النص المفهرس
صفحات 281-300
الآية : ٩٣ ٢٨١ سُوَرَةُ الْحَلَِّ والمعتزلةُ ينكرون كونَ الضلال بمشيئته تعالى، ويزعمون أنه سبحانه إنما شاء من الجميع الإيمانَ، ووقع خلافُ ما شاء عزَّ شأنه. وأجاب الزمخشريُّ عن الآية بأنَّ المعنى: لو شاء على طريقة الإلجاء والقَسْر لجعلكم أمةً واحدةً مُسلمةً، فإنه سبحانه قادرٌ على ذلك، لكن اقتضت الحكمةُ أن يُضلَّ ويخذلَ من يشاء ممن علم سبحانه أنه يختارُ الكُفْرِ ويُصمِّمُ عليه، ويهدي من يشاء بأن يلطفَ بمَنْ علم أنه يختار الإيمان، والحاصل أنه تعالى بنى الأمرَ على الاختيار وعلى ما يستحقُّ به اللَّطف والخذلان، والثواب والعقاب، ولم يَبْنِهِ على الإجبار الذي لا يستحقُّ به شيء، ولو كان العبيد مضطرِّين للهداية والضلال لما أثبتَ سبحانه لهم عملاً يُسألون عنه بقوله: ﴿وَلَتْتُشَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾(١). اهـ. وللعسكريِّ نحوه، وقد قدَّمنا لك غيرَ مرَّةٍ أنَّ المذهبَ الحقَّ على ما بيَّنه علَّامةُ المتأخرين الكورانيُّ وأَلَّف فيه عدَّةَ رسائل أنَّ للعبد قدرة مؤثرة بإذن الله تعالى، لا أنه لا قدرةَ له أصلاً كما يقول الجبرية، ولا أنَّ له قدرةً مقارنةً غير مؤثرةٍ كما هو المشهور عند الأشعرية، ولا أنَّ له قدرةً مؤثرةً وإن لم يأذن الله تعالى(٢) كما يقول المعتزلة، وأن له اختياراً أُعطيه بعد طلب استعداده الثابتِ في علم الله تعالى له، فللعبد في هذا المذهب اختيارٌ، والعبدُ مجبورٌ فيه، بمعنى أنه لا بدَّ من أن يكونَ له لأنَّ استعدادَهُ الأزليَّ الغيرَ المجعول قد طلبه من الجواد المطلق والحكيم الذي يضعُ الأشياءَ في مواضعها، والإثابةُ والتعذيبُ إنما يترتَّبان على الاستعداد للخير والشر الثابت في نفس الأمر، والخيرُ والشرُّ يدلَان على ذلك نحو دلالة الأثر على المؤثِّر والغاية على ذي الغاية، ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: ٣٣]، ومن وَجَدَ خيراً فليَحْمَدِ اللهَ ومن وَجَدَ غيرَ ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه. وقال ابن المنير: إنَّ أهلَ السنة عن الإجبار بمعزِلٍ لأنهم يُثبتونَ للعبد قدرةً واختياراً وأفعالاً، وهم مع ذلك يُوحِّدونَ الله تعالى حقَّ توحيده، فيجعلون قدرته (١) الكشاف ٤٢٦/٢-٤٢٧. (٢) في (م): وإن لم يؤذن الله تعالى. سُورَةُ الْحَلِكَ ٢٨٢ الآية : ٩٤ سبحانه هي الموجدةَ والمؤثّرةَ، وقدرة العبد مقارنة فحسب، وبذلك يُميَّزُ بين الاختياريِّ والقَسْري، وتقومُ حُجَّةُ الله تعالى على عباده(١). اهـ. وهذا هو المشهور من مذهب الأشعرية، وهو كما ترى، وسيأتي إن شاء الله تعالى تمامُ الكلام في هذا المقام وما فيه من النَّقْضِ والإبرام. ﴿وَلَا نَتَّخِذُوَاْ أَيْمَنَّكُمْ دَخَلَا بَيْنَكُمْ﴾ قالوا: هو تصريحٌ بالنهي عن اتخاذ الأَيمان دَخَلاً بعد التضمين؛ لأنَّ الاتِّخاذَ المذكورَ فيما سبق وَقَعَ قيداً للمنهيِّ عنه، فكان منهيًّا عنه ضمْناً تأكيداً ومبالغةً في قُبْح المنهيِّ عنه، وتمهيداً لقوله تعالى: ﴿فَنَزِلَ قَدَمٌ﴾ عن مَحَجَّةِ الحقِّ ﴿بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾ عليها ورسوخها فيها بالإيمان، وقيل: ما تقدَّم كان نهياً عن الدخول في الحَلِفِ ونقض العهد بالقِلَّة والكَثْرة، وما هنا نهيٌ عن الدَّخَل في الأَيمان التي يُرادُ بها اقتطاعُ الحقوق، فكأنه قيل: لا تتخذوا أيمانكم دَخَلاً بينكم لتتوصَّلوا بذلك إلى قَطْعِ حقوق المسلمين. وقال أبو حيان: لم يتكرَّر النهيُّ، فإنَّ ما سَبَقَ إخبارٌ بأنهم اتَّخذوا أيمانهم دَخَلاً مُعلَّلاً بشيءٍ خاصٍّ وهو أن تكونَ أمةٌ هي أَربى من أمة، وجاءَ النهيُّ المستأنَفُ الإنشائيُّ عن اتخاذ الأَيمان دَخَلاً على العموم، فيشملُ جميعَ الصور من الحَلِفِ في المبايعة وقَطْع الحقوق المالية وغير ذلك(٢). ورُدَّ بأنَّ قيد المنهيِّ عنه منهيٌّ عنه، فليس إخباراً صِرْفاً ولا عمومَ في الثاني؛ لأنَّ قوله تعالى: (فَزِلَ) إلخ إشارةٌ إلى العِلَّة السابقة إجمالاً، على أنه قد يقال: إنَّ الخاصَّ مذكورٌ في ضمن العامِّ أيضاً، فلا محيصَ عن التكرار أيضاً، ولو سَلِمَ ما ذكره. فتأمل، ونُصب ((تزلَّ)) بـ ((أن)) مضمرةً في جواب النهي لبيان ما يترتَّبُ عليه ويقتضيه، قال في ((البحر)): وهو استعارةٌ للوقوع في أمرٍ عظيمٍ؛ لأنَّ القَدَمَ إذا زلَّتِ انقلبَ الإنسانُ من حالٍ خيرٍ إلى حالٍ شرٌّ(٣). وتوحيدُ القدم وتنكريها - كما قال الزمخشريُّ - للإيذان بأنَّ زللَ قدمٍ واحدة أيّ (١) الانتصاف بهامش الكشاف ٤٢٦/٢-٤٢٧. (٢) البحر المحيط ٥/ ٥٣٢. (٣) البحر المحيط ٥/ ٥٣٢. الآية : ٩٤ ٢٨٣ سُؤَدَّةُ الْحَ قَدَمٍ كانتْ عَزَّتْ أو هانتْ محذورٌ عظيمٌ، فكيف بأقدام(١). وقال أبو حيان: إنَّ الجمعَ تارةً يُلْحَظُ فيه المجموع من حيث هو مجموعٌ، وتارةً يُلْحَظُ فيه كلُّ فردٍ فردٍ، وفي الأول يكونُ الإسنادُ معتبراً فيه الجمعية، وفي الثاني يكون الإسنادُ مطابقاً للفظ الجمع كثيراً، فيجمع ما أسند إليه، ومطابقاً لكلِّ فردٍ فيُفرد كقوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَمُنَّ مُتَكًا﴾ [يوسف: ٣١] فأفرد المتَّكأ لما لوحظ في ((لهنَّ» كلُّ واحدةٍ منهنَّ، ولو جاء مراداً به الجمعية أو على الكثير في الوجه الثاني لجمع، وعلى هذا ينبغي أن يُحمل قوله: يموتُ ويفنى فارضخي من وعائيا(٢) فإني وجدتُ الضامرينَ متاعَهم أي: كلّ ضامر، ولذا أفردَ الضميرَ في ((يموت)) و((يفنى)) ولمَّا كان المعنى هنا: لا يَتَّخذْ كلُّ واحدٍ منكم، جاء: ((فتزلَّ قدمٌ)) مراعاةً لهذا المعنى، ثم قال سبحانه: ﴿وَتَذُوقُواْ السُّوَءَ﴾ مراعاةً للمجموع، أو للفظ الجمع على وجه الكثير إذا قلنا: إنَّ الإسنادَ لكلِّ فردٍ فردٍ فتكونُ الآيةُ قد تعرَّضتْ للنهي عن اتخاذ الأيمان دَخَلاً باعتبار المجموع وباعتبار كلِّ فردٍ، ودلَّ على ذلك بإفراد ((قدم)) وجَمْعِ الضمير في (وتذوقوا))(٣) . وتُعقِّبَ بأنَّ ما ذكره الزمخشريِّ نكتةٌ سُرِّيَّةٌ، وهذا توجيهٌ للإفراد من جهة العربية، فلا ينافي النكتةَ المذكورة. والمراد من السوءِ العذابُ الدنيويُّ من القتل والأَسْر والنَّهْب والجلاء وغير ذلك مما يسوء. ولا يخفى ما في ((تذوقوا)) من الاستعارة. ﴿بِمَا صَدَدْتُمْ﴾ أي: بسبب صدودكم وإعراضكم، أو صَدِّ غيركم ومنعه ﴿عَنْ سَبِيلِ الَّهِ﴾ الذي ينتظمُ الوفاء بالعهود والأَيمان، فإنَّ مَنْ نَقَضَ البيعةَ وارتدَّ جعل ذلك سنةً لغيره يتبعه فيها من بعده من أهل الشقاء والإعراض عن الحقِّ، فيكونُ صادًّا عن السبيل. (١) الكشاف ٢/ ٤٢٧. (٢) نسبه ابن منظور في اللسان (حظل) لمنظور الدُّبيري، وينظر الأمالي للقالي ٢١٢/٢. (٣) البحر المحيط ٥٣٢/٥ -٥٣٣ ٠ سُورَةُ الفَ ٢٨٤ الآية : ٩٥ ، ٩٦ وجعل هذا بعضُهم دليلاً أنَّ الآيةَ فيمن بايعَ رسولَ الله ◌َّ، وهو كما ترى. ﴿وَلَكُ﴾ في الآخرة ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾﴾ لا يعلم عِظَمهُ إلا الله تعالى. ﴿وَلَا تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ المراد به عند كثيرٍ بيعةُ رسول الله مَّز على الإيمان، والاشتراءُ مجازٌ عن الاستبدال لمكان قوله تعالى: ﴿ثَمَنَّا قَلِيلًا﴾ فإنَّ الثمنَ مشترَى به لا مشترَى(١)، أي: لا تأخذوا بمقابلة عهده تعالى عِوَضاً يسيراً من الدنيا، قال الزمخشريُّ: كان قومٌ ممن أسلم بمكة زَيَّنَ لهم الشيطانُ لجزعهم مما رأوا من غلبة قريش واستضعافهم المسلمينَ وإيذائهم لهم ولما كانوا يَعِدُونهم من المواعيد إن رجعوا أن ينقضوا ما بايعوا عليه رسول الله وَله، فئبَّتهم الله تعالى بهذه الآية، ونهاهم عن أن يستبدلوا ذلك بما وعدوهم به من عَرَضِ الدنيا (٢). وقال ابن عطية: هذا نهيٌّ عن الرِّشا وأَخْذِ الأموال على تَرْك ما يجبُ على الآخذ فِعْلُهُ، أو فعلُ ما يجب عليه تركه(٣). فالمراد بعهد الله تعالى ما يعمُّ ما تقدَّم وغيره، ولا يخفى حسنه. ﴿إِنَّمَا عِندَ الَهِ﴾ أي: ما أَخبأهُ وادَّخرهُ لكم في الدنيا والآخرة ﴿هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ من ذلك الثمن القليل ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾﴾ أي: إن كنتم من أهل العلم والتمييز، فالفعلُ منزَّلٌ منزلةَ اللازم، وقيل: متعدٍّ، والمفعولُ محذوفٌ، وهو فَضْلُ ما بين العِوَضين. والأولُ أبلغُ ومستغنٍ عن التقدير. وفي التعبير بـ ((إن)) ما لا يخفى، والجملةُ تعليلٌ للنهي على طريقة التحقيق، كما أنَّ قوله تعالى: ﴿مَا عِندَكُمْ﴾ إلخ تعليلٌ للخيرية بطريق الاستئناف، أي: ما تتمتَّعون به من نعيم الدنيا، بل الدنيا وما فيها جميعاً ﴿يَنَفَدُ﴾ ينقضي ويفنى، وإن جَمَّ عددهُ وطالَ مددُهُ، يقال: نَفِدَ بكَسْر العين يَنْفَدُ بفتحها نَفاداً ونُفوداً، إذا ذهب وفني، وأما نَفَذَ بالذال المعجَمة فبفتح العين ومضارعه يَنْفُذُ بضمُّها . ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ من خزائن رحمته الدنيوية والأخروية ﴿بَائِ﴾ لا نفاد له؛ (١) في (م): فإن الثمن مشترى لا مشترى به. والمثبت من الأصل. (٢) الكشاف ٢/ ٤٢٧ . (٣) المحرر الوجيز ٤١٩/٣. الآية : ٩٦ ٢٨٥ سُوَّةُ الْحَكِ أما الأخروية فظاهرٌ، وأما الدنيوية فحيثُ كانت موصولةً بالأُخروية ومستتبِعةً لها، فقد انتظمتْ في سِلْكِ الباقيات الصالحات. وأخرج ابنُ أبي حاتم عن ابن جبير أنَّ المرادَ بما عند الله في الموضعين الثوابُ الأُخرويُّ(١). واختاره بعضُ الأئمة، وفي إيثار الاسم على صيغة المضارع من الدلالة على الدوام ما لا يخفى. ورُدَّ بالآية على جَهْم بن صفوان حيث زَعَمَ أنَّ نعيمَ الجنة منقطعٌ. وقوله تعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ﴾ بنون العَظَمة، وهي قراءة عاصمٍ وابن كثير على طريقة الالتفات من الغَيبة إلى التكلُّم تكريرٌ للوعد المستفاد من قوله سبحانه: (إِنَّمَا عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُنْ) على نهج التوكيد القَسَمِيِّ مبالغةً في الحمل على الثبات على العهد. وقرأ باقي السبعة بالياء(٢)، فلا التفات. والعدول عما يقتضيه ظاهر الحال من أن يقال: ولنجزينكم - بالنون أو بالياء - أَجركم بأحسن ما كنتم تعملون؛ للتوسُّل إلى التعرُّض لأعمالهم، والإشعار بعلَِّتها للجزاء، أي: والله لنجزينَّ ﴿الَّذِينَ صَبَرُوَا﴾ على العهد أو على أذية المشركين ومشاقٌّ الإسلام التي من جملتها الوفاءُ بالعهود، وإن وَعَدَ المعاهدون على نَقْضِها بما وعدوا ﴿أَجْرَهُمْ﴾ مفعولٌ لـ ((نجزينَّ)) أي: لنعطينَّهم أَجْرَهم الخاصَّ بهم بمقابلة صبرهم ﴿بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾﴾ وهو الصبر، فإنه من الأعمال القلبية، والكلامُ على حَذْفِ مضافٍ، أي: لنجزينَّهم بجزاء صَبْرهم، وكان الصبرُ أحسنَ الأعمال لاحتياج جميع التكاليف إليه، فهو رأسُها. قاله أبو حيان(٣). وفي ((إرشاد العقل السليم)): إنما أُضيفَ الأحسنُ إلى ما ذُكر للإشعار بكمال حُسْنه كما في قوله تعالى: ﴿وَحُسْنَ ثَّوَابٍ اُلْآَخِرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤٨] لا