النص المفهرس

صفحات 141-160

الآية : ٤٨
١٤١
سُوَّةُ التّحَلِّ
الظُّلَّ يفيءُ من الجهات كلِّها فبدأ باليمين؛ لأنَّ ابتداء التفيؤ منها أو تيمُّنَا بذِكْرها،
ثم جَمَعَ الباقي على لفظ الشمال لما بين الشمال واليمين من التضادِّ، ونزَّل الخلف
والقُدَّام منزلةَ الشمال لما بينهما وبين اليمين من الخلاف. وهو قريبٌ من الأول،
وتُعقِّبَ بأنْ فيه جَمْعَ اللفظ باعتبار حقيقته ومجازه، وفي صِحّته مقال.
وقيل: المراد باليمين يمينُ الواقف مستقبِل المشرق، ويُسمَّى الجنوب،
وبالشمال شماله، فكأنه قيل: يتفيَّؤ ظلاله عن الجنوب إلى الشمال، وعن الشمال
إلى الجنوب، ولمَّا كان غالبُ المعمورة شماليًّا، وظلالها كذلك، جَمَعَ الشمال
ولم يَجْمَعِ الیمین، وهو كما ترى.
ونقل أبو حيان عن أستاذه أبي الحسن علي بن الضائع(١) أنه أَفردَ وجَمَعَ بالنظر
إلى الغايتين؛ لأنَّ ظِلَّ الغداة يضمحلُّ حتى لا يبقى منه إلا اليسير، فكأنه في جهةٍ
واحدةٍ، وهو في العَشِيِّ على العكس، لاستيلائه على جميع الجهات، فلُحِظَتْ
الغايتان، هذا من جهة المعنى، وأما من جهة اللَّفظ فَجَمَعَ الثاني ليطابق ((سُجَّدًا))
المجاور له شمالًا، كما أَفرد الأولَ ليطابقَ ضمير ((ظلاله)) المجاور له يمينًا،
ولا يخفى ما في التقديم والتأخير من حُسْنِ رعايةِ الأصل والفَرْع أيضاً، فحصل في
الآية مطابقةُ اللَّفِظِ للمعنى وملاحظتهما معًا، وتلك الغايةُ في الإعجاز(٢).
ويخطر لي وجهٌ آخر في الإفراد والجمع مبنيٌّ على أنَّ المرادَ باليمين جهةٌ
المشرق، وبالشمال جهةُ المغرب، وهو أنه لمَّا كانت الجهةُ الأولى مطلعَ النور،
والجهةُ الثانية مغربه ومظهر الظلمة، أَفرد ما يدلُّ على الجهة الأولى كما أفرد
(النور)) في كلِّ القرآن، وجَمَعَ ما يدلُّ على الجهة الثانية كما جَمَعَ الظلمة كذلك،
وإفرادُ النور وجَمْعُ الظّلمة تقدَّمَ الكلام فيهما، وقد يقال: إنَّ جَمْعَ الظلال مع إفراد
ما قبله وما بعده؛ لأنَّ الظُّلَّ ظلمةٌ حاصلةٌ من حجب الكثيف الشمس مثلاً عن أن
يقع ضوءها على ما يقابله، فجُمعت الظلال كما جُمعت الظلمات، ولا يُعكّر على
(١) في الأصل و(م): الصائغ. والمثبت من ترجمة أبي الحسن علي بن محمد بن علي ابن
الضائع، له شرح الجمل للزجاجي، وشرح كتاب سيبويه. (ت ٦٨٠هـ). بغية الوعاة
٢٠٤/٢.
(٢) البحر المحيط ٤٩٧/٥-٤٩٨.

سُؤَدَةُ الْحَالِ
١٤٢
الآية : ٤٨
هذا أنه جُمعت المشارقُ في القرآن كالمغارب؛ إذ كثيرًا ما يُرْتَكَبُ أَمرٌ لنكتةٍ في
مقامٍ، ولا يُرتَكَّبُ لها في مقامٍ آخر.
وآخرُ أيضاً وهو أنه لما كان اليمينُ عبارةً عن جهة المشرق وهو مبدأ الظُّلِّ
وحده مناسبة لتوحيد المبدأ الحقيقي وهو الله تعالى، ولا كذلك جهة المغرب،
ولا يناسبُ رعاية نحو هذا في الشمال كما يرشدك إلى ذلك: ((وكلتا يديه يمين))(١)،
ويُعين على ملاحظة المبدئية نسبةُ الخلق إليه تعالى.
وآخر أيضاً، وهو أنَّ الظُّلَّ الجائي من جهة المشرق لا يتعلَّقُ به أمرٌ شرعيٍّ
والجائي من جهة المغرب يتعلَّقُ به ذلك، فإنَّ صلاة الظهر يدخلُ وقتها بأول حدوثه
من تلك الجهة بزوال الشمس عن وسط السماء، ووقتُ العصر بِصَيرورته مثلَ
الشاخص أو مثليه بعد ظل الزوال إن كان كما في الآفاق المائلة، ووقتُ المغرب
بشموله البسيطة بغروب الشمس، وما أَلطف وقوعَ ((سُجَّدًا)) بعد ((الشمائل)) على هذا.
وآخر أيضاً وهو أوفقُ بباب الإشارة، وسيأتي فيه إن شاء الله تعالى الفتاح،
وبعدُ لِمَسْلك الذِّهن اتساعٌ، فتأمَّلْ فلعلَّ ما ذكرته لا يرضيك.
وقد بيَّن الإمامُ أنَّ اختلافَ الظّلالِ دليلٌ على كونها منقادةً لله تعالى خاضعةً
لتقديره وتدبيره سبحانه، ثم قال: فإن قيل: لم لا يجوزُ أن يُقالَ: اختلافُها معلَّلٌ
باختلاف الشمس؟ قلنا: قد دللنا على أنَّ الجسمَ لا يكونُ متحرِّكًا لذاته، فلا بدَّ أن
يكونَ تحرُّكه من غيره، ولا بدَّ من الاستناد بالأخرة إلى واجب الوجود جلَّ شأنه،
فيرجعُ أَمْرُ اختلاف الظّلال إليه تعالى على هذا التقدير(٢).
وأنت تعلم أنه لا ينبغي أن يُتردّدَ في أنَّ السببَ الظاهريَّ للظَّلال هو الشمسُ
ونحوها وكثافةُ الشاخص، نعم في كون ذلك مستندًا إليه تعالى في الحقيقة ابتداءً أو
بالواسطة خلافٌ، ومذهبُ السلف غيرُ خفيٍّ عليك فقد أشرنا إليه غيرَ مَرَّةٍ، فتذكّره
إن لم يكن على ذِكْرٍ منك.
(١) قطعة من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ظه، أخرجه أحمد (٦٤٩٢)، ومسلم
(١٨٢٧).
(٢) الكلام بنحوه في تفسير الرازي ٤٢/٢٠-٤٣.

الآية : ٤٨
١٤٣
سُورَةُ الْحَلِ
ثم الظاهرُ أنَّ المرادَ بالظلال الظلالُ المبسوطةُ، وتسمَّى المستوية، ويجوز أن
يُرادَ بها ما يشملُ الظلال المعكوسة، فإنها أيضاً تتفيَّؤُ عن اليمين والشمائل،
فاعرف ذلك ولا تغفل.
وقرأ أبو عمرو وعيسى ويعقوب: (تتفيَّؤْ)) بالتاء على التأنيث(١)، وأَمْرُ التأنيث
والتذكير في الفعل المسنَدِ لمثل الجمع المذكور ظاهرٌ.
وقرأ عيسى: ((ظُلَلَهُ))(٢) وهو جَمْعُ ظُلَّةٍ كَحُلَّةٍ وَحُلَلَ؛ قال صاحب ((اللوامح)):
الظُلَّة بالضم: الغيم، وأما بالكسر فهو: الفيءُ، والأولُ جسمٌ والثاني عَرَض،
فرأى عيسى أنَّ التفيُّؤَ الذي هو الرجوع بالأجسام أولى، وأما في العامة فعلى
الاستعارة.
ويلوح منه القولُ بالقراءة بالرأي، ومن الناس من فسَّر الظلال في قراءة العامة
بالأشخاص لتكون على نحو قراءة عيسى، وأنشدوا لاستعمال الظلال في ذلك قولَ
عَبْدة :
إذا نزلنا نَصَبْنا ظِلَّ أخبيةٍ وفارَ للقوم باللَّحم المراجيلُ(٣)
فإنه إنما تُنصبُ الأخبية لا الظُّلُّ الذي هو الفيء، وقول الآخر:
تتبَّعُ أفياءَ الظُّلال عشيةً(٤)
فإنه أراد أنياءَ الأشخاص. وتَعقَّبَ ذلك الراغبُ بأنه لا حُجَّةَ فيما ذكر فإنَّ
قوله: رَفَعنا ظلَّ أخبية؛ معناه: رفعنا الأخبيةَ فرفعنا بها ظلَّها، فكأنه رَفَعَ الظُّلَّ،
وقوله: أفياءَ الظّلال، فالظّلالُ فيه عامٌّ والفيءُ خاصٌّ، والإضافةُ من إضافة الشيء
إلى جنسه(٥).
(١) التيسير ص١٣٨، والنشر ٣٠٤/٢.
(٢) المحتسب ٢/ ١٠، والبحر المحيط ٤٩٦/٥.
(٣) البيت في الكامل ٢/ ٦٧٥، والمفضليات ص١٤١.
(٤) صدر بيت لعلقمة الفحل وهو في ديوانه ص ٤٠ وعجزه:
على طُرُقٍ كأنهنَّ سُبوب
(٥) المفردات (ظلل).

سُؤَّةُ الْحَالَِ
١٤٤
الآية : ٤٩
وقال بعضهم: المراد من الظُّلَّةِ في قراءة عيسى الظُّلُّ الذي يشبه الُلَّة، والمراد
بها شيءٌ كهيئة الصفة في الانتفاع به.
وقيل: الكلامُ في تلك القراءة على حَذْفٍ مضافٍ، أي: ظلالُ ◌ُظلَلِهِ، وتُفسَّر
الظُّلَّة بما هو كهيئة الصفة، والمتبادَرُ من الظُّلِّ حينئذِ الظُّلُّ المعكوس.
ثم إنه تعالى بعد أن ذكر ما ذكر أردفه بما يفيده تأكيدًا مع زيادة سجود ما لا ظلَّ
له فقال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ﴾ أو أنه سبحانه بعد
ما بيَّن سجودَ الظّلال وذويها من الأجرام السفلية الثابتة في أحيازها ودخورها له
سبحانه، شَرَع في شأن سجود المخلوقات المتحركة بالإرادة سواء كانت لها ظلالٌ
أم لا؟ فقال عزَّ من قائل ما قال.
والمراد بالسجود على ما ذكره غيرُ واحدٍ الانقيادُ سواءٌ كان انقيادًا لإرادته
تعالى وتأثيره طبعاً، أو انقيادًا لتكليفه وأَمْره طَوْعًا ليصحَّ إسنادهُ إلى عامة أهل
السماوات والأرض من غير جَمْع بين الحقيقة والمجاز، ولكون الآية آية سجدةٍ
لا بدَّ من دلالتها على السجود المتعَارَفِ ولو ضِمْناً.
والاسمُ الجليلُ متعلِّقٌ بـ ((يسجد)، والتقديمُ لإفادة القَصْر، وهو ينتظمُ القلبَ
والإفراد، إلا أنَّ الأنسب بحال المخاطَبين قَصْرُ الإفراد كما يُؤذِنُ به قوله تعالى:
﴿وَقَالَ اَللَّهُ لَا نَتَّخِذُواْ إِلَهَيْنِ أَثْنَيْنٍ﴾ [النحل: ٥١] أي: له تعالى وحدهُ ينقادُ ويخضعُ
جميعُ ما في السماوات وما في الأرض.
﴿مِن دَابَّةٍ﴾ بيانٌ لما فيهما بناءً على أنَّ الدبيبَ هو الحركةُ الجسمانيةُ، سواءٌ
كان في أرضٍ أو سماء، والملائكةُ أجسامٌ لطيفةٌ غيرُ مجرَّدٍ، وتقييدُ الدبيب بكونه
على وجه الأرض لظهوره، أو لأنه أصلُ معناه، وهو عامٌّ هنا بقرينة المبين، وقوله
سبحانه: ﴿وَالْمَلَتَبِكَةُ﴾ عَظْفٌ على محلِّ الدابة المبيَّن به وهو الرفع، على أنه خبرُ
مبتدأ محذوف؛ لأنَّ ((من)) البيانية لا تكونُ ظَرْفًا لغوًا، وهو من عَظْفِ الخاصِّ على
العام إفادةً لِعِظَم شأن الملائكة عليهم السلام، وجُوِّزَ أن يكونَ من عَطْفِ المباين
بناءً على أن يُراد بما في السماوات الجسمانيات، ويلتزمُ القول بتجرُّدِ الملائكة
عليهم السلام، فلا يدخلون فيما في السماوات؛ لأنَّ المجرَّدات ليست في حَيِّزٍ
وجهةٍ، وبعضُهم استدلَّ بالآية على تجرُّد الملائكة بناءً على أنَّ ما في السماوات

الآية : ٤٩
١٤٥
سُورَةُ الْحَآ
وما في الأرض بُيِّنَ أحدُهما بالدابة والآخر بالملائكة، والأصلُ في التقابل التغاير،
والدابةُ المتحرّكةُ حركةً جسمانيةً، فلا يكون مقابلها من الأجسام لأنَّ الجسمَ لا بدَّ
فيه من حركةٍ جسمانية، ولا يخفى أنه دليلٌ إقناعيٍّ إذ يحتملُ كونه تخصيصًا بعد
تعميم كما سمعتَ آنفًا، أو هوبيانٌ لما في الأرض.
والدابةُ: اسمٌ لما يَدبُّ على الأرض. و((الملائكة)) عَظْفٌ على ما في
السماوات، وهو تكريرٌ له وتعيينٌ إجلالاً وتعظيمًا، وذَكَرَ غيرُ واحدٍ أنه من عَطْفٍ
الخاصِّ على العامِّ لذلك أيضاً، وجُوِّزَ أن يُراد بما في السماوات الخلقُ الذين يقال
لهم: الروح، ويلتزم القول بأنهم غيرُ الملائكة عليهم السلام، فيكون من عَطْفٍ
المباين، أو هما بيانٌ لما في الأرض، والمراد بالملائكة عليهم السلام ملائكةٌ
يكونون فيها كالحَفَظة والكرام الكاتبين، ولا يُراد بالدابة ما يشملهم.
و((ما)) إذا قلنا: إنها مختصَّةٌ بغير العقلاء كما يشهدُ له خبرُ ابن الزبعرى(١)
فاستعمالها هنا في العقلاء وغيرهم للتغليب، وأما إن قلنا: إنَّ وَضْعها لأن تُستعملَ
في غير العقلاء وفيما يعمُّ العقلاء وغيرهم، كالشَّبَح المرئيّ الذي لا يُعرف أنه عاقلٌ
أو لا، فإنه يُطلقُ عليه ((ما)) حقيقة، فالأمرُ - على ما قيل - غيرُ محتاجٍ إلى تغليب.
وفي ((أنوار التنزيل)): إنَّ ((ما)) لمَّا استُعمل للعقلاء كما استُعملٌ لغيرهم كان
استعمالهُ حيثُ اجتمعَ القبيلان أولى من إطلاق ((مَنْ)) تغليباً (٢). وفي ((الكشاف)): إنه
لو جيء بـ ((من)) لم يكن فيه دليلٌ على التغليب، فكان متناولاً للعقلاء خاصةً، فجيءَ
بما هو صالحٌ للعقلاء وغيرهم إرادةَ العموم(٣). وهو جوابٌ عن سبب اختيار ((ما))
على ((من)).
(١) وهو أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾
[الأنبياء: ٩٨]، قال عبد الله بن الزبعرى: أنا أخصم لكم محمداً، فقال النبي وقال له:
يا محمد، أليس فيما أنزل الله عليك: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّرَ﴾
قال: ((نعم)) قال: فهذه النصارى تعبد عيسى، وهذه اليهود تعبد عزيراً، وهذه بنو تميم
تعبد الملائكة، فهؤلاء في النار؟! فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا اُلْحُسْنَ أُوْلَكَ عَنْهَا
مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١]. أخرجه الطبراني في الكبير (١٢٧٣٩) عن ابن عباس
(٢) تفسير البيضاوي ٣/ ١٨٣.
(٣) الكشاف ٢/ ٤١٢.

