النص المفهرس
صفحات 301-320
الآية : ١٠٣ ٣٠١ سُؤَدَّةُ الْحَمِآَ الجواب، وزِيدَ قوله تعالى: (بِالِْ) لينبِّه على دَفْع الطّعن بألطف الوجوه، ثم نعى قبيحَ أفعالهم بقوله تعالى: (لِيُلَيْتَ) إلخ تعريضاً بأنهم متزلزلونَ ضالُّون موبَّخون مُنْذَرون بالخزي والنكال واللَّعن في الدنيا والآخرة، وأنَّ عذابهم في خلاف ذلك ليزيد في غَيظهم وحَنَقهم، وفي الكلام ما هو قريبٌ من الأسلوب الحكيم. اهـ فتأمل. ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ﴾ غير ما نقل عنهم من المقالة الشنعاء ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ﴾ أي: يُعلِّم النبيَّ وَّ ر القرآن، وهو الذي يقتضيه ظاهرُ كلام قتادة ومجاهد وغيرهما، واختير كونُ الضمير للقرآن ليوافق ضمير ((أنزله)) أي: يقولون إنما يُعلِّم القرآنَ النبيَّ عليه الصلاة والسلام ﴿بَشَرٌّ﴾ على طريق البَتِّ مع ظهور أنه نزَّله(١) روح القدس عليه الصلاة والسلام، وتأكيدُ الجملة لتحقيق ما تتضمَّنه من الوعيد، وصيغةُ الاستقبال لإفادة استمرار العلم بحسب الاستمرار التجدّدي في متعلّقه، فإنهم مستمرُّون على التفوُّه بتلك العظيمة، وفي ((البحر)) أنَّ المعنى على المضيِّ، فالمراد: عَلِمْنا(٢). وعنوا بهذا البشر قيل: جَبْراً الروميَّ غلامَ عامر بن الحضرمي، وكان قد قرأ التوراةَ والإنجيلَ، وكان ◌َّهِ يجلس إليه إذا آذاه أهلُ مكةَ، فقالوا ما قالوا(٣). وروي ذلك عن السدي. وقيل: مولى لحويطب بن عبد العُزَّى، اسمه: عائشٌ، أو: يعيش، كان يقرأُ الكتبَ، وقد أسلم وحَسُنَ إسلامه. قاله الفراء والزجاج(٤). وقيل: أبا فُكيهة مولى لامرأةٍ بمكةً، قيل: اسمه: يسار، وكان يهوديّاً. قاله مقاتل، وابن جبير إلا أنه لم يقلْ: كان يهوديّاً. وأخرج آدم بن أبي إياس والبيهقيُّ وجماعةٌ عن عبد الله بن مسلم الحضرميِّ قال: كان لنا عبدان نصرانيان من أهل عين التمر، يقال لأحدهما: يسار، وللآخر: جَبْر، وكانا يصنعان السيوف بمكةً، وكانا يقرأان الإنجيلَ، فربَّما مرَّ بهما النبيُّ وَل (١) في (م): نزوله. والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ١٤١/٥ والكلام منه. (٢) البحر المحيط ٥٣٦/٥. (٣) سيرة ابن هشام ١/ ٣٩٣، وأخرجه عنه - أيضاً - الطبري ٣٦٦/١٤. (٤) معاني القرآن للفراء ١١٣/٢، وللزجاج ٢١٩/٣. سُوَّةُ الْفَحَالِ ٣٠٢ الآية : ١٠٣ وهما يقرأان، فيقفُ ويستمعُ، فقال المشركون: إنما يتعلَّم منهما(١). وفي بعض الروايات أنه قيل لأحدهما: إنك تُعلِّمُ محمداً فَّهِ، فقال: لا، بل هو يُعلِّمني. وعن ابن عباس څ أنه قال: کان بمگّة غلام أعجميّ روميٍّ لبعض قریش یقال له: بَلْعام، وكان رسول الله وَّهِ يُعلِّمه الإسلامَ، فقالت قريش: هذا يُعلِّمُ محمداً عليه الصلاة والسلام من جهة الأعاجم(٢). وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الضحاك أنه سلمان الفارسيُّ ◌َ﴾(٣)، وضُعِّفَ هذا بأنَّ الآيةَ مكيةٌ، وسلمان أسلم بالمدينة، وكونها إخباراً بأمرٍ مُغيَّبٍ لا يناسب السياق(٤). وروايةُ أنه أسلم بمكة واشتراه أبو بكر ظُبه وأعتقه بها، قيل: ضعيفةٌ لا يعوَّلُ عليها، كاحتمال أنَّ هذه الآيةَ مدنيّةٌ. وقد أخبرني من أَثِقُ به عن بعض النصارى أنه قال له: كان نبيُّكُم ◌َِّ يتردّدُ إليه في غار حراء رجلان: نصرانيٍّ ويهوديٌّ يعلِّمانه. ولم أجدْ هذا عن أحدٍ من المشركين، وهو كَذِبٌ بحتٌ لا منشأ له، وبُهْتُ محضّ لا شبهةَ فيه، وإنما لم يُصرَّحْ باسم مَنْ زعموا أنه يعلِّمه عليه الصلاة والسلام مع أنه أدخلُ في ظهور كذبهم للإيذان بأنَّ مدارَ خَطَئِهم ليس بنسبته وَّه إلى التعلّم من شخصٍ معيَّنٍ، بل من البشر كائناً من كان، مع كونه عليه الصلاة والسلام مَعْدِناً لعلوم الأولين والآخرين . ﴿لِسَانُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَِىٌّ﴾ اللسان مجازٌ مشهورٌ عن التكلم، والإلحاد: الميل، يقال: لَحَدَ وألْحد: إذا مالَ عن القصد، ومنه لَحْدُ القبر؛ لأنه حُفرةٌ مائلةٌ عن وسطه، والمُلحِدُ لأنه أمالَ مذهبه عن الأديان كلِّها . والأعجميُّ: الغير البیِّن، قال أبو الفتح الموصلي: ترکیبُ (ع ج م)) في كلام العرب للإبهام والإخفاء وضدّ البيان والإيضاح، ومنه قولهم: رجلٌ أَعجمُ وامرأةٌ (١) البيهقي في الشعب (١٣٨)، وأخرجه - أيضاً - الطبري ٣٦٧/١٤-٣٦٨، والواحدي في أسباب النزول ص٢٨٧ -٢٨٨. (٢) أخرجه الطبري ٣٦٥/١٤. (٣) تفسير الطبري ٣٦٨/١٤، وينظر الدر المنثور ١٣١/٤. (٤) في (م): السباق. والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٥/ ٣٧٠ والكلام منه. الآية : ١٠٣ ٣٠٣ سُؤَةُ الْحَالِ عجماءُ، إذا كانا لا يُفْصِحان؛ وعَجَمُ الزبيب سُمِّ بذلك لاستتاره واختفائه، ويقال للبهيمة: العجماء؛ لأنه لا تُوضِحُ ما في نفسها، وسَمَّوا صلاتي الظهر والعصر العجماوين؛ لأنَّ القراءةَ فيهما سِرٍّ، وأما قولهم: أَعجمتُ الكتابَ فمعناه: أَزلتُ عُجْمَتَهُ كأَشكيتُ زيداً: أَزلتُ شكواه، والأعجميُّ والأَعجمُ: الذي في لسانه عُجْمَةٌ من العجم كان أو من العرب، ومن ذلك: زيادٌ الأعجم، وكان عربيّاً في لسانه لُكْنَة، وكذلك حبيبُ الأعجمي تلميذُ الحسن البصريِّ قدَّسَ الله تعالى سِرَّهما، على ما رأيته في بعض التواريخ. والمراد من ((الذي)) على القول بتعدُّد مَنْ زعموا نسبةَ التعليم إليه الجنسُ، ومفعول ((يُلحدون)) محذوفٌ، أي: تَكَلَّمُ الذي يميلون قولهم عن الاستقامة إليه، أي: ينسبون التعليم إليه غيرُ بيِّنٍ لا