النص المفهرس

صفحات 341-360

الآية : ١٢٤
٣٤١
سُورَةُ الْحَلِّ
ذلك سوادَ المصحف، والمستفيضُ عنهما أنهما قرأا كالجماعة: ((إنما جُعِلَ
السبت))(١).
﴿عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيةٍ﴾ على نبيِّهم حيث أمرهم بالجمعة فاختاروا السبت،
وهم اليهود.
أخرج الشافعيُّ في ((الأم)) والشيخان في ((صحيحيهما)) عن أبي هريرة قال:
قال رسول الله وَله: ((نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بَيْدَ أنهم أوتوا الكتاب
من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، ثم هذا يومهم الذي فُرضَ عليهم - يعني
الجمعة - فاختلفوا فيه، فهدانا الله تعالى له، فالناسُ لنا فيه تَبَعٌ، اليهودُ غداً
والنصارى بعد غدٍ))(٢).
وجاء عن ابن عباس ◌ًا أنه قال: أَمر موسى عليه السلام اليهودَ بالجمعة
وقال: تفرَّغوا لله تعالى في كلِّ سبعة أيام يوماً واحداً وهو يوم الجمعة، ولا تعملوا
فيه شيئاً من أعمالكم، فأبوا أن يقبلوا ذلك وقالوا: لا نريد إلا اليوم الذي فَرَغَ الله
تعالى فيه من الخلق، وهو يوم السبت، فجُعل عليهم وشدّد فيه الأمر، ثم جاء
عيسى عليه السلام بالجمعة فقالت النصارى: لا نريد أن يكون عيدُهم بعد عيدنا،
فاتخذوا الأحد(٣). وكأنهم إنما اختاروه لأنه مبتدأ الخلق، واختار هذا الإمامُ
وحمل ((في)) على التعليل، أي: اختلفوا على نبيِّهم لأجل ذلك اليوم(٤).
وقال الخفاجي: معنى ((اختلفوا فيه)) خالفوا جميعُهم نبيَّهم، فهو اختلافٌ بينهم
وبين نبيِّهم(٥)، وظاهرُ الأخبار يقتضي أنه عيَّن لهم أولاً يوم الجمعة، وقال القاضي
عياض: الظاهر أنه فُرض عليهم تعظيمُ يوم الجمعة بغير تعيين، وَؤُكِلَ إلى
اجتهادهم، فاختلفت أحبارهم في تعيينه، ولم يهدهم الله تعالى له وفُرض على هذه
(١) البحر المحيط ٥٤٩/٥.
(٢) الأم ١٦٧/١، وصحيح البخاري (٨٧٦)، وصحيح مسلم (٨٥٥) (٢٠)، وهو عند أحمد
(٧٣١٠).
(٣) تفسير الرازي ١٣٧/٢٠.
(٤) المصدر السابق.
(٥) حاشية الشهاب ٣٨١/٥.

سُؤَدَّةُ الْحَآ
٣٤٢
الآية : ١٢٤
الأمة مبيّناً، ففازوا بفضيلته، ولو كان منصوصاً عليه لم يصحّ أن يقال: ((اختلفوا))
بل يقال: خالفوا(١).
وقال الإمام النووي: يمكن أن يكونوا أُمروا صريحاً ونصّ عليه، فاختلفوا فيه
هل يلزمُ تعيينه أم لهم إبداله، فأبدلوه وغلطوا في إبداله(٢).
وقال الواحديُّ: قد أشكلَ أمرُ هذا الاختلاف على كثيرٍ من المفسِّرين حتى قال
بعضُهم: معنى اختلافهم في السبت أنَّ بعضَهم قال: هو أعظمُ الأيام حرمةً؛ لأنَّ الله
تعالى فَرَغَ من خَلْقِ الأشياء فيه، وقال الآخرون: أعظمها حرمةً الأحد؛ لأنَّ الله
سبحانه ابتدأَ الخلقَ فيه. وهذا غلطٌ؛ لأنَّ اليهودَ لم يكونوا فرقتين في السبت،
وإنما اختار الأحد النصارى بعدهم بزمان.
وقيل: المراد: اختلفوا فيما بينهم في شأنهِ، ففضَّلته فرقةٌ منهم على الجمعة
ولم ترضَ بها، وفضَّلتْ أخرى الجمعةَ عليه ومالت إليها بناءً على ما روي من أنَّ
موسى عليه السلام جاءهم بالجمعةِ، فأبى أكثرهم إلا السبت، ورضي شرذمةٌ منهم
بها، فأَذِنَ الله تعالى لهم في السبت، وابتلاهم بتحريم الصيد فيه، فأطاعَ أمرَ الله
تعالى الراضون بالجمعة، فكانوا لا يصيدون، وأعقابهم لم يصبروا عن الصيد،
فمسخهم الله تعالى قردةً دون أولئك المطيعين. والتفسيرُ الأولُ تفسيرُ رئیس
المفسِّرين وترجمان القرآن وحِبر الأمة المروي من طرقٍ صحيحة عن أفضل النبيين
وأعلم الخلق بمراد ربِّ العالمين وَله.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بََّهُمْ﴾ أي: المختلفين ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ
يَخْتَلِفُونَ ﴾ أي: يقضي بينهم بالمجازاة على اختلافهم على نبيِّهم ومخالفتهم له
في ذلك، أو يفصلُ ما بين الفريقين منهم من الخصومة والاختلاف، فيجازي كلَّ
فريقٍ بما يستحقُّه من الثواب والعقاب، وفيه على هذا إيماءٌ إلى أنَّ ما وقع في
الدنيا من مَسْخِ أحدِ الفريقين وإنجاء الآخر بالنسبة إلى ما سيقع في الآخرة شيءٌ
لا يُعتدُّ به، وَعُبِّرَ عن الفرض بالجَعْلِ موصولاً بكلمة ((على)) للإيذان بتضمُّنه
(١) إكمال المعلم بفوائد مسلم للقاضي عياض ٢٥٠/٣.
(٢) شرح صحيح مسلم للنووي ٦/ ١٤٣ - ١٤٤.

الآية : ١٢٤
٣٤٣
سُورَةُ الْحَمَّ
للتشديد والابتلاء المؤدِّي إلى العذاب، وعن اليهود بالاسم الموصول بالاختلاف
إشارةً إلى عِلّة ذلك.
وقيل: المعنى: إنما ◌ُعل وبالُ تَرْكِ تعظيم السبت، وهو المسخُ كائناً أو واقعاً
على الذين اختلفوا فيه، أي: أَحلُّوا الصيدَ فيه تارةً وحرَّموه أخرى، وكان حتماً
عليهم أن يتَّفقوا على تحريمه حسبما أَمَرَ الله تعالى به، وروي ذلك عن قتادة، وفَسَّر
الحكمَ بينهم بالمجازاة باختلاف أفعالهم بالإحلال تارةً والتحریم أخرى.
ووجه إيراد ذلك هاهنا بأنه أُريد منه إنذارُ المشركين وتهديدهم بما في مخالفة
الأنبياء عليهم السلام من الوبال، كما ذُكرت القرية التي كفرتْ بأَنعُمِ الله تعالى
تمثيلاً لذلك.
واعتُرض بأنَّ توسيط ذلك لما ذكر بين حكاية أمر النبيِّ نَّر باتباع ملة إبراهيم
عليه السلام وبين أمره وَ له بالدعوة إليها كالفَصْل بين الشجر ولحائه.
وأجيب بأنَّ فيه حثًّا على إجابة الدعوة التي تضمَّنها الكلامُ السابق وأمر بها في
الكلام اللاحق، فللمتوسّط نسبة إلى الطرفين تخرجه من أن يكون الفصل به
کالفصل بین الشجر ولحاته، وهو کما تری.
واعترض أيضاً بأنَّ كلمة ((بينهم)) تحكم بأنَّ المرادَ بالحكم هو فَصْلُ ما بين
الفريقين من الاختلاف دون المجازاة باختلاف أفعالهم بالإحلال تارةً والتحريم
أخرى.
ويرد هذا أيضاً على تفسيره بالقضاء بالمجازاة على اختلافهم جميعهم على نبيِّهم
ومخالفتهم له فيما جاءهم به، وقد فُسِّر بذلك على التفسير المأثور عن ترجمان القرآن،
ومنهم من فسَّره عليه بما فسّر به على التفسير المرويِّ عن قتادة، فيرد عليه أيضاً ما ذكر
مع ما في ضمنه من القول باختلاف الاختلافين معنى، والظاهر اتحادهما.
وأجاب بعضُهم عن الاعتراض بمنع حكم كلمة (بينهم)) بما تقدَّم فتأمل.
وتفسير السبت باليوم المخصوص هو الظاهر الذي ذهب إليه الكثير، وجُوِّزَ
كونه مصدرَ سَبتتِ اليهود إذا عَّمت سَبْتَها، قيل: ويجوز على هذا أن يكون في
الآية استخدام.