لإفادة قَصْر الجزاء على الأحسن منه دون الحَسَن، فإن ذلك مما لا يَخطُرُ ببالِ أحدٍ، لا سيَّما بعد قوله تعالى: (أَجْرَهُم) فالإضافة للترغيب. (١) تفسير ابن أبي حاتم ٢٣٠٠/٧-٢٣٠١. (٢) التيسير ص١٣٨، والنشر ٣٠٥/٢. (٣) البحر المحيط ٥٣٣/٥. سُؤَدَّةُ الْحَلِآَ ٢٨٦ الآية : ٩٧ وجُوِّزَ أن يكونَ المعنى: لنجزيَّنهم بحَسَبٍ أَحسنِ أفراد أعمالهم، أي: لنعطينَّهم بمقابلة الفرد الأدنى من أعمالهم ما نعطيه بمقابلة الفرد الأعلى منها من الأجر الجزيل، لا أنَّا نعطي الأجرَ بحَسَبِ أفرادها المتفاوتة في مراتب الحُسْنِ بأنْ نجزيَ الحَسَنَ منها بالحَسَنِ والأحْسَنَ بالأحسن، وفيه ما لا يخفى من العِدَةِ الجميلةِ باغتفار ما عسى يعتريهم في تضاعيف الصَّبر من بعض جَزَعِ ونَظْمه في سِلْكِ الصبر الجميل، وأن يكون ((أحسن)) صفة جزاءٍ محذوفاً، والإضافةُ على معنى ((من)) التفضيلية أي: لنجزينَّهم بجزاءٍ أحسن من أعمالهم، وكونه أحسن لمضاعفته، وقيل: المراد بالأَحسن ما ترجَّح فِعْلُه على تركه كالواجبات والمندوبات، أو بما ترجَّح تركه أيضاً كالمحرَّمات والمكروهات، والحسن ما لم يترجَّحْ فِعلُهُ ولا تَرْكه وهو لا يثاب عليه. وتعقّبه في ((الإرشاد)) بأنه لا يُساعده مقامُ الحَثِّ على الثبات على ما هم عليه من الأعمال الحَسَنة المخصوصة، والترغيب في تحصيل ثمراتها، بل التعرُّض لإخراج بعض أعمالهم من مدارية الجزاء من قبيل تحجير الرحمة الواسعة في مقام توسيع حماها(١). وقيل: المراد بالأحسن النفلُ، وكان أحسن؛ لأنه لم يُحتَّمْ بل يأتي الإنسانُ به مختاراً غير مُلزَم، وإذا علمتَ المجازاةَ على النفل الذي هو أحسن علمتَ المجازاة على الفرض الذي هو حَسَنٌّ، ولا يخفى أنه ليس بحَسَنِ أصلاً . ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا﴾ أي: عملاً صالحاً أيَّ عملٍ كان، وهذا - كما قيل - شروعٌ في تحريض كافة المؤمنين على كلِّ عملٍ صالحِ غبَّ ترغيبٍ طائفةٍ منهم في الثبات على ما هم عليه من عملٍ صالحِ مخصوصِ دَفْعاً لتوهُّم الأجر الموفور بهم وبعملهم، وقوله تعالى: ﴿مِّن ذَكَّرٍ أَوْ أُنْتَى﴾ دَفْعٌ لتوهُم تخصيص ((مَنْ)) بالذكور لتبادرهم من ظاهر لفظ ((من) فإنه مُذَكّرٌ، وعاد عليه ضميره وإن شَمِلَ النوعين وَضْعاً على الأصح، واستُدلَّ عليه بما رواه الترمذيُّ من قوله ◌َّهِ: ((من جَرَّ ثوبه خُيَلاء، لم ينظر الله تعالى إليه)) وقول أمِّ سلمة: فكيف تصنع النساء بذيولهنَّ ... الحديث(٢)، (١) إرشاد العقل السليم ١٣٨/٥-١٣٩. (٢) سنن الترمذي (١٧٣١) وقال: حديث حسن صحيح. وأخرجه أحمد (٥٣٥١)، والبخاري (٣٦٦٥) دون ذکر قول أم سلمة پا. الآية : ٩٧ ٢٨٧ سُورَةُ الْفَحَالِ فإنَّ أَمَّ سلمةَ ﴿َّا فهمتْ دخولَ النساء في ((مَنْ)) وأقرَّها على ذلك رسول الله وَّهِ، وبأنهم أجمعوا على أنه لو قال: مَنْ دخلَ داري فهو حرٌّ، فدخلها الإماءُ عَتَقْنَ. وبعضهم يستدلُّ على ذلك أيضاً بهذه الآية؛ إذ لولا تناوله الأنثى وَضْعاً لما صحَّ أن يُبيّنَ بالنوعين. وفي ((الكشف)): كان الظاهر تناوله للذكور من حيث إنَّ الإناثَ لا يدخلنَ في أكثر الأحكام والمحاورات، وإن كان التناولُ على طريق التعميم والتغليب حاصلاً، لكن لمَّا أُريدَ التنصيصُ ليكون أغبط للفريقين ونصًّا في تناولهما بُيِّنَ بذِكْر النوعين. اهـ. والقولُ الأصحُّ أنَّ التناولَ لا يحتاجُ إلى التغليب، وتمام الكلام في ذلك في کتب الأصول. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ في موضع الحال من فاعل ((عمل)) وقُيِّدَ به إذ لا اعتدادَ بأعمال الكَفَرة الصالحة في استحقاق الثواب إجماعاً، واختلف في ترتُّبِ تخفيف العقاب عليها، فقال بعضهم: لا يترتَّبُ أيضاً لقوله تعالى: (وَإِذَا رَءَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ الْعَذَابَ فَلَ يُخَنَّفُ عَنْهُمْ) وقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَهُ هَبَآءُ مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]. وقال الإمام(١): إنَّ إفادةَ العمل الصالح لتخفيف العقاب غيرُ مشروطةٍ بالإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] وحديث أبي طالب أنه أخفُّ الناس عذاباً لمحبَّته وحمايته النبيَّ وَّ (٢). وفي ((البحر)) أنَّ قوله تعالى: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ) مخصَّصٌ بهذه الآية ونحوها، أو يراد بمثقال ذرةٍ: مثقالُ ذَرَّةٍ من إيمانٍ، كما جاء فيمن يخرج من النار من عصاة المؤمنين(٣). (١) التفسير الكبير ٢٠/ ١١٢ بنحوه. (٢) أخرجه أحمد (١٧٦٣)، والبخاري (٣٨٨٣)، ومسلم (٢٠٩) من حديث ◌ُه . العباس بن عبد المطلب نقـ (٣) البحر المحيط ٥٣٣/٥، والحديث أخرجه البخاري (٢٢)، ومسلم (١٨٤) من حديث . أبي سعيد الخدري سُورَةُ الْحَآ ٢٨٨ الآية : ٩٧ وقال الكرمانيُّ: إن تخفيفَ العذاب عن أبي طالبٍ ليس جزاءً لعمله، بل هو الرجاء غيره، أو هو من خصائص نبيِّنا عليه الصلاة والسلام. وقال بعضهم: الإيمانُ شَرْطٌ لترتُّبِ التخفيف على الأعمال الصالحة إذا كانت مما يتوقّفُ صحَّتها على النية التي لا تصحُّ من كافٍ، وليس شرطاً للترتُّب عليها إذا لم تكن كذلك. وسيأتي إن شاء الله تعالى تمامُ الكلام في هذا المقام. وإيثارُ الجملة الاسمية لإفادة وجوب دوام الإيمان ومقارنته للعمل الصالح في ترتّب قوله تعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ، حَيَوَةٌ طَيِّبَةٌ﴾ إلخ، والمراد بالحياة الطيبة الحياةُ التي