النص المفهرس
صفحات 121-140
الآية : ٤١ ١٢١ سُورَةُ الْحَة فلا مانع من كون الآية مكِّيَّةً بالمعنى المشهور عليه، لكن قيل: إنَّ قتادة القائل بما تقدَّم قائلٌ بأنَّ هذه الآيةَ إلى آخر السورة مدنيةٌ، وهو آبٍ عمَّا ذكر، ومن هنا حمل بعضُهم ما نُقل عنه سابقاً على أنَّ نزولها كان بين الهجرتين بالمدينة، ولا يمكن الجمعُ بين هذه الأقوال أصلاً. والذي ينبغي أن يُعوَّ عَليه أنَّ السورة مكيةٌ إلا آياتٍ ليستْ هذه منها، بل هي مكيةٌ نزلتْ بين الهجرتين فيمن ذكره الجمهور، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال. وقال بعضهم: إنَّ الذين هاجروا عامٌّ في المهاجرين كائناً مَنْ كان، فيشملُ أَوَّلَهم وآخرَهم، وكأن هذا من قائله اعتبارٌ لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، كما هو المقرَّر عندهم. وقرأ عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه وعبد الله تَظُه ونُعيم بن مَيْسرة والربيع بن خيثم: (لَنُئِيَّنَّهِمْ)) بالثاء المثلَّثة(١) من أثْوى المنقول بهمزة التعدية من ثوى بالمكان أقام فيه، قال في ((البحر)): وانتصاب ((حَسَنة)) على تقدير: إثواءةً حَسَنةً، أو على نَزْع الخافض، أي: في حَسَنةٍ، أي: دارٍ حسنة، أو منزلةٍ حَسَنةٍ(٢). ولا مانع - على ما قيل - من اعتبار تضمينِ الفعل معنى ((نعطيهم)) كما أُشير إليه أولاً. واستُدلَّ بالآية - على أحد الأقوال - على شَرَفِ المدينة وشَرَفِ إخلاص العمل لله تعالى. ﴿وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ﴾ أي: أجرُ أعمالهم المذكورة في الدار الآخرة ﴿أَكْبَرٌ﴾ مما يُعجَّلُ لهم في الدنيا، أخرج ابن جرير وابن المنذر عن عمر بن الخطاب أنه كان إذا أعطى الرجلَ من المهاجرين عطاءً يقول له: خُذْ، باركَ الله تعالى لك، هذا ما وَعَدَكَ الله تعالى في الدنيا، وما أَخَّر لك في الآخرة أفضل، ثم يقرأ هذه الآية(٣). وقيل: المراد أكبرُ من أن يعلمهُ أحدٌ قبل مشاهدته، ولا يخفى ما في مخالفة أسلوب هذا الوعد لما قبله من المبالغة. (١) المحتسب ٩/٢، والمحرر الوجيز ٣٩٤/٣، والبحر المحيط ٤٩٢/٥. (٢) البحر المحيط ٤٩٢/٥. (٣) تفسير الطبري ٢٢٤/١٤-٢٢٥، والدر المنثور ١١٨/٤. سُورَةُ الْحَلِ ١٢٢ الآية : ٤٢، ٤٣ ، الضميرُ للكَفَرة الظالمين، أي: لو عَلِموا أنَّ الله تعالى ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ يجمعُ لهؤلاء المهاجرين خيرَ الدارين لوافقوهم في الدِّين، وقيل: هو للمهاجرين، أي: لو عَلِموا ذلك لزادوا في الاجتهاد، ولما تألَّموا لما أصابهم من المهاجرة وشدائدها، ولازدادوا سروراً. وفي ((المعالم)): لا يجوز ذلك؛ لأنَّ المهاجرين يعلمونه (١). ودُفع بأنَّ المرادَ عِلْمُ المشاهدة، وليس الخبرُ كالمعاينة، أو المراد العلم التفصيلي. وجُوِّزَ أن يكونَ الضميرُ للمتخلِّفين عن الهجرة، يعني: لو علِمَ المتخلِّفون عن الهجرة ما للمهاجرين من الكرامة لوافقوهم. ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على ما نالهم من الظّلم، ولم يرجعوا القَهقَرى، وعلى مفارقة الوطن، وهو حَرَمُ الله سبحانه المحبوبُ لكلِّ مؤمنٍ فَضْلاً عمَّن كان مَسْقطَ رأسه، وعلى احتمال الغُرْبة بين أناسٍ أجانبَ في النَّسَب لم يألفهم، وعلى غير ذلك، ومحلُّ الموصول النَّصْبُ بتقدير: أعني، أو الرفع بتقدير ((هم))، ويجوز أن يكون تابعاً للذين هاجروا بدلاً أو بياناً أو نعتاً. @﴾ منقطعين إليه مُعرضين عمَّن سواه، مفوِّضين إليه ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَنَوَكَلُونَ الأمرَ كلَّه كما يفيده حَذْفُ متعلّق التوكل، وقيل: تقديمُ الجارِّ والمجرور المؤذن بالحَصْر، وكونه لرعاية الفواصل غيرُ متعيّن، وصيغةُ الاستقبال إما للاستمرار أو لاستحضار تلك الصورة البديعة، والجملةُ إما معطوفةٌ على الصِّلة، أو حالٌ من ضمير ((صبروا)). ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِىّ إِلَيْهِمْ﴾ ردٌّ لقريشٍ حيث أنكروا رسالةً النبيِّ وَّهِ وقالوا: الله تعالى أعظمُ أن يكونَ رسولُهُ بشراً، هَلَّا بعثَ إلينا مَلَكاً، أي: جرت السُّنَّةُ الإلهيةُ حسبما اقتضته الحكمةُ بأن لانبعثَ للدعوة العامة إلا بشراً نوحي إليهم بواسطة المَلَك في الأغلب الأوامر والنواهي ليُبلِّغوها، ويحترزُ بالدعوة العامة عن بَعْثِ الملك للأنبياء عليهم السلام للتبليغ أو لغيرهم، كَبَعْئهِ لمريم للبشارة، وبالأغلب بعضُ أقسام الوحي مما لم يكن بواسطة الملك كما يشير إليه قوله تعالى : ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اَللَّهُ إِلَّ وَحْيًّا أَوْ مِن وَرَآبٍ ◌ِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِىَ بِإِذْنِ، مَا يَشَآءُ﴾ [الشورى: ٥١]. وقرأ الجمهور ((يوحَى)) بالياء وفتح الحاء. وفرقةٌ بالياء (١) معالم التنزيل للبغوي ٦٩/٣. الآية : ٤٣ ١٢٣ سُؤَةُ الْحَ وكسرها. وعبد الله والسُّلَميُّ وطلحةُ وحفصٌ بالنون وكسرها(١). وفي ذلك من تعظيم أمر الوحي ما لا يخفى. ولمَّا كان المقصودُ من الخطاب لرسول الله وَ له تنبيه الكفار على مضمونه صرف الخطاب إليهم فقيل: ﴿فَتَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ أي: أهل الكتاب من اليهود والنصارى. قاله ابن عباس والحسن والسُّدِّي وغيرهم، وتسميةُ الكتاب تُعلَم مما سيأتي إن شاء الله تعالى، وعن مجاهدٍ تخصيصه بالتوراة لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى لزبُورِ [الأنبياء: ١٠٥] فأهله اليهود. مِنْ بَعْدِ الذِّكِرِ﴾ قال في ((البحر)): والمراد مَنْ لم يُسلم من أهل الكتاب؛ لأنهم الذين لا يُتَّهمون عند أهل مكة في إخبارهم بأنَّ الرسلَ عليهم السلام كانوا رجالاً ، فإخبارهم بذلك حُجَّةٌ عليهم، والمراد كَسْرُ حُجَّتهم وإلزامهم، وإلا فالحقُّ واضحٌ في نفسه