سُورَةُ الْحَلِ
٣٤٤
الآية : ١٢٥
﴿أَدْعُ﴾ أي: مَنْ بُعثتَ إليهم من الأمة قاطبة، فَحَذْفُ المفعول دلالةٌ على
التعميم، وجُوِّزَ أن يكونَ المراد: افعل الدعوةَ؛ تنزيلاً له منزلةَ اللازم للقصد إلى
إيجاد نفس الفعل إشعاراً بأنَّ عمومَ الدعوة غنيٌّ عن البيان، وإنما المقصودُ الأمرُ
بإيجادها على وجهٍ مخصوص .
وتُعقِّبَ بأنَّ ذلك لا يناسبُ المقامَ كما لا يناسب قوله تعالى: ((وجادلهم)).
﴿إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ إلى الإسلام الذي عبّر عنه تارةً بالصراط المستقيم، وأخرى
بملَّة إبراهيم عليه السلام، وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير
النبيِّ ◌َّهو ما لا يخفى.
﴿بِالْحِكْمَةِ﴾ بالمقالة المحكمة، وهي الحُجَّة القطعيةُ المُزيحةُ للشُّبَه؛ وقريبٌ من
هذا ما في ((البحر)) (١) أنها الكلامُ الصوابُ الواقعُ من النفس أجملَ موقع.
﴿وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَّةِ﴾ وهي الخطاباتُ المقنعة والعِبَر النافعةُ التي لا يخفى عليهم
أنك تناصحهم بها .
﴿وَحَدِلْهُمْ﴾ ناظِرْ معانديهم ﴿بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنٌ﴾ بالطريقة التي هي أحسنُ طُرقِ
المناظرة والمجادلة مِن الرفق واللِّين واختيار الوجه الأيسر، واستعمال المقدِّمات
المشهورة؛ تسكيناً لِشَغَبهم وإطفاءً للهبهم كما فعله الخليلُ عليه السلام.
واستدلَّ - كما قيل - أربابُ العقول(٢) بالآية على أنَّ المعتبرَ في الدعوة من بين
الصناعات الخمس إنما هو البرهانُ والخطابةُ والجدلُ، حيث اقتصر في الآية على
ما يشير إليها، وإنما تفاوتتْ طُرقُ دعوته عليه الصلاة والسلام لتفاوت مراتب
الناس، فمنهم خواصّ وهم أصحابُ نفوسٍ مشرقةٍ قويةٍ الاستعداد لإدراك المعاني،
قوية الانجذاب إلى المبادي العالية، مائلة إلى تحصيل اليقين على اختلاف مراتبه،
وهؤلاء يَدْعون بالحكمة بالمعنى السابق.
ومنهم عوامّ أصحابُ نفوسٍ كَدِرَةٍ ضعيفةِ الاستعداد شديدةِ الالْفِ
بالمحسوسات، قوية التعلَّق بالرسوم والعادات، قاصرةٍ عن درجة البرهانِ لكن
(١) ٥/ ٥٤٩ .
(٢) في (م): المعقول.

الآية : ١٢٥
٣٤٥
سُؤَةُ الْحَالِ
لا عِنادَ عندهم، وهؤلاء يَدعون بالموعظة الحسنة بالمعنى المتقدم.
ومنهم من يُعاند ويُجادل بالباطل ليدحضَ به الحقَّ، لما غلب عليه من تقليد
الأسلاف ورَسَخَ فيه من العقائد الباطلة، فصار بحيثُ لا تنفعه المواعظُ والعِبَرُ، بل
لا بدَّ من إلقامه الحجرَ بأحسن طرق الجدال لِتَلینَ عَریکته وتزولَ شکیمته، وهؤلاء
الذين أمر وَله بجدالهم بالتي هي أحسن، وإنما لم تُعتَبر المغالطةُ والشِّعْرُ لأنَّ فائدةً
المغالطة تغليظُ الخصم والاحتراز عن تغليطه إياه، ومرتبةُ الرسول عليه الصلاة
والسلام تُنافي أن يَغْلَطَ، وتتعالى أن يُغَلَّط، والشِّعر وإن كان مفيداً للخواصِّ
والعوامٌّ، فإنَّ الناسَ في باب الإقدام والإحجام أطوعُ للتخييل منهم للتصديق، إلا أنَّ
مداره على الكذب، ومن ثمَّة قيل: الشعرُ أكذبه أَعذبه. فلا يليقُ بالصادق
المصدوق كما يشهد به قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِى لَهٌ﴾ [يس: ٦٩]
لا يقال: الشعر الذي هو أحد الصناعات قياسٌ مؤلَّفٌ من مقدِّماتٍ مخيلة، والشعرُ
الذي مداره على الكذب هو الكلامُ الموزونُ المقفَّى، وهو الذي نُفي تعليمهُ عنه وِّ
لما قيل: كونُ الشعر مذموماً ليس كونه كلاماً موزوناً مقفَّى، بل لاشتماله على
تخيُّلاتٍ كاذبةٍ فهُما من وادٍ واحدٍ، ذَكَرَ ذلك بعضُ المتأخِرين.
وقد ذهب غيرُ واحدٍ إلى أنَّ فيها إشارةً إلى تفاوت مراتب المدعوِّين، إلا أنه
خالفَ في بعض ما تقدم، ففي ((الكشف)) بعد أن ذكر أنَّ كلامَ الزمخشريِّ يدلُّ على
أنه عليه الصلاة والسلام ينبغي أن يجمع في الدعوة بين الثلاث، فيكونُ الكلامُ في
نفسه حَسَنَ التأليف منتجاً لما عُلِّقَ به من الغرض، ومع ذلك مقصوداً به المناصحة
لمن خُوطب به، ويكون المتكلِّم حَسَنَ الخُلُقِ في ذلك معلِّماً ناصحاً شفيقاً رفيقاً
ما نصه: والأحسنُ على ما ذهب إليه المحقّقون أنه تعميمٌ للدعوة حسب مراتب
المدعوِّين في الفهم والاستعداد، فمَنْ دُعي بلسان الحكمة ليفادَ اليقين العياني أو
البرهاني هم السابقون، ومن دُعي بالموعظة الحسنة وهي الإقناعات الحكمية
لا الخطابات المشهورة طائفة دون هؤلاء، ومن دُعي بالمجادلة الحسنة هم عمومُ
أهل الإسلام والكفار أيضاً . اهـ.
ولا أرى ما يوجبُ نفي أن يكون المراد بالموعظة الحسنة الخطابات
المشهورة، وكونها مركّبةً من مقدِّماتٍ مظنونةٍ أو مقبولةٍ من شخصٍ معتَقَدٍ فیه،

