النص المفهرس

صفحات 101-120

الآية : ٣٥
١٠١
سُؤَدَّةُ التّحَالِ
فلا يُبصرُ إلا وهو مثلوجٌ مشجوجٌ، وهو ما تضمَّنه قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ
لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ، مِن شَىْءٍ﴾ فهو من تتمَّة قوله سبحانه: (هَلْ يَنْظُرُونَ)
ألا ترى كيفَ خَتَمَ بنحوه آخرَ مجادلاتهم في سورة ((الأنعام)) في قوله سبحانه:
﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَُّواْ﴾ [الأنعام: ١٤٨] وكذلك في سورة ((الزخرف))(١)، ولا تراهم
يتشبَّئون بالمشيئة إلا عند انخزال الحُجَّة و﴿قَالُواْ لَوَ شَآءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَتِكَةً﴾ [فصلت:
١٤]. ويكفي في الانقلاب ما يشير إليه قولُه سبحانه: ﴿قُلٌ فَلَّهِ الْحُبَّةُ الْبَلِغَةُ﴾
[الأنعام: ١٤٩].
وفي ((إرشاد العقل السليم)) إنَّ هذه الآية بيانٌ لفنٍّ آخرَ من كُفْر أهل مكة، فهم
المرادُ بالموصول، والعدولُ عن الضمير إليه لتقريعهم بما في حَيِّز الصِّلة وذمِّهم
بذلك من أول الأمر، والمعنى: لو شاء الله تعالى عدمَ عبادتنا لشيءٍ غيرِهِ سبحانه
كما تقول ما عَبَدنا ذلك(٢).
﴿َّحْنُ وَلَآ ءَابَآؤُنَا﴾ الذين نهتدي بهم في ديننا ﴿وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِنْ شَّرِ﴾ من
السوائب والبحائر وغيرها، فـ ((من)) الأولى بيانيةٌ، والثانية زائدةٌ لتأكيد الاستغراق،
وكذا الثالثة، و(نحن)) لتأكيد ضمير ((عَبَدنا)) لا لتصحيح العَظْف؛ لوجود الفاصل
وإن كان محسِّناً له، وتقديرُ مفعول ((شاء)» عدم العبادة مما صرَّح به بعضُهم، وكان
الظاهر أن يُضمَّ إليه عدمُ التحريم. واعترض تقدير ذلك بأنَّ العدمَ لا يحتاجُ إلى
المشيئة كما يُنبئُ عنه قوله وَ له: ((ما شاء الله تعالى كان، وما لم يشأ لم يكن))(٣)
حيث لم يقل عليه الصلاة والسلام: ما شاء الله تعالى كان وما شاء عدم كونه لم
يكن، بل يكفي فيه عدمُ مشيئة الوجود، وهو معنى قولهم: عِلَّةُ العَدَمِ عدمُ عِلَّةِ
الوجود، فالأولى أن يقدَّر المفعولُ وجودياً كالتوحيد والتحليل، وكامتثال ما جئت
به، والأمرُ في ذلك سهل.
وفي تخصيص الإشراك والتحريم بالنفي لأنهما أعظمُ وأشهرُ ما هم عليه،
وغرضُهم من ذلك - كما قال بعض المحققين - تكذيبُ الرسول عليه الصلاة
(١) الآية (٢٠).
(٢) تفسير أبي السعود ١١٢/٥ .
(٣) أخرجه أبو داود (٥٠٧٥) من حديث عبد الحميد مولى بني هاشم عن أمه.

سُورَةُ التّحَ
١٠٢
الآية : ٣٥
والسلام والطّعنُ في الرسالة رأساً، فإنَّ حاصِلَه أنَّ ما شاءَ الله تعالى يجبُ، وما لم
يشأ يمتنع، فلو أنه سبحانه شاءً أن نوحِّدهُ ولا نشرك به شيئاً ونحلِّل ما أحلَّه
ولا نحرِّم شيئاً مما حرَّمنا كما تقول الرسل، وينقلونه من جهته تعالى، لكان الأمرُ
كما شاء من التوحيد ونفي الإشراك وتحليل ما أحلَّه وعدم تحريم شيءٍ من ذلك،
وحيثُ لم يكنْ كذلك ثبتَ أنه لم يشأ شيئاً من ذلك، بل شاء ما نحنُ عليه وتحقَّقَ
أنَّ ما تقوله الرسل عليهم السلام من تلقاء أنفسهم، ورَدَّ الله تعالى عليهم بقوله
سبحانه عز وجل: ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مِثْلُ ذلك الفعل الشنيع ﴿فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾
من الأمم، أي: أشركوا بالله تعالى وحرَّموا من دونه ما حرَّموا، وجادلوا رُسُلَهم
بالباطل ليدحضوا به الحقَّ.
﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ﴾ الذين أُمروا بتبليغ رسالات الله تعالى وعزائم أمره ونهيه ﴿إِلَّا
اٌلْبَلَغُ الْمُبِينُ (٢٥)﴾ أي: ليست وظيفتُهم إلا الإبلاغَ للرسالة المُوضح طريقَ الحق
والمظهر أحكامَ الوحي التي منها تحتُّم تعلَّق مشيئته تعالى باهتداء مَنْ صَرَفَ قُدْرته
واختياره إلى تحصيل الحقِّ لقوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ جَهَدُواْ فِنَا لَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَا﴾
[العنكبوت: ٦٩].
وأما إلجاؤهم إلى ذلك وتنفيذُ قولهم عليهم شاؤوا أو أبوا كما هو مقتضى
استدلالهم، فليسَ ذلك من وظيفتهم ولا من الحكمة التي يدورُ عليها فَلَكُ التكليف
حتى يُستَدَلَّ بعدم ظهور آثاره على عدم حَقِّيَّةِ الرسل عليهم السلام، أو على عدم
تعلُّق مشيئة الله تعالى بذلك، فإنَّ ما يترتَّبُ عليه الثواب والعقابُ من الأفعال لا بدَّ
في تعلّق مشيئته تعالى بوقوعه من مباشرتهم الاختيارية وصَرْف اختيارهم الجزئيّ إلى
تحصيله وإلا لكان الثوابُ والعقابُ اضطراريَّين؛ والفاء على هذا للتعليل كأنه قيل:
كذلك فعل أسلافهم، وذلك باطلٌ، فإنَّ الرسلَ عليهم السلام ليس شأنهم إلا تبليغ
الأوامر والنواهي، لا تحقيق مضمونها قَسْراً وإلجاءً.
وكأني بك لا تبريه من تكلُّف، وهو متضمِّنٌّ للردِّ على الزمخشريِّ فقد سَلَكَ في
هذا المقام الغلوَّ في المقال، وعَدَلَ عن سنن الهدى إلى مهواة الضلال، فذكر أنَّ
هؤلاء المشركين فعلوا ما فعلوا من القبائح، ثم نسبوا فِعْلَهم إلى الله تعالى وقالوا: لو
شاء الله .. إلى آخره، وهذا مذهبُ المجبِّرة بعينه، كذلك فَعَلَ أسلافهم، فلما نُبِّهوا

