليس لها بأهل، أن
تجعلَها له طهوراً وزكاةً وقُربة))(١) .
وذكر النوويُّ(٢) في جواب ما يقال: إنَّ ظاهر الحديثِ أنَّ الدعاءَ ونحوَه كان بِسَبب
الغضب، ما قال المازريُّ(٣) من أنَّه يحتمل أنَّه وَلِّ أراد أنَّ دعاءَه وسبَّه ونحوهما كان
مما يخيّر فيه بين أمرين: أحدهما: هذا الذي فعله، والثاني: زَجْرُه بأمر آخَر، فحمله
الغضبُ لله تعالى على أحد الأمرين المخيَّرِ فيهما، وليس ذلك خارجاً عن حكم
الشَّرع، والمرادُ من قوله عليه الصلاة والسلام: ((ليس لها بأهل)) ليس لها بأهلٍ عند الله
تعالى وفي باطن الأَمرِ، ولكنَّه في الظّاهر مستوجِبٌ لذلك، وقد يُستدلُّ على ذلك
بأَمارات شرعية، وهو مأمورٌ بِّهِ بالحكم بالظّاهر، والله تعالى يتولَّى السرائر.
وقيل: إنَّ ما وقع منه عليه الصلاة والسلام من الدُّعاء ونحوِه ليس بمقصود، بل
هو ممَّا جرت به عادةُ العربِ في وصل كلامِها بلا نيَّة، كـ: ((تَرِبَت يمينُك))(٤)،
و(عَقْرَى حَلْقَى))(٥)، لكن خاف ◌َّ أن يصادِفَ شيءٌ من ذلك إجابةً، فسأل ربَّه
(١) أخرجه بنحوه مسلم (٢٦٠٠) و(٢٦٠١) و(٢٦٠٢) و(٢٦٠٣) من حديث عائشة وأبي هريرة
وجابر وأنس
(٢) في شرح صحيح مسلم ١٥٣/١٦.
(٣) في المعلم ١٦٨/٣ .
(٤) أخرجه البخاري (٦١٥٦)، ومسلم (١٤٤٥) (٠٠) من حديث عائشة رة
(٥) أخرجه البخاري (٦١٥٧) من حديث عائشة ينا، والخبر المذكور أعلاه قاله وَله لصفية رهـ
حين أراد أن ينفر في الحج، فرأى صفية على باب خبائها كئيبة حزينة لأنها حاضت، فقال
لها ذلك، ومعنى عقرى حلقى: أي عقرها الله وأصابها بعقر في جسدها ... النهاية (عقر).

سُؤَةُ الإِشْرَةِ
٤١٠
الآية : ١٢
سبحانه وتعالى ورَغِبَ إليه في أَن يجعلَ ذلك زكاةً وقُربة، نَعَم في ذِكر حديث
الواقديٌّ ونحوِهِ، كالحديث الذي ذكره البيضاويُّ (١) في المقام الذي ذكر فيه،
لا يخلو عن شيء، فتأمَّل.
ثم إنَّ القياس إِثباتُ الواوٍ في ((يدع الإنسان)) إذ لا جازمَ تُحذَف له، لكن نُقل
القرآنُ العظيم كما سُمع، ولم يتصرَّف فيه الناقلُ بمقدار فهمِه وقوَّةِ عقله.
﴿وَحَعَلْنَا الَّلَ وَالنَّهَارَ ءَايَيْنِ﴾ هذا - على ما قيلَ - شروعٌ في بيان بعضٍ ما ذُكر من
الهداية بالإِرشاد إلى مسلك الاستدلال بالآيات والدَّلائلِ الآفاقية، التي كلُّ واحدةٍ
منها برهانٌ نيِّر لا ريبَ فيه، ومنهاجٌ بَيِّن لا يَضلُّ مَن ينتحيه؛ فإنَّ الجعل المذكورَ
وما ◌ُطف عليه وإنْ كانا من الهدايات التكوينية، لكنَّ الإِخبارَ بذلك من الهدايات
القرآنيةِ المنِّهة على تلك الهدايات.
وذكر الإِمامُ(٢) في وجه الربطِ وجوهاً:
الأوَّل: أنَّه تعالى لمَّا بَيَّن في الآية المتقدِّمةِ ما أَوصل إلى الخَلق من نِعَم الدِّين
وهو القرآنُ، أَتبعه ببيان ما أَوصل إليهِم من نِعَم الدُّنيا، فقال سبحانه: (وَحَعَلْنَا) إلخ،
وكما أنَّ القرآن ممتزجٌ من المحكم والمتشابه، كذلك الزمانُ مشتملٌ على الليل
والنَّهار، وكما أنَّ المقصودَ من التكليف لا يتمُّ إلَّا بذكر المحكم والمتشابه،
فكذلك الزمانُ لا يَكمل الانتفاعُ به إلَّا بالنَّهار والليل.
الثاني: أنَّه تعالى وصف الإِنسانَ بكونه عجولاً، أي: منتقلاً من صفةٍ إلى
صفة، ومن حالةٍ إلى حالة، بيَّن أنَّ كلَّ أحوالِ العالَم كذلك، وهو الانتقالُ من
النُّور إلى الظلمة، وبالصِّدّ، وانتقالُ نورِ القمر من الزيادة إلى النُّقصان، وبالصِّد.