يَتَّضح المراد منه. وظاهر كلام ابن عطية أنَّ اللسانَ على معناه الحقيقي، وهو الجارحة المعروفة(١). وقرأ الحسن: ((اللسان الذي))(٢) بتعريف اللسان بـ ((أل)) وَوَصْفه بـ ((الذي)). وقرأ حمزةُ والكسائيُّ وعبد الله بن طلحة والسُّلَميُّ والأعمش: (يَلحَدون))(٣) بفتح الياء والحاء من لَحَد، وأَلْحَدَ ولَحَدَ لغتان فصيحتان مشهورتان. ﴿وَهَذَا﴾ القرآن الكريم ﴿لِسَانُ عَرَتُ تُِّيْثُ ﴾﴾ ذو بيانٍ وفصاحةٍ على ما يُشعر به وَصْفه بـ ((مبين)) بعد وصفه بـ ((عربي))، والكلامُ على حَذْفٍ مضافٍ عند ابن عطية، أي: سَرْدُ لسان أو نطقُ لسان(٤). والجملتان مستأنفتان عند الزمخشريٌّ(٥) لإبطال طعنهم، وجَوَّزَ أبو حيان أن يكونا حالين من فاعل: ((يقولون)) ثم قال: وهو أبلغُ في الإنكار، أي: يقولون هذا والحالُ أنَّ عِلْمهم بأعجمية هذا البشر وعربية هذا القرآن كان ينبغي أن يمنعهم عن مثل تلك المقالة، كقولك: أَتشتمُ فلاناً وهو قد أحسنَ إليك، وإنما ذهب الزمخشريُّ إلى الاستئناف لأنَّ مجيءَ (١) المحرر الوجيز ٤٢١/٣. (٢) القراءات الشاذة ص٧٤، والمحتسب ١٢/٢، والبحر المحيط ٥٣٦/٥. (٣) التيسير ص١٣٨، والنشر ٢٧٣/٢، والمحرر الوجيز ٤٢١/٣، والبحر المحيط ٥٣٦/٥. (٤) المحرر الوجيز ٤٢١/٣ . (٥) الكشاف ٤٢٩/٢ . سُورَةُ الْحَمَ ٣٠٤ الآية : ١٠٤ الاسمية حالاً بدون واوٍ شاذّ عنده، وهو مذهبٌ مرجوحٌ تَبِعَ فيه الفراء؛ إذ مجيئُها كذلك في كلام العرب أكثرُ من أن يُحصى(١). وتقرير الإبطال - كما قال العلامة البيضاويُّ - يحتمل وجهين؛ أحدهما: أنَّ ما يسمعهُ من ذلك البشر كلامٌ أعجميٍّ لا يفهمه هو ولا أنتم، والقرآنُ عربيٍّ تفهمونه بأدنى تأملٍ، فكيف يكونُ ما تلقَّفه منه. وثانيهما: هَبْ أنه تعلَّم منه المعنى باستماع كلامه، ولكن لم يَلْقَفْ منه اللَّفظَ؛ لأنَّ ذلك أعجميٍّ وهذا عربيٍّ، والقرآن كما هو معجزٌ باعتبار المعنى فهو معجزٌ من حيثُ اللَّفِظُ، مع أنَّ العلومَ الكثيرة التي في القرآن لا يمكنُ تعلُّمها إلا بملازمة مُعلِّم فائقٍ في تلك العلوم مدَّةٌ متطاولة، فكيف تعلَّم جميعَ ذلك من غلامٍ سوقيٍّ سمعَ منه بعضَ المنقولات بكلماتٍ أعجميةٍ لعلَّه لم يَعرفْ معناها(٢). وحاصل ذلك منُ تعلّمه عليه الصلاة والسلام منه مع سنده، ثم تسليمه باعتبار المعنى؛ إذ لفظهُ مغايرٌ للفظ ذلك بديهية، فيكفي دليلاً له ما أتى به من اللفظ المعجز، ويمكن تقريره بنحو هذا على سائر الأقوال السابقة في البشر. وقال الكرمانيُّ: المعنى: أنتم أفصحُ الناس وأبلغهم وأقدرهم على الكلام نَظْماً ونثراً، وقد عجزتم وعجز جميعُ العرب عن الإتيان بمثله، فكيف تنسبونه إلى أعجميٍّ أَلْكن، وهو كما ترى، وبالجملة التشبُّثُ في أثناء الطّعن بمثل هذه الخرافات الركيكة دليلٌ قويٌّ على كمال عجزهم، فقد راموا اجتماعَ اليوم والأمس واستواء السُّها والشمس: فدعهم يزعمونَ الصبحَ ليلاً أَيعمى الناظرون عن الضياء(٣) ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِثَايَتِ الَّهِ﴾ أي: لا يصدِّقون بأنها من عنده تعالى، بل يقولون فيها ما يقولون، يُسمُّونها تارةً افتراءً وأخرى أساطير مُعلَّمة من البشر. وقيل: المراد الآيات المعجزاتُ الدالة على صِدْق النبيِّ وَّهِ، ويدخلُ فيها (١) البحر المحيط ٥/ ٥٣٧. (٢) تفسير البيضاوي ٣/ ١٩٢. (٣) البيت للمتنبي، وهو في ديوانه ١٣٨/١. الآية : ١٠٤ ٣٠٥ سُورَةُ الْحَ الآياتُ القرآنية دخولاً أوليّاً. والأول ـ على ما قيل - أوفقُ بالمقام. ﴿لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ﴾ قيل: أي: إلى الجنة، بل يسوقهم إلى النار كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمُ ﴾ وقال بعض المحققين: المعنى: لا يهديهم إلى ما يُنجِّيهم من الحقِّ، لما يعلم من سوء استعدادهم، وقال في (البحر))(١) أي: لا يخلق الإيمان في قلوبهم، وهذا عامٌّ مخصوصٌ، فقد اهتدى قومٌ كفروا بآيات الله تعالى. وقال الجلبي: المعنى أنَّ سببَ عدم إيمانهم هو أنه تعالى لا يهديهم لختمه على قلوبهم، أو لا يهديهم سبحانه مجازاةً لعدم إيمانهم بأنَّ تلك الآيات من عنده تعالى. وقال العسكريُّ: يجوز أن يكون المعنى: إنهم إن لم يؤمنوا بهذه الآيات لم يهتدوا، والمراد بـ ((لا يهديهم الله)) لا يهتدون، فإنه إنما يقال: هدى الله تعالى فلاناً، على الإطلاق إذا اهتدى هو، وأما مَنْ لم يقبل الهدى فإنه يقال فيه: إنَّ الله تعالى هداه فلم يهتد، كما قال تعالى: ﴿وَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ فَأَسْتَحَبُّواْ الْعَمَى عَلَى اَلْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧]. وقيل: المعنى: إنَّ الذين لا يصرفون اختيارهم إلى الإيمان بآياته تعالى، لا يخلقه سبحانه في قلوبهم، وقال ابن عطية: المفهومُ من الوجود أنَّ الذين لا يهديهم الله تعالى لا يؤمنون بآياته، ولكنه قدَّم وأخَّر تتميماً لتقبيح حالهم والتشنيع بخطئهم كما في قوله تعالى: ﴿فَلَمَا زَاغُوَاْ أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾(٢) [الصف: ٥] ويؤدِّي مودَّى التقديم والتأخير ما ذكره الجلبيُّ أولاً، والأكثرُ لا يخلو عن دغدغة. وقال القاضي: أقوى ما قيل في الآية ما ذكر أولاً(٣). وكونه تفسيراً للمعتزلة مناسباً لأصولهم فيه نظرٌ، وأيّاً ما كان فالمراد من الآية التهديدُ والوعيدُ لأولئك الكَفَرة على ما هم عليه من الكفر بآيات الله تعالى ونسبة رسوله وَّ إلى الافتراء والتعلُّم من البشر، بعد إماطة