سُورَةُ التَّالِ
٣٤٦
الآية : ١٢٥
ولا يليق بالنبيِّ وَّهِ استعمالُ الظَّنِّيات، أو أخذُ كلام الغير والدعوة به هو الموجب
لذلك لا يخفى ما فيه فتدبّره.
وذكر الأحسائيُّ رئيسُ الفرقة الظاهرة في زماننا المسماة بالكشفية في كتابه
(شرح الفوائد)) ما محصّله: إنَّ المدعوِّينَ من المكلَّفين ثلاثةُ أنواع، وكذا الأدلة
التي أشارت إليها الآيةُ، فإنْ كانوا من الحكماء العقلاء والعلماء النبلاء فدعوتهم
إلى الحقِّ الذي يريده الله تعالى منهم من معرفته بدليل الحكمة، وهو الدليلُ الذوقيُّ
العيانيُّ الذي يلزمُ منه العلمُ الضروريُّ بالمستَدَلِّ عليه؛ لأنه نوعٌ من المعاينة كقولنا
فِي رَدِّ مَنْ زَعَمَ أنَّ حقائقَ الأشياء كانت كامنةً في ذاته تعالى بنحوٍ أشرف، ثم
أفاضها: إنه لا بدَّ وأن يكون لذاته سبحانه قبل الإفاضة حالٌ مغايرٌ لما بعدها،
سواءٌ كان التغيُّرُ في نفس الذات أو فيما هو في الذات، فإن حصل التغيُّرُ في الذات
لزمَ حدوثها، وإن حصل فيما هو في الذات - أعني حقائق الأشياء الكامنة - لزمَ أن
تكونَ الذاتُ محلًا للمتغيِّرِ المختلف، ويلزم من ذلك حدوثها .
وكقولنا في إثبات أنه سبحانه أظهر من كلِّ شيءٍ: إنَّ كلَّ أثرٍ يشابه صفةً مؤثّرةً،
وأنه قائمٌ بفعله قيامَ صدورٍ كالأشعة بالنيرات، والكلام بالمتكلِّم، فالأشياء هي
ظهورُ الواجب بها لها؛ لأنه سبحانه لا يظهر بذاته، وإلا لاختلفت حالتاه،
ولا يكونُ شيءٌ أشدَّ ظهوراً من الظاهر في ظهوره؛ لأنَّ الظاهرَ أظهرُ من ظهوره،
وإن كان لا يمكن التوصُّلُ إلى معرفته إلا بظهوره، مثل القيام، فإنَّ القائمَ أظهرُ في
القيام من القيام، والقاعدَ أظهرُ في القعود من القعود، وإن كان لا يمكن التوصُّل
إلى معرفتهما إلا بالقيام والقعود فتقول: يا قائم ويا قاعد، والمعنيُّ لك إنما هو
القائم والقاعد، لا القيام والقعود؛ لأنه بظهوره لك بذلك غيبٌ عليك مشاهدته،
وإن التفتَّ إليه احتجبَ عنك القائم والقاعد، وهو آلةٌ لمعرفة المعارف الحقِّيَّة
كالتوحيد وما يلحق به، ومستنده الفؤاد، وهو نور الله تعالى المشار إليه بقوله وَلاتهم :
(اتقوا فِراسةَ المؤمن فإنه ينظرُ بنور الله تعالى))(١) والنقل من الكتاب والسنة، وشَرْطُهُ
الذي يتوقف عليه فتح باب النور ثلاثة أشياء:
(١) أخرجه الترمذي (٣١٢٧) من حديث أبي سعيد الخدري به، وقال: هذا حديث
غريب. وسلف ١١٦/١٠ .

الآية : ١٢٥
٣٤٧
سُورَةُ الْمَحْمِ
أحدها: أن تُنصفَ ربك وتقبل منه سبحانه قوله، ولا تتبع شهوةً نفسك.
وثانيها: أن تقفَ عند بيانك وتبيُّنْك وتبيينك على قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ
لَكَ بِهِ، عِلٌْ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَهِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦].
وثالثها: أن تنظر في تلك الأحوال، أعني: البيان وما بعده بعينه تعالى، وهي
العينُ التي هي وَصْفُ نفسه لك، أعني وجودك من حيث كونه أثراً ونوراً، لا بعينك
التي هي أنت من حيث إنك أنتَ أنتَ، فإنَك لا تعرف بهذه العين إلا الحادثات
المحتاجة الفانية.
وإن كانوا من العلماء ذوي الألباب وأرباب القلوب فدعوتهم إلى الحقِّ الذي
يريده سبحانه منهم من اليقين الحقيقيِّ في اعتقاداتهم بدليل الموعظة الحسنة، وهي
الدليلُ العقليُّ اليقينيُّ الذي يلزمُ منه اليقينُ في الإيمان به سبحانه وبغيره مما أمرهم
بالإيمان به، وهو آلةٌ لعلم الطريقة وتهذيب الأخلاق وعلم اليقين والتقوى، وهذه
العلوم وإن كانت قد تستفاد من غيره ولكن بدون ملاحظته لا يوقف على اليقين
والاطمئنان الذي هو أصلُ علم الأخلاق، ومستندهُ القلبُ والنقل، وشرطُ صِحَّته
والانتفاع به اتِّصافُ عقلك به بأن تلزم ما ألزمك به ولا تظلمه، وهو كقوله تعالى:
﴿قُلْ أَرَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُ بِهِ، مَنْ أَضَلُّ مِمَنْ هُوَ فِ شِفَاقٍ
بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٥٢] وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُ بِهِ، وَشَهِدَ
شَاهِدٌ مِّنْ بَنِىّ إِسْرَّهِيلَ عَلَى مِثْلِهِ، فَامَنَ وَأَسْتَكْتُمَّ إِنَ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّلِينَ﴾
[الأحقاف: ١٠] إلى غير ذلك مما لا يُحصى كثرة.
وإن كانوا من العلماء أصحاب الرسوم كالمتكلِّمين ونظائرهم فدعوتهم على
الحقِّ الذي يُريده سبحانه منهم من اليقين الرسميِّ بمقتضى طبيعتهم القاصرة بدليل
المجادلة بالتي هي أحسن، وهي الدليلُ العلميُّ القطعيُّ الذي هو يلزمُ منه العلم
فيما ذكر، وهو آلةٌ لعلم الشريعة، ومستنده العلم والنقل، وشرطه إنصاف الخصم
بأن يقيمه على النحو المقرَّر في علم الميزان، وقد ذكره العلماء في كتبهم الأصولية
والفروعية، بل لا يكادُ يُسمعُ منهم غيرُ هذا الدليل، وهو محلُّ المناقشات
والمعارضات، وأما الدليلان الأولان فليس فيهما مناقشة ولا معارضة، فإذا
اعترضَ عليهما معترضٌ فقد اعترضَ فيهما بغيرهما. انتهى المراد منه، وهو

سُورَةُ الْحَلَِّ
٣٤٨
الآية : ١٢٥
كما ترى، وإنما ذكرته لتعلم حالَ المرؤوس من حال الرئيس، ولقد رأيتُ مشايخَ
هذه الطائفة يتكلَّمون بما هو كشوك القنافذ ويحسبونه كريش الطواويس.
وجُوِّزَ أن يُرادَ ((بالحكمة والموعظة الحسنة)) القرآنُ المجيدُ، فإنه جامعٌ
لكِلا الأمرين، فكأنه قيل: ادعُ بالقرآن الذي هو حكمةٌ وموعظةٌ حسنةٌ، وقيل غير
ذلك، ومنه أنَّ الحكمةَ النبوةُ. وليس من الحكمة.
وفسَّر بعضُهم المجادلةَ الحسنةَ بالإعراض عن أذاهم، وادَّعى أنَّ الآيةَ منسوخةٌ
بآية السيف(١)، والجمهور على أنها محكّمةٌ، وأنَّ معنى الآية ما تقدَّم، ولكون
الحكمة أعلى الدلائل وأشرفها(٢)، والمدعوِّين به الكاملينَ الطالبينَ للمعارف
الإلهية والعلوم الحقيقة وقليلٌ ما هم، جيءَ بها أولاً، ولكون الجدل أدنى
الدلائل - إذ ليس المقصودُ منه سوى إلزام الخصم وإفحامه، ولا يُستعمل إلا مع
الناقصين الذين تغلبُ عليهم المشاغبةُ والمخاصمةُ، وليسوا بصددٍ تحصيل هاتيك
العلوم - ذُكر أخيراً، ولكون الموعظة الحسنة دون الحُجَّة وفوقَ الجدل، والمدعوِّين
بها المتوسِّطين الذين لم يبلغوا في الكمال حَدَّ الحكماء المحقّقين، ولم يكونوا في
النقصان بمرتبة أولئك المشاغبين، وُسِّطَتْ بين الأمرين، وكأنه إنما لم يقل: ادعُ
إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة والجدال الأحسن، لما أنَّ الجدالَ ليس من باب
الدعوة، بل المقصودُ منه غرضٌ آخر مغايرٌ لها، وهو الإلزامُ والإفحامُ كما قاله
الإمام(٣). فليفهم.
﴿إِنَّ رَبِّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِةٍ﴾ الذي أمرك بدعوة الخلق إليه وأعرضَ
عن قبوله.
﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِلْمُهْتَدِينَ (٣٥)﴾ إليه، وهو تعليلٌ لما ذكر أولاً من الأمرين، كأنه قيل:
اسلكْ في الدعوة والمناظرة الطريقةَ المذكورةَ، وما عليك غيرُ ذلك، وأما حصولُ
الهداية والضلال والمجازاة عليهما فإلى الله سبحانه، لا إلى غيره؛ إذ هو أعلمُ بمَنْ
يبقى على الضلال وبمَنْ يهتدي إليه، فيجازي كلَّ منهما ما يستحقُّه. كذا قيل.
(١) وهي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَنسَلَخَ اٌلْأَشْهُرُ أَلْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥].
(٢) في (م): وأشرافها .
(٣) تفسير الرازي ١٣٩/٢٠ - ١٤٠.