سُورَةُ النَّحْرِ
١٤٦
الآية : ٥٠
وحاصله - على ما في ((الكشف)) - أنَّ ((من)) للعقلاء والتغليبُ مجازٌ، فلو جيءَ
بغير قرينةٍ تعين الحقيقة والمقامُ يقتضي التعميم، فجِيءَ بما يعمُّ وهو ((ما)) وأراد أن
لا دليل في اللفظ، وقرينةُ العموم في السابق لا تكفي لجواز تخصيصهم من البين
بعد التعميم، على أنَّ اقتضاءَ المقام العموم وما في التغليب من الخصوص كافٍ في
العدول. انتهى.
وقيل بناءً على أنَّ ((ما)) مختصَّةٌ بغير العقلاء و((من)) مختصة بالعقلاء: إنَّ الإتيانَ
بـ ((ما)) وارتكاب التغليب أوفقُ بتعظيم الله تعالى من الإتيان بـ ((من)) وارتكاب ذلك،
فلیفهم.
﴿وَهُمْ﴾ أي: الملائكة مع علوِّ شأنهم ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾﴾ عن عبادته تعالى
شأنه والسجود له، وتقديمُ الضمير ليس للقَصْر، والسينُ ليست للطلب. وقيل: له
على معنى: لا يطلبون ذلك فضلاً عن فعله والاتصاف به. وإذا قلنا: إنَّ صيغةً
المضارع للاستمرار التجدُّدي، فالمراد استمرارُ النفي. والجملةُ إما حالٌ من فاعل
(يسجدُ)) مسنَدًا إلى الملائكة، أو استئنافٌ للإخبار عنهم بذلك، وإنما لم يجعل
الضمير لـ ((ما)) لاختصاصه بأولي العلم، وليس المقامُ مقام التغليب، وخالفَ في
ذلك بعضُهم فجعله لها، وكذا الضمير في قوله سبحانه: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم﴾ وممَّن صرَّح
بعَوْد الضمير فيه على ((ما)) أبو سليمان الدمشقي، وقال أبو حيان: إنه الظاهر(١)،
وذهب ابنُ السائب ومقاتلٌ إلى ما قلنا، أي: يخافون مالك أَمرهم.
﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ إما متعلِّقٌ بـ ((يخافون)) وخوفُ ربِّهم كنايةٌ عن خوف عذابه، أو
الكلامُ على تقدير مضافٍ هو العذاب على ما هو الظاهر، أو متعلِّقٌ بمحذوفٍ وَقَعَ
حالاً من ((ربِّهم)) أي: كائناً من فوقهم، ومعنى كونه سبحانه فوقَهم قهرُهُ وغلبتهُ؛
لأنَّ الفوقية المكانية مستحيلةٌ بالنسبة إليه تعالى، ومذهبُ السلف قد أسلفناه لك،
وأظنُّه على ذِكْرٍ منك.
والجملة حالٌ من الضمير في ((لا يستكبرون))، وجُوِّزَ أن تكون بيانًا لنفي
الاستكبار وتقريرًا له؛ لأنَّ مَنْ خافَ الله تعالى لم يستكبرْ عن عبادته، واختاره ابنُ
(١) البحر المحيط ٤٩٩/٥.

الآية : ٥٠
١٤٧
سُؤَدَّةُ التَّحََّ
المُنَيِّر وقال: إنه الوجه ليس إلا(١). لئلا يتقيد الاستكبار، وليدلَّ على ثبوت هذه
الصفة أيضاً على الإطلاق، ولا بدَّ أن يقالَ على تقدير الحالية: إنها حالٌ غيرُ
منتقلةٍ، وقد جاءت في الفصيح، بل في أفصحه على الصحيح، وفي اختيار عنوان
الربوبية تربيةٌ للمهابة، وإشعارٌ بعِلَّة الحكم.
﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾﴾ أي: ما يؤمرون به من الطاعات والتدبيرات، وإيرادُ
الفعل مبنيًّا للمفعول جرى على سَنَنِ الجلالةِ، وإيذانٌ بعدم الحاجة إلى التصريح
بالفاعل لاستحالة استناده إلى غيره سبحانه، واستُدلَّ بالآية على أنَّ الملائكةَ
مكلَّفون مُدارون بين الخوف والرجاء، أما دلالتها على التكليف فلمكان الأمر،
وأما على الخوف فهو أظهرُ من أن يخفى، وأما على الرجاء فلاستلزام الخوف له
على ما قيل.
وقيل: إنَّ اتِّصافهم بالرجاء لأنَّ مَنْ خَدَمَ أَكرمَ الأكرمين كان من الرجاء بمكانٍ
مکین.
وزعم بعضُهم أنَّ خوفهم ليس إلا خوفَ إجلالٍ ومهابةٍ لا خوفَ وعيدٍ وعذاب،
ويردُّه قوله تعالى: ﴿وَهُم مِّنْ خَشَْتِهِ، مُشْفِقُونَ * وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنّتِ إِلَهٌ مِّن دُونِهِ.
فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمُ﴾ [الأنبياء: ٢٨-٢٩] ولا ينافي ذلك عصمتهم.
وقال الإمام: الأصحُّ أنَّ ذلك الخوف خوف الإجلال، وذكر أنه نُقل عن ابن
عباس واستدلَّ له بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْثَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوْاْ﴾(٢) [فاطر: ٢٨].
وفي القلب منه شيءٌ، والحقُّ أنَّ الآيةَ لا تصلحُ دليلًا لكونِ الملائكة أفضلَ من
البشر. واستدلَّ بها فرقةٌ على ذلك من أربعة أوجهٍ ذكرها الإمام(٣)، ولم يتعقَّبها
بشيء؛ لأنه ممَّن يقولُ بهذه الأفضلية، وموضعُ تحقيق ذلك كتبُ الكلام.
(١) الإنصاف ٢/ ٤١٢-٤١٣.
(٢) التفسير الكبير ٤٥/٢٠ .
(٣) التفسير الكبير ٤٦/٢٠-٤٧ .

سُورَةُ الْحَآ
١٤٨
التفسير الإشاري (١-٥٠)
هذا، ومن باب الإشارة في الآيات: ﴿أَفَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ وهو القيامة الكبرى التي
يرتفعُ فيها حُجُب التعيُّنات ويضمحلُّ السِّوى، ولما كان ◌َّرِ مشاهدًا لذلك في عين
الجمع قال: ﴿َنَ﴾ ولما كان ظهورها على التفصيل بحيث تظهر للكُلِّ لا يكون
إلا بعد حين قال: ﴿فَلَا تَسْتَعِْلُهُ﴾ لأنَّ هذا ليسَ وقتَ ظهوره، ثم أكَّد شهودَهُ
لوجه الله تعالى، وفناء الخلق في القيامة بقوله: ﴿سُبْحَانَهُ، وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾
بإثبات وجود الغير، ثم فصَّل ما شاهدَ في عين الجمع لكونه في مقام الفَرْق بعد
الجمع لا يحتجبُ بالوحدة عن الكَثْرة، ولا بالعكس، فقال: ﴿يُنْزِّلُ الْمَلَتِكَةَ بِالرُّوح﴾
وهو العلمُ الذي تحيا به القلوب ﴿عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِةِ﴾ وهم المخلِصون له ﴿أَنْ
أَنذِرُواْ أَنَّهُ، لَآَ إِلَهَ إِلَّ أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ وقال بعضهم: أي: خوِّفوا الخلقَ من الخواطر
الرديئةِ الممزوجة بالنظر إلى غيري، وخوِّفهم من عظيم جلالي، وهذا وحيُ تبليغٍ،
وهو مخصوصٌ بالمرسلين عليهم السلام، وذكروا أنَّ الوحيَ إذا لم يكنْ كذلك غَيرُ
مخصوصٍ بهم، بل يكونُ للأولياء أيضاً ﴿ الَّذِينَ قَالُواْ رَبَُّا اللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَامُواْ تَتَغَزَّلُ
عَلَيْهِمُ الْمَلَتَبِكَةُ أَلَّا تَّخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُوا﴾ [فصلت: ٣٠] وقد روي عن بعض أئمة أهل
البيت أنَّ الملائكةَ تُزاحمهم في مجالسهم. ثم إنه تعالى عدَّد الصفات وفضّل النِّعم
فقال: ﴿خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِآلْحَقِّ﴾ إلخ.
وفي قوله سبحانه: ﴿وَتَحْمِلُ أَنْقَالَكُمْ﴾ إلخ إشارةٌ - كما نُقل عن الجنيد قُدِّسَ
سِرُّه - إلى أنه ينبغي لمن أراد البلوغَ إلى مقصده أن يكون أول أمره وقَصْده الجهد
والاجتهاد ليُوصله بركةُ ذلك إلى مقصوده، وذكروا أنَّ المحمولين من العباد إلى
المقاصد أصنافٌ، وكذا المحمولُ عليه: فمحمولٌ بنور الفعل، ومحمولٌ بنور
الصِّفة، ومحمولٌ بنور الذات، فالمحمولُ بنور الفعل يكون بلدهُ مقامَ الخوف
والرجاء، ومحلَّتْهُ صِدْق اليقين، ودارُهُ مُربَّع الشهود، والمحمولُ بنور الصِّفة يكون
بلدهُ مقامَ المعرفة، ومحلَّتُهُ صفو الخُلَّة، ودارهُ دار المودّة، والمحمولُ بنور الذات
يكونُ بلدهُ التوحيدَ، ومحلَّتُه الفناء، ودارهُ البقاء، وهذه الأصناف للسالك،
وأما المجذوب فمحمولٌ على مَطِيَّةِ الفَضْل إلى بلد المشاهدة.
وفي قوله سبحانه: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ تحييرٌ للأفهام، وتعجيزٌ أيُّ تعجيزٍ
عن أن تُدرِكَ الملكَ العلام؛ وقال بعضُهم: إنَّ فيها تعليمًا للوقوف عند ما لا يدركه

