النص المفهرس

صفحات 61-80

الآية : ١٥
٦١
سُورَةُ التّحَ
وجه هذه الكرة، وحينئذٍ نقول: لو فرضنا أنَّ هذه الخشونات ما كانت حاصلةً، بل
كانت ملساءَ خاليةً عنها، لصارت بحيث تتحرَّكُ على الاستدارة كالأفلاك لبساطتها،
أو تتحرَّكُ بأدنى سببٍ للتحريك، فلمَّا خُلقتْ هذه الجبال وكانت كالخشونات على
وجهها، تفاوتتْ جوانبها وتوجَّهتِ الجبالُ بثِقَلِها نحوَ المركز، فصارتْ كالأوتاد
لمنعها إياها عن الحركة المستديرة(١).
وقد تابع الإمامَ في هذا الحلِّ العلامةُ البيضاويُّ(٢)، واعتُرض عليه بأنه لا وجهَ
لما ذكره على مذهب أهل الحقِّ، ولا على مذهب الفلاسفة، أما الأول فلأنَّ ذاتَ
شيءٍ لا تقتضي تحرُّكُهُ، وإنما ذلك بإرادة الله تعالى، وأما الثاني فلأنَّ الفلاسفةَ لم
يقولوا: إنَّ حقَّ الأرض أن تتحرَّك بالاستدارة؛ لأنَّ في الأرض ميلاً مستقيماً وما هو
كذلك لا يكون فيه مَيْدٌ ومَيلٌ(٣) مستديرٌ على ما ذكروا في الطبيعي.
وأُوردَ أيضاً على مَنْع الجبال لها من الحركة أنه قد ثبتَ في الهندسة أنَّ
[نسبة](٤) أعظم جبلٍ في الأرض - وهو ما ارتفاعه فَرْسخان وثلث فَرسخ - إلى قُظْرٍ
الأرض نسبةُ خُمْس سُبْعِ عَرْض شعيرةٍ إلى كُرةٍ قُطرها ذراع، ولا ريبَ في أنَّ ذلك
القَدْر من الشعيرة لا يُخرجُ تلكَ الكرةَ عن الاستدارة، بحيث يمنعها عن الحركة،
وكذا حالُ الجبال بالنسبة إلى كرة الأرض.
ثم قيل: الصحيحُ أن يُقال: خلق الله تعالى الأرض مضطربةً لحكمةٍ لا يعلمها
إلا هو، ثم أرساها بالجبال على جريان عادته في جَعْل الأشياء منوطة بالأسباب.
وقال بعض المحققين في الجواب: إنَّ المقصودَ أنَّ الأرض من حيثُ كونُها
كرةً حقيقيةً بسيطةً مع قَطْع النظر عن كونها عنصراً، كان حقُّها أحد الأمرين، لأنها
من تلك الحيثية إما ذو مَيلٍ مستديرٍ كالأفلاك، فكان حقُّها حينئذٍ أن تتحرَّكَ مثلَها
على الاستدارة، وإما ذو مَيلٍ مستقيم فكان حقُّها(٥) السكون، لكنها تتحرَّكُ بأدنى
(١) تفسير الرازي ٨/٢٠-٩ بنحوه.
(٢) تفسير البيضاوي ١٧٨/٣ .
(٣) في الأصل و(م): مبدأ ميل. والمثبت من حاشية الشهاب ٣١٩/٥ والكلام منها.
(٤) ما بين حاصرتين من حاشية الشهاب ٣١٩/٥، والكلام منها.
(٥) في (م): مستقيم فحقها.

سُورَةُ التّحَلَ
٦٢
الآية : ١٥
قاسر، أما السكون فلأنَّ الجسمَ الحاصلَ في الحيِّز الطبيعيِّ لا(١) يتحرَّكُ حركةً
طبيعية آنيةً لاستلزامها الخروجَ عن الحيِّز الطبيعيِّ، ولا يتصوَّرُ من الأرض الحركة
الإرادية لكونها عديمةَ الشعور، وأما التحرُّك بأدنى قاسر فيَحكم به بالضرورة مَنْ له
تخيُّلٌ صحيحٌ، واستوضح ذلك من كرةٍ حقيقية على سطح حقيقيٍّ، فإنها لا تماسَّه
إلا بنقطةٍ، فبأدنى شيءٍ ولو نفخةٍ تتدحرجُ عن مكانها. نعم الواقعُ في نفس الأمر
أحدُ الأمرين معيَّناً، وذِكْرهما توسيعٌ للدائرة، وهو أمرٌ شائعٌ فيما بينهم، فيندفع
قوله: وأما الثاني فلأنَّ الفلاسفة .. إلخ.
