النص المفهرس

صفحات 181-200

الآية : ٦٦
١٨١
سُؤَّةُ الْحَ
قال: ومن لم يقف على محطّ نظرهم قال في جوابه: يمكن أن يُحمل على
(يسمعون)) قول(١): والله أنزل .. إلخ فإنه مذكِّرٌ وحاملٌ على تأمُّلٍ مدلوله. انتهى.
وفي قوله: عقَّبُهُ بأنه أرسله وَله بسيِّد الكتب، فكان عينَ الهدى والرحمة
إشارةً ... إلخ خفاءٌ كما لا يخفى، ومتى كان تتميمًا لقوله تعالى: (وَمَآ أَنزَلْنَا) إلخ
لم يظهر جَعْلُ المشار إليه ما سمعتَ وهو الظاهر.
وفي ((البحر)) أنه تعالى لما ذكر إنزالَ الكتاب للتبيين كان القرآنُ حياةً للأرواح
وشفاءً لما في الصدور من علل العقائد، ولذلك خَتَمَ بقوله سبحانه: (لِقَوْمٍ
يُؤْمِنُونَ) أي: يصدِّقون، والتصديقُ محلُّه القلبُ = ذَكَرَ سبحانه إنزالَ المطر الذي
هو حياة الأجسام وسببُ بقائها، ثم أشار سبحانه بإحياء الأرض بعد موتها إلى
إحياء القلوب بالقرآن كما قال تعالى: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْئًا فَأَحْيَيْنَهُ وَجَعَلْنَا﴾ [الأنعام:
١٢٢] فكما تصيرُ الأرض خَضِرة بالنبات نَضِرَةً بعد همودها، كذلك القلبُ
يحيا بالقرآن بعد أن كان ميتًا بالجهل، ولذلك خَتَمَ تعالى بقوله سبحانه: (يَسْمَعُونَ)
أي: يسمعون هذا التشبيه المشارَ إليه، والمعنى: سماعَ إنصافٍ وتدبُّرٍ، ولملاحظة
هذا المعنى - والله تعالى أعلم - لم يختم سبحانه بـ (لقومٍ يبصرون)) وإن كان إنزالُ
المطر مما يُبصر ويُشاهد(٢). انتهى.
وفيه أيضاً من التكلُّف ما فيه، وأقول: لعلَّ الأظهر أنَّ المشارَ إليه ما ذُكر من
الإنزال والإحياء، والسماع على ظاهره، والكلامُ تتميمٌ لملاصقه، والعدولُ عن
(يبصرون)) إلى ((يسمعون)) للإشارة إلى ظهور هذا المعتبَر فيه، وأنه لا يحتاج إلى
نظرٍ ولا تفكّرٍ، وإنما يحتاجُ المنبَّهُ إلى أن يسمعَ القولَ فقط، ويكفي في رَبْطِ الآية
بما قبلها تَشارُكُ الكتاب والمطر في الإحياء، لكنْ في ذاك إحياءُ القلوب، وفي هذا
إحياءُ الأرض الجدوب. فتأمل.
﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِى الْأَنْعَمِ لَعِبَةٌ﴾ أي: مَعْبَرًا يُعبَرُ به من الجهل إلى العلم، وأصل
معنى العَبْر والعُبور: التجاوز من محلٍّ إلى آخرَ، وقال الراغب: العُبور مختصُّ
(١) في الأصل و(م): قولي، والمثبت من حاشية الشهاب.
(٢) البحر المحيط ٥/ ٥٠٧.

سُورَةُ الْفَلَ
١٨٢
الآية : ٦٦
بتجاوز الماء بسباحةٍ ونحوها (١)، والمشهور عمومه، فإطلاقُ العِبْرَةِ على ما يُعتَبر به
لما ذُكر، لكنه صارَ حقيقةً في عُرْف اللغة، والتنكيرُ للتفخيم، أي: لعِبرةً عظيمةً
﴿تُتْفِيكُ﴾ استئنافٌ بيانيٍّ، كأنه قيل: كيف العِبْرةُ فيها؟ فقيل: نسقیکم ﴿مِمَا فِی
بُطُونِهِ﴾ ومنهم مَنْ قَدَّرَ هنا مبتدأ، وهو: هي نسقيكم. ولا حاجة إليه، وضمير
(بطونه)) للأنعام، وهو اسمُ جمعٍ، واسمُ الجمع يجوزُ تذكيره وإفراده باعتبار لفظه،
وتأنيثُهُ وجمعُه باعتبار معناه، ولذا جاء بالوجهين في القرآن وكلام العرب. كذا
قیل.
ونُقل عن سيبويه(٢) أنه عَدَّ الأنعام مفرَدًا، وكلامه رحمه الله تعالى متناقضٌ
ظاهرًا، فإنه قال في باب: ما كان على مثال مفاعِلَ ومفاعِيل ما نصُّه: وأما أَجمالٌ
وفُلُوْسٌ فإنها تنصرفُ وما أشبهها؛ لأنها ضارَعتِ الواحدَ، ألا ترى أنك تقول:
أقوالٌ وأَقاويلُ، وأعرابٌ وأَعاريبُ، وأَيدٍ وأيادٍ، فهذه الأحرفُ تُخْرَجُ إلى مَفاعِل
ومَفاعيل كما يُخرَجُ الواحدُ إليه إذا كُسِّر(٣) للجمع، وأما مَفاعِلُ ومَفاعيلُ فلا يُكسَّر
فَيُخْرَجُ الجمعُ إلى بناءٍ غير هذا؛ لأنَّ هذا هو الغايةُ، فلما ضارَعتِ الواحدَ
صُرفتْ، ثم قال: وكذلك الفُعول لو كُسِّرتْ مثلُ الفُلوس، فإنك تُخرجهُ إلى فعائل
كما تقول: جَدودٌ وجدائد، ورَكوبٌ ورَكائب. ولو فعلتَ ذلك بمفاعِلَ ومفاعيلَ لم
يُجاوز هذا البناء، ويقوِّي ذلك أنَّ بعضَ العرب تقول: أُتيِّ للواحد، فَيَضُمُّ الألف،
وأما أفعالٌ فقد يقعُ للواحد، ومن العرب مَنْ يقولُ هو الأنعام، قال جلّ ثناؤه:
(ُشْقِيَكُ مِمَا فِى بُطُونِ)، وقال أبو الخطاب: سمعتُ العربَ تقول: هذا ثوبٌ
أکیاش(٤). انتھی. وقال رحمه الله تعالى في باب: ما لحقته الزوائد من بنات
الثلاثة: وليس في الكلام أُفعِيلٌ ولا أَفْعَوْلٌ ولا أُفعال ولا أَفعِيل(٥) ولا أَفعال إلا أن
(١) المفردات (عبر).
(٢) الكتاب ٢٢٩/٣ -٢٣٠.
(٣) في (م): فسر. والمثبت من الأصل والكتاب لسيبويه.
(٤) في (م): أكياس. والمثبت من الأصل والكتاب. والأكياش: من برود اليمن. ويقال:
أکباش. بالباء. اللسان (كبش) و(کیش).
(٥) في الأصل و(م): أفعل. والمثبت من الكتاب ٢٤٧/٤، والبحر المحيط ٥٠٩/٥، والدر
المصون ٧ / ٢٥٥.