لا يحتاجُ فيه إلى إخبار هؤلاء، وقد أرسل المشركون بعد نزولها إلى أهل يثرب يسألونهم عن ذلك(٢). وقال الأعمش وابن عيينة وابن جبير: المراد مَنْ أَسلمَ منهم كعبد الله بن سلام وسلمان الفارسي ﴿ وغيرهما . ويُضعِّفه أنَّ قولَ مَنْ أسلمَ لا حُجَّةَ فيه على الكفَّار، ومنه يُعلَمُ ضَعْفُ ما قال أبو جعفر وابن زيد من أنَّ المرادَ من الذكر القرآن؛ لأنَّ الله تعالى سمَّاه ذِكْراً في مواضعَ، منها ما سيأتي إن شاء الله تعالى قريباً، وأهلُ الذِّكر على هذا المسلمونَ مطلقاً، وخصّهم بعضُ الإمامية بالأئمة أهل البيت احتجاجاً بما رواه جابر ومحمد بن مسلم منهم عن أبي جعفر ربه أنه قال: نحنُ أهلُ الذكر(٣). وبعضُهم فسَّرِ الذِّكْرَ بالنبيِّ وَّ لقوله تعالى: ﴿ذِكْراً * رَسُولًا﴾ [الطلاق: ١٠-١١] على قولٍ، ويقال على مقتضى ما في ((البحر)): كيف يقنعُ كفَّارُ أهل مكة بخبر أهل البيت في ذلك، وليسوا بأصدقَ من رسول الله وَ لفر عندهم، وهو عليه الصلاة والسلام المشهور فيما بينهم بالأمين، ولعلَّ ما رواه ابنُ مردويه منَّا موافقاً بظاهره لمن زَعَمهُ ذلك البعض من الإمامية عن أنس قال: سمعت رسول الله وَله يقول: ((إنَّ الرجلَ (١) التيسير ص ١٣٠، والنشر ٢٩٦/٢، والمحرر الوجيز ٣٩٥/٣، والبحر المحيط ٤٩٣/٥. (٢) البحر المحيط ٤٩٣/٥-٤٩٤. (٣) مجمع البيان ١٤/ ٧٧. سُورَةُ الْفَلَ ١٢٤ الآية : ٤٣ ليُصلِّي ويصومُ ويحجُّ ويعتمر، وإنه لمنافقٌ)) قيل: يا رسول الله، بماذا دخلَ عليه النفاق؟ قال: ((يطعنُ على إمامه، وإمامُهُ مَنْ قال الله تعالى في كتابه: (فَتْشَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ)) إلى آخره(١)، مما لا يصحُّ، وأنا أقول: يجوز أن يراد من أهل الذكر أهل القرآن وإن قال أبو حيان ما قال، وستعلم وَجْهَهُ قريباً إن شاء الله تعالى المنَّان، وقال الرُّمَّانيُّ والزجاج(٢) والأزهريُّ: المراد بأهل الذكر علماء أخبار الأمم السالفة كائناً مَنْ كان، فالذِّكر بمعنى الحفظ، كأنه قيل: اسألوا المطّلعين على أخبار الأمم يُعلموكم بذلك. كنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ إِن وجوابٌ ((إن)) إما محذوفٌ لدلالة ما قبله عليه، ا أي: فاسألوا، وإما نفس ما قبله بناءً على جواز تقدُّم الجواب على الشرط. واستُدلَّ بالآية على أنه تعالى لم يُرسلِ امرأةً ولا صبيّاً، ولا ينافيه نبوَّةُ عيسى عليه السلام في المهد، فإنَّ النبوَّةَ أعمُّ من الرسالة؛ ولا يقتضي صحةَ القول بنبوَّةِ مريمَ أيضاً؛ لأنَّ غايته نفيُ رسالة المرأة، ولا يلزمُ من ذلك إثباتُ نبوَّتها، وذهب إلى صحَّةٍ نبوّةٍ النساء جماعةٌ، وصحّح ذلك ابنُ السيد، ولا ينافي ما دلَّت عليه الآيةُ من نفي إرسال الملائكة عليهم السلام قوله تعالى: ﴿بَاعِلِ الْمَلَئِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر: ١] لأنَّ المرادَ: جاعلُهم رسلاً إلى الملائكة، أو إلى الأنبياء عليهم السلام، لا للدعوة العامة، وهو المدَّعى كما علمتَ، فالرسولُ إما بالمعنى المصطلح أو بالمعنى اللُّغوي، وقال الجُبَّائيُّ: إنَّ الملائكةَ عليهم السلام لم يُبعثوا إلى الأنبياء عليهم السلام إلا ممثَّلين بصُوَر الرجال، وَرُدَّ بما روي أنَّ نبيّنا نَّهِ رأى جبريل عليه السلام على صورته التي هو عليها مرَّتين(٣)، وهو واردٌ على الحَضْر المقتضي للعموم، فلا يردُ عليه أنه لا دلالةَ فيما روي على رؤية من قِبَل نبيِّنا عليه الصلاة والسلام لجبريل عليه السلام على صورته، مع أنه إذا ثبتَ ذلك للنبيِّ وَلِّ - ولم يثبت أنه من خصوصياته عليه الصلاة والسلام - فلا مانعَ من ثبوته لغيره. قاله (١) لم نقف عليه من رواية أنس، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره كما في الدر المنثور ١١٨/٤ من حديث سعيد بن جبير، وهو منقطع. (٢) معاني القرآن ٣/ ٢٠٠. (٣) أخرجه أحمد (٢٤٢٢٧) و(٢٥٩٩٣) و(٢٦٠٤٠)، والبخاري (٤٨٥٥)، ومسلم (١٧٧) من حديث عائشة ثنا. وأخرجه - أيضاً- أحمد (٣٨٦٤) من حديث ابن مسعود ظ ته. الآية : ٤٣ ١٢٥ سُوَّةُ الْحَِ الشهاب، وذكر أنه نقل الإمامُ عن القاضي أنَّ مرادَ الجبَّائي أنهم لم يُبعثوا إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بحَضْرة أممهم إلا وهم على صُوَرِ الرجال كما روي أنَّ جبريل عليه السلام حَضَرَ عند رسول الله وَّهِ بمحضرٍ من أصحابه في صورة دِخْيةً الكلبي، وفي صورة سُراقة (١). وفي صورة أعرابيٍّ لم يعرفوه(٢). واستدلَّ بها أيضاً على وجوب المراجعة للعلماء فيما لا يعلم. وفي ((الإكليل))(٣) للجلال السيوطي أنه استُدلَّ بها على جواز تقليد العامِّيِّ في الفروع، وانظر التقييدَ بالفروع فإنَّ الظاهرَ العموم لاسيما إذا قلنا: إنَّ المسألةَ المأمورين بالمراجعة فيها والسؤال عنها من الأصول، ويؤيدُ ذلك ما نُقل عن الجلال المحلِّي (٤) أنه يلزمُ غيرُ المجتهد عامِّيّاً كان أو غيره التقليد للمجتهد؛ لقوله تعالى: (فَتْشَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) والصحيح أنه لا فرقَ بين المسائل الاعتقادية وغيرها، وبين أن يكون المجتهد حيّاً أو ميتاً. وصحَّحَ هو وغيره امتناعَ التقليد على المجتهد مطلقاً، سواء كان له قاطعٌ أو لا ، وسواء كان مجتهداً بالفعل أو له أهليةُ الاجتهاد، ومقتضى كلامهم أنه لا فرقَ بين تقليد أحد أئمة المذاهب الأربع وبين تقليد غيره من المجتهدين. نعم ذكر العلامةُ ابنُ حَجَرٍ وغيره أنه يُشتَرطُ في تقليد الغير أن يكونَ مذهبهُ مدوَّناً محفوظَ الشروط والمعتبرات، فقولُ السُّبكي: إنَّ مُخالِفَ الأربعةِ كمخالفِ الإجماع، محمولٌ على ما لم يُحفَظُ ولم تُعْرَفْ شروطُهُ وسائرُ معتبراته من المذاهب التي انقطعَ حَمَلتُها وقُقِدتْ كُتُبها كمذهب الثوريِّ والأوزاعيِّ وابن أبي ليلى وغيرهم. (١) حاشية الشهاب ٣٣٤/٥، وتفسير الرازي ٣٦/٢٠. وحضور جبريل عليه السلام في صورة دحية الكلبي، أخرجه أحمد (٥٨٥٧) من حديث ابن عمر ـ وأما حضوره في صورة سراقة فلم نعثر عليه، والمحفوظ حضور إبليس في صورة سراقة كما أخرج ذلك الطبري في تفسيره ٢٢١/١١، وابن أبي حاتم ١٧١٥/٥ وغيرهما. (٢) أخرجه أحمد (٣٦٧)، ومسلم (٨) من حديث عمر ئه أنه قال: بينما نحن ذات يوم عند نبي الله 9َّ إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر ... إلخ. (٣) الإكليل في استنباط التنزيل ص١٦٣. (٤) شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع ٣٩٣/٢ ومعه حاشية البناني. سُورَةُ الْحَ ١٢٦ الآية : ٤٤ ثم إنَّ تقليدَ الغير بشَرْطه إنما يجوزُ في العمل، وأما للإفتاء والقضاء فيتعيَّنُ أحدٌ المذاهب الأربع، واستَشْكَلَ الفَرْقَ العلامةُ ابنُ قاسم العبَّادي، وأجيبَ بأنه يحتملُ أن يكونَ الفرقُ أنه يُحتاط فيهما لِتَعدِّيهما ما لا يحتاط في العمل فيتركان لأدنى محذور ولو محتملاً، ونظير ذلك ما ذكره بعض الشافعية في القولين المتكافئين أنه لا يفتى ولا يقضى بكلِّ منهما لاحتمال كونه مرجوحاً ويجوز العمل به. وذكر الإمام أنَّ من الناس مَنْ جوَّزَ التقليدَ للمجتهد لهذه الآية فقال: لمَّا لم يكن أحدُ المجتهدين عالماً وَجَبَ عليه الرجوعُ إلى المجتهد العالم لقوله تعالى: (فَشْشَلُوا) الآية فإن لم يجبْ فلا أقلَّ من الجواز، وأُيِّدَ ذلك بأنَّ بعضَ المجتهدينَ نقلوا مذاهبَ بعض الصحابة وأقرُّوا الحُكْمَ عليها، والصحيحُ ما سمعتَ أولاً، وما ذُكر ليس بتقليدٍ، بل هو من باب موافقة الاجتهاد الاجتهاد. واحتجَّ بها أيضاً نفاةُ القياس فقالوا: المكلَّفُ إذا نزلتْ به واقعةٌ فإن كان عالماً بحُكْمها لم يجزْ له القياسُ، وإلا وَجَبَ عليه سؤالُ مَنْ كان عالماً بها بظاهر الآية، ولو كان القياس حُجَّةً لما وَجَبَ عليه السؤالُ لأجل أنه يمكنه استنباطُ ذلك الحُكْم بالقياس، فثبتَ أنَّ تجويزَ العمل بالقياس يُوجبُ تَرْكَ العمل بظاهر الآية، فَوَجَبَ أن لا يجوز، وأجيب بأنه ثَبَتَ جوازُ العمل بالقياس بإجماع الصحابة، والإجماع أقوى من هذا الدليل(١). وقال بعضهم: إذا كان المكلَّفُ ممنْ يقدرُ على القياس كان ممَّنْ يعلمُ، فلا يَجبُ عليه السؤال. فتأمل. ﴿يَمِنَتِ وَالزُّبْرِ﴾ أي: بالمعجزات والكتب، والأُولى للدلالة على الصدق، والثانية لبيان الشرائع والتكاليف. وانحرفَ عن الحقِّ من فسَّرهما بما هو مصطلحُ أهل الحِرَف. والجارُّ والمجرورُ متعلِّقٌ بمقدَّرٍ يدلُّ عليه ما قبله، وَقَع جواباً عن سؤالِ مَنْ قال: بمَ أُرسلوا؟ فقيل: أُرسلوا بالبينات والزبر. وجوَّز الزمخشريُّ والحوفي تعلُّقه بـ ((أرسلنا)) السابق داخلاً تحت حُكم (١) التفسير الكبير ٣٧/٢٠. الآية : ٤٤ ١٢٧ سُورَةُ النََّ الاستثناء مع ((رجالاً)) أي: وما أرسلنا إلا رجالاً بالبيِّات(١). وهو في معنى قولك: ما أرسلنا جماعةً من الجماعات بشيءٍ من الأشياء إلا رجالاً بالبينات، ومثله: ما ضربتُ إلا زيداً بسَوْط، وهو مبنيٌّ على ما جوَّزهُ بعضُ النحاة من جواز أن يُستثنى بأداةٍ واحدةٍ شيئان دونَ عَظْفٍ، وأنه يجري في الاستثناء المفرَّغ، وأكثرُ النحاة على مَنْعه كما صرَّح به صاحبُ ((التسهيل))(٢) وغيره. وقال في ((الكشف)): والحقُّ أنه لا يجوز؛ لأنَّ ((إلا)) من تتمَّةِ ما دخلتْ عليه كالجزء منه، وللزوم الإلباس، أو وجوب أن يكونَ جميعُ ما يقعُ بعد ((إلا)) محصوراً، وأن يجبَ نحو: ما ضربَ إلا زيداً عَمْراً، إذا أُريد الحصْرُ فيهما، ولا يكونُ فَرْقٌ بين هذا وذاك، وكلُّ ذلك ظاهرُ الانتفاء. والزمخشريُّ جَوَّزَ ذلك وصرَّح به في مواضعَ من كشافه، واستدلَّ عليه بأنَّ أصل: ما ضربتُ إلا زيداً بسوطٍ: ضربتُ زيداً بسوطٍ. وأراد أنَّ زيادةَ ((ما)) و((إلا)) ليست إلا تأكيداً، فلتؤكّد لما كان أصل الكلام عليه، وهو حَسَنٌ لولا أنَّ الاستعمالَ والقياسَ آبيان. وقال بعضُهم: إنه متعلِّقٌ به من غير دخوله مع ((رجالاً)) تحت حكم الاستثناء، على أنَّ أَصْله: وما أرسلنا بالبينات والزبر إلا رجالاً . وتُعقّبَ بأنه لا يجوز على مذهب البصريين، حيث لا يجيزون أن يقعَ بعد ((إلا)» إلا مستثنّى أو مستثنّى منه، أو تابعاً، وما ◌ُظُنَّ من غير الثلاثة معمولاً لما قبل ((إلا)) قُدِّر له عامل، وأجاز الكسائيُّ أن يقعَ معمولاً لما قبلها منصوبٌ، ك: ما ضَرَبَ إلا زيدٌ عمراً، ومخفوضٌ ك : ما مرَّ إلا زيدٌ بعمرٍو: ولا يعذِّب إلا الله بالنار(٣) ومرفوعٌ كـ : ما ضرب إلا زيداً عمرٌو، ووافقه ابنُ الأنباريٌّ في المرفوع، والأخفشُ في الظرف والجارِّ والحال، فما ذُكر مبنيٌّ على مذهب الكسائي (١) الكشاف ٢/ ٤١١. (٢) التسهيل ص١٠٣ . (٣) عجز بيت ليزيد بن الطثرية، وهو في كتاب الأغاني ٨/ ١٧٢ وصدره: خُبِّرتُهم عذَّبوا بالنار جارتهم ٠٠ سُورَةُ المَحَ ١٢٨ الآية : ٤٤ والأخفش، لكن قال الشهاب: إنه خلافُ ظاهر الكلام، وإخراجٌ له عن سَنَن الانتظام، وأكثرُ النُّحاة على أنه ممنوع(١). وجُوِّزَ أن يكون متعلِّقاً بما رُفع صفةً لـ ((رجالاً)) أي: رجالاً ملتبسين بالبيِّناتٍ ولم يقع حالاً منه، قيل: لأنه نكرةٌ متقدِّمةٌ، نعم قيل بجواز وقوعه حالاً من ضمير الرجال في ((إليهم))، وقيل: يجوزُ كونه حالاً من ((رجالاً)) لأنه نكرةٌ موصوفةٌ، واختار أبو حيان مجيءَ الحال من النكرة بلا مسوِّغ كثيراً قياساً، ونقله عن سيبويه وإن كان دون الاتباع في القوة. وجُوِّزَ أيضاً تعلُّقه بـ ((نوحي))، وقوله سبحانه: (فَتَتَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ) اعتراضٌ على الوجوه المتقدِّمة أو غيرُ الأول، وتصديرُ الجملة المعترضة بالفاء صرَّح به في ((التسهيل)) وغيره، وما نقل من مَنْعه ليس بثَبْتٍ، ثم إذا كان اعتراضاً متخلِّلاً بين مقصورَي حَرف الاستثناء معناه: فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون أنَّا أرسلنا رجالاً بالبيِّنات. وعلى الوصفية: إن كنتم لا تعلمونَ أنهم رجالٌ متلبِّسون بالبيِّنات، وعلى هذا يقدَّرُ الاعتراضُ مناسباً لما تخلَّل بينهما، وأشبهُ الأوجه أن يكون على كلامين ليقع الاعتراضُ موقعهُ اللائق به لفظاً ومعنّى. قاله في ((الكشف)). وجُوِّزَ أن يتعلَّقَ بـ ((تعلمون)) فلا اعتراض، وفي الشرط معنى التبكيتِ والإلزام كما في قول الأجير: إنْ كنتُ عملتُ لك فأعطني حَقِّي، فإنَّ الأجيرَ لا يشكُّ في أنه عَمِلَ وإنما أَخرج الكلامَ مخرجَ الشَّكِّ؛ لأنَّ ما يُعامل به من التسويف معاملةً من يَظُنُّ بأجيره أنه لم يعمل، فهو في ذلك يلزمهُ مقتضى ما اعترف به من العمل، ويبكته بالتقصير مجهّلاً إياه، فكذا ما هنا لا يُشَكّ أنَّ قريشاً لم يكونوا من علم البينات والزبر في شيء فيقول: إنَّ كونَ الرسل عليهم السلام رجالاً = أَمْرٌ مكشوفٌ لا شبهةً فيه. فاسألوا أهل الذكر إن لم تكونوا من أهله يُبيَّنُ لكم، يريدُ أنَّ إنكاركم وأنتم لا تعلمون ليس بسديد، وإنما السبيلُ أن تسألوا من أهل الذكر، لا أن تُنكروا قولَهم، فإنكاركم منافٍ لما تقتضيه حالكم من السؤال، فهو تبكيتٌ من حيثُ الاعترافُ بعدم العلم، وسبيلُ الجاهل سؤالُ مَنْ يعلم، لا إنكاره. قاله في (١) حاشية الشهاب ٥/ ٣٣٤. الآية : ٤٤ ١٢٩ سُؤَّةُ النَّحَالِ ((الكشف)) أيضاً، ثم قال: ولا أَخُصُّ أهل الذكر بأهل الكتابين ليشمل النبيَّ وَّل وأصحابه، ولو خُصَّ لجاز؛ لأنهم موافقون في ذلك، فإنكارهم إنكارهم، ثم التبكيتُ متوجّهٌ إلى العدولِ عن السؤال إلى الإنكار، سألوا أَوْ لا. انتهى. ومنه يُعلمُ جوازُ أن يُرادَ بأهل الذكر أهلُ القرآن. وما ذكره أبو حيان في تضعيفه من أنه لا حُجَّةَ في إخبارهم ولا إلزام ناشئٌّ من عدم الوقوف على هذا التحقيق الأنيق، وهذا ظاهرٌ على تقدير تعلّق ((بالبينات)) بـ ((يعلمون)) والباء على هذا التقدير سببيةٌ، والمفعول محذوفٌ عند بعضٍ، وزعم آخرُ أنها زائدةٌ، والبيناتُ هي المفعول، فافهم ذاك، والله تعالى يتولَّى هداك. ﴿وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ أي: القرآن، وهو من التذكير، إما بمعنى الوَعْظ، أو بمعنى الإيقاظ من سِنَةِ الغفلة، وإطلاقُهُ على القرآن إما لاشتماله على ما ذكر، أو لأنه سببٌ له، ومنه يُعلَمُ وجهُ تسمية التوراة ونحوها ذِكْرًا، وقيل: المراد بالذِكر العلمُ، وليس بذاك. ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ كافَّةً، ويدخلُ فيهم أهلُ مكة دخولًا أوَّلِيًّا ﴿مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ في ذلك الذكر من الأحكام والشرائع، وغير ذلك من أحوال القرون المهلكةِ بأفانين العذاب حَسبَ أعمالهم مع أنبيائهم عليهم السلام الموجبة لذلك على وجه التفصيل بيانًا شافيًا كما يُنبئُ عنه صيغةُ التفعيل في الفِعلين، لاسيما بعد ورود الثاني أولًا على صيغة الأفعال، وعن مجاهدٍ أنَّ المرادَ بهذا التبيين تفسيرُ المجمَلِ وشرحُ ما أَشكل؛ إذ هما المحتاجان للتبيين، وأما النصُّ والظاهر، فلا يحتاجان إليه. وقيل: المراد به إيقافهم على حَسَبِ استعداداتهم المتفاوتة، على ما خفي عليهم من أسرار القرآن وعلومه التي لا تكاد تُحصى، ولا يختصُّ ذلك بتبيين الحرام والحلال وأحوال القرون الخالية والأمم الماضية، واستأنس له بما أخرجه الحاكم وصحَّحه عن حذيفة قال: قام فينا رسول الله بَ له مقامًا أخبرنا فيه بما يكون إلى يوم القيامة، عَقَّلَهُ منَّا مَنْ عَقَلَهُ، ونَسِيَهُ مَنْ نَسيَهَ(١). (١) مستدرك الحاكم ٤/ ٤٧٢. سُورَّةُ الْحَالِ ١٣٠ الآية : ٤٥ وهذا في معنى ما ذكره غيرُ واحدٍ أنَّ التبيينَ أعمُّ من التصريح بالمقصود ومن الإرشاد إلى ما يدلُّ عليه، ويدخلُ فيه القياسُ وإشارة النص ودلالته، وما يستنبط منه من العقائد والحقائق والأسرار الإلهية، ولعلَّ قوله عز وجل: ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ إشارةٌ إلى ذلك، أي: وطلب أن يتأملوا فيتنبَّهوا(١) للحقائق وما فيه من العِبَر ويحترزوا(٢) عمّا يؤدِّي إلى ما أصاب الأولين من العذاب، وقال بعض المعتزلة: أي: وإرادة أن يتفكّروا في ذلك فيعلموا الحقَّ، ثم قال: وفيه دلالةٌ على أنَّ الله تعالى أراد من جميع الناس التفكّرَ والنظرَ المؤدِّي إلى المعرفةِ بخلاف ما يقول أهل الجَبْر، ونحن في غنّى عن تقدير الإرادة بتقدير الطلب، ومن قدَّرها منَّا أراده منها، وإلا ورد عليه عدمُ تأمُّل البعض، ولعلَّه الأكثر، وهي لا ينفكُ المرادُ عنها على المذهب الحقِّ، فلا بدَّ من العدول عنه إلى مقابله، وقيل: أرادَ تعلُّقها بالبعض وهو المتأمِّل لا بالكلِّ، وأيَّدَ بعضُهم إرادةَ الصحابة أو ما يشملهم والنبي ◌ٍَّ من أهل الذكر فيما تقدَّم بذكر هذه الآية بعده، وليس بذي آية(٣). ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيِئَاتِ﴾ هم عند أكثر المفسِّرين أهلُ مَّةَ الذين مَكَرُوا برسول الله ◌َ﴿ وراموا صَدَّ أصحابه ظنّه عن الإيمان، وأخرج ابن أبي شيبةَ وابن جرير وغيرهما عن مجاهد أنهم نمروذُ بن كَنْعان وقومُه(٤). وعمَّم بعضُهم فقال: هم الذين احتالوا لهلاك الأنبياء عليهم السلام. وتُعقِّبَ بأنَّ المرادَ تحذيرُ أهل مكة عن إصابة مثل ما أصاب الأَوَّلين من فنون العذاب المعدودة. فالمعوَّل عليه ما عند الأكثر، و((السيئات)) نعتٌ لمصدر محذوف، أي: مكروا المكَرات السيئاتِ التي قُصَّتْ عنهم، أو: مفعولٌ به للفعل المذكور على تضمينه معنى ((فَعَل)) متعدٍّ كَعَمِلَ، أي: عملوا السيئات ماكرين، فقوله تعالى: ﴿أَنْ يَخِْفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾ مفعولٌ لـ ((أَمِنَ))، أو ((السيئاتِ)) مفعولٌ لـ ((أَمِنَ)) بتقدير مضاف، أو تجوّز أي: عقاب السيئات، أو على أنَّ ((السيئات)) بمعنى العقوبات