الآية : ١٢٦
٣٤٩
سُورَةُ الْحَلِآ
واعتُرض بأنَّ دلالةَ الآية على المجازاة مسلَّمةٌ، وأما أنَّ حصولَ الهداية
والضلالة ليس لغيره تعالى فالآيةُ لا تدلُّ عليه أصلاً.
وأجيب بأنه إذا انحصرَ علمُ الهداية والضلالة فيه تعالى عُلم أنه لا يكونُ لغيره
سبحانه علمهما، فكيف يكونُ له حصولهما، فالقول بعدم دلالة الآية على ذلك غيرُ
سدید .
وقيل: المعنى: اسلكْ في الدعوة والمناظرة الطريقةَ المذكورةَ، فإنه تعالى هو
أعلمُ بحال مَنْ لا يرعوي عن الضلال لسوء اختياره، وبحال مَنْ يصيرُ أمره إلى
الاهتداء لما فيه من الخير، فما شَرَعهُ لك في الدعوة هو الذي تقتضيه الحكمةُ، فإنه
كافٍ في هداية المهتدين وإزالة عُذر الضالين.
وقيل: المعنى: إنما عليكَ البلاغُ، فلا تلتَّ عليهم إن أَبَوا بعد الإبلاغ مرَّةً أو
مرتين مثلاً، فإنَّ ربك هو أعلمُ بهم، فمَنْ كان فيه خيرٌ كَفَتْهُ النصيحةُ اليسيرةُ، ومن
لا خيرَ فيه عَجَزَتْ عنه الحِیَل.
وتقديمُ الضالين لأنَّ الكلامَ فيهم، وإيرادُ الضلال بصيغة الفعل الدالِّ على
الحدوث لما أنه تغييرٌ لفطرة الله تعالى التي فَطَرَ الناسَ عليها، وإعراضٌ عن
الدعوة، وذلك أمرٌ عارضٌ، بخلاف الاهتداءِ الذي هو عبارةٌ عن الثبات على
الفطرة والجريان على موجب الدعوة، ولذلك جيءَ به على صيغة الاسم المنبئٍ عن
الثبات.
وجملة ((هو أعلم بالمهتدين)) قيل: عَظْفٌ على جملة ((إنَّ ربك)) إلخ، أو على
خبر ((إنَّ)، وتكريرُ ((هو أعلم)) للتأكيد والإشعار بتباين حال المعلومين ومآلهما من
العقاب والثواب، وهو في الجملة الأولى ضميرُ فَصْلٍ للتخصيص كما هو ظاهرُ
كلام البعض، أو للتقوية كما قيل، ولا يخفى ما في التعرُّض لعنوان الربوبية مع
الإضافة إلى ضميره وَله من اللطافة.
﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ﴾ أي: إن أردتم المعاقبة ﴿فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِدٍ﴾ أي:
بمثل ما فُعل بكم، وقد عبّر عنه بالعقاب على طريقة إطلاق اسم المسبّب على
السبب، نحو: كما تدينُ تدان، على نهج المشاكلة، وقال الخفاجيُّ: إنَّ العقابَ

سُورَةُ الْحَالِ
٣٥٠
الآية : ١٢٦
في العرف مطلقُ العذاب ولو ابتداءً، وفي أصل اللغة: المجازاةُ على عذابٍ سابقٍ،
فإن اعتُبر الثاني فهو مشاكلةٌ، وإن اعتُبر الأول فلا مشاكلة(١).
وعلى الاعتبارين صيغةُ المفاعلة ليست للمشاركة، والآيةُ نزلتْ في شأن التمثيل
بحمزةَ رَُّهُ يومَ أُحد، فقد صحَّ عن أبي هريرةَ أنَّ النبيَّ وَّرِ وقفَ على حمزةً يوم
استشهد، فنظر إلى منظرٍ لم ينظر إلى شيءٍ قٌّ كان أوجعَ لقلبه منه، ونظر إليه قد
مُثِّلَ به فقال: ((رحمهُ الله تعالى عليك، فإنك كنتَ ما علمتُ وَصُولاً للرَّحِم فَعولاً
للخيرات، ولولا حُزْنُ مَنْ بعدكَ عليكَ لَسَرَّني أن أتركك حتى يحشركَ الله تعالى من
أرواحٍ شتى، أما والله لأُمثِّلَنَّ بسبعينَ منهم مكانك)) فنزل جبريل عليه السلام
والنبيُّ نَّهِ واقفٌ بخواتيم ((النحل)): (وَإِنْ عَاقَبْنُمْ) إلى آخرها، فكفَّر عليه الصلاة
والسلام عن يمينه وأمسك عن الذي أراد وصبر(٢).
فهي على هذا مدنيّةٌ. وذهب النحاس(٣) إلى أنها مكيةٌ، وليست في شأن
التمثيل بحمزة ره. واختاره بعضُهم لما يلزمُ على ذلك من عدم الارتباط المنزَّه
عنه كلامُ ربِّ العزة جلَّ شأنه؛ إذ لا مناسبةً لتلك القضية لما قبل، وأما على القول
بأنها مكيةٌ فوجهُ الارتباط أنه لما أمر سبحانه نبيَّهُ وَّهِ بالدعوة، وبيَّن طريقها أشارَ
إليه عليه الصلاة والسلام وإلى من يتابعه بمراعاة العدل مع من يُناصبهم والمماثلة،
فإنَّ الدعوةَ لا تكادُ تنفكُّ عن ذلك، كيف لا وهي موجبةٌ لِصَرْفِ الوجوه عن القبل
المعبودة وإدخال الأعناق في قلادةٍ غير معهودة، قاضيةٍ عليهم بفساد ما يأتون
وما يذرون، وبطلان دينٍ استمرَّت عليه آباؤهم الأولون، وقد ضاقتْ بهم الحِيَلُ
وعيتْ بهم العِلَل، وسُدَّت عليهم طُرق المحاجَّة والمناظرة، وأُرتجتْ دونهم أبواب
المباحثة والمحاورة، وتردَّدتْ في صدورهم الأنفاسُ، ووقعوا في حَيص بَيص،
يضربونَ أخماساً في أسداس، لا يجدونَ إلا الأسنَّةَ مركباً، ويختارون الموتَ
الأحمرَ دون دين الإسلام مذهباً .
(١) حاشية الشهاب ٣٨٢/٥.
(٢) أخرجه الواحدي في أسباب النزول ص ٢٩٠، والبيهقي في الدلائل ٢٨٩/٣، وفي إسناده:
صالح المُرِّي، وهو ضعيف كما في تقريب التهذيب ص٢١٢ .
(٣) في الناسخ والمنسوخ ٤٨٤/٢.