الثالث: نحوُ ما نقلناه أوَّلاً، ولعله الأَوْلى.
وتقديمُ الليل لمراعاة الترتيبِ الوجوديّ؛ إذ منه ينسلُ النهار، وفيه تظهر غُررُ
الشهورِ العربية، ولترتيب غايةِ النَّهار عليها بلا واسطة، وممَّا يزيد تقديمَ الليل حُسناً
افتتاحُ السورة بقوله سبحانه: (سُبْحَنَ اُلَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا).
(١) في تفسيره ٣/ ١٩٧ .
(٢) في التفسير الكبير ١٦٣/٢٠-١٦٤.

الآية : ١٢
٤١١
سورة الإسرارة
والجعلُ - على ما نُقل عن السَّمين(١) - بمعنى التصيير، مُتَعَدٍّ لاثنين، أو بمعنى
الخلقِ متعدٍّ لواحد، و((آيتين)) حالٌ مقدَّرة.
واستشكل الأوَّلَ الكرمانيُّ بأنَّه يستدعي أن يكونَ الليلُ والنهار موجودَين على
حالةٍ ثم انتقلا منها إلى أخرى، وليس كذلك.
ودُفع بأنَّه من باب: ضيِّق فمَ الرَّكية، وهو مجازٌ معروف، واستظهر هذا
أبو حيَّان(٢)، والمعنى: جعلنا المَلَوين بهيآتهما وتعاقبهما واختلافِهما في الطُّول
والقِصَر على وتيرةٍ عجيبة آيتين تدلّان على أنَّ لهما صانعاً حكيماً قادراً عليماً،
ويَهديان إلى ما هدى إليه القرآنُ الكريم من الإِسلام والتوحيد.
﴿فَمَحَوْنَآ ءَايَةً أَلَِّلِ﴾ الإضافةُ هنا وفيما بعدُ إمَّا بيانيّة، كما في إضافة العددِ إلى
المعدود، نحو: أربع نسوة، أي: محونا الآيةَ التي هي الليلُ، أي: جعلنا الليلَ
ممحوَّ الضوءِ مطموسَه، مظلماً لا يستبينُ فيه شيءٌ كما لا يستبين ما في اللوح
الممحوِّ. وإلى ذلك ذهب صاحبُ ((الكشَّاف))(٣)، ورُوي عن مجاهد، وهو على
نحو: ضيِّق فمَ الرَّكية، والفاءُ تفسيرية؛ لأنَّ المحو المذكورَ وما عُطف عليه ليسا
ممَّا يحصل عقيبَ جعلِ الجديدين آيتين، بل هما من جملة ذلك الجعلِ ومتمِّماته.
وقيل: معنى محوِ اللَّيل إزالةُ ظلمتِهِ بالضَّوء. ورجِّح بأنَّ فيه إبقاءَ المحوِ على
حقيقته، وهو إزالة الشيءِ الثابت، وليس فيما ذكره الزمخشريُّ ذلك، ولا ينبغي
العدولُ عن الحقيقة بلا ضرورة.
وتعقِّب بأنَّه يكفي ما بعده قرينةً على تلك الإِرادة، فإنَّ محوَ الليلِ في مقابلة
جعلِ النهارِ مبصراً. وعلى ما ذُكر من المعنى الحقيقيِّ لا يتعلَّق بمحو الليلِ فائدةٌ
زائدةٌ على ما بعده، وقيل عليه: إنَّ الظلمةَ هي الأصل، والنور طارئ، فكونُ الليلِ
مخلوقاً مطموسَ الضوءِ مفروٌ عنه، فالمرادُ بيانُ أنَّ اللهَ تعالى خلق الزمانَ ليلاً
مظلماً، ثم جعل بعضَه نهاراً بإحداث الإِشراق لفائدةٍ ذكرها سبحانه، وكونُ محو
(١) الدر المصون ٣٢١/٧.
(٢) في البحر ٦/ ١٤.
(٣) ٤٤٠/٢.

سُورَةُ الاسْرَاة
٤١٢
الآية : ١٢
الليلِ في مقابلة جعلِ النَّهار مضيئاً لا يوجِب حملَه على المجاز؛ لفائدة بيانِ إبقاءٍ
بعض الزَّمان على إظلامه وجعلِ بعضِه مضيئاً. اهـ. ولا يخفى ما فيه من التكلُّف،
وأنَّ المقامَ لا يلائمه، فالمعوَّل عليه ما في ((الكشّاف)).
﴿وَجَعَلْنَآ ءَايَةَ النََّارِ﴾ أي: الآيةَ التي هي النهارُ ﴿مُبْصِرَةً﴾ أي: مضيئةً، فهو
مجازٌ بعلاقة السَّببية، أو الإِسنادُ مجازيٌّ كما في: نهارُه صائم، والمرادُ: يُبصِر
أهلُها، أو الصيغةُ للنسب، أي: ذات إبصار، أو هي من: أَبصره، المتعدِّي، أي:
جعله مبصِراً ناظراً، والإِسنادُ إلى النهار مجازيٌّ أيضاً، من الإِسناد إلى السَّبب
العاديِّ، والفاعل الحقيقيُّ هو اللهُ تعالى، أو من باب: أفعل، المرادِ به غيرُ مَن
أُسند إليه، كأَضعفَ الرجل، إذا كانت دوابُّه ضعافاً، وأَجبنَ، إذا كان أهلُه جبناءَ،
فَأَبصرت الآيةُ، بمعنى: صار أهلُها بصراءَ. وروي ذلك عن أبي عبيدة، وهو معنّى
وضعيٌّ لا مجازيٌّ.