الآية : ٦٦
١٨٣
◌ُدَّةُ الْحَل
تكسِّر عليه اسمًا (١) للجمع. انتهى.
وقد اضطربَ الناسُ في التوفيق بين كلاميه، فذهب أبو حيان إلى تأويل الأول
وإبقاء الثاني على ظاهره من أنَّ ((أفعالاً)) لا يكونُ من أبنية (٢) المفرَدِ فحمل قوله
أولاً: وأما ((أفعال)) فقد يقعُ للواحد ... إلخ، على أنَّ بعضَ العربِ قد يستعمله فيه
مجازًا كالأنعام بمعنى النَّعَم كما قال الشاعر:
تَرَكْنا الخيلَ والنَّعَمَ المقدَّى وقلنا للنساءِ بها أَقيمي(٣)
وليس مراده أنه مُفْرَدٌ صيغةً ووَضْعاً بدليل ما صرَّح به في الموضع الآخر من أنه
لا يكون إلا جمعاً.
واعتُرض عليه بأنَّ مقصودَ سيبويه بما(٤) ذكره أولاً الفرقُ بين صيغتي منتهى
الجموع وأفعال وفعول، حيث مَنَعَ الصَّرفَ للأول دون الثاني بوجوه منها: أنَّ
الأولين لا يقعانِ على الواحد، بخلاف الأخيرين كما أوضحه، فلو لم يكن وقوعُ
(أفعال)) على الواحد بالوَضْعِ لم يحصلِ الفَرْقُ، فلا يتمُّ المقصود. نعم لا كلامَ في
تدافُع كلاميه، وأيضاً لو كانَ كذلك لم يختصَّ ببعضهم؛ وأيضاً: إنَّ التجوُّزَ بالجمع
عن الواحد يصحُّ في كلِّ جَمْعٍ حتى صيغَتَي منتهى الجموع. وتعقَّبه الخفاجي(٥)
بقوله: والحقُّ أنه لا تدافُعَ بَيْن کلاميه، فإنه فَرَّقَ بين صيغتي منتهى الجموع
والصيغتين الأخيرتين بأنَّ الأولتين لا تُجمعان والأخيرتان تُجمعان، فأشبهتا
الآحاد، ثم قوَّى ذلك بأنَّ قوماً من العرب استعملت ((أُتيِّ)) وهو على وزن فُعُولٌ
مفرداً حقيقة، ومنهم من استعمل ((الأنعام)) وهو على وزن ((أفعال)) كذلك، وقد
أشار إلى أنَّ ذلك لغة نادرة بـ ((بعض)) و((من))(٦) وما ذكره بعدُ بناءً على اللغة
(١) في (م): أسماء. والمثبت من الأصل، والكتاب ٤/ ٢٤٧.
(٢) في (م): أبنيته. والمثبت من الأصل والبحر المحيط ٥٠٩/٥. وينظر حاشية الشهاب
٣٤٥/٥.
(٣) لم نهتد إلى قائله، وهو في البحر المحيط ٥٠٩/٥، والدر المصون ٢٥٥/٧.
(٤) في الأصل: مما.
(٥) في حاشيته ٣٤٥/٥ وما قبله منه.
(٦) أي: في قوله السالف: بعض العرب، ومن العرب.

سُؤَةُ الْفَحَلَ
١٨٤
الآية : ٦٦
المتداولة، وقوله: إنَّ مقصودَهُ أولاً الفرقُ بوجوهٍ؛ لا وجهَ له كما يعرفه حَمَلَةُ
الکتاب. انتھی.
ويُعلَمُ منه أنَّ رجوعَ الضمير المفردِ المذكّر إلى الأنعام عند سيبويه باعتبار أنه
مفردٌ على لغة بعض العرب، ومَنْ قال: إنه جمعُ ((نَعَم)) جَعَلَ الضميرَ للبعض
إما المقدَّر أي: بعضُ الأنعام، أو المفهوم منها، أو للأنّعام باعتبار بعضها، وهو
الإناثُ التي يكونُ اللبنُ منها، أو لواحده كما في قول ابن الحاجب: المرفوعاتُ
هو ما اشتملَ على علم الفاعلية. أوَّله على المعنى؛ لأنَّ ((أل)) الجنسية تُسَوِّي بين
المفرد والجمع في المعنى، فيجوزُ عَوْدُ ضمير كلٌّ منهما على الآخر.
وفي ((البحر): أعاد الضمير مذكَّراً مراعاةً للجنس(١)؛ لأنَّه إذا صَحَّ وقوعُ
المفرَدِ الدالِّ على الجنس مقامَ جَمْعِهِ جازَ عَوْدُهُ عليه مذكَّراً، كقولهم: هو أَحْسَنُ
الفتيان وأنبله(٢)؛ لأنه يصحُّ: هو أحسنُ فَتَّى، وإن كان هذا لا ينقاسُ عند سيبويه؛
وقيل: جمع التكسير(٣) فيما لا يعقلُ يُعامَلُ معاملةَ الجماعة ومعاملةَ الجَمْعِ، فيعودُ
الضميرُ عليه مفرداً كقوله:
مِثْلُ الفِراخِ نتقَتْ حواصِلُه(٤)
وقال الكسائيُّ: أَفرد وذكّر على تقدير المذكور كما يُفرَدُ اسمُ الإشارة بعد
الجمع كقوله :
فيها خطوطٌ من سوادٍ وبَلَقْ كأنها في الجلد توليعُ البَهَقْ(٥)
وهو في القرآن سائغٌ، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا نَذْكِرَةٌ * فَنْ شَآءَ ذَكَرَهُ﴾(٦)
(١) في (م): الجنس. والمثبت من الأصل والبحر.
(٢) في (م): وأبتله. والمثبت من الأصل والبحر.
(٣) في (م): التكثير. والمثبت من الأصل والبحر.
(٤) الرجز في مجالس ثعلب ص١٠٣، ومعاني القرآن للفراء ١/ ١٣٠، ١٠٩/٢، وتفسير الطبري
٢٧٣/١٤. وتحرفت في الأصل و(م) إلى: نتفت. والمثبت من المصادر. ونتق نتوقاً: امتلأ
جلده شحماً ولحماً. تهذيب اللغة ٩/ ٦٢.
(٥) البيت لرؤية بن العجَّاج، وهو في ديوانه ص١٠٤. وجاء في (م): كأنه. بدل: كأنها.
(٦) جاء في الأصل و(م): ((إن هذه تذكرة .... )) والمثبت هو الصواب.

الآية : ٦٦
١٨٥
سُوَرَّةُ الْحَلَ
[عبس: ١١-١٢] ﴿فَلَمَّا رَءَا الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبٍ﴾ [الأنعام: ٧٨]. ولا يكون
هذا إلا في التأنيث المجازي، فلا يجوز: جاريتك ذهب(١).
واعترض بأنه كيف جمع (نَعَم)) وهي تختصُّ بالإبل والأنعام، تقال للبقر والإبل
والغنم، مع أنه لوِ اختصَّ كان مساوياً.
وأجيب بأنَّ مَنْ يراهُ جَمْعاً له يخصُّ الأنعام أو يُعمِّمُ النَّعَم، ويجعلُ التفرقةَ
ناشئة من الاستعمال، ويجعلُ الجمعَ للدلالة على تعدُّد الأنواع.
وقرأ ابن مسعود بخلافٍ عنه والحسنُ وزيدُ بن عليٍّ ◌ِّ وابنُ عامرٍ ونافعٌ
وأبو بكر وأهلُ المدينة: (نَسقيكم)) بفتح النون هنا وفي ((المؤمنين))(٢) على أنه
مضارعُ ((سقى)) وهو لغةٌ في أَسْقى عند جَمْعٍ، وأنشدوا قولَ لبيد:
نُمَيراً والقبائلَ من هلالٍ (٣)
سقى قومي بني مَجْدٍ وأَسْقى
وقال بعضٌ: يقال: سَقِيتُهُ لِشَفَته، وأَسقيتُهُ لماشيته وأرضه، وقيل: سقاهُ بمعنى
رواه بالماء، وأسقاه بمعنى جعله شراباً مُعَدَّا له، وفيه كلامٌ بَعْدُ فتذكَّر.
وقرأ أبو رجاء: ((يُسقيكم)) بالياء مضمومة(٤)، والضميرُ عائدٌ على الله
تعالی.
وقال صاحب ((اللوامح): ويجوزُ أن يكون عائداً على النَّعَم، وذُكِّرَ لأنَّ النَّعَم
مما يُذكَّر ويُؤْنَّثُ، والمعنى: وإنَّ لكم في الأنعام نِعَماً يُسقيكم، أي: يُجْعَلُ لكم
سُقْياً، وهو كما ترى.
وقرأتْ فرقةٌ منهم أبو جعفر: ((تَسقيكم)) بالتاء الفوقية مفتوحة. قال ابن عطية:
وهي قراءة ضعيفة(٥) . انتهى.
ولم يُبيِّنْ وَجْهَ ضَعْفها، وكأنه - والله تعالى أعلم - عنى به اجتماعَ التأنيث في
(١) البحر المحيط ٥٠٨/٥-٥٠٩.
(٢) التيسير ص١٣٨، والنشر ٣٠٤/٢، والمحرر الوجيز ٤٠٤/٣، والبحر المحيط ٥٠٨/٥.
(٣) ديوان لبيد بن ربيعة ص ١١٠ .
(٤) البحر المحيط ٥٠٨/٥ .
(٥) النشر ٣٠٤/٢، والمحرر الوجيز ٤٠٥/٣.