الآية : ١٢٦
٣٥١
سُورَةُ التَّحْمِ
وإلى الأول ذهب جمهور المفسِّرين ووقع ذلك في ((صحيح البخاري))(١) بل
قال القرطبيُّ: إنه مما أطبق عليه المفسِّرون(٢). وما ذكر من لزوم عدم الارتباط
عليه ليس بشيء، فإنَّ التنبيه على تلك القضية للإشارة إلى أنَّ الدعوةَ لا تخلو من
مثل ذلك، وأنَّ المجادلة تنجرُّ إلى المجالدة، فإذا وقعتْ فاللائقُ ما ذكر، فلا فَرْقَ
في الارتباط بحسب المآل بين أن تكون مكيةً وأن تكون مدنية، وخصوصُ السبب
لا ینافي عموم المعنی، فالمعوُّ علیه عدمُ العدول عما قاله الجمهور.
وقرأ ابن سيرين: ((وإن عقَّبتم فعقِّبوا)) بتشديد القافين(٣)، أي: وإن قَفَّيتُمْ
بالانتصار فَقَقُّوا بمثل ما فُعل بكم غير متجاوزين عنه.
واستُدلَّ بالآية على أنَّ للمقتصِّ أن يفعلَ بالجاني مثل ما فعل في الجنس
والقَدْر، وهذا مما لا خلاف فيه. وأما اتحادُ الآلة بأن يُقتلَ بحجرٍ مَنْ قَتَلَ به،
وبسيفٍ مَنْ قتل به مثلاً، فذهب إليه بعضُ الأئمة، ومذهب أبي حنيفةَ ◌َُبه أنه
لا قَوَدَ إلا بالسيف، ووجهُ ذلك - مع أنَّ الآيةَ ظاهرةٌ في خلافه - أنَّ القتْلَ بالحجر
ونحوه مما لا يمكن مماثلةُ مقداره شدّةً وضَعْفاً، فاعتبرت مماثلته في القتل وإزهاق
الروح، والأصل في ذلك السيفُ كما ذكره الرازيُّ في ((أحكامه))(٤). وذكر بعضُهم
أنه اختُلفَ في هذه الآية فأخذ الشافعيُّ بظاهرها، وأجابَ الحنفيةُ بأنَّ المماثلةَ في
العدد بأن يُقتلَ بالواحد واحدٌ؛ لأنها نزلتْ لقول النبيِّ ◌َّهِ: ((لأُمثِّلَنَّ بسبعينَ منهم))
لما قُتِلَ حمزة ومُثِّل به كما سمعتَ فلا دليلَ فيها، وقال الواحديُّ: إنها منسوخةٌ
كغيرها من المثلة، وفيه كلام في شروح ((الهداية)).
وفي تقييد الأمر بقوله سبحانه: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ) حَتٌّ على العفو تعريضاً لما في
(إن)) الشرطية من الدلالة على عدم الجزم بوقوع ما في حيِّزها، فكأنه قيل:
لا تعاقبوا وإن عاقبتم ... إلخ، كقول طبيبٍ لمريضٍ سأله عن أكل الفاكهة: إن كنتَ
تأكلُ الفاكهةَ فكُلِ الكُمَّثْرَى. وقد صرَّح بذلك على الوجه الآكد فقيل: ﴿وَلَپن
(١) لم نقف عليه في صحيح البخاري.
(٢) تفسير القرطبي ١٢/ ٤٦١ .
(٣) القراءات الشاذة ص٧٤، والمحتسب ١٣/٢.
(٤) أحكام القرآن للجصاص ١٩٤/٣.

سُؤَّةُ الْحَالِ
٣٥٢
الآية : ١٢٧
صَبَرْثٌ﴾ أي: عن المعاقبة بالمثل ﴿لَهُوَ﴾ أي: لَصَبْرُكم ذلك على حدٍّ: ﴿أَعْدِلُواْ هُوَ
أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] ﴿خَيْرٌ﴾ من الانتصار بالمعاقبة ﴿لِلصَّبِينَ ﴾﴾ أي:
لكم إلا أنه عدل عنه إلى ما في النَّظم الجليل مدحاً لهم وثناءً عليهم بالصبر، وفيه
إرشادٌ إلى أنه إن صبرتم فهو شيمتكم المعروفة، فلا تتركوها إذاً في هذه القضية، أو
وَصْفاً لهم بصفةٍ تحصل لهم إذا صبروا عن المعاقبة، فهو على حدٍّ: مَنْ قتل قتيلاً،
وهو الظاهر من اللفظ، وفيه ترغيبٌ في الصبر بالغٌّ.
ويجوز عَوْدُ الضمير إلى مطلق الصبر المدلول عليه بالفعل، والمراد بالصابرين
جنسهم فيدخل هؤلاء دخولاً أوليًّا.
ثم إنه تعالى أمرَ نبيَّه ◌َّه صريحاً بما ندب إليه غيره تعريضاً من الصبر؛ لأنه
عليه الصلاة والسلام أولى الناس بعزائم الأمور لزيادة علمه بشؤونه سبحانه ووثوقه
به تعالى فقال تعالى: ﴿وَأَصْبِرْ﴾ على ما أصابك من جهتهم من فنون الآلام
والأذية، وعاينتَ من إعراضهم بعد الدعوة عن الحقِّ بالكلية.
﴿وَمَا صَبُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ استثناءٌ مفرٌ من أعمِّ الأشياء، أي: وما صبرك ملابساً
ومصحوباً بشيءٍ من الأشياء إلا بذكر الله تعالى، والاستغراق بمراقبة شؤونه والتبتل
إليه سبحانه بمجامع الهمة، وفيه من تسلية النبيِّ وَّهِ وتهوين مشاقِ الصبر عليه
وتشريفه ما لا مزيد عليه. أو إلا بمشيئته المبنية على حِكم بالغةٍ مستتبعةٍ لعواقب
حميدةٍ، فالتسليةُ من حيث اشتماله على غاياتٍ جليلة. قاله شيخ الإسلام(١).
وقال غير واحد: أي: إلا بتوفيقه ومعونته، فالتسليةُ من حيث تيسير الصبر
وتسهيله، ولعلَّ ذلك أظهر مما تقدم.
﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: على الكافرين وكفرهم بك وعدم متابعتهم لك، نحو:
﴿فَلَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٨] وقيل: على المؤمنين وما فُعل بهم من
المُثْلة يومَ أُحد.
﴿وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ﴾ بفتح الضاد، وقرأ ابن كثيرٍ بکسرها(٢)، وروي ذلك عن
(١) إرشاد العقل السليم ٥/ ١٥٢.
(٢) التيسير ص١٣٩، والنشر ٣٠٥/٢.