وأما قوله: إنه قد ثبتَ في الهندسة .. إلخ، فجوابه أنهم قد صرَّحوا في كتب
الهيئة بأنَّ في كلِّ إقليم ثلاثين جبلاً، بل أكثر، فنسبةُ كلِّ جبلٍ وإن كانت كالنسبة
المذكورة، لكن يجوزُ أن يكونَ مجموعُها مانعاً عن حركتها، کالحبل المؤلّفِ من
الشَّعَرات المخالف حكمه حكم كلِّ شعرة، على أنَّ تلك النسبة باعتبار الحجْم
ومنعها عن حركتها باعتبار الثِّقَل وثقل هذه الجبال، يكادُ أن يقاومَ ثِقَلَ الأرض؛ لأنَّ
الجبالَ أجسامٌ صلبةٌ حجريةٌ، والأرضَ رِخوةٌ متخلخلةٌ كالكرة الخشبية التي أُلزقتْ
عليها حبَّاتٌ من حديد، وما يقال من أنَّ فيه غير ذلك ابتناءً على قواعد الفلسفة،
فلا يُطعن فيه؛ لأنَّ ذلك الابتناء غيرُ مُضِرٍّ إن لم يخالفِ القواعدَ الشرعيةَ
كما فيما نحن فيه .
واعتُرض على ما اذَّعى المعترِضُ صحَّته بأنه يردُ عليه ما أورده، وظني أنه بعد
الوقوفِ على مراده لا يردُ عليه شيءٌ مما ذكر، ونحن قد أسلفنا نحوه وأطنينا الكلامَ
في هذا المقام، ومنه يظهرُ ما هو الأوفق بقواعد الإسلام، ثم ما ذكره المجيب من
أنَّ المصرَّح به في كتب الهيئة أنَّ في كلِّ إقليمٍ ثلاثينَ جبلاً بل أكثر، خلافُ
المشهور، وهو أنَّ في الإقليم الأول عشرينَ وفي الثاني سبعة وعشرين، وفي الثالث
ثلاثة وثلاثين، وفي الرابع خمسة وخمسين، وفي الخامس ثلاثين، وفي كلٍّ من
السادس والسابع أحدَ عشرَ، والمجموعُ مئةٌ وسبعةٌ وثمانونَ جبلاً، على أنَّ كلامه
لا يخلو عن مناقشة، فتدبر.
(١) في (م): لما.

الآية : ١٥
٦٣
سُؤَدَةُ الفَّحَالَ
ومعنى ((ألقى)) على ما نقل ابنُ عطيةً عن المتأوِّلين: خَلَقَ وجَعَلَ، واختار هو
أنه أخصُّ من ذلك، وذلك أنه يقتضي أنَّ الله سبحانه أوجدَ الجبالَ من محضٍ قُدرته
واختراعه، لا من الأرض، ووَضَعها عليها(١). وأَيِّدَ بأخبارٍ رووها في هذا المقام،
وقد تقدَّم بعضها.
ولم يُعَدَّ بـ ((على)) كما في قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةٌ مِّنِى﴾ [طه: ٣٩]
للإشارة إلى كمال الجبال ورسوخها وثباتها في الأرض، حتى كأنها مساميرُ في
ساجة(٢). وانظر هل تُعَدُّ من الأرض فيَحنَثُ مَنْ حَلَفَ لا يجلسُ على الأرض إذا
جلس عليها، أم لا، فلا يحنث، لم يحضرني مَنْ تعرَّض لذلك، والظاهرُ الأول
لِعَدِّ العُرْف إياها منها، وإن كان ظاهرُ هذه الآية كغيرها عدمَ العَدِّ.
وقوله تعالى: ﴿وَأَهَا﴾ عَظْفٌ على ((رواسي))، والعامل فيه ((ألقى)) إلا أنَّ تَسَلُّطْهُ
عليه باعتبار ما فيه من معنى الجَعْل والخَلْق، أو تضمينه(٣) إياه، وعلى التقديرين
لا إضمارَ، وهو الذي اختاره غيرُ واحد، وجُوِّزَ أن يكون مفعولاً به لفعلٍ مُضْمَر، ولیس
إجماعاً، خلافاً لابن عطيةَ(٤)، أي: وجَعَلَ أو خَلَقَ أنهاراً، نظيرَ ما قيل في قوله:
عَلفْتُها تبناً وماءً باردا(٥)
وقَدَّر أبو البقاء(٦): شَقَّ، والعطفُ حينئذٍ من عَظْفِ الجُمَلِ، وكأنه لمَّا كان
أغلبُ منابع الأنهار من الجبال، ذَكَرَ الأنهار بعد ما ذكر الجبال.
وقوله تعالى: ﴿وَسُبُلًا﴾ عَظْفٌ على ((أنهاراً)) أي: وجَعَلَ طُرُقاً لمقاصدكم
﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾﴾ لها، فالتعليلُ بالنظر إلى قوله تعالى: (وَسُبُلًا) كما هو
(١) المحرر الوجيز ٣٨٤/٣.