سُورَةُ الْحَالِ
١٨٦
الآية : ٦٦
(تَسقيكم)) والتذكير في ((بطونه)) وغفل أنَّ مثلَ ذلك لا يُعَدُّ ضَعْفاً؛ لأنَّ التأنيثَ
والتذکیرَ باعتبار وجهین.
﴿مِنْ بَيْنِ فَرَّتٍ وَدَرٍ لَّاً﴾ الفَرْث - على ما في (الصحاح))(١) - السِّرجين مادام في
الكَرِشِ، والجمع فُروثٌ. وفي ((البحر)) كثيفُ ما يبقى من المأكول في الكَرِشِ أو
المِعَى (٢)، و((بين)) تقتضي متعدِّدًا وهو هنا الفَرْثُ والدَّمُ، فيكون مقتضى ظاهر النَّظْم
توسُّط اللَّبن بينهما، وروى ذلك الكلبيُّ عن أبي صالح عن ابن عباس ظًّا قال: إنَّ
البهيمة إذا اعتلفتْ وأنضجَ العَلَفُ في كَرِشِها كان أسفلُهُ فَرْئاً وأَوسَطُهُ لبناً وأعلاه
دَماً (٣) .
وروي نحوه عن ابن جبير، فالبينية على حقيقتها وظاهرها، وتعقَّب ذلك الإمامُ
الرازيُّ بقوله: ولقائلٍ أن يقول: اللَّبنُ والدمُ لا يتولدان في الكَرِش، والدليل عليه
الحسُّ، فإنَّ الحيوانات تُذبحُ دائماً ولا يُرى في كَرِشِها شيءٌ من ذلك، ولو كان
تَوَلُّدَ ما ذُكِرَ فيه لَوَجَبَ أن يُشاهَدَ في بعض الأحوال، والشيءُ الذي دلَّتِ المشاهدةُ
على فساده لم يجز المصير إليه، بل الحقُّ أنَّ الحيوانَ إذا تناولَ الغذاء وَصَلَ إلى
معدته، وإلى كَرِشه إن كان من الأنعام وغيرها، فإذا طبخ وحَصَلَ الهضمُ الأولُ
فيه، فما كان منه صافياً انجذبَ إلى الكبد، وما كان كثيفاً نزل إلى الأمعاء، ثم
ذلك الذي يحصلُ في الكبد ينضجُ ويصيرُ دماً، وذلك هو الهضم الثاني ويكونُ ذلك
مخلوطاً بالصفراء والسوداء وزيادة المائية، أما الصفراءُ فتذهبُ إلى المرارة،
والسوداءُ إلى الطّحال، والماءُ إلى الكلية ومنها إلى المثانة، وأما ذلك الدم فإنه
يدخلُ في الأوردة و[هي] العروقُ النابتةُ من الكبد، وهناك يحصلُ الهضمُ الثالث،
وبين الكبد والضَّرْع عروقٌ كثيرةٌ فينصبُّ الدمُ من تلك العروق إلى الضَّرع، والضَّرعُ
لحمٌّ غُدَديٌّ رِخوٌ أبيض، فيقلب الله تعالى الدم فيه إلى صورة اللَّبن، لا يقال: إنَّ
هذه المعاني(٤) حاصلةٌ في الحيوان الذَّكر، فَلِمَ لَمْ يحصلْ منه اللبن؛ لأنا نقول:
(١) مادة (فرث).
(٢) البحر ٥٠٠/٥ .
(٣) ذكره الرازي في تفسيره ٦٤/٢٠.
(٤) في (م): إن هذه المعنى.

الآية : ٦٦
١٨٧
سُؤَدَّةُ الْحَ
الحكمةُ الإلهية اقتضتْ تدبيرَ كلِّ شيءٍ على الوجه اللائق به الموافق لمصلحته،
فأوجبتْ أن يكونَ مزاجُ الذَّكَرِ حارًّا يابساً، ومزاجُ الأنثى بارداً رَطْباً، فإنَّ الولدَ
يتولَّدُ في داخل بدن الأنثى، فكان اللائقُ بها اختصاصَها بالرطوبة لتصيرَ مادةً للتولّدِ
وسبباً لقَبول التمدُّد فتشَّسعُ للولد، ثم إنَّ تلك الرطوبة بعد انفصال الجنين تَنْصَبُّ إلى
الضَّرع فتصير مادةً لغذائه كما كانت كذلك قبلُ في الرحم (١).
ومن تدبَّر في بدائع صُنْع الله تعالى فيما ذكر من الأخلاط والألبان وإعداد
مقارِّها ومجاريها، والأسبابِ المولِّدة لها، وتسخير القوى المتصرِّفة فيها كلَّ وقتٍ
على ما يليق به، اضطرَّ إلى الاعتراف بكمال عِلْمه سبحانه وقدرته وحكمته، وتناهي
رأفته ورحمته :
حِكَمٌ حارتِ البريةُ فيها وحقيقٌ بأنها تحتارُ(٢)
وحاصلُ ما ذكروه أنه إذا وردَ الغذاءُ الكَرِشَ انطبخَ فيه وتميّزت منه أجزاءٌ لطيفةٌ
تنجذب إلى الكبد، فينطبخُ فيها، فيحصلُ الدمُ، فتسري أجزاءٌ منه إلى الضَّرْع،
ويستحيلُ لبناً بتدبير(٣) الحكيم العليم، وحينئذٍ فالمراد أنَّ اللبنَ إنما يحصلُ من بين
أجزاءِ الفَرْث، ثم من بين أجزاء الدم، فالبينيةُ على هذا مجازية.
وفي ((إرشاد العقل السليم)) وغيره: لعلَّ المراد بما روي عن ابن عباس أنَّ
أوسطه يكونُ مادة اللبن، وأعلاه مادة الدَّم الذي يغذو البدن، فإنَّ عدمَ تكوُّنهما في
الكَرِشِ مما ريب فيه (٤). والداعي إلى ذَلَك مخالفةُ ما يقتضيه الظاهرُ للحسِّ،
ولما ذكره الحكماءُ أهل التشريح.
ويؤيد ما ذكروه ما أخبرني به مَنْ أَثِقُ به من أنه قد شاهدَ خروجَ الدم من الضَّرع
بعد اللَّبن عند المبالغة في الحَلْبِ، والله تعالى أعلم.
و(من)) الأولى تبعيضيةٌ لما أنَّ اللَّبنَ بعضُ ما في بطون الأنعام؛ لأنه مخلوقٌ
(١) تفسير الرازي ٦٤/٢٠-٦٥ وما بین حاصرتين منه.
(٢) البيت لعبد الغني النابلسي، وهو في ديوانه ١/ ٢٠٨.
(٣) في الأصل: بتقدير.
(٤) إرشاد العقل السليم ٥/ ١٢٤.