الآية : ١٢٨
٣٥٣
سُؤَّةُ الَّحَالِ
نافع، ولا يصحُّ على ما قال أبو حيان عنه(١)، وهما لغتان كالقَول والقيل، أي:
لا تكن في ضيقِ صدرٍ وحرجٍ. وفيه استعارةٌ لا تخفى، ولا داعي إلى ارتكاب
القلب، وقال أبو عبيدة: الضَّيّق بالفتح مخفَّفُ ضَيِّق كَهَيْنٍ وهَيِّن، أي: لا تكُ في
أمرٍ ضَيِّقٍ (٢). وردّه أبو عليٍّ كما في ((البحر))(٣) بأنَّ الصفةَ غيرُ خاصَّة بالموصوف،
فلا يجوز ادِّعاءُ الحذف، ولذلك جازَ: مررتُ بكاتبٍ، وامتنعَ: بآكل. وتُعقِّبَ
بالمنع لأنه إذا كانت الصفةُ عامةً وقُدِّرَ موصوفٌ عامٌّ فلا مانع منه.
﴿مِّمَا بَنْكُرُونَ (٣)﴾ أي: من مكرهم بك فيما يستقبل، فالأولُ - كما في
(إرشاد العقل السليم) (٤) - نهيّ عن التألم بمطلوبٍ من جهتهم فات، والثاني نهيٌّ
عن التألم بمحذورٍ من جهتهم آت، وفيه أنَّ النهيَ عنهما مع أنَّ انتفاءهما من لوازم
الصبر المأمور به لزيادة التأكيد، وإظهار كمال العناية بشأن التسلية، وإلا فهل يخطر
ببال من توجّه إلى الله تعالى بشراشره متنزِّهاً عن كلِّ ما سواه سبحانه من الشواغل
شيء مطلوبٌ، فینهى عن الحزن بفواته.
وقيل: ((يمكرون)) بمعنى مكروا، وإنما عبر بالمضارع استحضاراً للصورة
الماضية، والأول نهيّ عن الحزن على سوء حالهم في أنفسهم من اتصافهم بالكفر
والإعراض عن الدعوة، والثاني نهيٌ عن الحزن على سوء حالهم معه وَلله من
إيذائهم له بالتمثيل بأحبابه ونحوه، والمراد من النهيين محضُ التسلية لا حقيقة
النهي، وأنت تعلم أنَّ الظاهرَ إبقاءُ المضارع على حقيقته، فتأمل.
﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ أَتَّقَواْ﴾ تعليلٌ لما سبق من الأمر والنهي، والمراد بالمعيَّة
الولايةُ الدائمةُ التي لا يحوم(٥) حول صاحبها شيءٌ من الجزع والحزن وضيق
الصدر، وما يُشعر به دخول كلمة ((مع)) من متبوعية المتقين من حيث إنهم
المباشرون للتقوى، والمراد بها هنا أعلى مراتبها، أعني: التنزّه عن كلِّ ما يشغلُ
(١) البحر المحيط ٥٥٠/٥.
(٢) مجاز القرآن ٣٦٩/١.
(٣) ٥٥٠/٥ .
(٤) ٥/ ١٥٢- ١٥٣.
(٥) في الأصل و(م): لا يحول. والمثبت من إرشاد العقل السليم ١٥٢/٥.

سُورَةُ النحل
٣٥٤
الآية : ١٢٨
السِّرَّ عن الحقِّ سبحانه والتبتُّل إليه تعالى بالكلية؛ لأنَّ ذلك هو المورث لولايته عزَّ
وجلَّ المقرونة ببشارة ﴿أَلَّ إِنَّ أَوْلِيَآءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:
٦٢]. والمعنى أنَّ الله تعالى وليُّ الذين تبتّلوا إليه سبحانه بالكلية وتنزَّهوا عن كلِّ
ما يشغلُ سِرَّهم عنه عزَّ وجلَّ، فلم يخطر ببالهم شيءٌ من مطلوبٍ أو محذورٍ، فضلاً
عن الحزن عليه فواتاً أو وقوعاً، وهو المعنيُّ بما به الصبرُ المأمورُ به على أول
الاحتمالات السالفة، وبذلك يحصلُ التقريبُ ويتمُّ التعليلُ، وإلا فمجرد التوقّ عن
المعاصي لا يكونُ مداراً لشيءٍ من العزائم المرخّص في تركها، فكيف بالصبر
المشار إليه ورديفيه، وإنما مدارهُ المعنى المذكور، فكأنه قيل: إنَّ الله مع الذين
صبروا، وإنما أُوثر عليه ما في النظم الكريم مبالغةً في الحثِّ على الصبر بالتنبيه على
أنه من خصائص أجلِّ النعوت الجليلة وروادفه، كما أنَّ قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُم
تُحْسِنُونَ ﴾ للإشعار بأنه من باب الإحسان الذي فيه يتنافسُ المتنافسون، على
ما يؤذن بذلك قوله تعالى: ﴿وَأَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [هود: ١١٥] وقد
نَّه سبحانه على أنَّ كلَّا من الصبر والتقوى من قبيل الإحسان بقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ, مَن
يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٠] وحقيقةُ الإحسان
الإتيان بالأعمال على الوجه اللائق، وقد فسَّرِهِ وَال ◌َرَ بـ: ((أنْ تعبد الله تعالى كأنك
تراه، فإنْ لم تكن تراهُ فإنه يراك))(١) وتكريرُ الموصول للإيذان بكفاية كلٌّ من الصلتين
في ولايته سبحانه من غير أن تكونَ إحداهما تتمة للأخرى، وإيرادُ الأولى فعليةً
للدلالة على الحدوث، كما أنَّ إيراد الثانية اسميةً لإفادة كون مضمونها شيمة راسخة
لهم، وتقديمُ التقوى على الإحسان لما أنَّ التخليةَ مقدّمةٌ على التحلية.
والمراد بالموصولين إما جنسُ المتقين والمحسنين، ويدخلُ عليه الصلاة
والسلام في زمرتهم دخولاً أولياً، وإما هو وَّر وأشياعه ﴿ه، وعبَّر بذلك عنهم
مَدْحاً لهم وثناءً عليهم بالنعتين الجميلين، وفيه رمزٌ إلى أنَّ صنيعه عليه الصلاة
والسلام مستتبعٌ لاقتداء الأمة به، كقول من قال لابن عباس ظًّا عند التعزية:
اصبر نكنْ بك صابرينَ وإنما
صبرُ الرعية عند صبر الراس
(١) أخرجه أحمد (٣٦٧)، ومسلم (٨) من حديث عمر بن الخطاب ظُه. وأخرجه البخاري
(٥٠) من حديث أبي هريرة رضيُه. وسلف ٢٩٥/١.

الآية : ١٢٨
٣٥٥
سُؤَةُ الْحَمِ
قال كلُّ ذلك في ((إرشاد العقل السليم)) (١)، وإلى كون الجملة في موضع التعليل
لما سبقَ ذهب العلامة الطيبيُّ حيث قال: إنه تعالى لما أمر حبيبه بالصَّبر على أذى
المخالفين، ونهاه عن الحزن على عنادهم وإبائهم الحقَّ، وعمَّا يلحقه من مكرهم
وخداعهم، وعلَّل ذلك بقوله سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ) إلخ أي: لا تُبالِ بهم وبمكرهم؛
لأنَّ الله تعالى وَلِيُّكَ ومُحِبُّكَ وناصركُ، ومُبعضُهمْ وخاذلهم، وعمَّم الحكمَ إرشاداً
للاقتداء به عليه الصلاة والسلام، وفيه تعريض بالمخالفين وبخذلانهم كما صرَّح به
في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَأَنَّ الْكَّفِرِينَ لَا مَوْلَ لَهُمْ﴾ [محمد: ١١]
وذكر أنَّ إيرادَ الجملة الثانية اسمية وبناءَ ((محسنون)) على ((هم)) على سبيل التقوى
مؤذنٌ باستدامة الإحسان واستحكامه، وهو مستلزمٌ لاستمرار التقوى؛ لأنَّ الإحسانَ
إنما يتمُّ إذا لم يعدْ إلى ما كان عليه من الإساءة، وإليه الإشارةُ بما ورد: ((من حُسْن
إسلام المرء تَرْكُهُ ما لا يعنيه))(٢) وما ذكر من حمل التقوى على أعلى مراتبها غيرُ
متعيّنٍ. وما ذكره في بيانه لا يخلو عن نظر كما لا يخفى على المتأمل.
وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وغيرهم عن الحسن أنه قال
في الآية: اتقوا فيما حرَّم الله تعالى عليهم، وأَحسنوا فيما افترضَ عليهم(٣).
ويوهم كلامُ بعضهم أنَّ الجملةَ في موضع التعليل للأمر بالمعاقبة بالمثل حيث
قال: إنَّ المعنى: إنَّ الله بالعون والرحمة والفضل مع الذين خافوا عقابَ الله تعالى
وأشفقوا منه، فشفقوا على خلقه بعد الإسراف في المعاقبة، وفسَّر الإحسانَ بترك
الإساءة كما قيل :
تَرْكُ الإساءة إحسانٌ وإجمالٌ (٤)
ولا يخفى ما فيه من البعد، وقد اشتملت هذه الآياتُ على تعليم حُسْنِ الأدب
في الدعوة، وترك التعدِّي، والأمر بالصبر على المكروه مع البشارة للمتقين
(١) ٥/ ١٥٣.
(٢) أخرجه أحمد (١٧٣٢) من حديث حسين بن علي
(٣) تفسير الطبري ٤٠٩/١٤، وتفسير ابن أبي حاتم ٢٣٠٨/٧، وينظر الدر المنثور ١٣٥/٤.
(٤) لم نقف عليه هكذا، بل الوارد في قول المتنبي في ديوانه ٤٠٧/٣ :
إنَّا لفي زَمَن تَرْك القبيح به من أكثر الناس إحسان وإجمالٌ