الآية : ٣٥
١٠٣
سُورَةُ المَحَك
على قُبْحِ فِعْلهم ورَّكوه على ربِّهم، فهل على الرسل إلا أن يُبلِّغوا الحقَّ، وأنَّ الله
سبحانه لا يشاءُ الشِّركَ والمعاصي بالبيان والبرهان، ويطَّلعوا على بطلان الشِّرك وُبْحه
وبراءة الله تعالى من أفعال العباد، وأنهم فاعلوها بقَصْدهم وإرادتهم واختيارهم، والله
تعالى باعثُهم على جميلها وموفِّقهم له وزاجرهم عن قبيحها ومُوعدهم عليه (١). إلى
آخر ما قال مما هو على هذا المنوال، ولعَمْري إنه فسَّر الآيات على وَفْق هواه، وهي
عليه لا له لو تدبَّر ما فيها وحواه، وقد ردَّ عليه غيرُ واحدٍ من المحققين وأَجِلَّة
المدققين، وبيَّنوا أنَّ الآيةَ بمَعْزِلٍ عن أن تكون دليلاً لأهل الاعتزال، كما أنَّ الشَّرْطيةَ
لا تُتْتَجُ مطلوبَ أولئك الضُّلَّال، وقد تقدَّم نبذةٌ من الكلام في ذلك(٢).
ثم إنَّ كونَ غرضِ المشركين من الشرطيّة تكذيبُ الرسل عليهم السلام هو أحدُ
احتمالين في ذلك، قال المدقق في ((الكشف)) في نظير الآية: إنَّ قولَهم هذا
إما لدعوى مشروعية ما هم عليه ردّاً للرسل عليهم السلام، أو لتسليم أنهم على
الباطل اعتذاراً بأنهم مجبورون، والأولُ باطلٌ؛ لأنَّ المشيئةَ تتعلَّقُ بفِعْلهم المشروع
وغيره، فما شاء الله تعالى أن يقعَ منهم مشروعاً وَقَعَ كذلك، وما شاء الله تعالى أن
يقعَ لا كذلك وَقَعَ لا كذلك، ولا شكَّ أنَّ مَنْ توهّم أنَّ كونَ الفعل بمشيئته تعالى
ينافي مجيءَ الرسل عليهم السلام بخلاف ما عليه المباشر من الكُفْر والضَّلال، فقد
كذَّب التكذيبَ كلَّه، وهو كاذبٌ في استنتاج المقصود من هذه اللَّزوميَّةِ، وظاهرُ الآية
مسوقٌ لهذا المعنى. والثاني على ما فيه [من](٣) حصول المقصود - وهو الاعترافُ
بالبطلان - باطلٌ أيضاً؛ إذ لا جَبْرَ؛ لأنَّ المشيئةَ تعلَّقتْ بأن يُشركوا اختياراً منهم،
والعلمُ تعلَّقَ كذلك، ومثله في التحريم، فهو يؤكِّدُ دَفْعَ العُذْر لا أنهُ يحقِّقه، وذكر أنَّ
معنى ((فهل على الرسل)) أنَّ الذي على الرسلِ أن يُبلِّغوا ويُبيِّنوا معالمَ الهدى
بالإرشاد إلى تمهيد قواعد النظر، والإمداد بأدلَّة السمع والبصر، ولا عليهم من
مجادلة من يريد أن يَدْحَضَ بباطله الحقَّ الأبلج؛ إذ بعد ذلك التبيينِ يتَّضحُ الحقُّ
للناظرين، ولا تجدي نَفْعاً مجادلة المعاندين، وجُوِّزَ أن يكون قولهم هذا مَنْعاً للبعثة
والتكليف متمسِّكين بأنَّ ما شاء الله تعالى يجبُ وما لم يشأ يمتنع، فما الفائدة
(١) الكشاف ٤٠٨/٢-٤٠٩، ومعنى: ورَّكوه، أي: أوجبوه. القاموس (ورك).
(٢) ينظر ما سلف عند تفسير الآية (١٤٨) من سورة الأنعام.
(٣) ما بين حاصرتين استدركناه مما سيأتي ٣٦٥/٢٤.

سُوَرَّةُ الْمَلِ
١٠٤
الآية : ٣٦
فيهما، أو إنكاراً لِقُبْح ما أُنكر عليهم من الشِّرك والتحريم محتجِّين بأنَّ ذلك لو كان
مستَقْبَحاً لما شاء الله تعالى صدوره عنَّا، أو لشاءَ خلافه ملجاً إليه، وأُشير إلى
جواب الشُّبهة الأولى بقوله سبحانه: (فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ) إلى آخره كأنه قيل: إنَّ فائدةً
البعثة البلاغُ الموضحُ للحقِّ، فإنَّ ما شاء الله تعالى وجودَهُ أو عَدَمَهُ لا يجبُ
ولا يمتنعُ مطلقاً كما زعمتم، بل قد يجبُ أو يمتنعُ بتوسُّط أسبابٍ أُخَر قدَّرها
سبحانه، ومن ذلك البعثةُ، فإنها تؤدّي إلى هدى من شاء الله تعالى على سبيل
التوسُّط، وأما الشبهةُ الثانيةُ فقد أُشير إلى جوابها في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى
كُلِّ أُنٍَّ﴾ من الأمم الخالية ﴿رَّسُولًا أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ﴾ وحده ﴿وَأَجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَّ﴾
هو كلُّ ما يدعو إلى الضلالة، وقال الحسن: هو الشيطان، والمراد من اجتنابه
اجتناب ما يدعو إليه.
﴿فَمِنْهُم﴾ أي: من أولئك الأمم ﴿مَنْ هَدَى اَللَّهُ﴾ إلى الحقِّ من عبادته، أو
اجتناب الطاغوت بأن وفَّقهم لذلك ﴿وَمِنْهُم مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَلَةُ ﴾ ثبتتْ
وَوَجبتْ؛ إذ لم يوفِّقهم ولم يُرد هدايتَهم. ووجهُ الإشارة أنَّ تحقّقَ الضَّلال وثباتَهُ
من حيثُ إنه وقعَ قسيماً للهداية التي هي بإرادته تعالى ومشيئته كان هو أيضاً
كذلك.
وأما أنَّ إرادةَ القبيح قبيحةٌ فلا يجوز اتِّصافُ الله سبحانه بها فظاهرُ الفساد؛
لأنَّ القبيحَ كَسْبُ القبيح والاتصاف به لا إرادته وخلقه على ما تقرَّر في الكلام.
وأنت تعلم أنَّ كلتا الإشارتين في غاية الخفاء، ولينظر أيُّ حاجةٍ إلى الحَصْر،
وما المراد به على جَعْل ((فهل على الرسل)) إلى آخره مشيراً إلى جواب الشبهة
الأولى.
وقال الإمام: إنَّ المشركين أرادوا من قولهم ذلك أنه لمَّا كان الكُلُّ من الله
تعالى، كان بعثُهُ الأنبياءَ عليهم السلام عَبَثاً، فنقول: هذا اعتراضٌ على الله تعالى
وجارٍ مجرى طلبٍ العِلَّة في أحكامه تعالى وأفعاله، وذلك باطلٌ؛ إذ لله سبحانه أن
يفعلَ في مُلْكه ما يشاء ويحكمَ ما يريد، ولا يجوز أن يقالَ له: لم فعلتَ هذا، ولِمَ
لَمْ تفعل ذاك. والدليل على أنَّ الإنكارَ إنما توجَّه إلى هذا المعنى أنه تعالى صرَّحَ
بهذا المعنى في قوله سبحانه: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا) إلى آخره، حيث بيَّن فيه أنَّ سُنَّتَهُ سبحانه

الآية : ٣٦
١٠٥
سُوَّةُ الحالة
في عباده إرسالُ الرسل إليهم وأَمْرُهم بعبادته ونهيُهمْ عن عبادة غيره. وأفاد أنه
تعالى وإِنْ أَمَرَ الكُلَّ ونهاهم، إلَّا أنه جلَّ جلاله هدى البعضَ وأَضَلَّ البعض،
ولا شكَّ أنه إنما يَحسُنُ منه تعالى ذلك بحُكُم كونه إلهاً منزَّهاً عن اعتراضات
المعترضين ومطالبات المنازعين، فكان إيرادُ هذا السؤال من هؤلاء الكفار موجباً
للجهل والضلال والبعد عن الله المتعال، فثبتَ أنَّ الله تعالى إنما ذمَّ هؤلاء
القائلين؛ لأنهم اعتقدوا أنَّ كونَ الأمر كذلك يمنعُ من جواز بعثة الرسل، لا لأنهم
كذبوا في قولهم ذلك، وهذا هو الجواب الصحيحُ الذي يُعوَّلُ عليه في هذا الباب.
ومعنى ((فهل على الرسل)) إلى آخره أنه تعالى أَمَرَ الرسلَ عليهم السلام بالتبليغ، فهو
الواجبُ عليهم، وأما أنَّ الإيمان هل يحصلُ أو لا يحصلُ، فذلك(١) لا تعلُّق
للرسل به، ولكنَّ الله تعالى يهدي من يشاء بإحسانه ويُضِلُّ من يشاء بخذلانه(٢)،
وهو كما ترى.
ونقل الواحديُّ في ((الوسيط)) عن الزجاج أنهم قالوا ذلك على الهزو (٣). ولم
يرتضهِ كثيرٌ من المحققين، وذكر بعضُهم أنَّ حَمْله على ذاك لا يلائم الجواب.
نعم قال في ((الكشف)) عند قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَهُمْ﴾
[الزخرف: ٢٠]: إنهم دفعوا قولَ الرسل عليهم السلام بدعوتهم إلى عبادته تعالى،
ونهيهم عن عبادة غيره سبحانه بهذه المقالة، وهم مُلزَمون على مساق هذا القول؛
لأنه إذا استند الكلُّ إلى مشيئته تعالى فقد شاءَ إرسالَ الرسل وشاءَ دعوتَهم إلى
العباد وشاءَ جحودهم وشاءَ دخولهم النار، فالإنكارُ والدَّفْعُ بعد هذا القول دليلٌ
على أنهم قالوه لا عن اعتقادٍ بل مجازفة، وقال في موضع آخر عند نظير الآية
أيضاً: إنهم كاذبون في هذا القول لجَزْمهم، حيث لا ظنَّ مطلقاً فَضْلاً عن العلم،
وذلك لأنَّ من المعلوم أنَّ العلمَ بصفات الله تعالى فرعُ العلم بذاته والإيمان بها
كذلك، والمحتجُّون به كَفَرَةٌ مشركون مجسِّمون، وأطالَ الكلام في هذا المقام في
سورة ((الزخرف)).
(١) في (م): فذاك.
(٢) تفسير الرازي ٢٧/٢٠-٢٨.
(٣) الوسيط ٣/ ٦٢.