وقرأ قتادةُ وعليٍّ بن الحسين ﴿هَا: ((مَبْصَرةً)) بفتح الميم والصَّادُ(١)، وهو مصدر
أُقيم مُقامَ غيرِهِ، وكَثُر مثلُ ذلك في صفات الأَمكنة، كأَرضَ مَسبَعة، ومكان مَضَبَّة.
وإما إضافة لامية، وآيتا الليلِ والنهارِ نيِّراهما القمرُ والشمس، ويُحتاج حينئذٍ
في قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا الَّلَ وَالنََّارَ ءَايَنَِّنٌ) إلى تقدير مضافٍ في الأول أَو الثاني،
أي: جعلنا نِيِّرَي الليلِ والنهار آيتين، أو: جعلنا الليلَ والنهارَ ذَوَي آيتين، إن جُعِل
(جعل)) متعدِّياً إلى مفعولَين، والليلُ والنهارُ هو المفعولَ الأوَّل، وآيتين الثاني، فإن
عُكِس، كما استظهره أبو حيَّان، وجُعل الليلُ والنهارُ نصباً على الظرفية في موضع
المفعولِ الثاني، أي: جعلنا في الليل والنهارِ آيتين، وهما النيِّران، لا يُحتاج إلى
تقدير، كما إذا جعل الجعلُ متعدِّياً لواحد، والليلُ والنهارُ منصوبان على الظرفية
كما جوَّزه المعربون.
ومحوُ آيَةِ الليل - وهي القمرُ على ما تدلُّ عليه الآثار - إزالةُ ما ثبت لها من
النُّور يوم خُلِقت، فقد أَخرج ابن جَرير وابنُ المنذر(٢) عن ابن عباسٍ في الآية أنَّه
(١) البحر المحيط ٦/ ١٤، وينظر القراءات الشاذة ص ٧٥.
(٢) الدر المنثور ١٦٦/٤، وتفسير الطبري ٥١٦/١٤-٥١٧.

الآية : ١٢
٤١٣
سُورَةُ الإسْراءِ
قال: كان القمرُ يضيءُ كما تضيءُ الشمس، وهو آيةُ الليلِ فُمُحي، فالسَّوادُ الذي في
القمر أَثرُ ذلك المحو.
وأخرج عبدُ بن حُمَيد وغيرُه عن عكرمةَ أنَّه قال: خلق اللهُ تعالى نورَ الشمس سبعين
جزءاً، ونورَ القمرِ سبعين جزءاً، فمحَى من نور القمرِ تسعةً وستِين جزءاً، فجعله مع نور
الشَّمس، فالشمسُ على مئةٍ وتسعةٍ وثلاثين جزءاً، والقمرُ على جزءٍ واحدٍ(١).
وأخرج ابنُ أبي حاتمٍ عن محمد بن كعب القرظيِّ أنَّه قال: كانت شمسٌ بالليل
وشمسٌ بالنهار، فمحَى اللهُ تعالى شمسَ الليل، فهو المحوُ الذي في القمر(١).
وأخرج البيهقيُّ في ((دلائل النبوَّة)) وابنُ عساكرٍ عن سعيدِ المَقْبُري: أنَّ
عبد الله بنَ سَلامٍ سأل النبيَّ وَّهِ عن السَّواد الذي في القمر، فقال: ((كانا شمسين))
وقال: ((قال الله تعالى: (وَجَعَلْنَا أَلَّلَ وَالنَّهَرَ ءَايَنَيْنٌ فَحَوْنَآ ءَايَةَ أَلَِّلِ) فالسَّوادُ الذي
رأيتَ هو المحو))(٢).
وفي حديثٍ طويل أَخرجه ابنُ أبي حاتمٍ وابنُ مردويه بسند واهٍ عن ابن عباسٍ
مرفوعاً: ((إنَّ اللهَ تعالى خلق شمسَين من نورِ عرشِه، فأَرسل جبريل عليه السلام،
فأمرَّ جناحَه على وجه القمر وهو يومئذٍ شمسٌ ثلاثَ مرَّات، فطُمس عنه الضوءُ،
وبقي فيه النورُ، وذلك قولُه تعالى: (وَحَعَلْنَا اَلَيْلَ وَالنَّهَارَ ءَايَنَيْنٍ) الآية(٣). إلى غير
ذلك من الآثار.
وقيل: والفاءُ على هذا للتعقيب، وجَعْلُ آيَةِ النهار - وهي الشمسُ - مبصرةً،
على نحو ما تقدَّم، فتبصّر.