تكونُ في الجنة؛ إذ هناك حياةٌ بلا موتٍ، وغنّى بلا فقر، وصحةٌ بلا سَقَم، ومُلْكٌ بلا هُلْك، وسعادةٌ بلا شقاوة. أخرج ابن جرير وابن المنذر وغيرهما عن الحسن قال: ما تطيب الحياة لأحدٍ إلا في الجنة (١). وروي نحوه عن مجاهد وقتادة وابن زيد(٢)، والله تعالى دَرُّ مَنْ قال: لذَّاتُهُ بادِّكار الموتِ والهرم لا طيبَ للعيش ما دامت منشَّصةً وقال شريك: هي حياةٌ تكون في البرزخ، فقد جاء: ((القبرُ روضةٌ من رياض الجنةِ، أو حفرةٌ من حُفَر النار))(٣). وقال غير واحد: هي في الدنيا، وأُريد بها حياةٌ تصحَبُها القناعةُ والرضا بما قَسَمَهُ الله تعالى له وقدَّره، فقد أخرج البيهقيُّ في ((الشعب)) والحاكم وصححه، وابن أبي حاتم وغيرهم عن ابن عباس ﴿ًا أنه فسَّرها بذلك وقال: كان رسول الله وَل﴿ يدعو: ((اللهمَّ قَنِّعني بما رزقتني وبارك لي فيه، واخلفْ عليَّ كلَّ غائبةٍ لي بخير))(٤)، وجاء: ((القناعةُ مالٌ لا ينفد))(٥). (١) تفسير الطبري ٣٥٣/١٤، ونسبه لابن المنذر السيوطي في الدر المنثور ١٣٠/٤. (٢) ينظر تفسير الطبري ١٤/ ٣٥٣-٣٥٤. (٣) أخرجه الترمذي (٢٤٦٠) من حديث أبي سعيد الخدري ـ ٠ (٤) الدر المنثور ٤/ ١٣٠، وشعب الإيمان (٤٠٤٧)، والمستدرك ٤٥٥/١ و٥١٠. (٥) أخرجه العقيلي في الضعفاء ٢٣٣/٢، والطبراني في الأوسط (٦٩١٨). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٥٦/١٠: فيه خالد بن إسماعيل المخزومي، وهو متروك. الآية : ٩٧ ٢٨٩ سُورَةُ الْحَمِ وقال أبو بكر الورّاق: هي حياةٌ تصحَبها حلاوةُ الطاعة، وأخرج عبد الرزاق(١) وغيره عن ابن عباسٍ أنه سُئل عن ذلك فقال: الحياةُ الطيبةُ: الرزقُ الحلال، وروي عن الضحاك. ووَجَّهَ بعضُهم طِيبَ هذه الحياة بأنه لا يترتَّبُ عليها عقابٌ، بخلاف الحياة بالرزق الحرام فقد جاء: ((أيُّما لحم نبتَ من سُحْتٍ فالنارُ أَولى به))(٢) وهو كما ترى، وقيل غير ذلك؛ وأولى الأقوال على تقدير أن يكونَ ذلك في الدنيا تفسيرها بما يَصحبه القناعة. قال الواحديُّ: إنَّ تفسيرَها بذلك حَسَنٌ مختارٌ، فإنه لا يطيبُ في الدنيا إلا عيشُ القانع، وأما الحريصُ فإنه أبداً في الكَدِّ والعَناء، وقال الإمام: إنَّ عيشَ المؤمن في الدنيا أطيبُ من عيش الكافر لوجوه: الأول: أنه لما عَرَفَ أنَّ رزقَهُ إنما حَصَلَ بتدبير الله تعالى، وأنه سبحانه مُحسنٌ كريمٌ لا يفعلُ إلا الصوابَ، كان راضياً بكلِّ ما قضاه وقدَّره، وعَرَفَ أنَّ مصلحتهُ في ذلك، وأما الجاهلُ فلا يعرفُ هذه الأصول، فكان أبداً في الحزن والشقاء. الثاني: أنَّ المؤمنَ يستحضرُ أبداً في عقله أنواعَ المصائب والمِحَنِ، ويُقدِّرُ وقوعَها، ويجدُ نفسَهُ راضيةً بذلك، فعند الوقوع لا يستعظمها، بخلاف الجاهل فإنه غافلٌ عن تلك المعارف، فعند وقوع المصائب يَعظُمُ تأثيرها في قلبه. الثالث: أنَّ المؤمنَ منشرحٌ بنور معرفة الله تعالى، والقلبُ إذا كان مملوءاً بالمعرفة لم يتَّسعْ للأحزان الواقعة بسبب أحوال الدنيا، وأما الجاهلُ فقلبهُ خالٍ عن المعرفة، متفرٌِّ للأحزان من المصائب الدنيوية. الرابع: أنَّ المؤمنَ عارفٌ أنَّ خيراتِ الحياة الجسمانية خسيسةٌ، فلا يَعُمُ فرحهُ بوجدانها، ولا غَمُّهُ بفقدانها، والجاهلُ لا يعرفُ سعادةً أخرى تغايرها، فيعظمُ فرحهُ بوجدانها وغمُّهُ بفقدانها . (١) كما في الدر المنثور ١٣٠/٤، وأخرجه - أيضاً - الطبري ١٤/ ٣٥٠. (٢) أخرجه أحمد (١٤٤٤١) من حديث جابر بن عبد الله حوله، والترمذي (٦١٤) من حديث کعب بن عجرة سُورَةُ الْحَالِ ٢٩٠ الآية : ٩٧ الخامس: أنَّ المؤمنَ يعلمُ أنَّ خيراتِ الدنيا واجبةُ التغير، سريعةُ الزوال، ولولا تغيرُها وانقلابها ما وصلتْ إليه، فعند وصولها إليه لا يتعلَّقُ بها قلبه، ولا يعانقها معانقةَ العاشق، فلا يحزنهُ فواتُها، والجاهلُ بخلاف ذلك(١). اهـ. وللبحث فيه مجال. وأُورد على التفسير المختار أنَّ بعضَ مَنْ عملَ صالحاً وهو مؤمنٌ لم يُرزَقِ القناعةَ، بل قد ابتلي بالقُنوع(٢)، وأُجيب بأنَّ المرادَ بالمؤمن مَنْ كَمَلَ إيمانه، أو يقال: المراد بـ: ((مَنْ عمل صالحاً)) من كان جميعُ عمله صالحاً. وقال البيضاويُّ في بيان ترتُّب إحيائه حياةً طيبةً: إنه إن كان مُعسراً فظاهرٌ، وان كان مُوسراً فَطيبُ عيشهِ بالقناعة والرضا بالقسمة وتوقّع الأجر العظيم في الآخرة (٣)، أي: على تخلُّفِ بعض مراداته عنه وضَنكِ عيشه. فقال الخفاجيُّ: إنَّ هذه الأمورَ لابدَّ من وجود بعضِها في المؤمن. والأخير - يعني: توقُّع الأجر في الآخرة - عامٌّ شاملٌ لكلِّ مؤمنٍ، فلا يردُ عليه أنَّ هذا لا يُوجدُ في كلِّ مَنْ عمل صالحاً حتى يُؤْوَّلَ المؤمنُ بمَنْ كَمَّلَ إيمانه (٤) .. إلى آخر ما سمعت. وتُعقِّبَ بأنَّ القناعةَ هي الرضا بالقِسْم كما في ((القاموس»(٥) وغيره، وتوقّع الأجر العظيم لا يوجد بدون ذلك، وكيف يحصلُ الأجرُ على تخلُّف المراد وضَنكِ العيش مع الجزع وعدم الرضا، وكلامه ظاهرٌ في تحقُّق هذا التوقُّع وإن لم يكن هناك قناعةٌ ورضاً، ولا يكاد يقعُ هذا من مؤمنٍ عارفٍ، فلا بدَّ من التأويل. وبحث بعضُهم فيه أيضاً بأنَّ كمالَ الإيمان لا يكون بدون الرضا، وكذا كونُ جميع الأعمال صالحة لا يوجد بدونه؛ لأنَّ الأعمالَ تشملُ القلبيةَ والقالبية، والرضا من النوع الأول. (١) تفسير الرازي ١١٢/٢٠-١١٣. (٢) القُنوع: السؤال والتذلل، والرضا بالقِسْم، ضِدٌّ، ومن دعائهم: نسأل الله القناعة ونعوذ بالله من القنوع. القاموس المحيط (قنع). (٣) كذا في الأصل و(م)، والصواب: إنه إن كان موسراً فظاهر، وإن كان معسراً