سُورَةُ الْحَِ
٣٥٦
التفسير الإشاري (٨٩-١٢٨)
المحسنين، وقد أخرج سعيد بن منصور وابن جرير وغيرهما عن هرم بن حَيَّان أنه
قيل له حين الاحتضار: أوْصٍ. فقال: إنما الوصية من المال، ولا مال لي،
وأوصيكم بخواتيم سورة ((النحل))(١).
هذا، ومن باب الإشارة في الآيات: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ نِبْيَئِنَا لِكُلِّ شَىْءٍ﴾
أي: مما كان وما يكون، فيفرّق به بين المحقِّ والمبطل، والصادق والكاذب،
والمتَبع والمبتدع.
وقيل: كلُّ شيءٍ هو النبيُّ ◌َّله كما قيل أنه عليه الصلاة والسلام الإمام في قوله
سبحانه: ﴿وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَهُ فِىَ إِمَامِ تُبِينٍ﴾ [يس: ١٢].
﴿إِنَّ اللَّهَ بَأْمُرُ بِلْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ وَإِينَآَمٍ ذِى الْقُرْبَ وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُكَرِ
وَالْبَغْيِّ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ قال السيادي: العدل رؤيةُ المِنَّة منه تعالى قديماً
وحديثاً، والإحسانُ الاستقامة بشرط الوفاء إلى الأبد.
وقيل: العدل أن لا يرى العبدُ فاتراً عن طاعة مولاه، مع عدم الالتفات إلى
العِوَض، وإيتاءُ ذي القربى الإحسانُ إلى ذوي القرابة في المعرفة والمحبة والدين،
فيخدمهم بالصِّدق والشفقة، ويؤدي إليهم حَقَّهم، والفحشاءُ الاستهانةُ بالشريعة،
والمنكرُ الإصرارُ على الذنب كيفما كان، والبغي ظلم العباد.
وقيل: الفحشاءُ إضافةُ الأشياء إلى غيره تعالى مُلْكاً وإيجاداً .
﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ المأخوذ عليكم في عالم الأرواح بالبقاء على حُكْمه وهو
الإعراضُ عن الغير والتجرُّدُ عن العلائق والعوائق في التوجُّه إليه تعالى إذا عاهدتم،
أي تذكَّرتموه بإشراق نور النبيِّ ◌َّه عليكم وتذكيره إياكم؛ قال النصراباذي: العهودُ
مختلفةٌ، فعهدُ العوامِّ لزومُ الظاهر، وعهدُ الخواصِّ حفظُ السرائر، وعهد خواصٌ
الخواص التخلي من الكلِّ لمن له الكُلُّ.
مَا عِندَكُمْ﴾ من الصفات ﴿يَفَذُ﴾ لمكان الحدوث ﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ لمكان
(١) الطبري في تفسيره ٤٠٩/١٤-٤١٠.

التفسير الإشاري (٨٩-١٢٨)
٣٥٧
سُؤَدَّةُ الْحَلِكَ
القِدَم، فالعبدُ الحقيقيُّ مَنْ كان فانياً من أوصافه باقياً بما عند الله تعالى، كذا في
((أسرار القرآن)).
﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى﴾ أي: عملاً يوصله إلى كماله الذي يقتضيه
استعداده ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ معتقدٌ للحقِّ اعتقاداً جازماً ﴿فَلَتُحْيِيَنَّهُ، حَيَّوَةً لَيِّبَةٌ﴾ أي: حياةً
حقيقيةً لا موت بعدها، بالتجرد عن المواد البدينة، والانخراط في سلك الأنوار
القدسية، والتلذّذ بكمالات الصفات ومشاهدات التجليات الأفعالية والصفاتية.
﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ من جنات الصفات والأفعال ﴿بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾
إذ عملهم يناسب صفاتهم التي هي مبادي أفعالهم، وأجرهم يناسب صفات الله
تعالى التي هي مصادرُ أفعاله، فانظرْ كم بينهما من التفاوت في الحُسْن، ويقال:
الحياةُ الطيبةُ ما تكونُ مع المحبوب، ومن هنا قيل:
كلُّ عيشٍ ينقضي ما لم يكنْ مع مليحِ ما لذاكَ العيشِ مِلْحُ(١)
﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ
رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ قال سهلٌ: هو إشارةٌ إلى الذين رجعوا القهقرى في
طريق سلوكهم ثم عادوا، أي: إنَّ ربكَ للذين هجروا قُرناءَ السوء من بعد أن ظهر
لهم منهم الفتنة في صحبتهم، ثم جاهدوا أنفسهم على ملازمة أهل الخير، ثم
صبروا معهم على ذلك، ولم يرجعوا إلى ما كانوا عليه في الفتنة، لساترٌ عليهم
ما صَدَرَ منهم، مُنعمٌ عليهم بصنوف الإنعام.
وقيل: إنَّ ربكَ للذين هاجروا، أي: تباعدوا عن موطنِ النفس بتَرْك المألوفات
والمشتهيات من بعد ما فُتنوا بها بحُكْم النشأة البشرية، ثم جاهدوا في الله تعالى
بالرياضات وسلوك طريقه سبحانه بالترقِّ في المقامات والتجريد عن التعلُّقات،
وصبروا عمَّا تُحِبُّ النفسُ وعلى ما تكرهه بالثبات في السّير، إن ربك لغفورٌ يسترُ
غواشي الصفات النفسانية رحيمٌ بإفاضة الكمال والصفات القدسية.
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ للنفس المستعدَّة القابلة لفيض القلب الثابتة في طريق
اكتساب الفضائل الآمنة من خوف فواتها المطمئنة باعتقادها .
(١) البيت لفتح الله بن النحاس، وهو من حائيته المشهورة كما ذكر ذلك المحبي في نفحة
الريحانة ٢/ ٥٢٢.