سُورَةُ الْحَ
١٠٦
الآية : ٣٦
وذكر أنَّ في كلامهم تعجيزَ الخالق بإثبات التمانع بين المشيئة وضدّ المأمور
به، فيلزمُ أن لا يريد إلا ما أمر به، ولا ينهى إلا وهو لا يريده، وهذا تعجيزٌ من
وجهين؛ إخراج بعض المقدورات عن أن يصير محلّها، وتضييقُ محلٌّ أمره ونهيه،
وهذا بعينه مذهبُ إخوانهم القدرية.
ويجوز أن يقال: إنَّ المشركين إنما قالوا ذلك إلزاماً بزعمهم حيث سمعوا من
المرسلين وأتباعهم أنَّ ما شاء الله تعالى كان وما لم يشأ لم يكن، وإلا فهمْ
أجهلُ الخلق بربِّهم جلَّ شأنه وصفاته ﴿إِنْ هُمْ إِلَّ كَالْأَنَّْ بَّ هُمْ أَضَلُّ﴾
[الفرقان: ٤٤] ومرادهم إسكاتُ المرسلين وقَطْعُهمْ عن دعوتهم إلى ما يخالف ما هم
عليه، والاستراحةُ عن معارضتهم، فكأنهم قالوا: إنكم تقولون ما شاء الله تعالى
كان وما لم يشأ لم يكن، فما نحن عليه مما شاءه الله تعالى وما تدعونا إليه
مما لم يشأه وإلا لكان، واللائقُ بكم عدمُ التعرُّضِ لخلاف مشيئة الله تعالى، فإنَّ
وظيفةَ الرسول الجريُ على إرادة المرسل؛ لأنَّ الإرسالَ إنما هو لتنفيذ تلك
الإرادة وتحصيل المراد بها. وهذا جَهْلٌ منهم بحقيقة الأمر وكيفية تعلُّقِ المشيئة
وفائدة البعثة، وذلك لأنَّ مشيئته تعالى إنما تتعلَّقُ وَفْقَ علمه، وعلمُهُ إنما يتعلَّق
وَفْقَ ما عليه الشيءُ في نفسه، فالله تعالى ما شاء شِرْكَهم مثلاً إلا بعد أن علم
ذلك، وما عَلِمَهُ إلا وَفْقَ ما هو عليه في نفس الأمر، فهم مشركون في الأزل
ونفس الأمر إلا أنه سبحانه حين أبرزهم على وَفْق ما عَلِمَ فيهم لو تركهم وحالهم
كان لهم الحَجَّةُ عليه سبحانه إذا عذَّبهم يومَ القيامة؛ إذ يقولون حينئذ: ما جاءنا
من نذير، فأَرسلَ جلَّ شأنه الرسلَ مبشرين ومنذرين لئلا يكونَ للناس على الله
حجةٌ بعد الرسل، فليس على الرسل إلا تبليغ الأوامر والنواهي لتقومَ الحَجَّةُ
البالغةُ لله تعالى، فالتبليغُ مرادُ الله تعالى من الرسل عليهم السلام لإقامة حُجَّته
تعالى على خَلْقه به، وليس مرادُهُ من خَلْقه إلا ما هم عليه في نفس الأمر خيراً
کان أو شرًّا.
وفي الخبر: يقول الله تعالى: ((يا عبادي إنما هي أعمالُكم أُحصيها لكم، فمَنْ
وَجَدَ خيراً فليحمدِ اللهَ، ومَنْ وَجَدَ غيرَ ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه))(١).
(١) أخرجه مسلم (٢٥٧٧) من حديث أبي ذرِّ

الآية : ٣٦
١٠٧
سُورَةُ الْمَِّ
ولا منافاة بين الأمر بشيءٍ وإرادة غيره منه تعالى؛ لأنَّ الأمرَ بذلك حسبما يليقُ
بجلاله وجماله، والإرادة حسبما يستدعيه في الآخرة الشيء في نفسه، وقد قرَّر
الجماعةُ انفكاكَ الأمر عن الإرادة في الشاهد أيضاً، وذكر بعضُ الحنابلة الانفكاكَ
أيضاً، لكن عن الإرادة التكوينية لا مطلقاً، والبحثُ مفصّلٌ في موضعه، وإذا عُلم
ذلك فاعلم أنَّ قوله سبحانه: (فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَغُ) يتضمَّنُ الإشارةَ إلى رَدِّهم،
كأنه قيل: ما أَشرتمْ إليه من أنَّ اللائقَ بالرسل تركُ الدعوة إلى خلاف ما شاءه الله
تعالى منَّا والجريُ على وَفْق المشيئة والسكوتُ عنَّا باطلٌ؛ لأنَّ وظيفتَهُمْ والواجبَ
عليهم هو التبليغُ، وهو مرادُ الله تعالى منهم لتقومَ به حُجَّةُ الله تعالى عليكم،
لا السكوتُ وتَرْكُ الدعوة، وفي قوله سبحانه: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا) إلخ إشارةٌ يتفطّنُ لها مَنْ
له قلبٌ إلى أنَّ المشيئةَ حَسبَ الاستعداد الذي عليه الشخصُ في نفس الأمر. فتأمَّلْ
فإنَّ هذا الوجهَ لا يخلو عن بُعْدٍ ودَغدغة.
والذي ذكره القاضي في قوله تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا) إلخ أنه بَيَّن فيه أنَّ البعثةَ أَمْرٌ
جرت به السنةُ الإلهية في الأمم كلِّها سبباً لهدي مَنْ أراد سبحانه اهتداءه وزيادةً
لضلال مَنْ أراد ضلاله، كالغذاء الصالح ينفعُ المزاجَ السَّويَّ ويقوِّيه، ويضرُّ
المنحرفَ ويُفنيه(١) .
وفي ((إرشاد العقل السليم)) أنه تحقيقٌ لكيفية تعلُّقِ مشيئته تعالى بأفعال العباد
بعد بيان أنَّ الإلجاءَ ليس من وظائف الرسالة، ولا من باب المشيئة المتعلّقة
بما يدورُ عليه فَلَكُ الثواب والعقاب من الأفعال الاختيارية(٢). والمعنى: إنَّا بعثنا
في كلِّ أمةٍ رسولاً يأمرهم بعبادة الله تعالى واجتناب الطاغوت، فأَمروهم فتفرَّقوا،
فمنهم من هداه الله تعالى بعد صَرْفِ قُدْرته واختياره الجزئيّ إلى تحصيل ما هدى
إليه، ومنهم مَنْ ثبتَ على الضلالة لعناده وعدم صَرْف قُدْرته إلى تحصيل الحق،
والفاء في ((فمنهم)) فصيحةٌ كما أُشير إليه، وكان الظاهر في القسم الثاني: ومنهم من
أضلَّ الله، إلا أنه غيَّر الأسلوبَ إلى ما في النَّظْم الكريم؛ للإشعار بأنَّ ذلك لسوء
اختيارهم كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] و((أن)) يحتملُ أن
(١) تفسير البيضاوي ١٨١/٣.
(٢) تفسير أبي السعود ١١٢/٥.

سُورَةُ الْحَلِ
١٠٨
الآية : ٣٧
تكونَ مفسِّرةً لما في البعث من معنى القول، وأن تكونَ مصدريةً بتقدير حرف الجرِّ
أي: بأن اعبدوا الله.
﴿فَسِيرُوا﴾ أيها المشركون المكذُّبون القائلون: لو شاء الله ما عبدنا من دونه
﴿فِىِ الْأَرْضِ فَأَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾﴾ من عادٍ وثمودَ ومَنْ سار
سيرهم ممَّن حقَّتْ عليه الضلالة وقال كما قلتم لعلَّكم تعتبرون، وترتيبُ الأمر
بالسّير على مجرَّد الإخبار بثبوت الضلالة عليهم من غير إخبارٍ بحلول العذاب؛
للإيذان بأنَّ ذلك غنيٌّ عن البيان، وفي عَظْفِ الأمر الثاني بالفاء إشعارٌ بوجوب
المبادرة إلى النظر والاستدلال المنقذين من الضلال.
﴿إِن تَحْرِصِ عَلَى هُدَهُمْ﴾ خطابٌ لرسول الله ◌َّهِ. والحرص: فَرْطُ الإرادة. وقرأ
النخعيُّ: ((وإن)) بزيادة واو (١)، وهو والحسن وأبو حيوة: ((تحرَص)) بفتح الراء
مضارعُ حَرِصَ بكسرها، وهي لغة (٢)، والجمهور: ((تَحرِص)) بكسر الراء مضارعُ
خَرَصَ بفتحها، وهي لغةُ الحجاز.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَن يُضِلُ﴾ جوابُ الشرط على معنى: فاعلم ذلك، أو علة
للجواب المحذوف، أي: إن تحرص على هداهم لم ينفع حرصك شيئاً فإن الله
تعالى لا يهدي من يُضل، والمرادُ بالموصول قريشٌ المعبَّرُ عنهم فيما مرَّ بالذين
أشركوا، وَوَضْعُ الموصول مَوضِعَ ضميرهم للتنصيص على أنهم ممَّنْ حقَّتْ عليهمُ
الضلالة وللإشعار بعِلَّة الحكم. ويجوز أن يُرادَ به ما يشملهمْ، ويدخلون فيه دخولاً
أوَّلِيّاً، ومعنى الآية على ما قيل: إنه سبحانه لا يخلقُ الهدايةَ جَبْراً وقَسْراً فيمن
يخلق فيه الضَّلالة بسوء اختياره. ولابدَّ من نحو هذا التأويل؛ لأنَّ الحُكْمَ بدون
ذلك مما لا يكادُ يُجهل، و((مَنْ)) على هذا مفعولُ ((يهدي)) كما هو الظاهر، وقيل:
إنَّ يهدي مضارعُ هدى، بمعنى اهتدى، فهو لازمٌ و((مَنْ)) فاعلُهُ، وضميرُ الفاعل في
(يُضِلّ) لله تعالى، والعائدُ محذوفٌ، أي: مَنْ يُضلَّه، وقد حكى مجيءَ ((هدى))
(١) البحر المحيط ٤٩٠/٥، والدر المصون ٢١٧/٧.
(٢) القراءات الشاذة ص ٧٣، والمحتسب ٩/٢، والبحر المحيط ٤٩٠/٥. وجاء في
المحتسب: ابن خيرة. بدل: أبو حيوة.