فطيب .... كما في تفسير البيضاوي (٣٦٧/٥ بهامش حاشية الشهاب). (٤) حاشية الشهاب ٣٦٧/٥. (٥) مادة (قنع). الآية : ٩٧ ٢٩١ سُوَرَّةُ الْحَالِ والمراد من ((لنحيينه حياة طيبة)): لنعطينَّه ما تطيبُ به حياته، فيؤوَّلُ معنى الآية حينئذٍ على تقدير أن يُرادَ القناعةُ والرضا: مَنْ رضيَ بالقِسْمة وفَعَلَ كذا كذا وهو مؤمنٌ، أو مَنْ عملَ صالحاً وهو راضٍ بالقِسْمة منَّصفٌ بكذا وكذا مما فيه كمالُ الإيمان، فلنعطينَّهُ الرضا بالقِسْمة الذي تطيبُ به حياته، ويتضمَّنُ مَنْ رضيَ بالقِسْمة فلنعطينَّهُ الرضا بالقِسْمة الذي تطيبُ به حیاته، وهو كما ترى، وفيه ما لا يخفى. نعم تفسيرُ الحياة الطيبة بما يكونُ في الجنة سالمٌ عن هذا القيل والقال، ويُرادُ بها ما سَلِمَتْ من توِهُّم الموتِ والهرم وحلول الألم والسَّقَم، فيكونُ قوله تعالى: (فَنُحْيِيَنَّهُ، حَيَوَةً طَيِّبَةٌ) إشارة إلى دَرْءِ المفاسد، وقوله سبحانه: ﴿وَلَنَجْزِّنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾﴾ إشارة إلى جَلْب المصالح، ولكَوْن الأول أهم قُدِّم فليتأمل، وكأنَّ المراد: ولنجزيَّهم ... إلخ حسبما يُفْعَلُ بالصابرين، فليس في الآية شائبةُ تكرارٍ كما زعم الطبرسي (١) . والجمعُ في الضمائر العائدة إلى الموصول لمراعاة جانب المعنى، كما أنَّ الإفراد فيما سلف لرعاية جانب اللفظ، وإيثارُ ذلك على العكس بناءً على كون الإحياء حياةً طيبة في الدنيا، وجزاء الأجر في الآخرة لما أنَّ وقوعَ الجزاء بطريق الاجتماع المناسب للجمعية، ووقوع ما في حَيِّز الصلة وما يترتب عليه بطريق الافتراق والتعاقب الملائم للإفراد، وقيل - بناءً على كون ذلك في الآخرة - إنَّ الجمعَ والإفرادَ لما تقدم، وكذا إيثارُ ذلك على العكس فيما عدا ضمير (النحيينَّه)) وأما في ضميره فلما أنَّ الإحياءَ حياةً طيبةً بمعنى: ما سلمتْ مما تقدَّم، أمرٌ واحدٌ في الجميع لا يتفاوتُ فيه أهل الجنة، فكأنهم في ذلك شيءٌ واحد، ولمَّا لم يكن الجزاءُ كذلك، وكان أهلُ الجنة فيه متفاوتين، جيءَ بضمير الجمع معه، فتأمل كلَّ ذلك. وروي عن نافع أنه قرأ: ((وليجزينَّهم)) بالياء على الالتفات من التكلُّم إلى الغَيبة(٢). (١) في مجمع البيان ١٤/ ١٢٢ . (٢) المحرر الوجيز ٤١٩/٣، والبحر المحيط ٥٣٤/٥. سُورَةُ الْحَالِ ٢٩٢ الآية : ٩٨ قال أبو حيان: وينبغي أن يكون ذلك على تقدير قَسَم ثانٍ لا معطوفاً على ((فلنحيينه)) فيكونُ من عَطْفِ جملةٍ قَسَميةٍ على مثلها، وكلتاهماً محذوفتان، ولا يكونُ من عَظْفِ جوابٍ على مثله لتغايرِ الإسناد وإفضاءِ الثاني إلى إخبار المتكلِّم عن نفسه إخبارَ الغائب، وذلك لا يجوز، وعلى هذا لا يجوز: زيدٌ قال: لأضربنَّ هنداً ولينفيَّها، تريد: ولينفينَّها زيدٌ، فإنْ جعلته على إضمار قَسَم ثانٍ جازَ، أي: وقال زيدٌ: لينفينَّها؛ لأنَّ لك في هذا التركيب حكاية المعنى وحكاية اللفظ، ومن الثاني: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَاً إِلَّا الْحُسْنَى﴾ [التوبة: ١٠٧] ومن الأول ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ [التوبة: ٧٤] ولو حُكي اللفظُ قيل ما قلنا (١). اهـ. واستدلَّ بالآية على أنَّ الإيمانَ مغايرٌ للعمل الصالح مغايرةَ الشرط للمشروط. هذا، وإذ قد انتهى الأمرُ إلى مدار الجزاء - وهو صلاحُ العمل وحُسْنهُ ـ رُتِّب عليه بالفاء الإرشادُ إلى ما به يحسنُ العمل الصالح، ويخلص عن شَوْب الفساد فقيل: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرَْنَ فَأَسْتَعِذْ بِلَّهِ﴾ أي: إذا أردتَ قراءةَ القرآن فاسأله عزَّ جارهُ أن يُعيذك ﴿مِنَ﴾ وساوس ﴿الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ ﴾﴾ كيلا يوسوسك في القراءة، فالقراءةُ مجازٌ مرسلٌ عن إرادتها إطلاقاً لاسم المسبّب على السبب، وكيفيةُ الاستعاذة عند الجمهور من القرَّاء وغيرهم: أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم؛ لتضافر الروايات على أنه وَ لّهِ كان يستعيذُ كذلك. وروى الثعلبيُّ والواحديُّ أنَّ ابنَ مسعودٍ قرأ عليه عليه الصلاة والسلام فقال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. فقال له وَلجر: ((يا ابن أمِّ عبدٍ قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، هكذا أقرأنيه جبريلُ عن القلم عن اللوح المحفوظ))(٢)، نعم أخرج أبو داود والبيهقيُّ عن عائشة ﴿ّا فِي ذِكْرِ الإفك، قالت: جلس رسول الله * وكشف عن وجهه وقال: ((أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُو بِآلْإِفْكِ﴾ الآية(٣) [النور: ١١]، وأخرجا عن أبي سعيد أنه قال: كان رسول الله عليه الصلاة والسلام إذا قام من الليل فاستفتح الصلاة (١) البحر المحيط ٥٣٤/٥. (٢) أخرجه الواحدي في الوسيط ٨٣/٣-٨٤. (٣) أبو داود (٧٨٥)، والبيهقي ٤٣/٢. الآية : ٩٨ ٢٩٣ سُوَرَّةُ الْحَ قال: ((سبحانك اللهمَّ وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جَدُّكَ، ولا إله غيرك، ثم يقول: أعوذ بالله السميع العليم))(١) إلخ وبذلك أخذ من استعاذ كذلك. وفي ((الهداية)): الأولى أن يقول: أستعيذ بالله؛ ليوافق القرآن، ويَقُرُب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (٢). والمختار ما سمعتَ أولاً؛ لأن لفظ ((استعذ)» طلبُ العَوْذ، وقوله: ((أعوذ)) امتثالٌ مطابقٌ لمقتضاه. والقُرْبُ من اللفظ مُهدَرٌ، ويكفي لأولوية ما عليه الجمهور مجيئه في المأثور، وقال بعضُ أصحابنا: لا ينبغي أن يزيد المتعوِّذُ: السميعَ العليم؛ لأنه