النص المفهرس
صفحات 321-340
الآية : ١١٢ ٣٢١ سُؤَدَّةُ الْحَلِآ بعض القرى من الفتن بين أهاليها ووقوع بعضهم في بعض كبغداد(١) فإنها قلَّما تأمن من إغارة شرِّيرٍ عليها، وهيهات هيهات أن ترى شخصين متصافيين(٢) فيها: والمرءُ يخشى من أبيه وابنه ويخونه فيها أخوه وجاره وقيل: يُفهم من كلام بعضهم أنَّ الاطمئنانَ أثرُ الأمن ولازمه من حيثُ إنَّ الخوف يوجب الانزعاج وينافي الاطمئنان، وفي ((البحر))(٣) أنه زيادةٌ في الأمن. ﴿يَأْتِيهَا رِزْقُهَا﴾ أقواتها ﴿رَغَدًا﴾ واسعاً ﴿مِّن كُلِّ مَكَانٍ﴾ من جميع نواحيها، وغيّر أسلوب هذه الصفة عما تقدَّم إلى ما ترى؛ لما أنَّ إتيانَ الرزق متجدِّدٌ، وكونها (آمنة مطمئنةً)) ثابتٌ مستمرٌّ، وذكر الإمام أنَّ الآيةَ تضمَّنت ثلاثَ نِعَمِ جَمَعَها قولهم: الأمنُ والصحةٌ والكفايه ثلاثةٌ ليس لها نهايه فـ ((آمنة)) إشارةٌ إلى الأمن، و((مطمئنة)) إلى الصحة و((يأتيها رزقها)) إلخ إلى الكفاية، وجُعل سببُ الاطمئنان ملاءمةً هواء البلد لأمزجة أهله(٤). وفيه تأمُّل. ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ جمعُ نعمة كَشِدَّة وأَشُدّ، على تَرْك الاعتداد بالتاء؛ لأنَّ المظَّردَ جَمْعُ فِعْل على أَفْعُل لا فِعْلة(٥)، وقال الفاضل اليمنيُّ: اسمُ جَمْعٍ للنعمة، وقُظْربٌ: جَمْعُ نُعْمِ بضمِّ النون كَبُؤْسٍ وَأَبْؤُس، والنِّعَمُ عنده بمعنى النعيم، وحمل على ذلك قولهم: هذا يومُ طُعْمٍ ونُعْمٍ، وعند غيره بمعنى النعمة، والمراد بالنِّعَم ما تضمَّنته الآيةُ قبلُ؛ ولعلَّه في قُوة نِعَم كثيرةٍ، بل هو كذلك، وفي إيثار جَمْع القلة إيذانٌ بأنَّ كفرانَ نِعَم قليلةٍ أوجبتْ هذا العذابَ، فما ظنُّكَ بكفران نِعَم كثيرة. ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِيَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ شبَّهَ أثرَ الجوع والخوف وضررهما الغاشي باللباس بجامع الإحاطة والاشتمال، فاستعير له اسمه، وأوقع عليه الإذاقةَ (١) قوله: کبغداد. ليس في (م). (٢) في (م): متصادقين. (٣) ٥٤٢/٥. (٤) تفسير الرازي ١٢٨/٢٠. (٥) قوله: فِعْلة، معطوف على قوله: فِعْل، والمعنى: المطرد أن الذي يجمع على أَفْعُل هو فِعْل لا فِعْلة. سُوَةُ التَّحَّ ٣٢٢ الآية : ١١٢ المستعارةَ للإصابة، وأُوثرت للدلالة على شِدَّة التأثير التي تفوت لو استُعملت الإصابة، وبيّنوا العلاقةَ بأنَّ المدرَكَ من أثر الضرر شُبِّهَ بالمدرَكِ من طَعْمِ المُرِّ البَشِعِ، من باب استعارةٍ محسوسٍ لمعقول؛ لأنَّ الوجدانيات لزَّت في قرن العقليات، وكذا يقال في الأول، ولِشُيوع استعمال الإذاقة في ذلك وكثرةٍ جريانها على الألسنة جرتْ مجرى الحقيقة، ولذا جُعل إيقاعُها على اللباس تجريداً، فإنَّ التجريدَ إنما يَحسُنُ أو يصحُّ بالحقيقة، أو ما أُلحق بها من المجاز الشائع، فلا فَرْقَ في هذا بين: أذاقها إياه، وأصابها به، وإنما لم يقلْ: فكساها؛ إيثاراً للترشيح لئلا يفوت ما تفيده الإذاقة من التأثير والإدراك وطَعْمِ الجوع لما في اللِّباس من الدلالة على الشمول. وصاحب ((المفتاح)) حَمَلَ اللباسَ على انتقاع اللون ورثائة الهيئة اللازِمَين للجوع والخوف(١). والاستعارةُ حينئذٍ من باب استعارة المحسوس للمحسوس، وما ذكر أولاً أولى؛ إذ لا يحلُّ موقع الإذاقة، وتكونُ الإصابةُ أبلغَ موقعاً. ونُقل عن الأصحاب أنَّ لَفْظَ اللباس عندهم تخييلٌ، وبيِّنَ ذلك بأنْ يُشبَّهَ الجوعُ والخوفُ في التأثير بذي لباس قاصدٍ للتأثير مبالغٍ فيه، فيخترع له صورةً كاللباس، ويُطلقُ عليها اسمه. واعتُرض بأنَّ ذلك لا يلائمَ بلاغةَ القرآن العظيم؛ لأنَّ الجوعَ إذا شُبِّه بالمؤثِّر القاصد الكامل فيما تولَّاه، ناسَبَ أن تُخْتَرَعَ له صورةٌ ما يكون آلةً للتأثير، لا صورةُ اللباس الذي لا مدخلَ له فيه. وتُعَقِّبَ بأنَّ صاحبَ ((المفتاح)) يرى أنَّ التخييليةَ مستعملةٌ في أمرٍ وَهْمِيٍّ توهَّمه المتكلِّمُ شبيهاً بمعناه الحقيقيّ، فاللباسُ إذا كان تخييلاً يجوزُ أن يكونَ المرادُ به أمراً مشتملاً على الجوع اشتمالَ اللباس كالقَحْطِ، ومشتملاً على الخوف كإحاطة العدوِّ، فلا وَجْهَ لقوله: صورةُ اللباس، مما لا دخل له في التأثير، والقولُ بأنه لا يناسبُ مع الفاعل إلا ذِكْرُ الآلة للتأثير، مما لم يُصرِّح به أحدٌ من القوم، ولا يتأتَّى التزامهُ في كلِّ مكنية، ألا تراك لو قلت: مسافةُ [القصر](٢) القريض، ما زال يطويها حتى نزل ببابه(٣)، على تشبيه المدح بمسافرٍ ثَبَتَ له المسافة تخييلاً (١) مفتاح العلوم ص٣٧٨. (٢) ما بين حاصرتين من حاشية الشهاب ٣٧٥/٥ والكلام منها . (٣) في الأصل: بيانه. الآية : ١١٢ ٣٢٣ سُؤَةُ الْحَالِ وما بعده ترشيحاً (١) كانت استعارةً حسنةً، وليس قرينتها آلة لذلك الفاعل، بل أمرٌ من لوازمه، ومثله كثيرٌ في كلام البلغاء. اهـ. وأنت تعلم أنَّ هذا على ما فيه لا يفيدُ عند صحيح التخيُّل تمييز ما نقل عن الأصحاب على ما ذكر أولاً، ولا مساراته له، والمشهور أنَّ في ((لباس)) استعارتين تصريحية ومكنية، وبيِّنَ ذلك بأن شُبِّه ما غشي الإنسانَ عند الجوع والخوف من أثر الضرر من حيث الاشتمال باللباس، فاستعير له اسمه، ومن حيث الكراهة بالطّعم المرِّ البشع، فيكون استعارةً مصرِّحةً نظراً إلى الأول ومكنيةً إلى الثاني، وتكون الإذاقةُ تخبيلاً، وفيه بحثٌ مشهورٌ بين الطلبة. وُجُوِّزَ أن يكونَ لباس الجوع، كلُجين الماء، أي: أذاتها الله الجوعَ الذي هو في الإحاطة كاللباس، والأول أيضاً أولى، ومثلُ ذلك في قول كثيِّر: غَمْرُ الرداء إذا تبسَّم ضاحكاً غَلِقَتْ لضحكتهِ رقابُ المالِ(٢) فإنه استعارَ الرداء للمعروف لأنه يصونُ عِرْضَ صاحبه صَوْنَ الرداء لما يُلقى عليه، وأضاف إليه الغَمْرَ وهو في وَصْفِ المعروف استعارةٌ جرتْ مجرى الحقيقة، وحقيقته من الغَمْرة، وهي معظم الماء وكثرته، وتقديمُ الجوع الناشئ من فقدان الرزق على الخوف المترتّب على زوال الأمن المقدَّم فيما تقدَّم على إتيان الرزق؛ لكونه أنسبَ بالإذاقة، أو لمراعاة المقارنة بين ذلك وبين إتيان الرزق. وفي مصحف أبيٍّ: ((لباسَ الخوف والجوع)) بتقديم الخوف، وكذا قرأ عبد الله، إلا أنه لم يذكر اللباسَ(٣)، وعدَّ ذلك أبو حيان تفسيراً لا قراءة(٤)، وروى العباس عن أبي عمرو أنه قرأ: ((والخوف)) بالنصب عَظْفاً على ((لباس))(٥)، وجعله الزمخشريُّ على حَذْفِ مضافٍ وإقامة المضاف مقامه، أي: ولباس الخوف(٦). (١) في الأصل و(م): ترشيح. والمثبت من حاشية الشهاب. (٢) دیوان كُثيّر عزة ص٢٩٥. (٣) القراءات الشاذة ص٧٤، والمحرر الوجيز ٤٢٧/٣، والبحر المحيط ٥٤٣/٥-٥٤٤. (٤) البحر ٥٤٣/٥ . (٥) المحرر الوجيز ٤٢٧/٣، والبحر المحيط ٥٤٣/٥. (٦) الكشاف ٢/ ٤٣٢. سُورَةُ النَّحَلِآَ ٣٢٤ الآية : ١١٣ وقال صاحب ((اللوامح)): يجوزُ أن يكونَ نَصْبُهُ بإضمار فعل، وفي مقابلة ما تقدَّم بالجوع والخوف فقط ما يشير إلى عَدِّ الأمن والاطمئنان كالشيء الواحد، وإلا فكان الظاهرُ: فأذاقها الله لباس الجوع والخوف والانزعاج ﴿بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ (٣)﴾ فيما قبل، أو على وَجْه الاستمرار، وهو الكفران المذكور. و((ما)) موصولةٌ، والعائد محذوفٌ، أي: يصنعونه، وجوِّزَ أن تكونَ مصدرية، والباء على الوجهين سببيةٌ، والضميران قيل: عائدان على ((أهل)) المقدَّر المضاف إلى القرية بعدما عادت الضمائر السابقة إلى لفظها، وقيل: عائدان إلى القرية مراداً بها أهلها . وفي ((إرشاد العقل السليم)) (١) أَسند ما ذكر إلى أهل القرية تحقيقاً للأمر بعد إسناد الكفران إليها وإيقاع الإذاقة عليها إرادةً للمبالغة، وفي صيغة الصَّنعة إيذانٌ بأنَّ كُفْرانَ الصنيعة صنعةٌ راسخةٌ لهم وسنةٌ مسلوكةٌ. ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُمْ﴾ من تتمة التمثيل، والضميرُ فيه عائدٌ على مَنْ عاد إليه الضميران قبله، وجيءَ بذلك لبيان أنَّ ما صنعوه من كُفران أَنعُم الله تعالى لم يكن مزاحمةً منهم لقضية العقل فقط، بل كان ذلك معارضة لحجَّة الله تعالى على الخلق أيضاً، أي: ولقد جاء أهلَ تلك القرية ﴿رَسُولٌ مِّنْهُمْ﴾ أي: من جنسهم يعرفونه بأصله ونَسَبه، فأخبرهم بوجوب الشكر على النعمة، وأنذرهم بسوء عاقبة ما هم عليه. ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ في رسالته أو فيما أخبرهم به مما ذكر، فالفاءُ فصيحةٌ، وعدم ذِكْر ما أفصحت عنه للإيذان بمفاجأتهم بالتكذيب من غير تلعثم. ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾ المستأصِلُ لشأفتهم غِبَّ ما ذاقوا منه ما سمعت ﴿وَهُمْ ظَلِمُونَ ﴾ أي: حالَ التباسهم بالظلم، وهو الكفران والتكذيبُ غير مقلعين عنه بما ذاقوا من المقدِّمات الزاجرة عنه، وفيه دلالةٌ على تماديهم في الكفر والعناد، وتجاوزهم في ذلك كلَّ حَدِّ معتاد. وترتيبُ أَخْذِ العذاب على تكذيب الرسول جريٌ على سنة الله تعالى حسبما يُرشد إليه قوله سبحانه: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وبه (١) ٥/ ١٤٥. الآية : ١١٤ ٣٢٥ سُؤَةُ الْحَلِّ يتمُّ التمثيلُ، فإنَّ حالَ أهل مكةَ سواءٌ ضُرِبَ المثلُ لهم خاصةً، أو لهم ولمن سار سيرتهم كافة أشبهُ بحال أهل تلك القرية من الغُراب بالغراب، فقد كانوا في حَرَمِ آمَنٍ يُتَخطَّفُ الناسُ من حولهم، ولا يمرُّ ببالهم طَيفٌ من الخوف، ولا يُزِعِجُ قطاً قلوبهم مُزعِجٌ، وكانت تُجبى إليه ثمراتُ كلِّ شيءٍ، ولقد جاءهم رسولٌ منهم وأيُّ رسولٍ، تحار في إدراك سموِّ مرتبته العقولُ وَّهِ ما اختلف الدَّبور والقَبول، فأنذرهم وحذَّرهم، فكفروا بأنعم الله تعالى وكذَّبوه عليه الصلاة والسلام، فأذاقهم الله تعالى لباسَ الجوع والخوف حيث أصابهم بدعائه بَّهِ: ((اللهم اشْدُدْ وطأتَكَ على مُضَرَ، واجعلها عليهم سنينَ كَسِني يوسف)» (١) ما أصابهم من جَدْبٍ شديدٍ وأزمةٍ ما عليها مزيد، فاضطروا إلى أكل الجِيَفِ والكلاب الميتة والعظام المحروقة، والعلهز: وهو طعامٌ يُتَّخذُ في سِني المجاعة من الدم والوَبَر، وكان أحدهم ينظر إلى السماء فيرى شبه الدخان من الجوع، وقد ضاقت عليهم الأرضُ بما رَحُبَتْ من سرايا رسول الله وَلهل حيث كانوا يُغيرون على مواشيهم وعِيرهم وقوافلهم، ثم أخذهم يومَ بدرٍ ما أخذهم من العذاب. هذا ما اختاره شيخُ الإسلام وقال: إنه الذي يقتضيه المقام ويستدعيه النظام، وأما ما أجمع عليه أكثرُ أهل التفسير من أنَّ الضميرَ في قوله تعالى: (وَلَقَدْ جَآءَهُمْ) لأهل مكةً، والكلام انتقالٌ إلى ذِكْرِ حالهم صريحاً بعد ذِكْرٍ مثلهم، وأنَّ المرادَ بالرسول محمد ◌َل*، وبالعذاب ما أصابهم من الجدب، ووقعة بدر فبمعزلٍ عن التحقيق، كيفَ لا وقوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ مفرَّعٌ على نتيجة التمثيل وصدٌّ لهم عما يؤدِّي إلى مثل عاقبته، والمعنى: وإذ قد استبانَ لكم حالُ مَنْ كَفَرَ بأنعُمِ الله تعالى وكذَّب رسولَهُ وما حلَّ بهم بسبب ذلك من اللُّتِيًّا والتي أولاً وآخراً، فانتهوا عمَّا أنتم عليه من كفران النِّعَم وتكذيب الرسول وَ ه كيلا يَحِلَّ بكم ما حلَّ بهم، واعرفوا حقَّ نِعَم الله تعالى، وأطيعوا الرسول عليه الصلاة والسلام في أمره ونهيه، فكلوا من