شبهتهم ورَدِّ طعنهم. (١) ٥٣٨/٥. (٢) المحرر الوجيز ٤٢٢/٣ . (٣) تفسير الرازي ١١٨/٢٠. سُورَةُ الْحَلَ ٣٠٦ الآية : ١٠٥ وقوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِى الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِثَايَتِ اَللَّهِ﴾ تمهيدٌ لكونهم هم المفترين، وقلب عليهم بعد أن حقَّقَ بالبيان البرهانيِّ براءةَ ساحته وَّ عن لَوْث الافتراء. ، إشارةٌ إلى قريش القائلين: وقوله تعالى: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَذِبُونَ (إنما أنت مفترٍ))، وهو تصريحٌ بعد التعريض ليكون كالوَسْم عليهم، وهذا الأسلوبُ أبلغُ من أن يقال: أنتم معشر قريشٍ مُفتَرونَ، لما أُشير إليه، وإقامةُ الدليل على أنهم كذلك وأنَّ من زَنُّوه(١) به لا يجوز أن يتعلَّقَ بذيله نَشَبٌ منه أي: إنما يليقُ افتراءُ الكذب بمَنْ لا يؤمن؛ لأنه لا يترقَّبُ عقاباً عليه، وقريشٌ كذلك، فهمُ الكاذبون. أو إشارةٌ إلى ((الذين لا يؤمنون)) فيستمرُّ الكلام على وتيرةٍ واحدة، والمعنى: إنَّ الكاذبَ بالحقيقة هذا الكاذب على ما قرَّروه في قوله تعالى: ﴿وَأُوْلَتِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥] واللام للجنس، وهو شهادةٌ عليهم بالكمال في الافتراء، فالكذبُ في الحقيقة مقيّدٌ بالكذب بآيات الله تعالى، وأُطلق إشعاراً بأن لا كَذِبَ فوقه ليكون كالحجّة على كمال الافتراء، أو الكذبُ غيرُ مقيَّدٍ على هذا الوجه على معنى أنهم الذين عادَتُهم الكذب، فلذلك اجترؤوا على تكذيب آيات الله تعالى دلالةً على أنَّ ذلك لا يصدرُ إلا ممن لَهِجَ بالكذب قبله. ويدلُّ على اعتبار هذا المعنى التعبيرُ بالجملة الاسمية، ولذا عُطفت على الفعلية، وفيه قلبٌ حَسَنٌ، وإشارةٌ إلى أنَّ قريشاً لمَّا كان من عادتهم الكذب، أخذوا يكذبون بآيات الله تعالى ومن أتى بها، ثم لم يرضوا بذلك حتى نسبوا من شهدوا له بالأمانة والصدق إلى الافتراء. وموضع الحُسْن الإيماءُ إِلى سَبْقِ حالتي النبيِّ وَّهِ وقريشٍ، أو الكذب مقيَّدٌ على هذا الوجه أيضاً بما نسبوا إليه عليه الصلاة والسلام من الافتراء، و((الذين لا يؤمنون)» على هذا المراد به قريش، من إقامة الظاهر مقام المضمر، وإيثار المضارع على الماضي دلالةً على استمرار عدم إيمانهم وتجدُّده عَقِبَ نزول كلِّ آية، واستحضاراً لذلك، وهذا الوجه مرجوحٌ بالنسبة إلى السوابق، وقد ذكر هذه الأوجه صاحبُ ((الكشاف)»(٢)، وقد حرَّرها بما ذكر المولى المدقق في ((كشفه))، والحصرُ (١) زنَّه بكذا: أنَّهمه به. القاموس (زنن). (٢) ٤٢٩/٢. الآية : ١٠٦ ٣٠٧ سُورَةُ المَحَلِ في سائرها غيرُ حقيقيٍّ، ولا استدراكَ في الآية لا سيَّما على الأول منها، وهي من الكلام المنصف في بعضها. وتعلَّقها بقوله سبحانه حكاية عنهم: (إِنَّمَآ أَنْتَ مُفْتٍَّ) لأنها كما سمعتَ لردِّه، وتوسيطُ ما وُسِّطَ لما لا يخفى من شَدَّة اتصاله بالرَّدِّ الأول. ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ﴾ أي: بكلمة الكفر ﴿مِنْ بَعْدٍ إِيمَنِهِ﴾ به تعالى، وهذا بحَسَب الظاهر ابتداءُ كلام لبيان حالٍ مَنْ كَفَرَ بآيات الله تعالى بعد ما آمن بها بعد بيان حال من لم يؤمن بها رأساً. و ((من)) موصولةٌ محلُّها الرفعُ على الابتداء، والخبرُ محذوفٌ لدلالة «فعليهم غضبٌ)) الآتي عليه، وحَذْفُ مثل ذلك كثيرٌ في الكلام، وجُوِّزَ أيضاً الرِفِعُ، وكذا النصبُ على القَطْع؛ لقصد الذَّمِّ، أي: هم، أو: أَذُّ من كفر، والقَطْعُ للذَّمِّ والمدح وإن تُعورف في النعت، و((من)) لا يُوصَفُ بها، لكن لا مانع من اعتباره في غيره كالبدل، وقد نصَّ عليه سيبويه. نعم قال أبو حيان: إنَّ النصبَ على الذمّ بعيدٌ(١). وأجاز الحوفيُّ والزمخشريُّ كونها بدلاً من ((الذين لا يؤمنون بآيات الله)) وقوله تعالى: (وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَذِبُونَ) اعتراضٌ بينهما(٢). واعترضه أبو حيان وغيره بأنه يقتضي أن لا يفتريَ الكذبَ إلا مَنْ كَفَرَ بعد إيمانه، والوجودُ يقتضي أنَّ مَنْ يفتري الكذبَ هو الذي لا يؤمنُ مطلقاً، وهم أكثر المفترين(٣). وأيضاً البدلُ هو المقصودُ، والآيةُ سِيقتْ للردّ على قريشٍ وهم كفارٌ أصليُّون. ووجّه ذلك الطيبيُّ بأن يُراد بقوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ) من بعد تمكّنه منه كقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَشْتَرَوُاْ الضَّلَلَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٦] وذكر أنَّ فيه ترشيحاً لطريق الاستدراج، وتحسيراً لهم على ما فاتهم من التصديق، وما اقترفوه من نسبته عليه الصلاة والسلام إلى الافتراء، وفيه كما في ((الكشف)) أنَّ قوله سبحانه: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ لا يساعد عليه، وحَمْلُ التمكُّن منه على ما هو أعمُّ من التمكُّن في إحداثه وبقائه لا يخفى ما فيه. (١) البحر المحيط ٥٤٠/٥. (٢) الكشاف ٤٢٩/٢. (٣) البحر المحيط ٥٤٠/٥. سُورَةُ الْحَلِ ٣٠٨ الآية : ١٠٦ وقال المدقق: الأَولى في التوجيه أن يُجعلَ المعنى: مَنْ وَجَدَ الكُفْرَ فيما بينهم تغييراً(١) على الارتداد أيضاً، وأنَّ مَنْ وَجَدَ فيهم هذه الخصلةَ لا يبعد منهم الافتراء، ويجعل ذلك ذريعةً إلى أن ينعى عليهم ما كانوا يفعلونه مع المؤمنين من المُثْلة، ويدمجُ فيه الرخصة بإجراء كلمة الكُفْر على اللسان على سبيل الإكراه، وتفاوتٌ ما بين صاحب العزيمة والرخصة، ولا يخفى ما فيه أيضاً، وأنه