سُورَةُ النَّلَ
١٨٨
الآية : ٦٦
من بعضٍ أجزاء الدم المتولِّد من الأجزاء اللَّطيفة التي في الفَرْثِ حسبما سمعتَ،
وهي متعلقةٌ بـ ((نسقيكم)) و((من)) الثانية ابتدائيةٌ وهي أيضاً متعلّقةٌ بـ ((نُسقيكم)) فإنَّ بين
الدم والفَرْثِ المحلَّ الذي يُبتدأُ منه الإسقاءُ، وتعلُّقهما بعاملٍ واحدٍ لاختلاف
مدلولیهما .
و((لبناً)) مفعولٌ ثانٍ لـ ((نُسقيكم))، وتقديمُ ذلك عليه لما مرَّ مراراً من أنَّ تقديمَ
ما حقُّه التأخيرُ يبعثُ للنفس شوقاً إلى المؤخّر موجباً لِفَضْلٍ تمكُّنه عند وروده
عليها، لا سيَّما إذا كان المقدَّم متضمِّناً لوَصْفٍ منافٍ لِوَصْفِ المؤخَّرِ كالذي نحن
فيه، فإنَّ بين وَصْفَي المقدَّم والمؤخّر تنافياً وتنائياً، بحيث لا يتراءى ناراهما، فإنَّ
ذلك مما يزيدُ الشوقَ والاستشرافَ إلى المؤخَّر.
وجُوِّزَ أن يكونَ ((من بين)) حالاً من ((لبناً)) قُدِّمَ عليه لتنكيره وللتنبيه على أنه
موضعُ العِبْرة.
وجُوِّزَ أن تكونَ ((من)) الأولى ابتدائية كالثانية، فيكون ((من بین)) بدل اشتمالٍ
مما تقدَّم.
﴿نَالِصًا﴾ مصفِّى عمَّا يَصحبهُ من الأجزاء الكثيفةِ بتضييق مَخرجه، أو صافياً
لا يستصحبهُ لونُ الدم ولا رائحةُ الفَرْث.
﴿سَآَبِغَا لِلشَّرِبِينَ ﴾﴾ سهل المرور في حَلْقهم لدهنيَّته. أخرج ابن مردويه(١)
عن يحيى بن عبد الرحمن ابن أبي لبيبة عن أبيه عن جده أنَّ رسول الله وَلِّ قال:
(ما شَرِبَ أحدٌ لبناً فَشَرِقَ، إنَّ الله تعالى يقول: ﴿لَّنَّا خَالِصًا سَأَبِغًا لِلشَّرِبِينَ﴾)).
وقرأتْ فرقة: ((سَيِّغاً)) بتشديد الياء(٢). وقرأ عيسى بن عمر: ((سَيغاً)) مخفّفاً من
سَيْغٍ كَهَيْنِ المخفَّفِ من هَيِّن(٣) .
واستُدلَّ بالآية على طهارة لبن المأكول وإباحة شُرْبه، وقد احتجَّ بعضُ مَنْ يَرى
(١) كما في الدر المنثور ١٢٢/٤ .
(٢) القراءات الشاذة ص ٧٣، والكشاف ٤١٦/٢، والمحرر الوجيز ٤٠٥/٣، والبحر المحيط
٥١٠/٥.
(٣) القراءات الشاذة ص ٧٣، والمحتسب ٢/ ١١، والبحر المحيط ٥١٠/٥.

الآية : ٦٧
١٨٩
سُوَّةُ الْحَلَِّ
على أنَّ المنيَّ طاهرٌ على مَنْ جعله نجساً لِجَريه في مسلك البول بها أيضاً، وأنه
ليس بمستَنْكَرٍ أن يَسْلُكَ مَسْلَكَ البول وهو طاهرٌ، كما خرجَ اللَّبنُ من بين فَرْثٍ ودمٍ
طاهراً.
وفي ((التفسير الكبير)): قال أهلُ التحقيق: اعتبارُ حدوثِ اللَّبن كما يدلُّ على
وجود الصانع المختار، يدلُّ على إمكان الحشرِ والنشر، وذلك لأنَّ هذا العشبَ
الذي يأكلُهُ الحيوانُ إنما يتولَّدُ من الماء والأرض، فخالقُ العالم دَبَّرَ تدبيراً انقلبَ به
لبناً، ثم دَبَّرَ تدبيراً آخرَ حَدَثَ من ذلك اللَّبنِ الدُّهْنُ والجُبْن، وهذا يدلُّ على أنه
تعالى قادرٌ على أن يقلبَ هذه الأجسام من صفةٍ إلى صفة، ومن حالةٍ إلى حالة؛
فإذا كان كذلك لم يمتنعْ أيضاً أن يكونَ قادراً على أن يقلبَ أجزاءَ أبدانِ الأموات
إلى صفة الحياة والعقل كما كانت قبل ذلك، فهذا الاعتبارُ يدلُّ من هذا الوجه على
أنَّ البعثَ والقيامةَ أمرٌ ممكنٌ غيرُ ممتنع(١).
﴿وَمِن ثَمَرَتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَبِ﴾ متعلِّقٌ بمحذوفٍ تقديره: ونسقيكم من ثمرات
النخيل والأعناب، أي: من عصيرهما، وحُذف لدلالة ((نُسقيكم)) قبله عليه، وقوله
تعالى: ﴿فَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنَا﴾ بيانٌ وكَشْفٌ عن كُنْهِ الإسقاء.
أو بـ ((تتخذون))، و((منه)) من تكريرِ الَّرف للتأكيد كما في قولك: زيدٌ في الدار
فيها. أو خبرٌ لمحذوفٍ صفتهُ ((تتخذون)) أي: ومن ثمراتِ النخيل والأعناب ثمرٌ
تتخذون منه، وضميرُ ((منه)) عائدٌ إما على المضاف المقدَّر أو على الثمرات المؤولة
بالثمر؛ لأنه جَمْعٌ مُعَرَّفٌ أُريد به الجنس، وفائدةُ الصيغة الإشارةُ إلى تعداد
الأنواع، أو على ((ثمر)) المقدَّر، و((السَّكَرُ)): الخمر. قال الأخطل(٢):
بئسَ الصُّحاةُ وبئسَ الشَّربُ شربُهمُ إذا جرى فيهمُ المُزَّاءُ(٣) والسَّكَرُ
وهو في الأصل مصدرُ سَكِرَ سُكْراً وسَكَراً نحو رَشِدَ رُشْداً ورَشَداً. واستشهد له
بقوله :
(١) تفسير الرازي ٢٠/ ٦٧.
(٢) في ديوانه ص١١٠ .
(٣) جاء فوقها في الأصل: هو نوع من الأشربة.

سُورَةُ الْحَالِ
١٩٠
الآية : ٦٧
فأجلى اليومُ والسَّكْرانُ صاحي(١)
وجاؤونا بهم سَگرٌ علینا
وفَسَّروا الرزقَ الحَسَنَ بالخَلِّ والرُّبِّ والتّمر والزبيب وغير ذلك، وإليه ذهب
صاحب ((الكشاف))(٢) وقد ذكر في توجيه إعرابها ما ذكرناه، وقدَّم الوجهَ الأولَ من
أوجهه الثلاثة، وهو ظاهرٌ في ترجيحه، وصرَّح به الطيبيُّ وبيَّنه بما بيَّنه، وأَخَّر
الثالث، وهو ظاهرٌ في أنه دون أخويه.
وفي ((الكشف)) بعد نقل كلامه في الوجه الأول: فيه إضمارُ العصير وأنه
لا يصلحُ عَطْفاً في الظاهر على السابق؛ لأنه لا يصلحُ بياناً للعِبْرة في الأنعام، وفيه
أنَّ (تَتَّخذون)) لا يصلحُ كَشْفاً عن كُنْه الإسقاء، كيفَ وقد فَسَّرَ الرزقَ الحَسَنَ بالتمر
والزبيب أيضاً، وأيُّ مدخلٍ للعصير، وأين هذا البيانُ من البيان بقوله تعالى:
(شُتْفِيكُ) ليجعل مدركاً لترجيحه، فهذا وجهٌ مرجوحٌ مؤوَّلٌ بأنه عَطْفٌ على مجموع
السابق، وأُوثر الفعلية لمكان قربه من ((نُسقيكم)) وقوله تعالى: (نَنَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا)
تم البيانُ عنده، ثم أتى بفائدةٍ زائدة. وأَظْهَرُ الأوجه ما ذُكِرَ آخراً، أي: ومن
ثمراتِ النخيل والأعناب ثمرٌ تَتَّخذونَ، ليكونَ عَطْفاً للاسمية على الاسمية، أعني
قوله تعالى: (وَإِنَّ لَكُمْ فِ اٌلْأَنْعَمِ لَعِبْرَةٌ) ولمَّا لم يكن العِبْرةُ فيه كالأول اكتفى بكونه
عَظْفاً على ما هو عِبْرةٌ ولم يُصرِّح، وأُفيد بالتبعيض أنَّ من ثمراتها ما يؤكلُ قبل
الإدراك، وما يتلفُ ويأكلُ الوحوش وغير ذلك. اهـ.
وما ذكره في التأويل من بيان البيان عند ((سَكَراً) مُحوجٌ إلى جَعْل ((رزقاً))
معمولاً لعاملٍ آخر، ولا يخفى بُعده، والظاهر أنه لا يُنكرُه، وما ذكره من الوجه
الأظهر ذكرُه الحوفيُّ كصاحبه، ولا يردُ عليه أنَّ فيه حَذْفَ الموصوف بالجملة؛ لأنَّ
ذلك إذا كان الموصوف بعضاً من مجرورٍ ((من)) أو في المقدَّم عليه مطردٌ نحو: منَّا
أقامَ ومنَّا ظَعن، أراد فريقٌ، وقد يُحذَفُ موصوفاً بالجملة في غير ذلك كقول
الراجز:
مالَكَ عندي غيرُ سَهْمٍ وحَجَرْ
(١) البيت في إصلاح المنطق ص٩٩، واللسان (سكر).
(٢) ٤١٧/٢.