وقيل: محو القمر إمَّا خَلْقُه كَمِداً مطموسَ النور غيرَ مشرقٍ بالذات، على
ما ذكره أَهلُ الهيئةِ من أنَّه غيرُ مضيءٍ في نفسه، بل نوره مستفادٌ من ضوء الشَّمس،
فالفاءُ تفسيرية كما مرَّ، وإمَّا نقصُ ما استفاده من الشَّمس شيئاً فشيئاً بحسب الرُّؤية
والإِحساس، إلى أن ينمحقَ على ما هو معنى المحوٍ، فالفاءُ للتعقيب.
(١) الدر المنثور ٤/ ١٦٤.
(٢) الدر المنثور ١٦٦/٤، ودلائل النبوة ٢٦١/٦-٢٦٢، وتاريخ مدينة دمشق ١١١/٢٩.
(٣) الدر المنثور ١٦٦/٤.

سُورَةُ الإِسْرَارَة
٤١٤
الآية : ١٢
وذكر الإِمامُ(١) في نحوه قولَين: أحدهما: نقصُ نورِه قليلاً قليلاً إلى المُحاق،
وثانيهما: جعلُه ذا كَلَف، ثم قال: حَمْله على الوجه الأوَّل أَوْلى؛ لأنَّ اللام في
الفعلين بعدُ متعلِّق بما هو المذكورُ قبل، وهو محوُ آيَةِ الليلِ وجَعْلُ آيةِ النهار
مبصِرة، ومحوُ آيَةِ اللَّيل إنَّما يؤثِّر في ابتغاء فضلِ اللهِ تعالى إذا حملنا محوَ القمرِ
على زيادة نورٍ القمر ونقصانِه؛ لأنَّ سبب حصولِ هذه الآيةِ مختلفٌ باختلاف
أحوالِ نورِ القمر، وأهلُ التجاربِ أَثبتوا أنَّ اختلاف أحوالِ القمرِ في مقادير النورِ
له أثرٌ عظيمٌ في أحوال هذا العالَم ومصالِحِه، مثلُ أحوالِ البحارِ في المدِّ والجزر،
ومثلُ أحوالِ البحراناتِ على ما يذكره الأطباءُ في كتبهم(٢). وأيضاً بسبب زيادةِ نورٍ
القمر ونقصانِه يحصل الشهورُ، وبسبب معاودةِ الشهور يحصل السِّنونَ العربيةُ المبنيةُ
على رؤية الهلال، كما قال سبحانه: (وَلِتَعْلَمُوا) إلخ. اهـ.
وأنت تعلم أنَّه متى دلَّ أَثرٌ صحيح عن رسول اللهِ وَّه ـ على ما ذكرناه
أوَّلاً - لا ينبغي أن يُدَّعى أنَّ غيره أَولى، وهو لَعمري وجهٌ لا كَلَفَ فيه عند مَن له
عينٌ مبصرة.
وللفلاسفة في هذا المحوِ المرئيِّ في وجه القمرِ كلامٌ طويل، لا بأسَ بأن تحيطَ
به خبراً، فنقول:
ذكر الإِمامُ في ((المباحث المشرقية)) أنَّ امتناعَ بعضٍ المواضعِ في وجه القمرِ عن
قَبول الضوءِ التامِّ، إمّا أن يكونَ بسبب خارجٍ عن جرم القمر، أو غیرِ خارجٍ عنه:
فإن كان بسببٍ خارج، فإمَّا أن يكونَ لمثل ما يَعرِض للمرايا من وقوع أشباحٍ
الأشياءِ فيها، فإذا رُئيت تلك الأشياءُ، لم تُرَ برَّاقة، فكذلك القمرُ لمَّا تصوَّرت فيه
أَشباحُ الجبالِ والبحار، وجب ألَّ تُرى تلك المواضعُ في غاية الاستنارة.
وإمَّا أن يكونَ ذلك بسبب ساتر، والأوَّل باطل، أما أولاً؛ فلأنَّ الأشباحَ
لا تنحفظ هيئاتها مع حركة المرآة، وبتقدير سكونِها لا تستقرُّ تلك الأشباحُ فيها عند
(١) في التفسير الكبير ١٦٤/٢٠-١٦٥.
(٢) البحران تغيّر يكون دفعه إما إلى جانب الصحة وإما إلى جانب المرض، وله دلائل يصل
الطبيب منها إلى ما يكون منه. ينظر القانون لابن سينا ٧٧/٣ فما بعد.

الآية : ١٢
٤١٥
سُورَةُ الإِسْرَةِ
اختلافِ مقاماتِ الناظرين، والآثارُ التي في وجه القمرِ ليست كذلك. وأمَّا ثانياً؛
فلأنَّ القمر ينعكس الضوءُ عنه إلى البصر، وما كان كذلك لم يصلح للتخييل. وأمّا
ثالثاً؛ فلأنَّه كان يجب أن تكونَ تلك الآثارُ كالكرات؛ لأنَّ الجبال في الأرض
كتضريس أو خشونةٍ في سطح كرة، وليس لها من المقدار قَدْرُ ما يؤثِّر في كُرَية
الأرض، فكيف لأَشباحها المرئيةِ في المرآة؟
وأمَّا إنْ كان ذلك بسببٍ ساتر، فذلك الساترُ إمّا أن يكونَ عنصريًّا أو سماويًّا،
والأوَّلُ باطل، أما أولاً؛ فَلأنَّه كان يجب أن يكونَ المواضعُ المتستِّرة من جِرم
القمر مختلفةً باختلاف مقاماتِ الناظرين، وأما ثانياً؛ فلأنَّ ذلك الساترَ لا يكون
هواءً صِرفاً، ولا ناراً صرفةً؛ لأنَّهما شفَّافان، فلا يَحجبان، بل لا بدَّ وأن يكونَ
مرّباً، إمّا بخاراً وإما دخاناً، وذلك لا يكون مستمرًّا.