غيرُ ملائم لسبب النزول. وقال الخفاجيُّ: لك أن تقول: الأقرب أن يبقى الكلامُ على ظاهره من غير تكلُّفٍ، وأنَّ هذا تكذيبٌ لهم على أبلغ وجهٍ كما يقال لمن قال: إنَّ الشمسَ غيرُ طالعةٍ في يومٍ صاحٍ: هذا ليس بكذب؛ لأنَّ الكَذِبَ يصدرُ فيما قد تقبله العقول، ويكونُ هذا على تقدير أن يكون المراد في ((لا يهديهم الله)): لا يهديهم إلى الحقِّ، فالله تعالى لما لم يهدهم إلى الحقِّ والصِّدق، وختم على حواسِّهم، نزلوا منزلةً مَنْ لم يعرفه، حتى يساعده لسانه على النطق به، فَقُبْحُ إنكارهم له أجلُّ من أن يُسمَّى كَذِباً، وإنما يكذب من تعمَّد ذلك ونطق به مرَّة، فتكونُ الآيةُ الأولى للردّ على قريشٍ صريحاً، والأخرى دلالة على أبلغ وجه(٢). انتهى. ولعمري إنه نهايةٌ في التكلَّف، ومثلُ هذا الإبدالِ الإبدالُ من ((أولئك)) والإبدالُ من ((الكاذبون)) وقد جوَّزهما الزمخشريُّ أيضاً (٣)؛ وجوَّزَ الحوفيُّ الأخيرَ أيضاً، ولم يجوِّز الزجاجُ غيرَهُ(٤). وجوَّز غير واحد كون ((مَنْ)) شرطية مرفوعة المحلِّ على الابتداء، واستظهره في (البحر)(٥)، والجوابُ محذوفٌ لدلالة الآتي عليه كما سمعتَ في الوجه الأول، والكلامُ في خبر ((من)) الشرطية مشهورٌ، وظاهرُ صنيع الزمخشريِّ اختيارُ الإبدال، وهو عندي غريبٌ منه. وفي ((الكشف)): إنَّ كون ((مَنْ)) شرطيةً مبتداً وجهٌ ظاهرُ السَّداد إلا أنَّ الذي حمل (١) في الأصل: تعبيراً، والمثبت من (م) وحاشية الشهاب ٣٧١/٥. (٢) حاشية الشهاب ٣٧١/٥-٣٧٢ . (٣) الكشاف ٢/ ٤٣٠. (٤) معاني القرآن ٢١٩/٣. (٥) ٥٣٨/٥. الآية : ١٠٦ ٣٠٩ سُورَةُ الْحَالِ جارَ الله(١) على إيثار كون ((مَنْ)) بدلاً طَلَبُ الملاءمة بين أجزاء النظم الكريم، لا أن يكونَ ابتداء بيان حكم. ولا يخفى ما في هذا العذر من الوهن، والظاهرُ أنَّ استثناء ((من أکره)) أي: على التلفّظ بالكفر بأمرٍ یخاف منه على نفسه أو عضو من أعضائه ۔ممّن كفر - استثناءٌ متصلٌ؛ لأنَّ الكفرَ التلفُّظُ بما يدلُّ عليه سواء طابقَ الاعتقاد أو لا . قال الراغب: يقال: كَفَرَ فلانٌ إذا اعتقدَ الكُفْرَ، ويقال إذا أظهرَ الكفرَ وإن لم يعتقد(٢). فيدخلُ هذا المستثنى في المستثنى منه المذكور. وقيل: مستثنّى من الخبر أو (٣) الجواب المقدَّر، وقيل: مستثنّى مقدَّم من قوله تعالى: (فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ) وليس بذاك، والمراد إخراجه من حُكْم الغضب والعذاب أو الذم. وقوله سبحانه: ﴿وَقَلْبُهُ، مُظْمَيِنٌّ بِاَلْإِيمَنِ﴾ حالٌ من المستثنى، والعامل - كما في ((إرشاد العقل السليم))(٤) _ هو الكفر الواقع بالإكراه، لا نفسُ الإكراه؛ لأنَّ مقارنةً اطمئنان القلب بالإيمان للإكراه لا تجدي نفعاً، وإنما المجدي مقارنته للكفر الواقع به، أي: إلا مَنْ كَفَرَ بإكراهٍ أو إلا مَنْ أُكره فَكَفَر، والحالُ أنَّ قلبه مطمئٌّ بالإيمان لم تتغيَّر عقيدته. وأصل معنى الاطمئنان سكونٌ بعد انزعاج، والمرادُ هنا السكون والثبات على ما كان عليه بعد إزعاج الإكراه، وإنما لم يصرِّح بذلك العامل إيماءً إلى أنه ليس بكفر حقيقة. واستدلَّ بالآية على أنَّ الإيمانَ هو التصديقُ بالقلب، والإقرار ليس ركناً فيه كما قيل. واعتُرض بأنَّ مَنْ جعله ركناً لم يُرد أنه ركنٌ حقيقيٍّ لا يسقط أصلاً، بل إنه دالٌ على الحقيقة التي هي التصديقُ؛ إذ لا يمكن الاطلاع عليها، فلا يضرُّهُ عند سقوطه لنحو الإكراه والعجز، فتأمل. (١) هو الزمخشري، ينظر الكشاف ٤٣٠/٢ . (٢) مفردات الراغب (كفر). (٣) قوله: أو. ليس في (م). (٤) ١٤٣/٥. سُورَةُ الَّت ٣١٠ الآية : ١٠٦ ﴿وَلَكِن مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ أي: اعتقده وطابَ به نفساً، و((صَدْراً)) على معنى صَدْره؛ إذ البشر في عجزٍ عن شَرْح صَدْر غيره، ونَصْبه - كما قال الإمام - على أنه مفعول به لـ ((شرح))(١). وجوَّز بعضُهم كونه على التمييز، و((مَنْ)) إما شرطيةٌ أو موصولةٌ، لكن إذا جُعلت شرطية، قال أبو حيان: لابدَّ من تقدير مبتدأ قبلها؛ لأنَّ (لكن)) لا تليها الجملُ الشرطية، والتقدير هنا: ولكن هم مَنْ شَرَحَ بالكفر صَدْراً، أي: منهم، ومثله قوله: ولكنْ متى تَسترفدِ القومَ أَرْفِدٍ(٢) أي: ولكن أنا متى تسترفد ... إلخ(٣). وتُعقّبَ بأنه تقديرٌ غيرُ لازم. وقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ جوابُ الشرط على تقدير شرطية ((مَنْ)) وهي على التقديرين مبتدأً وهذا خبرها على تقدير الموصولية، وكذا على تقدير الشرطية في رأي، والخلافُ مشهور، وجعله بعضُهم خبراً لـ ((مَنْ)) هذه والأولى؛ للاتحاد في المعنى؛ إذ المراد بـ ((مَنْ كفر)) الصنفُ الشارحُ بالكفر صَدْراً. وتعقَّبه في ((البحر))(٤) بأنَّ ها هنا جملتين شرطيتين، وقد فُصِلَ بينهما بأداة الاستدراك، فلا بدَّ لكلِّ واحدةٍ منهما من جوابٍ على حِدَةٍ، فتقديرُ الحذف أحرى في صناعة الإعراب. وقد ضعَّفوا مذهبَ أبي الحسن في ادِّعائه أنَّ قوله تعالى: ﴿فَسَلَهُ لَّكَ مِنْ أَصْحَبٍ اَلْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] وقوله سبحانه: ﴿فَرَوْعُ وَرَتِجَانٌ﴾ [الواقعة: ٨٩] جوابٌ لـ ((أما)) ولأنَّ ((هذا)) و((هما)) أداتا شرطٍ تلي إحداهما الأخرى، ويبعد بهذا(٥) عندي جَعْلُهُ خبراً لهما على تقدير الموصولية والاستدراك من الإكراه على ما قيل؛ ووُجِّه بأنَّ قوله تعالى: (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ) يوهم أنَّ المُكْرَةَ مطلقاً مستثنَى مما