النص المفهرس
صفحات 261-280
الآية : ٨٩ ٢٦١ سُؤَةُ الْحَالِ عليه حديث: ((ليذادنَّ عن الحوض أقوام)) الخبر(١)، وقد ذكر ذلك المُنَاويُّ(٢) ولم يُجب عنه، وقد أجبتُ عنه في بعض تعليقاتي، فتأمل. وقيل: المراد بهم شهداءُ الأمم وهم الأنبياء عليهم السلام لعلمه عليه الصلاة والسلام بعقائدهم، واستجماع شرعه لقواعدهم، لا الأمة؛ لأنَّ كونه وَلِ شهيداً على أمته عُلِمَ مما تقدَّم، فالآيةُ مسوقةٌ لشهادته عليه الصلاة والسلام على الأنبياء ◌َّه فتخلو عن التكرار. ورُدَّ بأنَّ المرادَ بشهادته عليه الصلاة والسلام على أمته تزكيته وتعديله لهم بعد أن يشهدوا على تبليغ الأنبياء عليهم السلام حسبما علموه من كتابهم، وهذا لم يُعلم مما مرَّ ليكونَ تكراراً، وهو الوارد في الحديث، وقد ذكره غيرُ واحد في تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةُ وَسَطًا لِنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] و((على)) لا مضرَّةَ فيها وإن ضرَّت فالضررُ مشترك. نعم لم يُفهم مما قبل(٣) شهادةُ هذه الأمة على تبليغ الأنبياء عليهم السلام ليظهر كون هذه الشهادة للتزكية كما في آية ((البقرة))، ولعلَّ الأمر في ذلك سهلٌ. وفي «إرشاد العقل السليم)) أنَّ قوله تعالى: (وَيَوْمَ نَبْعَثُ) تكريرٌ لما سبقَ تثنية للتهديد، والمراد بهؤلاء الأممُ وشهداؤهم، وإيثارُ لفظ المجيء على البعث لكمال العناية بشأنه وَل، وصيغة الماضي للدلالة على تحقّق الوقوع (٤). انتهى. وتعقّبَ بأنَّ حَمْلَ ((هؤلاء)) على ما ذكر خلاف الظاهر، وجُوِّزَ أن يكونَ إيثارُ المجيء على البعث للإيذان بالمغايرة بين الشهادتين بناءً على أنَّ شهادته بَِّ على أمته للتزكية، ولا كذلك شهادةُ سائر الأنبياء عليهم السلام على أممهم. والظرفُ معمولٌ لمحذوفٍ كما مرَّ، والمراد به يوم القيامة. ﴿وَزَّْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ﴾ الكاملَ في الكتابية، الحقیقَ بأن يُخصَّ به اسمُ (١) أخرجه أحمد (٧٩٩٣)، ومسلم (٢٤٩) من حديث أبي هريرة ـ (٢) في فيض القدير ٤٥/٣ . (٣) في الأصل: قيل. (٤) إرشاد العقل السليم ١٣٥/٥. سُوَّةُ التَّحَآ ٢٦٢ الآية : ٨٩ الجنس، وهذا - على ما في ((البحر))(١) - استئنافُ إخبار، أو ليس داخلاً مع ما قبله لاختلاف الزمانین. وجوَّزَ غيرُ واحدٍ كونه حالاً بتقدير ((قد))، وذكر بعضُ الأفاضل أنَّ قوله تعالى: (وَجِئْنَا بِكَ) إلخ إن كان كلاماً مبتدأً غيرَ معطوفٍ على قوله سبحانه: (نَبْعَثُ) و(شَهِيدًا) حالٌ(٢) مقدَّرة، فلا إشكالَ في الحالية، وإن كان عطفاً عليه، والتعبيرُ بالماضي لما عُرف في أمثاله، فمضمونُ الجملة الحالية متقدِّمٌ بكثير، فلا يتمشّى التأويلُ الذي ذكروه في تصحيح كون الماضوية حالاً هنا، ففي صحة كونه حالاً كلامٌ، إلا أن يُبنى على عدم جريان الزمان عليه سبحانه وتعالى. وتُعقِّبَ بأنه ليس بشيءٍ لأنَّ قوله سبحانه: ﴿ِبْنًا لِكُلِّ شَىْءٍ﴾ يدخل فيه العقائد والقواعد بالدخول الأَولى، وذلك مستمرّ إلى البعث وما بعده، ولا حاجةً إلى ما قيل من أنَّ المعنى: بحيثُ أو بحال أنَّا كنَّا نَزَّلنا عليك، وتلك الحثيثةُ ثابتٌ له سبحانه وتعالى إلى الأبد. انتھی، وفيه نظر. وزعم بعضُهم أنَّ الجملةَ حالٌ من ضمير الرفع في الفعل العامل في الظرف، أي: خَوِّفهم ذلك اليوم وقد نزَّلنا عليك الكتاب، وهو كما ترى، والأسلم الاستئناف. والتبيانُ مصدرٌ يدلُّ على التكثير على ما روى ثعلب عن الكوفيين، والمبرّد عن البصريين، قال سلامة الأنباري في ((شرح المقامات)): كلُّ ما ورد من المصادر عن العرب على ((تَفعال)) فهو بفتح التاء، إلا لفظتين وهما: تِبيان وتِلقاء(٣). وقال ابن عطية: هو اسمٌ وليس بمصدر(٤). وهذه الصيغة أيضاً في الأسماء قليلةٌ، فعن ابن مالك أنه قال في ((نظم الفرائد)): جاء على تفعال بالكسر - وهو غيرُ مصدر - رجلٌ تِكلامٌ وتِلقامٌ وتِلعابٌ وتمساحٌ للكذَّاب، وتِضرابٌ للناقة القريبة بضِراب الفحل، وتِمرادٌ لبيت الحمام، وتِلفافٌ لثوبين ملفوفين، وتِجفافٌ لما تجلَّل به الفرس، وتهواءٌ لجزء ماضٍ من الليل، وتِنبالٌ للقصير اللئيم، وتِعشارٌ وتِبراٌ (١) ٥/ ٥٢٧ . (٢) في (م): حالاً. (٣) المزهر ٩٢/٢. (٤) المحرر الوجيز ٤١٥/٣ . الآية : ٨٩ ٢٦٣ سُؤَةُ الْحَكِ الموضعين، وزاد ابن جعوان(١): تِمثالٌ وتيفاقٌ لموافقة الهلال. واقتصر أبو جعفر النحاس في ((شرح المعلقات)) على أقلّ من ذلك فقال: ليس في كلام العرب على تِفعالَ إلا أربعةُ أسماء، وخامسٌ مختلفٌ فيه، يقال: تبيانٌ، ويقال لقلادة المرأة: تِقصارُ وتِعشارٌ وتبراكٌ، والخامس تِمساحٌ، وتمسح أكثر وأفصح(٢). انتهى. والمعروف أنَّ (تبياناً) مصدرٌ وليس باسم، وإن قيل: إنه قولُ أكثر النحويين، وجوَّزَ الزجاجُ (٣) فيه الفتحَ في غير القرآن. والمراد من ((كلِّ شيءٍ» على ما ذهب إليه جمعٌ: ما يتعلَّقُ بأمور الدين، أي: بياناً بليغاً لكلِّ شيءٍ يتعلَّقُ بذلك، ومن جملته أحوالُ الأمم مع أنبيائهم عليهم السلام، وكذا ما أخبرتْ به هذه الآية من بَعْثِ الشهداء وبعثه عليه الصلاة والسلام، فانتظام الآية بما قبلها ظاهرٌ، والدليلُ على تقدير الوصف المخصِّص للشيء المقام، وأنَّ بعثةَ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إنما هي لبيان الدين، ولذا أجيب السؤال عن الأَهِلَّة بما أجيب(٤)، وقال ◌َّ: (أنتم أعلم بأمور دنياكم))(٥) وكونُ الكتاب تبايناً لذلك باعتبار أنَّ فيه نصّاً على البعض، وإحالةً للبعض الآخر على السنة حيث أَمر باتباع النبيِّ بَّهِ، وقيل فيه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْمَوَ﴾ [النجم: ٣] وحثّاً على الإجماع في قوله سبحانه: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية [النساء: ١١٥]، فإنها على ما روي عن الشافعي وجماعةٍ دليلُ الإجماع، وقد رضي وَّل لأمته باتباع أصحابه حيث قال عليه الصلاة والسلام: ((عليكم بسنَّتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عَضُّوا عليها بالنَّواجذ))(٦)، وقد اجتهدوا وقاسوا ووّؤوا طرقَ (١) هو الحافظ النحوي محمد بن محمد بن جعوان، أحد من برع في العربية على ابن مالك. توفي سنة (٦٨٢هـ). تذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٩١. (٢) المزهر ٩٢/٢. (٣) في معاني القرآن له ٢١٧/٣. (٤) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَمِلَّةِ قُلْ هِىَ مَوَقِيتُ لِلنَّاسِ وَاَلْحَيْ﴾ [البقرة: ١٨٩]. (٥) أخرجه مسلم (٢٣٦٣) من حديث أنس ﴿ه. (٦) أخرجه أحمد (١٧١٤٤)، وأبو داود (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦)، وابن ماجه (٤٢) و(٤٣) من حديث العرباض بن سارية ـ ٢٦٤ الآية : ٨٩ الاجتهاد، فكانت السنةُ والإجماعُ والاجتهادُ(١) والقياسُ مستندةً إلى تبيان الكتاب. وقال بعضٌ: ((كلّ)) للتكثير والتفخيم كما في قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شٍَّ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥] إذ يأبى الإحاطة والتعميم ما في التبيان من المبالغة في البيان، وإنَّ: من أمور الدين، تخصيصاً لا يقتضيه المقام. ورُدَّ الثاني بما سمعتَ آنفاً؛ والأول بأنَّ المبالغةَ بحسب الكمية لا الكيفية كما قيل في قوله سبحانه: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلٍَّ لِّلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]: إنه من قولك: فلانٌ ظالمٌ لعبده وظلَّامٌ لعبيده، ومنه قوله سبحانه: ﴿وَمَا لِلَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [البقرة: ٢٧٠] وقال بعضهم: لكلٍّ من القولين وجهةٌ، والمرجِّحُ للأول إبقاءُ ((كلِّ)) على حقيقتها في الجملة، وتُعقِّبَ بأنه يُرجِّحُ الثاني إبقاءُ ((شيءٍ» على العموم وسلامته من التقدير الذي هو خلاف الأصل ومن المجاز على قولٍ. نعم ذهب أكثرُ المفسّرين إلى اعتبار التخصيص، وروي ذلك عن مجاهد. وقال الجلال المحليُّ في الردِّ على مَنْ لم يُجوِّزْ تخصيصَ السنة بالكتاب: إنه يدلُّ على الجواز قوله تعالى: (وَزَّْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ نِبْيَنَا لِكُلِّ شَىْءٍ) وإن خُصَّ من عمومه ما خُصَّ بغير القرآن(٢). وتوجيهُ كونه تبياناً لكلِّ ما يتعلَّقُ بالدين بما تقدَّم هو الذي يقتضيه كلامُ غير واحدٍ من الأجلَّة، فعن الشافعيِّ ◌َُّه أنه قال مرةً بمكة: سلوني عمَّا شئتم أُخبركم عنه من كتاب الله تعالى، فقيل له: ما تقولُ في المحرِم يقتلُ الزُّنبور؟ فقال: بسم الله الرحمن الرحيم قال الله تعالى: ﴿وَمَآ ءَانَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَّكُمْ عَنْهُ فَانَهُواْ﴾ [الحشر: ٧] وحدثنا سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن عمير عن ربعي بن حِرَاش عن حذيفة بن اليمان عن النبيِّ وَّر أنه قال: («اقتدوا باللَّذَين من بعدي؛ أبي بكر وعمر)). وحدثنا سفيان عن مِسْعَر بن كِدام عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن عمر بن الخطاب ◌ُه أنه أَمَرَ بقتل المحرِمِ الزُّنبورَ(٣). (١) قوله: والاجتهاد. ليس في (م). (٢) البدر الطالع في حل جمع الجوامع ٣٩٣/١. (٣) أخرجه بتمامه البيهقي في السنن ٢١٢/٥، والخبر الأول أخرجه أيضاً أحمد (٢٣٢٤٥)، = الآية : ٨٩ ٢٦٥ سُورَةُ الْحَ وروى البخاريُّ عن ابن مسعود ظُله أنه قال: ((لعن الله تعالى الواشمات والمتوشِّمات والمتنمِّصات والمتفلِّجات للحُسْن المغِّيرات خَلْقَ الله تعالى)) فقالت له امرأةٌ في ذلك، فقال: ما لي لا ألعنُ مَنْ لَعَنَ رسولُ اللهِ ◌ّهِ وهو في كتاب الله تعالى، فقالت له: لقد قرأتُ ما بين اللَّوحَين فما وجدتُ فيه ما تقول، فقال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه، أما قرأت ﴿وَمَآ ءَانَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَكُمْ عَنْهُ فَأَنْتَهُواْ﴾ قالت: بلى. قال: فإنه عليه الصلاة والسلام قد نهى عنه (١). وذهب بعضُهم إلى ما يقتضيه ظاهرُ الآية غير قائلٍ بالتخصيص ولا بأنَّ ((كلّ)) للتكثير فقال: ما من شيءٍ من أمر الدين والدنيا إلا ويمكن استخراجهُ من القرآن، وقد بَيِّنَ فيه كلُّ شيءٍ بياناً بليغاً، واعتبرَ في ذلك مراتبَ الناس في الفهم، فرُبَّ شيءٍ يكونُ بياناً بليغاً لقومٍ، ولا يكونُ كذلك لآخرين، بل قد يكونُ بياناً لواحدٍ ولا يكون بياناً لآخر، فضلاً عن كون البيان بليغاً أو غيرَ بليغ، وليس هذا إلا لتفاوت قوى البصائر، ونظيرُ ذلك اختلافُ مراتب الإحساس لتفاوت قوى الإبصار. وقيل: معنى كونه ((تبياناً)) أنه كذلك في نفسه، وهو لا يستدعي وجودَ مبيِّنٍ له فضلاً عن تشارك الجميع في تحقّق هذا الوصف بالنسبة إليهم بأن يفهموا حالَ كلِّ شيءٍ منه على أتمٍّ وجه، ونظيرُ ذلك الشمس، فإنها منيرةٌ في حَدِّ ذاتها وإن لم يكن هناك مستنيرٌ أو ناظرٌ، ويُغني عن هذا الاعتبار اعتبارُ أنَّ المبالغةَ بحَسَبِ الكمية لا الكيفية، ويؤيدُ القولَ بالظاهر أنَّ الشيخَ الأكبرَ قُدِّسَ سِرُّهُ وغيره قد استخرجوا منه ما لا يحصى من الحوادث الكونية، وقد رأيتُ جدولاً حرفيّاً منسوباً إلى الشيخ كتب عليه أنه يعرفُ منه حوادث أهل المحشر، وآخر كُتبَ عليه أنه يعرفُ منه حوادثَ أهل الجنة، وآخر كُتبَ عليه أنه يعرفُ منه حوادثَ أهل النار، وكلُّ ذلك على ما يزعمون مُستخرَجٌ من الكتاب الكريم، ومثلُ هذا الجفرُ(٢) الجامعُ المنسوب = والترمذي (٣٦٦٢) من طريق سفيان بن عيينة، عن زائدة، عن عبد الملك بن عمير، به. قال الترمذي: هذا حديث حسن. اهـ. والخبر الثاني أخرجه أيضاً أبو نعيم في الحلية ١٠٩/٩-١١٠ بإسناد آخر مع ذكر الخبر الأول بإسناد أحمد. (١) صحيح البخاري (٤٨٨٦)، وهو عند أحمد (٤١٢٩)، ومسلم (٢١٢٥). (٢) الجامعة والجفر: كتابان لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وقد ذكر فيهما على طريقة علم الحروف الحوادث التي تحدث إلى انقراض العالم. دستور العلماء ١/ ٢٦١. سُؤَةُ الْحَلِكَ ٢٦٦ الآية : ٨٩ إلى أمير المؤمنين عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه فإنهم قالوا: إنه جامعٌ لما شاء الله تعالى من الحوادث الكونية، وهو أيضاً مستخرَجٌ من القرآن العظيم. وقد نقل الجلال السيوطيُّ عن المرسيِّ أنه قال: جمعَ القرآنُ علومَ الأولين والآخرين بحيث لم يُحِظْ بها علماً حقيقة إلا المتكلِّمُ به، ثم رسولُ الله ◌ِِّ، خلا ما استأثر به سبحانه، ثم وَرِثَ عنه معظمُ ذلك ساداتُ الصحابة وأعلامُهم، مثل الخلفاء الأربعة ومثل ابن عباس وابن مسعود، حتى قال الأول: لو ضاعَ لي عِقالُ بعيرٍ لوجدته في كتاب الله تعالى. ثم وَرِثَ عنهم التابعون لهم بإحسانٍ، ثم تقاصرتِ الهمم، وفَتَرتِ العزائم، وتضاءلَ أهلُ العلم وضعفُوا عن حَمْل ما حمله الصحابة والتابعون من علومه وسائر فنونه، فنوَّعوا علومه، وقامتْ كلُّ طائفةٍ بفنٍّ من فنونه(١). وقيل: لا يخلو الزمانُ من عارفٍ بجميع ذلك، وهو الوارثُ المحمَّديُّ، ويُسمَّى الغَوثُ، وقُطْبُ الأقطاب، والمُظهِرُ الأتَمُّ، ومُظهِرُ الاسم الأعظم، إلى غير ذلك. ويَرُدُّ على هؤلاء القائلين حديثُ التأبير، وقوله ◌َّهِ: ((أنتم أعلم بأمور دنياكم))(٢). وأُجيب بأنه يحتملُ أن يكونَ ذلك منه وَّ قبل نزول ما يعلم منه عليه الصلاة والسلام حالَ التأبير، ويحتملُ أن يكونَ بعد النزول، وقال ذلك پڑ قبل الرجوع إليه والنظر فيه، ولو رَجَعَ ونَظَرَ لَعَلِمَ فوقَ ما علموا، فأَعلميَّتُهم بأمور دنياهم إنما جاءت لكَوْن علمهم بذلك لا يحتاجُ إلى الرجوع والنظر، وعلمهُ عليه الصلاة والسلام يحتاجُ إلى ذلك، وهذا كما قال ◌َّهِ: ((لو استقبلتُ ما استدبرتُ لما سُقْتُ الهَدْي)»(٣) مع أنْ سَوْقَ الهدي من الأمور الدينية، وقد قالوا: إنَّ القرآنَ العظيمَ تبيانٌ لها، وهذا يردُ عليهم لولا هذا الجواب، فتأمل فالبحثُ بعدُ غيرُ خالٍ عن القيل والقال. (١) الإتقان في علوم القرآن ١٠٢٧/٢-١٠٢٨. (٢) أخرجه مسلم (٢٣٦٣) من حديث أنس به، وسلف ص٢٦٣ من هذا الجزء. (٣) أخرجه أحمد (١٢٥٠٢) من حديث أنس ، وبرقم (٢٥٤٢٥) من حديث عائشة وأخرجه البخاري (١٧٨٥)، ومسلم (١٢١٦) من حديث جابر ـ الآية : ٨٩ ٢٦٧ سُورَةُ التّحَلَ وقال بعضهم: إنَّ الأمورَ إما دينيةٌ أو دنيويةٌ، والدنيويةُ لا اهتمامَ للشارع بها؛ إذ لم يُبعث لها، والدينيةُ إما أصليةٌ أو فرعيةٌ، والاهتمامُ بالفرعية دونَ الاهتمام بالأصلية، فإنَّ المطلوبَ أولاً بالذات من بعثة الأنبياء عليهم السلام هو التوحيدُ وما أشبهه، بل المطلوبُ من خَلْق العباد هو معرفته تعالى كما يشهد له قوله سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] بناءً على تفسير كثيرٍ العبادة بالمعرفة، وقوله تعالى في الحديث القدسيِّ المشهور على الألسنة المصَّح من طريق الصوفية: ((كنتُ كنزاً مخفيّاً، فأحببتُ أن أُعرَفَ، فخلقتُ الخَلْقِّ لِأُعْرِف))(١) والقرآنُ العظيمُ قد تكفَّل ببيان الأمور الدينية الأصلية على أتمٍّ وجهٍ، فليكنِ المراد من ((كل شيء)) ذلك، ولا يحتاج هذا إلى توجيه كونه تبياناً إلى ما احتاج إليه حَمْلُ ((كل شيء)) على أمور الدين مطلقاً من قولنا: إنه باعتبار أنَّ فيه نصّاً على البعض وإحالةً للبعض الآخر على السُّنة ... إلخ. واختار بعضُ المتأخِّرين أنَّ ((كل شيء)» على ظاهره، إلّا أنَّ المرادَ بالتبيان التبيانُ على سبيل الإجمال، وما من شيءٍ إلا بُيِّنَ في الكتاب حاله إجمالاً، ويكفي في ذلك بيانُ بعض أحواله، والمبالغة باعتبار الكمية لا الكيفية على ما علمتَ سابقاً، ولو حُمل التبيان على ما يعُّ الإجمالَ والتفصيلَ مع اعتبار مراتب المبيَّن لهم، واعتُبر التوزيعُ، جاز أيضاً فليتدبر. ونُصب («تبياناً)) على الحال كما قال أبو حيان(٢)، وجُوِّزَ أن يكون مفعولاً من أجله، أي: نزَّلنا عليك الكتابَ لأجل التبيان. ﴿وَهُدِّى وَرَحْمَةٌ﴾ للجميع بقرينة قوله تعالى: ﴿وَمَّا أَرْسَلْنَكَ إِلَّ رَحْمَةٌ لِلْعَلَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] وحرمان الكفرة من جهة تفريطهم. ®﴾ خاصة، وجُوِّزَ صرفُ الجميع لهم لأنهم المنتفعونَ وَيَشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١) قال العجلوني في كشف الخفاء ١٧٣/٢: قال ابن تيمية: ليس من كلامه وَّه، ولا يُعرف له سند صحيح ولا ضعيف. وتبعه الزركشي والحافظ ابن حجر في اللآلئ والسيوطي وغيرهم. وقال القاري: لكن معناه صحيح مستفاد من قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ لِلْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ أي: ليعرفوني كما فسره ابن عباس (٢) البحر المحيط ٥٢٨/٥ . سُورَةُ الْفَحَكَ ٢٦٨ الآية : ٩٠ بذلك، أو لأنَّ الهدايةَ الدلَّلةُ الموصلةُ، والرحمةَ الرحمةُ التامَّة. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ﴾ أي: فيما نزَّله عليك تبياناً لكلِّ شيءٍ، وإِيثارُ صيغة الاستقبال فيه وفيما بعده لإفادة التجدُّد والاستمرار. ﴿يَلْعَدْلِ﴾ أي: بمراعاة التوسُّط بين طرفي الإفراط والتفريط، وهو رأسُ الفضائل كلِّها، يندرج تحته فضيلةُ القوة العقلية الملكية من الحكمة المتوسطة بين الحرمزة(١) والبلادة، وفضيلةُ القوة الشَّهوية البهيمية من العِفَّة المتوسطة بين الخلاعة والجمود(٢)، وفضيلةُ القوة الغَضَبية السَّبُعِيَّة من الشجاعة المتوسطة بين التهوُّر والجبن. فمن الحِكَم الاعتقادية التوحيدُ المتوسِّطُ بين التعطيل ونفي الصنائع كما تقوله الدهرية، والتشريك كما تقوله الثَّنويةُ والوثنية، وعليه اقتصر ابن عباس في تفسير ((العدل)) على ما رواه عنه البيهقيُّ في ((الأسماء والصفات)) وابن جرير وابن المنذر وغيرهم(٣)، وضمَّ إليه بعضُهم القولَ بالكَسْب المتوسط بين محض الجبر والقدر. ومن الحِكَمِ العملية التعبُّد بأداء الواجبات المتوسط بين البطالة وترك العمل، لزعم أنه لا فائدةَ فيه؛ إذ الشقيُّ والسعيد متعيّنان في الأزل كما ذهب إليه بعض الملاحدة، والترهب بترك المباحات تشبيهاً بالرهبان. ومن الحِكَم الخُلُقية الجودُ المتوسّطُ بين البخل والتبذير. وعن سفيان بن عيينة أنَّ العدلَ استواءُ السريرة والعلانية في العمل. وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: دعاني عمر بن عبد العزيز فقال لي: صِفْ لي العدلَ، فقلت: بخٍ، سألتَ عن أمر جسيم، كُنْ لصغير الناس أباً، ولكبيرهم ابناً، وللمِثْل منهم أخاً، ولَلنساء كذلك، وعاقبِ الناسَ على قدر ذنوبهم وعلى قدر (١) في الأصل و(م): الجربزة. والمثبت من تفسير أبي السعود ١٣٦/٥ والكلام منه. والحرمزة: الذكاء. القاموس المحيط (حرمز). (٢) في تفسير أبي السعود ١٣٦/٥: والخمود. (٣) الأسماء والصفات ٢٧٢/١ (٢٠٦)، والطبري ٣٣٥/١٤، وابن المنذر كما في الدر المنثور ١٢٨/٤، وأخرجه - أيضاً - ابن أبي حاتم في تفسيره ٢٢٩٩/٧. الآية : ٩٠ ٢٦٩ سُورَةُ الْحَلَِّ أجسادهم، ولا تضربنَّ لغضبكَ سَوْطاً واحداً فتكونَ من العادين(١). ولعلَّ اختيارَ ذلك لأنه الأوفقُ بمقام السائل، وإلا فما تقدَّم في تفسيره أولى. ﴿وَالْإِحْسَنِ﴾ أي: إحسان الأعمال والعبادة، أي: الإتيان بها على الوجه اللائق، وهو إما بحسب الكيفية كما يشير إليه ما رواه البخاريُّ من قوله وَلقوله: ((الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك))(٢). أو بحسب الكمية كالتطوع بالنوافل الجابرة لما في الواجبات من النقص. وجُوِّزَ أن يُرادَ بالإحسان الإحسانُ المتعدِّي بـ ((إلى))، لا المتعدِّي بنفسه، فإنه يقال: أَحْسَنه وأحسنَ إليه، أي الإحسانُ إلى الناس والتفضُّلُ عليهم، فقد أخرج ابن النجار في ((تاريخه))(٣) من طريق العكلي عن أبيه قال: مرَّ عليّ بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه بقومٍ يتحدثون فقال: فيمَ أنتم؟ فقالوا: نتذاكر المروءة. فقال: أو ما كفاكم الله عزَّ وجلَّ ذاك في كتابه إذ يقول: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ) فالعدلُ الإنصافُ، والإحسانُ التفضُّلُ، فما بقي بعد هذا؟! وأعلى مراتب الإحسان على هذا الإحسانُ إلى المسيء، وقد أمر به نبيِّنَا وَله. وأخرج ابن أبي حاتم عن الشعبيِّ قال: قال عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام: إنما الإحسان أن تُحسنَ إلى من أساء إليك، ليس الإحسانُ أن تُحسن إلى من أحسن إليك(٤). وابن عباس رضيّا بعد ما فسَّر العدل بالتوحيد فسَّر الإحسانَ بأداء الفرائض، وفيه اعتبارُ الإحسان متعدِّياً بنفسه. وقيل: العدلُ أن يُنصِفَ وينتصف، والإحسانُ أن يُنصِفَ ولا ينتصف؛ وقيل: العدلُ في الأفعال والإحسان في الأقوال. (١) تفسير ابن أبي حاتم ٢٢٩٩/٧. (٢) أخرجه أحمد (٣٦٧)، ومسلم (٨) من حديث عمر بن الخطاب ظه. وأخرجه البخاري (٥٠) من حديث أبي هريرة تحضر له. وسلف ٢٩٥/١. (٣) كما في الدر المنثور ١٢٨/٤ . (٤) تفسير ابن أبي حاتم ٢٢٩٩/٧. سُورَةُ التّحَ ٢٧٠ الآية : ٩٠ ﴿وَإِيَتَّآٍ ذِى الْقُرْبَ﴾ أي: إعطاء الأقارب حقَّهم من الصلة والبرِّ، وهذا داخلٌ في العدل أو (١) الإحسان، وصرَّحَ به اهتماماً بشأنه، والظاهر أنَّ المرادَ بذي القربى ما يعُّ سائرَ الأقارب سواءً كانوا من جهة الأم أو من جهة الأب، وهذا هو المراد بذوي الأرحام الذين حثَّ الشارعُ وَّر على صِلَتهم على الأصح(٢). وقيل: ذوو الأرحام الأقاربُ من جهة الأم، وذكر الطبرسيُّ أنَّ المرويَّ عن أبي جعفرٍ أنَّ المرادَ من ((ذي القربى)) هنا قرابته ◌َّ المرادون في قوله سبحانه: ﴿فَنَّ ◌ِلَّهِ مُسَهُ, وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَ﴾(٣) [الأنفال: ٤١ ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآَةِ﴾ الإفراط في متابعة القوة الشهوية كالزنى مثلاً، وفسَّر ابنُ الفحشاء به، ولعله تمثيلٌ لا تخصيص. عباس ﴿وَالْمُكَرِ﴾ ما يُنكَرُ على متعاطيه من الإفراط في إظهار القوة الغَضَبية، وعن ابن عباسٍ ومقاتلٍ تفسيره بالشرك، وعن ابن السائب أنه ما وُعِدَ عليه بالنار، وعن ابن عيينة أنه مخالفةُ السريرة للعلانية، وقيل: ما لا يوجبُ الحدَّ في الدنيا لكن يُوجِبُ العذابَ في الآخرة. وقال الزمخشريُّ: ما تنكرهُ العقول. وتعقّبه ابن المنير فقال: إنه لفتةٌ إلى الاعتزال، ولو