(٢) الساج: ضربٌ عظيم من الشجر، الواحدة: ساجة، وجمعها: ساجات، ولا ينبت إلا بالهند
ويُجلب منها إلى غيرها. وقال الزمخشري: خشب سود رِزان لا تكاد الأرض تبليها. أساس
البلاغة والمصباح المنير (سوج).
(٣) في الأصل: أو تضمنه.
(٤) المحرر الوجيز ٣٨٤/٣.
(٥) عجزه: حتى شتت همالة عيناها. وسلف ٣٢٥/٦.
(٦) الإملاء ٤٤٣/٣ .

سُوَّةُ الْحَلَِ
٦٤
الآية : ١٦
الظاهر، ويجوز أن يكونَ تعليلاً بالنظر إلى جميع ما تقدم؛ لأنَّ تلك الآثار العِظام
تدلُّ على بطلان الشّرك (١)، وقيل: تدلُّ على وجود فاعل حكيم، ففي قوله تعالى:
(تَهْتَدُونَ) توریةٌ حينئذ.
﴿وَعَلَمَنْ﴾ معالمُ يستدلُّ بها السَّابلةُ من نحو جبلٍ ومنهل ورائحة تراب، فقد
حُكي أنَّ من الناس من يَشَمُّ الترابَ فيعرفُ بشَمِّه الطريقَ وأنها مسلوكةٌ أو غيرُ
مسلوكة، ولذا سُمِّيتِ المسافةُ مسافةً أخذاً لها من السَّوف بمعنى الشَّم، وأخرج ابنُ
جرير وغيره عن ابن عباس أنها معالمُ الُّرق بالنهار. وعن الكلبيِّ أنها الجبال.
وعن قتادة أنها النجوم(٢)، وقال ابن عيسى: المراد منها الأمور التي يُعلَمُ بها ما يُراد
من خَطّ أو لفظٍ أو إشارةٍ أو هيئة. والظاهر ما ذُكر أولاً .
وأغربُ ما فُسِّرتْ به وأبعدهُ أنَّ المرادَ منها حيتانٌ طِوالٌ رِقاقٌ كالحيات في
ألوانها وحركاتها، تكونُ في بحر الهند الذي يُسارُ إليه من اليمن، سُمِّيتْ بذلك
لأنها إذا ظهرتْ كانت علامةً للوصول إلى بلاد الهند وأمارةً للنجاة.
﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ﴾﴾ بالليل في البَرِّ والبحر، والمراد بالنجم الجنس،
فيشمل الخُنَّسَ(٣) وغيرها مما يهتدى به، وعن السُّدِّيِّ تخصيصُ ذلك
بالتُّريا والفَرْقدين وبنات نَعْشٍ والجَدي (٤)؛ وعن الفراء تخصيصه بالجدي
والفرقدين(٥). وعن بعضهم أنه الثريا، فإنه عَلَمٌ بالغَلَبة لها، ففي الحديث: ((إذا
طلعَ النجمُ ارتفعت العاهة)) (٦) وقال الشاعر:
(١) في (م): الترك.
(٢) تفسير الطبري ١٤/ ١٩٢-١٩٣.
(٣) الخُنَّس: الكواكب كلها، أو السيارة، أو النجوم الخمسة: زُحَل والمشتري والمريخ والزهرة
وعُطارد، وخنوسها أنها تغيب. القاموس المحيط (خنس).
(٤) الفرقد: هو النجم الذي يُهتدى به. وبنات نعش: سبعة كواكب أربعة منها نعش وثلاث
بنات. والجدي: هو النجم الدائر مع بنات نعش. القاموس المحيط (فرقد) و(نعش)
و(جدي).
(٥) معاني القرآن ٩٨/٢.
(٦) أخرجه أحمد (٨٤٩٥)، من حديث أبي هريرة له ولفظه: ((إذا طلع النجم ذا صباح رُفعت
العاهة)) قال الحافظ ابن حجر في الفتح ٣٩٥/٤: النجم هو الثريا، وطلوعها صباحاً يقع في
=

الآية : ١٦
٦٥
سُوَّةُ الْحَالِ
وغُودِرَ البقلُ مَلْويٌّ ومحصوهُ(١)
حتى إذا ما استقرَّ النَّجمُ في غَلَسٍ
وعن ابن عباس أنه سأل النبيَّ وَّر عن ذلك فقال: ((هو الجدي))(٢). ولو صحَّ
هذا لا يُعدلُ عنه، والجَدْي: هو جَدْي الفَرْقد، وهو على ما في ((المُغْرِب)) بفتح
الجيم وسكون الدَّال، والمنجِّمون يُصغِّرونه فَرْقاً بينه وبين البُرج(٣). وقيل: إنه
كذلك لغة، واستدلَّ على إرادة ما يعِمُّ ذلك بما في ((اللوامح)) عن الحسن أنه
قرأ: ((وبالنُّجُم)) بضمَّتين، وعن ابن وثَّاب أنه قرأ بضَمِّ فسكون (٤)، فإنَّ ذلك في
القراءتين جَمْعٌ، كَسُقُفُ وسَقْف، ورُهُن ورَهن، والتسكينُ قيل: للتخفيف، وقيل:
لغة.
