النص المفهرس
صفحات 201-220
الآية : ٦٩ ٢٠١ سُوَّةُ الْحَلِكَ وفسَّر البطونَ بأفواه النحل، فليتَ شعري ماذا يصنعُ بقوله سبحانه: (ثُمَّ كُلٍ)! وأُجيب بأنه يفسِّرُ الأكلَ بالالتقاط، وهو كما ترى، إن دُفع الفسادُ لا يُدفعُ الاستبعاد. ومن الناس مَنْ زَعَمَ أنها تجتني زهرًا وطَلًّا، فالمجتنى من الزهر نفسِهِ يكونُ عَسَلاً، والمجتنى من الظَّلِّ يكون مُوماً(١)، والعقلُ يُجوِّزُ العكسَ، ولعلَّه أقربُ من ذلك. ﴿تُخْتَلِفُ أَلْوَنُ﴾ بالبياض والصُّفرة والحمرة والسواد، إما لمحضٍ إرادة الصانع الحكيم جلَّ جلاله، وإما لاختلاف المرعى، أو لاختلاف الفصل، أو لاختلاف سِنِّ النحل، فالأبيضُ لِفَتَيِّها، والأصفرُ لِكَهْلِها، والأحمرُ لِمُسِنِّها، والأسود للطّاعن في ذلك جدًّا. وتُعقِّب بأنه مما لا دليل عليه، وقد سألتُ جَمْعاً ممن أثقُ بهم قد اختبروا أحوالها، فذكروا أنهم قد استقرؤوا وسَبروا فرأوا أقوى الأسباب الظاهرة لاختلاف الألوان اختلافُ السِّنِّ، بل قال بعضهم: ما عَلِمنا لذلك سبباً إلا هذا بالاستقراء، وحينئذٍ يكونُ ما ذُكر مؤيِّداً للقول المشهور في تكوُّنِ العسل كما لا يخفى على مَنْ له أدنی ذوق. ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِرُ﴾ إما بنفسه كما في الأمراض البَلغمية، أو مع غيره كما في سائر الأمراض؛ إذ قلَّما يكونُ معجونٌ لا يكونُ فيه عَسَلٌ، فله دَخْلٌ في أكثر ما به الشفاء من المعاجين والتراكيب، وقيل عليه: إنَّ دخوله في ذلك لا يقتضي أن يكونَ له دخلٌ في الشفاء، بل عدم الضرر؛ إذ قيل: إنَّ إدخاله في التراكيب لحفظها، ولذا نابَ عنه في ذلك السُّكَّر، والذي رأيناه في كثيرٍ من كُتب الطّبِّ أنه يحفظ قوى الأدوية طويلاً ويبلِّغها منافعها، ولا يخفى على المنصف أنَّ ما يَحفظُ القُوى ويبلغُ منافعَ الدواء يَصْدُقُ عليه أنَّ له دخلاً في الشفاء، ولم يَشتهر أنَّ السُّكَّر ينوبُ منابه في ذلك. وفي ((البحر)) أنَّ العسل موجودٌ كثيراً في أكثر البلاد، وأما السكر فمختصّ به (١) الموم: الشمع. القاموس المحيط (موم). سُؤَدَّةُ الفَحَلَِّ ٢٠٢ الآية : ٦٩ بعضُ البلاد، وهو مُحدَثٌ مصنوعٌ للبشر، ولم يكنْ فيما تقدَّمَ من الأزمان يُجعل في الأدوية والأشربة إلا العسل(١). وفي ((شرح الشمائل)) أنه عليه الصلاة والسلام لم يأكل السكر، وذكر غيرُ واحدٍ أنه ليس المرادُ بالناس هنا العموم؛ لأنَّ كثيراً من الأمراض لا يدخلُ في دوائها العسل؛ كأمراض الصَّفراء، فإنه مُضرٍّ الصَّفراوي، ولو يُسلَّم أنَّ السَّكَنْجَبين - الذي هو خَلٌّ وعسلٌ كما يُنبِئُ عنه أصلُ معناه - نافعٌ له، والنافعُ نوعٌ آخرُ من السَّكَنْجَبین، فإنه نُقل إلى ما رُكِّبَ من حامض وحلو، وله أنواعٌ كثيرةٌ أُلِّفتْ في جَمْعها الرسائلُ، حتى قالوا بحرمة تناوله عليه، وإنما المرادُ بالناس الذين ينجعُ العسلُ في أمراضهم. والتنوينُ في ((شفاءٌ)) إما للتعظيم، أي: شفاءٌ أيُّ شفاء، وإما للتبعيض، أي: فيه بعضُ الشفاء، فلا يقتضي أنَّ كلَّ شفاءٍ به، ولا أنَّ كلَّ أحدٍ يستشفي به. ولا يرد أنَّ اللبنَ أيضاً كذلك، بل قلَّما يُوجدُ شيءٌ من العقاقير إلا وفيه شفاءٌ للناس بهذا المعنى لما قيل: إنَّ التنصيصَ على هذا الحكم فيه لإفادة ما يكادُ يُستَبعدُ من اشتمال ما يخرجُ على اختلاف ألوانه من هذه الدودة التي هي أشبهُ شيءٍ بذوات السُّموم، ولعلَّها ذاتُ سُمِّ أيضاً، فإنها تلسعُ وتؤلمُ، وقد يَرِمُ الجلد من لَسْعها، وهو ظاهرٌ في أنها ذاتُ سُمٍّ على شفاء للناس. ويُفهم من ظاهر بعض الآثار أنَّ الكلامَ على عمومه، فقد أخرج كان لا يشكو قَرْحةً ولا شيئاً إلا جعل حميد بن زنجويه(٢) عن نافعٍ أنَّ ابنَ عمر هـ عليه عسلاً حتى الدُّمَّل إذا كان به طلاه عَسَلاً، فقلنا له: تُداوي الدُّمَّلَ بالعسل؟! فقال: أليس الله تعالى يقول: (فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ). وأنت تعلم أنه لا بأسَ بمداواة الدُّمَّل بالعسل، فقد ذكر الأطباءُ أنه يُنقِّي الجروحَ ويدملُ ويأكلُ اللَّحم الزائد. والحقُّ أنه لا مساغَ للعموم؛ إذ لا شكَّ في وجود مرضٍ لا ينفع فيه العسل، والآثارُ المشعرةُ بالعموم الله تعالى أعلم بصحّتها. (١) البحر المحيط ٥١٣/٥. (٢) كما في الدر المنثور ٤/ ١٢٣ . الآية : ٦٩ ٢٠٣ سُورَةُ الْحَكِ وأما ما أخرجه أحمدُ والبخاريُّ ومسلم وابن مردويه عن أبي سعيد الخدريِّ أنَّ رجلاً أتى رسولَ الله ◌ِوَّله فقال: يا رسول الله إنَّ أخي استطلقَ بَطْنُه، فقال: ((اسْقهِ عَسَلاً))، فسقاه عَسَلاً، ثم جاء فقال: سقيتُهُ عَسَلًا فما زادهُ إلا استطلاقاً، قال: (اذهبْ فاسْقِهِ عَسَلاً))، فسقاهُ عَسَلاً، ثم جاء فقال: ما زاده إلا استطلاقاً، فقال رسول الله وَ﴿: ((صَدَقَ الله تعالى وكَذَبَ بطنُ أخيك، اذهبْ فاسْقِهِ عَسَلاً)) فذهب فسقاه فبرئ(١). فليس صريحاً في العموم لجواز أن يكونَ عليه الصلاة والسلام قد علَّمه الله سبحانه أنَّ داءَ هذا المستطلق مما يُشفَى بالعسل، فإنَّ بعضَ الاستطلاق قد يُشفى بالعسل، ففي ((طبقات الأطباء)) أنه إنما قال وسي﴿ ذلك لأنه علم أنَّ في معدةٍ المريض رطوباتٍ لزجة غليظة قد أَزلفتْ معدتهُ، فكلما مرَّ به شيءٌ من الأدوية القابضة لم يؤثِّر فيها، والرطوباتُ باقيةٌ على حالها، والأطعمة تَزْلَقُ عنها فيبقى الإسهال، فلما تناولَ العسلَ جلا تلك الرطوبات وأَحدرها فكثُر الإسهال أولاً بخروجها، وتوالى ذلك حتى نَفِدَت الرطوبةُ بأَسْرها فانقطعَ إسهاله وبرئ، فقوله وَليقر: ((صدق الله تعالى)) يعني: بالعلم الذي عرَّف نبيَّه عليه الصلاة والسلام به، وقوله: ((كذب بطنُ أخيك)) يعني: ما كان يظهرُ من بطنه من الإسهال، وكثرته بطريق العَرَض، وليس هو بإسهالٍ ومرضٍ حقيقيٍّ، فكان بطنه كاذباً. اهـ. وقال بعضهم: المراد بـ ((صدق الله تعالى)): صَدَقَ سبحانه في أنَّ العسلَ فيه الشفاءُ، وقوله عليه الصلاة والسلام: ((كَذَبَ بطنُ أخيك)) من المشاكلة الضِّدِّية كقولهم: مَنْ طالتْ لحيته تَكَوْسَجَ عقله، وهو على الأول استعارةٌ مبنيةٌ على تشبيه البطن بالكاذب في كون ما ظهر من إسهالها ليس بأمرٍ حقيقيٍّ، وإنما هو لما عَرَضَ لها، وعلى ذلك قول الأطباء: زَحيرٌ(٢) كاذبٌ وزَحيٌ صادقٌ. وأنكر بعضُهم هذا النوعَ من المشاكلة وقال: إنها ليستْ معروفةً، وإنه إنما عبَّر به لأنَّ بطنهُ كأنه كذَّبَ قولَ الله تعالى بلسان حاله، وهو ناشئٌ من قلة الاطلاع. وقد وقع نظيرُ هذه القصة في زمن المأمون، وذلك أنَّ ثمامة العبسيَّ - وكان من (١) أحمد (١١١٤٦)، والبخاري (٥٦٨٤)، ومسلم (٢٢١٧)، وابن مردويه كما في الدر المنثور ٤/ ١٢٣. (٢) الزحير: استطلاق البطن بشدة. القاموس المحيط (زحر). سُؤَدَّةُ التَّحَلَِّ ٢٠٤ الآية : ٦٩ خواصِّهِ - مَرِضَ بالإسهال، فكان يقومُ في اليوم والليلة مئةً مرة، وعَجَزَ الأطباءُ عن علاجه، فعالجه يزيدُ بن يوحثًّا طبيبُ المأمون بالمسهِّل أيضاً فبرئ، وكان قد ظنَّ الأطباءُ أنه يموتُ بسبب ذلك ولا يبقى لِغَدِهِ، وذكر الطبيبُ حين سأله المأمونُ عن وجه الحكمة فيما فعل، فذكَرَ أنه كان في جوف الرجل كيموسٌ(١) فاسدٌ فلا يدخلهُ غذاءٌ ولا دواءٌ إلا أفسده، فعلمت أنه لا علاج له إلا قَلْعُ ذلك بالإسهال، ومنه يُعلم أنَّ ما فعله النبيُّ وَ ر كان من معجزاته الدالة على علمه بدقائق الطُّبِّ من غير تعليم، وكذا يُعلَمُ أنَّ ما طَعَنَ به بعضُ الملحدين ومَنْ في قلبه مرضٌ من أنه كيف يداوي الإسهالَ بالعسل وهو مسهِّلٌ باتفاقِ الأطباء؛ ناشئٌ عن الجهل بالدقائق وعدم الوقوف على الحقائق. ونقل عن مجاهد والضحاك والفراء(٢) وابن كَيسان - وهو روايةٌ عن ابن عباس والحسن - أنَّ ضمير ((فيه)) للقرآن، والمراد أنَّ في القرآن شفاءً لأمراض الجهل والشرك وهدى ورحمة، واستحسن ذلك ابنُ النحاس(٣). وقال القاضي أبو بكر بن العربي: أرى هذا القولَ لا يصحُّ نقلهُ عن هؤلاء، ولو صَخَّ نقلاً لم يصحَّ عقلاً، فإنَّ سياقَ الكلام كلّه للعسل، ليس للقرآن فيه ذِكْرٌ(٤). ورجوعُ الضمير للكتاب في قوله سبحانه: (وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ إِلَّا لِشُبَيِّنَ لَّهُ الَّذِىِ اخْتَلَفُواْ فِيهِ) مما لا يكادُ يقوله أمثالُ هؤلاء الكرام والعلماء الأعلام، نعم كونُ القرآن شفاءً مما لا كلام فيه، وقد أخرج الطبرانيُّ وغيره عن ابن مسعود: عليكم بالشفاءين: العسل والقرآن(٥). (١) الكيموس: الخِلْط، سُريانية. القاموس المحيط (كمس). (٢) في معاني القرآن له ١٠٩/٢. (٣) في معاني القرآن ٨٤/٤-٨٥. وينظر تفسير القرطبي ٣٦٧/١٢-٣٦٨. (٤) أحكام القرآن لابن العربي ١١٤٦/٣. (٥) معجم الطبراني الكبير (٩٠٧٦) بلفظ: القرآن والعسل هما شفاءان، من قول ابن مسعود ظ وأخرجه ابن ماجه (٣٤٥٢)، والحاكم ٤/ ٢٠٠، ٤٠٣، والبيهقي ٩/ ٣٤٤ مرفوعاً. قال البيهقي: رفعه غير معروف، والصحيح موقوف. وقال ابن حجر في الفتح ١٠/ ١٧٠ : أخرجه ابن ماجه والحاكم مرفوعاً وأخرجه ابن أبي شيبة والحاكم موقوفاً ورجاله رجال الصحيح. الآية : ٦٩ ٢٠٥ سُورَةُ الْحَالِ هذا، وقدَّمَ سبحانه الإخبارَ عن إنزال الماء لما أنَّ الماءَ أتُّ نفعاً وأعظمُ شأناً، وهو أصلٌ أصيلٌ لتكوُّن اللَّبن وما بعده، ثم ذكر اللَّبنَ لأنه يحتاجُ إليه أكثر من غيره مما ذُكر بعده، وقد يُستغنى بشربه عن شرب الماء كما شاهدنا ذلك من بعض متزهِّدي زماننا، فقد تركَ شُرْبَ الماء عدَّةً من السنين مكتفياً بشرب اللبن، وسمعنا نحو ذلك عن بعض رؤساء الأعراب، وهو الدليلُ على الفطرة، ولذلك اختاره وَّيه حين أسري به وعُرض عليه مع الخمر والعسل(١). ثم الخمرُ لأنها أقربُ إلى الماء من العسل، فإنها ماءُ العنب ولم يُعهدْ جَعْلُها إداماً كالعسل، فإنه كثيراً ما يُؤْدَمُ به الخبزُ ويؤكل، وبينها وبين اللبن نوعُ مشابهةٍ من حيث إنَّ كلَّا منهما يخرج من بين أجزاءٍ كثيفةٍ وما أشبه ثُفله بالفرث، وإذا لوحظ السَّوُ في اللَّبن وعدمُهُ في الخمر بناءً على ما يقولون: إنها ليست سهلةَ المرور في الحلق، ولذا يُقطَّبُ شاربُها عند الشرب وقد يغصُّ بها = كان بينهما نوعٌ من التضادِّ، ويحسنُ إيقاعُ الصِّدِّ بعد الصِّدِّ كما يحسُنُ إيقاعُ المثل بعد المثل، وإذا لوحظ مآلُ أمرهما شرعاً رأيتَ أنَّ الخمرَ لم يَسُغْ شربُها بعد نزول الآية فيه، وشُربُ اللبن لم يزلْ سائغاً، وبذلك يقوى التضاد، ويقوِّيه أيضاً أنَّ اللبنَ يخرجُ من بطن حيوانٍ ولا دَخْلَ لعمل البشر فيه، والخمرُ ليست كذلك. وأما ذِكْرُ الرزق الحسن بعد الخمر وتقديمُه على العسل فالوجهُ فيه ظاهرٌ جدًّا، ولعلَّ ما اعتبرناه في وجه تقديم الخمر على العسل وذكرهُ بعد اللَّن أقوى مما يصحُ اعتباره في العسل وجهاً لتقديمه على الخمر وذكره بعد اللبن، فلا يردُ أنَّ في كلِّ جهةٍ تقديماً، فاعتبارها في أحدهما دون الآخر ترجيحٌ بلا مرجِعٌ. وقد جاء ذِكْرُ الماء واللبن والخمر والعسل في وَصْفِ الجنة على هذا الترتيب قال تعالى: ﴿فِيهَّآ أَنْهَرٌ مِنِ مٍَّ غَيْرِ ءَاسِنٍ وَأَنْهَرٌ مِّنِ لَّبٍَ لَّمْ يَنَغَيِّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَرٌ مِنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِلشَّرِنَ وَنْهَرٌ مِّنْ عَسَلٍ مُصَفِىٌ﴾ [محمد: ١٥] فتأملْ فَلِمَسْلك الذهن اتساعٌ، والله تعالى أعلم بأسرار کتابه. ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾ المذكور من آثار قدرة الله تعالى ﴿لَيَةً﴾ عظيمة ﴿لِّقَوْمٍ يَنَفَّكَّرُونَ (١) أخرجه أبو عوانة في مسنده ٣٢٣/٥ من حديث أنس ﴿ه، وأخرجه أحمد (١٠٦٤٧)، والبخاري (٣٣٩٤)، ومسلم (١٦٨) من حديث أبي هريرة به دون ذكر العسل. سُوَّةُ الْحَالِ ٢٠٦ الآية : ٧٠ فإنَّ من تفكّر في اختصاص النحل بتلك العلوم الدقيقة والأفعال العجيبة التي مرَّت الإشارةُ إليها، وخروج هذا الشراب الحلو المختلف الألوان وتضمُّنه الشفاءَ؛ جَزَمَ قَطْعاً أنَّ لها ربًّا حكيماً قادراً ألهمها ما ألهم وأَودع فيها ما أودع، ولما كان شأنها في ذلك عجيباً يحتاجُ إلى مزيد تأمُّلٍ خَتَمَ سبحانه الآية بالتفكّر. ومن بِدَعِ تأويلات الرافضة على ما في ((الكشاف)) أنَّ المرادَ بالنحل عليٍّ كرَّمَ الله تعالى وجهه وقومه. وعن بعضهم أنه قال عند المهدي: إنما النحلُ بنو هاشم يخرجُ من بطونهم العلمُ، فقال له رجل: جعلَ الله تعالى طعامك وشرابك مما يخرجُ من بطونهم. فضحك المهديُّ وحدَّث به المنصورَ، فاتَّخذوه أضحوكةً من أضاحيكهما (١). وستسمع إن شاء الله تعالى ما يقوله الصوفية قدَّسَ الله تعالى أسرارهم في باب الإشارة. ثم إنه سبحانه لمَّا ذكر من عجائب أحوال ما ذكر من الماء والنبات والأنعام والنَّحل، أشارَ إلى بعض عجائبٍ أحوال البشر من أول عمره إلى آخره وتطوُّراته بين ذلك فقال عزَّ قائلاً: ﴿وَللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُرَّ يَنْوَفَّكُمْ﴾ حسبما تقتضيه مشيئته تعالى المبنية(٢) على الحِكَم البالغة بآجالٍ مختلفة، والقرينةُ على إرادة ذلك قوله سبحانه: ﴿وَمِنكُ مَّن يُرَدُّ إِلَ أَزْذَلِ اٌلْعُمُرٍ﴾ ولذا قيل: إنه معطوفٌ على مقدَّرٍ، أي: فمنكم من تُعجَّل وفاته ومنكم .. إلخ. و((أرذل العمر)) أخسُّه وأحقره، وهو وقتُ الهرم الذي تنقص فيه القوى وتفسدُ الحواسُّ، ويكون حالُ الشخص فيه كحاله وقت الطفولية من ضَعْفٍ العقل والقوة، ومن هنا تُصوِّرَ الردُّ، فهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَن نُّعَجِّرْهُ نُنَكِسْهُ فِى المَلْقِ﴾ [يس: ٦٨] ففيه مجاز. وأخرج ابنُ جريرٍ عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه أنَّ ((أرذل العمر)) خمسٌ وسبعون سنة (٣). وعن قتادة أنه تسعون، وقيل: خمسٌ وتسعون، واختار جمعٌ تفسيره بما سبق، وهو يختلفُ باختلاف الأمزجة، فَرُبَّ مُعمَّرٍ لم تنتقصْ قواهُ، ومُنْتَقَصٍ (١) الكشاف ٤١٨/٢. (٢) في الأصل: المنبئة. (٣) تفسير الطبري ١٤/ ٢٩٢. الآية : ٧٠ ٢٠٧ سُؤَةُ الْحَلِ القوى لم يُعمَّر، ولعلَّ التقييدَ بسنُّ مخصوصٍ مبنيٌّ على الأغلب عند من قيَّد. والخطابُ إن كان للموجودين وقتَ النزول فالتعبيرُ بالماضي والمستقبل فيه ظاهرٌ، وإن كان عامًّا فالمُضِيُّ بالنسبة إلى وقت وجودهم، والاستقبالُ بالنسبة إلى الخلق، وعلى التقديرين الظاهرُ أنَّ (مَنْ يُردُّ إلى أرذل العمر)) يعمُّ المؤمنَ مطلقاً والكافر. وقيل: إنه مخصوصٌ بالكافر، والمسلمُ لا يُرَدُّ إلى أرذل العمر لقوله تعالى ﴿ثُمَّ رَدَدْنَهُ أَسْفَلَ سَفِلِينَ ﴿﴿ إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ [التين: ٥-٦]. وأخرج ابن المنذر(١) وغيره عن عكرمة أنه قال: من قرأ القرآنَ لم يُرَدَّ إلى أرذل العمر. والمشاهدةُ تكذِّبُ كلا القولين، فكم رأينا مسلماً قارئ القرآن قد رُدَّ إلى ذلك، والاستدلالُ بالآية على خلافه فيه نظرٌ، وكان من دعائه وَّر كما أخرجه البخاريُّ وابن مردويه عن أنس: ((أعوذُ بك من البخل والكسل، وأرذلِ العمر، وعذاب القبر، وفتنة الدجال، وفتنة المَحيا والمَمَات))(٢). ﴿لِكَنْ لَا يَعْلَ بَعْدَ عِلِّ شَيْئًا﴾ اللامُ للصيرورة والعاقبة، وهي في الأصل للتعليل، و(كي)) مصدريةٌ، والفعلُ منصوبٌ بها، والمنسبكُ مجرور باللام، والجارُّ والمجرورُ متعلقٌ بـ ((يُردُّ)، وزعم الحوفيُّ أنَّ اللام لامُ ((كي)) دخلت على (كي)) للتوكيد. وليس بشيء. والعلم بمعنى المعرفة، والكلامُ كنايةٌ عن غاية النسيان، أي: ليصيرَ نسَّاءً بحيثُ إذا كسبَ علماً في شيءٍ لم يَنشَبْ أن ينساه ويَزِلَّ عنه علمهُ من ساعته، يقول لك: من هذا؟ فتقول: فلانٌ، فما يلبثُ لحظةً إلا سألك عنه. وقيل: المراد: لئلا يعلمَ زيادةَ علم على علمه، وقيل: لئلا يَعقِلَ من بعد عَقْله الأول شيئاً، فالعلمُ بمعنى العقل لا بمعناه الحقيقي كما في سابقه، وفيه دلالة على وقوفه، وأنه لا يقدرُ على علم زائد، والوجهُ المعتمد الأول. (١) كما في الدر المنثور ١٢٣/٤، وأخرجه - أيضاً - ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٩٠. (٢) صحيح البخاري (٤٧٠٧)، وابن مردويه كما في الدر المنثور ١٢٣/٤. وهو عند مسلم (٢٧٠٦) (٥٢). سُورَةُ الْحَلِلَ ٢٠٨ الآية : ٧١ ونصب ((شيئاً)) على المصدرية أو المفعولية، وجُوِّز فيه التنازُعُ بين ((يعلمُ)) و((عِلم) وكون مفعول ((عِلْم)) محذوفاً لقَصْدِ العموم، أي: لا يعلمُ شيئاً ما بعد علم أشياء كثيرة. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ﴾ بكلِّ شيءٍ، ومن ذلك وجهُ الحكمة في الخلق والتوقِّي والردِّ إلى أرذل العمر. ﴿قَدِيرٌ ﴾﴾ على كلِّ شيءٍ، ومنه ما يشاؤه سبحانه من ذلك، وقيل: ((عليمٌ)) بمقادير أعماركم ((قديرٌ)) على كلِّ شيءٍ يُميتُ الشابَّ النشيطَ ويُبقي الهرم الفاني، وفيه تنبيهٌ على أنَّ تفاوتَ الآجال ليس إلا بتقدير قادرٍ حكيمٍ ركب(١) الأبنيةَ وعدَّل الأمزجة على قَدَرٍ معلوم، ولو كان ذلك مقتضى الطبائع لما بلغ هذا المبلغ. وقيل: إنه تعالى لما ذَكَرَ ما يَعرِضُ في الهرم من ضَعْفِ القوى والقدرة وانتفاء العلم، ذَكَرَ أنه جلَّ شأنه مستمرٌّ على العلم الكامل والقدرة الكاملة، لا يتغيَّران بمرور الأزمان كما يتغيَّرُ علم البشر وقدرتهم، ويفيدُ الاستمرارَ الجملةُ الاسمية، والكمالُ صيغة فَعيل، وقدَّم صفةَ العلم لتجاوز انتفاء العلم عن المخاطبين مع أنَّ تعلُّقَ صفة العلم بالشيء أوِّلَ لتعلَّق (٢) صفة القدرة به، ولا يخفى عليك ما هو الأولى من الثلاثة. فتدبر. ﴿وَلَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُرْ عَلَى بَعْضٍ فِيِ آلْرِزْقِ﴾ أي: جعلكم متفاوتین فیه، فأعطاكم منه أفضل مما أعطى مماليككم. ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُواْ﴾ فيه على غيرهم وهم المُلَّاك ﴿بِّدِّى﴾ أي: بمعطي ﴿رِزْقِهِمْ﴾ الذي رزقهم إياه ﴿عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ﴾ على مماليكهم الذين هم شركاؤهم في المخلوقية والمرزوقية ﴿فَهُمْ﴾ أي: الملَّاكُ الذين فُضِّلوا والمماليكُ ﴿فِيهِ﴾ أي: في الرزق ﴿سَوَاءٌ﴾ لا تَفاضُلَ بينهم، والجملةُ الاسميةُ واقعةٌ موقعَ فِعلٍ منصوبٍ في جواب النفي، أي: لا يردُّونه عليهم فيستووا فيه ويشتركوا. وجُوِّزَ أن (١) في الأصل و(م): رتب. والمثبت من تفسير أبي السعود ١٢٧/٥، وتفسير البيضاوي ١٨٦/٣ والكلام فيهما . (٢) في (م): لتعلقه. الآية : ٧١ ٢٠٩ سُوَّةُ الْحَكِ تكونَ في تأويل فِعلٍ مرفوعٍ معطوفٍ على قوله تعالى: (بِآدِى) أي: لا يردُونه عليهم فلا يستوون. والمراد بذلك توبيخُ الذین یشرکون به سبحانه بعض مخلوقاته، وتقريعُهم والتنبيهُ على كمال قُبْحِ فعلهم، كأنه قيل: إنكم لا ترضون بشِرْكَةٍ عبيدكم لكم بشيءٍ لا يختصُّ بكم، بلَ يعمُّكم وإياهم من الرزق الذي هم أسوةٌ لكم في استحقاقه، وهم أمثالكم في البشرية والمخلوقية لله عزَّ سلطانه، فما بالكم تشركون به سبحانه وتعالى فيما لا يليقُ إلا به جلَّ وعلا من الألوهية والمعبودية الخاصة بذاته تعالى لذاته بعضَ مخلوقاته الذي هو بمعزلٍ عن درجة الاعتبار، وهو على ما صرَّح به جماعة على شاكلة قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلًا مِنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ مِّنْ شُرَكَآءَ فِ مَا رَزَقْنَكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ [الروم: ٢٨] يعنونَ بذلك أنه مَثَلٌ ضُرِبَ لكمال قباحة ما فعلوه، وفي قوله تعالى: ﴿أَفَنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ قرينةٌ - كما قيل - على ذلك، وكذا في قوله تعالى: (فَلَا تَضْرِبُواْ لِلَّهِ الْأَمْثَالَّ). والهمزةُ للإنكار، والفاءُ للعطف على مقدَّرٍ وهي داخلةٌ في الحقيقة على الفعل، أعني ((يجحدون)) ولتضمُّنِ الجحود معنى الكفر جيءَ بالباء في معموله المقدَّم عليه للاهتمام أو لإيهام الاختصاص مبالغةً أو لرعاية رؤوس الآي. والمراد بالنعمة، قيل: الرزقُ، وقيل - ولعله الأولى -: ما يشمله وغيره من النِّعَم الفائضة عليهم منه سبحانه، أي: يشركون به تعالى فيجحدون نعمته تعالى حيث يفعلون ما يفعلون من الإشراك، فإنَّ ذلك يقتضي أن يُضيفوا ما أُفيض عليهم من الله تعالى من النِّعَم إلى شركائهم، ويجحدوا كونَها من عنده جلَّ وعلا، وجُوِّزَ كونُ المرادِ بنعمة الله تعالى ما أنعم سبحانه به من إقامة الحجج وإيضاح السُّبل وإرسال الرسل عليهم السلام، ولا نعمةَ أَجَلُّ من ذلك، فمعنى جحودهم ذلك إنكاره وعدمُ الالتفات إليه، وصيغةُ الغَيبة لرعاية ((فما الذين)). وقرأ أبو بكر عن عاصم وأبو عبد الرحمن والأعرج بخلافٍ عنه: ((تجحدون)) بالتاء على الخطاب رعايةً لبعضكم (١) . هذا، وجُوِّزَ أن يكون معنى الآية: إنَّ الله تعالى فضَّل بعضاً على بعضٍ في (١) التيسير ص١٣٨، والنشر ٣٠٤/٢، والمحرر الوجيز ٤٠٧/٣، والبحر المحيط ٥١٥/٥. سُورَةُ الفَ ٢١٠ الآية : ٧٢ الرزق، وأنَّ المفضَّلين لا يردُون من رزقهم على من دونهم شيئاً، وإنما أنا رازقهم، فالمالك والمملوك في أصل الرزق سواء وإن تفاوتا كمَّا وكيفاً، والمراد النهيُ عن الإعجاب والمنّ اللَّذَين هما مقدِّمتا الكفران. والعطفُ على مقدَّرٍ أيضاً، أي: أيعجبون ويمنُّون فيجحدون نعمةَ الله تعالى عليهم، وقيل: التقدير ألا يفهمونَ فيجحدون. واختار في ((الكشاف)) أنَّ المعنى أنه سبحانه جعلكم متفاوتين في الرزق، فرزقكم أفضل مما رزقَ مماليككم وهم بشرٌ مثلكم وإخوانكم، وكان ينبغي أن تردُّوا فَضْلَ ما رُزقتموه عليهم حتى تتساووا(١) في الملبس والمطعم كما يحكى عن أبي ذرِّ ◌َُّه أنه سمع رسول الله وَّه يقول: ((إنما هم إخوانكم فاكسوهم مما تَلبَسون وأطعموهم مما تَطعمون) فما رُئيَ عبدهُ بعد ذلك إلا ورداؤه رداؤه وإزاره إزاره من غير تفاوت(٢). وحاصله أنَّ الله تعالی فضَّلکم علی أمثالكم، فكان علیکم أن ترُّوا من ذلك الفضل عليهم شكراً لنعمته تعالى لتكونوا سواءً في ذلك الفضل، ويبقى لكم فضلُ الإفضال والتفضُّل، فالآيةُ حَقٌّ على حُسْن الملَكَة، وأُدمج أنهم وعبيدُهم مربوبون بنعمته تعالى ورزقه، لا يعرفون ذلك مع تقلُّبهم فيها ليكون تمهيداً لكفرانهم نعمه سبحانه السوابغ إلى أن جعلوا له عزَّ وجلَّ أنداداً لا تملكُ لنفسها ضرًّا ولا نفعاً، فعبدوها عبادته تعالى أو أشدَّ وأسدًّ، وفي ذلك من