وأمَّا إن كان الساترُ سماويًّا، فهو الحقُّ، وذلك إنَّما يكون لقيام أجسام سماويةٍ
قريبة المكانِ جدًّا من القمر، وتكون من الصِّغَر بحيث لا يُرى كلٌّ واحدٍ منها، بل
جملتها على نحو مخصوصٍ من الشَّكل، وتكون إمَّا عديمةَ الضوءِ، أو لها ضوءٌ
أضعفُ من ضوءِ القمر، فتُرَى في حالةِ إضاءته مظلمة.
وأمَّا إن كان ذلك بسببٍ عائدٍ إلى ذات القمر، فلا يخلو: إمَّا أن يكونَ جوهرُ
ذلك الموضع مساوياً لجواهر المواضع المستنيرة من القمر في الماهيَّة، أو
لا يكون، فإنَ لم يكن، كان ذلك لارتكازَ أَجرام سماويةٍ مخالفةٍ بالنوع للقمر في
چرمه کما ذكرناه قبلُ، وهو قريب منه.
وإمَّا أن تكونَ تلك المواضعُ مساويةً الماهيَّة لجِرم القمر، فحينئذٍ يمتنع
اختصاصُها بتلك الآثارِ إلَّا بسبب خارجيٍّ، لكنه قد ظهر لنا أنَّ الأجرام السماوية
لا تتأثَّر بشيءٍ عنصري، وبذلك أُبطل قولُ مَن قال: إنَّ ذلك المحوَ بسبب انسحاقٍ
عَرض القمرِ من مماسَّة النار: أمَّا أولاً؛ فلأنَّ ذلك يوجِب أن يتأدَّى ذلك في
الأَزمان الطويلةِ إلى العدم والفسادِ بالكلِّة، والأرصادُ المتواليةُ مكذِّبة لذلك،
وأيضاً القمرُ غيرُ مماسٌ للنار؛ لأنه مفرَّق في فلك تدويرِه الذي هو في حامله الذي
بينه وبين النار بُعدٌ بعيد، بدليل أنَّ النارَ لو كانت ملاقيةً لحامله، لتحرَّكت بحركته
إلى المشرق، وليس كذلك؛ لأنَّ حركاتِ الشُّهب في الأكثرِ لا تكون إلَّا إلى جهة

سُورَةُ الاسْراءِ
٤١٦
الآية : ١٢
المغرب، وتلك الحركةُ تابعةٌ لحركة النار، والحركةُ المستديرةُ ليست للنَّار بذاتها؛
فإنَّها مستقيمةُ الحركة، فذلك لها بالعرض تَبَعاً لحركة الكلِّ، فبطل ما قالوه. اهـ.
وذكر الآمديُّ في ((أَبكار الأفكار)) زيادةً على ما يُفهَم ممَّا ذُكر من الأقوال، وهي
أنَّ منهم مَن قال: إنَّ ما يُرى خيالٌ لا حقيقةً له. وردَّه بأنَّه لو كان كذلك، لَاختلفَ
الناظرون فيه، ومنهم مَن قال: إنَّه السوادُ الكائنُ في القمر في الجانب الذي لا يَلي
الشمسَ. وردَّه بأنَّه لو كان كذلك لما رُئي متفرِّقاً. ومنهم مَن قال: إنَّه وجهُ القمر،
فإنَّه مصوَّر بصورة وجهِ الإنسان، وله عينانِ وحاجبانِ وأنفٌ وفم. وردَّه بأنَّه مع بُعده
يوجب أن يكونَ فِعلُ الطبيعة عندهم معظّلاً عن الفائدة؛ لأنَّ فائدة الحاجبين عندهم
دفعُ أذى العرقِ عن العينين، وفائدة الأنفِ الشَّمُّ، وفائدة الفم دخولُ الغذاءِ، ولیس
للقمر ذلك. وقد ردّ عليهم رحمةُ الله تعالى عليه سائرَ ما ذكروه(١).
وذكر الإِمامُ في ((التفسير))(٢) أنَّ آخر ما ذكره الفلاسفةُ في ذلك: أنَّه ارتكز في
وجه القمرِ أجسامٌ قليلةُ الضوء، مثل ارتكازِ الكواكبِ في أجرام الأَفلاك، ولمّا
كانت تلك الأجرامُ أقلَّ ضوءاً من جِرم القمر، لا جَرَمَ شوهدت في وجهه کالگلّف
في وجه الإِنسان، وفي ارتكازها في بعض أجزائه دون بعضٍ مع كونه متشابة
الأجزاءِ عندهم دليلٌ على الصانع المختار، كما أنَّ في تخصيص بعضٍ أجزائهِ
بالنُّور القويِّ وبعضِها بالنُّور الضعيفِ مع تشابه الأجزاءِ دليلاً على ذلك.