ثناءٌ، وما بعد التعوُّذ محلٌّ القراءة، لا محلُّ الثناء، وفيه أنَّ هذا بعد تسليم الخبرين السابقين غيرُ سديدٍ، على أنه ليس في ذلك إتيانٌ بالثناء بعد التعوذ، بل إتيانٌ به في أثنائه كما لا يخفى. والأمرُ بها للندب عندهم، وأخرج عبد الرزاق في ((المصنف)) وابن المنذر (٣) عن عطاء - وروي عن الثوري - أنها واجبةٌ لكلِّ قراءةٍ في الصلاة أو غيرها، لهذه الآية. فحملا الأمر فيها على الوجوب نظراً إلى أنه حقيقةٌ فيه، وعدم صلاحية كونها لدفع الوسوسة في القراءة صارفاً عنه، بل يصحُّ شَرْعُ الوجوب معه. وأجيب بأنه خلافُ الإجماع، ويَبعدُ منهما أن يبتدعا قولاً خارقاً له من بعد علمهما بأنَّ ذلك لا يجوز، فالله تعالى أعلم بالصارف على قول الجمهور، وقد يقال: هو تعليمهُ وَّهالأعرابيَّ الصلاةَ، ولم يذكرها عليه الصلاة والسلام(٤). وقد يجاب بأنَّ تعليمه إياها بتعليمه ما هو من خصائصها، وهي ليست من واجباتها بل من واجبات القراءة، أو أنَّ كونها تقالُ عند القراءة كان ظاهراً معهوداً فاستغنى عن ذكرها، وفيه أنه لا يتأتَّى على ما ستسمع قريباً إن شاء الله تعالى من قول أبي يوسف عليه الرحمة. (١) سنن أبي داود (٧٧٥)، وسنن البيهقي ٣٤/٢، وهو عند أحمد (١١٤٧٣). وجاء في الأصل و(م): عن سعید، بدل: عن أبي سعيد. (٢) الهداية مع فتح القدير ٢٠٤/١. (٣) مصنف عبد الرزاق (٢٥٧٤)، وابن المنذر كما في الدر المنثور ١٣٠/٤. (٤) أخرجه البخاري (٧٥٧) من حديث أبي هريرة ﴿ه. سُورَةُ الْفَحَالِ ٢٩٤ الآية : ٩٨ وقال الخفاجيُّ: إنَّ حمل الأمر على الندب لما روي من ترك النبي وَّر لها (١). وإذا ثبت هذا كفى صارفاً . ومذهب ابن سيرين والنخعي - وهو أحد قولي الشافعي - أنها مشروعةٌ في القراءة في كلِّ ركعةٍ؛ لأنَّ الأمرَ مُعلَّقٌ على شرطٍ، فيتكررُ بتكرُّره كما في قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًّا فَأَطَّهَرُواْ﴾ [المائدة: ٦] وأيضاً حيث كانت مشروعةً في الركعة الأولى فهي مشروعةٌ في غيرها من الركعات قياساً للاشتراك في العلة. ومذهبُ أبي حنيفة - وهو القولُ الآخرُ للشافعيِّ - أنها مشروعةٌ في الأولى فقط؛ لأنَّ قراءةَ الصلاة كلَّها كقراءةٍ واحدة. وقيل: إنها عند الإمام أبي حنيفةً للصلاة، ولذا لا تكرُّرَ، والمذكور في ((الهداية)) وغيرها أنها عند الإمام ومحمد للقراءة دون الثناء، حتى يأتي بها المسبوقُ دون المقتدي، وقال أبو يوسف: إنها للثناء(٢). وفي ((الخلاصة)) أنه الأصح، وتظهرُ ثمرهُ الخلاف في ثلاث مسائل ذُكرت فيها، فما ذكره صاحب القيل لم نعثر عليه في كتب الأصحاب. ومالكٌ لا يرى التعوذَ في الصلاة المفروضة، ويراه في غيرها کقيام رمضان، والمرويُّ عنه في غير الصلاة فيما سمعتُ من بعض مقلِّديه. وعن أبي هريرة وابن سيرين وداود وحمزةَ من القرَّاء أنَّ الاستعاذةَ عَقِبَ القراءة أَخْذاً بظاهر الآية. وللجمهور ما رواه أئمةُ القراءة مسنداً عن نافع عن جبير بن مطعم أنه وَّ كان يقول قبل القراءة: ((أعوذ بالله من الشيطان الرجيم))(٣). قال في ((الكشف)): دلَّ الحديثُ على أنَّ التقديمَ هو السنة، فبقي سببية القراءة لها، والفاء في ((فاستعذ)) دلَّتْ على السببية، فلتُقَدَّرِ الإرادةُ ليصحَّ. وأيضاً الفراغُ عن العمل لا يناسبُ الاستعاذة من العدو، وإنما يناسبها الشروعُ فيه والتوسُّط، فلتُقَدَّرِ ليكونا - أي القراءة والاستعاذة - مسَّبيتين عن سببٍ واحدٍ لا يكون بينهما مجرَّد الصُّحبة الاتفاقية (١) حاشية الشهاب ٣٦٨/٥. (٢) الهداية ١/ ٢٠٤. (٣) أخرجه أحمد (١٦٧٨٤)، وأبو داود (٧٦٤)، وابن ماجه (٨٠٧). الآية : ٩٩ ٢٩٥ وَدَّةُ النَّعَلى التي تنافيها الفاء، وإليه أشار صاحب ((المفتاح)) (١) بقوله: بقرينة الفاء، والسنة المستفيضة. انتهى. ومنه يُعلم أنَّ ما قيل من أنَّ الفاءَ لا دلالةَ فيها على ما ذُكر، وأنَّ إجماعهم على صحة هذا المجاز يدلُّ على أنَّ القرينةَ المانعةَ عن إرادة الحقيقة ليس بشرط فيه = ليس بشيء؛ وكذا القولُ بالفَرْق بين الآية وقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوةِ فَأَغْسِلُواْ﴾ [المائدة: ٦] إلخ بأنَّ ثمة دليلاً قائماً على المجاز، فَتَرْكُ الظاهر له بخلاف ما نحن فيه . والظاهر أنَّ المرادَ بالشيطان إبليس وأعوانه، وقيل: هو عامٌّ في كلِّ متمرِّدٍ عاتٍ من جِنِّ وإنس، وتوجيهُ الخطاب إلى رسول الله وَّه وتخصيصُ قراءة القرآن من بين الأعمال الصالحة بالاستعاذة عند إرادتها؛ للتنبيه على أنها لغيره عليه الصلاة والسلام، وفي سائر الأعمال الصالحة أهمّ، فإنه نَّهِ حيث أُمِرَ بها عند قراءة القرآن الذي لا يأتيه الباطلُ من بين يديه ولا من خلفه، فما الظَّنُّ بمَنْ عداه عليه الصلاة والسلام فيما عدا القراءة من الأعمال. ﴿إِنَّهُ﴾ الضمير للشأن أو للشيطان ﴿لَيْسَ لَهُ، سُلْطَانُ﴾ تسلُّطُ واستيلاءٌ ﴿عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَى رَيْهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾﴾ أي: إليه تعالى لا إلى غيره سبحانه يفوِّضون أمورهم، وبه يعوذون، فالمراد نفيُ التسلَّط بعد الاستعاذة، فتكونُ الجملةُ تعليلاً للأمر بها، أو لجوابه المنويِّ، أي: إن يُعذكَ، ونحوه. وقال البعض: المراد نفي ذلك مطلقاً، قال أبو حيان: وهو الذي يقتضيه ظاهر الإخبار(٢). وتُعقّبَ بأنه إذا لم يكن له تسلُّطٌ فَلِمَ أُمروا بالاستعاذة منه. وأُجيب بأنَّ المرادَ نفيُ ما عَظُمَ من التسلُّطْ. وقد أخرج ابن جرير وغيره عن سفيان الثوري أنه قال في الآية: ليس له سلطانٌ على