قال: المنكر ما أنكرهُ الشرعُ، لوافقَ الحقَّ، لكنه لا يدعُ بِدْعةً المعتزلة في التحسين والتقبيح بالعقل(٤). وقال في ((الكشف)) بعد قوله: ما تنكره العقول، أي: بعد رَدِّه إلى قوانين الشرع، فالإنكارُ بالعقل بالضرورة، وإنما الخلافُ في مأخذه، والمقصودُ أنَّ ما يمكنُ أن يجريَ على المذهبين لا يحقُّ المحاقَّة فيه. وهو كالتعريض بابن المنير، (١) في الأصل: و. (٢) كالحديث القدسي الذي يخاطب فيه ربُّ العزة الرحم: ((أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك)) أخرجه البخاري (٤٨٣٠)، ومسلم (٢٥٥٤) من حديث أبي هريرة (٣) مجمع البيان ١٤/ ١١٤ . (٤) الكشاف ٤٢٥/٢ (وبهامشه الانتصاف لابن المنير). الآية : ٩٠ ٢٧١ سُورَةُ النَّلَِّ واستظهر أبو حيان أنَّ المنكر أعمُّ من الفحشاء، قال: لاشتماله على المعاصي والرذائل(١). ﴿وَالْبَغْيَ﴾ الاستعلاءُ والاستيلاءُ على الناس والتجبُّر عليهم، وهو من آثار القوة الوهمية الشيطانية التي هي حاصلةٌ من رذيلَتي القوتين المذكورتين الشهوانية والغضبية، وأصل معنى البغي الطلبُ، ثم اختصَّ بطلب التطاول بالظلم والعدوان، ومن ثم فُسِّرَ بما فُسِّرَ، وبذلك فسَّره ابن عباس ﴿، وتخصيصُ كلٍّ من المتعاطفات الثلاثة المنهيّ عنها بالإشارة إلى قوةٍ من القوى الثلاث، مما ذهب إليه غير واحد. واعترض بأنَّ ذلك مما لا دليل عليه، وقال بعضهم: المنكر أعُّ الثلاثة باعتبار أنَّ المرادَ به ما ينكره الشرع ويُقبِّحهُ من الأقوال والأفعال، سواءٌ عَظُمَ قُبْحهُ ومفسدته أم لا، وسواءٌ كان متعدِّياً إلى الغير أم لا، وأنَّ المرادَ بالفحشاء ما عَظُمَ قُبْحِهُ من ذلك، ومنه قيل لمن عَظُمَ قُبحه في البخل: فاحش، وعلى ذلك حمل الراغب قول الشاعر: اری الموت یعتامُ الکرامَ ویصطفي عقيلةَ مالِ الفاحشِ المتشدِّد(٢) والبغيُ: التطاولُ بالظلم والعدوان، ففي الآية عطفُ العام على الخاص، وعطفُ الخاص على العام، وقيل: المراد بالفحشاء مقابلُ العدل، ويُفسَّرُ بما خرج عن سَنَن الاعتدال إلى جانب الإفراط، وبالمنكر ما يقابل ما فيه الإحسان، ويُفسَّرُ بما أُتي به على غير الوجه اللائق، بل على وجهٍ يُنْكَرُ ويُستقبح، وبالبغي ما يقابل إيتاءَ ذي القربى ويُفسَّرُ بما فُسِّر، ويكون قد قوبل في الآية الأمرُ بالنهي، وكلٌّ من المأمور به بكلِّ من المنهيِّ عنه، وجُمع بين الأمر والنهي مع أنَّ الأمرَ بالشيء نهيٌ عن ضدِّه، والنهي عن الشيء أمرٌ بضدِّه لمزيد الاهتمام والاعتناء. (١) البحر المحيط ٥٣٠/٥. وجاء بعدها في (م): وعلى ... أولا ليس الأمر كذلك، وسيأتي إن شاء الله تعالى. وفي هامشها: محل هذا البياض كلمة مقطوعة في نسخة المؤلف، وليس من كلام أبي حيان، ولعلها ما فسر به. (٢) البيت لطرفة بن العبد، وهو في ديوانه ص٣٤. وينظر مفردات الراغب (فحش). سُؤَّةُ الْحَالِ ٢٧٢ الآية : ٩٠ والإمام الرازي قد أطالَ الكلام في هذا المقام، وذكر أنَّ ظاهرَ الآية يقتضي المغايرةَ بين الثلاثة المأمور بها، ويقتضي أيضاً المغايرةَ بين الثلاثة المنهيِّ عنها، وشَرَعَ في بيان المغايرة بين الأُوَل ثم قال: والحاصلُ أنَّ العدلَ عبارةٌ عن القدر الواجب من الخيرات، والإحسان عبارةٌ عن الزيادة في الطاعات بحسب الكمية وبحسب الكيفية، وبحسب الدواعي والصوارف، وبحسب الاستغراق في شهود مقام العبودية والربوبية، ويدخلُ في تفسيره التعظيمُ لأمر الله تعالى، والشفقةُ على خَلْقه سبحانه، ومن الظاهر أنَّ الشفقةَ على الخلق أقسامٌ كثيرةٌ أشرفُها وأجلُّها صلةٌ الرحم، لا جَرَمَ أنه سبحانه أفرده بالذكر. ثم شَرَعَ في بيان المغايرة بين الأخيرة وقال: تفصيلُ القول في ذلك أنه تعالى أودعَ في النفس البشرية قوّى أربعة، وهي الشهوانيةُ البهيميةُ، والغَضَبيةُ السَّبعيةُ، والوهميةُ الشيطانيةُ، والعقليةُ الملكيةُ، وهذه الأخيرةُ لا يحتاجُ الإنسانُ إلى تهذيبها؛ لأنها من جوهر الملائكة عليهم السلام، ونتائج الأرواح القدسية العلوية، وإنما المحتاجُ إلى التهذيب الثلاثةُ قبلها، ولمَّا كانت الأولى - أعني القوة الشهوانية - إنما ترغبُ في تحصيل اللَّذَّات الشهوانية، وكان هذا النوعُ مخصوصاً باسم الفحش - ألا ترى أنه تعالى سمَّى الزنى فاحشة - أشار إلى تهذيبها بقوله سبحانه: (وَيَنْهَى عَنِ اٌلْفَحْشَآءِ) المراد منه المنعُ من تحصيل اللَّذَّات الشهوانية الخارجة عن إذن الشريعة، ولما كانت الثانية - أعني القوةَ الغَضَبيةَ السَّبعية - تسعى أبداً في إيصال الشَّرِّ والبلاء والإيذاء إلى سائر الناس، أشارَ سبحانه إلى تهذيبها بنهيهِ تعالى عن المنكر؛ إذ لا شكَّ أنَّ الناسَ ينكرونَ تلك الحالةَ، فالمنكر عبارةٌ عن الإفراط الحاصل في آثار القوة الغضبية، ولما كانت الثالثة - أعني القوةَ الوهميةَ الشيطانيةَ - تسعى أبداً في الاستعلاء على الناس والترقُّع وإظهار الرياسة والتقدُّم، أشارَ سبحانه إلى تهذيبها بالنهي عن البغي إذ لا معنى له إلا التطاولُ والترقُّعُ على الناس. ثم قال: ومن العجائب في هذا الباب أنَّ العقلاءَ قالوا: أَخسُ هذه القوى الثلاث الشهوانية، وأوسطُها الغَضَبية، وأعلاها الوهمية، والله تعالى راعى هذا الترتيبَ فبدأ سبحانه بذكر الفحشاء التي هي نتيجةُ القوة الشهوانية، ثم بالمنكر الذي الآية : ٩٠ ٢٧٣ سُؤَةُ النَّحَالِ هو نتيجةُ القوة الغضبية، ثم بالبغي الذي هو (١) نتيجة القوة الوهمية(٢). وما تقدَّم عن غير واحدٍ مأخوذٌ من هذا، ولينظر هل يثبتُ بما قرَّره دليلُ التخصيص، فيندفعُ الاعتراضُ السابقُ أم لا، ثم إنَّ الظاهرَ عليه أنَّ عَطْفَ البغي على ما قبله كعطف ((إيتاء ذي القربى)) على ما قبله. وبالجملة إنَّ الآيةَ - كما أخرج البخاريُّ في ((الأدب)) والبيهقيُّ في ((شعب الإيمان)) والحاكم وصحَّحه عن ابن مسعود - أجمعُ آية للخير والشر(٣). وأخرج البيهقيُّ عن الحسن نحو ذلك(٤)، وأخرج الباورديُّ(٥)، وأبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) عن عبد الملك بن عمير قال: بلغ أكتمَ بن صيفي مخرجُ رسول الله وَ ﴾، فأرادَ أن يأتيه، فأتى قومه فانتدبَ رجلان فأتيا رسولَ اللهِ وَله فقالا: نحن رُسُلُ أكتم يسألك من أنت وما جئت به؟ فقال النبيُّ وَّ: أنا محمد بن عبد الله، عبدُ الله ورسوله، ثم تلا عليهم هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ﴾ إلخ قالوا: ردِّد علينا هذا القول، فردَّدُهُ عليه الصلاة والسلام عليهم حتى حفظوه، فأتيا أكتمَ فأخبراه، فلما سمع الآية قال: إني لأراه يأمرُ بمكارم الأخلاق، وينهى عن مذامِّها، فكونوا في هذا الأمر رأساً ولا تكونوا فيه أذناباً(٦). وقد صارت هذه الآية أيضاً كما أخرج أحمد والطبرانيُّ والبخاريُّ في ((الأدب)) عن ابن عباس سببَ استقرار الإيمان في قلب عثمان بن مظعون، ومحبَّته للنبيِّ وَيَ(٧). ولجمعها ما جمعتْ أقامها عمرُ بن عبد العزيز حين آلت الخلافة إليه مقامَ ما كان بنو أميةَ - غَضِبَ الله تعالى عليهم - يجعلونه في أواخر خُطَبهم من سَبِّ عليٍّ كرَّمَ الله تعالى وجهه، ولَعَنَ كلَّ مَنْ بَغَضَهُ وسَبَّهُ، وكان ذلك من أعظم مآثره (١) في (م): هي. والمثبت من الأصل وتفسير الرازي. (٢) تفسير الرازي ١٠١/٢٠-١٠٤. (٣) الأدب المفرد (٤٨٩)، والشعب (٢٤٤٠)، والحاكم ٣٥٦/٢. (٤) شعب الإيمان ١/ ١٦١- ١٦٢. (٥) الباوردي: هو أبو منصور محمد بن سعد الباوردي وهو من شيوخ ابن منده، له كتاب: معرفة الصحابة، توفي سنة (٣٠١هـ). الرسالة المستطرفة ص١٢٨ . (٦) الدر المنثور ١٢٨/٤، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم ٤١٩/٢. (٧) مسند أحمد (٢٩١٩)، والمعجم الكبير ٣٩/٩ (٨٣٢٢)، والأدب المفرد (٨٩٣). سُوَّةُ الْحَالِ ٢٧٤ الآية : ٩١ وقال غيرُ واحدٍ: لو لم يكن في القرآن غير هذه الآية الكريمة لكفتْ في كونه تبياناً لكلِّ شيءٍ وهدّى. ولعلَّ إيرادَها عَقيبَ قوله تعالى: (وَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ) للتنبيه عليه، فإنها إذا نُظر إلى أنها قد جمعتْ ما جمعتْ مع وجازَتها استيقظتْ عيونُ البصائر، وتحرَّكتْ للنظر فيما عداها . وأخرج أحمد عن عثمان بن أبي العاص قال: كنتُ عند رسول الله وَّهِ جالساً؛ إذ شَخَصَ بَصَره فقال: أتاني جبريل عليه السلام فأمرني أن أضعَ هذه الآيةَ بهذا الموضع (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ) إلخ(١). واستُدلَّ بها على أنَّ صيغةَ ((أمر)) تتناولَ الواجبَ والمندوبَ، وموضوعُها القَدْرُ المشترك. وتحقيقُ ذلك في الأصول. ﴿يَعِظُكُمْ﴾ أي: يُنِّبهكم بما يأمرُ وينهى سبحانه أحسنَ تنبيه، وهو إما استئنافٌ وإما حالٌ من الضمير في الفعلين. ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ طلباً لأن تَتَّعظوا بذلك وتنتبهوا. ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ قال قتادة ومجاهد: نزلتْ فيما كان من تَحالُفِ الجاهلية في آَمْرٍ بمعروفٍ أو نهي عن منكر. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مَزيدةً بن جابر أنها نزلت في بيعة النبيِّي ◌َّ، كان مَنْ أَسلمَ بايعَ على الإسلام(٢). وظاهره أنها في البيعة على الإسلام مطلقاً، فالمراد بعهد الله تلك البيعةُ کما نصَّ علیه غير واحد. واعترض بأنَّ الظاهرَ أنه عامٌّ في كلِّ مَوْثق، وهو الذي يقتضيه كلامُ ميمون بن مهران(٣)، وسببُ النزول ليس من المخصِّصات، ولذا قالوا: الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. (١) مسند أحمد (١٧٩١٨). (٢) الدرالمنثور ١٢٩/٤، وتفسير الطبري ٣٣٨/١٤-٣٣٩. (٣) حيث قال: الوفاء لمن عاهدته مسلماً كان أو كافراً فإنما العهد لله. البحر المحيط ٥٣٠/٥. الآية : ٩١ ٢٧٥ سُؤَّةُ الْفَحَلِ وأجيب بأنَّ قرينةَ التخصيص قوله تعالى فيما قبل: (الَّذِينَ كَفَرُواْ) الآية، وفيه نظرٌ، وقال الأصمُّ: المراد به الجهاد، وما فُرض في الأموال من حقِّ. ولا يلائمه قوله تعالى: ﴿إِذَا عَهَدْتُمْ﴾ وقيل: المراد به النذر، وقيل: اليمين. وتعقَّب ذلك الإمامُ بأنه حينئذٍ يكون قوله تعالى: ﴿وَلَا نَنقُضُواْ الْأَيْمَنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ تكراراً لأنَّ الوفاء بالعهد والمنعَ من النقض متقاربان؛ لأنَّ الأمرَ بالفعل يستلزمُ النهيَ عن الترك(١). وإذا حُمل العهد على العموم بحيث دخلَ تحته اليمين، كان هذا من باب تخصيص بعض الأفراد بالذكر للاعتناء به، وبعضُ مَنْ فَسَّر العهدَ بالبيعة لرسول الله ﴿ حَمَلَ الأَيمانَ على ما وقع عند تلك البيعة، وجوَّزَ بعضُهم حَمْلها على مطلق الأيمان. وفي ((الحواشي السعدية)): إنَّ الظاهرَ أنَّ المرادَ بها الأشياءُ المحلوفُ عليها كما في قوله عليه الصلاة والسلام: ((من حَلَفَ على يمينٍ فرأى غيرَها خيراً منها، فليأتِ الذي هو خيرٌ وليُكَفِّرْ عن يمينه))(٢)، لأنه لو كان المراد ذكرَ اسم الله تعالى كان عين التأكيد لا المؤكّد، فلم يكن محلّ ذِكْرِ العَظْفِ كما تقرَّر في المعاني. ورُدَّ بأنَّ المرادَ بها العقدُ لا المحلوفُ عليه؛ لأنَّ النقضَ إنما يلائم العقد، ولا ينافي ذلك في قوله تعالى: (بَعْدَ تَوْكِيدِهَا) لأنَّ المرادَ كونُ العقد مؤكّداً بذكر الله تعالى لا بذكر غيره كما يفعله العامة الجهلةُ، فالمعنى أنَّ ذلك النهي لما ذُكِرَ، لا عن نَقْض الحلف بغير الله تعالى(٣). وقال الواحديُّ: إنَّ قوله سبحانه: (بَعْدَ تَّوْكِيدِهَا) لإخراج لغو اليمين نحو: لا والله، بلى والله، بناءً على أنَّ المعنى: ((بعد توكيدها)) بالعزم والعقد، ولغو اليمين ليست كذلك. (١) تفسير الرازي ١٠٧/٢٠. (٢) أخرجه أحمد (٦٩٠٧) من حديث عبد الله بن عمرو ها، وأخرجه - أيضاً - مسلم (١٦٥٠) من حديث أبي هريرة څبه. (٣) لعلَّ الحواشي السعدية للسعد التفتازاني على الكشاف، والكلام بتمامه في حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي ٥/ ٣٦٤-٣٦٥ دون نسبتها للحواشي السعدية. سُورَةُ الْحَلَِّ ٢٧٦ الآية : ٩١ ثم إذا حُمل الأيمان على مطلقها فهو - كما قال الإمام - عامٌّ دخلهُ التخصيصُ بالحديث السابق الدالِّ على أنه متى كان الصلاحُ في نقض اليمين جاز نقضُها(١). وتعقّب بأنَّ فيه تأمُّلاً؛ لأنَّ الحظر (٢) لو لم يكن باقياً لما احتيج إلى الكفارة الساترة للذنب. وأجيب بأنَّ وجوبَ الكفارة بطريق الزجر؛ إذ أصلُ الأيمان الانعقادُ ولو محظورة، فلا ینافي لزوم موجبها . وجوِّزَ أن يقال: إنَّ ذلك للإقدام على الحلف بالله تعالى في غير محلِّه. فليتأمل. والتوكيدُ: التوثيق، ومنه ((أَكَّدَ)) بقَلْبِ الواو همزةً على ما ذهب إليه الزجاج (٣) وغيره من النحاة. وذهب آخرون إلى أنَّ ((وَّد)) و((أَّد)) لغتان أصليتان؛ لأنَّ الاستعمالين في المادة متساويان، فلا يَحسُنُ القولُ بأنَّ الواوَ بدلٌ من الهمزة كما في ((الدر المصون)»(٤) وهو الذي اختاره أبو حيان(٥). ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ أي: شاهداً رقيباً، فإنَّ الكفيلَ مُراعٍ لحال المكفول به رقيبٌ عليه، واستعمالُ الكفيل في ذلك إما من باب الاستعارة أو المجاز المرسل، والعلاقة اللزوم. والظاهر أنَّ جَعْلهم مجازٌ أيضاً؛ لأنهم لما فعلوا ذلك والله تعالى مُطَّلٌ عليهم، فكأنهم جعلوه سبحانه شاهداً. قاله الخفاجيُّ ثم قال: ولو أبقى الكفيلَ على ظاهره، وجعل تمثيلاً لعدم تخلّصهم من عقوبته، وأنه يسلمهم لها كما يسلم الكفيلُ من كَفَله كما يقال: مَنْ ظلم فقد أقام كفيلاً بظلمه؛ تنبيهاً على أنه لا يمكنه التخلُّص (١) تفسير الرازي ١٠٧/٢٠-١٠٨. (٢) في الأصل: الخطر. (٣) في معاني القرآن ٢١٧/٣. (٤) ٧ / ٢٨٠. (٥) البحر المحيط ٥٢٨/٥. الآية : ٩٢ ٢٧٧ سُورَةُ الْحَة من العقوبة كما ذكره الراغب، لكان معنى بليغاً جدًّا، فتدبر. والظاهر أنَّ الجملةَ في موضع الحال من فاعل ((تنقضوا)) وجُوِّزَ أن تكونَ حالاً من فاعل المصدر وإن كان محذوفاً (١). وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ﴾﴾ أي: من النقض فيجازيكم على ذلك، في موضع التعليل للنهي السابق، وقال الخفاجيُّ: إنه كالتفسير لما قبله (٢). ﴿وَلَا تَكُونُواْ﴾ فيما تصنعون من النقض ﴿كَأَلَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا﴾ مصدرٌ بمعنى المفعول، أي: مغزولها، والفعل منه غَزَلَ يَغزِل بكسر الزاي، والنقضُ ضدُّ الإبرام، وهو في الجزْم فكّ أجزائه بعضها من بعض، وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ﴾ متعلِّقٌ بـ ((نقضت))، علَى أنه ظرفٌ له لا حال، و((من)) زائدةٌ مطّردةٌ في مثله، أي: كالمرأة التي نقضتْ غَزْلَها من بعد إبرامه وإحكامه. ﴿أَنْكَثًا﴾ جمع نِكْث - بكسر النون - وهو ما ينكُثُ فَتْلُهُ، وانتصابه قيل: على أنه حالٌ مؤكّدةٌ من ((غَزْلها)) وقيل: على أنه مفعولٌ ثانٍ لـ : نقض، لتضمُّنه معنى: جعل، وجوَّزَ الزجاجُ كونَ النصب على المصدرية؛ لأن ((نقضت)) بمعنى نكثت(٣)، فهو ملاقٍ لعامله في المعنى. وقال في ((الكشف)): إنَّ جَعْله مفعولاً على التضمين أولى من جعله حالاً أو مصدراً، وفي الإتيان به مجموعاً مبالغةٌ، وكذلك في حَذْفِ الموصوفة ليدلَّ على الخرقاء الحمقاء وما أشبه ذلك، وفي ((الكشاف)) ما يشيرُ إلى اعتبار التضمين حيث قال: أي: لا تكونوا كالمرأة التي أَنْحَتْ على غزلها بعد أن أحكمته فجعلته أنكاثاً (٤). وفي قوله: أنحت ــ على ما قال القطب - إشارةٌ إلى أنَّ ((نقضتْ)) مجازٌ عن أرادت النقضَ على حدٍّ قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ﴾ [المائدة: ٦] وذكر أنه فُسِّرَ بذلك جَمْعاً بين القصد والفعل ليدلَّ على حماقتها واستحقاقها اللومَ بذلك، فإنَّ نقضَها لو كان من غير قصدٍ لم تستحقَّ ذلك، ولأنَّ التشبيهَ كلَّما كان (١) حاشية الشهاب ٣٦٥/٥، وينظر مفردات الراغب (كفل). (٢) حاشية الشهاب ٣٦٥/٥. (٣) معاني القرآن ٢١٧/٣. (٤) الكشاف ٤٢٥/٢-٤٢٦. سُؤَدَّةُ التّحَلِتَ ٢٧٨ الآية : ٩٢ أكثر تفصيلاً كان أحسن. ولا يخفى ما في اعتبار التضمين وهذا المجاز من التكلُّف، وكأنه لهذا قيل: إنَّ اعتبار القصد جائز(١) لأنَّ المتبادرَ من الفعل الاختياري، وفي ((الكشف)) خرج ذلك المعنى من قوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ) فإنَّ نَقْضَ المبرَمِ لا يكونُ إلا بعد إنحاءٍ بالغِ وقصدٍ تامٌّ، ولم يُرد بالموصول امرأةً بعينها، بل المراد مَنْ هذه صفتُهُ، ففّي الآية تشبيهُ حال الناقض بحال الناقض في أخسِّ أحواله تحذيراً منه، وأنَّ ذلك ليس من فعل العقلاء، وصاحبه داخلٌ في عداد حمقى النساء. وقيل: المراد امرأةٌ معلومةٌ عند المخاطَبين كانت تغزلُ، فإذا أبرمتْ(٢) غَزْلها تنقضُهُ، وكانت تسمَّى: خرقاءَ مكة، قال ابنُ الأنباري: كان اسمها: ريطة بنت عمرو المريَّة، تُلقَّبُ الحفراء(٣)، وقال الكلّي ومقاتل: هي امرأةٌ من قريش اسمها: ريطةُ بنتُ سعد التيمي، اتخذت مِغْزَلاً قَدْر ذراعٍ وصِنَّارةً مثل أُصبع وفَلْكَةً عظيمةً على قَدْرها، فكانت تغزلُ هي وجواريها(٤) مَن الغداة إلى الظهر، ثم تأمرهنَّ فينقضن ما غزلنَ. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي بكر بن حفص قال: كانت سعيدةُ الأسدية مجنونةً تجمعُ الشَّعر واللِّيف، فنزلت هذه الآية: (وَلَا تَكُونُواْ كَلَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا)(٥). وروى ابن مردويه عن عطاء(٦) أنها شَكَتْ جنونَها إلى رسول الله وَلّ وطلبتْ أن يدعوَ لها بالمعافاة، فقال لها عليه الصلاة والسلام: ((إن شئتِ دعوتُ فعافاك الله تعالى، وإن شئتِ صَبَرْتِ واحتسبتٍ ولك الجنة)) فاختارت الصبرَ والجنة، وذكر عطاء أنَّ ابنَ عباسٍ أراه إياها . (١) قوله: جائز. ليس في (م). (٢) في (م): برمت. (٣) كذا في الأصل و(م)، والذي في البحر ٥٣١/٥: الجفراء، وفي تفسير الرازي ١٠٨/٢٠ : الجعراء. (٤) في الأصل و(م): وجوارها. والمثبت من البحر المحيط ٥٣١/٥ والكلام منه. (٥) تفسير ابن أبي حاتم ٧/ ٢٣٠٠. (٦) في الأصل و(م): ابن عطاء. والمثبت من الدر المنثور ١٢٩/٤ وهو عطاء بن أبي رباح كما صرَّح السيوطي بذلك. الآية : ٩٢ ٢٧٩ سُؤَدَّةُ الْحَكِ وعن مجاهدٍ: هذا فِعْلُ نساء نَجْدٍ تنقضُ إحداهنَّ غَزْلها، ثم تنفشُهُ فتغزله بالصوف. وإلى عدم التعيين ذهب قتادة عليه الرحمة. ﴿يَتَّخِذُونَ أَيْمَنَّكُمْ دَخَلَا بَيْنَكُمْ﴾ حالٌ من الضمير في ((لا تكونوا)) أو في الجارِّ والمجرور الواقع موقع الخبر. وجُوِّزَ أن يكونَ خبر ((تكونوا))، و((كالتي نقضت)) في موضع الحال، وهو خلاف الظاهر، وقال الإمام: الجملة مستأنفةٌ على سبيل الاستفهام الإنكاري، أي: أتتخذون(١). والدَّخَلُ في الأصل ما يدخل في الشيء ولم يكن منه، ثم كُنِّي به عن الفساد والعداوة المستبطنة كالدَّغَل، وفسَّرهُ قتادة بالغدر والخيانة، ونصبه على أنه مفعولٌ ثانٍ، وقيل: على المفعولية من أجله، وفائدةٌ وقوع الجملة حالاً الإشارةُ إلى وَجْهِ الشبهِ، أي: لا تكونوا مُشبَّهين بامرأةٍ هذا شأنها، متَّخذين أيمانكم وسيلةً للغدر والفساد بينكم. ﴿أَنْ تَكُونَ أُنَّهُ﴾ أي: بأن تكونَ جماعةٌ ﴿هِىَ أَرْبَ﴾ أي: أَزيدُ عدداً وأَوفرُ مالاً ﴿مِنْ أُمَّةٍ﴾ أي: من جماعةٍ أخرى، والمعنى: لا تغدروا بقومٍ بسبب كثرتكم وقلَّتِهم، بل حافظوا على إيمانكم معهم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وغيرهما عن مجاهد أنه قال: كانوا يُحالفون الحلفاء، فيجدون أكثرَ منهم وأعزَّ، فينقضونَ حِلفهم، ويُحالفون الذين هم أعزُّ، فنُهوا عن ذلك(٢). فالمعنى: لا تغدروا بجماعةٍ بسبب أن تكونَ جماعةٌ أخرى أكثر منها وأعزَّ، بل عليكم الوفاء بالأيمان والمحافظة عليها، وإن قلَّ من حلفتم(٣) له وكَثُرَ الآخر. وجُوِّزَ في ((تكون)) أن تكونَ تامةً وناقصةً، وفي ((هي)) أن تكون مبتدأ وعماداً، (١) تفسير الرازي ١٠٩/٢٠. (٢) ابن جرير في تفسيره ٣٤٥/١٤، وابن المنذر كما في الدر المنثور ١٢٩/٤. (٣) في (م): خلفتم. سُؤَدَةُ الْحَالِ ٢٨٠ الآية : ٩٣ فـ ((أربى)) إما مرفوعٌ أو منصوبٌ، وأنت تعلم أنَّ البصريينَ لا يجوِّزون كون ((هي)) عماداً لتنكير ((أمة)). وزعم بعض الشيعة أنَّ هذه الآية قد حُرِّفت، وأصلها: أن تكونَ أئمةٌ هي أزكى من أئمتكم. ولعمري لقد ضلُّوا سواء السبيل. ﴿إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِّ﴾ الضميرُ المجرورُ عائدٌ إما على المصدر المنسبك من ((أن تكون)) أو على المصدر المنفهم من ((أربى)) وهو الربو بمعنى الزيادة، وقول ابن جبیر وابن السائب ومقاتل: یعني بالگثرة، مرادهم منه هذا، واكتفوا ببيان حاصل المعنى، وظنَّ ابنُ الأنباريِّ أنهم أرادوا أنَّ الضميرَ راجعٌ إلى نفس الكثرة، لكن لمّا كان تأنيثها غيرَ حقيقيٍّ صحَّ التذكيرُ، وهو كما ترى. وقيل: إنه لـ ((أربى))، لتأويله بالكثير، وقيل: للأمر بالوفاء المدلول عليه بقوله تعالى (وَأَوْفُواْ) إلخ، ولا حاجة إلى جعله منفهماً من النهي عن الغدر بالعهد. واختار بعضُهم الأولَ لأنه أسرعُ تبادراً، أي: يعاملكم معاملةَ المختبر بذلك الكون لينظرَ أتتمسَّكون بحبل الوفاء بعهد الله تعالى وبيعة رسوله عليه الصلاة والسلام، أم تغتُّون بكثرة قريشٍ وشوكتهم وقلَّة المؤمنين وضَعْفهم بحَسَب ظاهر الحال. ﴿وَيُبََّنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾﴾ فيجازيكم بأعمالكم ثواباً وعقاباً . ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ﴾ أيها الناس ﴿أُمَّةً وَحِدَةً﴾ متَّفقةً على الإسلام ﴿وَلَكِنْ﴾ لا يشاء ذلك رعايةً للحكمة، بل ﴿يُضِلُّ مَن يَشَآءُ﴾ إضلاله بأن يخلقَ فيه الضلالَ حسبما يصرفُ اختياره التابع لاستعداده له ﴿وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ﴾ هدايته حسبما يصرفُ اختياره التابع لاستعداده لتحصيلها . ﴿وَلَتَُّلُنَّ﴾ جميعاً يوم القيامة سؤالَ محاسبةٍ ومجازاةٍ لا سؤالَ استفسار وتفهُّم. ﴿عَمَّا كُتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ تستمرُّون على عمله في الدنيا بقُدَركم المؤثِّرة بإذن الله تعالى، والآيةُ ظاهرةٌ في أنَّ مشيئةَ الله تعالى لإسلام الخلق كلِّهم ما وقعتْ، وأنه سبحانه إنما شاء منهم الافتراقَ والاختلاف، فإيمانٌ وكُفْرٌ، وتصديقٌ وتكذيبٌ، ووقع الأمرُ كما شاء جلَّ وعلا.