الآية : ٦٧
١٩١
سُورَةُ التّحَمِ
وغيرُ كَبْداءَ شديدة الوَتَرْ
جادَتْ بِكَفَّي كان من أَرمى البشر(١)
أراد: رجل. نعم قال الطبريُّ: التقدير: ومن ثمراتِ النخيل والأعناب
ما تتخذون منه (٢)، وتعقّبه أبو حيان بأنَّ ذلك لا يجوز على مذهب البصريين(٣).
وكأنه اعتبر ((ما)) موصولةً، وحذْفُ الموصول مع إبقاء الصِّلة لا يجوزُ عنهم،
ولعلَّهم يُفرِّقون بين الموصول والموصوف فيما ذکر.
وقال العلامة ابنُ كمال في بعض رسائله: لا وجه لما اختاره صاحبُ
((الكشاف)) يعني به تعليق الجارِّ بـ ((نسقيكم)) محذوفاً، وتقدير العصير مضافاً؛ لأنه
حينئذٍ لا يتناولُ المأكولَ، وهو أعظمُ صِنْفَي ثمراتهما، يعني: النخيل والأعناب،
والمقامُ مقامُ الامتنان، ومقتضاهُ استيعابُ الصِّنفين، ثم قال: والعَجَبُ منه وممَّن
اتبعه كالبيضاويِّ كيف اتفقوا على تفسير الرزق الحَسَنِ بما ينتظمُ التَّمَرَ والزبيبَ،
ومع ذلك يقولون: إنَّ المعنى: ومِن عصيرهما تتَّخذون سَكَراً ورزقاً حَسَناً، فإنه
لا انتظامَ بين هذين الكلامين، فالوجه أن يتعلَّقَ الجارُّ بـ ((تتخذون)) ويكون ((منه)) من
تكرير الظرف للتأکید.
وهو الذي استظهره أبو حيان، وقد سبقت الإشارة إلى الاعتراض بما تَعْجَبُ
منه مع الجواب بما فيه بعد، ونُقل عنه أنه جعله متعلِّقاً بما في الإسقاء من معنى
الإطعام؛ أي: نُطعمكم من ثمرات النخيل والأعناب لينتظمَ المأكول
منهما والمشروبُ المَّخذ من عصيرهما. وفيه من البُعْدِ ما فيه.
وأنت تعلم أنَّ تقدير العصير على الوجه الأول عند مَنْ يراه لازمٌ، وتقديره على
الوجه الثاني جائزٌ عند ذاك أيضاً، ولا يجوز عند المعترض.
(١) الرجز في الخصائص ٣٦٧/٢، والإنصاف ١١٤/١-١١٥، والخزانة ٦٥/٥. وجاء في
الأصل و(م): شديد، بدل: شديدة. والمثبت من المصادر. قال في الخزانة: كبداء: أي:
قوس كبداء، وهي التي يملأ الكفّ مقبضُها. وجادت: أي أحسنت ... وهذا الشاهد
قلما خلا منه کتابٌ نحويٌّ، لكنه لم يعرف له قائل.
(٢) تفسير الطبري ١٤/ ٢٧٥ .
(٣) البحر المحيط ٥١٠/٥.

سُوَةُ الْحَ
١٩٢
الآية : ٦٧
واختار أبو البقاء تعليقه بـ: خلق لكم أو جعل(١). وليس بذاك، وقيل: إنه
معطوفٌ على الأنعام على معنى: ومن ثمرات النخيل والأعناب عبرةٌ، و((تتخذون))
بيانٌ لها، وهو غيرُ الوجه الذي استظهرهُ صاحبُ ((الكشف)) وكان الظاهر ((في)) بدل
(من))، وضميرُ ((منه)) لا يتعيَّنُ فيه ما سمعتَ كما لا يخفى عليك بعد أن أَحَظْتَ
خبراً بما قيل في ضمير ((بطونه)).
وتفسير السَّكَر بالخمر هو المرويُّ عن ابن مسعود وابن عمر وأبي رزين
والحسن ومجاهد والشعبيِّ والنخعيِّ وابن أبي ليلى وأبي ثور والكلبيِّ وابن جبيرٍ مع
خلقٍ آخرين، والآيةُ نزلتْ في مكةَ والخمرُ إذ ذاك كانت حلالاً يشربُها البَرُّ
والفاجرُ، وتحريمها إنما كان بالمدينة اتفاقاً، واختلفوا في أنه قبل أُحدٍ أو بعدها،
والآيةُ المحرِّمة لها: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَ اَْقُرُ وَالْمَيْسُِ وَالْأَنْصَابُ وَآلْأَزْلَُ رِجْسُ مِنْ عَمَلِ
الشَّيْطَانِ فَأَجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] على ما ذهب إليه جمعٌ، فما هنا منسوخٌ بها، وروي
ذلك عن غير واحدٍ ممن تقدَّم کالنخعي وأبي ثور وابن جبير.
وقيل: نزلت قبلُ ولا نَسْخَ بناءً على ما روي عن ابن عباس أنَّ السَّكَر هو الخلُّ
بلغةِ الحبشة، أو على ما نُقل عن أبي عبيدةَ أنَّ السَّكَرَ المطعومُ المتفكّهُ به كالنَّقْلِ
وأنشد:
جَعَلْتَ أعراضَ الكرام سَكَرا(٢)
وتُعقِّب بأنَّ كونَ السَّكّر في ذلك بمعنى الخمر أشبهُ منه بالطعام، والمعنى أنه
لِشَغَفِهِ بالغِيبة وتمزيق الأعراض جرى ذلك عنده مجرى الخمر المُسْكرة، وكأنه لهذا
قال الزجاج: إنَّ قول أبي عبيدة لا يصح(٣)، وفيه أنَّ المعروفَ في الغِيبة جعلُها
نَقْلاً، ولذا قيل: الغِيبة فاكهة القرَّاء.
وإلى عدم النَّسْخِ ذهب الحنفيون وقالوا: المرادُ بالسَّكَر ما لا يُسكر من
(١) الإملاء ٤٥٢/٣.
(٢) نسبه أبو عبيدة في مجاز القرآن ٣٦٣/١ إلى جندل، وهو عند الطبري ٢٨٤/١٤، والنكت
والعيون ١٩٨/٣، واللسان (سكر) دون نسبة. ولفظه في هذه المصادر عدا اللسان:
جعلتَ عيبَ الأكرمين سَكّراً .
(٣) نقله المصنف عنه بواسطة البحر ٥١١/٥. وينظر معاني القرآن للزجاج ٢٠٩/٣.