أن يحمِلَهم على ذنبٍ لا يُغفَرُ لهم(٣). والاستعاذةُ من المحتقَرات، فهم (١) مفتاح العلوم ص ٣٦٦. (٢) البحر المحيط ٥٣٥/٥. (٣) تفسير الطبري ٣٥٨/١٤-٣٥٩، وأخرجه - أيضاً - ابن أبي حاتم ٢٣٠٢/٧. سُؤَّةُ الْحَلَ ٢٩٦ الآية : ١٠٠ لا يطيعونَ أوامرهُ ولا يقبلون وساوسه إلا فيما يحتقرونه على ندورٍ وغفلة، فأُمروا بالاستعاذة منه لمزيد الاعتناء بحفظهم، وقد ذهب إلى هذا البيضاويُّ ثم قال: فَذِكْرُ السَّلطنة بعد الأمر بالاستعاذة؛ لئلا يتوهّم منه أنَّ له سلطاناً (١). وفي ((الكشف)) أنَّ هذه الجملةَ جاريةٌ مجرى البيان للاستعاذة المأمور بها، وأنه لا يكفي فيها مجردُ القول الفارغ عن اللَّجَأ إلى الله تعالى، واللَّجأُ إنما هو بالإيمان أولاً والتوكل ثانياً، وأيّاً ما كان فَوَجْهُ ترك العطف ظاهرٌ وإيثار صيغة الماضي في الصلة الأولى للدلالة على التحقيق، كما أنَّ اختيارَ صيغة الاستقبال في الثانية لإفادة الاستمرار التجدُّدي، وفي التعرُّض لوصف الربوبية تأكيدٌ لنفي السلطان عن المؤمنین المتوگِّلین. ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَّوَلَّوْنَهُ﴾ أي: يجعلونه والياً عليهم، فيحبُّونه ويُطيعونه ويستجيبون دعوته، فالمراد بالسلطان التسلُّطُ والولايةُ بالدعوة المستتبعة للاستجابة، لا ما يعمُّ ذلك والتسلط بالقَسْر والإلجاء، فإنَّ في جَعْل التولِّي صلة ((ما)) يفصح بنفي إرادة التسلّط القَسْري، فإنَّ المقسور بمعزِلٍ عنه بهذا المعنى، وقد ◌ُفي هذا أيضاً عن الكَفَرة في قوله تعالى حكاية عن اللَّعين: ﴿وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِ﴾ [إبراهيم: ٢٢]. ﴿وَلَّذِينَ هُم بِهِ﴾ أي: بسبب الشيطان وإغوائه إياهم ﴿مُشْرِكُونَ ﴾﴾ بالله تعالى، وقيل: أي: بإشراكهم الشيطانَ مشركون بالله تعالى، وجُوِّزَ أن يكون الضميرُ للربِّ تعالى شأنه، والباءُ للتعدية، وروي ذلك عن مجاهدٍ، ورُجِّحَ الأولُ باتحاد الضمائر فيه مع تبادره إلى الذهن. وفي ((إرشاد العقل السليم)) ما يشعر باختيار الأخير، وذكر فيه أيضاً أنَّ قَصْرَ سلطان اللَّعين على المذكورين غِبَّ نفيه عن المؤمنين المتوكّلين دليلٌ على أنه لا واسطةً في الخارج بين التوكُّل على الله تعالى وتولِّي الشيطانِ وإن كان بينهما واسطةٌ في المفهومِ، وأنَّ مَنْ لم يتوكّلْ عليه تعالى ينتظمُ في سلك من يتولَّى الشيطان من حيث لا يحتسب؛ إذ به يتمُّ التعليل، ففيه مبالغةٌ في الحمل على التوُّل والتحذير عن مقابله. (١) تفسير البيضاوي ١٩١/٣. الآية : ١٠١ ٢٩٧ سُورَةُ الْحَالَ وإيثارُ الجملة الفعلية الاستقبالية في الصِّلة الأولى لما مرَّ آنفاً، والاسمية في الثانية للدلالة على الثبات، وتكريرُ الموصول للاحتراز عن توقُّم كون الصِّلة الثانية حالية مفيدة لعدم دخول غير المشركين من أولياء الشيطان تحت سلطانه. وتقديم الأولى على الثانية التي هي بمقابلة الصِّلة الأولى فيما سلف لرعاية المقارنة بينها وبين ما يقابلها من التوكّل على الله تعالى، ولو رُوعي الترتيب السابقُ لا نفصلَ كلٌّ من القرينتين عما يقابلها(١). وقيل: لمَّا كان كلٌّ من الإيمان والتولِّي منشأٌ لما بعده قُدِّم عليه، وتقديمُ الجارِّ والمجرور لرعاية الفواصل. ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةً مَّكَانَ ءَايَةٌ﴾ أي: إذا نزَّلنا آيةً من القرآن مكانَ آية منه، وجعلناها بدلاً منها بأن نسخناها بها، والظاهر على ما في ((البحر)) أنَّ المرادَ نسخُ اللَّفظ والمعنى، ويجوز أن يُراد نسخُ المعنى مع بقاء اللفظ(٢). ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّدُ﴾ من المصالح، فكلٌّ من الناسخ والمنسوخ مُنزَّلٌ حسبما تقتضيه الحكمة والمصلحة، فإنَّ كلَّ وقتٍ له مقتضَى غير مقتضى الآخر، فكم من مصلحةٍ تنقلبُ مفسدةً في وقت آخرَ؛ لانقلاب الأمور الداعية إليها، ونرى الطبيبَ الحاذقَ قد يأمرُ المريضَ بَشَرْبةٍ، ثم بعد ذلك ينهاهُ عنها ويأمره بضدِها، وما الشرائعُ إلا مصالحُ للعباد وأدويةٌ لأمراضهم المعنوية، فتختلفُ حسب اختلاف ذلك في الأوقات، وسبحان الحكيم العليم. والجملةُ إما معترضةٌ لتوبيخ الكفرة والتنبيه على فساد رأيهم - وفي الالتفات إلى الغيبة مع الإسناد إلى الاسم الجليل ما لا يخفى من تربية المهابة وتحقيق معنى الاعتراض - أو حاليةٌ كما قال أبو البقاء(٣) وغيره، وقرأ ابنُ كثيرٍ وأبو عمرو: (يُنْزِل)) من الإنزال(٤). (١) إرشاد العقل السليم ١٤٠/٥ . (٢) البحر المحيط ٥٣٥/٥. (٣) الإملاء ٣/ ٤٦٢. (٤) النشر ٣٠٥/٢. سُورَةُ الْحَالِ ٢٩٨ الآية : ١٠٢ ﴿قَالُواْ﴾ أي: الكفرة الجاهلون بحكمة النسخ: ﴿إِنَّمَآ أَنْتَ مُفْتَّرٍ﴾ متقوِّلٌ على الله تعالى تأمرُ بشيءٍ ثم يبدو لك فتنهى عنه، وقد بالغوا - قاتلهم الله تعالى - في نسبة الافتراء إلى حَضْرة الصادق المصدوق وَّله، حيث وجّهوا الخطاب إليه عليه الصلاة والسلام وجاؤوا بالجملة الاسمية مع التأكيد بـ ((إنما))، وحكايةُ هذا القول عنهم هاهنا للإيذان بأنه كَفْرةٌ ناشئةٌ من نزغات الشيطان وأنه وليُّهم. وفي ((الكشف)» أنَّ وجه ذكره عقيبَ الأمر بالاستعاذة عند القراءة أنه بابٌ عظيمٌ من أبوابه يَفيِنُ به الناقصين ويوسوس(١) إليهم البداء والتضادَّ وغير ذلك. ﴿بَّ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ أي: لا يعلمون شيئاً أصلاً، أو لا يعلمون أنَّ في التبديل المذكور حِكَماً بالغة، وإسناد هذا الحكم إلى أكثرهم لما أنَّ منهم من يعلم ذلك وإنما يُنكر عناداً. والآيةُ دليلٌ على نسخ القرآن بالقرآن، وهي ساكتةٌ عن نفي نسخه بغير ذلك مما فُصِّلَ في كتب الأصول. ﴿قُلْ نَزَّلَهُ﴾ أي: القرآن المدلول عليه بالآية، وقال الطبرسيُّ: أي: الناسخ المدلول عليه بما تقدم(٢) ﴿رُوعُ اَلْقُدُسِ﴾ يعني: جبريل عليه السلام، وأُطلق عليه ذلك من حيث إنه يَنزلُ بالقدس من الله تعالى، أي: مما يُطهّر النفوسَ من القرآن والحكمة والفَيض الإلهي، وقيل: لطهره من الأدناس البشرية. والإضافةُ عند بعضٍ للاختصاص كما في ((ربِّ العزة)) وجعلها بعضُ المحققين من إضافة الموصوف للصفة على جَعْله نفس القدس مبالغة نحو: خبر سوء، ورجل صدق. على ما ارتضاه الرضيّ. ومثل ذلك: حاتمُ الجود، وسَخْبان(٣) الفصاحة. وخالف في ذلك صاحب ((الكشف)) مختاراً أنها للاختصاص، ولا يخفى ما في صيغة التفعيل بناءً على القول بأنها تفيدُ التدريجَ من المناسبة لمقتضى المقام لما فيها من الإشارة إلى أنه أُنزل دفعاتٍ على حَسَب المصالح. (١) في (م): یوسوس. بدون واو. (٢) مجمع البيان ١٤/ ١٢٥. (٣) سحبان: بليغ يُضرب به المثل. القاموس المحيط (سحب). الآية : ١٠٢ ٢٩٩ سُورَةُ الْحَمِّ مِن رَّبِّكَ﴾ في إضافة الربِّ إلى ضميره وَّر من الدلالة على تحقيق إفاضة آثار الربوبية عليه عليه الصلاة والسلام ما ليس في إضافته إلى ياء المتكلم المنبئة عن التلقين المحض كما في ((إرشاد العقل السليم)) (١)، وكأنه اعتناء بأمر هذه الدلالة لم يقل: من ربكم، على أنَّ في تَرْك خطابهم من خَطّ قَدْرهم ما فيه، و((من)) لابتداء الغاية مجازاً. ﴿بِالِْ﴾ أي: ملتبساً بالحكمة المقتضية له بحيث لا يفارقها ناسخاً كان أو منسوخاً . ﴿لِيُنَّمْتَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي: على الإيمان بما يجبُ الإيمان به، لما فيه من الحُجَج القاطعة والأدلة الساطعة، أو على الإيمان بأنه كلامه تعالى، فإنهم إذا سمعوا الناسخَ وتدبَّروا ما فيه من رعاية المصالح رَسَخَتْ عقائدهم واطمأنَّتْ به قلوبهم، وأوَّلَ بعضُهم الآيةَ على هذا الوجه بقوله: ليبيِّنَ ثباتهم. وتُعقِّبَ بأنه لا حاجةَ إليه؛ إذ التثبيتُ بعد النسخ لم يكن قبله، فإنْ نُظر إلى مطلق الإيمان صحَّ. وقرئ: ((لِيُثْبِتَ))(٢) من الإفعال. ﴾ عَطْفٌ على محلِّ ((لِيُثَبِّتَ)) عند الزمخشريّ(٣) ﴿وَهُدَى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ◌َ ومن تابعه، وهو نظيرُ: زُرْتكَ لأُحدِّثك وإجلالاً لك، أي: تثبيتاً وهدايةً وبشارةً، وتُعقِّبَ بأنه إذا اعتبر الكلُّ فِعْلَ المُنزل على الإسناد المجازي لم يكن للفرق بإدخال اللام في البعض والترك في البعض وجهٌ ظاهر، وكذا إذا اعتبر فِعْلَ الله تعالى كما هو كذلك على الحقيقة، وإذا اعتبر البعض فِعلَ المنزل ليتَّحد فاعل المصدر وفاعل الفعل المعلَّل به، فيترك اللام له، والبعض الآخر فعلَ الله تعالى ليختلف الفاعلُ فيؤتى باللام، لم يكن لهذا التخصيص وجهٌ ظاهرٌ أيضاً، ويفوتُ به حُسْنُ النظم. وقال الخفاجيُّ: يُوجَّهُ تَرْكُ اللام في المعطوف دونَ المعطوف عليه مع وجود شَرْط الترك فيهما بأنَّ المصدرَ المسبوكَ معرفةٌ - على ما تقرَّر في العربية - والمفعولَ له الصريح وإن لم يجب تنکیره - كما عُزي للرياشي - فخلافه قليلٌ كقوله: (١) ١٤١/٥. (٢) نسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٧٤ لأبي حيوة، وينظر الكشاف ٤٢٩/٢، والبحر المحيط ٥٣٦/٥. (٣) الكشاف ٤٢٩/٢. سُورَةُ التَّحَلَّ ٣٠٠ الآية : ١٠٢ وأغفرُ عوراءَ الكريم ادِّخارَه(١). ففرَّقَ بينهما تفتُّناً وجرياً على الأفصح فيهما، والنكتةُ فيه أنَّ التثبيتَ أمرٌ عارضٌ بعد حصول المثبت عليه، فاختيرَ فيه صيغةُ الحدوث مع ذِكْر الفاعل إشارةً إلى أنه فِعْلٌ لله تعالى مختصٍّ به، بخلاف الهداية والبشارة، فإنهما يكونان بالواسطة، وقيل: إنَّ وجودَ الشرط مجوِّزٌ لا موجبٌ، والاختيارُ مرجّحٌ مع ما في ذلك من فائدة بيان جواز الوجهين، وفيه: أنه لا يصلحُ وَجْهاً عند التحقيق(٢). وقد اعترض أبو حيان هنا بما تقدَّم في الكلام على قوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ ◌َُهُ الَّذِىِ اخْتَلَفُواْ فِيَةٍ وَهُدَى وَرَحْمَةً﴾ [النحل: ٦٤] وذكر أنه لا يمتنعُ أن يكونَ العَظْفُ على المصدر المنسبك؛ لأنه مجرورٌ، فيكون ((هدى وبشرى)) مجرورین(٣). وجوَّز أبو البقاء أن يكونا مرفوعين على أنهما خبرا مبتدأ محذوفٍ، أي: وهو هدّى وبشرَّى، والجملةُ في موضع الحال من الهاء في ((نزله))(٤). والمراد بالمسلمين الذين آمنوا، والعدولُ عن ضميرهم لمدحهم بكلا العنوانين، وفسَّر بعضُهم الإسلامَ بمعناه اللغوي فقيل: إنَّ ذلك ليفيد بعد توصیفهم بالإيمان، والظاهر أنَّ (للمسلمين)) قيدٌ للهدى والبشرى، ولم أرَ من تعرَّضَ لجواز كونه قيداً للبشرى فقط، كما تعرض لذلك في قوله تعالى: ﴿وَهُدَّى وَرَحْمَةُ وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩] على ما سمعت هناك. وفي هذه الآية - على ما قالوا - تعريضٌ لحصول أضداد الأمور المذكورة لمن سوى المذكورين من الكفار من حيث إنَّ قوله تعالى: (قُلْ نَزَّلَهُ) جوابٌ لقولهم: (إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتٍَّ) فيكفي فيه: (قُلْ نَزَّلَهُ. رُوحُ الْقُدُسِ) فالزيادةُ لمكان التعريض. وقال الطيبيُّ: إنَّ (نَزَّلَهُ، رُوحُ الْقُدُسِ) بدل: نزله الله، فيه زيادةُ تصويرٍ في (١) صدر بيت لحاتم الطائي وهو في ديوانه ص٨١ وتمامه: وأصفح من شتم اللئيم تكرما (٢) حاشية الشهاب ٣٦٩/٥. (٣) البحر المحيط ٥٣٦/٥. (٤) الإملاء ٤٦٢/٣.