النص المفهرس
صفحات 221-240
الآية : ٧٥ ٢٢١ سُؤَّةُ الْحَالِ كأنه قيل: فلا تُمثِّلوا الله تعالى ولا تشبِّهوه، وتعلُّقها بـ ((تضربوا)) على هذا الوجه، ثم قال: كأنه قيل: فلا تُمثِّلوا لله تعالى الأمثالَ، فإنَّ ضَرْبَ المثل إنما يُستعمل من العالِمِ لغير العالِمِ ليبيِّنَ له ما خفي عنه، والله تعالى هو العالِمُ وأنتم لا تعلمون، فتمثيلُ غَيرِ العالِمِ للعالِمِ عكسٌ للحقيقة (١). وليس بشيءٍ؛ والمعنى الذي ذكره على تقدير تعلَّقه بالفعل خلافُ ما يقتضيه السياق، وإن كان التعليلُ عليه أظهر، ومن هنا قال العلّامة المدقِّق في ((الكشف)) في ذلك بعد أن قال: إنه نهيٌ عن ضَرْبِ الأمثال حقيقةً: كأنه أُريد المبالغةُ في أن لا يُلحدوا في أسمائه تعالى وصفاته، فإنه إذا لم يجزْ ضَرْبُ المثل، والاستعارات يكفي فيها شبهٌ ما، والإطلاق لتلك العلاقة كافٍ، فعدمُ جواز إطلاق الأسماء من غير سَبْقٍ تعليم منه تعالى وإثبات الصفات أولى وأولى، ووجهُ ربط قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ إلخ على هذا عند المدقِّق أنه تعالى بعد أن نهاهم عن ضَرْبِ الأمثال له سبحانه ضَرَبَ مثلاً دلَّ به علی أنهم ليسوا أهلاً لذلك، وأنهم إذا كانوا على هذا الحدِّ من المعرفة والتقليد أو المكابرة، فليس لهم إلى ضرب الأمثال المطابقةِ المستدعي ذكاءً وهدايةً سبيلٌ. وقال غيره في ذلك - ولعله أظهر منه -: إنه تعالى لما ذكر أنه يعلمُ كيف تُضربُ الأمثالُ وأنهم لا يعلمون، علَّمهم كيف تُضرَبُ الأمثال في هذا الباب فقال تعالى: (ضَرَبَ) إلخ. ووجه الربط على ما تقدَّم من أنَّ النهي عن الإشراك أنه سبحانه لما نهاهم عن ضَرْبِ المثل الفعليّ وهو الإشراكُ، عقَّبه بالكشف لذي البصيرة عن فساد ما ارتكبوه بقوله سبحانه: (ضَرَبَ) إلخ أي: أَورد وذكر ما يستدلُّ به على تباين الحال بين جنابه تعالى شأنه وبين ما أشركوه به سبحانه، وينادي بفساد ما هم عليه نداءً جليًّا . ﴿عَبْدًا مَمْلُوَكًا لَّا يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ﴾ بدلٌ من ((مثلاً)) وتفسيرٌ له، والمثلُ في الحقيقة حالتهُ العارضةُ له من المملوكية والعجز التامِّ، وبحَسَبها ضرب نفسه مثلاً، ووُصفَ العبد بالمملوكية للتمييز عن الحرِّ لاشتراكهما في كونهما عبدا الله تعالى(٢)، وقد (١) الانتصاف بهامش الكشاف ٢/ ٤٢٠. (٢) كذا في الأصل و(م)، وفي تفسير أبي السعود ١٢٩/٥ (والكلام منه): عبدان الله. والوجه: عبدين لله تعالى. سُوَّةُ التَّحَالِ ٢٢٢ الآية : ٧٥ أدمج فيه - على ما قيل - أنَّ الكلَّ عبيدٌ له تعالى، وبعدم القَدْر لتمييزه عن المكاتب والمأذون اللَّذَين لهما تصرُّفٌ في الجملة، وفي إبهام المثل أولاً ثم بيانه بما ذكر ما لا يخفى من الجزالة. ﴿وَمَنْ زَّزَقْنَهُ﴾ (مَنْ)) نكرةٌ موصوفةٌ على ما استظهره الزمخشريُّ(١) ليطابق (عبداً) فإنه أيضاً نكرة موصوفةٌ، وإلى ذلك ذهب أبو البقاء (٢)، وقال الحوفيُّ: هي موصولةٌ، واستظهره أبو حيان(٣)، وزعم بعضهم أنَّ ذلك لِكَوْن استعمالها موصولةً أكثرَ من استعمالها موصوفة، والأول مختارُ الأكثرين، أي: حُرًّا رزقناه بطريق الملك؛ والالتفاتُ إلى التكلُّم للإشعار باختلاف حال ضَرْب المثل والرزق، وفي اختيار ضمير العَظَمة تعظيمٌ لأمر ذلك الرزق، ويزيد ذلك تعظيماً قوله سبحانه: ﴿مِنَّا﴾ أي: من جنابنا الكبير المتعالي ﴿رِزْقًا حَسَنًا﴾ حلالاً طَيّاً، أو مستحسناً عند الناس مرضيًّا، ويُؤْخَذُ منه - على ما قيل - كونه كثيرًا بناءً على أنَّ القِلَّةَ التي هي أُخْتُ العدم لا حُسْنَ في ذاتها . ﴿فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ﴾ تفضُّلاً وإحساناً، والفاء لترتُّبِ الإنفاق على الرزق، كأنه قيل: ومَنْ رزقناه منَّا رزقاً حسناً فأنفقَ، وإيثارُ المنزَّل من الجملة الاسمية الفعلية الخبر للدلالة على ثبات الإنفاق واستمراره التجدُّدي. ﴿ِرًَّ وَجَهْرًا﴾ أي: حالَ السِّرِّ وحالَ الجهر، أو إنفاقَ سِرٍّ وإنفاقَ جَهْرٍ، والمراد بيان عموم إنفاقه للأوقات وشمول إنعامه لمن يجتنبُ عن قبوله جهراً. وجُوِّزَ أن يكون وَصْفُهُ بالكَثْرَة مأخوذًا من هذا بناءً على أنَّ المرادَ منه کیف يشاء، وهو يدلُّ على إنحاء التصرُّف وسعة المتصرّف منه، وتقديم السِّرِّ على الجهر للإيذان بفضله عليه، وقد مرَّ الكلامُ في ذلك(٤). والعدولُ عن تطبيق القرينتين بأن يقال: وحرًّا مالكاً للأموال، مع كونه أدلَّ (١) في الكشاف ٢/ ٤٢٠ . (٢) في الإملاء ٤٥٦/٣ . (٣) في البحر ٥١٩/٥ . (٤) عند الآية (٧٧) من سورة البقرة، والآية (٥) من سورة هود. الآية : ٧٥ ٢٢٣ سُورَةُ التّحَلَِّ على تباين الحال بينه وبين قَسيمه لما في ((إرشاد العقل السليم)) من توخِّي تحقيق الحقِّ بأنَّ الأحرار أيضاً تحت رِبْقة عبوديته تعالى، وأنَّ مالكيّتهم لما يملكونه ليست إلا بأن يرزقهم الله تعالى إياه من غير أن يكون لهم مدخلٌ في ذلك، مع محاولة المبالغة في الدلالة على ما قصد بالمثل من تباين الحال بين الممثَّلَين، فإنَّ العبدَ المملوكَ حيث لم يكن مثلَ العبد المالك، فما ظنُّك بالجماد ومالك الملك خلَّاق العالمين(١). ﴿هَلْ يَسْتَونَ﴾ جُمع الضميرُ - وإن تقدَّمه اثنان، وكان الظاهر: يستويان - للإيذان بأنَّ المرادَ بما ذُكر من اتَّصفَ بالأوصاف المذكورة من الجنسين المذكورين، لا فردان معيَّنان منهما، وإن أخرج ابنُ عساكر وجماعة عن ابن عباس ﴿ا أنَّ الآيةَ نزلت في هشام بن عمرو وهو الذي ينفق ماله سرًّا وجهراً، وفي عبده أبي الجوزاء الذي كان ينهاه(٢). والله تعالى أعلم بصحّته. وقيل: نزلت في عثمان بن عفان ﴿ّه وعبدٍ له(٣). ولا يصحُّ إسناده كما في ((البحر)) وفيه: أنه يحتمل أن يكون الجمعُ باعتبار أنَّ المراد بـ ((من)) الجمع، وأن يكون باعتبار عَوْد الضمير على العبيد والأحرار وإن لم يجرِ لهما ذِكْرٌ لدلالة ((عبد مملوك)) و((من رزقناه)) عليهما(٤). والمعوَّل عليه ما ذُكر أولاً، والمعنى: هل يستوي العبيدُ والأحرار الموصوفون بما ذُكر من الصفات، مع أنَّ الفريقين سيَّان في البشرية والمخلوقية لله سبحانه، وأنَّ ما ينفقه الأحرار ليس مما لهم دَخْلٌ في إيجاده ولا تملُّكه، بل هو مما أعطاه الله تعالى إياهم، فحيث لم يستوِ الفريقان فما ظنُّكم بربِّ العالمين حيث تشركون به ما لا ذليل أذلّ منه وهو الأصنام. وقيل: إنَّ هذا تمثيلٌ للكافر المخذول والمؤمن الموفَّق، شبَّه الأولَ بمملوكٍ (١) إرشاد العقل السليم ١٢٩/٥. (٢) تاريخ دمشق ٢١٨/٣٩، وأخرجه - أيضاً - ابن أبي حاتم في تفسيره ٢٢٩٣/٧، وقد جاء في تاريخ دمشق أن اسم العبد: أبو الحوانة. (٣) أخرجه الطبري ١٤/ ٣١٢ . (٤) البحر المحيط ٥١٩/٥. سُورَةُ الْحَلِكَ ٢٢٤ الآية : ٧٥ لا تَصَرُّفَ له؛ لأنه لإحباط عمله وعدم الاعتداد بأفعاله واتباعه لهواه كالعبد المنقاد الملحَقِ بالبهائم، بخلاف المؤمن الموفَّق. وجَعْلُهُ تمثيلاً لذلك مرويٌّ عن ابن عباس ﴿ّ وقتادة، ولا تعيينَ أيضاً، وإن قيل: إنَّ الآيةَ نزلت في أبي بكرٍ وأبي جهل، على أنَّ أبا حيان قال: إنه لا يصحُّ إسناد ذلك(١). هذا، ثم اعلم أنهم اختلفوا في العبد هل يصحُّ له ملكٌ أم لا، قال في (الكشاف)): المذهب الظاهر أنه لا يصح(٢). وبه قال الشافعيُّ، وقال ابن المُنَيِّر(٣) على ما لخصه في ((الكشف)) من كلامٍ طويلٍ: إنه يصح له الملك عند مالك. وظاهر الآية تشهد له؛ لأنه أثبتَ له العجزَ بقوله تعالى: (قَمْلُوًَا) ثم نفى القدرةَ العارضةَ بتمليك السيد بقوله سبحانه: (لَّا يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ) وليس المعنى القدرة على التصرف؛ لأنَّ مقابله (وَمَن زَزَقَْهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا). والحملُ على إخراج المكاتب مع شذوذه إيجازٌ مع إخلالٍ، كما قال إمام الحرمين رحمه الله تعالى في: ((أيما امرأةٍ نكحتْ بغير إذن وليها)»(٤): الحملُ على المكاتبة بعيدٌ لا يجوز، والمأذون لم يخرج لما مرَّ من أنَّ المرادَ بالقدرة ما هو، وليس لقائل أن يقول: إنه صفةٌ لازمةٌ موضحةٌ، فالأصلُ في الصفات التقييد. اهـ. وتعقّبه المدقق(٥) بقوله: والجواب أنَّ المعنى على نفي القدرة عن التصرف، فالآيةُ ورادةٌ في تمثيل حالِ الأصنام به تعالى عن ذلك علوًّا كبيراً، وكلما بولغ في حال عجز المشبّه به وكمال المقابل دلَّ في المشبّه به أيضاً على ذلك، فالذي يطابقُ المقامَ القدرةُ على التصرف، وهو في مقابلة قوله تعالى: (يُنفِقُ مِنْهُ سِرَّ وَجَهْرًا) وما ذكره لا حاصل له ولا إخلالَ في إخراج المكاتب لشمول اللفظ، مع أنَّ المقام مقامُ مبالغةٍ، فما يُتوهّم دخوله بوجهٍ ينبغي أن يُنفى، وأين هذا مما نقله عن إمام الحرمين. اهـ. (١) البحر المحيط ٥١٩/٥. (٢) الكشاف ٢/ ٤٢٠ . (٣) الانتصاف بهامش الكشاف ٢/ ٤٢٠ . (٤) ينظر البرهان للجويني ٣٤١/١ وما بعدها، والحديث أخرجه أحمد (٢٤٣٧٢)، وأبو داود تا . (٢٠٨٤)، والترمذي (١١٠٢)، والنسائي في الكبرى (٥٣٧٣) من حديث عائشة (٥) هو صاحب الكشف. الآية : ٧٦ ٢٢٥ سُوَّةُ الْحَمِ واستدلَّ بالآية أيضاً على أنَّ العبد لا يملكُ الطلاقَ أيضاً، وروي ذلك عن ابن عباس ◌ًا، فقد أخرج ابن أبي حاتم عنه أنه قال: ليس للعبد طلاقٌ إلا بإذن سيِّدِه، وقرأ الآية (١). وقد فُصِّلتْ أحكامُ العبيد في حكم الفقه على أتمٍّ وجه. ﴿اَلْحَمْدُ لِلّهِ﴾ أي: كلّه له سبحانه لا يستحقُّه أحدٌ غيره تعالى؛ لأنه جلَّ شأنه المولي للنّعم وإن ظهرت على أيدي بعض الوسائط فضلاً عن استحقاق العبادة. وفيه إرشادٌ إلى ما هو الحقُّ من أنَّ ما يظهر على يدِ مَنْ ينفقُ فيما ذكر راجعٌ إليه تعالى كما لوَّح به «رزقناه))، وقال غير واحد: هذا حَمْدٌ على ظهور المحجَّة وقوَّة هذه الحجّة. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ ما ذُكر، فيضيفون نعمه تعالى إلى غيره، ويعبدونه لأجلها، أو لا يعلمون ظهورَ ذلك وقوة ما هنالك، فيبقون على شركهم وضلالهم، ونفي العلم عن أكثرهم للإشعار بأنَّ بعضَهم يعلمون ذلك، وإنما لم يعملوا بموجبه عناداً. وقيل: المراد بالأكثر الكلُّ، فكأنه قيل: هم لا يعلمون، وقيل: ضمير ((هم)) للخلق، والأكثر هم المشركون، وكلا القولين خلافُ الظاهر. ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ أي: مثلاً آخرَ يدلُّ على ما يدلُّ عليه المثل السابق على وجهٍ أظهر وأوضح، وأُبهم ثم بُيِّن بقوله تعالى: ﴿رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ﴾ لما تقدَّم، والبَكَمُ: الخَرَسُ المقارِنُ للخِلْقة، ويلزمه الصَّمَمُ فصاحبه لا يفهمُ لعدم السَّمع ولا يُقْهِمُ غيرَهُ لعدم النُّطق، والإشارةُ لا يُعتدُّ بها لعدم تفهيمها حقَّ التفهيم لكلِّ أحدٍ، فكأنه قيل: أحدهما أخرسُ أصمّ لا يفهم ولا يُفهم. وَلَا يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ﴾ من الأشياء المتعلّقة بنفسه أو غيره بحَدْسٍ أو فراسةٍ لسوء فهمه وإدراكه. ﴿وَهُوَ كَلُّ﴾ ثقيلٌ وعيالٌ ﴿عَلَى مَوْلَئُهُ﴾ على من يعوله ويلي أمره، وهذا بيانٌ لعدم قدرته على إقامة مصالح نفسه بعد ذِكْر عدم قدرته مطلقاً . (١) تفسير ابن أبي حاتم ٢٢٩٣/٧. سُوَّةُ الْحَلِآَ ٢٢٦ الآية : ٧٦ وقوله سبحانه: ﴿أَيْنَمَا يُوَجِهَةٌ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ أي: حيثما يرسله مولاهُ في أمرٍ لا يأتِ بنُجْحٍ وكفاية مُهمٌّ، بيانٌ لعدم قدرته على مصالح مولاه. وقرأ عبد الله في رواية: ((تُوجِّهه)) على الخطاب(١)، وقرأ علقمةُ وابنُ وثاب ومجاهد وطلحة، وهي رواية أخرى عن عبد الله: ((يُوجّه)) بالبناء للفاعل والجزم(٢)، وخُرِّجَ على أنَّ الفاعلَ يعود على المولى، والمفعول محذوفٌ، وهو ضميرُ الأبكم، أي: يوجّهه، ويجوز أن يكون ضميرُ الفاعل عائداً على الأبكم، ويكون الفعلُ لازمَ وَجَّهَ بمعنى تَوجَّه، وعلى ذلك جاء قولُ الأضبط بن قريع السعدي: أينما أُوَجِّه ألقَ سعداً(٣) وعن علقمة وطلحة وابن وثاب أيضاً: ((يوجَّهْ)) بالجزم والبناء للمفعول(٤)، وفي روايةٍ أخرى عن علقمة وطلحة أنهما قرأا: ((يوجِّهُ)) بكسر الجيم وضمِّ الهاء(٥)، قال صاحب ((اللوامح)): فإن صحَّ ذلك فالهاء التي هي لامُ الفعل محذوفةٌ فراراً من التضعيف، أو لم يرد بـ ((أينما)) الشرطُ، والمراد: أينما هو يُوجَّهُ، وقد حُذف منه ضميرُ المفعول به، فيكون حذفُ الياء من آخر ((يأت)) للتخفيف. وتعقّبه أبو حيان بأنَّ ((أين)) لا تخرجُ عن الشرط أو الاستفهام، ونقل عن أبي حاتم أنَّ هذه القراءةَ ضعيفةٌ لأنَّ الجزمَ لازمٌ، ثم قال: والذي تُوجَّهُ به هذه القراءةُ أنَّ ((أينما)) شرطٌ حُملتْ على ((إذا)) بجامع ما اشتركا فيه من الشرط، ثم حذفت ياء ((يأت)) تخفيفاً، أو جُزم على توقُّم أنه جيءَ بـ ((أينما)) جازمةً كقراءة من قرأ: ﴿إِنَّهُ, مَن يَتَّقِي وَيَصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠] في أحد الوجهين(٦). ويكون معنى يوجِّه: يتوجَّه كما مرَّ آنفاً(٧). (١) المحرر الوجيز ٤١١/٣، والبحر المحيط ٥٢٠/٥. (٢) القراءات الشاذة ص ٧٣، والمحتسب ١١/٢، والبحر المحيط ٥٢٠/٥. (٣) مثلٌ قاله الأضبط بن قريع وقد كان سيداً لقومه فرأى منهم جفوة فرحل عنهم إلى آخرين فرآهم يصنعون بساداتهم مثل ذلك. مجمع الأمثال ٥٣/١. (٤) القراءات الشاذة ص ٧٣، والمحتسب ١١/٢، والبحر المحيط ٥٢٠/٥. (٥) البحر المحيط ٥٢٠/٥. (٦) وهي قراءة ابن كثير في رواية قنبل. التيسير ص١٣١، والنشر ٢٩٧/٢. (٧) البحر المحيط ٥٢٠/٥ . الآية : ٧٦ ٢٢٧ سُؤَّةُ الْفَحَالِ ﴿هَلْ يَسْتَوِى هُوَ﴾ أي: ذلك الأبكمُ الموصوفُ بتلك الصفات المذكورة ﴿وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ ومن هو مِنطيقٌ فَهِمٌ ذو رأي ورُشْدٍ يكفي الناسَ في مهمَّاتهم، وينفعهم بحَثِّهم على العدل الجامع لمجامع الفضائل. ﴿وَهُوَ﴾ في نفسه مع ما ذُكر من نفعه الخاصِّ والعامّ ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ١٧٦ لا يتوجَّهُ إلى مطلبٍ إلا ويبلغه بأقرب سعي، فالجملةُ حاليةٌ مبيِّةٌ لكماله في نفسه، ولمَّا كان ذلك مقدَّماً على تكميل الغير أتى بها اسميةً، فإنها تُشعر بذلك مع الثبوت إلى مقارنة ذي الحال، فلا يقال: الأنسبُ تقديمها في النّظم الكريم. ومقابلة تلك الصفات الأربع بهذين الوصفين لأنهما كمالُ ما يقابلها ونهايته، فاختير آخرُ صفات الكامل المستدعية لما ذُكر وأَزْيَدُ حيث جُعل هادياً مهديًّا . وتغييرُ الأسلوب حيث لم يقل: والآخَرُ ((يأمر بالعدل)) الآية؛ لمراعاة الملاءمة بينه وبين ما هو المقصود من بيان التباين بين الفريقين، ويقال هنا كما قيل في المثل السابق: إنه حيث لم يستوِ الفريقان في الفضل والشرف مع استوائهما في الماهية والصورة، فلأن يُحكَم بأنَّ الصنم الذي لا ينطق ولا يسمع وهو عاجزٌ لا يقدر على شيءٍ كَلٌّ على عابده يحتاجُ إلى أن يحمله ويضعه ويمسح عنه الأذى إذا وقع عليه ويخدمه، وإن وَجَّههُ إلى أيِّ مهمٍّ من مهمَّاته لا ينفعه، ولا یأت له به، لا يساوي ربَّ العالمين، وهو هو في استحقاق المعبودية = أحرى وأولى. وقيل: هذا تمثيلٌ للمؤمن والكافر، فالأبكمُ هو الكافر، ومن يأمر بالعدل هو المؤمن، وروي ذلك عن ابن عباس ﴿ها، وأيًّا ما كان فليس المراد بـ ((رجلين)) رجلان معيَّنان، بل رجلان متَّصفان(١) بما ذُكر من الصفات مطلقاً . وما روي من أنَّ الأبكمَ أبو جهل والآمرَ بالعدل عمارٌ، أو الأبكم أُبيّ بن خلف والآمر عثمان بن مظعون، فقال أبو حيان: لا يصحُّ إسناده(٢)، وما أخرج ابن جرير وابن عساكر وغيرهما عن ابن عباس أنه قال: نزلت هذه الآية: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ) إلخ في عثمان بن عفان ومولى له كافر وهو أَسِيدُ بن أبي العِيص، كان يكرهُ (١) كذا في الأصل و(م). والوجه: رجلين معيَّنين، بل رجلين متصفين ... (٢) البحر المحيط ٥/ ٥٢٠، وينظر مجمع البيان ١٠٤/١٤ . سُؤَةُ المَحَلِ ٢٢٨ الآية : ٧٧ الإسلامَ، وكان عثمان ينفقُ عليه ويكفُلُه ويكفيه المؤونة، وكان الآخرُ ينهاهُ عن الصدقة والمعروف، فنزلت فيهما(١). فبعد تحقّق صحَّته لا يضرُّنا في إرادة الموصوفين مطلقاً، بحيث يدخلُ فيهما مَنْ ذُكر، فقد صرَّحوا بأنَّ خصوصَ السبب لا ينافي العموم. هذا، وقد اقتصر شيخ الإسلام على كون الغرض من التمثيلين نفي المساواة بينه جلَّ جلاله وبين ما يشركون، وهو دليلٌ على