والقول بأنَّ ذلك جمعٌ على ((فُعُل)) أولى مما قيل: إنَّ أصله النجوم، فخُذفت
الواو، وزعم ابنُ عصفور أنَّ قولهم: ((النُّجُم)) من ضرورة الشعر وأنشد:
إِنَّ الذي قضى بذا قاضٍ حَكُمْ
أن يردَ الماءَ إذا غابَ النُّجُمِ (٥)
= أول فصل الصيف، وذلك عند اشتداد الحَرِّ في بلاد الحجاز وابتداء نضج الثمار، فالمعتبر
في الحقيقة النضج، وطلوع النجم علامة له.
قال ابن الأثير في النهاية (نجم): أراد بطلوعها طلوعها عند الصبح، وذلك في العشر
الأوسط من أيار، وسقوطها مع الصبح في العشر الأوسط من تشرين الآخر، والعرب تزعم
أن بين طلوعها وغروبها أمراضاً ووباء وعاهات في الناس والإبل والثمار ... قال الحربي:
إنما أراد بهذا الحديث أرض الحجاز لأن في أيار يقع الحصاد بها وتُدرك الثمار وحينئذ تباع
لأنها قد أُمن عليها من العاهة.
(١) البيت لذي الرمة، وهو في شرح ديوانه ١٣٦٦/٢، ولفظه:
حتى إذا ما استقلَّ النجمُ في غلس وأُحصد البقل أو مُلْوٍ ومحصود
قال شارحه أبو نصر: استقلَّ النجم: أي طلع بعد النور عند الصبح. ويقال: قد ألوى النبتُ
إلواءً إذا جفّ.
(٢) ذكره القرطبي في تفسيره ١٢/ ٣٠٦.
(٣) المغرب في ترتيب المعرب (جدي). وقوله: والمنجِّمون يُصغِّرونه، أي: جُدَيّ.
(٤) ذكر ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٧٢ قراءة الحسن، وذكر ابن جني في المحتسب
٨/٢ القراءتين.
(٥) الرجز للأخطل، وهو في ديوانه ص ١٨٣. والبيت الأول فيه: إن الفقير بيننا قاض حكم.

سُورَةُ الْحَلَ
٦٦
الآية : ١٦
وهو نظير قوله :
حتى إذا ابتلَّت حلاقيم الحُلُق(١)
والضمير يحتمل أن يكونَ عامًّا لكلِّ سالك في البرِّ والبحر من المخاطَبين
فيما تقدَّم، وتغييرُ التعبير للالتفات، وتقديمُ الجارّ والمجرور للفاصلة، والضمير
المنفصل للتقوِّي، ويحتمل أن يكون الضمير لقريش؛ لأنهم كانوا كثيري الأسفار
للتجارة مشهورين بالاهتداء(٢) في مسايرهم بالنجم، وإخراجُ الكلام عن سَنَن
الخطاب، وتقديم الجارِّ والضمير للتخصيص؛ كأنه قيل: وبالنجم خصوصاً هؤلاء
خصوصاً يهتدون، فالاعتبار بذلك والشكر عليه بالتوحيد ألزمُ لهم وأوجب عليهم.
وجعل بعضُهم الآيةَ أصلاً لمراعاة النجوم لمعرفة الأوقات والقبلة والُرق،
فلا بأس بتعلَّم ما يفيد تلك المعرفة، لكنْ معرفةُ عين القبلة على التحقيق بالنُّجوم
مُتعسِّرٌ بل متعذّر كما أفاده العلامة الربانيُّ أبو العباس أحمد بن البناء؛ لأنه إن اعتبر
ذلك بما يُسامت رؤوس أهل مكة من النجوم، فليس مَسْقط العمود منه على بسيط
مكة هو العمودَ الواقعَ منه على بسيط غيرها من المدن، وإن اعتبر بالجَدْي، فلا يلزمُ
من أن يكون في مكة على الكَتِفِ أو على المنكب أن يكون في غيرها كذلك إلا لمن
يكون في دائرة السَّمت المارّة برؤوس أهل مكة والبلد الآخر، وذلك مجهولٌ
لا يُتوصَّل إليه إلا بمعرفة ما بين الطُّولين والعَرْضين، وهو شيءٌ اختُلف في مقداره
ولم يتعبَّن الصحيحُ فيه، وقولُ مَنْ قال: إنَّ ذلك يُعَرفُ بجَعْل المصلِّي مثلاً الشمسَ
بين عينيه إذا استوتْ في كَبِدِ السماء أطول يوم في السنة، فمتى فَعَلَ ذلك فقد
استقبلَ البيتَ إن أراد بكبد السماء فيه كبد سماء بلده، فليس بصحيح؛ لأنَّ الشمسَ
لا تستوي في كَبِدِ السماء في وقتٍ واحدٍ في بلدين متنائيين كثيراً، وإن أراد به کَبِدَ
سماءِ مكةَ، فلا يُعلَم ذلك في بلدٍ آخر إلا بمعرفة ما بين البلدين في الطول، وقد
سمعتَ ما في ذلك من الاختلاف(٣)، ويقال نحو هذا فيما يشبه ما ذكر، بل قال
(١) البيت لرؤية ولم نقف عليه في ديوانه، وهو في المنصف ٣٤٨/١، والخصائص ١٣٤/٣،
والبحر ٤٨١/٥.