الآية : ٣٧
١٠٩
سُؤَةُ التّحَال
بمعنى ((اهتدى)) الفراءُ(١). وقرأ غيرُ واحدٍ من السبعة، والحسنُ والأعرجُ ومجاهدٌ
وابنُ سيرين والعُطَارديّ ومزاحمُ الخراساني وغيرهم: ((لا يُهدَى)) بالبناء
للمفعول(٢)، فـ ((من)) نائبُ الفاعل، والعائدُ وضمير الفاعل كما مرَّ، وهذه القراءةُ
أبلغُ من الأولى؛ لأنها تدلُّ على أنَّ مَنْ أَضلَّهُ الله تعالى لا يهديه كلُّ أحدٍ، بخلاف
الأولى، فإنها تدلُّ على أنَّ الله تعالى لا يهديه فقط، وإن كان مَنْ لم يهدِ الله
فلا هادي له، وهذا - على ما قيل - إن لم نقلْ بلزوم ((هدى))، وأما إذا قلنا به
فهما بمعنى، إلا أنَّ هذه صريحةٌ في عموم الفاعل، بخلاف تلك، مع أنَّ المتعدِّي
هو الأكثر. وقرأت فرقةٌ منهم عبد الله: ((لا يَهِدِّي)) بفتح الياء وكسر الهاء والدال
وتشديدها(٣)، وأصله يهتدي، فأدغم كقولك في يختصم: يخصِّم.
وقرأتْ فرقةٌ أخرى: ((لا يُهدِي)) بضم الياء وكسر الدال(٤)، قال ابن عطية:
وهي ضعيفة(٥)، وتعقّبه في ((البحر)) بأنه إذا ثبتَ ((هدى)) لازماً بمعنى اهتدى، لم
تكن ضعيفةً، لأنه أدخل على اللازم همزةَ التعدية، فالمعنى: لا يُجعَلُ مهتدياً مَنْ
أضَلَّه(٦).
وأجيب بأنه يحتمل أنَّ وَجْهَ الضَّعْف عنده عدمُ اشتهار ((أهدى)) المزيد. وقرئ
(يَضِلُّ)) بفتح الياء(٧)، وفي مصحف أبيٍّ: ((فإنَّ الله لا هاديَ لمن أَضَلَّ»(٨).
﴿وَمَا لَهُم مِّن نَّصِرِينَ ﴾ ينصرونهم في الهداية، أو يدفعون العذابَ
عنهم، وهو تتميمٌ بإبطال ظنٍّ أنَّ آلهتهم تنفعُهمْ شيئاً، وضمير ((لهم)) عائدٌ على معنى
(من)) وصيغةُ الجمع في الناصرين باعتبار الجمعية في الضمير، فإنَّ مقابلةَ الجمع
(١) معاني القرآن ٩٩/٢.
(٢) قرأ بها من العشرة نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب. التيسير
ص ١٣٧، والنشر ٣٠٤/٢، والبحر المحيط ٤٩٠/٥.
(٣) الكشاف ٢/ ٤٠٩، والبحر المحيط ٤٩٠/٥.
(٤) البحر المحيط ٥/ ٤٩٠.
(٥) المحرر الوجيز ٣٩٢/٣.
(٦) البحر المحيط ٤٩٠/٥.
(٧) الكشاف ٤٠٩/٢، والبحر المحيط ٤٩٠/٥.
(٨) القراءات الشاذة ص ٧٣، والكشاف ٤٠٩/٢، والبحر المحيط ٤٩٠/٥.

سُورَةُ الْحَالِ
١١٠
الآية : ٣٨
بالجمع تفيدُ انقسامَ الآحاد على الآحاد، لا لأنَّ المرادَ نفيُ طائفةٍ من الناصرين من
کِّ منهم.
ثَّ إنَّ أوَّلَ هذه الآيات ربَّما يُوهمُ نُصْرةَ مذهب الاعتزال، لكنَّ آخرَها مشتملٌ
على الوجوه الكثيرة - كما قال الإمام - الدالةِ على نُصْرة مذهب أهل الحقِّ(١)،
ولعلَّ الأمر غنيٌّ عن البيان، ولله تعالى الحمد على ذلك.
﴿وَقْسَمُواْ بِاللَّهِ﴾ شروعٌ في بيان فنٌّ آخرَ من أباطيلهم، وهو إنكارهم البعث،
وهو على ما في ((الكشاف))(٢) وغيره عَطْفٌ على قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا)
قيل: ولتضمُّن الأول إنكارَ التوحيد، وهذا إنكارَ البعث، وهما أمران عظيمان من
الكفر والجهل حَسُنَ العَطْفُ بينهما، والضميرُ لأهل مكةً أيضاً، أي: حَلَفوا بالله
﴿جَهْدَ أَتْمَنِهِمٌ﴾ مصدرٌ منصوبٌ على الحال، أي: جاهدين في أيمانهم ﴿لَا يَبْعَثُ
اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ وهو مبنيٌّ على أنَّ الميتَ يُعدَمُ ويَفنى، وأنَّ البعثَ إعادةٌ له، وأنه
يستحيلُ إعادةُ المعدوم، وقد ذهب إلى هذه الاستحالة الفلاسفةُ، ولم يوافقهم في
دعوى ذلك أحدٌ من المتكلِّمين إلا الكرَّامية وأبو الحسين البصري من المعتزلة،
واحتجُّوا عليها بما ردَّه المحقّقون، وبعضُهم ادَّعى الضرورةَ في ذلك، وأنَّ ما يُذكَرُ
في بيانه تنبيهاتٌ عليه، فقد نقل الإمام عن الشيخ أبي عليٍّ بن سينا أنه قال: كلُّ مَنْ
رَجَعَ إلى فطرته السليمة، ورَفَضَ عن نفسه الميلَ والتَّعصُّبَ، شَهِدَ عقلُهُ الصريحُ بأنَّ
إعادةَ المعدوم بعينه ممتنعةٌ؛ وفي قَسَم هؤلاء الكفار على عدم البعث إشارةٌ - كما قال
في التفسير - إلى أنهم يدَّعون العلم الضروريَّ بذلك(٣) .
وأنت تعلم أنه إذا جُوِّزَ إعادةُ المعدوم بعينه كما هو رأي جمهور المتكلِّمين،
فلا إشكالَ في البعث أصلاً، وأما إن قلنا بعَدَم جواز الإعادة لقيام القاطع على ذلك
فقد قيل: نلتزمُ القولَ بعدم انعدامٍ شيءٍ من الأبدان حتى يلزمَ في البعث إعادةٌ
المعدوم، وإنما عَرَضَ لها التفرُّقُ، ويَعْرِضُ لها في البعث الاجتماعُ، فلا إعادةَ
المعدوم، وفيه بحثٌ، وإن أَيِّدَ بقصَّةِ إبراهيم عليه السلام، ومن هنا قال المولى
(١) تفسير الرازي ٢٩/٢٠.
(٢) ٤٠٩/٢.
(٣) تفسير الرازي ٣١/٢٠ ولم نقف على نقله عن ابن سينا.