التفسير الإشاري (١- ٥٠)
١٤٩
سُوَّةُ الْحَمِ
العقل من آثار الصُّنع وفنون العلم، وعدم مقابلة ذلك بالإنكار، حيث أخبر سبحانه
أنه يخلقُ ما لا يُعلَمُ بمقتضى القوى البشرية المعتادة، وإنما يُعلَمُ بقوةٍ إلهيةٍ وعنايةٍ
صَمَدية، ألا ترى الصوفيةَ الذين مَنَّ الله تعالى عليهم بما مَنَّ، كيفَ علموا عوالمَ
عظيمة نسبةُ عالَم الشهادة إليها كنسبة الذَّرَّة إلى الجبل العظيم، وممَّنْ زَعَمَ الانتظامَ
في سِلْكهم كالكفشية الملقِّبين أنفسَهم بالكشفية من ذكر من ذلك أشياء لا يشقُ
العاقل في أنها لا أصلَ لها، بل لو عُرِضَ كلامُهمْ في ذلك على الأطفال أو
المجانين لم يشكُّوا في أنه حديثُ خُرافةٍ صادرٌ عن مَحْضِ التخيُّل، وأنا أسألُ الله
تعالى أن لا يبتلي مسلمًا بمِثْل ما ابتلاهم، وقد عزمتُ حين رأيتُ بعضَ كتبهم التي
أَّفها بعضُ معاصرينا منهم مما اشتملَ على ذلك، على أن أصنعَ نحو ما صنعوا
مقابلةً للباطل بمثله، لكن منعني الحياءُ من الله تعالى، والاشتغالُ بخِدْمة كلامه
سبحانه، والعلمُ بأنَّ تلك الخرافات لا تروجُ إلا عند مَنْ سُلب منه الإدراك والتَحَقَ
بالجمادات.
وقال الواسطيُّ في الآية: المعنى: يخلقُ فيكم من الأفعال ما لا تعلمون أنها
لكم أم علیکم.
﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ أي: السبيلُ القَصْدُ، وهو التوحيد ﴿وَمِنْهَا جَآِرٌ﴾
وهو ما عدا ذلك ﴿وَلَوْ شَآءَ لَدَدَكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ لكنه لم يشأ لعدم استعدادكم،
ولتظهرَ صفاتٌ جماله وجلاله سبحانه: ﴿وَأَلْقَى فِى الْأَرْضِ رَوَسَِ﴾ وهم الأوتاد
أربابُ التمكين ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ أي: تضطرب، ومن الكلام المشهور على
الألسنة: لو خَلَتْ قُلِبَتْ ﴿وَهَا﴾ وهم العلماءُ الذين تحيا بفُرات علومهم أشجارُ
القلوب ﴿وَسُبُلًا﴾ وهم المرشدون الداعون إليه تعالى ﴿وَعَلَمَتَّ﴾ وهي الآياتُ
الآفاقية والأنفسية ﴿وَبِلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ وهي الأنوار التي تلوح للسالك من عالم
الغيب.
وقال بعضهم: ألقى في أرض القلوب رواسي العلوم الغيبية، والمعارف
السرمدية، وأجرى فيها أنهارَ أنوار المعرفة والمكاشفة والمحبَّةِ والشّوق والعشق
والحِكْمة والفِظْنة، وأَوْضَحَ سُبُّلًا للأرواح والعقول والأسرار، فسبيلُ الأرواح إلى
أنوار الصفات، وسبيلُ العقول إلى أنوار الآيات، وسبيلُ الأسرار إلى أنوار الذات،

سُؤَدَّةُ الْحَمِّ
١٥٠
التفسير الإشاري (١- ٥٠)
والسُّبُلُ في الحقيقة غيرُ متناهية، ومن كلامهم: الطُرق إلى الله تعالى بعَدَدِ أنفاس
الخلائق .
والعلاماتُ في الظاهر أنوارُ الأفعال للعموم، وأخصُّ العلامات في العالم
الأولياء، والنجومُ أهلُ المعارف الذين يُسبِّحون في أفلاك الديمومية بأرواحهم
وقلوبهم وأسرارهم مَن اقتدى بهم يهتدي إلى مقصوده الأبدي، وفي الحديث:
(أصحابي كالنجوم بأيِّهمُ اقتديتم اهتديتم))(١)، والمراد بهم خواصُهم ليتأَتَّى
الخطاب، ويجوز أن يُرادَ كلَّهم والخطابُ لنا، ولا مانعَ من ذلك على مَشْرب القوم
﴿وَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْوَتُّ غَيْرُ أَخْيَأٍْ وَمَا
يَشْعُرُونَ أَيَّنَ يُعَثُونَ﴾ ما أعظمها من آية في النَّعْي على مَنْ يستغيثُ بغير الله تعالى
من الجمادات والأموات، ويطلبُ منه ما لا يستطيع جَلْبه لنفسه أو دَفْعه عنها.
وقال بعضُ أكابر السادة الصوفية قدَّس الله تعالى أسرارهم: إنَّ الاستغاثةَ
بالأولياء محظورةٌ إلا من عارفٍ يميِّزُ بين الحدوث والقِدَم، فيستغيثُ بالوليِّ لا من
حيثُ نفسُهُ بل من حيثُ ظهورُ الحقِّ فيه، فإنَّ ذلك غيرُ محظورٍ لأنه استغاثةٌ بالحقِّ
حينئذ، وأنا أقول: إذا كان الأمرُ كذلك فما الدَّاعي للعدول عن الاستغاثة بالحقِّ
من أول الأمر؟ وأيضاً إذا ساغت الاستغاثةُ بالوليّ من هذه الحيثية، فلتسغ الصلاةُ
والصومُ وسائر أنواع العبادة له من تلك الحيثية أيضاً، ولعلَّ القائلَ بذلك قائلٌ
بهذا. بل قد رأيتُ لبعضهم ما يكونُ هذا القولُ بالنسبة إليه تسبيحٌ ولا يكادُ يجري
قلمي أو يُفتَحُ فمي بذِكْره، فالطريقُ المأمونُ عند كلِّ رشيدٍ قَصْرُ الاستغاثة
والاستعانة على الله عزَّ وجلَّ، فهو سبحانه الحيُّ القادرُ العالمُ بمصالح عباده،
فإياكَ والانتظامَ في سِلْكِ الذين يَرجُون النفعَ من غيره تعالى.
﴿الَّذِينَ تَوَقَّهُمُ الْمَلَئِكَةُ ظَالِىّ أَنْفُسِهِمْ﴾ ذكروا أنَّ السابقينَ الموحِّدين يتوقَّاهم الله
تعالى بذاته، وأما الأبرارُ والسُّعداء فقِسْمان، فمَنْ ترقَّى عن مقام النفس بالتجرُّد
وَوَصَلَ إلى مقام القلب بالعلوم والفضائل يتوقَّاهم ملكُ الموت، ومَنْ كان في مقام
النفس من العُبَّاد والصُّلَحاء والزُّهَّاد المتشرِّعين الذين لم يتجرَّدوا عن علائق البدن
(١) سلف الحديث ٢٠١/١.

التفسير الإشاري (١- ٥٠)
١٥١
سُورَةُ الْحَلَِّ
بالتحلية والتخلية تتوفّهم ملائكةُ الرحمة، وأما الأشرارُ الأشقياء فتتوقَّهم الملائكةُ
أيضاً، ولكن ملائكةُ العذاب، ويتشكَّلون لهم على صورةٍ أخلاقهم الذميمة،
كما يتشكَّلُ ملائكةُ الرحمةِ لمن تقدَّم على صورة أخلاقهم الحسنة.
﴿الَّذِينَ نَفَّهُمُ الْمَلَكَةُ طَتِبِينٌ﴾ طابتْ نفوسُهم في خِدْمة مولاها، وطابتْ قلوبهم
في محبَّةِ سيِّدها، وطابتْ أرواحهم بطِيْبٍ مشاهدةِ ربِّها، وطابتْ أسرارهم بطِيْبٍ
الأنوار، وقيل: طَيِّبةٌ أبدانهم وأرواحهم بملازمة الخدمة وتَرْك الشهوات. وقيل:
طَيِّةٌ أرواحهم بالموت لكونه باب الوصال وسبب الحياة الأبدية.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ، مِن شَىْءٍ﴾ قالوه إلزاماً لزَعْمهم
للموحِّدين، وما دروا أنه حُجَّةٌ عليهم؛ لأنه تعالى لا يشاءُ إلا ما يعلم، ولا يعلم
إلا ما عليه الشيءُ في نفسه، فلولا أنهم في نفس الأمر مشركون ما شاء الله تعالى ذلك.
﴿فَسْئَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ هم أهلُ القرآن المتخلِّقونَ بأخلاقه
القائمون بأمره ونهيه، الواقفونَ على ما أَودع فيه من الأسرار والغيوب وقليلٌ ما هم،
فالمراد بالذِّكر القرآن كما في قوله تعالى: ﴿وَّنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزْلَ
إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَنَفَكَّرُونَ﴾.
وفيه إشارةٌ إلى أنَّ الله تعالى لم يُظهرْ مكنونات أسرار كتابه إلا لنَبِيِّهِ وَّ فهو
عليه الصلاة والسلام الأمينُ المؤتمنُ على الأسرار، وقد أشار سبحانه له عليه
الصلاة والسلام بتبيين ذلك، وقد فعلَ، ولكن على حَسَبِ القابلیات: لا تمنعوا
الحكمة عن أهلها فتظلموهم، ولا تمنحوها غيرَ أهلها فتظلموها (١). ولا تُودَع
الأسرارُ إلا عند الأحرار، وذلك لأنها أمانةٌ، وإذا أُودعت عند غيرهم لم يؤمَنْ
عليها من الخيانة، وخيانتها إنشاؤها، وإفشاؤها خَطَرٌ عظيم. ولذا قيل:
لم يأمنوه على الأسرار ما عاشبا
من شاوروه فأبدى السِّرَّ مشتهراً
وأبدلوه مكانَ الأُنس إيحاشا
وجانَبوه فلم يَسْعَدْ بقربهم
وحاشا ودادهم من ذاكم حاشا
لا يصطفون مذيعاً بعضَ سِرِّهم
(١) قال العجلوني في كشف الخفاء ٥٠٣/٢: رواه ابن عساكر عن ابن عباس من قول
عيسى بن مريم عليه السلام.

سُؤَدَّةُ الْحَتَ
١٥٢
الآية : ٥١
﴿أَوْلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ﴾ أي: ذاتٍ وحقيقةٍ مخلوقةٍ أية ذاتٍ كانت
﴿يَنَفَيَّوْاْ ظِلَلُهُ﴾ قيل: أي: يتمثَّل صُوره ومظاهره ﴿عَنِ الْيَمِينِ﴾ جهة الخير
﴿وَالشَّمَآئِلِ﴾ جهات الشرور، ولمَّا كانت جهةُ اليمين إشارةً إلى جهة الخير الذي
لا يُنسَبُ إلا إليه تعالى وَحَّدَ اليمين، ولما كانت جهةُ الشمال إشارةً إلى جهة
الشَّرِّ الذي لا ينبغي أن يُنْسَبَ إليه تعالى كما يرشد إليه قوله ◌َّ: ((والشر ليس
إليك))(١) ولكن يُنْسَبُ إلى غيره سبحانه، وكان في الغير تعدُّدٌ ظاهرٌ = جَمَعَ
الشمال.
وقيل في وجه الإفراد والجمع: إنَّ جميعَ الموجودات تشتركُ في نوعٍ من الخير
لا تكادُ تفيءُ عنه، وهو العِشْقُ، فقد برهنَ ابنُ سينا على سَرَيان قوةِ العِشْقِ في كلِّ
واحدٍ من الهويات، ولا تكادُ تشتركُ في شرِّ كذلك، فما تفيءُ عنه من الشر لا يكون
إلا متعدِّداً، فلذا جَمَعَ الشمال، ولا كذلك ما تفيُ عنه من الخير، فلذا أفرد
اليمين، فليتأمل.
﴿وَلَّهِ يَسْجُدُ﴾ ينقاد ﴿مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ مِن دَآبَةٍ﴾ أيّ موجودٍ يَدِبُّ
ويتحرَّكُ من العدم إلى الوجود ﴿وَالْمَلَئِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ لا يمتنعونَ عن
الانقياد والتذلل لأمره ﴿يَخَافُونَ رَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ﴾ لأنه القاهرُ المؤثِّرُ فيهم ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا
يُؤْمَرُونَ﴾ طَوْعاً وانقياداً، والله تعالى الهادي سواء السبيل.
ثم إنه تعالى بعد ما بيَّن أنَّ جميعَ الموجودات خاضعةٌ منقادةٌ له تعالى، أردفَ
ذلك بحكاية نهيه سبحانه وتعالى للمكلَّفين عن الإشراك فقال عزَّ قائلاً:
﴿وَقَالَ اللَّهُ﴾ عَظْفًا على قوله سبحانه: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ). وجُوِّزَ أن يكونَ معطوفاً
على ((وأنزلنا إليك الذكر)) وقيل: إنه معطوفٌ على ((ما خلق الله)) على أسلوب:
علفتُها تبنّا وماءً باردا(٢)
(١) قطعة من حديث طويل أخرجه أحمد (٨٠٣)، ومسلم (٧٧١) عن علي بن أبي طالب
(٢) عجزه: حتى شتت همالة عيناها. وسلف ٣٢٥/٦.