رزقَ الله تعالى حالَ كونه ﴿حَلَلًا طَيِّبًا﴾، وذروا ما تفترون من تحريم البحائر ونحوها ﴿وَأَشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ واعرفوا حقَّها ولا تقابلوها بالكفران. (١) أخرجه أحمد (٧٢٦٠)، والبخاري (٨٠٤)، ومسلم (٦٧٥) من حديث أبي هريرة سُورَةُ الْحَالِ ٣٢٦ الآية : ١١٤ والفاء في المعنى داخلةٌ على الأمر بالشكر، وإنما دخلتْ على الأمر بالأكل لكَوْنِ الأكلِ ذريعة إلى الشكر، فكأنه قيل: فاشكروا نعمةَ الله غِبَّ أكلها حلالاً طيباً، وقد أُدمج فيه النهيُ عن زَعْم الحرمة، ولا ريب في أنَّ هذا إنما يُتصوَّرُ حين كان العذابُ المستأصِلُ متوقَّعاً بعدَ، وقد تمهَّدت مباديه. وأما بعد ما وقع فمَنْ ذا الذي يحذر، ومن ذا الذي يُؤْمَرُ بالأكل والشكر. وحَمْلُ قوله تعالى: (فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَلِمُونَ) على الإخبار بذلك قبل الوقوع يأباه التصدِّي لاستصلاحهم بالأمر والنهي وإن لم يأباه التعبيرُ بالماضي لأنَّ استعماله في المستقبل المتحقّق الوقوع مجازاً كثيرٌ. وتوجيهُ خطابٍ الأمر بالأكل إلى المؤمنين مع أنَّ ما يتلوهُ من خطاب النهي متوجّهٌ إلى الكفار كما فعل الواحديُّ قال: فكلوا أنتم يا معشر المؤمنين مما رزقكم الله تعالى من الغنائم = مما لا يليق بشأن التنزيل(١) . وتُعقِّبَ بأنه بعد ما فُسِّرَ العذابُ بالعذاب المستأصِل للشَّافة كيفَ يُرادُ به ما وقع في بدر، وما بقي منهم أضعافُ ما ذهب، وإن كان مثلُ ذلك كافياً في الاستئصال فليكنْ المحذَّرُ والمأمورُ الباقي منهم. وما ذكره عن الواحديٍّ من توجيه خطاب الأمر بالأكل للمؤمنين رواه الإمامُ عن ابن عباس ◌ّ، ثم نقل عن الكلبيِّ ما يستدعي أنَّ الخطاب لأهل مكة حيث قال: إنَّ رؤساءَ مكةَ كلَّموا رسولَ الله ◌ِّر حين جُهدوا وقالوا: عاديتَ الرجالَ، فما بالُ الصبيان والنساء؟ وكانت المِيرةُ قد قُطِعَتْ عنهم بأمر رسول الله وَّهِ، فأذِنَ في الحمل إليهم، فحمل الطعامُ إليهم، فقال الله تعالى: (فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ) إلخ ثم قال: والقولُ ما قال ابن عباس، يدلُّ عليه قوله تعالى فيما بعد: (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةَ) إلخ يعني أنكم لمَّا آمنتم وتركتمُ الكُفْرَ فكلوا الحلالَ الطيبَ، وهو الغنيمةُ، واتركوا الخبائثَ وهو الميتة والدم(٢). وفي ((التفسير الخازني)) أنَّ كونَ الخطاب للمؤمنين من أهل المدينة هو (١) إرشاد العقل السليم ١٤٦/٥- ١٤٧، وينظر الوسيط للواحدي ٨٩/٣. (٢) تفسير الرازي ١٣٠/٢٠. الآية : ١١٥ ٣٢٧ سُؤَدَّةُ الْحَلَّ الصحيح، فإنَّ الصحيحَ أنَّ الآيةَ مدنيةٌ كما قال مقاتلٌ وبعضُ المفسرين، والمراد بالقرية مكة، وقد ضربها الله تعالى لأهل المدينة يخوِّفهم ويُحذِّرهم أنْ يصنعوا مثلَ صنيعهم، فيصيبهم ما أصابهم من الجوع والخوف، ويشهدُ لصحة ذلك أنَّ الخوفَ المذكورَ في الآية كان من البعوث والسرايا التي كانت يبعثها رسول الله وَ ◌ّر في قولِ جميع المفسِّرين؛ لأنَّ النبيَّ عليه الصلاة والسلام لم يُؤمَر بالقتال وهو بمكة، وإنما أَمر به وهو بالمدينة، فكان وّله يبعثُ البعوثَ إلى مكة يخوِّفهم بذلك وهو بالمدينة(١) . والمراد بالعذاب ما أصابهم من الجوع والخوف وهو أولى من أن يُرادَ به القتلُ يومَ بدر، والظاهر أنَّ قوله تعالى: (وَلَقَدْ جَآءَهُمْ) إلخ عنده كما هو عند الجمهور انتقالٌ من التمثيل بهم إلى التصريح بحالهم الداخلة فيه، وليس من تتمَّته، فإنه - على ما قيل - خلافُ المتبادر إلى الفهم. نعم كونُ خطاب النهي فيما بعدُ للمؤمنين بعيدٌ غايةَ البعد، وجَعْلُهُ للكفار مع جَعْلِ خطاب الأمر السابق للمؤمنين بعيدٌ أيضاً، لكن دون ذلك. وادَّعى أبو حيان أنَّ الظاهرَ أنَّ خطابَ النهي كخطاب الأمر للمكلَّفين كلِّهم، ونقل كونَ خطاب النهي لهم عن العسكري، وكونه للكفار عن الزمخشريِّ وابن عطية والجمهور(٢)، ولعلَّ الأولى ما ذكره شيخ الإسلام، إلا أنَّ تقييدَ العذاب بالمستأصِل، ودعوى أنَّ حالَ أهل مكة كحال أهل تلك القرية حذو القُذَّة بالقُذَّة من غير تفاوتٍ بينهما ولو في خصلةٍ فذة، لا يخلو عن شيءٍ من حيث إنَّ أهل مكة لم يُستأصَلوا، فتأمل ذاك والله تعالى يتولَّى هداك. تطيعون أو إن صحَّ زعمكم أنكم تقصدون ﴿إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ بعبادة الآلهة عبادته سبحانه، ومن قال: إنَّ الخطابَ للمؤمنين أبقى هذا على ظاهره، أي: إن كنتم تخصُّونه تعالى بالعبادة، والكلامُ خارجٌ مخرجَ التهيج. ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بٌِّ﴾ تعليلٌ (١) تفسير الخازن ١١٩/٣ -١٢٠. (٢) البحر المحيط ٥٤٥/٥، وينظر الكشاف ٤٣٢/٢، والمحرر الوجيز ٤٢٧/٣. سُؤَدَّةُ الْخَالِ ٣٢٨ الآية : ١١٥ لِحِلِّ ما أمرهم بأكله مما رزقهم، والحَصْرُ إضافيٍّ على ما قال غيرُ واحدٍ، أي: إنما حرَّم أكلَ هذه الأشياء دون ما تزعمون من البحائر والسوائب ونحوها، فلا ينافي تحريم غير المذكورات كالسباع والحمر الأهلية. وقيل: الحصرُ على ظاهره، والسباعُ ونحوها لم تُحرَّم قبلُ، وإنما حُرِّمتْ بعدُ، وليس الحصرُ إلا بالنظر إلى الماضي. وقال الإمام: إنه تعالى حَصَرَ المحرَّمات في الأربع في هذه السورة وفي سورة الأنعام بقوله سبحانه: ﴿قُل لَّ أَجِدُ فِ مَا أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمَا عَلَى طَاِمٍ يَطْعَمُهُ: إِلَّ أَنْ يَكُونَ مَيْنَةً﴾ [الأنعام: ١٤٥] إلخ وهما مكِّيَّتان، وحَصَرها فيها أيضاً في ((البقرة))(١)، وكذا في ((المائدة)) فإنه