الآية : ٣٨
١١١
سُوَّةُ الَّحَّة
ميرزاجان (١): لا مخلصَ إلا بأن يقال ببقاء النفس المجردة وأنَّ البدنَ المبعوثَ مثلُ
البدن الذي كان في الدنيا، وليس عينهُ بالشّخص، ولا ينافي هذا قانونَ العدالة إذ
الفاعلُ هو النفسُ ليس إلا، والبدنُ بمنزلة السِّكِّين بالنسبة إلى القَطْع، فكما أنَّ الأثَرَ
المترتّبَ على القطع من المدح والذَّمِّ والثواب والعقاب إنما هو للقاطع لا للسكين،
كذلك الأثرُ المترتّبُ على أفعال الإنسان إنما هو للنفس، وهي المتلذِّذةُ والمتألِّمةُ
تلذُّذاً أو تألُّماً عقليّاً أو حسِّيّاً، فليس يلزمُ خلافُ العدالة، وأما الظواهر الدالَّةُ على
عَوْدِ ذلك الشخص بعينه، فمؤوَّلةٌ لفَرْض القاطع الدَّالٌ على الامتناع، وذلك بأن
يقال: المرادُ إعادةُ مادَّتِهِ مع صورةٍ كانت أشبهَ الصُّوَر إلى الصورة الأولى، فتدبّر؛
وسيأتي إن شاء الله تعالى في سورة (يس)) تحقيقُ هذا المطلب على أتمٍّ وجه.
ونُقل عن ابن الجوزيِّ وأبي العالية أنَّ هذه الآية نزلت لأنَّ رجلاً من المسلمين
تقاضى ديناً على رجل من المشركين، فكان فيما تكلّم به المسلمُ: والذي أرجوه
بعد الموت، فقال المشرك: وإنك لتُبعثُ بعد الموت !. وأَقسمَ بالله لا يَبعثُ الله مَنْ
يموت(٢). فقصَّ الله تعالى ذلك وردَّه أبلغَ رَدِّ بقوله سبحانه : .
الإيجاب النفى،
أي: بلى يبعثهم ﴿وَعْدًا﴾ مصدرٌ مؤكِّدٌ لما دلَّ عليه ((بلى)) إذ لا معنى له سوى الوعد
بالبعث والإخبار عنه، ويسمَّى نحو هذا مؤكّداً لنفسه، وجُوِّزَ أن يكون مصدراً
المحذوفٍ أي: وَعَدَ ذلك وَعْداً ﴿عَلَيْهِ﴾ صفةُ ((وَعْداً)) والمراد وَعْداً ثابتاً عليه
إنجازه، وإلا فنفسُ الوعد ليس ثابتاً عليه، وثبوتُ الإنجاز لامتناع الخُلْف في
وَعْده، أو لأنَّ البعثَ من مقتضيات الحكمة.
◌ِحَقًّا﴾ صفةٌ أخرى لـ ((وَعْداً)) وهي مؤكِّدةٌ إن كان بمعنى: ثابتاً متحقِّقاً،
ومؤسِّسةٌ إن كان بمعنى: غير باطل، أو نُصبَ على المصدرية بمحذوفٍ، أي: حقَّ
حقّاً .
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ لجهلهم بشؤون الله تعالى من العلم والقدرة والحكمة
وغيرها من صفات الكمال، وبما يجوزُ عليه وما لا يجوز، وعدم وقوفهم على سرِّ
(١) هو حبيب الله بن عبد الله العلوي الدهلوي الحنفي له من الكتب أنموذج الفنون، حاشية على
تجريد العقائد الجديدة والقديمة وغيرها. توفي سنة (٩٩٤هـ). هدية العارفين ١/ ٢٦٢.
(٢) زاد المسير ٤٤٧/٤، وتفسير الطبري ٢٢٠/١٤.

سُورَةُ الْحَلِ
١١٢
الآية : ٣٩
التكوين، والغاية القصوى منه، وعلى أنَّ البعثَ مما تقتضيه الحكمة. ﴿لَا
يَعْلَمُونَ ﴾ أنه تعالى يبعثهم، ونعى عليهم عدمَ العلم بالبعث دون العلم بعدمه
الذي يزعمونه على ما يقتضيه ظاهرُ قَسَمهم؛ ليُعلم منه نعيُ ذاك بالطريق الأولى(١).
وجُوِّزَ أن يكون للإيذان بأنَّ ما عندهم بمعزِلٍ عن أن يُسمَّى عِلماً، بل هو توهُّمٌ
صِرْفٌ وجَهْلٌ محضّ، وتقدير مفعول ((يعلمون)) ما علمتَ هو الأنسبُ بالسياق،
وجُوِّزَ أن يكون التقدير: لا يعلمون أنه وَعْدٌ عليه حقٌّ، فيكذِّبونه قائلين: ﴿لَقَدْ
وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَءَبَآؤُنَا مِن قَبْلُ إِنْ هَذَآ إِلَّ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [النمل: ٦٨].
﴿لِسُبَِّنَ لَهُمُ﴾ متعلِّقٌ بما دلَّ عليه: بلى وهو يبعثهم، والضمير لمن يموت
الشامل للمؤمنين والكافرين؛ إذ التبيينُ يكون للمؤمنين أيضاً، فإنهم وإن كانوا
عالمين بذلك، لكنه عند معاينة حقيقة الحال يتّضحُ الأمر، فَيَصِلُ عِلْمهمْ إلى مرتبة
عين اليقين، أي: يبعثهم ليبيِّن لهم بذلك، وبما يحصل لهم بمشاهدة الأحوال
كما هي ومعاينتها بصورها الحقيقية الشأن.
﴿الَّذِى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾(٢) من الحقِّ الشامل لجميع ما خالفوه مما جاء به الرسل
المبعوثون فيهم، ويدخل فيه البعثُ دخولاً أوَّليّاً، والتعبير عن ذلك بالموصول
للدلالة على فخامته، وللإشعار بعِلِّيَّةِ ما ذُكر في حيِّز الصِّلة للتبيين، وتقديمُ الجارِّ
والمجرور لرعاية رؤوس الآي.
﴿وَلِيَعْلَمَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالله تعالى بالإشراك وإنكار البعث الجسمانيّ وتكذيب
الرسل عليهم السلام، ﴿أَنَّهُمْ كَانُواْ كَذِبِينَ ﴾﴾ في كلِّ ما يقولونه، ويدخل فيه
قولهم: ((لا يبعث الله من يموت)) دخولاً أوَّليّاً.
ونقل في ((البحر)) القول بتعلَّق ((ليبيِّن)) ... إلخ بقوله تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ
أُمَّةٍ رَّسُولًا) أي: بعثناه ليبيِّنَ لهم ما اختلفوا فيه، وأنهم كانوا على الضَّلالة قبل بَعْثه،
مفترين على الله سبحانه الكذب(٣). ولا يخفى بُعْدُ ذلك وتبادُرُ ما تقدَّم، وجعل
(١) قوله: الأولى. ليست في (م).
(٢) في الأصل: الذي فيه يختلفون. وبنى عليه قوله الآتي: وتقديم الجار والمجرور لرعاية
رؤوس الآي!
(٣) البحر المحيط ٤٩١/٥.

الآية : ٣٩
١١٣
سُورَةُ الْحَ
التبيين والعلم المذكورين غاية للبعث كما في ((إرشاد العقل السليم)) باعتبار وروده
في مَعْرِض الرَّدِّ على المخالفين، وإبطال مقالة المعاندين المستدعي للتعرُّضِ
لما يردعهم عن المخالفة، ويأخذ بهم إلى الإذعان للحقِّ، فإنَّ الكَفَرَةَ إذا علموا أنَّ
تحقُّقَ البعث إذا كان لتبيين أنه حقٌّ، وليعلموا أنهم كاذبون في إنكاره، كان أزجر
لهم عن إنكاره، وأَدعى إلى الاعتراف به ضرورةً أنه يدلُّ على صِدْقِ العزيمة على
تحقيقه، كما تقول لمن يُنكر أنك تصلِّي: لأُصلينَّ رَغْماً لأنفك وإظهاراً لكَذِبك،
ولأنَّ تكرُّرَ الغايات أدلُّ على وقوع المُغيَّى بها، وإلا فالغايةُ الأصليةُ للبعث باعتبار
ذاته إنما هو الجزاءُ الذي هو الغايةُ القصوى للخلق المُغيَّى بمعرفته عزَّ وجلَّ
وعبادته، وإنما لم يذكر ذلك لتكوُّر ذِكْره في مواضعَ وشهرته، وفيه أنه إنما لم يُدْرَجْ
علمُ الكفَّار بكَذِبهم تحتَ التبيين بأن يقال مثلاً: وإنَّ الذين كفروا كانوا كاذبين، بل
جيءَ بصيغة العلم؛ لأنَّ ذلك ليس مما يتعلَّقُ به التبيينُ الذي هو عبارةٌ عن إظهار
ما كان مبهماً قبل ذلك بأن يُخبَرَ به فيختلف فيه، كالبعث الذي نَطَقَ به القرآنُ
فاختلف فيه المختلفون، وأما كَذِبُ الكافرين فليس من هذا القبيل(١).
ويُستفاد من تحقيقه في نظير ما هنا أنه لمَّا كان مدلولُ الخبر هو الصدقَ،
والكَذِب احتمالٌ عقليٌّ، وكان معنى تبيين الصِّدق إظهار ذلك المدلول وقَطْع
احتمال نقيضه بعد ما كان محتملاً له احتمالاً عقليّاً، ناسَبَ أن يُعلَّق التبيينُ بالذي
فيه يختلفون من الحقِّ، وليس بين الصِّدق والحقِّ كثيرُ فرق، ولمَّا كان الكَذِبُ أمراً
حادثاً لا دلالة للخبر(٢) عليه حتى يتعلَّق به التبيينُ والإظهارُ، بل هو نقيضُ مدلوله،
فما يتعلَّق به يكون عِلْماً مستأنفاً - ناسَبَ أن يُعلَّقَ العلمُ بأنهم كانوا كاذبين،
فليتدبر .
قيل: ولكون العلم بما ذُكر من روادف ذلك التبيين قيل: ((وليعلم الذين كفروا))
دون: وليجعل الذين كفروا عالمين، وخُصَّ الإسنادُ بهم حيث لم يقلْ: وليعلموا أنَّ
الذين كفروا كانوا كاذبين؛ تنبيهاً على أنَّ الأهمَّ عِلْمهُمْ، وقيل: لم يقلْ ذلك لأنَّ
عِلْمَ المؤمنين بما ذُكر حاصلٌ قبل ذلك أيضاً.
(١) إرشاد العقل السليم ١١٤/٥.
(٢) في (م): الخبر.

ـرَّةُ الفعلِ
١١٤
الآية : ٤٠
وتُعقِّبَ بأنَّ حصولَ مرتبةٍ من مراتب العلم لا يأبى حصولَ مرتبةٍ أعلى منها،
فَلِمَ لَمْ يقلْ ذلك إيذاناً بحصول هذه المرتبة من العلم لهم حينئذٍ، ولعلَّ فيه غفلةً عن
مراد القائل.
وجُوِّزَ أن يُرادَ من عِلْم الكَفَرة بأنهم كانوا كاذبين تعذيبُهُمْ على كَذِبهم، فكأنه
قيل: ليُظهر للمؤمنين والكافرين الحقّ وليعذِّب الكافرين(١) على كذبهم فيما كانوا
يقولونه من أنه تعالى لا يبعثُ من يموت، ونحوه، وهذا كما يقال للجاني: غداً
تعلمُ جنايتك، وحينئذٍ وجهُ تخصيص الإسناد بهم ظاهرٌ، وهو كما ترى.
وزعم بعضُ الشيعة أنَّ الآية في عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه والأئمةِ من بَنِيْه .
وأنها من أدلة الرَّجعة التي قال بها أكثرهم، وهو زَعْمٌ باطلٌ، والقولُ بالرَّجْعة
محضُ سخافةٍ لا يكاد يقول بها مَنْ يُؤمن بالبعث، وقد بين ذلك على أتمِّ وجهٍ في
(التحفة الاثني عشرية)) ولعلَّ النَّوبة تُفضي إن شاء الله تعالى إلى بيانه، وما أخرجه
ابنُ مردويه عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه أنه قال: إنَّ قوله تعالى: ﴿وَأَفْسَمُواْ بِاَلَِّ﴾
الآية نزلت فيَّ(٢)، غيرُ مسلَّم الصحة، وعلى فَرْضِ التسليم لا دليلَ فيه على
ما يزعمونه من الرَّجعة بأن يقال: إنه ظلُبه أراد أنها نزلت بسببي، ويكونُ ظُه هو
الرجلَ الذي تقاضى ديناً له على رجلٍ من المشركين فقال ما قال، كما مرَّ عن ابن
الجوزي وأبي العالية، وأخرجه عن أبي العالية عبد بن حميد وابن جرير وابن
المنذر وابن أبي حاتم (٣)، واستنبطَ الشيخُ بهاءُ الدين من الآية دليلاً على أنَّ الكَذِبَ
مخالفةُ الواقع، ولا عبرةَ بالاعتقاد، وهو ظاهرٌ، فافهم.
﴿إِنَّمَا قَوْلْنَا﴾ استئنافٌ لبيان التكوين على الإطلاق ابتداءً أو إعادةً بعد التنبيه
على إِنِّيَّةِ البعث، ومنه يُعلَمُ كيفيَّته، فـ ((ما)) كافَّةٌ و((قولنا)) مبتدأ، وقوله تعالى:
﴿لِشَىْءٍ﴾ متعلِّقٌ به، واللام للتبليغ كما في قولك: قلتُ لزيدٍ: قُمْ، فقام، وقال
الزجاج: هي لامُ السَّبب، أي: لأجل إيجاد شيء، وتُعقّبَ بأنه ليس بواضحٍ،
(١) في (م): الكافرون.
(٢) أخرجه ابن مردويه كما في الدر المنثور ١١٨/٤.
(٣) تفسير الطبري ٢٢٠/١٤، وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم كما في الدر المنثور
١١٨/٤.

الآية : ٤٠
١١٥
سُوَّةُ الْحَِ
والمتبادَرُ من الشيء هنا المعدوم، وهو أحدُ إطلاقاته، وقد برهن الشيخ إبراهيم
الكوراني عليه الرحمة على أنَّ إطلاقَ الشيء على المعدوم حقيقةً كإطلاقه على
الموجود، وأَلَّف في ذلك رسالةً جليلةً سماها: ((جلاء الفهوم)، ويُعلَمُ منها أنَّ
القولَ بذلك الإطلاق ليس خاصّاً بالمعتزلة كما هو المشهور، ولهذا أوَّلَ هنا مَنْ لم
يقفْ على التحقيق من الجماعة فقال: إنَّ التعبيرَ عنه بذلك باعتبار وجوده عند تعلَّق
مشيئته تعالى به؛ لا أنه كان شيئاً قبل ذلك.
وفي ((البحر)) نقلاً عن ابن عطية: إنَّ في قوله تعالى: ((لشيء)) وجهين:
أحدهما أنه لما كان وجودُهُ حَتْماً جاز أن يُسمَّى شيئاً، وهو في حال العدم،
والثاني: أنَّ ذلك تنبيهٌ على الأمثلة التي يُنظَر فيها، وأنَّ ما كان منها موجوداً كان
مراداً، وقيل له: كُنْ فكان، فصارَ مثالاً لما يتأخّرُ من الأمور بما تقدَّم، وفي هذا
مَخْلَصٌ من تسمية المعدوم شيئاً(١)، وفيه من الخفاء ما فيه، وأيّاً ما كان، فالتنوين
للتنكير، أي: لشيءٍ أيِّ شيءٍ كان مما عزَّ وهان.
﴿إِذَا أَرَدْنَهُ﴾ ظرفٌ لـ ((قولنا)) أي: وقت تعلُّق إرادتنا بإيجاده ﴿أَن نَّقُولَ لَهُ: كُنْ﴾
في تأويل مصدرٍ خبرٍ للمبتدأ، واللامُ في (له)) كاللام في (الشيء)).
﴿فَيَكُونُ ﴾﴾ إما عَطْفٌ على مقدَّرٍ يُفصحُ عنه الفاء، وينسحبُ عليه الكلامُ،
أي: فنقول ذلك فيكون، وإما جوابٌ لشرطٍ محذوفٍ، أي: فإذا قلنا ذلك فهو
يكون، وقيل: إنه بعد تقدير ((هو)) تكونُ الجملةُ خبراً لمبتدأ محذوفٍ، أي: ما أردناه
فهو يكون. و((كان)) في الموضعين تامة، والذي ذهب إليه أكثرُ المحققين وذكره
مقتصراً عليه شيخُ الإسلام أنه ليس هناك قولٌ ولا مقولٌ له ولا أَمرٌ ولا مأمورٌ حتى
يقال: إنه يلزمُ أحد المحالين إما خطابُ المعدوم أو تحصيلُ الحاصل؛ أو يقال:
(إنما)) مستدعيةٌ انحصارَ قوله تعالى في قوله تعالى: ((كُنْ)) وليس يلزم منه انحصارُ
أسباب التكوين فيه كما يفيده قوله سبحانه: ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُ، إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ, كُنْ
فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، فإنَّ المرادَ بالأمر الشأنُ الشاملُ القول والفعل، ومن ضرورة
انحصاره في كلمة ((كُنْ)) انحصارُ أسبابه على الإطلاق في ذلك، بل إنما هو تمثيلٌ
(١) البحر المحيط ٤٩١/٥-٤٩٢، والمحرر الوجيز ٣٩٣/٣.