البعد ما فيه، والعطفُ فيه على مقدَّرٍ أيضاً كـ : ألا يعرفون ذلك فيجحدون. ﴿وَلَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ أي: من جنسكم ونوعكم، وهو مجازٌ في ذلك، والأشهرُ من معاني النفسِ الذاتُ، ولا يستقيمُ هنا كغيره، فلذا ارتكبَ المجاز وهو إما في المفرد أو الجمع، واستدلَّ بذلك بعضُهم على أنه لا يجوز للإنسان أن ينكحَ من الجنّ. ﴿أَزْوَجًا﴾ لتأنسوا بها وتقيموا بذلك مصالحكم ويكون أولادكم أمثالکم. (١) في الأصل: تساوون، وفي (م): تساووا. والمثبت من الكشاف. (٢) الكشاف ٤١٨/٢-٤١٩. والحديث أخرجه مسلم (١٦٦١). الآية : ٧٢ ٢١١ سُورَةُ النَّّى وأخرج غيرُ واحدٍ عن قتادة أنَّ هذا خَلْقُ آدم وحواء عليهما السلام، فإنَّ حواءً خُلقتْ من نفسه عليه السلام. وتُعقِّب بأنه لا يلائمه جَمْعُ الأنفس والأزواج، وحَمْلُهُ على التغليب تكلُّفٌ غيرُ مناسبٍ للمقام، وكذا كونُ المراد منهما بعض الأنفس وبعض الأزواج. ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَجِكُمْ﴾ أي: منها، فَوَضَعَ الظاهرَ موضعَ الضمير للإيذان بأنَّ المرادَ: جعلَ لكلِّ منكم من زَوْجه لا من زوج غيره ﴿بَنِينَ﴾ وبأنَّ نتيجةَ الأزواج هو التوالد. ﴿وَحَفَدَةٌ﴾ جمعُ حافٍ ككاتبٍ وكَتَبة، وهو من قولهم: حَفَدَ يَحْفِدُ حَفْداً وحُفوداً وحَفَداناً إذا أسرعَ في الخدمة والطاعة، وفي الحديث: ((إليك نسعى ونخفِد))(١) وقال جميل: حَفَدَ الولائدُ حولهنَّ وأُسلِمَتْ بأكفِّهِنَّ أَزِمَّةُ الأجمالِ (٢) وقد وردَ الفعلُ لازماً ومتعدِّياً كقوله: كَرَماً ذلك منهم غيرَ ذُلّ (٣) يَحفِدونَ الضيفَ في أبياتهم وجاء في لغة - كما قال أبو عبيدة(٤) - أَحْفَدَ إحفاداً، وقيل: الحَفْد: سرعة القَطْع، وقيل: مقاربةُ الخطو. (١) أخرجه أبو داود في المراسيل (٨٩)، والبيهقي ٢١٠/٢ من حديث خالد بن أبي عمران مرسلاً. قال البيهقي: هذا مرسل، وقد روي عن عمر بن الخطاب ظُبه صحيحاً موصولاً. وأخرجه مطولاً عنه. (٢) لم نقف عليه في ديوان جميل، وهو منسوب لجميل أيضاً في مجاز القرآن ٣٦٤/١، وتفسير الطبري ٣٠٢/١٤، والنكت والعيون ٢٠٢/٣. ونسبه ابن دريد في الجمهرة ١٢٣/٢ إلى الفرزدق، وأبو عبيد الهروي في غريب الحديث ٣/ ٣٧٤ إلى الأخطل، والطبراني في الكبير (١٠٥٩٧) ٢٥٠/١٠ إلى أمية بن أبي الصلت، ونسبه القرطبي في تفسيره ٣٧٩/١٢ لكثيِّر، ولم نقف عليه في دواوينهم. (٣) البيت في تفسير الماوردي ٣/ ٢٠٢ منسوباً لطرفة بن العبد وليس في ديوانه، وهو في البحر المحيط ٥٠٠/٥، والدر المصون ٢٦٥/٧ دون نسبة. (٤) كذا في الأصل و(م) والبحر ٥/ ٥٠٠ (والكلام منه): أبو عبيدة. والصواب أبو عبيد، والكلام في غريب الحديث له ٣/ ٣٧٥. سُورَةُ الْحَلِّ ٢١٢ الآية : ٧٢ والمراد بالحَفَدة - على ما روي عن الحسن والأزهريِّ، وجاء في روايةٍ عن ابن عباس واختاره ابن العربي(١) - أولادُ الأولاد، وكونهم من الأزواج حينئذٍ بالواسطة. وقيل: البنات، عبّر عنهنَّ بذلك إيذاناً بوجه المِنَّة، فإنهنَّ في الغالب يخدمنَ في البيوت أتمَّ خِذْمة. وقيل: البنون، والعطفُ لاختلاف الوصفين البنوّةِ والخدمة، وهو منزَّلٌ منزلةً تغاير الذات، وقد مرَّ نظيره، فيكونُ ذلك امتناناً بإعطاء الجامع لهذين(٢) الوصفين الجليلين، فكأنه قيل: وجعل لكم منهنَّ أولاداً هم بنونَ وهم حافدون، أي: جامعون بين هذين الأمرين، ويقرب منه ما روي عن ابن عباس من أنَّ البنينَ صغارُ الأولاد، والحَفَدة كبارهم، وكذا ما نقل عن مقاتل من العكس، وكأنَّ ابنَ عباسٍ نظرَ إلى أنَّ الكبارَ أقوى على الخدمة فهم أحقُّ بهذا الوصف، ومقاتلٌ نظر إلى أَنَّ الصغارَ أقربُ للانقياد لها وامتثال الأمر بها، واعتبر الحَفْدَ بمعنى مقاربة الخَطْو(٣). وقيل: أولاد المرأة من الزوج الأول، وأخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس(٤) . وأخرج الطبرانيُّ والبيهقيُّ في سننه، والبخاريُّ في تاريخه، والحاكم وصحَّحه عن ابن مسعود أنهم الأختان(٥)، وأُريد بهم - على ما قيل - أزواجُ البنات، ويقال لهم: أصهار، وأنشدوا: (١) ينظر تفسير الطبري ٣٠١/١٤، وتهذيب اللغة ٤٢٨/٤، وأحكام القرآن لابن العربي ١١٥١/٣. (٢) في (م): لهذه. (٣) في (م): الخط . (٤) تفسير الطبري ٣٠٢/١٤-٣٠٣، وتفسير ابن أبي حاتم ٢٢٩٢/٧. (٥) معجم الطبراني الكبير (٩٠٨٨) و(٩٠٨٩)، وسنن البيهقي ٧/ ٧٧، وتاريخ البخاري (٢٠٠٦)، والمستدرك ٣٥٥/٢. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ٤٨: فيه عاصم بن أبي النجود، وهو حسن الحديث وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح. الآية : ٧٢ ٢١٣ سُؤَةُ الْحَالِ لها حَفَدٌ مما يُعَدُّ كثيرُ فلو أنَّ نفسي طاوعتني لأصبحتْ عيوني لأصهار اللئام تدورُ(١) ولكنها نفسٌ عليَّ أَبيَّةٌ والنصبُ على هذا بفعلٍ مقدَّرٍ، أي: وجعلَ لكم حَفَدَةً، لا بالعطف على ((بنين)) لأنَّ القيدَ إذا تقدَّم يُعلَّقُ بالمتعاطفَين، وأزواجُ البنات ليسوا من الأزواج. وضُعِّف بأنه لا قرينةً على تقدير خلاف الظاهر، وفيه دغدغةٌ لا تخفى. وقيل: لا مانع من العَطْف بأن يُرادَ بالأختان أقاربُ المرأة؛ كأبيها وأخيها، لا أزواجُ البنات، فإنَّ إطلاقَ الأختان عليه إنما هو عند العامة، وأما عند العرب فلا كما في ((الصحاح))(٢)، وتجعل ((من)) سببية، ولا شكَّ أنَّ الأزواجَ سببٌ لجعل الحَفَدة بهذا المعنى، وهو كما ترى. وتُعقِّبَ تفسيرهُ بالأختان والربائب بأنَّ السياقَ للامتنان، ولا يُمتَنُّ بذلك. وأجيب بأنَّ الامتنانَ باعتبار الخدمة، ولا يخفى أنه مصحِّحٌ لا مرجّحٌ. وقيل: الحَفَدةُ هم الخدم والأعوان، وهو المعنى المشهور له لغة. والنصبُ أيضاً بمقدَّرٍ أي: وجعلَ لكم خَدَماً يَحفِدون في مصالحكم ويعينونكم في أموركم. وقال ابن عطيةً بعد نَقْلِ عدَّة أقوالٍ في المراد من ذلك: وهذه الأقوالُ مبنيةٌ على أنَّ كلَّ أحدٍ جعلَ له من زوجته بنونَ وحَفَدة، ولا يخفى أنه باعتبار الغالب، ويحتملُ أن يُحمَلَ قوله تعالى: (مِنْ أَزْوَجِكُم) على العموم والاشتراك، أي: جعل من أزواج البشر البنينَ والحَفَدَةَ، ويستقيمُ على هذا إجراءُ الحَفَدة على مجراها في اللغة؛ إذ البشر بجملتهم لا يستغني أحدهم عن حَفَدةً(٣). وحينئذٍ لا يُحتاج إلى تقديرٍ، لكن لا يخفى أنَّ فيه بُعداً، وتأخيرُ المنصوب في الموضعين عن المجرور لما مرَّ غيرَ مرَّةٍ من التشويق، وتقديمُ المجرور باللام على (١) البيتان الصحابي الجليل النعمان بن بشير الأنصاري، وهما في ديوانه ص١٠٢، والبيت الثاني فیه: ولكنها نفسٌ عليَّ كريمةٌ عيوفٌ لأصهار اللئام قذور (٢) مادة: (ختن). (٣) المحرر الوجيز ٤٠٨/٣ . سُورَةُ الْفَحَِّ ٢١٤ الآية : ٧٢ المجرور بـ ((من) للإيذان من أول الأمر بعَوْد منفعة الجَعْل إليهم إمداداً للتشويق وتقویةً له. ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ اُلْطَِّبَتِ﴾ أي: اللذائذ، وهو معناها اللُّغوي، وجُوِّزَ أن يُرادَ بالطَّيِّب ما هو متعارَفٌ في لسان الشرع وهو الحلال. وتعقّبه أبو حيان بأنَّ المخاطَبين بهذا الكفارُ، وهم لا شَرْعَ لهم(١). فتفسيره بذلك غير ظاهر. وأجيب بأنهم مكلَّفون بالفروع كالأصول فيوجد في حَقِّهم الحلال والحرام، وأيضاً هم مرزوقون بكثيرٍ من الحلال الذي أكلوا بعضَه، ولا يلزمُ اعتقادهم للحِلِّ ونحوه. و(من) للتبعيض؛ لأنَّ ما رُزقوه بعضٌ من كلِّ الطيبات، فإنَّ ما في الدنيا منها بأَسْره أُنموذجٌ لما في الآخرة؛ إذ فيها ما لا عينٌ رأتْ ولا أذن سمعتْ ولا خَطَرَ على قلب بشر، وما في الدنيا لم يصلْ كثيرٌ منه إليهم. والظاهر على ما ذكرنا عمومُ الطيبات للنبات والثمار والحبوب والأشربة والحيوان، وقيل: المراد بها ما أُتي من غير نَصَبٍ، وقيل: الغنائم، وليس بشيء. ﴿أَفَلْبَطِلِ﴾ وهو منفعةُ الأصنام وبركتُها، وما ذاك إلا وهمٌ باطلٌ لم يتوصَّلوا إليه بدليلٍ ولا أمارة، والجارُّ والمجرورُ متعلِّقٌ بقوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ وَقُدِّمَ للحَصْر، فيفيد أن ليس لهم إيمانٌ إلا بذلك، كأنه شيءٌ معلومٌ مستيقنٌ. ﴿وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ﴾ المشاهدة المعاينة التي لا شبهةً فيها لذي عَقْلٍ وتمييز مما ذكر ومما لا تحيط به دائرة البيان. ﴿هُمْ يَكْفُرُونَ ®)﴾ أي: يستمرُّون على الكفر بها والإنكار لها، كما يُنكَرِ المُحالُ الذي لا تتصوره(٢) العقول، وذلك بإضافتها إلى أصنامهم. وقيل: الباطلُ ما يُسوِّل لهم الشيطان من تحريم البَحيرة والسائبة وغيرهما، ونعمةُ الله تعالى ما أُحِلَّ لهم. والآية على هذا ظاهرةُ التعلُّق بقوله سبحانه: (وَرَزَقَّكُمْ مِّنَ اَلَِّبَتِ) فقط، دون ما قبله أيضاً، والظاهر تعلُّقها بهما، ومن (١) البحر المحيط ٥١٥/٥. (٢) في الأصل و(م): لا يتصوره. والمثبت من البحر ٥١٦/٥ والكلام منه. الآية : ٧٢ ٢١٥ سُؤَدَّةُ الْفَحَلِكَ ذلك يظهرُ حال ما أخرجه ابن المنذر(١) عن ابن جريج من أنَّ الباطلَ الشيطانُ، ونعمةَ الله تعالى محمدٌ وََّ، وما ذكرناه قد صرَّح بأكثره الزمخشريُّ(٢). واستفادةُ الحَصْر من التقديم ظاهرةٌ، وأما كأنه شيءٌ معلومٌ مستيقنٌ، فمستفادٌ من حَصْرهم الإيمانَ فيما ذُكر؛ لأنَّ ذلك شأنُ المؤمن به، لاسيما وقد حصروا، وأيضاً المقابلةُ بالمشاهَد المحسوس - أعني نعمةَ الله تعالى - دلَّتْ على تعكيسهم، فيدلُّ على أنهم جعلوا الموهومَ بمنزلة المتيقّن وبالعكس، والفاء التي للتعكيس شديدةُ الدلالة على هذا الأمر، والحملُ على أنها للعطف على محذوفٍ ليس بالوجه، كذا في (الكشف)) وفيه ردٌّ على ما قيل: إنَّ في كلا التركيبين تأكيداً وتخصيصاً، أما التخصيصُ فيهما فمن تقديم المعمول، وأما التأكيد في الأول فلأنَّ الفاءَ تستدعي معطوفاً عليه تقديره: أيكفرون بالحقِّ ويؤمنون بالباطل، والكفرُ بالحقِّ مستلزمٌ للإيمان بالباطل، فقد تكرَّرَ الإيمانُ بالباطل، والتكريرُ يفيدُ التأكيد، وأما التأكيد في الثاني فمن بناء ((يكفرون)) على ((هم)) المفيد لِتَقوِّي الحكم، وجُعل كلام الزمخشريِّ مشيراً إلى ذلك كلِّه، فتدبر. وما ذكر من أنَّ تقديمَ الجارِّ في التركيبين للتخصيص مما صرَّح به غيرُ واحد، والعلَّامةُ البيضاويُّ(٣) جوَّزَ ذلك، لكنه أقحمَ الإيهامَ هنا نظيرَ ما فعلناه فيما سلف آنفاً . ووجهُ ذلك بأنَّ المقامَ ليسَ بمقام تخصيصٍ حقيقةً، إذ لا اختصاص لإيمانهم بالباطل ولا لكفرانهم بنِعَم الله سبحانه، ولم يقحمه في تفسير نظير ذلك في ((العنكبوت))(٤)، فإنْ وُجّهَ بأنهم إذا آمنوا بالباطل كان إيمانهم بغيره بمنزلة العدم، وأنَّ النِّعَم كلَّها من الله تعالى إما بالذات أو بالواسطة فليس كفرانهم إلا لنعمه سبحانه كما قيل: لا يشكر اللهَ من لا يشكر الناسا (٥) (١) كما في الدر المنثور ١٢٤/٤. (٢) في الكشاف ٤١٩/٢. (٣) في تفسيره ١٨٧/٣ . (٤) عند قوله تعالى: ﴿أَفَبِأَلْبَطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ الآية (٦٧). (٥) عجز بيت لزكريا بن درهم وهو في البيان والتبيين ٣٨٩/١ وصدره: = سُؤَدَّةُ الْحَلَّ ٢١٦ الآية : ٧٢ بقي المخالفة، وأجيب بأنه إذا نُظر للواقع فلا حَصْرَ فيه، وإن لوحظ ما ذكر يكون الحصرُ ادِّعائيًّا وهو معنى الإيهام للمبالغة فلا تَخالُف. وجُوِّز أن يكون التقديمُ للاهتمام؛ لأنَّ المقصودَ بالإنكار الذي سِيقَ له الكلامُ تعلُّق كُفْرانهم بنعمة الله تعالى واعتقادهم للباطل، لا مطلق الإيمان والكفران، وأن يكون لرعاية الفواصل وهو دونَ النكتتين، والالتفاتُ إلى الغَيبة للإيذان باستيجاب حالهم للإعراض عنهم، وصَرْفُ الخطاب إلى غيرهم من السامعين تعجيباً لهم مما فعلوه. وفي ((البحر)) أنَّ السُّلميَّ قرأ: ((تؤمنون)) بالتاء على الخطاب، وأنه روي ذلك عن عاصم، والجملةُ فيما بعده على هذا كما استظهره في ((البحر)) مجرد إخبار(١) عن الكَفَرة غير مندرجٍ في التقريع. هذا، بقي أنه وقع في ((العنكبوت)): ﴿أَفَأَلْبَطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَهِ يَكْفُرُونَ﴾ [الآية: ٦٧] بدون ضميرٍ، ووقع هنا ما سمعت بالضمير، وبيَّن الخفاجيُّ سِرَّ ذلك بأنه لمَّا سبق في هذه السورة قوله تعالى: (أَفَنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) أي: يكفرون كما مرَّ، فلو ذُكر ما نحن فيه بدون الضمير لكانت الآيةُ تكراراً بحَسَب الظاهر، فأتى بالضمير الدالِّ على المبالغة والتأكيد ليكونَ ترقّاً في الذَّمِّ بعيداً عن اللَّغَوية، ثم قال: وقيل: إنه أُجري على عادة العباد إذا أُخبروا عن أحدٍ بمنكرٍ يجدون مَوْجِدَةٌ، فَيُخبَرُوا عن حاله الأخرى بكلام آكد من الأول(٢) . ولا يخفى أنَّ هذا إنما ينفعُ إذا سئل لم قيل: (أَفَِلْبَطِلِ يُؤْمِنُونَ) بدون ضمير وقيل: (وَبِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ) به؟ وأما في الفرق بين ما هنا وما هناك فلا. وقيل: آياتُ ((العنكبوت)) استمرَّتْ على الغَيبة فلم يُحتَجْ إلى زيادة ضمير = لا تُنكروا لسعيد فضلَ نعمته وأصله حديث النبي ◌ّ: ((من لم يشكر الناس لم يشكر الله عز وجل)) أخرجه أحمد (٧٥٠٤) و(٩٩٤٤) من حديث أبي هريرة ظه. وجاء في (م): الناس. والمثبت من الأصل والمصدر. (١) في الأصل: مجرد عن، وفي (م): مجرداً عن. والمثبت من البحر ٥١٦/٥. (٢) حاشية الشهاب ٣٥٣/٥. الآية : ٧٣ ٢١٧ سُوَرَةُ الْحَلِكَ الغائب، وأما الآيةُ التي نحن فيها فقد سبقَ قبلها مخاطباتٌ كثيرةٌ، فلم يكنْ بُدٌّ من ضمير الغائب المؤكّد لئلا يلتبس بالخطاب، وتخصيص هذه بالزيادة دون: (أَفَبِالْبَطِلِ يُؤْمِنُونَ) مع أنها الأَولى بها بحَسَب الظاهر لتقدُّمها؛ لئلا يلزم زيادة الفاصلة الأولى على الثانية. واعترض عليه بأنه لا يخفى أنه لا مقتضى للزوم الغَيبة ولا لَيْسَ لو تُرك الضمير. وقد يقال: إنما لم يؤتَ في آية ((العنكبوت)) بالضمير ويُبنى الفعل عليه إفادةً للتقوِّي، استغناءً بتكرُّر ما يفيد كُفْرَ القوم بالنِّعَم مع قُرْبه من تلك الآية عن ذلك، على أنه قد تقدَّم هناك ما تستمدُّ منه الجملتان أتمَّ استمداد، وإن كان فيه نوعُ بُعْدٍ ومغايرةٍ ما، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْبَطِلِ وَكَفَرُواْ بِاللَّهِ أُوْلَكَ هُمُ اُلْخَسِرُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٢] ولمَّا لم تكن آيَةُ (النحل)) فيما ذُكر بهذه المرتبة جيءَ فيها بما يفيد التقوِّي، أو يقال: إنه لمَّا كان سَرْدُ النِّعَم هنا على وجهٍ ظاهرٍ في وصولها إليهم والامتنان بها عليهم، كان ذلك أوفقَ بأن يُؤتى بما يفيد كُفْرهم بها على وجهٍ يُشعر باستبعاد وقوعه منهم، فجيءَ بالضمير فيه، ولمَّا لم يكن ما هنالك كذلك لم يُؤتَ فيه بما ذكر، ولعلَّ التعبير هنا بـ ((يكفرون)) وفيما قبل بـ ((يجحدون)) لأنَّ ما قبل كان مسبوقاً - على ما قيل - بضَرْب مَثَلِ لكمال قباحة ما فعلوه، والجحودُ أوفقُ بذلك لما أنَّ كمالَ القبح فيه أتمُّ، ولا كذلك فيما البحث فيه، کذا قيل، فافهم، والله تعالى بأسرار كتابه أعلم. ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الَِّ﴾ قال أبو حيان: هو استئنافُ إخبارٍ عن حالهم في عبادة الأصنام، وفيه تبيينٌ لقوله تعالى: (أَفِالْبَطِلِ يُؤْمِنُونَ) (١) . وقال بعض أجلة المحققين: لعلَّه عَظْفٌ على ((يكفرون)) داخلٌ تحت الإنكار التوبيخيٌّ، أي: أيكفرون بنعمة الله ويعبدون من دونه سبحانه ﴿مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا﴾ أي: ما لا يقدرُ أن يرزقهم شيئاً، لا من السماوات مطراً، ولا من الأرض نباتاً، فـ ((رزقاً)) مصدرٌ، و((شيئاً)) نُصِبَ على المفعولية له، وإلى ذلك ذهب أبو عليٍّ وغيره. وتعقّبه ابنُ الطَّراوة بأنَّ الرزقَ هو المرزوق كالرِّغي والطّحْن، والمصدر إنما هو الرَّزق بفتح الراء، كالرَّغْي والطَّخْن. (١) البحر المحيط ٥١٦/٥. سُؤَدَّةُ الْحَكَ ٢١٨ الآية : ٧٣ ورُدَّ عليه بأنَّ مكسورَ الراء مصدرٌ أيضاً كالعلم، وسُمع ذلك فيه، فصحَّ أن يعملَ في المفعول. وقيل: هو اسمُ مصدرٍ، والكوفيُّ يجوِّزُ عمله في المفعول، فـ ((شيئاً)) مفعوله علی رأيهم. وجُوِّزَ أن يكون بمعنى مرزوق، و((شيئاً)) بدلٌ منه، أي: لا يملك لهم شيئاً. وأورد عليه السَّمينُ وأبو حيان أنه غيرُ مفيدٍ؛ إذ من المعلوم أنَّ الرزقَ من الأشياء، والبدلُ يأتي لأحد شيئين: البيانِ والتأكيد، وليسا بموجودين هنا(١). وأجيب بأنَّ تنوين ((شيئاً) للتقليل والتحقير، فإن كان تنوين ((رزقاً)) كذلك فهو مؤكِّدٌ، وإلا فمبيِّنٌ، وحينئذٍ فيصحُّ فيه أن يكونَ بدلَ بعضٍ أو كلٍّ، ولا إشكال. وجُوِّز أن يكون ((شيئاً)) مفعولاً مطلقاً ليملك، أي: لا يملك شيئاً من الملك. و ((من السماوات)) إما متعلِّقٌ بقوله