التي تسوءهم، و((أن يخسف)) بدلٌ (١) في (م): فينتبهوا. والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ١١٧/٥، والكلام منه. (٢) في (م): ويحترز. والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ١١٧/٥. (٣) في (م): أید. (٤) تفسير الطبري ٢٣٣/١٤، ونسبه لابن أبي شيبة السيوطي في الدر المنثور ١١٩/٤. الآية : ٤٥ ١٣١ سُورَةُ الفَحَلِ من ذلك، وعلى كلِّ حالٍ فالفاءُ للعَظْف على مقدَّرٍ ينسحبُ عليه النَّظْمُ الكريم، أي: أنزلنا إليك الذكر لتبيِّنَ لهم مضمونه الذي من جملته إنباءُ الأمم المهلَكَةِ بفنون العذاب، ويتفكّروا في ذلك، ألم يتفكّروا فأَمِنَ الذين مكروا السيئات ... إلخ على توجيه الإنكار إلى المعطوفين، أو: أَتفكّروا فأَمِنوا، على توجيهه إلى المعطوف، وقيل: هو للعطف على مقدَّرٍ يُنبئُ عنه الصِّلة، أي: أَمَكَروا فَأَمِنَ الذين مكروا السيئات ... إلخ. وخَسَفَ يُستعمل لازماً ومتعدِّياً يقال - كما قال الراغب -: خَسَفَهُ الله تعالى وخَسَفَ هو (١). وكلا الاستعمالين محتملٌ هنا، فالباء إما للتعدية أو للملابسة، و((الأرض)) إما مفعولٌ به أو نُصِبَ بنَزْعِ الخافض، أي: أَفأمن(٢) الذين مكروا السيئات أن يُغيِّهمُ الله تعالى في الأرض، أو يُغيِّيها بهم كما فعل بقارون. ﴿أَوْ يَأْنِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ أي: من الجهة التي لا شعورَ لهم بمجيء العذاب منها، كجهة مأمَنهم، أو الجهة التي يرجُون إتيانَ ما يشتهون منها، وقال البيضاويُّ: أي: بغتةً من جانب السماء كما فعل بقوم لوط(٣)، وكأنَّ التخصيصَ بجانب السماء لأنَّ ما يجيءُ منه لا يُشعَرُ به غالباً، بخلاف ما يجيءُ من الأرض فإنه محسوسٌ في الأكثر، ولعلَّ اعتبارَهُ أوفقُ بالمقابلة، ويحتملُ أن يكونَ مراده بما من جانب السماء ما لا يكون على يدِ مخلوقٍ سواءٌ نشأ من الأرض أو السماء كما قيل: دَعْها سماويةً تجري على قدر (٤) فيكونُ مجازًا، لكن قيل عليه: إنه لا يلائم المثال وإن كان لا يخصص. (١) المفردات (خسف). (٢) في (م): فأمن. (٣) تفسير البيضاوي ١٨٢/٣. (٤) صدر بيت لابن الحجاج كما نسبه اليوسي في زهر الأكم ٢/ ٨٥ وعجزه: لا تفسدنها برأي منك أرضيٍّ وهو في الوافي بالوفيات ٣٣/٢٢ منسوبًا للسراج الوراق ولفظه: قالت سعاد مولانا لصابغها دعها سماويةً تمضي على قدر سُورَةُ الْحَلِ ١٣٢ الآية : ٤٦، ٤٧ ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ﴾ أي: العذاب، أو الله تعالى، ورُجِّحَ الأول بالقرب، والثاني بكَثْرة إسناد الأخذ إليه تعالى في القرآن العظيم، مع أنه جلَّ شأنه هو الفاعلُ الحقيقيُّ له. ﴿فى تَقَلُبِهِمْ﴾ أي: حركتهم إقبالًا وإدبارًا، والمراد - على ما أخرجه ابن جرير وغيره عن قتادة - وروي عن ابن عباس - في أسفارهم(١). وحَمْله على ذلك، قال الإمام: مأخوذٌ من قوله تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِىِ الْبِلَدِ﴾ (٢) [آل عمران: ١٩٦] أو المراد في حال ما يتقلَّبون في قضاء مَكْرهم والسَّعي في تنفيذه. وقيل: المراد في حال تقلُّبهم على الفُرُش يميناً وشمالاً، وهو في معنى ما جاء في روايةٍ عن ابن عباس أيضاً في منامهم، ولا أراه يصحُّ. وقال الزجاج: المرادُ ما يعمُّ سائرَ حركاتهم في أمورهم ليلاً ونهاراً، والجمهور على الأول. والأخذ في الأصل: حَوْزُ الشيء وتحصيلُهُ، والمراد به القَهْرُ والإهلاك، والجارُّ والمجرورُ إما في موضع الحال، أو متعلِّق بالفعل قبله، والأول أولى نظراً إلى أنه الظاهر في نظيره الآتي إن شاء الله تعالى، لكنَّ الظاهر فيما قبله الثاني. ﴿فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ ﴾﴾ بفائتين الله تعالى بالهَرَبِ والفرار على ما يوهمه حالُ التقلُّب والسَّير، أو ما هم بممتنعين كما يُوهمه مَكْرهم وتقلّبهم فيه، والفاء قيل: التعليل الأَخْذ، أو لترتيب عَدَم الإعجاز عليه دلالةً على شِدَّته وفظاعته حسبما قال ◌َله: ((إنَّ الله تعالى لَيُملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفْلِتْه))(٣)، والجملةُ الاسميةُ للدلالة على دوام النفي والتأكيدُ يعود إليه أيضاً. ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُفِ﴾ أي: مخافة وحَذَر من الهلاك والعذاب بأن يُهلك قوماً قبلهم، أويُحدثَ حالاتٍ يخاف منها غير ذلك كالرياح الشديدة والصواعق والزلازل، فيتخوَّفوا، فيأخذهم بالعذاب وهم متخوّفون، ويُروى نحوه عن (١) تفسير الطبري ١٤/ ٢٣٤. (٢) التفسير الكبير ٣٨/٢٠. (٣) أخرجه البخاري (٤٦٨٦)، ومسلم (٢٥٨٣) من حديث أبي موسى الأشعري . الآية : ٤٧ ١٣٣ سُؤَدَّةُ الْحَلَِّ الضحاك، وهو - على ما قال الزمخشريُّ ويقتضيه كلامُ ابن بحر - خلاف قوله تعالى: (مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ)(١)، وقال غيرُ واحدٍ من الأَجلَّة: على أن يُنقصهم شيئًا فشيئًا في أنفسهم وأموالهم حتى يهلكوا، من تَخَوَّفته إذا تنقُّصته، وروي تفسيره بذلك عن ابن عباس ومجاهد والضحاك أيضاً. وذكر الهيثم بن عَديٍّ أنَّ التنقُّص بهذا المعنى لغةُ أَزْدِشَنُوءة، ويروى أنَّ عمر رُه قال على المنبر: ما تقولون فيها، أي الآية، والتخوُّف منها؟ فسكتوا، فقام شيخٌ من هذيل فقال: هذه لغتنا، التخوُّفُ التنقُّصُ. فقال: هل تعرفُ العربُ ذلك في أشعارها؟ فقال: نعم، قال شاعرنا أبو كبير يصفُ ناقته: كما تخوَّفَ عُودَ النَّبْعةِ السَّفَنُ(٢) تخوَّفَ الرَّحْلُ منها تامِكًا قَرِداً فقال عمر نظرته: عليكم بديوانكم لا تضلُّوا، قالوا: وما ديواننا؟ قال: شِعْرُ الجاهلية، فإنَّ فيه تفسيرَ كتابكم ومعاني كلامكم(٣). والجارُّ والمجرورُ قال أبو البقاء: في موضع الحال من الفاعل، أو المفعول في ((يأخذهم))(٤)، وقال الخفاجيُّ: الظاهر أنه حالٌ من المفعول(٥). وكأنه أراد على تفسيرَي التخوُّفِ ويتخوَّف، من الجزم به على التفسير الثاني، والمراد من ذِكْر هذه المتعاطفات بيانُ قُدرة الله تعالى على إهلاكهم بأيِّ وجهٍ كان، لا الحَصْر، ثم (١) الكشاف ٢/ ٤١١. (٢) هكذا نسبه هنا، وكذا في تفسير البيضاوي ٣/ ١٨٢، ونسبه الأزهري في تهذيب اللغة ٧/ ٥٩٤ لابن مقبل، وهو في ديوانه ص٤٠٥، ونسبه في الصحاح (خوف) و(سفن) الذي الرمة، ونسبه الزمخشري في الكشاف ٤١١/٢، وفي أساس البلاغة ص١٧٨ لزهير، ونسبه البكري في سمط اللآلي ص٧٣٨ لقعنب بن أم صاحب، ونسبه الأصفهاني في الأغاني في ترجمة حماد الراوية لابن مزاحم الثمالي. التامك: السنام ما كان، وقيل: هو السنام المرتفع. وقردا: القَرَد: ما تمقَّط من الوبر والصوف وتلبَّد، النبعة: النبع شجر من أشجار الجبال تُنَّخذ منه القِسي، والسَّفَن: قَدُوم تنشر به الأجذاع. لسان العرب (تمك)، (قرد)، (نبع)، (سفن). (٣) أخرجه الطبري ٢٣٦/١٤ عن رجل عن عمر ظلاله بنحوه. (٤) الإملاء ٤٤٩/٣ . (٥) حاشية الشهاب ٣٣٥/٥. سُورَةُ الْحَة ١٣٤ الآية : ٤٧ إنَّ بعضَهم اعتبر في التقابل بينهما أنَّ المرادَ بخَسْفِ الأرض بهم إهلاكُهم من تحتهم، وبإتيانِ العذاب من حيث لا يشعرون إهلاكُهم من فوقهم، وحيثُ قُوبلا بإهلاكهم في تقلُّهم وأسفارهم كان المعتَبَرُ فيهما سكونَهم في مساكنهم وأوطانهم، والمقابلة بين أَخْذِهم على تخوُّفٍ على المعنى الأول، والأخذ بغتةً المشعر به ((من حيثُ لا يشعرون)) ظاهرة، واعتُبر عدمُ الشعور في الأَخْذِ في التقلُّب والخَسْف لقرينةِ الأَخْذ على تخوُّفٍ على ذلك المعنى، وحُمِلَ سائرُها على عذابٍ الاستئصال دون الأَخْذ على تخوُّفٍ على المعنى الثاني، ومُجْمَلُ القول في ذلك أنه اعتُبر في كلِّ اثنين من الأربعة مَنْعُ الجَمْع، لكن بعد أن يُرادَ بالعامِّ منهما للمقابلة ما عدا الخاصِّ، سواءٌ كان بين الاثنين عمومٌ من وجهٍ أو مطلقًا . وذكر الإمام وابن الخازن في حاصل الآية أنه تعالى خوَّفهم بخَوْفٍ يحصلُ في الأرض، أو بعذابٍ ينزلُ من السماء، أو بآفاتٍ تحدثُ دفعةً، أو بآفاتٍ تأتي قليلاً قليلاً إلى أن يأتيّ الهلاكُ على آخرهم(١). وكان الظاهر في الآية أن يقال: أو يُعذِّبهم من حيثُ لا يشعرون، ليناسبَ ما قبله وما بعده بناءً على أنَّ إسنادَ الفعل فيهما إليه تعالى وما قبله فقط بناءً على أنَّ إسناد الفعل فيما بعدُ إلى العذاب مع كونه أخصرَ مما في النَّظْم الجليل، لكنه عَدَلَ عنه إلى ذلك لكونه أبلغَ في التخويف، وأدلَّ على استحقاق العذاب من حيثُ إنَّ فيه إشعارًا بأنَّ هناك عذابًا موجودًا مهيَّئاً لا يحتاج إلا إلى الإتيان دون الإحداث، وليس في ((يُعذِّبهم)) إشعارٌ كذلك على أنَّ ما في النّظم الجليل أبعدُ من أن يُتُوهّم فيه معنّى غير صحيح، كما يُتوقَّم في البدل المفروض حيث يتوهّم فيه أنه سبحانه يعذِّبهم من حيث لا يشعرون بالعذاب، وهو كما ترى. وحيث كانت حالتا التقلُّب والتخوُّف مَظِنَّةً للهرب، عَبَّر عن إصابة العذاب فيهما بالأخذ، وعن إصابته حالةً الغفلة المنبئةِ عن السكون بالإتيان، وجيءَ بـ ((في)) مع التقلّب وبـ ((على)) مع التخوُّف قيل: لأنَّ في التقلُّب حركتين، فكأن الشخص المتقلِّب بينهما، ولا كذلك التخوف. (١) التفسير الكبير ٣٩/٢٠، وتفسير الخازن ٤/ ٩٣. الآية : ٤٨ ١٣٥ سُورَةُ الْحَل وقيل: لمّا كان التقلُّب شاغلا الإنسان بسائر جوارحه، حتى كأنه محيطً به، وهو مظروفٌ فيه، جيَ بـ ((في)) معه، والتخوُّف - أي: المخافة - إنما يقومُ بعضوٍ من أعضائه فقط، وهو القلبُ المحيطُ به بدنُ الإنسان، فلذا جيءَ بـ ((على)) معه. وقيل: إنَّ((على) بمعنى ((مع)) كما في قوله تعالى: ﴿وَءَاتَ اَلْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] أي: يأخذهم مصاحبين لذلك، ولمَّا كان التخوُّفُ نفسُهُ نوعاً من العذاب لما فيه من تألُّم القلب ومشغوليةِ الذِّهن، وكان الأخْذُ مشيرًا إلى نوعٍ آخرَ من العذاب أيضاً جيءَ بـ ((علي)) التي بمعنى ((مع)) ليكون المعنى: يُعذُّبهم مع عذابهم، ولم يُعتَبر ذلك مع التقلَّب مرادًا به الإقبال والإدبار في الأسفار والمتاجر، مع أنه جاء: ((السفر قِطْعَةٌ من العذاب))(١) لأنهم لا يعدُّون ذلك عذابًا، وفي القلب من هذا شيءٌ، فتدبَّر وتأملْ، فأسرارُ كتاب الله تعالى لا تحصى. ﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِؤُ ®﴾ جعله ابنُ بحر تعليلًا للأخذ على تخوُّفٍ بناءً على أنَّ المراد به أَخْذُهم على حدوثٍ حالاتٍ يخاف منها؛ كالرياح الشديدة والصواعق والزلازل، لا بغتةً، فإنَّ في ذلك امتدادَ وقتٍ ومُهْلةٍ يمكن فيها التلافي، فكأنه قيل: أو يأخُذَهمْ على تخوُّفٍ ولا يفاجئهم؛ لأنه سبحانه رؤوفٌ رحيمٌ، وذلك أنسبُ برأفته ورحمته جلَّ وعلا، وجُوِّزَ أن يكونَ تعليلًا لذلك على المعنى الأخير، فإنَّ في تنقُّصهم شيئًا بعد شيءٍ دون أَخْذهم دفعة إمهالًا في الجملة، وهو مطلقًا من آثار الرحمة . وقيل: هو تعليلٌ لما يُفهمُ من الآية من أنه سبحانه قادرٌ على إهلاكهم بأيٍّ وجهٍ كان، لكنه تعالى لم يفعل. وقيل: هو كالتعليل للأمن المستفهَم عنه، والتعبيرُ بعنوان الربوبية مع الإضافة إلی ضمیر الخطاب من آثار رحمته جلَّ شأنه. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ الهمزةُ للإنكار، والواو للعَظْفِ على مقدَّرٍ يقتضيه المقام. والرؤية بصريةٌ مؤدِّيةٌ إلى التفكّر، والضميرُ للذين مكروا السيئات، أي: ألم ينظرْ هؤلاء الماكرون ولم يروا متوجهين ﴿إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ﴾. (١) أخرجه أحمد (٧٢٢٥)، (٩٧٤٠)، (١٠٤٤٥)، والبخاري (١٨٠٤)، (٣٠٠١)، (٥٤٢٩)، ومسلم (١٩٢٧) من حديث أبي هريرة څته. سُورَةُ التّحَّ ١٣٦ الآية : ٤٨ وقيل: الضمير للناس الشامل لأولئك وغيرهم، والإنكارُ بالنسبة إليهم. وقرأ السُّلَميُّ والأعرجُ والأخَوان: ((أولم تروا))(١) بتاء الخطاب جَرياً على أسلوب قوله تعالى: (فَإِنَّ رَّكُمْ) كما أنَّ الجمهورَ قرؤوا بالياء جَرياً على أسلوب قوله تعالى: (أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا) وذكر الخفاجيُّ وغيره أنَّ قراءة التاء على الالتفات، أو تقدير: قُلْ، أو الخطابُ فيها عامٌّ للخلق و((ما)) موصولةٌ مبهمةٌ (٢)، وقوله تعالى: ﴿مِن شَىْءٍ﴾ بيانٌ لها، لكن باعتبار صفته، وهي قوله تعالى: ﴿يَنَفَيَّوْاْ ظِلَّلَهُ﴾ فهي المبيَِّةُ في الحقيقة، والموصوفُ توطئةٌ لها، وإلا فأيُّ بيانٍ يحصلُ به نفسه، والتفيُّؤُ تفعُّلُ من فاء يفيءُ فَيئًا إذا رجَعَ، وفاءَ لازمٌ، وإذا تعُدِّيَ فبالهمزة أو التضعيف كأَفاءه الله تعالى وفيََّهُ فتفيَّاً، وتفيًّا مطاوعٌ له لازم، وقد استعمله أبو تمام متعدّاً في قوله من قصيدةٍ يمدحُ بها خالدَ بنَ يزيد الشيباني : طَلَبَتْ ربيعَ ربيعةَ المُمْهِي لها وتفيَّأتْ ظلَّ لهُ ممدودا(٣) ويحتاجُ ذلك إلى نَقْلٍ من كلام العرب، والظلال جَمْعُ ظِلٌّ، وهو في قولٍ: ما يكون بالغداة، وهو ما لم تَنَلْهُ الشمسُ، والفيءُ ما يكون بالعَشِيِّ، وهو ما انصرفتْ عنه الشمس، وأنشدوا له قولَ حُميد بن ثور يصفُ سَرْحةً وكتَّى بها عن امرأة: فلا الظُّلَّ من بَرْد الضُّحى تستطيعه ولا الفَيءَ من بَرْد العَشِيِّ تذوقُ(٤) ونقل ثعلبٌ عن رؤبةً: ما كانت عليه الشمسُ فزالتْ عنه فهو فيءٌ وظِلٌّ، وما لم تكنْ عليه فهو ظِلٌّ، فالظُّلُّ أَعَمُّ من الفيء، وقيل: هما مترادفان يُطلَقُ كلٌّ منهما على ما كان قبل الزوال وعلى خلافه، وأنشد أبو زيد للنابغة الجعدي: (١) الأخوان: حمزة والكسائي، وقراءتهما في التيسير ص١٣٨، والنشر ٣٠٤/٢، وقراءة السلمي والأعرج في المحرر الوجيز ٣٩٧/٣، والبحر المحيط ٤٩٥/٥. (٢) حاشية الشهاب ٣٣٥/٥. (٣) ديوان أبي تمام ١/ ٤١١، وأشار محققه إلى أنه هكذا برواية الصولي، وأما رواية الديوان فجاء عجز البيت هكذا : فوردن ظلَّ ربيعة الممدودا ومعنى: الممهي لها: المحسِّن الكثير الماء. وقيل غيره. (٤) دیوان حميد بن ثور ص ٤٠. الآية : ٤٨ ١٣٧ سُوَّةُ الْحَلِ فسلامُ الإله يغدو عليهمْ وفُيوءُ الفردوسِ ذات الظُّلال(١) والمشهور أنَّ الفيءَ لا يكون إلا بعد الزوال، ومن هنا قال الأزهريُّ: إن تفيُّؤَ الظّلال رجوعُها بعد انتصاف النهار(٢)، وقال أبو حيان: إن الاعتبار في أول النهار إلى آخره، وإضافة الظلال إلى ضميرِ المفرد لأنَّ مرجعه وإن كان مفردًا في اللفظ، لكنه كثيرٌ في المعنى(٣). ونظيرُ ذلك أكثرُ من أن يُحصى، والمعنى: أَوَلَمْ يروا الأشياء التي ترجعُ وتتنقّلُ ظلالها . ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَابِلِ﴾ والمراد بها الأشياءُ الكثيفةُ من الجبال والأشجار وغيرها، سواءٌ كان جمادًا أو إنسانًا على ما عليه بعضُ المفسِّرين، وخصّها بعضُهم بالجمادات التي لا يظهرُ لظلالها أثرٌ سوى التفيُّؤْ بواسطة الشمس على ما ستعلمه إن شاء الله تعالى، دون ما يَشْمَلُ الحيوانَ الذي يتحرَّكُ ظِلُّهُ بتحرُّكه، وكلا القولين على تقدير كون ((من)) بيانية كما سمعت؛ وذهب بعض المحققين إلى العموم، لكنه جعلَ (من)) ابتدائية متعلِّقة بـ ((خلق)) والمراد بما خلقهُ من شيء عالَم الأجسام المقابل العالَم الروح، والأمر الذي لم يُخْلَقْ من شيءٍ بل وُجِدَ بأمر ((كُنْ)) كما قال سبحانه: ﴿َلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرٌ﴾ [الأعراف: ٥٤]، ولا يخفى بُعده، واعتُرض أيضاً بأنَّ السماوات والجنَّ من عالَم الأجسام والخلق، ولا ظلَّ لها، ومقتضى عموم ((ما)) أنه لا يخلو شيءٌ منها عنه، بخلاف ما إذا جُعلت ((من)) بيانية، و((يتفيَّؤُ)) صفةٌ شيءٍ مخصِّصةُ له. ورُدَّ بأنَّ جملة ((يتفيَّؤُ)) حينئذٍ ليست صفةً لـ ((شيءٍ) إذ المراد إثباتُ ذلك لما خلق من شيء، لا له، وليس صفة لـ ((ما)) لتخالفهما تعريفًا وتنكيرًا، بل هي مستأنفةٌ لإثبات أنَّ له ظلالًا متفيِئةً، وعمومُ ((ما)) لا يُوجبُ أن يكون المعنى: لكلِّ منه هذه الصفة. وتُعقِّب بأنه إن أُريد أنه لا يقتضي العمومَ ظاهرًا فممنوعٌ، وإن أُريد أنه يحتملُ فلا يَرِدُ ردًّا؛ لأنه مبنيٌّ على الظاهر المتبادر. (١) ديوان النابغة الجعدي ص٢٣١ . (٢) تهذيب اللغة ٥٧٨/١٥، وقد جاء في الأصل و(م): إن تفيء. (٣) البحر المحيط ٤٩٦/٥. سُورَةُ الْحَالِ ١٣٨ الآية : ٤٨ والمراد باليمين والشمائل - على ما قيل - جانبا الشيء استعارةً من يمين الإنسان وشماله، أو مجازًا من إطلاق المقيَّد على المطلق، أي: ألم يَرَوا الأشياء التي لها ظلالٌ متفيئةٌ عن جانبي كلِّ واحدٍ منها، ترجعُ من جانبٍ إلى جانبٍ بارتفاع الشمس وانحدارها، أو باختلاف مشارقها ومغاربها، فإنَّ لها مشارقَ ومغاربَ بحَسَبٍ مداراتها اليومية حالَ كون تلك الظلال ﴿سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ أي: منقادةً له تعالى جاريةً على ما أراد من الامتداد والتقلَّص وغيرهما، غير ممتنعةٍ عليه سبحانه فيما سخَّرها له، وهو المرادُ بسجودها، وقد يُفسَّرُ باللُّصوق في الأرض، أي: حالَ كونها لاصقةً بالأرض على هيئة الساجد، وقوله تعالى: ﴿وَهُمُ دَخِرُونَ ﴾﴾ حالٌ من ضمير ((ظلاله)) الراجع إلى شيء، والجمعُ باعتبار المعنى، وصَحَّ مجيءُ الحال من المضاف إليه لأنه كالجزء، وإيرادُ الصيغة الخاصة بالعقلاء لما أنَّ الدُّخور من خصائصهم، فإنه التصاغرُ والذُّلُّ، قال ذو الرُّمة: فلم يبقَ إلا داخِرٌ في مُخَيَّسٍ ومُنْجحرٌ في غير أرضك في ◌ُخْرٍ (١) فالكلامُ على الاستعارة، أو لأنَّ في جملة ذلك مَنْ يعقلُ فغُلِّبَ، ووجهُ التعبير بهم يُعلَمُ مما ذُكر، ويجوز أن يُعتبَرَ وجههُ أولاً، ويجعل ما بعده جاريًا على المشاكلة له، أي: والحال أنَّ أصحابَ تلك الظّلال ذليلةٌ منقادةٌ لحُكمه تعالى، وَوَصْفُها بالدُّخور مُغْنٍ عن