ومِثلُ هذا التخصيصِ في الدَّلالة تخصيصُ بعضٍ جوانب الفلكِ الذي هو
عندهم أيضاً جِرٌ بسيط متشابهُ الأجزاء بارتكاز الكواكبِ فيه دون البعض الآخر.
وزعم بعضُ أهلِ الآثار أنَّه مكتوبٌ في وجه القمر: لا إلهَ إلَّا الله، وقيل:
لفظ: جميل، وقيل غيرُ ذلك، وأنَّ المحو المرئيَّ هو تلك الكتابةُ. ولا يعوَّل على
شيءٍ من ذلك. نَعَم مكتوبٌ على كل شيءٍ: لا إله إلا الله، وكذا: جميلٌ، ولكنَّ
ذلك بمعنّى آخَرَ كما لا يخفَی.
ونُقل لي عن أهل الهيئةِ الجديدةِ أنَّهم يزعمون أنَّ القمرَ كالأرض فيه الجبالُ
(١) أبكار الأفكار ١٢٦/٣-١٢٩.
(٢) ٢٠ / ١٦٥.

الآية : ١٢
٤١٧
سُؤَةُ الإِسْرَاءِ
والوِهاد والأشجارُ والبحار، وأنَّهم شاهدوا ذلك في أَرصادهم، وأنَّ المواضعَ التي
لا يُرى فيها محوّ هي البحار، والتي فيها محوٌ هي أرضٌ غيرُ مستوية، وزعموا أنَّه
لو وصل أحدٌ إلى القمر لَرأى الأرضَ كذلك، ومِن هنا قالوا: لا يَبعد أن يكونَ
معموراً بخلائقَ نحوَ عمارةِ الأرض، بل قالوا: إنَّ جميع الكواكبِ مثلُه في ذلك،
قياساً عليه، وإن كانت لا يُرى فيها لمزيد بُعدِها ما يُرى فيه، وبعيدٌ من الحكمة أن
يعمرَ الله تعالى الأرضَ بالخلق على صِغَرها، ويتركَ أجساماً عظيمة أكثرُها أعظمُ
من الأرض خاليةً بلا خَلق على كِبَرها، وهم منذ غرَّهم القمرُ، تشبَّئوا بحباله في
عمل الحيلِ للعُروج إليه، فصنعوا سُفُناً زئبقيةً، فعرجوا فيها، فقَبْلَ أن يَصِلوا إلى
كرة البخارِ انتفختْ أَجسامُهم، وضلَّت كما ضلَّت من قبلُ أفهامُهم، فانقلبوا
صاغرين وهبطوا خاسئين.
وأنت تعلم أنَّ كلامَهم في هذا البابِ مخالفٌ لأُصول الفلسفة، ولا برهانَ لهم
عليه سِوَى السَّفهِ، ومنشؤه محضُ أنَّهم رأوا شيئاً في القمر، ولم يتحقَّقوه، وظنُّوه
ما ظنُّوه، وأيُّ مانع من أن يكونَ قد جعل اللهُ تعالى المحوَ على وجهٍ يُتخيَّل فيه
ذلك، بل لا مانعَ عَلى أُصولنا من أن يقالَ: قد جعل اللهُ تعالى في القمر أَجراماً
تُشبه ما حسبوه، لكن لم يَرِد في ذلك شيءٌ عن الصَّادقِ بَِّ، وهو الذي عُرج به إلى
قاب قوسين أو أدنى.
وما ذكروه من أنَّه بعيدٌ من الحِكمة أن يعمرَ اللهُ تعالى الأرضَ ... إلخ، يَلزم
عليه أن يكونَ ما بين الكواكبِ - ككواكب الدُّبِّ الأكبرِ مثلاً - معموراً بالخلائق
كالأرضِ أيضاً، فإنَّه أوسعُ منها بأضعافٍ مضاعفة، وهم لا يقولون به، على أنَّا
نقول: قد جاء: ((أَظَّت السماءُ وحقَّ لها أن تَبِطّ، ما فيها موضعُ قدمٍ إلَّ وفيه مَلَكٌ
راكعٌ أو ساجد))(١)، فيجوز أن يكونَ على جِرم القمرِ ملائكةٌ يعبدون الله تعالى
بما شاءَ وكيف شاء، بل يجوز أن يكونَ عند كلِّ ذرَّةٍ من ذرَّاته مَلَكُ كذلك، وهذا
نوعٌ من العِمارة بالخلق.
والأحسنُ عند مَن عزَّ عليه وقتُه عدمُ الالتفاتِ إلى مثل هذه الخرافاتِ وتضييعِ
الوقت في ردِّها، والله سبحانه الموفّق.
(١) أخرجه أحمد (٢١٥١٦)، والترمذي (٢٣١٢) عن أبي ذرّ ◌َبه، وسلف ٨٧/٢.