الآية : ٦٧
١٩٣
سُورَةُ الْحَمَِّ
الأنبذة، واستدلوا عليه بأنَّ الله تعالى امتنَّ على عباده بما خَلَقَ لهم من ذلك،
ولا يقعُ الامتنان إلا بمُحَلَّلٍ، فيكونُ ذلك دليلاً على جواز شُرْب ما دون المسكِر
من النبيذ، فإذا انتهى إلى السكرِ لم يجز، وعَضَدوا هذا من السنة بما روي عن
النبيِ وَ﴿ قال: ((حرَّم الله تعالى الخمرَ بعينها القليلَ منها والكثيرَ والسُّكْر من كلِّ
شراب)) أخرجه الدار قطنيُّ (١)، وإلى حِلِّ شُرب النبيذ ما لم يصلْ إلى الإسكارِ ذهب
إبراهيمُ النخعيُّ، وأبو جعفر الطحاويُّ(٢) وكان إمامَ أهل زمانه، وسفيان الثوري
وهو مَنْ تعلمُ، وكان عليه الرحمة يشربهُ كما ذكر ذلك القرطبيُّ في ((تفسيره))(٣).
والبيضاويُّ بعد أن فَسَّر ((السَّكَر)) بالخمر تردّدَ في أمر نزولها فقال: إلا أنَّ الآيةَ إن
كانت سابقةً على تحريم الخمر فدالَّة على كراهيتها، وإلا فجامعة بين العتاب
والمِنَّة(٤). ووجهُ دلالتها على الكراهية بأنَّ الخمرَ وقعتْ في مقابلة الحسن، وهو
مقتضٍ لقُبْحها، والقبيحُ لا يخلو عن الكراهة، وإن خلا عن الحرمة، واعترض عليه
بأنَّ تردُّدُهُ هنا في سَبْقها على تحريم الخمر ينافي ما في سورة (البقرة)) حيثُ ساق
الكلامَ على القَطْع على أنه جَزَمَ في أول هذه السورة بأنها مكيةٌ إلا ثلاث آيات من
آخرها. وفي ((الكشاف)) بعد أن فسَّر ((السَّكر)) أيضاً بما ذكر قال: وفيه وجهان:
أحدهما أن تكونَ منسوخة. والثاني: أن يُجمع بين العتاب والمِنَّةُ(٥).
ونقل صاحب ((الكشف)) أنَّ القولَ بكونها منسوخةً أولى الأقاويل، ثم قال:
وفي الآية دليلٌ على قُبْح تناولها تعريضاً من تقييد المقابل بالحسن، وهذا وَجْهُ مَنْ
ذهبَ إلى أنه جَمْعٌ بين العتاب والمِنَّة، وعلى الأول يكونُ رمزاً إلى أنَّ السَّكر وإن
کان مباحاً فهو مما يحسن اجتنابه. اهـ.
(١) ٢٥٥/٤ من حديث ابن عباس موقوفاً، وأخرجه - أيضاً - النسائي في الكبرى (٥١٧٤)
و(٦٧٤٧) و(٦٧٤٨)، وفي المجتبى ٣٢١/٨، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٢١٤/٤.
وأخرجه العقيلي في الضعفاء ٣٢٤/٢ من حديث علي ح مرفوعاً وقال: وهذا يُعرف عن
عبد الله بن شداد بن الهاد عن ابن عباس قوله. وينظر الدراية ٢/ ٢٥١ .
(٢) كما شرح معاني الآثار ٢١٤/٤ .
(٣) ٣٦٢/١٢.
(٤) تفسير البيضاوي ١٨٦/٣.
(٥) الكشاف ٤١٧/٢.

سُوَّةُ الفَحَلَ
١٩٤
الآية : ٦٨
واستدلَّ ابنُ كمال على نزولها قبل التحريم بأنَّ المقام لا يحتملُ العتاب، فإنَّ
مساقَ الكلام على ما دلّ عليه سياقه ولحاقه في تعداد النعم العظام، وذكر أنَّ كلام
الزمخشريّ ومَنْ تَبعه ناشئٌ عن الغفلة عن هذا، ولعلَّ عدم وَصْفِ ((السكر))
بما وُصف به ما بعده لعلم الله تعالى أنه سيكون رِجْساً يحكم الشرعُ بتحريمه.
وجوَّزَ الزمخشريُّ أن يُجعل السَّكر رزقاً حسناً كأنه قيل: تتخذون منه ما هو
مُسكرٌ ورزقٌ حَسَنٌ (١). أي: على أنَّ العَظْفَ من عَظْفِ الصفات. وأنت تعلم أنَّ
العَطْفَ ظاهرهُ المغايرة.
هذا، ولما كان اللبنُ نعمةً عظيمةً لا دَخْلَ لفعل الخلق فيه أضافهُ سبحانه
لنفسه بقوله تعالى: (نُشِقِيكُ) بخلاف اتخاذ السَّكر، وقد صرَّح بذلك في ((البحر))(٢)
فتأمل.
﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَّآيَةً﴾ باهرةً ﴿لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢)﴾ يستعملون عقولهم بالنظر والتأمل
بالآيات، فالفعلُ منزَّلٌ منزلةَ اللازم، قال أبو حيان: ولما كان مفتتحُ الكلام ((وإن
لكم في الأنعام لعبرة)» ناسبَ الختم بقوله سبحانه: (يَعْقِلُونَ) لأنه لا يعتبر إلا ذوو
العقول(٣).
وأنا أقول: إذا كان في الآية إشارةٌ إلى الحَطّ من أمْر السَّكر، ففي الختم
المذكور تقويةٌ لذلك، وله في النفوس موقعٌ وأيُّ موقع، حيثُ إنَّ العُقَار - كما قيل -
للعقول عقال:
لخطابها أمهروها العقولا
إذا دارها بالأَكفِّ السّقاة
فافهم ذاك، والله تعالى يتولى هداك.
﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النََّلِ﴾ ألهمها وألقى في رُوْعها وعَلَّمها بوجهٍ لا يعلمه
إلا اللطيف الخبير؛ وفسَّر بعضُهم الإيحاءَ إليها بتسخيرها لما أُريد منها، ومنعوا أن
يكون المرادُ حقيقةَ الإيحاء؛ لأنه إنما يكونُ للعقلاء وليس النحلُ منها. نعم يَصدرُ
(١) المصدر السابق.
(٢) ٥/ ٥١١.
(٣) المصدر السابق.

الآية : ٦٨
١٩٥
سُورَةُ الْحَكِ
منها أفعالٌ ويوجدُ فيها أحوالٌ يتخيَّل بها أنها ذوات عقولٍ وصاحبةٌ فَضْلٍ تقصرُ عنه
الفحول، فتراها يكونُ بينها واحدٌ كالرئيس وهو (١) أعظمها جُنَّةً، يكون نافذَ الحُكْم
على سائرها، والكلُّ يخدمونه ويحملون عنه، ويُسمَّى(٢): اليعسوب والأمير،
وذكروا أنها إذا نفرتْ عن وَكْرها ذهبتْ بجمعيَّتها إلى موضع آخر، فإذا أرادوا
عَوْدها إلى وَكْرها ضربوا لها الطبول وآلات الموسيقى وردُّوها بواسطة تلك الألحان
إلى وَكْرها، وهي تبني البيوتَ المسدَّسة من أضلاعِ متساويةٍ، والعقلاءُ لا يمكنهم
ذلك إلا بآلات مثل المسطرة والفرجار، وتختارها على غيرها من البيوت المشكّلة
بأشكالٍ أُخر كالمثلَّئات والمربَّعات والمخمَّسات وغيرها، وفي ذلك سِرِّ لطيفٌ،
فإنهم قالوا: ثبتَ في الهندسة أنها لو كانت مشكّلةً بأشكالٍ أُخَر يبقى فيما بينها
بالضرورة فُرَجٌ خاليةٌ ضائعةٌ؛ ولها أحوالٌ كثيرةٌ عجيبةٌ غيرُ ذلك، قد شاهدها کثیرٌ
من الناس، وسبحان مَنْ أعطى كلَّ شيءٍ خَلْقه ثم هدى.
والصوفيةُ - على ما ذكره الشعرانيُّ في غير موضع - لا يمنعونَ إرادةَ الحقيقة،
وقد أثبتوا في سائر الحيوانات رسلاً وأنبياءَ، والشرعُ يأبى ذلك.
وذهب بعضُ حكماء الإشراق إلى ثبوت النفس الناطقة لجميع الحيوانات،
وأكادُ أُسلِّم لهم ذلك، ولم نسمعْ عن أحدٍ غير الصوفية القولَ بما سمعتَ عنهم.
والنحلُ جنسٌ، واحده: نحلة، ويؤنَّثُ في لغة الحجاز، ولذلك قال سبحانه:
﴿أَنْ أَتَّخِذِى﴾ وقرأ ابنُ وثَّاب: ((النَّحَل)) بفتحتين(٣)، وهو يحتملُ أن يكونَ لغةً، وأن
يكون إتباعاً لحركة النون، و((أن)) إما مصدرية بتقدير باء الملابسة، أي: بأن
اتخذي، أو تفسيرية وما بعدها مفسِّرٌ للإيحاء؛ لأنَّ فيه باعتبار معناه المشهور معنى
القول دون حروفه، وذلك كافٍ في جعلها تفسيرية، وقد غفل عن ذلك أبو حيان أو
لم يعتبره فقال: إنَّ في ذلك نظراً لأنَّ الوحيَ هنا بمعنى الإلهام إجماعاً، وليس في
الإلهام معنى القول (٤).
(١) في (م): هو.
(٢) في (م): وسمي.
(٣) القراءات الشاذة ص٧٣، والبحر المحيط ٥١١/٥.
(٤) البحر المحيط ٥١١/٥.