وَصْف ظلالها به. وجُوِّز كون ((سُجَّدًا)) والجملة حالَين من الضمير، أي: ترجعُ ظِلالُ تلك الأجرام حالَ كون تلك الأجرام منقادة له تعالى داخرة، فَوَصْفُها بهما مُغْنٍ عن وَصْف ظلالها بهما . والمراد بالسجود أيضاً الانقيادُ سواءٌ كان بالطّبْع أو بالقَسْر أو بالإرادة، فلا يَرِدُ على احتمال أن یکونَ المرادُ بـ ((ما خلق)) شاملاً للعقلاء وغيرهم: کیف یکون (سُجَّدًا)) حالاً من ضميره وسجودُ العقلاء غيرُ سجود غيرهم. وحاصل ما أشرنا إليه أنَّ ذلك من عموم المجاز، والأمرُ على احتمال أن يُرادَ (١) ديوان ذي الرمة ٩٧٩/٢. وجاء في (م): ومنحجر، و: حجر. والمخيس: السجن. القاموس المحيط (خيس). الآية : ٤٨ ١٣٩ سُوَّةُ الْحَمِ من ذاك الجمادات ظاهرٌ، وزَعَمَ بعضُهم أنَّ السجودَ حقيقةٌ مطلقاً، وهو الوقوعُ على الأرض على قَصْد العبادة، ويستدعي ذلك الحياةَ والعِلْمَ لَتَقَصُّد العبادة، وليس بشيءٍ كما لا يخفى. ثم إنْ قلنا على هذا الوجه: إنَّ الواوَ حاليةٌ كما أُشير إليه، فالحالان مترادفتان، وتعدُّدُ الحال جائزٌ عند الجمهور، ومَنْ لم يُجوِّزه(١) جَعَلَ الثانيةَ بدلَ اشتمالٍ، أو بدلَ كلٍّ من كلٍّ كما فضَّله السَّمين(٢)، وإن قلنا: إنها عاطفةٌ فلا تكونُ الحالُ مترادفةً بل متعاطفة. وقال أبو البقاء: ((سُجَّدًا)) حالٌ من الظّلال (وهم داخرون)) حالٌ من الضمير في ((سُجَّدًا)) ويجوز أن يكونَ حالًا ثانيةً معطوفةً (٣). وفيه القولُ بالتداخل وهو محتملٌ على تقدير كون ((سُجَّدًا)) حالًا من ضمير ((ظلاله))، والوجهُ الأولُ هو المختارُ عند الزمخشريِّ(٤)، وَرَجَّحهُ في ((الكشف)) فقال: إنَّ انقيادَ الظُّلِّ وذي الظُّلِّ مطلوبٌ، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَظَِلُهُمْ بِلْغُدُوِّ وَالْأَصَالِ﴾ [الرعد: ١٥] فجاعلهما حالاً من الضمير في ((ظلاله)) مقصِّرٌ. وفيه تكميلٌ حَسَنٌ، لمَّا وَصَفَ الظَّلالَ بالسجود وَصَفَ أصحابها بالدُّخور الذي هو أبلغُ؛ لأنه انقيادٌ قَهريٌّ مع صفة المنقاد، ولم يُجعلْ حالاً من الراجع إلى الموصول في ((خلق الله)) إذ المعنى على تصوير سجود الظُّلِّ وذويهِ وتقارنهما في الوجود، لا على مقارنة الخلق والدُّخور، والعاملُ في الحال الثاني ((يتفيَّؤُ)) على ما قال ابنُ مالك في قوله تعالى: ﴿بَلْ مِلَّةَ إِزَهِمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥]. ومنه يُعلَمُ ما في إعراب أبي البقاء. نعم إنَّ في هذا الوجه بُعْدًا لفظيًّا، والأمرُ فيه هَيِّنٌ، وأما جَعْلُ ((وهم داخرون)) حالاً من ضمير ((يروا)) فممَّا لا يصحُّ بحالٍ كما لا يخفى. هذا، وذكر الإمام في اليمين والشمال قولين غيرَ ما تقدم؛ الأول أنَّ المرادَ بهما المشرق والمغرب تشبيهًا لهما بيمين الإنسان وشماله فإنَّ الحركةَ اليومية آخذةٌ من المشرق، وهو أقوى الجانبين فهو اليمين، والجانبُ الآخرُ الشمال، فالظّلالُ في أول النهار تبتدئُ من الشرق واقعةً على الربع الغربي من الأرض، وعند الزوال تبتدئُ من الغرب واقعةً على الربع الشرقي منها . (١) في (م): يجوز. (٢) الدر المصون ٢٣٣/٧. (٣) الإملاء ٤٤٩/٣. (٤) الكشاف ٢/ ٤١٢. سُؤَدَّةُ الْحَلَِّ ١٤٠ الآية : ٤٨ والثاني: يمينُ البلد وشماله، وذلك أنَّ البلدةَ التي يكونُ عَرْضُها أقلّ من مقدار الميل الكُلِّي وهو (كج لي يز، أو: كح له)(١) على اختلاف الأرصاد، فإنَّ في الصّيف تحصلُ الشمس على يمين تلك البلدة، وحينئذٍ تقعُ الأظلال على يسارها، وفي الشتاء بالعكس(٢). ولا يخفى ما في الثاني فإنه مختصٌّ بقُطْرٍ مخصوصٍ، والكلامُ ظاهرٌ في العموم. وقيل: المراد باليمين والشمال يمينُ مستَقْبِل الجنوب وشمالُهُ، و((عن)) كما قال الحوفيُّ متعلِّقةٌ بـ ((يتفيَّؤْ))، وقال أبو البقاء: متعلِّقةٌ بمحذوفٍ وَقَعَ حالاً(٣)، وقيل: هي اسمٌ بمعنى جانب، فتكونُ في موضعٍ نَصْبٍ على الظرفية. ولهم في توحيد ((اليمين)) وجَمْعِ ((الشمائل)) وهو جَمْعٌ غيرُ قَياسيٍّ كلامٌ طويلٌ، فقيل: إنَّ العربَ إذا ذكرتْ صيغَتَي جَمْع عبَّرت عن إحداهما بلفظ المفرد كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الْقُلُمَتِ وَالنُّورُ﴾ [الأنعام: ١] و﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَنْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] وقيل: إذا فسَّرنا اليمينَ بالمشرق كان النقطةُ التي هي مَشْرِقُ الشمس واحدةٌ بعينها، فكانت اليمينُ واحدةً، وأما الشمائلُ فهي عبارةٌ عن الانحرافات الواقعةِ في تلك الأظلال بعد وقوعها على الأرض، وهي كثيرةٌ، فلذلك عَبَّر عنها بصيغة الجمع. وقيل: اليمينُ مفرَدٌ لَفْظاً لكنه جَمْعٌ معنّى فيطابق الشمائلَ من حيثُ المعنى، وقال الفراء: إنه يحتملُ أن يكونَ مفردًا أو جَمْعاً، فإن كان مفرداً ذهبَ إلى واحدٍ من ذوات الظّلال، وإن كان جَمْعاً ذهبَ إلى كلِّها؛ لأنَّ ((ما خلق الله)) لفظُهُ واحدٌ ومعناه الجمع (٤)، وقال الكرمانيُّ: يحتمل أن يُراد بالشمائل الشمالُ والقُدَّام والخلف؛ لأنَّ (١) يريد بهذه العبارة ما يقابل عددها في حساب الجُمَّل [وهي طريقة يستخدمها علماء الفلك العرب يستبدلون فيها الأرقام بالحروف وفق ترتيب: أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت تخذ ضطغ، فيبدؤون من الرقم (١) وحتى (١٠) وهي تقابل الياء من هذا الترتيب، ثم من (٢٠) وحتى (١٠٠) وهي تقابل القاف يعدُّون عشرة عشرة، ثم بعدها يعدُّون مئة مئة من (٢٠٠) وحتى (١٠٠٠) وهي تقابل الغين وفق هذا الترتيب. آخر الحروف] فالعبارة الأولى التي ذكرها المصنف تقابل بهذا الحساب (٨٠) درجة، والعبارة الثانية تقابل (٦٣) درجة بحساب الفلكيين. ينظر لحساب الجُمَّل الموسوعة العربية الميسرة ٧١٦/١. (٢) التفسير الكبير ٤١/٢٠. (٣) الإملاء ٤٤٩/٣ . (٤) الكلام بنحوه في معاني القرآن ٢/ ١٠٢ .