تعالى قال فيها: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَمِ إِلَّا مَا يُثْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١] فأباح الكلَّ إلا ما يتلى عليهم، وأجمعوا على أنَّ المرادَ بما يتلى هو قوله تعالى في تلك السورة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَهُ وَاَلَّمُ وَمُ اَلْخِنِزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اَللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣] وما ذكره تعالى من المنخنقة والموقوذة والمتردِّية والنطيحة وما أكل السَّبُعُ داخلٌ في الميتة، وما ذُبح على النُّصُبِ داخلٌ فيما أُهِلَّ به لغير الله، فثبتَ أنَّ هذه السُّور الأربع دالةٌ على حَصْر المحرَّمات في هذه الأربع، وسورتا النحل والأنعام مكِّيَّتان، وسورتا البقرة والمائدة مدنيتان، و((المائدةُ)) من آخر ما نزل بالمدينة، فمَنْ أنكر حَصْرَ التحريم في الأربع إلا ما خصَّه الإجماعُ والدلائل القاطعة، كان في محلّ أن يخشى عليه؛ لأنَّ هذه السور دلَّتْ على أنَّ حَصْرَ المحرَّمات فيها كان مشروعاً ثابتاً في أول أمر مكة وآخرها، وأول المدينة وآخرها، وفي إعادة البيان قَطْعٌ للأعذار وإزالةٌ للشُّبه(٢)، فتفطّنْ ولا تغفل. ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ أي: دَعَتْهُ ضرورةُ المخمصة إلى تناول شيءٍ من ذلك ﴿غَيَّ بَاغِ﴾ على مضطرِّ آخر ﴿وَلَا عَادٍ﴾ متعدٍّ قَدْرَ الضرورة وسَدِّ الرمق ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾﴾ أي: لا يؤاخذه سبحانه بذلك، فأقيم سببه مقامه، ولتعظيم أمر المغفرة (١) وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَاَلَّمَ وَلَحْمَ الْخِيِرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ، لِغَيْرِ اللّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]. (٢) تفسير الرازي ١٣٠/٢٠-١٣١. الآية : ١١٦ ٣٢٩ سُورَةُ الْفَلآ والرحمة جيءَ بالاسم الجليل، وقد سها شيخُ الإسلام(١) فظنَّ أنَّ الآية ((فإنَّ ربك غفورٌ رحيمٌ)) فبيَّن سِرَّ التعرُّض لوَصْف الربوبية والإضافة إلى ضميره بَّهِ، وسبحان من لا يسهو. واستُدلَّ بالآية على أنَّ الكافرَ مكلَّفٌ بالفروع، ثم إنه تعالى أكَّد ما يُفهَمُ من الحصر بالنهي عن التحريم والتحليل بالأهواء فقال عزَّ قائلاً: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا نَصِفُ أَلْسِنَُكُمُ﴾ إلخ، ولا ينافي ذلك العطف كما لا يخفى، واللام صِلَةُ القول مثلها في قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتُ﴾ [البقرة: ١٥٤] وقولك: لا تقل للنبيذ: إنه حلالٌ، ومعناها الاختصاص، و((ما)) موصولةٌ والعائد محذوفٌ، أي: لا تقولوا في شأن الذي تصفه ألسنتكم من البهائم بالحِلِّ والحرمة في قولكم: ﴿مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ آلْأَنْعَمِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَزَّمُ عَلَىّ أَزْوَجِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٩] من غير ترتّب ذلك الوصف على ملاحظةٍ وفِكْرٍ فضلاً عن استناده إلى وحي أو قياس مبنيٍّ علیه، بل مجرد قول باللسان. ﴿اَلْكَذِبَ﴾ منتصبٌ على أنه مفعول به لـ ((تقولوا))، وقوله سبحانه: ﴿هَذَا حَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ بدلٌ منه بدلَ كلٌّ، وقيل: منصوبٌ بإضمار: أعني، وقيل: ((الكذب)) منتصبٌ على المصدرية، و((هذا)) مقول القول. وجُوِّزَ أن يكونَ بدلَ اشتمال، وجُوِّزَ أن يكون ((الكذب)) مقول القول المذكور، ويُضْمَرُ قولٌ آخر بعد الوصف، واللام على حالها، أي: لا تقولوا الكذبَ لما تَصِفُهُ ألسنتكم فتقولُ: هذا حلالٌ وهذا حرامٌ. والجملةُ مبيِّنَةٌ ومفسِّرةٌ لقوله تعالى: (تَصِفُ أَلْسِنَتُكُ) كما في قوله سبحانه: ﴿فَتُوبُواْ إِلَى بَارِيَكُمْ فَقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] وجُوِّزَ أن لا يُضمَرَ القولُ على المذهب الكوفي، وأن يُقدَّرَ قائله، على أنَّ المقدَّر حالٌ من الألسنة، ويجوز أن يكون اللام للتعليل، و((ما)) مصدرية، و((الكذب)) مفعول الوصف، و((هذا حلال)) إلخ مقول القول، أي: لا تقولوا: هذا حلالٌ وهذا حرامٌ لأجل وَصْفِ ألسنتكم الكذب، وإلى هذا ذهب الكسائيُّ والزجاج (٢). وحاصله: لا تُحِلُّوا ولا تُحرِّموا (١) في إرشاد العقل السليم ٥/ ١٤٧ . (٢) في معاني القرآن ٢٢٢/٣. سُورَةُ الْحَلَّ ٣٣٠ الآية : ١١٦ لمجرَّدٍ وَصْفِ ألسنتكم الكذبَ وتصويرها له وتحقيقها لماهيته، كأنَّ ألسنتهم لكونها منشاً للكذب ومنبعاً للزور شخصٌ عالمٌ بكُنْهه ومحيطٌ بحقيقته يَصِفُهُ للناس ويُعرِّفه أوضح وَصْفٍ وأبْيَنَ تعريف، ومثلُ هذا واردٌ في كلام العرب والعَجَم تقول: له وَجْهٌ يَصِفُ الجمالَ، ورِيقٌ يَصِفُ السُّلاف(١)، وعينٌ تَصِفُ السِّخْرِ، وتقدَّم بيتُ المعرِّي(٢). وقد بولغ في الآية من حيثُ جَعْلُ قولهم كذباً، ثم جَعْلُ اللسان الناطقة بتلك المقالة ينبوعه مصوّرةً إياه بصورته التي هو عليها، وهو من باب الاستعارة بالكناية، وجعلهُ بعضُهم من باب الإسناد المجازيِّ نحو: نهاره صائم، كأنَّ ألسنتهم لكونها موصوفةً بالكذب صارتْ كأنها حقيقته ومنبعه الذي يُعرَفُ منه حتى كأنه يصفه ويعرفه كقوله: أضحتْ يمينُكَ من جودٍ مصوَّرةً لا بل يمينك منها صُوِّر الجود(٣) وقرأ الحسن وابن يَعمر وطلحةُ والأعرج وابن أبي إسحاق وابن عبيد ونُعيم بن مَيْسرة: ((الكَذِبِ)»(٤) بالجرِّ، وخُرِّجَ على أن يكون بدلاً من ((ما)» مع مدخولها، وجعله غيرُ واحدٍ صفةً لـ ((ما)) المصدرية مع صلتها . وتعقّبه أبو حيان بأنَّ المصدرَ المسبوكَ من ((ما)) أو ((أن)) أو ((كي)) مع الفعل معرفة كالمضمر لا يجوز نعتُهُ، فلا يقال: أعجبني أن تقومَ السريع، كما يقال: أعجبني قيامك السريع، وليس لكلِّ مقدَّرٍ حُكْمَ المنطوق به، وإنما يتبعُ بذلك كلام (٥) العرب(٥) . (١) السُّلاف: ما سال من عصير العنب قبل أن يُعصر، وتسمى الخمر سلافاً. مختار الصحاح (سلف). (٢) وهو قوله: فبات برامة يصف الكلالا سرى برق المعرة بعد وهن وتقدم ص١٧٤ من هذا الجزء، و١٤/ ١٧٢ . (٣) البيت لابن مطير، وهو في المحاسن والمساوئ ص٢٤٢، والخزانة ٤٧٨/٥ . (٤) القراءات الشاذة ص٧٣، والمحتسب ١٢/٢، والمحرر الوجيز ٤٢٩/٣، والبحر المحيط ٠٥٤٥/٥ (٥) البحر المحيط ٥٤٥/٥. الآية : ١١٦ ٣٣١ سُؤَدَّةُ الْحَكِ وقرأ معاذ وابن أبي عبلة وبعضُ أهل الشام: ((الكُذُبُ)) بضم الثلاثة(١) صفة للألسنة، وهو جمع كَذُوب، كَصَبُور وصُبُرٍ، قال صاحب ((اللوامح)): أو جمعُ كِذَاب - بكَسْر الكاف وتخفيف الذال ـ مصدرٌ كالقتال وُصِف به مبالغةً، وجمع فُعُل ككتابٍ وكُتُب، أو جَمْعُ كاذبٍ گَشَارفٍ وشُرُف. وقرأ مسلمة بن محارب ۔ کما قال ابن عطية ۔ أو يعقوب - كما قال صاحب (اللوامح)) ونسب قراءة معاذ ومن معه إلى مسلمة -: ((الكُذُبَ)) بضمتين والنصب(٢)، وخُرِّجَ على أوجه: الأول: أنَّ ذلك منصوبٌ على الشتم والذمِّ، وهو نعتٌ للألسنة مقطوع. الثاني: أنه مفعولٌ به لـ ((تصف)) أو ((تقولوا)) والمراد: الكَلِمُ الكواذب. الثالث: أنه مفعولٌ مطلقٌ لـ ((تصف)) من معناه، على أنه جمعُ كِذَاب المصدر، وأُعرب ((هذا حلالٌ)) إلخ على ما مرَّ، ولا إشكالَ في إبداله؛ لأنه كَلِمٌ باعتبار موادِّه، وكلامان ظاهراً. ﴿لِتَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ اللامُ لامُ العاقبة والصيرورة، وللتعليل؛ لأنَّ ما صدر منهم ليس لأجل الافتراء على الله تعالى، بل لأغراضٍ أُخَر، ويترتَّبُ على ذلك ما ذكر، وإلى هذا ذهب الزمخشريُّ(٣) وجماعة. وقال بعضُهم: يجوز أن تكونَ للتعليل، ولا يبعد قصدهم لذلك كما قالوا: ﴿وَجَدْنَا عَلَيْهَآ ءَابَآءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَاْ﴾ [الأعراف: ٢٨] وفي ((البحر)) أنه الظاهر (٤). ولا يكون ذلك على سبيل التوكيد للتعليل السابق على احتمال كون اللام للتعليل، و((ما)) مصدريةٌ؛ لأنَّ في هذا التنبيهَ على مَن افتروا الكذبَ عليه، وليس فيما مرَّ، بل فيه إثباتُ الكَذِبِ مطلقاً، ففي ذلك إشارةٌ إلى أنهم لتمرُّنهم على الكذب اجترؤوا على الكذب على الله تعالى، فنسبوا ما حلَّلوا وحرَّموا إليه سبحانه. (١) المحتسب ١٢/٢، والمحرر الوجيز ٤٢٩/٣، والبحر ٥٤٥/٥. (٢) المحرر الوجيز ٤٢٩/٣، وينظر المحتسب ١٢/٢، والبحر ٥٤٥/٥. (٣) الكشاف ٢/ ٤٣٣. (٤) البحر ٥٤٥/٥ . سُورَةُ النَّعَلَ ٣٣٢ الآية : ١١٧ وقال الواحديُّ: إنَّ((لتفتروا)) بدل من ((لما تصف)) إلخ لأنَّ وَصْفَهم الكذبَ هو افتراءٌ على الله تعالى. وهو على ما في ((البحر)) (١) أيضاً على تقدير كون ((ما)) مصدرية؛ لأنها إذا جُعلتْ موصولةً لا تكونُ اللام للتعليل ليبدل من ذلك ما يفهم التعلیل. وقيل: لا مانع من التعليل على تقدير الموصولية، فعند قَصْدِ التعليل يجوز الإبدال. وحاصل معنى الآية ـ على ما نصَّ عليه العسكريُّ - لا تُسَمُّوا ما لم يأتكم حِلُّهُ ولا حُرْمته عن الله تعالى ورسوله وَلتر حلالاً ولا حراماً، فتكونوا كاذبين على الله تعالى؛ لأنَّ مدارَ الحِلِّ والحرمة ليس إلا حكمهُ سبحانه، ومن هنا قال أبو نضرة: لم أزل أخافُ الفُتيا منذ سمعتُ آيَةَ ((النحل)) إلى يومي هذا. وقال ابن العربي: كره مالكٌ وقومٌ أن يقول المفتي: هذا حلالٌ وهذا حرامٌ، في المسائل الاجتهادية؛ وإنما يقال ذلك فيما نصَّ الله تعالى عليه، ويقال في مسائل الاجتهاد: إني أكرهُ كذا وكذا، ونحو ذلك، فهو أبعدُ من أن يكون فيه ما يتوهّم منه الافتراء على الله سبحانه(٢). ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ في أمرٍ من الأمور ﴿لَا يُفْلِحُونَ لا يفوزون بمطلوب. ﴿مَنَعُ قَلِيلٌ﴾ أي: منفعتهم التي قصدوها بذلك الافتراء منفعةٌ قليلةٌ منقطعةٌ عن قريب، فـ (متاع)) خبرُ مبتدأ محذوف، و((قليل)) صفته، والجملةُ استئنافٌ بيانيٌّ، كأنه لما نفى عنهم الفوزَ بمطلوبٍ قيل: كيف ذلك وهم قد تحصَّلَ لهم منفعةٌ بالافتراء؟ فقيل: ذاك متاعٌ قليلٌ لا عبرةَ به، ويرجع الأمرُ بالآخرة إلى أنَّ المرادَ نفيُ الفوز بمطلوبٍ يُعتَدُّ به. وإلى كون ((متاع)) خبرُ مبتدأ محذوف ذهب أبو البقاء إلا أنه قال: أي: بقاؤهم متاعٌ قليلٌ، ونحو ذلك(٣). وقال الحوفي: ((متاعٌ قليلٌ)) مبتدأ وخبرٌ، وفيه أنَّ النكرةَ لا يُبتدأ بها بدون مسوِّغٍ، وتأويله بمتاعهم ونحوه بعيدٌ. (١) ٥/ ٥٤٥ . (٢) أحكام القرآن لابن العربي ١١٧١/٣. (٣) الإملاء ٤٦٦/٣. الآية : ١١٨، ١١٩ ٣٣٣ سُؤَدَّةُ الْحَكَِّ ﴿َمْ﴾ في الآخرة ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ لا يُكْتَنَهُ كُنْهُهُ. ﴿وَعَلَى الَّذِيْنَ هَادُواْ﴾ خاصةً دون غيرهم من الأولين ﴿حَرَّمْنَا مَا فَصَصْنَا عَلَّكَ مِن قَبْلٌ﴾ أي: من قبل نزول هذه الآية، وذلك في قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ◌ُفُّرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦]، والظاهر أنَّ ((من قبل)) متعلِّقٌ بـ ((قصصنا))، وجُوِّزَ تعليقه بـ ((حرَّمنا))، والمضافُ إليه المقدَّرُ ما مرَّ أيضاً. ويحتمل أن يُقدَّر: ((من قبل)) تحريم ما حرّم على أمتك، وهو أولى على ما قيل، وجُوِّزَ أن يكونَ الكلامُ من باب التنازع، وهذا تحقيقٌ لما سلف من حَصْر المحرَّمات فيما فُصِّلَ بإبطال ما يخالف من فِريةِ اليهود وتكذيبهم في ذلك، فإنهم كانوا يقولون: لسنا أولَ من حُرِّمتْ عليه، وإنما كانت محرَّمةً على نوح وإبراهيم ومن بعدهما، حتى انتهى الأمر إلينا . وَمَا ظَلَمْنَهُمْ﴾ بذلك التحريم ﴿ وَلَكِنْ كَانُّواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ حيث فعلوا ١٧٨) ما عُوقبوا عليه بذلك حسبما نعى عليهم قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَهِمْ طَيِبَتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ الآية [النساء: ١٦٠]، وفيه تنبيهٌ على الفرق بينهم وبين غيرهم في التحريم، وأنه كما يكون للمضرَّة يكون للعقوبة. ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ الشُّوَءَ﴾ هو ما يسيءُ صاحبَهُ من كُفْرٍ أو معصية، ويدخل فيه الافتراءُ على الله تعالى، وعن ابن عباس أنه الشرك، والتعميم أولى. ﴿يَجَهَلَةٍ﴾ أي: بسببها، على معنى أنَّ الجهالةَ السببُ الحاملُ لهم على العمل كالغيرة الجاهلية الحاملة على القتل وغير ذلك، وفُسِّرتِ الجهالةُ بالأمر الذي لا يليق، وقال ابن عطية: هي هنا تعدِّي الطور وركوب الرأس، لا ضدّ العلم، ومنه ما جاء في الخبر: ((اللهم أعوذ بك من أن أجهل أو يجهل عليَّ)) (١) وقول الشاعر : ألا لا يجهلنْ أحدٌ علينا فنجهلَ فوقَ جَهْلِ الجاهلينا(٢) (١) أخرجه أحمد (٢٦٧٣٠)، وأبو داود (٥٠٩٤)، والنسائي في الكبرى (٩٨٣٥)، وابن ماجه (٣٨٨٤) من حديث أم سلمة پتا. (٢) البيت لعمرو بن كلثوم، وهو من معلقته. ينظر شرح المعلقات للنحاس ص١٢٥. سُورَةُ الْحَلِ ٣٣٤ الآية : ١١٩ نعم كثيراً ما تصحبُ هذه الجهالة التي هي بمعنى ضدّ العلم(١)، وفسَّرها بعضُهم بذلك، وجعل الباءَ للملابسة والجارَّ والمجرورَ في موضع الحال، أي: ملتبسين بجهالةٍ غير عارفين بالله تعالى وبعقابه، أو غير متدبِّرين في العواقب لغلبة الشهوة عليهم. ﴿فُمَّ تَابُواْ مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ﴾ أي: من بعد ما عملوا ما عملوا، والتصريحُ به مع دلالة ((ثم)) عليه للتوكيد والمبالغة. ﴿وَأَصْلَحُواْ﴾ أي: أصلحوا أعمالهم، أو دخلوا في الصلاح، وفسَّر بعضُهم الإصلاحَ بالاستقامة على التوبة. ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾ أي: التوبة كما قال غيرُ واحد، ولعلَّ الإصلاحَ مندرجٌ في التوبة وتكميلٌ لها . وقال أبو حيان: الضميرُ عائدٌ على المصادر المفهومة من الأفعال السابقة، أي: من بعد عمل السوء والتوبة والإصلاح، وقيل: يعودُ على الجهالة، وقيل: على السوء على معنى المعصية(٢). وليس بذاك. ﴿لَغَفُورٌ﴾ لذلك السوء ﴿زحيمُ ﴾ یثیبُ علی طاعته سبحانه فعلاً وتركاً، وتکریر (إنَّ ربك)) لتأكيد الوعد وإظهار كمال العناية بإنجازه، والتعرُّضُ لوصف الربوبية مع الإضافة إلى ضميره وَّه مع ظهور الأثر في التائبين للإيماء إلى أنَّ إفاضةَ آثار الربوبية من المغفرة والرحمة عليهم بتوسُّطه وَّهِ وكونهم من أتباعه كما مرَّ عن قريب، والتقييدُ بالجهالة قيل: لبيان الواقع؛ لأنَّ كلَّ من يعمل السُّوء لا يعمله إلا بجهالة. وقال العسكريُّ: ليس المعنى أنه تعالى يغفرُ لمن يعمل السوءَ بجهالةٍ ولا يغفر لمن عمله بغير جهالة، بل المرادُ أنَّ جميعَ مَنْ تابَ فهذه سبيله، وإنما خُصَّ مَنْ يعمل السوء بجهالة؛ لأنَّ أكثرَ من يأتي الذنوبَ يأتيها بقِلَّةِ فِكْرٍ في عاقبة الأمر، أو عند غلبة الشهوة، أو في جهالة الشباب، فَذكر الأكثر على عادة العرب في مثل ذلك. وعلى القولين لا مفهوم للقيد. (١) المحرر الوجيز ٤٣٠/٣. (٢) البحر المحيط ٥٤٦/٥ . الآية : ١٢٠ ٣٣٥ سُوَّةُ الْفَِّ ﴿إِنَّ إِنْزَهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ قال ابن عباس رضيهما: أي: كان عنده عليه السلام من الخبر ما كان عند أمة، وهي الجماعةُ الكثيرةُ، فإطلاقها عليه عليه السلام لاستجماعه كمالاتٍ لا تكاد توجد إلا متفرقةً في أمة جمَّة: وليس على الله بمُستَنكَرٍ أن يجمعَ العالمَ في واحد (١) وهو رَّهُ رئيسُ الموحِّدين وقدوةُ المحقّقين الذي نَصَبَ أدلةَ التوحيد، ورَفَعَ أعلامها، وخَفَضَ رايات الشرك، وجزم ببواتر الحُجَج هامَها، وقال مجاهد: سُمِّيَ عليه السلام أمةً؛ لانفراده بالإيمان في وقته مدَّةً ما. وفي ((صحيح البخاري)) أنه عليه السلام قال لسارة: ليس على الأرض اليوم مؤمنٌ غيري وغيرك(٢) . وذكر في ((القاموس))(٣) أنَّ من معاني الأُمَّة: مَنْ هو على الحقِّ مخالفٌ لسائر الأديان. والظاهر أنه مجازٌ بجعله كأنه جميعُ ذلك العَصْر؛ لأنَّ الكَفَرة بمنزلة العَدَم. وقيل: الأمة هنا فُعْلة بمعنى مفعول، كالرُّحلة بمعنى المرحول إليه، والنُّخبة بمعنى المنتَخَبِ، من أَمَّهُ إذا قَصَدَهُ أو اقتدى به، أي: كان مأموماً أو مؤتمّاً به، فإنَّ الناسَ كانوا يقصدونه للاستفادة ويقتدون بسيرته. وقال ابن الأنباري: هذا مِثْلُ قول العرب: فلانٌ رحمةٌ وعلَّامةٌ ونسَّابةٌ، يقصدونَ بالتأنيث التناهي في المعنى الموصوف به. وإيرادُ ذكره عليه السلام عَقيبَ تزييف مذاهب المشركين من الشرك والطعن في النبوة، وتحريم ما أَحلَّ الله تعالى؛ للإيذان بأنَّ حَقِّيَ دين الإسلام وبطلانَ الشرك وفروعه أمرٌ ثابتٌ لا ريبَ فيه. وفي ذلك أيضاً رَدِّ لقريشٍ حيث يزعمون أنهم على دينه . (١) البيت لأبي نواس، وهو في ديوانه ص٢١٨. (٢) صحيح البخاري (٢٢١٧)، وهو عند أحمد (٩٢٤١)، ومسلم (٢٣٧١) من حديث أبي هريرة (٣) مادة (أمم). سُؤَدَّةُ الْحَلِّ ٣٣٦ الآية : ١٢١ وقيل: إنه تعالى لمَّا بيَّنَ حالَ المشركين وأجرى ذكر اليهود بيَّن طريقةَ إبراهيم عليه السلام ليظهر الفرق بين حاله وحال المشركين وحال اليهود. ﴿قَانِتًا لِلَّهِ﴾ مطيعاً له سبحانه قائماً بأمره تعالى. ﴿حَنِيفًا﴾ مائلاً عن كلِّ دينٍ باطلٍ إلى الدين الحقِّ غير زائل عنه. ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِنَ ﴿1﴾ في أمرٍ من أمور دينهم أصلاً وفَرْعاً، صرَّحَ بذلك مع ظهوره، قيل: ردّاً على كفار قريش في قولهم: نحن على مِلَّة أبينا إبراهيم، وقيل: لذلك وللرَّدِّ على اليهود المشركين بقولهم: ﴿عُزَيْرُّ أَبْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] في افترائهم وزعمهم أنه عليه السلام كان على ما هم عليه كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِنَهِيمُ يَهُدِيًّا وَلَا نَصْرَائِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا تُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧] إذ به ينتظمُ أمرُ إيراد التحريم والسبت سابقاً ولاحقاً . ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِةِ﴾ صفةٌ ثالثةٌ ل: «أُمَّة))، والجارُّ والمجرورُ متعلِّقٌ بـ ((شاكراً)) كما هو الظاهر، وأُوثر صيغة جمع القلة قيل: للإيذان بأنه عليه السلام لا يُخِلُّ بشُكْرِ النعمة القليلة، فكيف بالكثيرة، وللتصريح بأنه عليه السلام على خلاف ما هم عليه من الكفران بأنْعُم الله تعالى حسبما أُشيرَ إليه بِضَرْب المثل، وقيل: إنَّ جمعَ القِلَّة هنا مستعارٌ لجمع الكثرة، ولا حاجةً إليه. وفي بعض الآثار أنه عليه السلام كان لا يتغذّى إلا مع ضيفٍ، فلم يجدْ ذاتَ يومٍ ضيفاً فأَخَّر غداءه، فإذا هو بفوج من الملائكة عليهم السلام في صورة البشر، فدعاهم إلى الطعام، فخيَّلوا أنَّ بهمّ جُذاماً فقال: الآن وجبتْ مؤاكلتكم شكراً لله تعالى على أنه عافاني مما ابتلاكم به. وجوَّزَ أبو البقاء كونَ الجارِّ والمجرور متعلِّقاً بقوله تعالى: ﴿أَحْتَهُ﴾(١)، وهو خلافُ الظاهر. وجعل بعضُهم متعلّق هذا محذوفاً، أي: اختاره واصطفاه للنبوة، وأصلُ الاجتباء الجمعُ على طريق الاصطفاء، ويُطلقُ على تخصيص الله تعالى العبدَ بفَيضٍ إلهيٍّ يتحصَّلُ له منه أنواٌ من النِّعَم بلا سعي منه، ويكونُ للأنبياء عليهم السلام ومن يقاربهم. ﴿وَهَدَنَهُ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيٍ ﴾ موصلٍ إليه تعالى، وهو ملةُ الإسلام، وليست (١) الإملاء ٤٦٦/٣. الآية : ١٢٢، ١٢٣ ٣٣٧ سُورَةُ النَّ نتيجةُ هذه الهداية - كما في ((إرشاد العقل السليم))(١) - مجرد اهتدائه عليه السلام، بل مع إرشاد الخلق أيضاً إلى ذلك، والدعوة إليه بمعونة قرينة الاجتباء. وجوَّز بعضُهم كونَ ((إلى صراط)) متعلِّقاً بـ ((اجتباه وهداه)) على التنازع، والجملةُ إما حالٌ بتقدير ((قد)) على المشهور، وإما خبرٌ ثانٍ لـ ((إنَّ)، وجوَّزَ أبو البقاء الاستئنافَ أيضاً (٢). ﴿وَءَاتَيْتَهُ فِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ بأن حبَّبه إلى الناس حتى إنَّ جميع أهل الأديان يتولَّونه ويُثنون عليه عليه السلام حسبما سأل بقوله: ﴿وَأَجْعَل لِ لِسَانَ صِدْقٍ فِ اَلْآَخِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤] وروي هذا عن قتادة وغيره، وعن الحسن: الحسنةُ النبوة، وقيل: الأولاد الأبرار على الكِبَر. وقيل: المالُ يصرفهُ في وجوه الخير والبِرِّ، وقيل: العُمُرُ الطويلُ في السَّعة والطاعة. فـ ((حسنةٌ)) على الأول بمعنى سيرةٍ حسنةٍ، وعلى ما بعده عطية أو نعمة حسنة، كذا قيل. وجُوِّز في الجمع أن يُرادَ عطية حسنة، والالتفات إلى التكلم لإظهار كمال الاعتناء بشأنه وتفخيم مكانه عليه السلام. ﴿وَإِنَّهُ فِ اَلْآَخِرَةِ لَيِنَ الصَّلِحِينَ ﴾﴾ داخلٌ في عِدادهم كائنٌ معهم في الدرجات العُلى من الجنة حسبما سأل بقوله: ﴿وَأَلْحِقْنِى بِالصََّلِحِينَ﴾ [الشعراء: ٨٣] وأراد بهم الأنبياء عليهم السلام. ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ أَتَّبِعْ مِلَّةَ إِنْزَهِيمَ﴾ وهي على ما روي عن قتادة: الإسلام المعبَّرُ عنه آنفاً بالصراط المستقيم، وفي روايةٍ أخرى عنه: أنها جميعُ شريعته إلا ما أُمر ◌َّهِ بتركه، وفي ((التفسير الخازني)) حكايةُ هذا عن أهل الأصول(٣)، وعن ابن عمرو بن العاص أنها مناسكُ الحج. وقال الإمام: قال قومٌ: إنَّ النبيَّ ◌َِّ كان على مِلَّة إبراهيمَ وشريعته، وليس له شَرْعٌ متفرِّدٌ به، بل بُعث عليه الصلاة والسلام لإحياء شريعة إبراهيمَ لهذه الآية، (١) ١٤٩/٥. (٢) الإملاء ٤٦٦/٣. (٣) تفسير الخازن ١٢٣/٣ . سُورَةُ الْحَّ ٣٣٨ الآية : ١٢٣ فحملوا المِلَّة على الشريعة أصولاً وفروعاً. وهو قولٌ ضعيف، والمراد من ((ملة إبراهيم» التوحيدُ ونفي الشرك المفهوم من قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٣٥] فإن قيل: إنه وَّل﴿ إنما نفى الشركَ وأثبتَ التوحيدَ للأدلة القطعية، فلا يُعدُّ ذلك متابعة، فيجبُ حَمْلُ الملة على الشرائع التي يصحُّ حصولُ المتابعة فيها، قلنا: يجوزُ أن يكونَ المرادُ الأمرَ بمتابعته في كيفية الدعوة إلى التوحيد، وهي أن يدعوَ إليه بطريق الرفق والسهولة وإيراد الدلائل مرَّةً بعد أخرى بأنواعٍ كثيرة، على ما هو الطريقة المألوفة في القرآن(١). اهـ. وتعقّبه أبو حيان بأنه لا يحتاج إليه؛ لأنَّ المعتقد الذي تقتضيه دلائلُ العقول لا يمتنع أن يوحى ليتضافر المعقول والمنقول على اعتقاده، ألا ترى قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَىَ أَنَّمَآَ إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ﴾ [الأنبياء: ١٠٨] كيف تضمَّن الوحي بما اقتضاه الدليل العقلي (٢). فلا يمتنعُ أن يُؤمَرَ النبيُّ وَلِّ باتباع ملة إبراهيمَ عليه السلام بنفي الشرك والتوحيد، وإن كان ذلك مما ثبت عنده عليه الصلاة والسلام بالدليل العقلي ليتضافر الدليلان العقليِّ والنقليٍّ على هذا المطلب الجليل، وآخرُ بأنه ظاهرٌ في حَمْلِ المِلَّة على كيفية الدعوة، ولا شك أنَّ ذلك ليس داخلاً في مفهومها، فإنها ما شرعه الله تعالى لعباده على لسان الأنبياء عليهم السلام، من أَمْلَلْتُ الكتابَ إذا أَمليتَهُ، وهي الدينُ بعينه، لكن باعتبار الطاعة له، وتحقيقهُ أنَّ الوَضْعَ الإلهيَّ مهما نُسب إلى من يؤدِّيه عن الله تعالى يُسمَّى مِلَّةً، ومهما نُسِبَ إلى من يقيمه يُسمَّی ديناً. قال الراغب: الفرقُ بينها وبين الدين أنها لا تُضافُ إلا للنبيِّ وَّهِ الذي يُسنَدُ إليه، ولا تكادُ توجدُ مضافةً إلى الله تعالى، ولا إلى آحاد أمة النبيِّ عليه السلام، ولا تُستعملُ إلا في جُملةِ الشرائع دون آحادها، ولا كذلك الدين(٣). وأكثر المفسّرين على أنَّ المرادَ بها هنا أصولُ الشرائع، ويُحملُ عليه ما روي عن قتادة أولاً ، ولا بأس بما روي عنه ثانياً. (١) تفسير الرازي ١٣٦/٢٠. (٢) البحر المحيط ٥٤٨/٥ . (٣) مفردات ألفاظ القرآن (ملل). الآية : ١٢٣ ٣٣٩ سُؤَدَّةُ الْحَلِ واستدلالُ بعض الشافعية على وجوب الختان، وما كان من شَرْعه عليه السلام ولم يَرِدْ به ناسخٌ، مبنيٌّ على ذلك كما لا يخفى. وما روي عن ابن عمرو بن العاص ذكره في ((البحر))(١)، والذي أخرجه ابن المنذر والبيهقيُّ في ((الشعب)) وجماعةٌ عنه أنه قال: صلى جبريل عليه السلام بإبراهيم الظهر والعصرَ بعرفات، ثم وقف حتى إذا غابت الشمس دفع به، ثم صلى المغرب والعشاء بجَمْعٍ، ثم صلى به الفجر كأَسرع ما يُصلِّي أحدٌ من المسلمين، ثم وقف به حتى إذا كانَ كأبطأ ما يُصلِّي أحد من المسلمين دفع به، ثم رمى الجمرة، ثم ذبح وحلق، ثم أفاض به إلى البيت، فطاف به، فقال الله تعالى لنبِّه وَله: (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ أَتَعْ مِلَّةَ إِبْزَهِيمَ)(٢). ولعلَّ ما ذُكر أولاً مأخوذٌ منه. وأنت تعلم أنه ليس نصًّا فيه، ولا أظنُّ أنَّ أحداً يوافقُ على تخصيص مِلَّتِهِ عليه السلام بمناسك الحج. و ((أن)) تفسيريةٌ أو مصدريةٌ، ومرَّ الكلام في وَصْلها بالأمر، و((ثم)) قيل: للتراخي الزماني لظهور أنَّ أيامه وَّو بعد أيامه عليه السلام بكثير، واختار المحققون أنها للتراخي الرُّتبي لأنه أبلغ وأنسب بالمقام. قال الزمخشريُّ: إنَّ في ((ثم)) هذه إيذاناً بأنه أشرفُ ما أُوتِي خليلُ الله عليه السلام من الكرامة، وأجلُّ ما أُوتي من النعمة اتباعُ رسول اللهِ وَّهِ مِلَّتَهُ وتعظيماً المنزلة نبينا عليه الصلاة والسلام وإجلالاً لمحلِّه(٣). أما الأول فمن دلالة ((ثم)) على تباين هذا المؤتى وسائر ما أوتي عليه السلام من الرُّتَب والمآثر، وأما الثاني فمن حيثُ إنَّ الخليلَ مع جلالة محلِّه عند الله تعالى أَجَلُّ رتبته أن أُوحِيّ إلى الحبيب اتباعُ مَّته، وفي لفظ ((أوحينا)) ثم الأمر باتباع الملَّة لا اتباع إبراهيم عليه السلام ما يدلُّ - كما في ((الكشف)) - على أنه يَّ ليس بتابعٍ له، بل هو مستقلٌّ بالأخذ عمَّن أخذ إبراهيم عليه السلام عنه. (١) ٥/ ٥٤٧ . (٢) شعب الإيمان (٤٠٧٥). (٣) الكشاف ٢/ ٤٣٤. سُورَةُ الْحَلِ ٣٤٠ الآية : ١٢٤ ﴿حَنِيفًا﴾ حالٌ من ((إبراهيم)) المضاف إليه لما أنَّ المضافَ لشدَّة اتصاله به جرى منه مجرى البعض، فَعُدَّ بذلك من قبيل: رأيت وَجْهَ هندٍ قائمة. ونقل ابن عطية عن مكِّيٍّ عدمَ جواز كونه حالاً منه، معلِّلاً ذلك بأنه مضافٌ إليه، وتعقّبه بقوله: ليس كما قال؛ لأنَّ الحالَ قد يعملُ فيها حروفُ الخفض إذا عملت في ذي الحال نحو: مررتُ بزيدٍ قائماً(١). وفي كلا الكلامين بحثٌ لا یخفی. ومنع أبو حيان مجيءَ الحال من المضاف إليه في مثل هذه الصورة أيضاً، وزعم أنَّ الجوازَ فيها مما تفرَّدَ به ابنُ مالك، والتزم كونَ ((حنيفاً)) حالاً من ((ملة)» لأنها والدينُ بمعنّى، أو من الضمير في ((اتبع))(٢). وليس بشيء، ولم يتفرَّد بذلك ابنُ مالكِ بل سبقه إليه الأخفشُ وتبعه جماعة. ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾﴾ بل كان قدوةَ المحققين، وهذا تكريرٌ لما سبق الزيادة تأكيدٍ وتقريرٍ لنزاهته عليه السلام عمَّا هم عليه من عقدٍ وعمل. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ التَّبْتُ﴾ بمعنى إنما فُرض تعظيمُهُ والتخلِّي للعبادة وترك الصيد فيه تحقيقٌ لذلك النفي الكُلِّيِّ وتوضيحٌ له بإبطال ما عسى يُتوهّم كونه قادحاً في الكلية، فإنَّ اليهودَ كانوا يزعمون أنَّ السبتَ من شعائر الإسلام، وأنَّ إبراهيمَ عليه السلام كان محافظاً عليه، أي: ليس السبتُ من شرائع إبراهيمَ وشعائر مِلَّته عليه السلام التي أُمرتَ باتِّباعها حتى يكون بينهُ وبين بعض المشركين علاقةٌ في الجملة، وإنما شُرع ذلك لبني إسرائيل بعد مُدَّةٍ طويلة. وإيرادُ الفعل مبنيّاً للمفعول جرى على سَنَن الكبرياء وإيذانٌ بعدم الحاجة إلى التصريح بالفاعل لاستحالة الإسناد إلى الغير. وقرأ أبو حيوة: ((جَعَل)) بالبناء للفاعل، وعن ابن مسعود والأعمش أنهما قرأا: (إنما أنزلنا السبت))(٣) وهو - على ما قال أبو حيان - تفسيرُ معنّى لا قراءة؛ لمخالفة (١) المحرر الوجيز ٤٣١/٣ . (٢) البحر المحيط ٥٤٨/٥ . (٣) القراءات الشاذة ص٧٤، والكشاف ٤٣٥/٢، والمحرر الوجيز ٤٣١/٣، والبحر المحيط ٥٤٩/٥.