(٢) في الأصل و(م): للاهتداء. والمثبت من تفسير البيضاوي ١٧٨/٣ والكلام منه.
(٣) في الأصل: الاختلال.

الآية : ١٧
٦٧
سُوَّةُ الْحَِ
قُدِّس سِرُّه: إنَّ معرفةَ ذلك على التحقيق بما يذكرونه من الدائرة الهندية ونحوها
متعذِّرٌ أيضاً؛ لأنَّ مبنى جميع ذلك على معرفة الأطوال والعروض، ودون تحقيق
ذلك خَرْطُ القتاد، فلا ينبغي أن يكون الواجب على المصلِّي إلا تحرِّي الجهة،
ومعرفةُ الجهة تحصلُ بالنجوم وكذا بغيرها مما هو مذكورٌ في محلِّه.
﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ﴾ ما ذكر من المخلوقات البديعة، أو يخلقُ كلَّ شيءٍ يريده ﴿كَمَنْ لَّا
يَخْلُقُ﴾ شيئاً ما جليلاً أو حقيراً، وهو تبكيتٌ للكَفَرة وإبطالٌ لإشراكهم وعبادتهم
غيرَه تعالى شأنه من الأصنام بإنكار ما يستلزمه ذلك من المشابهة بينه سبحانه وبينه،
بعدَ تعداد ما يقتضي ذلك اقتضاءً ظاهراً، وتعقيبُ الهمزة بالفاء لتوجيه الإنكار إلى
ترتُّب توهُّم المشابهة المذكورة على ما فَعَلَ(١) سبحانه من الأمور العظيمة الظاهرةِ
الاختصاص به تعالى شأنه، المعلومة كذلك فيما بينهم حسبما يُؤْذِنُ به غير آية،
والاقتصارُ على ذِكْر الخلق من بين ما تقدَّم لكونه أعظمه وأظهره واستتباعه إياه، أو
لكون كلّ من ذلك خَلْقاً مخصوصاً، أي: أبعد ظهور اختصاصه سبحانه بمبدئية هذه
الشؤون الواضحة الدالة على وحدانيته تعالى وتفرُّده بالألوهية واستحقاق العبادة،
يتصور المشابهة بينه وبين ما هو بمعزِلٍ عن ذلك بالمرَّة كما هو قضية إشراككم،
وكان حقُّ الكلام بحَسب الظاهر في بادئ النظر: أفمن لا يخلقُ كَمَنْ يخلق، لكن
قيل: حيث كان التشبيهُ نسبةً تقوم بالمنتسبين(٢) اختير ما عليه النَّظْمُ الكريمُ مراعاةً
لحقُّ سبق الملكة على العدم، وتفادياً عن توسيط عَدَمها بينها وبين جزئياتها
المفصّلة قبلها، وتنبيهاً على كمال تُبْح ما فعلوه من حيثُ إنَّ ذلك ليس مجرَّد رَفْع
أصنامهم عن محلٌّها، بل هو حَظّ لمنزلة الربوبية إلى مرتبة الجماد، ولا ريبَ أنه
أقبحُ من الأول.
والمراد بـ ((مَنْ لا يخلق)) كلُّ ما هذا شأنه من ذوي العلم؛ كالملائكة وعيسى
عليهم السلام وغيرهم كالأصنام، وأتى بـ ((مَنْ)) تغليباً لذوي العلم على غيرهم، مع
ما فيه من المشاكلة، أو ذوو العلم خاصة، ويُعرَفُ منه حالُ غيرهم بدلالة النَّصِّ، فإنَّ
مَنْ يخلقُ حيثُ لم يكن، كَمَنْ لا يخلقُ وهو من جملة ذوي العلم، فما ظنُّك بالجماد.
(١) كذا في الأصل و(م)، وفي تفسير أبي السعود ١٠٤/٥ والكلام منه: على ما فصل.
(٢) في الأصل: بين المنتسبين.