تقدَّم، وقوله (١) تفسير الرازي ١٢٣/٢٠. (٢) عجز بيت لطرفة بن العبد وهو في ديوانه ص٢٩ وصدره: ولستُ بحلّال التلاعِ مخافةً (٣) البحر المحيط ٥٣٩/٥. (٤) ٥/ ٥٣٩. (٥) في الأصل: هذا. الآية : ١٠٦ ٣١١ سُورَةُ الْفَحَلِ سبحانه: (وَقَلْبُهُ، مُظْمَيِنٌّ بِالْإِيمَانِ) لا ينفي ذلك الوهم، فاحتيج إلى الاستدراك لدفعه، وفيه بحثٌ ظاهر. وقيل: المراد مجرَّدُ التأكيد كما في نحو قولك: لو جاء زيدٌ لأكرمتك، لكنه لم يجئ. وأنت تعلم ما في ذلك فتأمل جدّاً. وتنوين ((غضبٌ)) للتعظيم، أي: غَضَبٌ عظيمٌ لا يَكْتَنِهُ كُنْهَهُ كائنٌ ﴿مِّنَ اللَّهِ﴾ جلَّ جلاله ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ لِعِظَم جُرْمهم، فَجُوزوا من جنس عملهم، وفي اختيار الاسم الجليل من تربية المهابة وتقوية تعظيم العذاب ما فيه. والجمع في الضميرين المجرورين لمراعاة جانب المعنى، كما أنَّ الإفرادَ في المستكنّ في الصلة لرعاية جانب اللفظ. روي أنَّ قريشاً أكرهوا عماراً وأبويه ياسراً وسُميَّة على الارتداد، فأَبَوْا، فربطوا سُميَّةَ بين بعيرين وَوُجئتْ(١) بحربةٍ في قُبُلها، وقالوا: إنما أسلمت من أجل الرجال. فقتلوها وقتلوا ياسراً، وهما أولُ قتيلين في الإسلام، وأما عمارٌ فأعطاهم بلسانه ما أكرهوه عليه، فقيل: يا رسول الله: إنَّ عماراً كَفَرَ. فقال رسول الله وَّه: (كلًّا، إنَّ عماراً مليءٌ إيماناً من قَرْنه إلى قدمه، واختلطَ الإيمانُ بلحمه ودمه)) فأتى عمارُ رسولَ الله عليه الصلاة والسلام وهو يبكي، فجعلَ رسول الله بَّه يمسحُ عينيه وقال: ((مالكَ إن عادوا فَعُدْ لهم بما قلتَ)) وفي رواية: أنهم أخذوه فلم يتركوه حتى سبَّ النبيَّ ◌َّه، وذكر آلهتهم بخير، ثم تركوه، فلما أتى رسولَ الله عليه الصلاة والسلام قال: ((ما وراءك))؟ قال: شرٌّ، ما تُركْتُ حتى نلتُ منك، وذكرتُ آلهتهم بخير. قال: ((كيف تجدُ قلبك))؟ قال: مطمئنٌّ بالإيمان. قال وَّهِ: ((إن عادوا فَعُدْ»، فنزلت هذه الآية(٢). وكأنَّ الأمرَ بالعَوْد في الرواية الأولى للترخيص بناءً على ما قال النسفيُّ أنه أدنى مراتبه، وكذا الأمر في الرواية الثانية إن اعتُبر مُقيَّداً بما قُيِّدَ به في الرواية (١) في الأصل و(م): ووجئ. والمثبت من تفسير أبي السعود ١٤٣/٥ حيث نقل المصنف. (٢) أخرجه الطبري ٣٧٤/١٤، والحاكم ٣٥٧/٢، والبيهقي ٢٠٨/٨-٢٠٩، والواحدي في أسباب النزول ص٢٨٨ . سُؤَةُ الْحَك ٣١٢ الآية : ١٠٦ الأولى، وأما إن اعتبر مقيّداً بطمأنينة القلب كما في ((الهداية)) أي: عُدْ إلى جعلها نَصْبَ عينيك واثبتْ عليها، فالأمر للوجوب. والآيةُ دليلٌ على جواز التكلُّم بكلمة الكفر عند الإكراه، وإن كان الأفضلُ أن يتجنّب عن ذلك إعزازاً للدين ولو تيقَّنَ القتلَ كما فعل یاسرٌ وسميَّةُ، وليس ذلك من إلقاء النفس إلى التهلكة، بل هو كالقتل في الغزو كما صرَّحوا به. وقد أخرج ابن أبي شيبةً عن الحسن، وعبد الرزاق في ((تفسيره)) عن معمر: أنَّ مسيلمةَ أخذ رجلين فقال لأحدهما: ما تقول في محمد؟ قال: رسول الله. قال: فما تقول فيَّ؟ قال: أنت أيضاً. فخلَّاه، وقال للآخر: ما تقول في محمد؟ قال: رسول الله. قال: فما تقول فيَّ؟ فقال: أنا أصمّ، فأعاد عليه ثلاثاً، فأعاد ذلك في جوابه، فقتله، فبلغ رسول الله وَلقر خبرهما فقال: ((أما الأول فقد أخذ برخصة الله تعالى، وأما الثاني فقد صَدع بالحقِّ فهنيئاً له))(١). وفي ((أحكام الجصاص))(٢): أنه يجبُ على المكرَهِ على الكُفْرِ إخطارُ أنه لا یریده، فإن لم يخطر بباله ذلك كفر. وفي ((شرح المنهاج)) لابن حجر: لا توجد رِدَّةُ مُكْرَهٍ على مكفَّرٍ قلبُهُ مطمئٌّ بالإيمان؛ للآية، وكذا إن تجرَّدَ قلبه عنهما فيما يتَّجه ترجيحه؛ لإطلاقهم أنَّ المكرَهَ لا يلزمه التورية. فافهم(٣). وقال القاضي: يجبُ على المكرَه تعريضُ النفس للقتل، ولا يباحُ له التلفُّظ بالكفر؛ لأنه كَذِبٌ، وهو قبيحٌ لذاته، فيقبح على كلِّ حال، ولو جاز أن يخرجَ عن القُبْح لرعاية بعض المصالح لم يمتنع أن يفعل الله سبحانه الكذب لها، وحينئذٍ لا يبقى وُثوقٌ بوعده تعالى ووعيده؛ لاحتمال أنه سبحانه فعل الكَذِبَ لرعاية المصلحة التي لا يعلمها إلا هو، وردُّه ظاهر. وهذا الخلاف فيما إذا تعيَّنَ على المُكرَه؛ إما التزامُ الكذب وإما تعريضُ النفس (١) مصنف ابن أبي شيبة ٣٥٧/١٢-٣٥٨، وتفسير عبد الرزاق ١/ ٣٦٢. (٢) ١٩٢/٣. (٣) تحفة المحتاج بشرح المنهاج بهامش حواشي الشرواني وابن قاسم العبادي ٩/ ٩٣. الآية : ١٠٧ ٣١٣ سُورَةُ الْفَحَالِ للتلف، وإلا فمتى أمكنه نحو التعريض أو إخراج الكلام على نية الاستفهام الإنكاريٌّ، لم يجبْ عليه تعريضُ النفس لذلك إجماعاً. واستُدلَّ بإباحة التلفُّظ بالكفر عند الإكراه على إباحة سائر المعاصي عنده أيضاً، وفيه بحثٌ، فقد ذكر الإمام أنَّ من المعاصي ما يجب فعله عند الإكراه كشرب الخمر وأكل الميتة ولحم الخنزير، فإنَّ حِفْظَ النفس عن الفوات واجبٌ، فحيث تعيَّن الأكلُ سبيلاً ولا ضرر فيه لحيوانٍ ولا إهانةَ لحقِّ الله تعالى وَجَبَ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُ إِلَى التَّلْكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] ومنها ما يحرم كقتل إنسانٍ محترمٍ أو قطع عضوٍ منِ أعضائه، وفي وجوب القصاص على المكره قولان للشافعي عليه الرحمة، وذكر أنَّ من الأفعال ما لا يقبل الإكراه ومثَّل بالزنى؛ لأنَّ الإكراهَ يُوجبُ الخوفَ الشديد، وذلك يمنعُ من انتشار الآلة، فحيثُ دخل(١) الزنى في الوجود، عَلِمنا أنه وقع بالاختيار لا على سبيل الإكراه(٢). وتمام الكلام في هذا المقام يُطلب من محلِّه. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى الكفر بعد الإيمان، أو الوعيد الذي تضمَّنه قوله تعالى: (فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌّ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) أو المذكور من الغضب والعذاب. وَبِأَنَّهُمُ﴾ أي: بسبب أنَّ الشارحينَ صدورهم بالكفر ﴿أُسْتَحَبُّواْ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا﴾ أي: آثروها وقدَّموها، ولتضمُّن الاستحباب معنى الإيثار قيل: ﴿عَلَى الْآَخِرَةِ﴾ فَعُدِّي بـ ((على))، والمراد على ما في ((البحر))(٣) أنهم فعلوا فِعْلَ المستحبِّين ذلك، وإلا فهم غيرُ مصدِّقين بالآخرة. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى﴾ إلى الإيمان وإلى ما يوجب الثباتَ عليه، وقيل: إلى الجنة. وردّه الإمامُ(٤). وفسَّر بعضُهم الهدايةَ المنفيةَ بهداية القَسْر، أي: لا يهدي هدايةَ قَسْرٍ وإلجاءٍ. ونُسِبَ إلى المعتزلة. ﴿اَلْقَوْمَ الْكَفِرِينَ ﴾ أي: في علمه تعالى المحيط، فلا يعصمهم تعالى عن الزيغ وما يؤدي إليه من الغضب والعذاب، ولولا أحد الأمرين - إما إيثار الحياة الدنيا على الآخرة، وإما عدمُ هداية الله تعالى (١) في الأصل و(م): دلّ. والمثبت من تفسير الرازي ٢٠/ ١٢٣. (٢) تفسير الرازي ١٢٢/٢٠-١٢٣. (٣) البحر المحيط ٥٤٠/٥ . (٤) تفسير الرازي ١٢٤/٢٠. سُورَةُ الْحَالِ ٣١٤ الآية : ١٠٨، ١٠٩ إياهم بأن آثروا الآخرةَ على الدنيا، أو بأن هداهم الله سبحانه - لما كان ذلك، لكن كلاهما لا يكون؛ لأنه خلافُ ما في العلم بالأشياء على ما هي عليه في نفس الأمر، وقال البعضُ: لكنَّ الثاني مخالفٌ للحكمة، والأول مما لا يدخلُ تحت الوقوع، وإليه الإشارة بقوله سبحانه: ﴿أُوْلَئِكَ﴾ أي: الموصوفون بما ذكر ﴿الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ فلم تُفتحْ لإدراك الحقِّ واكتساب ما يوصل إليه، واستظهر أبو حيان كونَ ذلك إشارة إلى ما استحقُّوه من الغضب والعذاب، وقال: إنَّ قوله تعالى (اسْتَحَبُّوا) إشارةٌ إلى الكسب(١) (وَأَنَّ اَللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَفِرِينَ) إشارةٌ إلى الاختراع، فجمعت الآيةُ الأمرين، وذلك عقيدةٌ أهل السنة(٢)، فافهم. وقد تقدم الكلام على الطبع. ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْغَفِلُونَ ﴾ أي: الكاملون في الغفلة؛ إذ لا غفلة أعظمُ من الغفلة عن تدبُّر العواقب والنظر في المصالح، وروي عن ابن عباس ﴿ًا أنه قال: غافلونَ عمَّا يُرادُ منهم في الآخرة. · إذ ضيّعوا رؤوس أموالهم، ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْخَسِرُونَ ( وهي أعمارهم، وصرفوها فيما لا يفضي إلا إلى العذاب المخلَّد، ولله تعالى [درُّ] من قال: إذا کان رأس المال عُمرَكَ فاحترسْ عليه من الإنفاق في غير واجب(٣) ووقع في آية أخرى: ﴿اٌلْأَخْسَرُونَ﴾ [هود: ٢٢] وذلك لاقتضاء المقام على ما لا يخفى على الناظر فيه، أو لأنه وقع في الفواصل هنا اعتمادُ الألف كالكافرين والغافلين، فعبّر به لرعاية ذلك، وهو أمرٌ سهل، وتقدَّم الكلام في ((لا جرم)) فتذَّره فما في العهد من قِدَم(٤). (١) في (م): الكذب. والمثبت من الأصل والمصدر. (٢) البحر المحيط ٥/ ٥٤٠. (٣) البيت لأبي بكر الجوهري، وهو في ريحانة الألبًا ١/ ١٦٧، وما ورد بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق. (٤) تقدم في الآية (٢٢) من سورة هود، و(٢٣) و(٦٢) من سورة النحل. الآية : ١١٠ ٣١٥ سُؤَةُ الْحَالِ ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ إلى دار الإسلام، وهم عمار وأضرابه، أي: لهم بالولاية والنصر لا عليهم كما يقتضيه ظاهرُ أعمالهم السابقة، فالجارُّ والمجرورُ في موضع الخبر لـ ((إنَّ)، وجوِّز أن يكون خبرها محذوفاً لدلالة خبر ((إنَّ) الثانية عليه، والجارُّ والمجرورُ متعلِّقٌ بذلك المحذوف، وقال أبو البقاء: الخبر هو الآتي، و((إنَّ) الثانية واسمها تكريرٌ للتأكيد(١)، ولا تطلب خبراً من حيث الإعراب، والجارُّ والمجرورُ متعلّقٌ بأحد المرفوعين على الإعمال، وقيل: بمحذوفٍ على جهة البيان كأنه قيل: أعني للذين، أي: الغفران. وليس بشيء، وقيل: لا خبرَ لـ ((إنَّ) هذه في اللفظ لأنَّ خبر الثانية أغنى عنه، وليس بجيِّدٍ كما لا يخفى. و((ثم)) للدلالة على تباعد رتبة حالهم هذه عن رتبة حالهم التي يفيدها الاستثناء من مجرد الخروج عن حكم الغضب والعذاب، لا عن رتبة حال الكفرة. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا فُتِئُواْ﴾ أي: عُذِّبوا على الارتداد، وأصلُ الفَتْنِ إدخالُ الذهب النارَ لتظهر جودته من رداءته، ثم تُجوِّزَ به عن البلاء وتعذيب الإنسان. وقرأ ابن عامر: ((فَتَنوا)) مبنيًّاً للفاعل(٢)، وهو ضميرُ المشركين عند غير واحدٍ، أي: عذَّبوا المؤمنين كالحضرميِّ أكره مولاه جَبْراً حتى ارتدَّ، ثم أسلما وهاجرا، أو وقعوا في الفتنة، فإنَّ ((فتن)) جاء متعدِّياً ولازماً. وتستعمل الفتنة فيما يحصل عنه العذاب. وقال أبو حيان: الظاهر أنَّ الضميرَ عائدٌ على ((الذين هاجروا)) والمعنى: فتنوا أنفسهم بما أعطوا المشركين من القول، كما فعل عمار، أو لما كانوا صابرين على الإسلام وعُذِّبوا بسبب ذلك صاروا كأنهم عَذَّبوا أنفسهم(٣) . ﴿ثُمَّ جَهَدُوا﴾ الكفار ﴿وَصَبَرُواْ﴾ على مشاقٌّ الجهاد، أو على ما أصابهم من المشاقِّ مطلقاً . ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾ أي: المذكورات من الفتنة والهجرة والجهاد والصبر، وهو تصريحٌ بما أشعر به بناءُ الحكم على الموصول من عِلِّيَّةِ الصِّلة. (١) الإملاء ٤٦٤/٣. (٢) التيسير ص١٣٨، والنشر ٣٠٥/٢. (٣) البحر المحيط ٥٤١/٥ . سُورَةُ الْحَ ٣١٦ الآية : ١١٠ وجُوِّزَ أن يكونَ الضميرُ للفتنة المفهومة من الفعل السابق، ويكون ما ذكر بياناً لعدم إخلال ذلك بالحكم، وقال ابن عطية: يجوز أن يكونَ للتوبة، والكلام يُعطيها وإن لم يجرِ لها ذكرٌ صريحٌ(١). ﴿لَغَفُورٌ﴾ لما فعلوا من قبل ﴿رَّحِيمٌ ﴾ يُنعم عليهم مجازاةً لما صنعوا من بعد، وفي التعرض لعنوان الربوبية في الموضعين إيماءٌ إلى عِلَّة الحكم، وما في إضافة الرب إلى ضميره عليه الصلاة والسلام مع ظهور الأثر في الطائفة المذكورة إظهارٌ لكمال اللطف به وَل﴿ بأنَّ إفاضةَ آثار الربوبية عليهم من المغفرة والرحمة بواسطته عليه الصلاة والسلام ولكونهم أتباعاً له. هذا، وكون الآية في عمار وأضرابه ﴿ّ مما ذكره غيرُ واحدٍ، وصرَّحَ ابنُ إسحاق بأنها نزلت فيه وفي عياش بن أبي ربيعة والوليد بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد. وتعقَّبه ابنُ عطية بأنَّ ذِكْرَ عمار في ذلك غيرُ قویم، فإنه أرفعُ [من] طبقة هؤلاء، وهؤلاء ممن شَرَحَ بالكفر صدراً، فتحَ الله تعالى لهم بابَ التوبة في آخر الآية، وذكر أنَّ الآية مدنيةٌ، وأنه لا يعلم في ذلك خلافاً (٢). ونقل عن ابن عباس ﴿ها أنها نزلت، فكتب بها المسلمونَ إلى مَنْ كان أسلمَ بمكة: إنَّ الله تعالى قد جعل لكم مخرجاً، فخرجوا، فلحقهم المشركون فقاتلوهم حتى نجا وقتل من قتل، وأخرج ذلك ابن مردويه(٣)، وفي رواية: أنهم خرجوا واتبعوا وقاتلوا فنزلت، وأخرج هذا ابن المنذر وغيره(٤) عن قتادة، فالمراد بالجهاد قتالهم لمتبعيهم، وأخرج ابن جرير عن الحسن وعكرمة أنها نزلت في عبد الله ابن أبي سَرْح الذي كان يكتبُ لرسول الله وَِّ فأزْلَّه الشيطانُ فَلَحِقَ بالكفار فأمر به النبيُّ عليه الصلاة والسلام أن يُقتَل يومَ فتح مكة، فاستجارَ له عثمان بن عفان ظُله، فأجاره النبيُّ ◌َلَّ (٥). (١) المحرر الوجيز ٤٢٥/٣ . (٢) المحرر الوجيز ٤٢٥/٣. وما بين حاصرتين منه. (٣) كما في الدر المنثور ١٣٣/٤. (٤) كما في الدر المنثور ١٣٣/٤. (٥) تفسير الطبري ٣٨٠/١٤-٣٨١، وأخرجه - أيضاً - أبو داود (٤٣٥٨)، والنسائي في الكبرى (٣٥١٨)، وفي المجتبى ٧/ ١٠٧ . الآية : ١١١ ٣١٧ سُورَةُ الْحَالِ والمراد نزلت فيه وفي أشباهه كما صرّح به في بعض الروايات، وفسّروا (فتنوا)) على هذا بـ ((فَتَنَهم)) الشيطانُ وأَزْلَّهم حتى ارتدُّوا باختيارهم، وما ذكره ابنُ عطيةً فيمن ذكر مع عمار غيرُ مسلّم، فقد أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة أنَّ عياشاً تَّه كان أخا أبي جهلٍ لأمه، وكان يضربه سوطاً وراحلته سوطاً ليرتدَّ عن الإسلام(١). وفي ((التفسير الخازني)) أنَّ عياشاً - وكان أخا أبي جهل من الرضاعة، وقيل: لأمه - وأبا جندل بنَ سهل بن عمرو، وسلمة بن هشام، والوليد بن المغيرة، وعبد الله بن سلمة الثقفي فَتَنَهم المشركون وعذَّبوهم، فأعطوهم بعض ما أرادوا ليَسلموا من شرِّهم، ثم إنهم بعد ذلك هاجروا وجاهدوا، والآية نزلتْ فيهم(٢)، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال. ﴿يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسٍ﴾ نَصب على الظرفية بـ ((رحيم))، وقيل: على أنه مفعولٌ به لـ (اذكر)) محذوفاً، ورُجِّحَ الأول بارتباط النَّظْم عليه ومقابلته لقوله تعالى: (فِ الْآَخِرَةِ هُمُ الْخَسِرُونَ) ولا يضرُّ تقييد الرحمة بذلك اليوم؛ لأنَّ الرحمةَ في غيره تثبتُ بالطريق الأَولى، والمراد بهذا اليوم يوم القيامة. ﴿تُجَدِلُ عَنْ تَّفْسِهَا﴾ تدافع وتسعى في خلاصها بالاعتذار، ولا يهمُّها شأنُ غيرها من ولدٍ ووالدٍ وقريب. أخرج أحمد في ((الزهد)»، وجماعةٌ عن كعبٍ قال: كنت عند عمر بن الخطاب فقال: خوِّفنا يا كعب، فقلت: يا أمير المؤمنين، أوَليس فيكم كتاب الله تعالى وحكمةُ رسوله بَّهِ؟ قال: بلى، ولكن خوِّفنا، قلت: يا أمير المؤمنين، لو وافيتَ يومَ القيامة بعمل سبعين نبياً لازدرأتَ عملك مما ترى، قال: زدنا، قلتُ: يا أمير المؤمنين، إنَّ جهنمَ لَتَزْفُرُ زفرةً يومَ القيامة لا يبقى مَلَكُ مقرَّبٌ، ولا نبيٌّ مرسلٌ إلا خَرَّ جائياً على ركبتيه، حتى إنَّ إبراهيمَ خليله لَيَخِرُّ جاثياً على ركبتيه فيقول: ربِّ نفسي نفسي، لا أسالك اليومَ إلا نفسي، فأطرقَ عمر مليّاً، قلت: يا أمير (١) تفسير ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور ١٣٣/٤. (٢) تفسير الخازن ١١٨/٣. سُؤَدَّةُ النَّحَِّ ٣١٨ الآية : ١١١ المؤمنين، أَوَليس تجدون هذا في كتاب الله؟ قال: كيف؟ قلت: قول الله تعالى في هذه الآية: (يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسٍ) إلخ (١). وجعل بعضُهم هذا القولَ هو الجدال، ولم يرتضه ابنُ عطية (٢)، والحقُّ أنه ليس فيه إلا الدلالة على عدم الاهتمام بشأن الغير، وهو بعضُ ما تدلُّ عليه الآية، وعن ابن عباس(٣) أنَّ هذه المجادلة بين الروح والجسد، يقول الجسد: بكَ نَطَقَ لساني وأبصرتْ عيني ومشتْ رجلي، ولولاكَ لكنتُ خشبةً ملقاةً، وتقول الروح: أنتَ كسبتَ وعصيتَ لا أنا، وأنت كنتَ الحاملَ وأنا المحمول، فيقول الله تعالی: أضرب لكما مثلاً، أعمى حَمَلَ مُقْعداً إلى بستانٍ، فأصابا من ثماره، فالعذاب عليكما(٤)، والظاهرُ عدمُ صحة هذا عن هذا الحبر، وهو أَجَلُّ من أن يحمل المجادلةَ في الآية على ما ذكر. وضمير ((نفسها)) عائدٌ على النفس الأولى، فكأنه قيل: عن نفس النفس، وظاهره إضافةُ الشيء إلى نفسه، فَوُجِّهَ بأنَّ النفسَ الأولى هي الذات والجملة أي: الشخصُ بأجزائه كما في قولك: نفسٌ كريمةٌ، ونفسٌ مباركةٌ، والثانية عينُها أي: التي تجري مجرى التأكيد، ويدلُّ على حقيقة الشيء وهويته بحسب المقام، والفرق بينهما أنَّ الأجزاءَ ملاحَظّةٌ في الأول دون الثاني، والأصل هو الثاني، لكن لعدم المغايرة في الحقيقة بين الذات وصاحبها استُعمل بمعنى الصاحب، ثم أُضيف الذات إليه، فوزان ((كل نفس» وزان قولك: كلُّ أحدٍ، كذا في ((الكشف»، وفي ((الفرائد)): المغايرةُ شَرْطٌ بين المضاف والمضاف إليه؛ لامتناع النسبة بدون المنتسبين، فلذلك قالوا: يمتنعُ إضافة الشيء إلى نفسه إلا أنَّ المغايرةَ قبل الإضافة كافيةٌ، وهي محقَّقةٌ هاهنا؛ لأنه لا يلزمُ من مطلق النفس نفسك، ويلزم من نفسك مطلق النفسِ، فلما أضيف ما لا يلزم أن يكون نفسك إلى نفسك صحَّتِ الإضافة (١) الزهد ص١٥١، وأخرجه - أيضاً - ابن أبي شيبة ١٥٤/١٣- ١٥٥، وأبو نعيم في الحلية ٣٦٨/٥-٣٦٩. (٢) المحرر الوجيز ٤٢٦/٣. (٣) جاء فوقها في الأصل: رواه عكرمة. (٤) البحر المحيط ٥/ ٥٤٢ . الآية : ١١١ ٣١٩ سُورَةُ الْحَالِ وإن اتَّحدا بعد الإضافة، ولذا جاز: عينُ الشيء وكلَّه ونفسُهُ، بخلاف: أسدُ اللیث، وحَبْسُ المنع ونحوهما . وقال ابن عطية: النفس الأولى هي المعروفة، والثانية هي البدن(١). وقال العسكريُّ: الإنسان يُسمَّى نفساً، تقول العرب: ما جاءني إلا نفسٌ واحدةٌ، أي: إنسانٌ واحد (٢)، والنفسُ في الحقيقة لا تأتي لأنها هي الشيءُ الذي يعيشُ به الإنسان، فتأمل ففي النفس من بعض ما قالوه شيء، والظاهرُ أنَّ السؤالَ والجوابَ المشهورين في: كل رجل وضيعته، يجريان هاهنا. فتفطّن. وفي ((البحر))(٣): إنما لم تجئ: تجادل عنها، بدل: (تجادل عن نفسها)) لأنَّ الفعلَ إذا لم يكن من باب ((ظن)) و((فقد)) لا يتعدَّى - ظاهراً كان فاعله أو مضمراً - إلى ضميره المتصل، فلا يقال: ضربتها هندٌ، أو: هندٌ ضربتها، وإنما يقال: ضربتْ نفسَها هندٌ، وهندٌ ضربتْ نفسَها، وتأنيث ((تأتي)) مع إسناده إلى ((كلّ)) وهو مذكَّرٌ لرعاية المعنى، وكذا يقال فيما بعد، وعلى ذلك جاء قوله: جادتْ عليها كلُّ عين ثَرَّةٍ فَتَرَكْنَ كلَّ حديقةٍ كالدرهم(٤) ﴿وَتُوَّ كُلُّ نَفْسٍ﴾ أي: تعطى وافياً كاملاً ﴿مَّا عَمِلَتْ﴾ أي: جزاء عملها، أو الذي عملته، إن خيراً فخيرٌ وإن شرّاً فشرٌّ، بطريق إطلاق اسم السبب على المسبّب إشعاراً بكمال الاتصال بين الأجزية والأعمال، والإظهار في مقام الإضمار لزيادة التقرير، وللإيذان باختلاف وقتَي المجادلة والتوفية، وإن كانتا في یومٍ واحد. ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾﴾ بزيادة العقاب أو بالعقاب بغير ذنب، وقيل: بنقص أجورهم. وتُعقِّبَ بأنه عُلم من السابق. وأجيب بأنَّ القائلَ به لعلَّه أراد بجزاء ما عملت العقاب، وعلى تقدير إرادة الأعمِّ فهذا تكرارٌ للتأكيد، ووجهُ ضمير الجمع ظاهر. (١) المحرر الوجيز ٤٢٦/٣. (٢) في (م): واحدة. والمثبت من الأصل والبحر المحيط ٥٤٢/٥. (٣) ٥٤٢/٥. (٤) البيت لعنترة بن شداد، وهو في ديوانه ص ١٤٥ . سُورَةُ الْفَحَلِكَ ٣٢٠ الآية : ١١٢ ﴿وَضَرَبَ اَللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةٌ﴾ أي: أهل قرية، وذلك إما بإطلاق القرية وإرادة أهلها، وإما بتقدير مضاف، وانتصابه على أنه مفعولٌ أول لـ ((ضرب)) على تضمينه معنى الجعل، وأُخِّرَ لئلا يفصل الثاني بين الموصوف وصفته وما يترتب عليها، وتأخيره عن الكلِّ مخلٌّ بتجاوب أطراف النظم الجليل وتجاذبه، ولأنَّ تأخيرَ ما حقُّه التقديم مما يورثُ النفسَ شوقاً لوروده، لا سيما إذا كان في المقدَّم ما يدعو إليه كما هنا فيتمكن عند وروده فضل تمكُّن. وعن الزجاج أنَّ النصبَ على البدلية، والأصل عنده: ضَرَبَ الله مثلاً مَثَلَ قريةٍ(١)، فحُذفَ المضافُ وأُقيم المضافُ إليه مقامه، والمراد بالقرية إما قريةٌ محقَّقةٌ من قرى الأولين، وإما مقدَّرةٌ، ووجودُ المشبّه به غيرُ لازم، ولم يُجوِّز ذلك أبو حيان لمكان ((ولقد جاءهم رسول منهم))(٢)، وأنت تعلم أنه غير مانع. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ومجاهدٍ أنها مكة(٣)، وروي هذا عن ابن زيد وقتادة وعطية. وأخرج ابن أبي حاتم وغيره عن سليم بن عمر قال: صحبتُ حفصةً زوج النبيِّ وَّرِ وهي خارجةٌ من مكة إلى المدينة، فأُخبرَتْ أنَّ عثمانَ قد قتل، فرجعت وقالت: ارجعوا بي، فوالذي نفسي بيده إنها لَلْقرية التي قال الله تعالى، وتلتْ ما في الآية(٤). ولعلَّها أرادت أنها مثلها، ويمكن حَمْلُ ما روي عن الحبر ومَنْ معه على ذلك، والمعنى: جعلها الله تعالى مثلاً لأهل مكة، أو لكلِّ قومٍ أَنعمَ الله تعالى عليهم، فأبطرتهم النعمةُ، ففعلوا ما فعلوا، فَجُوزوا بما جُوزوا، ودخل فيهم أهلُ مكة دخولاً أوليّاً. ولعله المختار. ﴿كَانَتْ ءَامِنَةٌ﴾ قيل: ذاتُ أَمنٍ لا يأتي عليها ما يُوجبُ الخوف، كما يأتي على بعض القرى من إغارة أهل الشرِّ عليها وطلبٍ الإيقاع بها . ﴿مُظْمَيِنَّةٌ﴾ ساكنةً قارَّةً لا يحدثُ فيها ما يوجب الانزعاج، كما يحدثُ في (١) ينظر معاني القرآن ٢٢١/٣. (٢) البحر المحيط ٥٤٢/٥. (٣) تفسير الطبري ٣٨٣/١٤. (٤) تفسير ابن أبي حاتم ٧/ ٢٣٠٥.