سُورَةُ الإِسْرَاءِ
٤١٨
الآية : ١٢
ثم ما تقدَّم من أنَّ المحو نقصُ ما استفاده القمرُ من الشمس شيئاً فشيئاً فيه القولُ
بأنَّ نور القمرِ مستفادٌ من نور الشمس، وقد عدَّ الجُلُّ من العلماءِ ذلك في
الحَدْسيات، وذكروا أنَّ الشمس مضيئةٌ بنفسها، وكلا الأَمرين ممَّا ذكره الفلاسفةُ،
وليس له في الشَّرع مستندٌ يعوَّل عليه، وقد نقله الآمديُّ، وتعقّبه فقال: ذكروا أنَّ
الشمس نيِّرة بنفسها، وما المانعُ من كونها سوداءَ الجِرم، والله تعالى يخلقُ فيها النورَ
في أوقات مشاهدتِنا لها، أو أن تكونَ مستنيرةً من كواكب أخرى فوقَها، وهي مستورةٌ
عنا ببعض الأجرام السماويةِ المظلمة، كما يحدث للشّمس في حالة الكسوف، وإن
سلَّمنا أنَّها نيِّرة بنفسها، فلا نسلِّم أنَّ نور القمرِ مستفادٌ منها، وما المانعُ من كون
الربِّ تعالى يخلق فيه النورَ في وقتٍ دون وقت، أو أن يكونَ مع كونه مرکوزاً في فَلَكه
دائراً على مركز نفسِه، وأحدُ وجهَيه نيِّرٌ والآخَر مظلم، كما كان بعضُ أجزاءِ الفلكِ
شفَّافاً وبعضُها نيِّراً، وهو متحرِّك بحركة مساويةٍ لحركة فَلَكه، ويكونُ وجهُه المضيءُ
عند مقابلة الشمس، وهو الذي يَلينا، وتكون الزيادةُ والنقصانُ فيما يظهر لنا على
حسب بُعده وقربهِ من الشمس، فلا يكون مستنيراً من الشَّمس(١). اهـ.
وأُورد أنَّه إذا ضمَّ الخسوف إلى الزيادة والنقصانِ قرباً وبعداً، لا يتمُّ ما ذكره،
وصحَّ ما ذكروه من الاستفادة.
وأُجيب بأنَّه ما المانعُ من أن يكونَ الخسوفُ لحيلولة چِرم علويٍّ بيننا وبينه،
لا لحيلولة الأرضِ بينَه وبين الشَّمس، فلا بدَّ لنفي ذلك من دليلٍ فافهم، والله تعالى
أعلمُ، وهو المتصرِّف في ملكه كيفما يشاء.
﴿ لَتَتَغُواْ﴾ متعلِّق بقوله تعالى: (وَجَعَلْنَآ ءَايَةَ النََّارِ) وفي الكلام مقدَّر، أي:
جعلنا آيةَ النهارِ مبصرةً لتطلبوا لأنفسكم فيه ﴿فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ﴾ أي: رزقاً؛ إذ
لا يتسنَّی ذلك في الليل.
وفي التعبير عن الرِّزق بالفضل وعن الكسب بالابتغاء، والتعرُّضِ لصفة الرُّبوبية
المنبئةِ عن التبليغ إلى الكمال شيئاً فشيئاً، دلالةٌ - كما قال شيخُ الإِسلام(٢) - على
(١) أبكار الأفكار ١٢٧/٣-١٢٨.
(٢) في إرشاد العقل السليم ١٦٠/٥ .

الآية : ١٢
٤١٩
سُؤَةُ الإِسْرارة
أنْ ليس للعبد في تحصيل الرزق تأثيرٌ سوى الطَّلب، وإنَّما الإعطاءُ إلى الله سبحانه،
لا بطريق الوجوبٍ عليه تعالى، بل تفضُّلاً بحكم الرُّبوبية، ومعنى تأثيرِ الطلبٍ على
نحو تأثيرِ الأَسباب العادية، فإنَّه مِن جملتها، ولا توقُّفَ حقيقة للرزق عليه، وفي
الخبر: ((يطلبك رزقُك كما يطلبك أجلُك))، ولله تعالى دَرُّ القائل:
أنَّ الذي هو رزقي سوف یأتیني
لقد علمتُ وما الإِشرافُ من خُلُقي
ولو قعدتُ أتاني لا يعنِّيني(١)
أسعى إليه فيُعْييني تطلُّبهُ
﴿وَلِتَعْلَمُواْ﴾ متعلِّق - كما قيل - بكلا الفعلَين، أعني: محوَ آيَةِ الليل، وجعلَ آيَةٍ
النهار مبصرةً، لا بأَحدهما فقط؛ إذ لا يكونُ ذلك بانفراده مداراً للعلم المذكور،
أي: لتعلموا بتفاوت الجديدَين أو نيِّرَيهما ذاتاً من حيث الإِظلامُ والإِضاءة، مع
تعاقبهما أو حركاتِهما وأوضاعِهما وسائرٍ أحوالهما ﴿عَدَدَ السَّنِينَ﴾ التي يتعلَّق بها
غرضٌ علميٌّ لإِقامة مصالحِكم الدينية والدنيويَّة ﴿وَالْحِسَابٌ﴾ أي: الحسابَ المتعلّق
بما في ضمنها من الأوقات، أي: الأشْهُرَ واللياليَ والأيام، وغير ذلك مما نيط به
شيٍّ من المصالح المذكورة.