الآية : ٥١
١٥٣
سُوَّةُ الْحَلَِّ
أي: أَوَلم يروا إلى ما خلق الله، ولم يسمعوا إلى ما قال الله، ولا يخفى
تكلُّفه.
وإظهارُ الفاعل وتخصيصُ لفظة الجلالة بالذكر للإيذان بأنه تعالى متعيِّنُ
الألوهية، وإنما المنهيُّ عنه هو الإشراكُ به، لا أنَّ المنهيَّ عنه هو مطلقُ اتخاذ
إلهين، بحيثُ يتحقَّقُ الانتهاءُ عنه برَفْضٍ أيُّهما كان، ولم يُذْكَر المقول لهم للعموم
أي: قال تعالى لجميع المكلَّفين بواسطة الرسل عليهم السلام: ﴿لَا تَتَّخِذُوَّا إِلَّهَيْنِ
أَثْنَيْنٍ ﴾ المشهور أنَّ ((اثنين)) وصفٌ لـ ((إلهين)) وكذا ((واحدٌ)) في قوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا
هُوَ إِلَهٌ وَحِدٌ﴾ صفةٌ لـ ((إله))، وجِيءَ بهما للإيضاح والتفسير، لا للتأكید وإن حصل،
وتقريرُ ذلك أنَّ لَفْظَ ((إلهين)) حاملٌ لمعنى الجنسية، أعني: الإلهية، ومعنى العدد
أعني الاثنينية، وكذا لفظُ ((إله)) حاملٌ لمعنى الجنسية والوَحْدة، والغرضُ المسوقُ له
الكلامُ في الأول النهيُ عن اتخاذ الاثنين من الإله، لا عن اتخاذ جنس الإله، وفي
الثاني إثباتُ الواحد من الإله، لا إثباتُ جنسه، فَوَصفَ ((إلهين)) بـ ((اثنين)) و((إله))
بـ ((واحد)» إيضاحاً لهذا الغرض وتفسيراً له، فإنه قد يُرادُ بالمفرد الجنسُ، نحو: نِعْمَ
الرجلُ زيدٌ. وكذا المثنَّى كقوله:
فإنَّ النارَ بالعُودَين تُذْكَى وإِنَّ الحربَ أوَّلُها الكلامُ(١)
وإلى هذا ذهب صاحبُ ((الكشاف))(٢) وما يُفهم منه أنه تأكيدٌ، فمعناه أنه محقّقٌ
ومقرَّرٌ من المتبوع، فهو تأكيدٌ لُغويٌّ، لا أنه مؤكِّدٌ أَمْرَ المتبوع في النسبة أو
الشمول، ليكون تأكيداً صناعيًّا، كيف وهو إنما يكونُ بتقرير المتبوع بنفسه أو
بما يوافقه معنّى أو بألفاظِ محفوظة، فما قيل: إنَّ مذهبه أنَّ ذلك من التأكيد
الصناعيِّ ليس بشيءٍ؛ إذ لا دلالة في كلامه عليه. وقد أورد السَّكاكيُّ الآيةَ في باب
عَظْفِ البيان(٣) مصرِّحاً بأنه من هذا القبيل، فتوقّم منه بعضُهم أنه قائلٌ بأنَّ ذلك
عَظْفُ بيانٍ صناعي، وهو الذي اختاره العلامةُ القَطْبُ في ((شرح المفتاح)) نافياً كونه
(١) البيت لنصر بن سيار، وهو في البيان والتبيين للجاحظ ١٥٨/١، وعيون الأخبار ١٢٨/١،
والأمثال لأبي عبيد ص ١٥٣، والتمثيل والمحاضرة ص٢٦٤.
(٢) ٢ /٤١٣.
(٣) مفتاح العلوم ص١٩٠ .

سُورَةُ الْحَلِ
١٥٤
الآية : ٥١
وَصْفاً، واستدلَّ على ذلك بأنَّ معنى قولهم: الصفةُ تابعٌ يدلُّ على معنَى في متبوعه
أنه تابعٌ ذُكِرَ ليدلّ على معنًى في متبوعه على ما نُقل عن ابن الحاجب، ولم يذكر
(اثنين)) و((واحد)) للدلالة على الاثنينية والوحدة اللتين في متبوعهما، فيكونا
وَصْفَين، بل ذُكرا للدلالة على أنَّ القَصْدَ من متبوعهما إلى أحد جزئيه - أعني:
الاثنينية والوحدة - دون الجزء الآخر - أعني: الجنسية - فكلٌّ منهما تابعٌ غيرُ صفةٍ
◌ُوضِّحُ متبوعه، فیکون عَطْف بيان لا صفة.
وقال العلّامة الثاني: ليس في كلام السكاكيِّ ما يدلُّ على أنه عَطْفُ بيانٍ
صناعي؛ لجواز أن يُريد أنه من قبيل الإيضاح والتفسير، وإن كان وَصْفاً صناعيًّا،
ويكون إيراده في ذلك المبحث مثل إيراد: كلُّ رجلٍ عارف، وكلُّ إنسان حيوان،
في بحث التأكيد، ومثل ذلك عادة له.
وتعقب العلّامةُ الأول بأنه إن أُريد أنه لم يُذْكر إلا ليدلَّ على معنّى في
متبوعه، فلا يصدقُ التعريفُ على شيءٍ من الصفة؛ لأنها البتّة تكونُ لتخصيصٍ
أو تأكيدٍ أو مَدْح أو نحو ذلك، وإن أريد أنه ذُكر ليدلَّ على هذا المعنى،
ويكونُ الغرضُ مَّن دلالته عليه شيئاً آخرَ كالتخصيص والتأكيد وغيرهما، فيجوز
أن يكون ذِكْرُ ((اثنين)) و((واحد)» للدلالة على الاثنينية والوحدة، ويكون الغرضُ
من هذا بيانَ المقصود وتفسيره، كما أنَّ الدابرَ في: أمس الدَّابِرِ، ذُكر ليدلَّ على
معنى الدَّبور، والغرضُ منه التأكيدُ، بل الأمرُ كذلك عند التحقيق، ألا ترى أنَّ
السَّكاكيَّ جعلَ من الوصف ما هو كاشفٌ وموضِّحٌ، ولم يخرج بهذا عن
الوصفية .
وأجيب بأنَّا نختارُ الشقَّ الثاني ونقول: مرادُ العلّامة من قوله: ذُكر ليدلَّ على
معنّى في متبوعه، أن يكونَ المقصودُ من ذِكْرِه الدلالةَ على حصول المعنى في
المتبوع، ليتوسَّلَ بذلك إلى التخصيص أو التوضيح أو المدح أو الذم، إلى غير
ذلك. وذِكْرُ (اثنين)) و((واحد)) ليس للدلالة على حصول الاثنينية والوحدة في
موصوفيهما، بل تعيينُ المقصود من جزئيهما، فلا يكونان صفة، وذِكْرُ الدابر ليدلَّ
على حصول الدبور في الأمس، ثم يتوسَّلُ بذلك إلى التأكيد، وكذا في الوصف
الكاشف، بخلاف ما نحن فيه، فتدبره فإنه غامض.

الآية : ٥١
١٥٥
سُوَّةُ الْحَمِ
ولم يجوِّز العلَّامةُ الأولُ البدليةَ فقال: وأما أنه ليس ببدلٍ فظاهرٌ؛ لأنه لا يقومُ
مقام المبدَلِ منه.
ونظر فيه العلّامة الثاني بأنَّا لا نُسلِّم أنَّ البدلَ يجبُ صحةُ قيامه مقامَ المبدَلِ
منه، فقد جعل الزمخشريُّ ((الجنَّ)) في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ لِلَِّ شُرَّكَ الْجِنَّ﴾
[الأنعام: ١٠٠] بدلاً من ((شركاء))(١)، ومعلومٌ أنه لا معنى لقولنا: وجعلوا لله
الجنَّ، ثم قال: بل لا يبعد أن يقال: الأَولى أنه بدلٌ؛ لأنه المقصودُ بالنسبة؛ إذ
النهيُ عن اتخاذ الاثنين من الإله على ما مرَّ تقريره.
وتُعقِّبَ بأنَّ الرضيَّ قد ذكر أنه لمَّا لم يكنِ البدلُ معنّى في المتبوع حتى يحتاج
إلى المتبوع كما احتاج الوصف ولم يفهم معناه من المتبوع كما فُهم ذلك في التأكيد
جاز اعتبارُهُ مستقلًا لَفْظاً، أي: صالحاً لأن يقوم مقام المتبوع. اهـ.
ولا يخفى أنَّ صحةَ إقامته بهذا المعنى لا تقتضي أن يتمَّ معنى الكلام بدونه
حتى يرد ما أورد؛ وقيل: إنَّ ذِكْرَ ((اثنين)) للدلالة على منافاة الاثنينية للأُلوهية،
وذِكْرَ الوحدة للتنبيه على أنها من لوازم الألوهية.
وجعل ذلك بعضُهم من روادف الدلالة على كون ما ذُكر مساق النهي والإثبات
وهو الظاهر، وإن قيل فيه ما قيل.
وزعم بعضُهم أنَّ ((تتَّخذوا)) متعدٍّ إلى مفعولين، وأنَّ ((اثنين)) مفعوله الأول
و((إلهين)) مفعوله الثاني، والتقدير: لا تَّخذوا اثنين إلهين.
وقيل: الأولُ مفعولٌ أولُ والثاني ثانٍ، وقيل: ((إلهين)) مفعوله الأول، و((اثنين))
باقٍ على الوَصْفيةِ والتوكيد، والمفعولُ الثاني محذوفٌ، أي: معبودين، ولا يخفى
ما في ذلك، وإثباتُ الوحدة له تعالى مع أنَّ المسمَّى المعيَّنُ لا يتعدَّدُ بمعنى أنه
لا مُشارِكَ له في صفاته وألوهيته، فليس الحملُ لَغْواً، ولا حاجةَ لِجَعْل الضمير
للمعبود بحقِّ المفهوم من الجلالة على طريق الاستخدام كما قيل، وسيأتي إن
شاء الله تعالى تحقيقُهُ في سورة الإخلاص.
(١) الكشاف ٤٠/٢.

سُورَةُ الْفَكَ
١٥٦
الآية : ٥٢
وفي التعبير بالضمير الموضوع للغائب التفاتٌ من التكلّم إلى الغَيبة على رأي
السَّكاكي المكتفي بكون الأسلوب الملتَفَتِ عنه حقّ الكلام، وإن لم يسبق الذكر
على ذلك الوجه، وأما قوله تعالى: ﴿فَإِنَّنَىَ فَأَزْهَبُونِ ﴾﴾ ففيه التفاتٌ من الغيبة إلى
التكلُّم على مذهب الجمهور أيضاً، والنكتةُ فيه بعد النكتةِ العامة - أعني الإيقاظ
وتطرية الإصغاء - المبالغةُ في التخويف والترهيب، فإنَّ تخويفَ الحاضر مواجهةً
أبلغُ من تخويف الغائب، سيَّما بعد وَصْفه بالوحدة والألوهية المقتضية للعَظَمة
والقُدْرة التامةِ على الانتقام.
والفاء في ((فإياي)) واقعةٌ في جواب شَرْطِ مقدَّرٍ، و((إياي)) مفعولٌ لِفِعْلٍ محذوفٍ
يُقدَّرُ مؤخرًا، يدلُّ عليه ((فارهبون)) أي: إن رَهبْتُم شيئاً فإيايَ ارهبوا، وقول ابن
عطية: إنَّ ((إياي)) منصوبٌ بفِعْلٍ مُضْمَرٍ تقديرُه: فارهبوا إيايَ فارهبون(١)؛ ذهولٌ عن
القاعدة النحوية، وهي أنه إذا كان المعمولُ ضميراً منفصلاً والفعلُ متعدٍّ إلى واحدٍ
هو الضمير، وَجَبَ تأخّر الفعل، نحو: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] ولا يجوز أن
يتقدَّم إلا في ضرورةٍ نحو قوله :
إليكَ حتى بَلَغَتْ إِياكا(٢)
وعَظْفُ المفسِّر المذكور على المفسَّر المحذوف بالفاء؛ لأنَّ المراد رهبةٌ بعد
رهبة، وقيل: لأنَّ المفسِّر حقُّه أن يُذْكَر بعد المفسّر، ولا يخفى فَصْلُ الضمير
وتقديمُه من الحَصْر، أي: ارهبوني لا غير، فأنا ذلك الإلهُ الواحدُ القادرُ على
الانتقام.
﴿وَلَهُ, مَا فِ السَّمَوَّتِ وَالْأَرْضِ﴾ عَظْفٌ على قوله سبحانه: (إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَنَِّدٌ) أو
على الخبر أو مستأنَفٌ جِيءَ به تقريرًا لِعِلَّةِ انقياد ما فيهما له سبحانه خاصة،
وتحقيقًا لتخصيص الرهبة به تعالى، وتقديمُ الظّرف لتقوية ما في اللام من معنى
التخصيص، وكذا يقال فيما بعد، أي: له تعالى وحده ما في السماوات والأرض
(١) المحرر الوجيز ٣٩٩/٣-٤٠٠.
(٢) عجز بيت لحميد الأرقط وهو في الإنصاف للأنباري ٦٩٩/٢، وشرح المفصل ١٠١/٣،
والخزانة ٢٨٠/٥. وصدره: أتتك عنس تقطع الأراكا .

الآية : ٥٢
١٥٧
سُورَةُ الْحَلِّ
خَلْقاً ومُلْكاً ﴿وَلَهُ﴾ وحده ﴿اٌلِذِيْنُ﴾ أي: الطاعةُ والانقيادُ كما هو أحدُ معانيه. ونُقل
عن ابن عطية وغيره (١).
﴿وَاصِبًا﴾ أي: واجباً لازماً لا زوالَ له، لما تقرَّر أنه سبحانه الإله وحده
الحقيقُ بأن يُرْهَب، وتفسير ((واصباً)) بما ذُكر مرويٌّ عن ابن عباس والحسن وعكرمة
ومجاهد والضحاك وجماعة، وأنشدوا لأبي الأسود الدؤلي:
لا أبتغي الحمدَ القليلَ بقاؤه يومًا بذِّ الدهر أجمعَ واصبا(٢)
وقال ابنُ الأنباريّ: هو من الوَصَب بمعنى الثَّعب أوشدَّته، وفاعلٌ للَّسَب
كما في قوله :
وأضحى فؤادي به فاتنا(٣)
أي: ذا وَصَبٍ وكُلْفة، ومن هنا سُمِّي الدينُ تكليفاً، وقال الربيع بن أنس:
((واصباً)) خالصاً، ونُقل ذلك أيضاً عن الفراء(٤)، وقيل: الدينُ: المُلْكُ،
والواصبُ: الدائم، ويُبعد ذلك قول أمية بن أبي الصلت(٥) :
وله الدينُ واصبًا وله الملك وحَمْدٌ له على كلِّ حالٍ
وقيل: الدينُ الجزاء، والواصبُ كما في سابقه، أي: له تعالى الجزاءُ دائمًا
لا ينقطعُ ثوابه للمطيع وعقابه للعاصي، وأيًّا ما كان فَنَصْبُ ((واصبًا)) على أنه حالٌ
من ضمير ((الدين)) المستكنِّ في الظرف، والظرفُ عاملٌ فيه أو حالٌ من ((الدين))
والظرفُ هو العاملُ على رأي مَنْ يرى جواز اختلاف العامل في الحال والعامل في
صاحبها. واستُدلَّ بالآية على أنَّ أفعالَ العباد مخلوقةٌ له تعالى.
﴿أَفَغَيَّرَ اَللَّهِ نَتَّقُونَ ﴾﴾ الهمزةُ للإنكار، والفاءُ للتعقيب، أي: أَبَعْدَ ما تقرَّر من
تخصیص جميع الموجودات للسجود به تعالی، وکون ذلك كلّه له سبحانه، ونهيه
(١) المحرر الوجيز ٤٠٠/٣ .
(٢) البيت في ديوانه ص٥٢ .
(٣) صدره: رخيم الكلام قطيع القيام. وهو في الصحاح واللسان (فتن) دون نسبة.
(٤) في معاني القرآن له ٢/ ١٠٤.
(٥) في الأصل و(م): أمية بن الصلت. والمثبت هو الصواب، والبيت في ديوانه ص ١٠٧ .