أنه مختاره، ثم قال: اعلمْ أنَّ كلا الفعلين ليس المرادُ بهما حكايةَ الضَّرب الماضي، بل المرادُ إنشاؤه بما ذُكر عَقيبه، ولا يبعد أن يقال: إنَّ الله تعالى ضرب مثلًا بخَلْق الفريقين على ما هما عليه، فكان خَلْقهما كذلك للاستدلال بعدم تساويهما على امتناع التساوي بينه سبحانه وتعالى وبين ما يشركون، فيكون كلٌّ من الفعلين حكايةً للضرب الماضي(٢). ولا يخفى أنه لا كلامَ في حُسْن اختياره، لكن في النفس من قوله: لا يبعد، شيءٌ. ﴿وَلَّهِ﴾ تعالى خاصة لا لأحدٍ غيره استقلالاً ولا اشتراكاً ﴿غَيْبُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: جميع الأمور الغائبة عن علوم المخلوقين، بحيث لا سبيلَ لهم إلى إدراكها حِسًّا ولا إلى فهمها عقلاً. ومعنى الإضافة إليهما التعلُّقُ بهما إما باعتبار الوقوع فيهما حالاً أو مالاً، وإما باعتبار الغَيبة عن أهلهما، ولا حاجةً إلى تقدير هذا المضاف، والمراد بيانُ الاختصاص به تعالى من حيثُ المعلوميةُ حسبما يُنبئ عنه عنوان الغَيبة، لا من حيثُ المخلوقيةُ والمملوكيةُ، وإن كان الأمر كذلك في نفس الأمر، وفيه - كما في «إرشاد العقل السليم)) - إشعارٌ بأنَّ علمه تعالى حضوريٌّ وأنَّ تحقَّقَ الغيوب في نفسها بالنسبة إليه سبحانه وتعالى، ولذلك لم يقلْ تعالى: ولله علمُ غيب السماوات والأرض(٣). وقيل: المراد بغيب السماوات والأرض ما في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُغَزِّكُ الْغَيْثَ﴾ الآية [لقمان: ٣٤]. وقيل: يوم القيامة، ولا يخفى أنَّ القولَ بالعموم أولى. (١) تفسير الطبري ٣١٢/١٤، وتاريخ دمشق ٢١٨/٣٩. (٢) إرشاد العقل السليم ١٣٠/٥. (٣) إرشاد العقل السليم ١٣١/٥. الآية : ٧٧ ٢٢٩ سُورَةُ الْحَ ﴿وَمَآ أَمْرُ السَّاعَةِ﴾ التي هي أعظمُ ما وقع فيه المماراةُ من الغيوب المتعلّقة بالسماوات والأرض من حيثُ الغَيبةُ عن أهلهما، أو ظهورُ آثارها فيهما عند وقوعها، أي: وما شأنها في سرعة المجيء ﴿إِلَّا كَلَمْجِ الْبَصَرِ﴾ أي: كَرَجْعِ الطَّرْف من أعلا الحدقة إلى أسفلها. وفي (البحر))(١): اللَّمْحُ: النظر بسرعة؛ يقال: لَمَحهُ لَمْحاً ولَمَحاناً، إذا نَظَرَهُ بسرعة . ﴿أَوَ هُوَ﴾ أي: أمرها ﴿أَقْرَبُ﴾ أي: من ذلك وأسرعُ بأن يقعَ في بعض أجزاء زمانه، فإنَّ رَجْعَ الطَّرْف من أعلا الحَدَقة إلى أسفلها وإن قَصُرَ حركةٌ أينية(٢) لها هويةٌ اتصاليةٌ منطبقةٌ على زمانٍ له هو كذلك قابل للانقسام إلى أبعاضٍ هي أزمنةٌ أيضاً، بل بأن يقعَ فيما يقال له: آنٌّ، وهو جزءٌ غيرُ منقسم من أجزاءِ الزمان كـ((آن)» ابتداء الحركة . و((أو)) قال الفراء: بمعنى ((بل))(٣). وردَّهُ في ((البحر)) بأنَّ ((بل)) للإضراب، وهو لا يصحُّ هنا بقسميه، أما الإبطال فلأنه يؤول إلى أنَّ الحكمَ السابقَ غيرُ مطابقٍ، فيكونُ الإخبار به كَذِباً، والله سبحانه وتعالى منزَّةٌ عن ذلك، وأما الانتقال فلأنه يلزمه التنافي بين الإخبار بكونه مثل لَمْح البصر، وكونه أقربَ، فلا يمكن صدقهما معاً، ويلزم الكذبُ المحال أيضاً(٤). وأجيب باختيار الثاني، ولا تنافي بين تشبيهه في السرعة بما هو غاية ما يتعارفه الناس في بابه، وبين كونه في الواقع أقرب من ذلك، وهذا بناءً على أنَّ الغرضَ من التشبيه بیانُ سرعته لا بیانُ مقدار زمان وقوعه وتحديده. وأجيب أيضاً بما يُصحِّحهُ بشِقَّيه، وهو أنه ورد على عادة الناس، يعني أنَّ أمرها إذا سئلتم عنها أن يقال فيه: هو كَلَمْحِ البصر، ثم يُضرَبُ عنه إلى ما هو أقرب. (١) ٥١٨/٥. (٢) كذا في الأصل و(م)، والذي في تفسير أبي السعود ١٣١/٥ والكلام منه: آنية. (٣) كما في البحر المحيط ٥٢١/٥. (٤) البحر المحيط ٥٢١/٥ بنحوه. سُوَّةُ الْحَمِ ٢٣٠ الآية : ٧٧ وقيل: هي للتخيير. وردّهُ في ((البحر)) أيضاً بأنه إنما يكون في المحظورات كـ : خُذْ من مالي ديناراً أو درهماً، أو في التكليفات كآية الكفارات(١). وأجيب بأنَّ هذا مبنيٌّ على مذهب ابن مالك من أنَّ ((أو)) تأتي للتخيير، وأنه غيرُ مختصّ بالوقوع بعد الطلب بل يقع في الخبر ويكثر في التشبيه حتى خصَّه بعضُهم به. وفي ((شرح الهادي))(٢): اعلم أنَّ التخييرَ والإباحةَ مختصَّانِ بالأمر، إذ لا معنى لهما في الخبر، كما أنَّ الشَّكَّ والإبهامَ مختصَّان بالخبر، وقد جاءت الإباحةُ في غير الأمر كقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِى أَسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّ أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُ، ذَهَبَ اللَّهُ بِئُورِهِمْ وَتَرَّكَّهُمْ فِ نُظُلُّمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ * مُمْ بَكْمَّ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ﴿ أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَآءِ﴾ [البقرة: ١٦-١٩] أي: بأيِّ هذين شَبَّهتَ فأنتَ مصيبٌ، وكذا إن شبَّهتَ بهما جميعاً، ومثله في الشعر كثير. وقيل: إنَّ المرادَ تخييرُ المخاطَبِ بعد فرض الطلب والسؤال، فلا حاجةً إلى البناء على ما ذكر، وهو كما ترى. وزعم بعضُهم أنَّ التخييرَ مُشكلٌ من جهةٍ أخرى، وهي أنَّ أحدَ الأمرين من كونه كلَمْحِ البصر أو أقرب غيرُ مطابقٍ للواقع، فكيف يُخيِّرُ الله تعالى بين ما لا يطابقه، وفيه أنَّ المراد التخييرُ في التشبيه، وأيُّ ضررٍ في عدم وقوع المشبّه به، بل قد يُستحسنُ فيه عدمُ الوقوع كما في قوله : أعلامُ ياقوتٍ نُشِرْ نَ على رماحٍ من زَبَرْجَد(٣) وقال ابن عطية: هي للشَّكِّ على بابها على معنى أنه لو اتفقَ أن يقفَ على أمرها شخصٌ من البشر لكانت من السرعة بحيثُ يشُّ هل هو كلمح البصر أو أقرب (٤). وتعقّبه في ((البحر)) أيضاً بأنَّ الشَّكَّ بعيدٌ؛ لأنَّ هذا إخبارٌ من الله تعالى (١) البحر المحيط ٥٢١/٥. (٢) هو لعبد الوهاب بن إبراهيم بن أبي المعالي الخزرجي الزنجاني، وهو كتاب مشهور في علم التصريف، وقد أكثر الجاربردي من النقل عنه في شرح الشافية. أبجد العلوم ٣٦/٣. (٣) ينسب البيت للصنوبري، وهو في أسرار البلاغة ص ١٥٠، ومعاهد التنصيص ٤/٢. (٤) المحرر الوجيز ٤١١/٣ . الآية : ٧٧ ٢٣١ سُوَّةُ الْحَآ عن أمر الساعة، والشَّكُّ مستحيلٌ عليه سبحانه(١). أي: فلا بدَّ أن يكون ذلك بالنسبة إلى غير المتكلِّم، وفي ارتكابه بُعدٌ، ويدلُّ على أنَّ هذا مراده تعليله البُعدَ بالاستحالة، فليس اعتراضه مما يقضى منه العجبُ كما توهّم. وقال الزجاج(٢): هي للإبهام. وتُعقِّبَ بأنه لا فائدةَ في إيهام أمرها في السرعة، وإنما الفائدةُ في إبهام وقت مجيئها . وأجيب بأنَّ المرادَ أنه يَسْتَبْهِمُ على مَنْ يُشاهد سرعتَها هل هي كلمح البصر أو أقلّ، فتدبر. والمأثور عن ابن جريج أنها بمعنى ((بل)) وعليه كثيرون، والمراد تمثيلُ سرعة مجيئها واستقرابه على وجه المبالغة، وقد كَثُرَ في النَّظم مثلُ هذه المبالغة، ومنه قول الشاعر: ـخُ جميعاً وهما ماهما قالت له البرقُ وقالت له الريـ نشطتُ أضحكتكما منكما أأنتَ تجري معنا قال إن إلى المدى سبقاً فمن أنتما(٣) إنَّ ارتدادَ الظَّرْف قدفُتُّهُ وقيل: المعنى: وما أَمْرُ إقامة الساعة المختصّ عِلْمها به سبحانه، وهي إماتةُ الأحياء وإحياءُ الأموات من الأوَّلين والآخرين، وتبديلُ صُوَرِ الأكوان أجمعين، وقد أنكرها المنكرون وجعلوها من قبيل ما لا يدخل تحت دائرة الإمكان في سرعة الوقوع وسهولة التأتِّي = إلا كلمح البصر أو هو أقرب، على ما مرَّ من الأقوال في ((أو)). ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾﴾ ومن جملة الأشياء أن يجيءَ بها في أسرع ما يكون، فهو قادرٌ على ذلك، وتقول على الثاني: ومن جملة ذلك أَمْرُ إقامتها، فهو سبحانه قادرٌ عليه، فالجملةُ في موضع التعليل. وفي ((الكشف)) على تقدير عموم الغيب وشموله لجميع ما غاب في السماوات (١) البحر المحيط ٥٢١/٥. (٢) كما في البحر المحيط ٥٢١/٥. (٣) الأبيات لابن الحجاج وهي في معاهد التنصيص ٤١/٣ . سُورَةُ النَّحَلِآَ ٢٣٢ الآية : ٧٨ والأرض أنَّ قوله تعالى: (وَمَآ أَمْرُ الشَاعَةِ) كالمستفاد من الأول، وهو كالتمهيد له، أي: يختصُّ به عِلْمُ كلِّ غيب الساعة وغيرها، فهو الآتي بها للعلم والقدرة، ولهذا عقّب بقوله سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ) إلخ، وأما إذا أُريد بالغيب الساعة فهو ظاهر. اهـ. ولا يخفى الحالُ على القول بأنَّ المرادَ بالغيب ما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّدُ الْغَيْثَ﴾ الآية [لقمان: ٣٤]، وعلى القول الأخير في الغيب يكون ذِكْرُ الساعة من وَضْعِ الظاهر موضعَ الضمير لتقوية مضمون الجملة. ﴿وَّهُ أَخْرَحَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَلِكُمْ﴾ عَظْفٌ على قوله تعالى: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجًا) منتظمٌ معه في سِلْكِ أدلة التوحيد، ويُفهم من قول العلامة الطيبيِّ أنه تعالى عقّب قوله سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ) بقوله جلَّ وعلا: (وَاللَّهُ أَخْرَحَكُمْ) إلخ معطوفاً بالواو إيذاناً بأنَّ مقدوراته تعالى لا نهايةً لها، والمذكورُ بعضُ منها = أنَّ العَظْفَ على قوله سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ) إلخ، والذي تنبسطُ له النفس هو الأول. والأُمَّهات بضمِّ الهمزة وفتح الهمزة(١) جمعُ أُمِّ، والهاءُ فيه مَزيدةٌ وکَثُرَ زيادتها فيه، وورد بدونها، والمعنى في الحالين واحد، وقيل: ذو الزيادة للأناسيِّ، والعاري عنها للبهائم، ووزنُ المفرد فُعلٌ لقولهم: الأمومة، وجاء بالهاء كقول قصي بن كلاب عليهما الرحمة: أُمَّهتي خِنْدِفُ وإلياس أبي(٢) وهو قليل(٣)، وأقلُّ من ذلك زيادةُ الهاء في الفعل كما قيل في إهراق، وفيه بحثٌ فارجع إلى ((الصحاح)) (٤) وغيره. (١) كذا في الأصل و(م). ولعلها سبق قلم من المصنف رحمه الله، والصواب: وفتح الميم. (٢) الجمهرة ٢٦٧/٣، وشرح الشافية للأستراباذي ٣٠٣/٤، والمزهر ١٧٩/١، والخزانة ٣٧٩/٧. وخندف زوجة إلياس بن مضر واسمها ليلى بنت حلوان بن عمران، وخندف لقبها. القاموس (خندف). (٣) ذكر السيوطي في المزهر ١٧٩/١ عن الأصمعي عن أبي عمرو أن هذا مصنوع. (٤) مادة (أمم). الآية : ٧٨ ٢٣٣ سُورَةُ الفَك وقرأ حمزةُ بكسر الهمزة والميم هنا، وفي ((الزمر)) و((النجم)) و((الروم))، والكسائيُّ بكسر الهمزة فيهنَّ (١)؛ والأعمش بحذف الهمزة وكسر الميم، وابن أبي ليلى بحذفها وفتح الميم، قال أبو حاتم: حَذْفُ الهمزة رديءٌ، ولكنَّ قراءةَ ابن أبي ليلى أصوب(٢)، وكانت كذلك على ما في ((البحر)) (٣) لأنَّ كَسْرَ الميم إنما هو لإتباعها حركةَ الهمزة، فإذا كانت الهمزةُ محذوفةً زالَ الإتباع، بخلاف قراءة ابن أبي ليلى فإنه أَقرَّ الميم على حركتها . ﴿لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ في موضع الحال، و((شيئاً)) منصوبٌ على المصدرية، أو مفعول ((تعلمون))، والنفي