سُوَّةُ الْحَلِآ
١١٦
الآية : ٤٠
لسهولة تأتِّي المقدورات حَسْب تعلَّقِ مشيئته تعالى، وتصويرٌ لسرعة حدوثها بما هو
عَلَمٌ في ذلك من طاعة المأمور المطيع لأمر الآمر المطاع، فالمعنى: إنما إيجادنا
لشيءٍ عند تعلُّق مشيئتنا به أن نُوجده في أسرع ما يكون، ولما عبّر عنه بالأمر الذي
هو قولٌ مخصوصٌ وَجَبَ أن يُعبّر عن مطلق الإيجاد بالقول المطلق(١).
وقيل: إنَّ الكلامَ على حقيقته، وبذلك جرت العادةُ الإلهية. ونُسِبَ إلى
السلف، وأُجيب لهم عن حديث لزوم أحد المحذورين تارةً بأنَّ الخطابَ تكوينيٌّ،
ولا ضيرَ في توجُّهه إلى المعدوم، وتُعقِّبَ بأنه قولٌ بالتمثيل، وتارةً بأنَّ المعدومَ
ثابتٌ في العلم، ويكفي في صحة خطابه ذلك، حتى إنَّ بعضَهم قال بأنه مرئيٍّ له
تعالى في حال عَدَمه، وتُعقِّبَ بما يطول، وأما حديث الانحصار فقالوا: إنَّ الأمر
فيه هَيِّنٌ، وقد مرَّ بعضُ الكلام في هذا المقام.
واحتجَّ بعضُ أهل السنة بالآية بناءً على الحقيقة على قِدَم القرآن قال: إنها تدلُ
على أنه تعالى إذا أراد إحداثَ شيءٍ قال له: كُنْ، فلو كان ((كن)) حادثاً لَزِمَ
التسلسلُ، وهو مُحالٌ، فيكونُ قديماً، ومتى قيل بقِدَم البعض فَلْيُقَلْ بقِدَم الكُلِّ،
وتُعقّب بأنَّ كلمة ((إذا)) لا تفيدُ التكرار، ولذا إذا قال لامرأته: إذا دخلت الدارَ فأنت
طالقٌ، فدخلتْ مرَّاتٍ لا تطلق إلا طلقةً واحدةً، فلا يلزمُ أن يكونَ كلٌّ مُحدَثٍ
مُحدَثاً بكلمة ((كن)) فلا يلزمُ التسلسلُ، على أنَّ القولَ بقِدَم ((كن)) ضروريُّ البطلان
لما فيه من ترتّب الحروف، وكذا يقال في سائر الكلام اللفظي.
وقال الإمام: إنَّ الآيةَ مشعرةٌ بحدوث الكلام من وجوه: الأول أنَّ قوله
تعالى: (إِنَّمَا قَوْنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ) يقتضي كونَ القول واقعاً بالإرادة، وما كان
كذلك فهو مُحدَثٌ، والثاني: أنه عَلَّق القولَ بكلمة ((إذا)) ولا شكَّ أنها تدخل
للاستقبال، والثالث أنَّ قوله تعالى: (أَنْ تَّقُلَ) لا خلافَ في أنه يُنبئُ عن
الاستقبال، والرابع: أنَّ قوله سبحانه: (كُنْ فَيَكُونُ) ((كُنْ)) فيه مُقدَّمَةٌ على حدوث
المكوَّن ولو بزمانٍ واحد، والمقدَّمُ على المحدَثِ كذلك مُحدَث، فلابدَّ من القول
بحدوث الكلام(٢).
(١) إرشاد العقل السليم ١١٥/٥.
(٢) التفسير الكبير ٣٣/٢٠.

الآية : ٤٠
١١٧
سُوَرَّةُ الْفَحَلِ
نعم إنها تُشعر بحدوث الكلام اللفظيِّ الذي يقول به الحنابلة ومَنْ وافقهم،
ولا تُشعر بحدوث الكلام النفسي. والأشاعرةُ في المشهور عنهم لا يدَّعون إلا قِدَمَ
النفسيِّ، وينكرون قِدَم اللفظيِّ، وهو بحثٌ أطالوا الكلام فيه، فليراجع.
وما ذُكر من دلالة ((إذا)) و((نقول)) على الاستقبال هو ما ذكره غيرُ واحد، لكن
نقلَ أبو حيان عن ابن عطيةً أنه قال: ما في ألفاظ هذه الآية من معنى الاستقبال
والاستئناف إنما هو راجعٌ إلى المراد لا إلى الإرادة، وذلك أنَّ الأشياءَ المرادَةَ
المكوّنةَ في وجودها استئنافٌ واستقبالٌ، لا في إرادة ذلك ولا في الأمر به، لأنَّ
ذَينك قديمان، فمن أَجْل المراد عبَّر بـ ((إذا)) و((نقول))(١).
وأنت تعلم أنه لا كلام في قِدَم الإرادة، لكنهم اختلفوا في أنها هل لها تعلُّقٌ
حادثٌ أم لا؛ فقال بعضُهم بالأول، وقال آخرون: ليس لها إلا تعلُّقٌ أزلِيٍّ، لكن
بوجود الممكنات فيما لا يزال كلٌّ في وقته المقدَّر له. فالله تعالى تعلَّقتْ إرادته في
الأزل بوجود زيدٍ مثلاً في يوم كذا، وبوجود عمرو في يوم كذا، وهكذا، ولا حاجةً
إلى تعلُّق حادثٍ في ذلك اليوم؛ وأما الأمر فالنفسيُّ منه قديمٌ، واللفظيُّ حادثٌ
عند(٢) القائلين بحدوث الكلام اللفظيِّ، وأما الزمانُ فكثيراً ما لا يلاحظ في
الأفعال المستندة إليه تعالى، واعتُبر: كان الله تعالى ولا شيء معه، وخلق الله
تعالى العالم ونحو ذلك، ولا أرى هذا الحُكُم مخصوصاً فيما إذا فُسِّر الزمانُ
بما ذهب إليه الفلاسفةُ، بل يَطَّردُ في ذلك وفيما إذا فُسِّر بما ذهب إليه المتكلِّمون.
فتأمل والله تعالى الهادي.
وجعل غيرُ واحدٍ الآيةَ لبيان إمكان البعث، وتقريره أنَّ تكوين الله تعالى بمَحْضٍ
قُدْرته ومشيئته لا تَوَقُّف له على سَبْق المواد والمدد، وإلا لَزِمَ التسلسل، وكما أمكن
له تكوينُ الأشياء ابتداءً بلا سَبْق مادةٍ ومثالٍ، أمكنَ له تكوينُها إعادةً بعده، وظاهرهُ
أنه قولٌ بإعادة المعدوم، وظواهرُ كثيرٍ من النصوص أنَّ البعثَ بجَمْع الأجزاء
المتفرِّقة، وسيأتي تحقيقُ ذلك كما وعدناك آنفاً إن شاء الله تعالى.
(١) البحر المحيط ٤٩١/٥، والمحرر الوجيز ٣٩٣/٣.
(٢) في (م): عن.

سُورَةُ الْحَ
١١٨
الآية : ٤١
وقرأ ابن عامر والكسائيُّ ها هنا وفي ((يس)): ((فيكونَ)) بالنصب(١)، وخرَّجه
الزجاج على العطف على ((نقول)) أي: فأن يكون، أو على أن يكون جواب
(كُنْ))(٢)، وقد ردَّ هذا الرضيُّ وغيره بأنَّ النصبَ في جواب الأمر مشروطُ بسببية
مصدرِ الأول للثاني، وهو لا يمكنُ هنا لاتِّحادهما، فلا يستقيمُ ذاك، وَوُجِّه بأنَّ
مراده أنه نُصِبَ لأنه مشابهٌ لجواب الأمر لمجيئه بعده، وليس بجوابٍ له من حيثُ
المعنى؛ لأنه لا معنى لقولك: قلتُ لزيدٍ: اضربْ، تضرب.
وتُعقّبَ بأنه لا يخفى ضَعْفُهُ، وأنه يقتضي إلغاءَ الشرط المذكور، ثم قيل:
والظاهرُ أن يُوجَّهَ بأنه إذا صَدَرَ مِثْلُه عن البليغ على قَصْد التمثيل لسرعة التأثير
بسرعة مبادرة المأمور إلى الامتثال يكون المعنى: إنْ أَقُلْ لك: اضربْ، تُسرع إلى
الامتثال، فيكونُ المصدرُ المسبَّبُ عنه مسبوكاً من الهيئة لا من المادة، ومصدرُ
الثاني من المادة أو محصّل المعنى، وبه يحصلُ التغايرُ بين المصدرين، ويتَّضح
السببية والمسبَّبية، وقال بعضُهم: إنَّ مرادَ مَنْ قال: إنَّ النَّصْبَ للمشابهة لجواب
الأمر أنَّ ((فيكون)» - كما في قراءة الرفع - معطوفٌ على ما ينسحبُ عليه الكلامُ،
أو هو بتقدير ((فهو يكون)) خبر لمبتدأ محذوف إلا أنه نُصب لهذه المشابهة، وفيه
ما فيه.
﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِى الَّهِ﴾ أي: في حَقِّه، فـ ((في)) على ظاهرها، ففيه إشارةٌ إلى
أنها هجرةٌ متمكِّنةٌ تمكّنَ الظرف في مظروفه، فهي ظرفيةٌ مجازيةٌ، أو لأجل رضاه
فـ ((في)) للتعليل كما في قوله وَله: ((إنَّ امرأةً دخلتِ النارَ في هرَّةٍ))(٣) والمهاجَرة في
الأصل مُصارَمة الغير ومتاركته، واستُعملتْ في الخروج من دار الكُفْر إلى دار
الإيمان، أي: والذين هجروا أوطانهم وتركوها في الله تعالى وخرجوا ﴿مِنْ بَعْدِ مَا
ظُلِبُواْ﴾ أي: من بعد ◌ُلم الكفار إياهم. أخرج عبدُ بن حميد وابن جرير وابن المنذر
وابن أبي حاتم عن قتادة قال: هم أصحابُ محمدٍ بَّهِ ظَلَمَهُمْ أهلُ مكةَ، فخرجوا
من ديارهم حتى لَحِقَ طوائفُ منهم بأرض الحبشة، ثم بوَّأَهم الله تعالى المدينةَ بعد
(١) التيسير ص ١٣٧، والنشر ٢٢٠/٢.
(٢) معاني القرآن ١٩٨/٣.
(٣) أخرجه أحمد (٧٥٤٧)، والبخاري (٣٣١٨)، ومسلم (٢٢٤٢) من حديث أبي هريرة ◌ُه.