ونفسُ السَّنةٍ من حيث تحقُّقها ممَّا ينتظمه الحسابُ، وإنما الذي يتعلَّق به العدُّ
طائفةٌ منها، وتعلُّقه في ضمن ذلك بكلِّ واحدةٍ منها ليس من حيثية التحقُّق والتحصُّل
من عدَّة أشهر، حَصَلَ كلُّ واحدٍ منها من عدَّة أيام، حصل كلُّ واحدٍ منها من طائفةٍ
من السَّاعات مثلاً، فإنَّ ذلك من وظيفة علم الحساب، بل من حيث إنَّها فردٌ من
طائفة السنينَ المعدودةِ بعدها، أي: نفسها من غير أن يعتبرَ في ذلك تحصيلُ شيءٍ
معيَّن، كما حقَّق ذلك شيخُ الإِسلام(٢).
وقيل: المعنى: ((لتعلموا)) باختلافهما وتعاقُبِهما على نسقٍ واحدٍ أو بحركاتهما
((عددَ السِّنين)) ... إلخ.
والمرادُ بالحساب جنسُه، أي: الجاري في المعاملات، كالإجارات والبيوع
المؤَجَّلة وغيرِ ذلك. وذكر بعضُهم أنَّ الظاهر المناسبَ أنَّ المراد: لتعلموا باللَّيل،
(١) البيتان لعروة بن أذنية كما في الأغاني ٣٢٢/١٨، وسلف ٣٤٣/١١.
(٢) في إرشاد العقل السليم ١٦٠/٥.

سُورَةُ الإِسْرَةِ
٤٢٠
الآية : ١٣
فإنَّ عدد السنينَ الشرعيةِ والحسابِ الشرعيِّ يُعلمان به غالباً، أو بالقمر؛ لقوله تعالى
في الأهلَّة: ﴿قُلْ هِىَ مَوَقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجْ﴾ [البقرة: ١٨٩] وأنت تعلمُ أنَّ السنينَ
شمسيةٌ وقمرية، وبكلٌّ منهما العملُ، فلو قيل: إحدى الآيتين مبيِّنة لأحدهما،
والأخرى للآخَر، لا محذورَ فيه، وكونُ الشرع معوِّلاً على أحدهما لا يضرّ.
وتقديمُ العددِ على الحساب من أنَّ الترتيبَ بين متعلَّقَيهما على ما سمعتَ أولاً
وجوداً وعدماً على العكس؛ للتّنبيه من أوَّل الأمر على أنَّ متعلَّق الحسابِ ما في
تضاعيف السنينَ من الأَوقات، أو لأنَّ العلم المتعلِّق بعدد السنينَ علمٌ إجماليٌّ
بما تعلَّق به الحسابُ تفصيلاً، أو لأنَّ العلمَ المتعلِّق بالأوَّل أقصى المراتب، فكان
جديراً بالتَّقديم في مقام الامتنان، أو لأنَّ العددَ نازلٌ من الحساب منزلةَ البسيطِ من
المركب، بناءً على ما حقِّق من أنَّ الحسابَ إحصاءُ ما لَه كميةٌ منفصلةٌ بتكرير
أمثالِهِ، من حيث يتحصَّل بطائفة معيَّنةٍ منها حدٌّ معيَّن منه له اسمٌ خاصٌّ وحكم
مستقلٌّ، والعددُ إحصاؤه بمجرَّد تكريرٍ أمثاله، من غير أن يتحصَّلَ شيءٌ كذلك؛
ولهذا وكونِ السنينَ ممَّا لم يُعتبَر فيها حدٌّ معيَّن له اسمٌ خاصٌّ وحكم مستقلٌّ،
أُضيف إليها العددُ وعلِّق الحساب بما عداها، فتدبّر.
﴿وَكُلَّ شَىْءٍ﴾ تفتقرون إليه في معاشكم ومعادِكم سوى ما ذُكر مِن جَعْل الليلِ
والنَّهار آيتين، وما يَتْبعه من المنافع الدينيةِ والدنيوية. وهو منصوبٌ بفعلٍ يفسِّره قولُهَ
تعالى: ﴿فَصَّلْتَهُ تَّفْصِيلًا ﴾﴾ وهذا من باب الاشتغال، ورجِّح النصبُ لتقدُّم جملةٍ
فعلية. وجوِّز أن يكونَ معطوفاً على ((الحساب))، وجملةُ ((فصلناه)) صفةً ((شيءٍ))،
وهو بعيدٌ معنّی.
والتفصيلُ من الفَصل، بمعنى القطع، والمرادُ به الإِبانةُ التامَّة، وجيءَ بالمصدر
للتأكيد. فالمعنى: بَيَّنا كلَّ شيءٍ في القرآن الكريم بياناً بليغاً لا التباسَ معه، كقوله
تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ نِبْيَئِنَا لِكُلِّ شَىْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] فظهر كونُه هادياً للتي
هي أقومُ ظهوراً بيِّناً.
﴿وَكُلَّ إِنسٍَ﴾ منصوبٌ على حدِّ ((كل شيء)) أي: وأَلزمنا كلَّ إنسانٍ مكلَّفٍ
﴿أَلْزَمْنَهُ طَهُ﴾ أي: عملَه الصادرَ منه باختياره حَسبما قدِّر له، خيراً كان أو شرًّا،
كأنه طار إليه من عُشِّ الغيبِ ووَكرِ القَدَر.