سُورَةُ الْفَحَلَ
٦٨
الآية : ١٨
وقيل: المراد به الأصنامُ خاصة، والتعبير بـ ((مَنْ)) إما للمشاكلة، أو بناءً على
ما عند عبدتها(١)، والأَولى ما تقدَّم. ودخولُ الأصنام في حُكْم عدم المشابهة؛
إما بطريق الاندراج، أو بطريق الانفهام بدلالة النص على الطريق البرهانيٍّ. قاله
بعض المحققين.
واستُدلَّ بالآية على بطلان مذهب المعتزلة في زَعْمهم أنَّ العبادَ خالقون
لأفعالهم.
وقال الشهاب بعد أنْ قرَّر تقديرَ المفعول عامّاً على طِرز ما ذكرنا، وجوّز أن
يكونَ العمومُ فيه مأخوذاً من تنزيل الفعل منزلةَ اللازم أنه عُلم من هذا عدمُ توجُّه
الاحتجاج بها على المعتزلة في إبطال قولهم بخَلْق العباد أفعالهم، كما وقع في
كتب الكلام، لأنَّ السَّلْبَ الكُلِّيَّ لا ينافي الإيجابَ الجزئيَّ(٢). حسبما وجدناه في
النسخ التي بأيدينا، ولعلها سقيمة، وإلا فلا أظنُّ ذلك إلا كبوة جواد، وهو ظاهر.
﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ﴾﴾ أي: ألا تلاحظون فلا تتذكّرون ذلك، فإنه لجلائه
لا يحتاجُ إلى شيءٍ سوى التذكُّر، وهو مراجعةُ ما سبقَ تصوُّره وذُهِلَ عنه، وقدَّر
بعضُهم المفعولَ عدم المساواة، وذكر أنه لعدم سَبْقه حتى يتصوَّر فيه حقيقة التذكُّر
بأن يُتْصوَّر ويُذهَلَ عنه، جُعل التذكُّر استعارةً تصريحية للعلم به، وقيل: الاستعارةُ
مكنيةٌ في المفعول المقدَّر، وإثبات التذكُّر تخييلٌ، فتذكَّر.
﴿وَإِن تَعُذُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُخُصُوهَا﴾ تذكيرٌ إجماليٍّ لنعمه تعالى بعد تعداد طائفةٍ
منها، وفَصَلَ ما بينهما بقوله تعالى: (أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقٌ) - كما قيل - للمبادرة
إلى إلزام الحُجَّة وإلقام الحجر إثرَ تفصيل ما فَصَّلَ من الأفاعيل التي هي أدلةٌ
التوحيد، ودلالتها عليه وإن لم تكن مقصورة على حيثية الخلق ضرورة ظهور دلالتها
عليه من حيثية الإنعام أيضاً، لكنها حيثُ كانت من مستتبعات الحيثية الأولى،
استُغني عن التصريح بها، ثم بيَّن حالها بطريق الإجمال(٣)، أي: إن تعدُّوا نعمَهُ
(١) في (م): عبدتهما.
(٢) حاشية الشهاب ٣٢٠/٥.
(٣) في (م): الإجمالي. والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ١٠٥/٥.

الآية : ١٩
٦٩
سُورَةُ النَّحَالِ
تعالى الفائضةَ عليكم مما ذُكر ومما يُذكر، لا تطيقوا حَصْرَها وضَبْطَ عددها، فضلاً
عن القيام بشكرها، وقد تقدَّم الكلامُ في تحقيق ذلك حسبما مَنَّ الله تعالى(١) به.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورُ﴾ حيث يستر ما فَرَطَ منكم من كُفْرانها والإخلال بالقيام
بحقوقها، ولا يعاجلكم بالعقوبة على ذلك.
﴿رَّحِيمٌ ﴾﴾ حيثُ يفيضها عليكم مع استحقاقكم للقَطْع والحرمان بما تأتون
وما تذرون من أصناف الكفر والعصيان التي من جملتها المساواةُ بين الخالق
وغيره، وكلٌّ من ذَينك الستر والإفاضة نعمةٌ وأيُّما نعمة، فالجملةُ تعليلٌ للحكم بعدم
الإحصاء، وتقديمُ المغفرة على الرحمة لتقديم (٢) التخلية على التحلية.
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا شِرُونَ﴾ أي: تضمرونه من العقائد والأعمال ﴿وَمَا تُعْلِنُونَ
أي: تظهرونه منهما، وحُذِفَ العائدُ لمراعاة الفواصل، أي: يستوي بالنسبة إلى عِلْمه
سبحانه المحيط الأمران.