منصبٌّ عليه، والعلم بمعنى المعرفة، أي: غير عارفين شيئاً أصلاً من حقِّ المنعِم وغيره. وقيل: شيئاً من منافعكم، وقيل: مما قضى عليكم من السعادة أو الشقاوة، وقيل: مما أخذ عليكم من الميثاق في أصلاب آبائكم، والظاهر العموم، ولا داعي إلى التخصيص. وعن وهب: يولد المولودُ خَدِراً إلى سبعة أيامٍ لا يدرك راحةً ولا ألماً. وادَّعى بعضُهم أنَّ النفسَ لا تخلو في مبدأ الفطرة عن العلم الحضوريِّ، وهو علمها بنفسها؛ إذ المجرَّدُ لا يغيبُ عن ذاته أصلاً، فقد قال الشيخ في بعض تعليقاته عند إثبات تجرُّد النفس: إنك لا تغفلُ عن ذاتك أصلاً في حالٍ من الأحوال، ولو في حال النوم والسُّكْر، ولو جوَّزَ مجوِّزٌ أن يغفلَ عن ذاته في بعض الأحوال حتى لا يكونَ بينه وبين الجماد في هذه الحالة فرقٌ، فلا يجدي هذا البرهان معه. وقال بهمنيار في ((التحصيل)) في فصل العقل والمعقول: ثم إنَّ النفسَ الإنسانيةَ تشعر بذاتها، فيجبُ أن يكونَ وجودُها عقليًّا، فيكونُ نفسُ وجودها نفسَ إدراكها، ولهذا لا تَعزُبُ عن ذاتها البتّة، ومثله في ((الشفاء))(٤)، وأنت تعلم أنَّ عدمَ الخلوِّ (١) التيسير ص٩٤، والنشر ٢٤٨/٢. وينظر الآية (٦١) من سورة النور، والآية (٦) من سورة الزمر، والآية (٣٢) من سورة النجم. وقد جاء في الأصل و(م): والكسائي بكسر الميم فيهن. والمثبت هو الصواب. ينظر البحر المحيط ٥٢٢/٥. (٢) المحرر الوجيز ٤١١/٣، والبحر المحيط ٥٢٢/٥. (٣) ٥٢٢/٥. (٤) الشفاء لابن سينا ص ١٥ (الطبيعيات - النفس). سُورَةُ الفحم ٢٣٤ الآية : ٧٨ مبنيٌّ على مقدِّماتٍ خفيةٍ كتجرُّد النفس الذي أنكره الطبيعيون عن آخرهم، وأنَّ كلَّ مجرَّد عالم، ولا يتمُّ البرهان عليه، وأيضاً ما نقل من أنَّ علم النفس بذاتها عينُ ذاتها لا ينافي أن يكون لكون الذات عِلْماً بها شرطٌ، فما لم يتحقَّق ذلك الشرط لم تكن الذاتُ علماً بها، كما أنَّ لكون المبدأ الفياض خزانةً لمعقولات زيدٍ مثلاً شرطاً إذا تحقَّق تحقّق، وإلا فلا. ويؤيد ذلك أنَّ علم النفس بصفاتها أيضاً نفسُ صفاتها عندهم؛ ومع ذلك يجوز الغفلةُ عن الصفة في بعض الأحيان كما لا يخفى. وأيضاً إذا قلنا: إنَّ حقيقةَ الذات غيرُ غائبةٍ عنها، وقلنا: إنَّ ذلك علمٌ بها، يلزمُ أن يكون حقيقةُ النفس المجردة معلومةً لكلِّ أحد؛ ومن البَين أنه ليس كذلك. على أنَّ المحقق الطوسيَّ قد منع قولهم: إنك لا تغفلُ عن ذاتك أبداً، وقال: إنَّ المغمى عليه ربما غَفَلَ عن ذاته في وقت الإغماء، ومثله كثيرٌ من الأمراض النفسانية. ومن العجائب أنَّ بعضَ الأَجلَّة ذكر أنَّ المرادَ بخلوِّها في مبدأ الفطرة خلوُّها حالَ تعلُّقها بالبدن، وقال: إنه لا ينافي ذلك ما قاله الشيخ من أنَّ الطفلَ يتعلَّقُ بالثدي حالَ التولّد بإلهام فطريٍّ؛ لأنَّ حالَ التعلَّق سابقٌ على ذلك، وذلك بعد أن ذكر أنَّ الخلوَّ في مبدأ الفطرة إنما يظهر لذوي الحدس بملاحظة حال الطفل وتجارب أحواله، ووجه العجب ظاهرٌ فافهم ولا تغفل. وتفسيرُ العلم بالمعرفة مما ذهب إليه غيرُ واحدٍ، وفي ((أمالي العز)) لا يجوزُ أن يُجعلَ باقياً على بابه، ويكون ((شيئاً)) مصدراً، أي: لا تعلمون علماً لوجهين؛ الأول: أنه يلزمُ حذْفُ المفعولين، وهو خلافُ الأصل. الثاني: أنه لو كان باقياً على بابه لكان الناس يعلمونَ المبتدأ الذي هو أحدُ المفعولين قبل الخروج من البطون، وهو محالٌ لاستحالة العلم على منْ لم يولد. بيانُ ذلك أنَّا إذا قلنا: علمتُ زيداً مقيماً، يجبُ أن يكون العلمُ بزيدٍ متقدِّماً قبل هذا العلم، وهذا العلمُ إنما يتعلَّقُ بإقامته، وكذلك إذا قلت: ما علمتُ زيداً مقيماً، فالذي لم يُعلَم هو إقامة زيدٍ، وأما هو فمعلومٌ، وذلك مستفادٌ من جهة الوضْع، فحيثُ أُثبتَ العلمُ أو نُفِيَ فلابدَّ أن يكون الأولُ معلوماً، فيتعيَّنُ حَمْلُ العلم على المعرفة. اهـ. الآية : ٧٨ ٢٣٥ سُورَةُ الْحَمِآَ ويعلم منه عدمُ استقامة جَعْل العلم على بابه، و((شيئاً)) مفعوله الأول، والمفعول الثاني محذوف. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَةُ﴾ يحتملُ أن يكون جملةً ابتدائيةً، ويحتملُ أن يكون معطوفاً على الجملة الواقعة خبراً، والواو لا تقتضي الترتيب، ونكتةُ تأخيره أنَّ السَّمْعَ ونحوه من آلات الإدراك إنما يُعتدُّ به إذا أَحسَّ وأدركَ، وذلك بعد الإخراج، و((جعل)) إن تعدَّى لواحدٍ بأن كان بمعنى ((خلق)) فـ ((لكم)) متعلِّقٌ به، وإن تعدَّى لاثنين بأن كان بمعنى ((صيَّر)) فهو مفعوله الثاني، وتقديمُ الجارِّ والمجرور على المنصوبات لما مرَّ غيرَ مرَّة. والمعنى: جعل لكم هذه الأشياءَ آلاتٍ تُحصِّلون بها العلمَ والمعرفة، بأن تحسُّوا بمشاعركم جزئيات الأشياء وتدركوها بأفئدتكم، وتنتبهوا لما بينها من المشاركات والمباينات بتكرير الإحساس، فيحصلُ لكم علومٌ بديهيةٌ تتمكّنونَ بالنظر فيها من تحصيل العلوم الكَسْبية، وهذا خلاصة ما ذكره الإمام في هذا المقام(١). ومستمدُّ ما ذهب إليه الكثيرُ من الحكماء من أنَّ النفسَ في أول أمرها خاليةٌ عن العلوم، فإذا استعملت الحواسّ الظاهرة أدركتْ بالقوة الوهمية أموراً جزئيةً بمشاركاتٍ ومباينات جزئية بينها، فاستعدَّت لأن يفيض عليها المبدأ الفياض المشاركات الكلية، ويثبتون للنفس أربع مراتب؛ مرتبة العقل الهيولاني، ومرتبة العقل بالمَلَكة، ومرتبة العقل بالفعل، ومرتبة العقل المستفاد، ويزعمون أنَّ النفسَ لا تُدرِكُ الجزئيَّ الماديَّ، ولهم في