سُورَةُ الْفَحََّ
١٥٨
الآية : ٥٣
عن اتخاذ الإلهين، وكون الدين له واصبًا المستدعي ذلك لتخصيص التقوى به
تعالى؛ تَّقونَ غيرَه. والمنكَرُ تقوى غيرِ الله تعالى، لا مطلقُ التقوى، ولذا قُدِّم
الغير، وأولى الهمزة لا للاختصاص حتى يردَ أنَّ إنكارَ تخصيص التقوى بغيره
سبحانه لا ينافي جوازها، وقيل: يصحُّ أن يُعتبرَ الاختصاصُ بالإنكار، فيكون
التقديمُ لاختصاص الإنكار، لا لإنكار الاختصاص. وفي ((البحر)) أنَّ هذا
الاستفهامَ يتضمَّنُ التوبيخَ والتعجُّبَ، أي: بعد ما عرفتمْ من وحدانيته سبحانه، وأنَّ
ما سواه له ومحتاجٌ إليه كيفَ تتقون وتخافون غيره(١)؟!
﴿وَمَا بِكُمْ مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ﴾ أي: أيُّ شيءٍ يلابسكم ويصاحبكم من نعمةٍ أيِّ
نعمةٍ كانت فهي منه تعالى، فـ ((ما)) موصولةٌ مبتدأ متضمّنةٌ معنى الشرط، و((من الله))
خبرها، والفاءُ زائدةٌ في الخبر لذلك التضمُّن، و((من نعمة)) بيانٌ للموصول، و(بكم))
صِلَتْهُ، وأجاز الفراء وتَبِعَهُ الحوفيُّ أن تكونَ ((ما)) شرطيةً، وفعلُ الشرط محذوفٌ،
أي: وما يكنْ بكم من نعمةٍ ... إلخ(٢). واعترضه أبو حيان(٣) بأنه لا يُحذَفُ فعلُ
الشَّرط إلا بعد ((إن)) خاصةً في موضعين؛ باب الاشتغال نحو ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ
الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرُهُ﴾ [التوبة: ٦] وأن تكون ((إن)) الشرطية متلوَّةً بـ ((لا)) النافية،
وقد دلَّ على الشرط ما قبله؛ كقوله:
وإلَّا يَعْلُ مَفْرِقَكَ الحسام(٤)
فطلِّقْها فلستَ لها بگُفٍ
وحَذْفُهُ في غيرِ ما ذُكر ضرورة، کقوله:
قالتْ بناتُ العمِّ يا سلمى وإنْ كان فقيرًا مُعْدمًا قالت وإِنْ (٥)
وقوله :
أينما الريحُ تُميِّلْها تَمِلْ (٦)
(١) البحر ٥/ ٥٠٢.
(٢) معاني القرآن ٢/ ١٠٤.
(٣) في البحر ٥٠٢/٥.
(٤) البيت للأحوص الأنصاري، وهو في ديوانه ص١٩١ .
(٥) البيت لرؤبة بن العجاج، وهو في ديوانه ص١٨٦ .
(٦) عجز بيت لكعب بن جُعيل وصدره:
=

الآية : ٥٣
١٥٩
سُؤَدَّةُ الْحَلِ
وأجيب بأنَّ الفراءَ لا يُسلِّم هذا، فما أجازه مبنيٍّ على مذهبه. واستُشكل أَمْرُ
الشرطية على الوجهين من حيثُ إنَّ الشرطَ لابدَّ أن يكونَ سببًا للجزاء كما تقول: إن
تُسلِم تدخل الجنةَ، فإن الإسلامَ سببٌ لدخول الجنة، وهنا على العكس، فإنَّ الأولَ
وهو استقرارُ النعمة بالمخاطَبين لا يستقيمُ أن يكون سببًا للثاني وهو كونُها من الله
من جهة وكونه فرْعًا عنه.
وأجاب في ((إيضاح المفضَّل)): بأنَّ الآية جِيءَ بها لإخبارِ قومِ استقرَّتْ بهم نِعَمٌ
جَهِلوا مُعطيها، أو شَكُّوا فيه، أو فعلوا ما يؤدِّي إلى أن يكونوا شَاكِّينَ، فاستقرارها
مجهولةً أو مشكوكةً سببٌ للإخبار بكونها من الله تعالى، فيتحقَّقُ أنَّ الشرطَ
والمشروطَ فيها على حسب المعروف من كون الأول سبباً والثاني مسببًا، وقد وهم
مَنْ قال: إنَّ الشرطَ قد يكونُ مسببًا. وفي ((الكشف)) أنَّ الشرطَ والجزاء ليسا على
الظاهر، فإنَّ الأولَ ليس سببًا للثاني، بل الأمر بالعكس، لكنَّ المقصودَ منه
تذكيرُهم وتعريفُهمْ، فالاتصالُ سببُ العلم بكونها من الله تعالى. وهذا أولى
مما قدَّره ابنُ الحاجب من أنه سببُ الإعلام بكونها منه، لأنه في قومٍ استقرَّتْ بهمُ
النِّعَمُ وجهلوا مُعطيها أو شكُّوا فيه، ألا ترى إلى ما بُني عليه بعدُ كَيفَ دَلَّ على
أنهم عالمونَ بأنه سبحانه المنعمُ، ولكنْ يضطرُّون إليه عند الإلجاء، ويكفرونَ بعد
الإنجاء. انتهى.
وفيه أنه يُدفَعُ ما ذكره بأنَّ علْمَهمْ نزلَ لعدم الاعتداد به وفعلهم ما ينافيه منزلةً
الجهل، فأخبروا بذلك كما تقول لمن توبِّخه: أما أَعطيتك كذا، أما وأما .
﴿ثُمَّ إِذَا مَتَكُمُ الضُّرُ﴾ مساسًا يسيرًا ﴿فَإِلَيْهِ تَخْتَرُونَ ﴾﴾ تتضرَّعون في كَشْفه،
لا إلى غيره، كما يفيده تقديمُ الجارِّ والمجرور، والجُؤار في الأصل: صياحُ
الوحش، واستعمل في رَفْع الصوت بالدعاء والاستغاثة، قال الأعشى يصفُ راهبًا :
يداومُ مِن صلواتِ المليكِ طَورًا سجودًا وطَورًا جُؤارا(١)
صَعْدَةٌ نابتةٌ في حائرٍ
=
وهو في المؤتلف والمختلف ص١١٥، والخزانة ٣/ ٤٧ .
(١) في الأصل و(م): جورا. والمثبت من ديوان الأعشى ص٥.

سُوَّةُ الْحَلِّ
١٦٠
الآية : ٥٤
وقرأ الزهري: ((تَجَرون)) بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على الجيم(١)، وفي ذكر
المساس المنبئ عن أدنى إصابةٍ وإيراده بالجملة الفعلية المؤذنة بالحدوث مع ((ثم))
الدالة على وقوعه بعد برهةٍ من الدهر، وتحلية ((الضُّرِّ) بلام الجنس المفيدةِ لمساس
أدنى ما ينطلقُ عليه اسمُ الجنس مع إيراد النعمة بالجملة الاسمية المؤذنة بالدوام
والتعبير عن ملابستها للمخاطبين بباء المصاحبة، وإيراد ((ما)) المعربة عن العموم
على احتماليها ما لا يخفى من الجزالة والفخامة، ولعل إيراد ((إذا)) دون ((إن))
للتوسُّل به إلى تحقّقٍ وقوع الجواب. قاله المولى أبو السعود(٢). وفيه ما يُعرفُ مع
الجواب عنه بأدنی تأمُّل.
وكان الظاهر على ما قيل أن يقال بعد (أَفغيرَ الله تتقون)): وما يصيبكم ضرِّ
إلا منه لِيَقْوى إنكارُ اتِّقاء غيره سبحانه، لكن ذَكَرَ النَّفْعَ الذي يُفهَمُ بواسطته الضُّرُّ،
واقتصر عليه إشارةً إلى سَبْقٍ رحمته وعمومها، وبملاحظة هذا المعنى قيل: يظهر
ارتباطُ ((وما بكم من نعمة فمن الله)) بما قبله، وسيأتي قريبا إن شاء الله تعالى
ما يتعلَّقُ بذلك.
واستدلَّ بالآية على أنَّ لله تعالى نعمةً على الكافر، وعلى أنَّ الإيمانَ مخلوقٌ له
تعالی.
﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ﴾ أي: رفع ما مسَّكم من الضُّرِّ ﴿إِذَا فَرِقٌ مِنْكُمْ بِرَبِهِمْ
يُشْرِكُونَ ﴾﴾ أي: يتجدَّدُ إشراكهم به تعالى بعبادة غيره سبحانه، والخطاب في
الآية إن كان عامًّا فـ ((من)) للتبعيض، والفريقُ الكَفَرة، وإن كان خاصًّا بالمشركين
كما استظهره في ((الكشف)) فـ ((من)) للبيان على سبيل التجريد لِيَحْسُنَ، وإلا فليس
من مَواقعه كما قيل، والمعنى: إذا فريقٌ هم أنتم يشركون. وجُوِّزَ على هذا
الاحتمال في الخطاب كون ((من)) تبعيضية أيضاً؛ لأنَّ من المشركين مَنْ يرجعُ عن
شِرْكه إذا شاهد ضُرًّا شديدًا كما يدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَنَّهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم
◌ُقْنَصِدٌ﴾ [لقمان: ٣٢] على تقدير أن يُفسَّر الاقتصادُ بالتوحيد لا بعدم الغلوِّ في
الكُفْرِ، و((إذا)) الأولى شرطيةٌ والثانية فجائية والجملة بعدها جوابُ الشرط، واستدلَّ
(١) المحتسب ١٠/٢، والبحر المحيط ٥٠٢/٥.
(٢) في تفسيره ١٢٠/٥.