وفي تقديم الأول على الثاني تحقيقٌ للمساواة على أبلغ وجه، وفي ذلك من
الوعيد والدلالة على اختصاصه تعالى بصفات الإلهية ما لا يخفى، أما الأول فلأنَّ
عِلْمَ الملك القادر بمخالفة عبده يقتضي مجازاته، وكثيراً ما ذُكِرَ عِلْمُ الله تعالى
وقُدْرته وأُريد ذلك، وأما الثاني فبناءً على ما قيل: إنَّ تقديمَ المسنَدِ إليه في مِثْل
ذلك يُفيدُ الحصْرَ، ومن هنا قيل: إنه سبحانه أَبطلَ شِرْكهم للأصنام أولاً بقوله
تعالى: (أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ) وأبطله ثانياً بقوله تبارك اسمه: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ) إلخ كأنه
قيل: إنه تعالى عالمٌ بذلك دون ما تُشركون به، فإنه لا يعلم ذلك، بل لا يعلم شيئاً
أصلاً، فكيف يُعَدُّ شريكاً لعالم السِّرِّ والخفيَّات.
وفي ((الكشف)» إنَّ في الجملة الأولى إشعاراً بأنه تعالى ما كلَّفهم(٣) حقَّ الشكر
لعدم الإمكان، وتجاوَزَ سبحانه عن الممكن إلى السهل الميسور، وفي الثانية
ما يُشعر بأنهم قَصَّروا في هذا الميسور أيضاً، فاستحقُّوا العتاب(٤).
(١) في سورة إبراهيم، الآية (٣٤). ينظر ٣٠٠/١٣ وما بعد.
(٢) في (م): لتقدم.
(٣) في (م): وما كلفهم.
(٤) في الأصل: العقاب.

سُؤَةُ الْحَلِكَ
٧٠
الآية : ٢٠
﴿وَلَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ شروعٌ في تحقيق أنَّ آلهتهم بمَعزِلٍ عن استحقاق العبادة،
وتوضيحه بحيث لا يبقى فيه شائبةُ رَيب بتعداد أحوالها المنافية لذلك منافاةً ظاهرةً،
وكأنها إنما شُرحت مع ظهورها للتنبيه على كمال حماقة المشركين، وأنهم لا يعرفون
ذلك إلا بالتصريح، أي: والآلهةُ الذين تعبدونهم أيُّها الكفار ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ سبحانه
﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ من الأشياء أصلاً، أي: ليس من شأنهم ذلك.
وذكر بعضُ الأَجِلَّة أنَّ ذِكْرَ هذا بعد نفي التشابه والمشاركة للاستدلال على
ذلك، فكأنه قيل: هم لا يخلقونَ شيئاً، ولا يُشارك مَنْ يخلقُ مَنْ لا يخلق، فينتجُ
من الثالث: هم لا يشاركون مَنْ يخلق، ويلزمه أنَّ مَنْ يخلق لا يشاركهم،
فلا تكرار، وقيل عليه: إنه مبنيٌّ على أنَّ مَنْ يخلقْ ومن لا [يخلق](١) مُجرّى على
غير معيَّن، ويُفهَمُ من سابق كلام هذا البعض أنه بنى الكلامَ على أنَّ الأولَ هو الله
تعالى، والثاني الأصنام، ويقتضي تقريرهُ هناك عدم الحاجة إلى هذه المقدّمة
للعلم بها، وكونها مفروغاً عنها، فالوجه أنَّ التكرار لمزاوجة قوله تعالى: ﴿وَهُمْ
يُخْلَقُونَ ﴾﴾ وتُعقِّبَ بأنَّ المصرَّح به العمومُ في الموضعين، وأما التخصيصُ
فيهما بما ذُكر فلأنَّ مَنْ يخلقُ عندنا مخصوصٌ به تعالى في الخارج اختصاصَ
الكوكب النهاريِّ بالشمس، وإن عمَّ باعتبار مفهومه، ومَنْ لا يخلق وإن عمَّ ذهناً
وخارجاً، فتفسيره بمَنْ عبد لاقتضاء المقام له، ومقتضى التقرير ليس عدم الحاجة
إلى المقدِّمة، بل هو كونها في غاية الظهور بحيث لا يُحتاج إلى إثباتها، وهذا
مصحِّحُ لكونها جزءاً من الدليل، وإذا ظهر المرادُ بَطَلَ الإيراد.
ولعلَّ الأوجهَ في توجيه الذِّكر ما أشرنا إليه أولاً، وحيث إنه لا تَلازُمَ أصلاً بين
نفي الخالقية وبين المخلوقية أثبت ذلك لهم صريحاً على معنى: شأنهم أنهم
يخلقون؛ إذ المخلوقيةُ مقتضى ذواتهم؛ لأنها ممكنةٌ مفتقرةٌ في وجودها وبقائها إلى
الفاعل، وبناءُ الفعل للمفعول - كما قال بعضُ الأجلَّة - لتحقيق التَّضادِّ والمقابلة بين
ما أُثبت لهم وما نُفيَ عنهم من وَصْف الخالقية والمخلوقية، وللإيذان بعدم الحاجة
إلى بيان الفاعل، لظهور اختصاصٍ بفاعله جلَّ جلاله، ولعلَّ تقديمَ الضمير هنا
لمجرد التقوى، والمرادُ بالخَلْق منفيّاً ومُثْبتاً المعنى المتبادر منه.