هذا المقام كلامٌ طويل وبحثٌ عريض. وأهل السنة يقولون: إنَّ النفسَ تدرك الكُلِّيَّ والجزئيَّ مطلقاً باستعمال المشاعر وبدونه كما فُصِّلَ في محلِّه، وتحقيقُ هذا المطلب بما لَهُ وما عليه يحتاجُ إلى بَسْطِ كثير، وقد عرض والمستعان بالحيِّ القيوم جلَّ جلاله وعمَّ نواله من الحوادث الموجبة لاختلال أمر الخاصة والعامة ما شوَّشَ ذهني وحالَ بين تحقيق ذلك وبيني، أسأل الله سبحانه أن يمنَّ علينا بما يسرُّ الفؤادَ ويُسِّرُ لنا ما يكونُ عوناً على تحصيل المراد. (١) تفسير الرازي ٨٩/٢٠ - ٩٠ بنحوه. سُورَةُ الْحَلِ ٢٣٦ الآية : ٧٨ في هذه الآية أنه قال: يريد سبحانه والجملة المأثورةُ عن ابن عباس أنه جعل لكم ذلك لتسمعوا مواعظَ الله تعالى وتبصروا ما أنعم الله تعالى به عليكم من إخراجكم من بطون أمهاتكم إلى أن صِرْتم رجالاً، وتعقلوا عظمته سبحانه . وقيل: المعنى: جعل لكم السمعَ لتسمعوا به نصوصَ الكتاب والسنة التي هي دلائلُ سمعيةٌ لتستدلُّوا بها على ما يصلحكم في أمر دينكم، والأبصارَ لتبصروا بها عجائبَ مصنوعاته تعالى وغرائبَ مخلوقاته سبحانه، فتستدلّوا بها على وحدانيته جلَّ وعلا. والأفئدةَ لتعقلوا بها معاني الأشياء التي جعلها سبحانه دلائلَ لكم، والسمعُ والأبصارُ على هذين القولين على ظاهرهما، ولم نَرَ من جَوَّزَ إخراجهما عن ذلك. وجُوِّزَ أن يراد بهما الحواسُّ الظاهرةُ على الأول. والأفئدةُ جمع فؤاد، وهو وسطُ القلبِ، وهو من القلب كالقلب من الصَّدر، وهذا الجمع ـ على ما في ((الكشاف)) - من جموع القِلَّةِ الجارية مجرى جموع الكَثْرة والقِلَّة؛ إذ لم يَرد في السماع غيرها، كما جاء: شُسُوع في جمع شِسْعٍ لا غير، فجرى ذلك المجرى(١) . وقال الزجاج: لم يُجمعْ ((فؤاد)) على أكثر العدد، وربما قيل: أفئدةٌ وفئدان كما قيل: أَغربة وغربان في جمع غراب(٢)، وفي ((التفسير الكبير)): لعلَّ الفؤادَ إنما جُمع على بناء القِلَّة تنبيهاً على أنَّ السمع والبصرَ كثيرٌ، وأما الفؤاد فقليلٌ؛ لأنه إنما خُلق للمعارف الحقيقية والعلوم اليقينية، وأكثرُ الخلق ليس لهم ذلك، بل يكونون مشتغلين بالأفعال البهيمية والصفات السَّبعية، فكأنَّ فؤادهم ليس بفؤادٍ، فلذا ذكر في جمعه جمع القِلَّةُ(٣). ويرد عليه الأبصار، فإنه جمعُ قِلَّةٍ أيضاً. وفي ((البحر)) بعد نقله أنه قولٌ هذيانيٌّ: ولولا جلالة قائله لم نُسطّرهُ في الكتب، وإنما يقال في هذا ما قاله الزمخشريُّ مما ذُكر سابقاً، إلا أنَّ قوله: لم يجئ في جمع شِسْع إلا شُسُوع، ليس (١) الکشاف ٢/ ٤٢٢. (٢) معاني القرآن للزجاج ٢١٤/٣ . (٣) التفسير الكبير ٩٠/٢٠. الآية : ٧٨ ٢٣٧ سُورَةُ التَّحَالِ بصحيحٍ، بل جاء فيه أشسائٌ جمع قِلَّةٍ على قِلَّةٍ(١). فاحفظ ولا تغفل. وزعم بعضُهم أنَّ الفؤاد إنما يُدرِكُ ما ليس بمحدودٍ بنحو: أين وكيف وكم وغير ذلك، وإنَّ لكلِّ مُدرِكٍ قوةً مدرِكةً له تناسبه، لا يمكن أن يُدرِكَ بغيرها على نحو المحسوسات الظاهرة من الأصوات والألوان والطعوم ونحوها، والحواسِّ الظاهرة من السمع والبصر والذوق، إلى غير ذلك، وهو كما ترى. وإفراد السمع باعتبار أنه مصدرٌ في الأصل، وقيل: إنما أُفرد وجُمع ((الأبصار)) للإشارة إلى أنَّ مدركاته نوعٌ واحدٌ، ومدركات البصر أكثر من ذلك، وتقديمه لما أنه طريقُ تلقِّي الوحي، أو لأنَّ إدراكه أقدمُ من إدراك البصر، وقيل: لأنَّ مدركاته أقلُّ من مدركاته، والخلاف في الأفضل منهما شهيرٌ، وقد مرَّ(٢). وتقديمها على الأفئدة المشار بها إلى العقل لتقدُّم الظاهر على الباطن، أو لأنَّ لهما مدخلاً في إدراكه في الجملة، بل هما من خَدَمهِ، والخَدَمُ تتقدَّمُ بين يدي السادة، وكثيرٌ من السُّنن أُمر بتقديمه على فروض العبادة، أو لأنَّ مدرَكاتهما أقلُّ قليلٍ بالنسبة إلى مُدرَكاته، كيف لا ومدركاته لا تكاد تحصى، وإن قيل: إنَّ للعقل حدّاً ينتهي إليه، كما أنَّ للبصر حدّاً كذلك، واستأنس بعضُهم بذكر ما يشير إليه فقط دون ضَمِّ ما يشيرُ إلى سائر المشاعر الباطنة إليه لنفي الحواسِّ الخَمْسِ الباطنة التي أثبتها الحكماء بما لا يخلو عن كَدَرٍ، وتفصيلُ الكلام في محلِّه. ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾﴾﴾ كي تعرفوا ما أنعم سبحانه به عليكم طَوْراً غِبَّ طَوْرٍ فتشكروه. وقيل: المعنى: جعل ذلك كي تشكروه تعالى باستعمال ما ذكر فيما خلق لأجله. (١) البحر المحيط ٥٢٢/٥. وشاهده قولُ عُبيد بن أيوب العنبري: يُدير نعليه لئلّا تُعرفا يجعلُ أشساعها نحو القفا وينظر تاج العروس (شسع). (٢) ١/ ٤٠٠. سُؤَّةُ النَّحَِ ٢٣٨ الآية : ٧٩ ﴿أَلَمْ بَرَوْا﴾ وقرأ حمزةُ وابن عامر وطلحةُ والأعمش وابن هرمز: ((ألم تروا)) بالتاء الفوقية على أنه خطاب العامة (١)، والمراد بهم جميعُ الخلق المخاطَبون قبلُ في قوله تعالى: (وَاللَّهُ أَخْرَحَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ) لا على أنَّ المخاطَبَ مَنْ وَقَعَ في قوله تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ) بتلوين الخطاب؛ لأنه المناسبُ للاستفهام الإنكاريِّ، ولذا جعل قراءة الجمهور بياء الغيبة باعتبار غيبة ((يعبدون)) ولم يجعلوا ذلك التفاتاً، وحينئذٍ فالإنكار باعتبار اندراجهم في العامة، والرؤيةُ بَصَريةٌ، أي: ألم ينظروا ﴿إِلَى الطَّيْرِ﴾ جمع طائرٍ كَرَكْبٍ وراكب، ويقع على الواحد أيضاً، وليس بمرادٍ، ويقال في الجمع أيضاً: طيورٌ وَأَطيار. ﴿مُسَخَرَةٍ﴾ مذلَّلات للطيران، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ طيرانَها ليس بمقتضى طَبْعها . ﴿فِي جَوّ السَّمَآءِ﴾ أي: في الهواء المتباعد من الأرض واللوح والسّكاك أبعد منه. وقيل: الجوُّ مسافةُ ما بين السماء والأرض، والجوَّةُ لغةٌ فيه، وإضافته إلى السماء لما أنه في جانبها من الناظر، ولإظهار كمال القدرة، وعن السُّدِّي: تفسيرُ الجوِّ بالجوف، وفُسِّرتِ السماءُ على هذا بجهة العلوِّ، والطيرُ قد يطيرُ في هذه الجهة حتى يغيب عن النظر، ولم يعلم منتهى ارتفاعه في الطيران إلا الله تعالى، وعن كعبٍ: أنَّ الطيرَ لا ترتفع أكثر من اثني عشر ميلاً . ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ﴾ في الجوِّ عن الوقوع ﴿إِلَّ اللَّهُ﴾ عزَّ وجلَّ بقدرته الواسعة، فإنَّ ثِقَل جَسَدها ورِقَّةً الهواء يقتضيان سقوطها، ولا عِلاقَةَ من فوقها ولا دِعامة من تحتها، والجملة إما حالٌ من الضمير المستتر في ((مسخَّرات)) أو من ((الطير)) وإما مستأنفة. ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ﴾ الذي ذُكر من التسخير في الجوِّ والإمساك فيه، وقيل: المشار إليه ما اشتملت عليه هذه الآية والتي قبلها . (١) قراءة حمزة وابن عامر في التيسير ص١٣٨، والنشر ٢/ ٣٠٤، وقراءة طلحة والأعمش وابن هرمز في المحرر الوجيز ٤١١/٣، والبحر المحيط ٥٢٢/٥. الآية : ٨٠ ٢٣٩ سُؤَدَّةُ الْحَمِ ﴿لَيَتٍ﴾ دالة على كمال قدرته جلَّ شأنه ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ أي: من شأنهم أن يؤمنوا، وخصَّ ذلك بهم لأنهم المنتفعون به، واقتصر الإمام على جَعْل المشار إليه ما في هذه الآية، قال: وهذا دليلٌ على كمال قدرة الله تعالى وحكمته سبحانه، فإنه جلَّ شأنه خَلَقَ الطائَر خِلْقَةً معها يمكنه الطيران، أعطاه جناحاً يبسطه مرَّة ويُكِنُّه أخرى، مثل ما يعمل السابحُ في الماء، وخلق الجوَّ خلقةً معها يمكن الطيران، خَلَقهُ خِلْقةً لطيفةً يسهلُ بسببها خَرْقُهُ والنفاذُ فيه، ولولا ذلك لما كان الطيرانُ ممكناً(١). وكذا المولى أبو السعود قال: إنَّ في ذلك الذي ذكر من تسخير الطير للطيران بأن خَلَقها خِلْقةً تتمكّنُ بها منهِ بأنْ جعل لها أجنحةً خفيفةً وأذناباً كذلك، وجعل أجسادها من الخِفَّةِ بحيث إذا بَسطتْ أجنحتَها وأذنابها لا يطيقُ ثِقَلها أن يخرقَ ما تحتها من الهواء الرقيق القوام، وتخرقُ ما بين يديها من الهواء لأنها لا تلاقيه بحجم كبيرٍ لآياتٍ ظاهرة، وذكر أنَّ تسخيرَها بما خَلَقَ لها من الأجنحة والأسباب المساعدة(٢). وتعقّب ذلك أبو حيان بقوله: والذي نقوله: إنه كان يمكن الطائر أن يطيرَ ولو لم يُخلق له جناح، وإنه كان يمكنه خَرْقُ الشيء الكثيف، وذلك بقدرة الله تعالی، ولا نقول: إنه لولا الجناح ولُظْف الجوِّ والآلات ما أمكن الطيران(٣). وأنا لا أظنُّ أنَّ أحداً ينفي الإمكانَ الذاتيَّ للطيران بدون الجناح مثلاً، لكن لا يبعدُ نفيهُ بدون لُظْفِ المطار، والكثيف متى خرق كان المطار لطيفاً، فافهم. واستُدلَّ بالآية على أنَّ العبدَ خالقٌ لأفعاله، وأَوَّلَها القاضي، وهو ارتكابٌ لخلاف الظاهر لغیر دلیل. ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ﴾ معطوفٌ على ما مَّر، وتقديمُ ((لكم)) على ما بعده للتشويق والإيذان من أول الأمر بأنَّ هذا الجَعْلَ لمنفعتهم، وقوله تعالى: ﴿مِّنْ يُوتِكُمْ﴾ (١) تفسير الرازي ٢٠/ ٩١. (٢) تفسير أبي السعود ١٣٢/٥. (٣) البحر المحيط ٥٢٢/٥-٥٢٣. سُؤَدَّةُ التّحَتَ ٢٤٠ الآية : ٨٠ تبيينٌ لذلك المجعول المبهم في الجملة، وتأكيدٌ لما سبق من التشويق، والإضافةُ للعهد، أي: من بيوتكم المعهودة التي تبنونها من الحَجَرِ والمَدَرِ والأخشاب. ﴿سَكْنَا﴾ فَعَلٌ بمعنى مفعول كَنَقَض، وأنشد الفراء: جاء الشتاءُ ولمَّا أَتخذْ سَكَناً يا وبِحَّ نفسي من حَفْر القراميصِ(١) وليس بمصدرٍ كما ذهب إليه ابنُ عطية(٢)، أي: موضعاً تسكنون فيه وقتَ إقامتكم، وجُوِّزَ أن يكونَ المعنى: تسكنون إليه من غير أن ينتقلَ من مكانه، أي: جعل بعضَ بیوتکم بحیث تسكنون إليه وتطمئنون به. ﴿وَجَعَلَ لَكُ مِّنْ جُودِ آلْأَنْعَمِ بُونًا﴾ أي: بيوتاً أُخَر مغايرةً لبيوتكم المعهودة، وهي القِباب المتَّخذةُ من الأَدَم، والظاهر أنه لا يندرجُ في هذه البيوت المتَّخَذَةُ من الشعر والصُّوف والوبر. وقال ابن سلام وغيره: بالاندراج لأنها من حيثُ إنها ثابتةٌ على جلودها يَصْدُقُ عليها أنها من جلودها . واعترض بأنَّ ((من)) على الأول تبعيضيةٌ، وعلى إرادة البيوت التي من الشعر ونحوه ابتدائية، فإذا عُمِّمَ ذلك يلزمُ استعمالُ المشتَرَك في معنييه. وأجيب بأنَّ القائلَ بذلك لعلَّهُ يرى جوازَ هذا الاستعمال، وممن قال بذلك البيضاويُّ(٣) وهو شافعيٌّ. وقيل: الجلودُ مجازٌ عن المجموع. ﴿تَسْتَخِقُونَهَا﴾ أي: تجدونها خفيفةً سهلةَ المأخذِ، فالسينُ ليست للطّلب بل للوجدان؛ كأحمدتُهُ: وجدتُهُ محموداً. ﴿يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾ وقتَ ترحالكم في النقض والحمل. ﴿وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾ ووقتَ نزولكم وإقامتكم في مسايركم حسبما يتفقُ في الضَّرب والبناء، وجُوِّزَ أن يكونَ المعنى: تجدونها خفيفةً في أوقات السفر وفي أوقات (١) البيت في إصلاح المنطق ص٨٣، والاشتقاق ص٤١٤، وزهر الأكم ١/ ٣٤٠ دون نسبة. (٢) في المحرر الوجيز ٤١٢/٣ . (٣) تفسير البيضاوي ١٨٨/٣.