سُؤَّةُ الْحَتَ
١٩٦
الآية : ٦٩
﴿مِنَ لِبَالِ بُونًا﴾ أوكارًا، وأصل البيت مأوى الإنسان واستُعمل هنا في الوَكْر
الذي تبنيه النحلُ لتُعسِّل فيه تشبيهاً له بما يبنيه الإنسان، لما فيه من حُسْنِ الصَّنعة
وصحَّةِ القِسْمة كما سمعت، وقرئ: ((بيوتًا)) بكسر الباء لمناسبة الياء (١)، وإلا فجَمْعُ
فَعْل علی فُعُولٍ بالضم.
﴿وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ﴾﴾ أي: يَعْرِشُهُ الناسُ، أي: يرفعه من الكروم
كما روي عن ابن زيد وغيره، أو السُّقوف كما نُقل عن الطبريِّ(٢)، أو أعمُّ
منهما كما قال البعض.
و((من)) في المواضع الثلاثة للتبعيض بحَسَبِ الأفراد وبحسب الأجزاء، فإنَّ
النحل لا يبني في كلِّ شجر وكلِّ جبلٍ وكلِّ ما يَعْرِشُ، ولا في كلِّ مكان من
ذلك.
وبعضهم قال: إنَّ ((من)) للتبعيض بحسب الأفراد فقط، والمعنى الآخَرُ معلومٌ
من خارج لا من مدلول ((من)) إذ لا يجوز استعمالها فيهما، ولمولانا ابن كمال
تأليفٌ مُفرَّدٌ في المسألة فليُراجَعْ.
وأيًّا ما كان ففيه مع ما يأتي قريباً إن شاء الله تعالى من البديع صنعةُ الطباق.
وتفسيرُ البيوت بما تبنيه هو الذي ذهب إليه غيرُ واحدٍ، وقال أبو حيان: الظاهر
أنها عبارةٌ عن الكُوى التي تكون في الجبال وفي متجوَّفِ الأشجار، والخلايا التي
يصنعها ابنُ آدَمَ للنحلِ والكُوى التي تكون في الحيطان، ولمَّا كان النحلُ نوعين؛
منه ما مقرُّه في الجبال والغِياض، ولا يتعهَّده أحدٌ، ومنه ما يكون في بيوت الناس،
ويُتعهَّدُ في الخلايا ونحوها، شَمِلَ الأمرُ باتخاذ (٣) البيوت النوعين.
ثمَّ كُلِ مِن كُلِّ الثَّرَتِ﴾ أي: من جميعها، وهي جمعُ ثَمَرةٍ - محرَّكة - حَمْلُ
الشجر، وأخذ بظاهر ذلك ابنُ عطيةً فقال: إنما تأكل النُّوَّار من الأشجار(٤)، وتقال
(١) الكشاف ٢/ ٤١٧، ومفاتيح الغيب ٢٠/ ٧٠.
(٢) في تفسيره ١٤/ ٢٨٦ .
(٣) في الأصل و(م): بالاتخاذ. والمثبت من البحر المحيط ٥/ ٥١٢.
(٤) المحرر الوجيز ٤٠٦/٣ .

الآية : ٦٩
١٩٧
سُوَّةُ الْحَلِ
الثمرةُ للشجرة أيضاً كما في ((القاموس))(١). قيل: وهو المناسبُ هنا؛ إذ التخصيصُ
بحَمْلِ الشَّجر خلافُ الواقع؛ لعموم أكلها للأوراق والأزهار والثمار.
وتُعقِّبَ بأنه لا يخفى أنَّ إطلاق الثمرة على الشجرة مجازٌ غيرُ معروف، وكونها
تأكلُ من غيرها غيرُ معلومٍ وغيرُ منافٍ للاقتصار على أَكْلِ ما ينبت فيها، والعمومُ
في ((كلّ)) على ما يُشير إليهَ كلامُ البعض عرفيٍّ، وجُوِّزَ أن يكونَ مخصوصاً بالعادة،
أي: كلي من كلِّ ثمرةٍ تشتهينها، وقيل: ((كل)) للتكثير، قال الخفاجيُّ: ولو أُبقي
على ظاهره أيضاً جاز؛ لأنه لا يلزم من الأمر بالأكل من جميع الثمرات الأكلُ
منها؛ لأنَّ الأمر للتخلية والإباحة(٢). وأيًّا ما فـ ((من)) للتبعيض.
وقال الإمام: رأيتُ في كتب الطِّبِّ أنه تعالى دَبَّر هذا العالمَ على وجهٍ يحدث
في الهواء طَلَّ(٣) لطيفٌ في الليالي، ويقعُ على أوراق الأشجار، فقد تكونُ تلك
الأجزاءُ لطيفةً صغيرةً متفرِّقةً على الأوراق والأزهار، وقد تكون كثيرةً بحيثُ يجتمعُ
منها أجزاءٌ محسوسةٌ، وهذا مثل التََّنْجَبين فإنه طلٌّ ينزلُ من الهواء ويجتمعُ على
الأطراف في بعض البلدان، وأما القسمُ الأولُ فهو الذي أَلهمَ الله تعالى النحلَ حتى
تلتقطه من الأزهار وأوراق الأشجار بأفواهها وتغتذي به، فإذا شَبِعَت التقطتْ
بأفواهها مرَّةً أخرى شيئاً من تلك الأجزاء وذهبت به إلى بيوتها ووضعته هناك،
كأنها تحاولُ أن تدَّخرَ لنفسها غذاءَها، فالمجتمعُ من ذلك هو العسل، ومن الناس
من يقول: إنَّ النحلَ تأكلُ من الأزهار الطيبة والأوراق العَطِرَةِ أَشياءً، ثم إنه تعالى
يقلبُ تلك الأجسام في داخل بدنها عَسَلاً ثم تقيئهُ، والقولُ الأولُ أقربُ إلى العقل
وأشدُّ مناسبةً للاستقراء، فإنَّ طبيعةَ الثَّرنجبين قريبةٌ من العسل في الطَّعْم والشَّكل،
ولا شكَّ أنه طَلٌّ يَحدُثُ في الهواء ويقعُ على أطراف الأشجار والأزهار، فكذا
هاهنا، وأيضاً فنحنُ نشاهدُ أنَّ النحلَ تتغذّى بالعَسل حتى إنَّا إذا أخرجنا العسلَ من
بيوتها تركنا لها بقيةً منه لغذائها، وحينئذٍ فكلمةُ (من)) لابتداء الغاية(٤). اهـ.
(١) مادة (ثمر).
(٢) حاشية الشهاب ٣٤٨/٥.
(٣) الطل: هو المطر الضعيف، أو أخفُّ المطر وأضعفه، أو الندى. القاموس المحيط (طلل).
(٤) مفاتيح الغيب ٧١/٢٠.