تعالى: (لَا يَمْلِكُ) أو بمحذوفٍ وقع صفةً لـ ((رزقاً))، أي: رزقاً كائناً منهما، وإطلاق الرزق على المطر لأنه ينشأ عنه. جُوِّزَ أن يكون عَطْفاً على صلة ((ما))، وأن يكون مستأنفاً يَسْتَطِيعُونَ للإخبار عن حال الآلهة، و((استطاع)) متعدٍّ، ومفعوله محذوفٌ هو ضمير الملك، أي: لا يستطيعون أن یملکوا ذلك ولا یمکنھم، فالكلام تتمیمٌ لسابقه، وفيه من الترقِّي ما فيه، فلا يكون نفي استطاعة الملك بعد نفي ملك الرزق غير محتاجٍ إليه، وإن جُعل المفعولُ ضميرَ الرزق كما جوَّزه في ((الكشاف)»(٢) يكون هذا النفيُّ تأكيداً لما قبله. وأورد عليه أنه قد قُرِّرَ في المعاني أنَّ حرف العَظْفِ لا يدخلُ بين المؤكّد والمؤَّد لما بينهما من كمال الاتصال. ودُفع بأنَّ ذلك غيرُ مُسلَّم عند النحاة، وليس مطلقاً عند أهل المعاني، أَ زُّ كَلَا سَيَعْلَمُونَ﴾ [النبأ: ٤-٥] نعم يرد عليه ألا ترى قوله تعالى: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (١) الدر المصون ٢٦٦/٧، والبحر المحيط ٥١٧/٥. (٢) ٤٢٠/٢. الآية : ٧٤ ٢١٩ سُورَةُ الْحَمِ حديث أنَّ التَّأسيسَ خيرٌ من التأكيد، ويجوز - ولعله الأَولى - أن يكون الفعل منزَّلاً منزلةَ اللازم، فيكون المراد نفي الاستطاعة عنهم مطلقًا على حدٍّ: يُعطي ويمنع، فالمعنى أنهم أمواتٌ لا قدرةَ لهم أصلاً، فيكون تذييلاً للكلام السابق، وفيه ما فيه على الوجه الأول وزيادة. وجمع الضمير فيه وتوحيده في ((لا يملك)) لرعاية جانب اللفظ أولاً والمعنى ثانياً، فإنَّ ((ما)) مفرَدٌ بمعنى الآلهة، ومثل هذه الرعاية واردٌ في الفصيح، وإن أنكره بعضُهم لما يلزمه من الإجمال بعد البيان المخالف للبلاغة، فإنه مردودٌ كما بُيِّنَ في محلِّه، وقد روعي أيضاً في التعبير حالُ معبوداتهم في نفس الأمر، فإنها أحجارٌ وجماداتٌ، فعبَّر عنها بـ ((ما)) الموضوعة في المشهور لغير العالم، وحالها باعتبار اعتقادهم فيها أنها آلهةٌ، فعبّر عنها بضمير الجمع الموضوع لذوي العلم، هذا إذا كان المراد بـ ((ما)) الأصنام، ولا يخفى عليك الحال إذا كان المراد بها المعبودات الباطلة مطلقاً ملكاً كانت أو بشراً أو حَجَراً أو غيرها . وجُوِّزَ أن يكونَ ضميرُ الجمع عائداً على الكفار كضمير ((يعبدون))، و((ما)) على المعنى المشهور فيها على معنى أنهم مع كونهم أحياء متصرِّفين في الأمور لا يستطيعون من ذلك شيئاً، فكيف بالجماد الذي لا حِسَّ له، فجملة ((لا يستطيعون)) معترضةٌ لتأكيد نفي المُلْك عن الآلهة، والمفعولُ محذوفٌ كما أشير إليه، وهذا وإن كان خلافَ الظاهر لكنه سالمٌ عن مخالفة المشهور في العَوْد على المعنى بعد مراعاة اللفظ . ﴿فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ الْأَمْثَالُ﴾ التفاتُ إلى الخطاب للإيذان بالاهتمام بشأن النهي، والفاءُ للدلالة على ترتيب النهي على ما عدَّد من النِّعَم الفائضة عليهم منه تعالى، وكون آلهتهم بمعزلٍ من أن يملكوا لهم رزقاً فضلاً عمَّا فضَّل(١). والأمثال جمع مِثْلِ كَعِلْم، والمراد من الضَّرب الجعلُ، فكأنه قيل: فلا تجعلوا لله تعالى الأمثال والأكفاءَ، فالآية كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُواْ لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ٢٢] وهذا ما يقتضيه ظاهر كلام ابن عباس، فقد أخرج ابن جرير (١) في (م): فضل. سُورَةُ النَّحْمِ ٢٢٠ الآية : ٧٤ وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه رائه أنه قال في الآية: يقول سبحانه: لا تجعلوا معي إلهاً غيري، فإنه لا إله غيري(١). وجعل كثيرٌ الأمثالَ جمع مَثَلٍ بالتحريك، والمراد من ضَرِب المثل لله سبحانه الإشراكُ والتشبيه به جلَّ وعلا من باب الاستعارة التمثيلية. ففي ((الكشف)) أنَّ الله تعالى جعل المشركَ به الذي يُشبِّهه تعالى بخلقه بمنزلة ضارب المثل، فإنَّ المشبّه المخذولَ يُشبّهُ صفةً بصفةٍ وذاتاً بذاتٍ كما أنَّ ضاربَ المثل كذلك، فكأنه قيل: ولا تشركوا بالله سبحانه، وعَدَلَ عنه إلى المنزَّل دلالةٌ على التعميم في النهي عن التشبيه وصفاً وذاتاً. وفي لفظ ((الأمثال)) لمن لا مثالَ له أصلاً نعيٌ عظيمٌ عليهم بسوء فعلهم، وفيه إدماجُ أنَّ الأسماءَ توقيفيةٌ، وهذا هو الظاهر لدلالة الفاء وعدم ذِكْر ضَرْب مثلٍ منهم سابقاً . وهذا الوجه هو الذي اختاره الزمخشريُ(٢)، وكلام الحِبْر تَظُّه لا يأباه، فقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴿٣)﴾ تعليلٌ للنهي، أي: إنه تعالى يعلمُ كُنْهَ ما تفعلون وعِظَمهُ، وهو سبحانه معاقبكم عليه أعظمَ العقاب، وأنتم لا تعلمون كُنْهه وگُتْهَ عقابه، فلذا صَدَرَ منكم وتجاسَرْتم عليه. وجُوِّزَ أن يكون المرادُ النهيَ عن قياس الله تعالى على غيره بجَعْلِ ضَرْبِ المثل استعارةً للقياس، فإنَّ القياسَ إلحاقُ شيءٍ بشيءٍ، وهو عند التحقيق تشبيهُ مرگّبٍ بمركّب، والفرقُ بينه وبين الوجه السابق قليلٌ، وأمرُ التعليل على حاله. وجوَّزَ الزمخشريُّ وغيره أن يكونَ المراد النهيّ عن ضرب الأمثال لله سبحانه حقيقةً، والمعنى: فلا تضربوا لله تعالى الأمثالَ التي يضربها بعضُكم لبعضٍ، إنَّ الله تعالى يعلم كيف تُضرب الأمثال وأنتم لا تعلمون(٣). ووجه التعليل ظاهرٌ، واللام على سائر الأوجه متعلّقةٌ بـ ((تضربوا))، وزعم ابن المُنَيِّر تعلُّقها بـ ((الأمثال)) فيما إذا كان المراد التمثيلَ للإشراك والتشبيه، ثم قال: (١) تفسير الطبري ٣٠٥/١٤، وتفسير ابن أبي حاتم ٢٢٩٢/٧، وينظر الدر المنثور ١٢٥/٤. (٢) في الكشاف ٢/ ٤٢٠ . (٣) المصدر السابق.