سُورَةُ الْحَكِ
٣٥٨
التفسير الإشاري (٨٩-١٢٨)
﴿يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا﴾ من العلوم والفضائل والأنوار ﴿مِّن كُلِّ مَكَانٍ﴾ من جميع
جهات الطرق البدنية؛ كالحواسِّ والجوارح والآلات، ومن جهة القلب.
﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ ظهرتْ بصفاتها بَطَراً وإعجاباً بزينتها، ونظراً إلى ذاتها
ببهجتها وبهائها، فاحتجبتْ بصفاتها الظلمانية عن تلك الأنوار، ومالتْ إلى الأمور
السُّفْلية، وانقطعَ إمدادُ القلب عنها، وانقلبتِ المعاني الواردة عليها من طرق الحِسِّ
هيئات غاسقة من صور المحسوسات التي انجذبتْ إليها .
﴿فَأَقَهَا اللَّهُ لِبَّاسَ الْجُوع﴾ بانقطاع مدد المعاني والفضائل والأنوار من القلب،
﴿وَالْخَوْفِ﴾ من زوال مقتنياتها من الشهوات والمألوفات ﴿بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾
من كُفْران أَنعُمِ الله تعالى.
﴿وَلَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ﴾ أي: من جنسهم وهي القوة الفكرية ﴿فَگذَّبُوهُ﴾
بما ألقى إليهم من المعاني المعقولة والآراء الصادقة ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾ أي:
عذاب الحرمان والاحتجاب ﴿وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ في حالة ظلمهم وترفّعهم عن طريق
الفضيلة ونقصهم لحقوق صاحبهم.
﴿إِنَّ إِنْزَهِيمَ كَانَ أُمَّةٌ﴾ لاجتماع ما تفرَّقَ في غيره من الصفات الكاملة فيه،
وكذا كلُّ نبيٍّ، ولذا جاء في الخبر على ما قيل: ((لو وُزِنت بأمتي لرجحت بهم))(١).
﴿قَانِتًا لِلَّهِ﴾ مطيعاً له سبحانه على أكمل وجه ﴿حَنِيفًا﴾ مائلاً عن كلِّ ما سواه
تعالى ﴿وَلَمَّ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ بنسبة شيءٍ إلى غيره سبحانه.
﴿شَاكِرًا لِأَنْعُيِةِ﴾ مستعملاً لها على ما ينبغي ﴿أَجْتَبَهُ﴾ اختاره بلا واسطة
عملٍ؛ لكونه من الذين سبقتْ لهم الحسنى، فتقدّم كشوفهم على سلوكهم ﴿وَهَدَنهُ﴾
بعد الكشف ﴿إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو مقامُ الإرشاد والدعوة، يعنون به مقام الفرق
بعد الجمع .
﴿وَءَاتَيْنَهُ فِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ وهي الذكرُ الجميلُ والملكُ العظيمُ والنبوة ﴿وَإِنَّهُ فِى
اُلْآَخِرَةِ﴾ قيل: أي: في عالم الأرواح ﴿لَمِنَ الصَّلِينَ﴾ المتمكّنين في مقام الاستقامة،
وقيل: أي يومَ القيامة لَمِنَ الصالحين للجلوس على بساط القُرْب والمشاهدة
(١) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ١٦٩/٣٩- ١٧٠ من حديث ابن عمر

التفسير الإشاري (٨٩-١٢٨)
٣٥٩
سُورَةُ الْحََ
بلا حجاب، وهذا لدفع توقُّم أنَّ ما أوتيه في الدنيا ينقصُ مقامه في العُقْبى
كما قيل: إنَّ مقامَ الوليِّ المشهور دون الوليِّ الذي في زوايا الخمول، وإليه الإشارة
بقولهم: الشهرةُ آفةٌ، وقد نصَّ على ذلك الشعرانيُّ في بعض كتبه.
﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ آَخْتَلَفُواْ فِيذٍ﴾ وهم اليهودُ، واختاروه لأنه اليومُ
الذي انتهتْ به أيامُ الخلق، فكان بزعمهم أنسبَ لترك الأعمال الدنيوية، وهو على
ما قال الشيخُ الأكبرُ قُدِّسَ سِرُّهُ في ((الفتوحات))(١) يوم الأبد الذي لا انقضاءَ له،
فليلهُ في جهنم ونهاره في الجنة. واختيارُ النصارى ليوم الأحد؛ لأنه أول يومٍ
اعتنى الله تعالى فيه بخَلْقِ الخلق، فكان بزعمهم أولى بالتفرُّغ لعبادة الله تعالى
وشكره سبحانه، وقد هدى الله تعالى لما هو أعظم من ذلك وهو يوم الجمعة الذي
أكملَ الله تعالى به الخلقَ وظهرتْ فيه حكمهُ الاقتدار بخلق الإنسان الذي خُلق على
صورة الرحمن، فكان أولى بأن يَتفرَّغَ فيه الإنسانُ للعبادة والشكر من ذَينك
اليومين، وسبحان مَنْ خَلَقَ فهدی.
﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم ◌ِدٍ وَلَيْنِ صَبِّرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلِصَّبِينَ﴾ لما في
ذلك من قَهْرِ النفس الموجب لترقِّيها إلى أعلى المقامات.
﴿وَأَصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِلَّهِ﴾ قيل: الصبرُ أقسامٌ: صبرٌ لله تعالى، وصبرٌ في الله
تعالى، وصبرٌ مع الله تعالى، وصبرٌ عن الله تعالى، وصبرٌ بالله تعالى، فالصبرُ لله
تعالى هو من لوازم الإيمان، وأول درجات الإسلام، وهو حَبْسُ النفس عن الجزع
عند فوات مرغوبٍ أو وقوع مكروهٍ، وهو من فضائل الأخلاق الموهوبة من فضل الله
تعالى لأهل دينه وطاعته المقتضية للثواب الجزيل.
والصبرُ في الله تعالى هو الثباتُ في سلوك طريق الحقِّ، وتوطين النفس على
المجاهدة بالاختيار، وترك المألوفات واللَّذَّات وتحمُّل البليات وقوة العزيمة في
التوجُّه إلى منبع الكمالات، وهو من مقامات السالكين يهبهُ الله تعالى لمن يشاء من
أهل الطريقة .
والصبرُ مع الله تعالى هو لأهل الحضور والكَشْفِ عند التجرد عن ملابس
(١) في الباب الحادي والسبعين.

سُؤَّةُ الْحَلِ
٣٦٠
التفسير الإشاري (٨٩-١٢٨)
الأفعال والصفات، والتعرُّض لتجليات الجمال والجلال، وتوارد واردات الأُنس
والهيبة، فهو بحضور القلب لمن كان له قلبٌ، والاحتراس عن الغفلة والغيبة عند
التلوينات بظهور النفس، وهو أشقُّ على النفس من الضَّرْب على الهام، وإن كان
لذيذاً جدًّا.
والصبر عن الله تعالى هو لأهل العيان والمشاهدة من العشّاق المشتاقين
المتقلِّبين في أطوار التجلِّي والاستتار، المنخلعين عن الناسوت، المتنوِّرين بنور
اللاهوت ما بقي لهم قلبٌ ولا وَصْفٌ، كلما لاحَ لهم نورٌ من سبحات أنوار
الجمال احترقوا وتفانوا، وكلما ضُرِبَ لهم حجاب ورد وجودهم تشويقاً وتعظيماً
ذاقوا من ألم الشوق وحُرْقة الفرقة ما عِيلَ به صبرهم وتحقَّق موتهم.
والصبرُ بالله تعالى هو لأهل التمكين في مقام الاستقامة الذين أفناهم الله تعالى
بالكلية، وما ترك عليهم شيئاً من بقية الأنية والاثنينية، ثم وَهَبَ لهم وجوداً من ذاته
حتى قاموا به وفعلوا بصفاته، وهو من أخلاق الله تعالى، ليس لأحدٍ فيه نصيب،
ولهذا بعد أن أَمَرَ سبحانه به نبيَّهُ وَّةٍ بَيَّن له عليه الصلاة والسلام أنك لا تباشره
إلا بي، ولا تطيقه إلا بقوتي، ثم قال سبحانه له وَلّهِ: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ فالكلُّ
مني ﴿وَلَا تَكُ فِ ضَيْقٍ مِّمَا يَمْكُرُونَ﴾ لانشراح صدرك بي ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ أَنَّقَواْ﴾.
بقاياهم وفنوا فيه سبحانه ﴿وَّالَّذِينَ هُم تُحْسِنُونَ﴾ بشهود الوحدة في الكثرة، وهؤلاء
الذين لا يحجبهم الفَرْقُ عن الجمع، ولا الجمعُ عن الفَرْق، ويسعهمْ مراعاةُ الحقِّ
والخلق.
وذكر الطيبيُّ أنَّ التقوى في الآية بمنزلة التوبة للعارف، والإحسان بمنزلة السير
والسلوك في الأحوال والمقامات إلى أن ينتهي إلى محوِ الرسم والوصول إلى مخدع
الأنس.
هذا، والله سبحانه الهادي إلى سواء السبيل، فنسأله جلَّ شأنه أن يهدينا إليه،
ويوفِّقنا للعلن النافع لديه، ويفتح لنا خزائنَ الأسرار، ويحفظنا من شرِّ الأشرار
بحُرْمة القرآن العظيم والرسول الكريم، عليه أفضل الصلاة وأكمل التسليم.