سُورَةُ الْحَلِ
١٩٨
الآية : ٦٩
وأنت تعلم أنَّ ظاهرَ ((كلي)) يؤيدُ القولَ الثاني، وهو أشدُّ تأييداً له من تأييد
مشابهة الثَّرنجبين للعسل في الطّعم والشكل للقول الأول، لاسيَّما وطبيعةُ العسل
والتَّرنجبين مختلفةٌ، فقد ذكر بعضُ أَجِلَّةِ الأطباء أنَّ العسلَ حارٌّ في الثالثة يابسٌ في
الثانية، والتَّرنجبين حارٌّ في الأولى رَظْبٌ في الثانية أو معتدلٌ. نعم لتلك المشابهة
يطلقُ عليه اسمُ العسل، فإنَّ ((ترنجبين)) فارسيٌّ معناه: عَسَلٌ رَظْبٌ، لا طَلُّ الندى
كما زُعِمَ وإن قالوا: هو في الحقيقة طَلٌّ يسقطُ على العاقول(١) بفارس، ويُجمع
كالمنِّ، ويُجلَبُ من التُّكرور(٢) شيءٌ يُسمَّى بلسانهم: طنبيط، أشبهُ الأشياء به في
الصورة والفعل، لكنه أغلظ، والأمر في مشاهدة تغذِّيها بالعسل سهلٌ، فإنه ليس
دائميًّا، وينقل عن بعض الطيور التي تكمنُ شتاءً التغذِّي بالرجيع.
ويؤيد المشهورَ ما روي عن الأمير عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه في تحقير الدنيا :
أشرفُ لباسِ ابن آدمَ فيها لعابُ دودة، وأشرفُ شرابه رجيعُ نَحْلٍ. وجاء عنه كرَّم الله
تعالى وجهه أيضاً: أما العسلُ فَوَنيمُ ذباب. وحَمْلُهُ على التمثيل خلافُ الظاهر،
وعلى ذلك نُظِمَتِ الأشعار فقال المعرِّيُّ:
والنحلُ يجني المرَّ من زهر الرُّبا
فيعودُ شَهْداً في طريق رُضابه (٣)
وقال الحريري :
وإن تُرِدْ ذمَّه قيء الزنابير(٤)
تقول هذا مُجاجُ النحلِ تمدحه
وأخبرني مَنْ أَثِقُ به أنه شاهدَ كثيراً حَمْلَها لأوراق الأزهار بفَمها إلى بيوتها،
وهو مما يُستأنس به للأكل، وسيأتي إن شاء الله تعالى أيضاً ما يؤيده.
(١) دير العاقول: بين مدائن كسرى والنعمانية بينه وبين بغداد خمسة عشر فرسخاً. معجم البلدان
٥٢٠/٢.
(٢) التكرور: بلاد تنسب إلى قبيل من السودان في أقصى جنوب المغرب وأهلها أشبه الناس
بالزنوج. معجم البلدان ٣٨/٢.
(٣) البيت في شروح سقط الزند ٢/ ٧٢٠.
(٤) هذا البيت لابن الرومي وهو في ديوانه ٣/ ١١٤٤ .
والشطر الثاني منه: وإن تعِبْ قلت ذا قَيء الزنابير
وجاء في (م): هذا محجاج. والمثبت من الأصل والمصدر.
وفي هامش الأصل: وإن ذممت فقل قيء الزنابير.

الآية : ٦٩
١٩٩
سُوَّةُ العَالَ
﴿فَأَسْلُكِ سُبُلَ رَبِّكٍ﴾ أي: طُرُقه سبحانه راجعةً إلى بيوتك بعد الأكل، فالمراد
بالسُّبل مسالِكُها في العَوْد، ويُحكى أنها ربما أَجدبَ عليها ما حولها فانتجعتٍ
الأماكنَ البعيدةَ للمرعى، ثم تعودُ إلى بيوتها لا تَضلُّ عنها.
وفي إضافة السبل إلى الربِّ المضافِ إلى ضميرها إشارةٌ إلى أنه سبحانه هو
المهيِّئُ لذلك والميسِّرُ له والقائم بمصالحها ومعايشها .
وقيل: المرادُ من السُّبل طُرقُ الذهاب إلى مظانِّ ما تأكل منه، وحينئذٍ فمعنى
«كلي)) اقصدي الأكل.
وقيل: السُّبلُ مجازٌ عن طرق العمل وأنواعها، أي: فاسلكي الظُرقَ التي
أَلهمكِ ربُّك في عمل العسل.
وقيل: مجازٌ عن طُرق إحالة الغذاء عَسَلاً .
و(اسلكي)) متعدٍّ من سَلَكْتُ الخيطَ في الإبرة سَلْكاً، لا لازمٌ من سَلَكَ في
الطريق سُلوكاً، ومفعوله محذوفٌ، أي: فاسلكي ما أكلتِ في مسالكه التي يستحيلُ
فيها بقدرته النَّوْرُ(١) المرُّ عَسَلاً من أجوافك.
وتُعقّبَ بأنَّ السَّلْك في تلك المسالك ليس فيه لها اختيارٌ حتى تُؤْمَرَ به، فلا بدَّ
أن يكونَ الأمرُ تكوينيًّا، وَرُدَّ بأنه ليس بشيءٍ؛ لأنَّ الإدخال باختيارها فلا يضرُّهُ
كونُ الإحالة المترتِّةِ عليه ليست اختياريةً، وهو ظاهرٌ، فليس كما زُعم.
﴿ذُلُلاً﴾ أي: مُذَلَّلَةٌ، ذَلَّلها الله تعالى وسهَّلها لك، فهو جَمْعُ: ذلولٍ، حالٌ من
السُّبل، وروي هذا عن مجاهد.
وجعل ابنُ عبد السلام وَصْفَ السُّبل بالذُّلل دليلاً على أنَّ المرادَ بالسُّبل مسالكَ
الغذاء، لا طُرُقَ الذهاب أو الإياب، قال: لأنَّ النحلَ تذهبُ وتؤوبُ في الهواء،
وهو ليس طرقاً ذُللاً؛ لأنَّ الذَّلول هو الذي يُذَلَّلُ بكثرةِ الوطءِ، والهواءُ ليس
کذلك. وفيه نظر .
وقال قتادة: أي: مطيعةً منقادةً، فهو حالٌ من الضمير في ((فاسلكي)).
(١) النَّوْر: هو الزهر. القاموس المحيط (نور).

سُوَّةُ الَّحَالَِ
٢٠٠
الآية : ٦٩
﴿يَخْجُ مِنْ بُطُونِهَا﴾ استئنافٌ عُدِلَ به عن خطاب النحل إلى الكلام مع الناس
لبيان ما يظهرُ منها من تعاجيب صُنْعِ الله تعالى التي هي موضعُ عبرتهم بعد ما أُمرتْ
بما أُمرتْ.
﴿شَرَابٌ﴾ يعني: العسل، وسُمِّيَ بذلك لأنه مما يُشْرَبُ حتى قيل: إنه لا يقال:
أكلتُ عَسَلاً، وإنما يقال: شَربتُ عَسَلاً، وكأنه سبحانه إنما لم يُعبِّرْ بالإخراج
مُسنَداً إليه تعالى اكتفاءً بإسناد الإيحاء بالمَبادي إليه جلَّ شأنه، وفيه إيذانٌ بعظيم
قُدْرته عزَّ وجلَّ بحيثُ إنَّ ما يُشعرُ بإرادة الشيءٍ كافٍ في حصوله.
و (من)) لابتداء الغاية، وذَكَرَ سبحانه مبدأَ الغاية الأولى وهي البطون، ولم يَذْكر
سبحانه مبدأ الغاية الأخيرة. والجمهور على أنه يخرجُ من أفواهها، وزَعَمَ بعضُهم
أنه أبلغُ في القدرة، وبيَّتَ الحريريُّ على ذلك(١)، وكذا قولُ الحسن: لُبَابُ البُرِّ
بِلُعابِ النَّحل بخالص السَّمْن ما عابَهُ مسلم.
وقيل: من أدبارها، وهو ظاهرُ ما روي عن يَعْسوب المؤمنين كرَّم الله تعالى
وجهه .
وقال آخرون: لا ندري إلا ما ذكره الله تعالى. وحكي أنَّ سليمان عليه السلام
والإسكندر وأرسطو صنعوا لها بيوتاً من زجاج لينظروا إلى كيفية صنيعها، وهل
يخرجُ العسلُ من فِيها أم من غيره، فلم تضعْ(٢) من العسل شيئاً حتى لَطَّخت باطنَ
الزجاج بالطين بحيثُ يمنع المشاهدة.
وقال بعضُهم: المرادُ بالبطون الأفواه، وسُمِّيَ الفمُ بَطْناً لأنه في حُكْمه، ولأنه
مما يُبْطَنُ ولا يُظْهَر، وهذا تأويلُ مَنْ ذَهَبَ إلى أنها تلتقطُ الذرَّات الصغيرة من الظَّلِّ
وتذَّخرها في بيوتها وهو العسل. وأنت تعلم أنَّ الظاهرَ من البطن الجارحةُ
المعروفةُ، فالآيةُ تؤيِّد القولَ المشهورَ في تكوُّنِ العسل.
وفي ((الكشف)) أنَّ في قوله تعالى: (ثُمَّ ◌ٍُ) إشارةٌ إلى أنَّ لِمَعِدَةِ النحل في ذلك
تأثيراً. وهو المختارُ عند المحقّقين من الحكماء، ومَنْ جَعَلَ العَسَلَ نباتيًّا مَحْضاً
(١) أي: في شعره السالف قريباً.
(٢) في الأصل: تصنع. والمثبت من (م) والبحر المحيط ٥١٣/٥ والكلام منه.