الآية : ٤١
١١٩
سُورَةُ الْفَحَل
ذلك(١)، حسبما وعد سبحانه بقوله جل وعلا: ﴿لَنُّوِّثَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ أي:
مباءةً حسنةً، وحاصله: لَنُنزِّلنَّهم(٢) في الدنيا منزلاً حَسَناً، وعن الحسن: داراً
حَسَنة، والتقدير الأول أظهرُ لدلالة الفعل عليه. والثاني أوفقُ بقوله تعالى: ﴿تَبَوَّهُو
الذَّارَ﴾ [الحشر: ٩] وأيّاً ما كان فـ ((حَسَنةٌ)) صفةُ محذوفٍ منصوبٍ نَصْبَ الظروف،
وجُوِّزَ أن يكونَ مفعولاً ثانياً ((لنبوِّثَنَّهم)) على معنى لنعطينَّهم منزلة حسنة، وفُسِّر ذلك
بالغَلَبة على أهل مكة الذين ظلموهم، وعلى العرب قاطبة، وقيل: هي ما بقي لهم
في الدنيا من الثناء، وما صار لأولادهم من الشرف، وعن مجاهدٍ أنَّ التقديرَ معيشةٌ
حَسَنةٌ، أي: رزقاً حَسَناً، وقيل: التقدير عطيةٌ حَسَنةٌ، والمراد بالعَطية المُعْطَى،
ويُفسَّر ذلك بكلِّ شيءٍ حَسَنٍ ناله المهاجرون في الدنيا، وقدَّر بعضُهم: تبوئةً حسنة،
فهو صفةُ مصدرٍ محذوفٍ، وقد تُعتَبر هذه التبوئةُ بحيثُ تشملُ إعطاءَ كلِّ شيءٍ حَسَنٍ
صار للمهاجرين على نحو السابق. وفي ((البحر)) أنَّ الظاهرَ أنَّ انتصابَ ((حَسَنة)) على
المصدر على غير الصَّدر؛ لأنَّ معنى ((لنبوئنَّهم)) لنُحسِنَنَّ إليهم، فـ ((حسنةٌ)) بمعنى
إحساناً (٣). وعلى جميع التقادير ((الذين هاجروا)) مبتدأ، وجملةُ (لنبوِّثَنَّهم)) خبره.
وجوَّز أبو البقاء أن يكون ((الذين)) منصوبٌ بفعلٍ محذوفٍ يُفسِّرُهُ المذكور (٤).
والأولُ متعيّنٌ عند أبي حيان قال: وفيه دليلٌ على صحّة وقوع الجملة القَسَمية خبراً
للمبتدأ، خلافاً لثعلب(٥). والذي ذهب إليه بعضُ المحققين أنَّ الخبرَ في مثل ذلك
إنما هو جملةُ الجواب المؤَّدةُ بالقَسَم، وهي إخباريةٌ لا إنشائية، واعترض على
أبي البقاء في الوجه الثاني بأنه لا يجوزُ النَّصْبُ بالفعل المحذوف إلا حيث يجوزُ
للمذكور أن يعملَ في ذلك المنصوب حتى يصحَّ أن يكونَ مفسِّراً، وما هنا ليس
كذلك، فإنه لا يجوز: زيداً لأضربنَّ، فلا يجوز زيداً لأضربنه، والجارُّ والمجرورُ
متعلَّقٌ بما عنده، وقيل: بمحذوفٍ وَقَعَ حالاً من ((حسنة)).
(١) تفسير الطبري ٢٢٣/١٤، وتفسير ابن أبي حاتم ٢٢٨٤/٧، ونسبه لعبد بن حميد وابن
المنذر السيوطي في الدر المنثور ١١٨/٤ .
(٢) في (م): لننزلهم.
(٣) البحر المحيط ٤٩٢/٥.
(٤) الإملاء ٤٤٨/٣.
(٥) البحر المحيط ٤٩٣/٥.

سُوَّةُ الْحَالَ
١٢٠
الآية : ٤١
هذا، ونُقل عن ابن عباسٍ أنَّ الآيةَ نزلت في صهيبٍ وبلال وعمار وخبَّاب
وعابس وجبير وأبي جندل بن سهيل أَخَذهم المشركون، فجعلوا يعذِّبونهم ليردُّوهم
عن الإسلام، فأما صهيبٌ فقال لهم: أنا رجلٌ كبيرٌ، إن كنتُ معكم لم أنفعْكم،
وإن كنتُ عليكم لم أَضرَّكم، فافتدى منهم بماله وهاجرَ، فلما رآه أبو بكر ◌َظُه
قال: رَبِحَ البيعُ يا صهيب؛ وقال عمر رَُّله: نِعْمَ العبدُ صهيبٌ لو لم يَخَفِ الله لم
يَعْصِهِ (١).
والجمهور على ما روي عن قتادة، بل قال ابن عطية: إنه الصحيح(٢). ولم
نجد لهذا الخبر عن ابن عباسٍ ﴿ها سنداً يُعوَّل عليه. وذكر العلامة الشيخ بهاء
الدين السبكي في ((شرح التلخيص)) كغيره من المحدِّثين مثل الحافظ العلامة زين
الدين عبد الرحيم العراقي، وولده الفقيه الحافظ أبي زُرْعة، وغيرهما فيما نُسب
لعمر رُه فيه من قوله: نِعْمَ العبدُ صهيبٌ .. إلى آخره: إنَّا لم نجده في شيءٍ من
كتب الحديث بعد الفحص الشديد، وهذا يوقع شُبْهةً قويةً في صحَّة ذلك. نعم في
((الدر المنثور)) أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس شًا أنه
قال في هؤلاء الذين هاجروا: هم قومٌ من أهل مكة هاجروا إلى رسول الله وَله بعد
◌ُلْمهم ثم قال: وظُلْمُهم الشِّركُ(٣). لكن يقتضي هذا بظاهره أنه نظرته كان يقرأ:
(ظَلَموا)) بالبناء للفاعل.
وأُورد على الخبرين أنه قيل: إنَّ السورةَ مكيةٌ إلا ثلاث آيات في آخرها،
فإنها مدنية، ويلتزم إذا صحَّ الخبرُ الذهاب إلى أنَّ فيها مدنيّاً غيرَ ذلك، أو القولُ
بأنَّ المرادَ من المَكِّي ما نَزَلَ في حقِّ أهل مكة، أو أنَّ هذه الآيةَ لم تنزل
بالمدينة، وأنَّ المَكِّيَّ ما نزل بغيرها، أو القول بأنَّ ذلك من الإخبار بالشيء قبل
وقوعه، والكلُّ كما ترى، ولا يرد على القول الأول الذي عليه الجمهور أنه
مخالفٌ للقول المشهور في السورة؛ لأنَّ هِجْرةَ الحبشة كانت قبل هجرة المدينة،
(١) ذكره الرازي في تفسيره ٢٠/ ٣٤.
(٢) المحرر الوجيز ٣٩٤/٣.
(٣) الدر المنثور ١١٨/٤، وتفسير الطبري ٢٢٤/١٤، وتفسير ابن أبي حاتم ٢٢٨٣/٧. وفيها:
وظلمهم المشركون. وأشار محققو تفسير الطبري إلى أنه في بعض النسخ: الشرك.