(١) ما بين حاصرتين من حاشية الشهاب ٣٢٢/٥ والكلام منها.

الآية : ٢١
٧١
سُورَةُ الفَلِكَ
وجُوِّزَ أن يُرادَ من الثاني النحتُ والتصوير بناءً على أنَّ المرادَ من الذين يدعونهم
الأصنام، والتعبيرُ عنهم بما يُعبّر عنه عن العقلاء لمعاملتهم إياهم معاملتهم، والتعبيرُ
عن ذلك بالخَلْق لرعاية المشاكلة، وفي ذلك من الإيماء بمزيد ركاكة عقول المشركين
ما فيه، حيثُ أَشركوا بخالقهم مخلوقيهم، وإرادةُ هذا المعنى من الأول أيضاً ليست
بشيءٍ؛ إذ القدرةُ على مِثْل ذلك الخلق ليست مما يدور عليه استحقاقُ العبادة أصلاً .
وقرأ الجمهور بالتاء المثناة من فوق في ((تُسرُّون)) و((تعلنون)) و((تدعون)) وهي
قراءةُ مجاهدٍ والأعرج وشيبة وأبي جعفر وهُبيرة عن عاصم، وفي المشهور عنه أنه
قرأ بالياء آخر الحروف في الأخير وبالتاء في الأولين، وقُرئت الثلاثةُ بالياء في
روايةٍ عن أبي عمرو وحمزة (١)، وقرأ الأعمش: ((والله يعلم الذي تبدون وما تكتمون
والذين تدعون)) إلخ بالتاء من فوقٍ في الأفعال الثلاثة(٢)، وقرأ طلحة: ((ما تخفون
وما تعلنون)) و((تدعون)) بالتاء كذلك، وحملت القراءتان على التفسير
لمخالفتهما لسواد المصحف، وقرأ محمد اليمانيُّ: ((يُدعَون)) بضمِّ الياء وفتح العين
مبنيّاً للمفعول(٣)، أي: يدعونهم الكفَّارُ ويعبدونهم.
﴿أَمْوَتُّ﴾ خبرٌ ثانٍ للموصول، أو خبرُ مبتدأ محذوف، أي: هم أموات، وصرَّح
بذلك لما أنَّ إثباتَ المخلوقية لهم غيرُ مستَدعٍ لنفي الحياة عنهم، لما أنَّ بعضَ
المخلوقين أحياء، والمراد بالموت - على أن يكونَ المرادُ من المخبَر عنه
الأصنام - عدم الحياة بلا زيادة عمَّا من شأنه أن يكون حيّاً.
وقوله سبحانه: ﴿غيّرُ أَغْيَأٌٍ﴾ خبرٌ بعد خبرِ أيضاً، أو صفة ((أموات))، وفائدةٌ
ذِكْره التأكيدُ عند بعض، واختيرَ التأسيس، وذلك أنَّ بعضَ ما لا حياة فيه قد
تعتريه الحياةُ، كالنُّطفة، فجيءَ به للاحتراز عن مثل هذا البعض، فكأنه قيل: هم
أمواتٌ حالاً وغيرُ قابلين للحياة مآلاً، وجُوِّزَ أن يكونَ المراد من المخبَر عنه
بما ذكر ما يتناول جميعَ معبوداتهم من ذوي العقول وغيرهم، فيرتكب في
((أموات)) عمومُ المجاز ليشملَ ما كان له حياة ثم مات، كـ: عُزِير، أو سيموتُ
(١) التيسير ص ١٣٧، والنشر ٣٠٣/٢، والمحرر الوجيز ٣٨٥/٣، والبحر المحيط ٤٨٢/٥.
(٢) المحرر الوجيز ٣٨٥/٣.
(٣) الكشاف ٤٠٥/٢، والبحر المحيط ٤٨٢/٥.

سُورَةُ التَّحَتَ
٧٢
الآية : ٢١
كـ : عيسى والملائكة عليهم الصلاة والسلام، وما ليس من شأنه الحياة أصلاً
كالأصنام.
و ((غيرُ أحياء)) على هذا إذا فُسِّر بغير قابلين للحياة، يكون من وَصْفِ الكُلِّ
بصفة البعض، ليكون تأسيساً في الجملة، وإذا اعتُبر التأكيدُ فالأمرُ ظاهر، وجُوِّز أن
يُراد(١) من أولئك المعبودين الملائكة عليهم الصلاة والسلام، وكان أناسٌ من
المخاطبين يعبدونهم، ومعنى كونهم أمواتاً: أنهم لا بدَّ لهم من الموت، وكونهم غير
أحياء: غير تامة حياتهم، والحياةُ التامةُ هي الحياةُ الذاتيةُ التي لا يَرِدُ عليها
الموت، وجُوِّز في قراءة: ((والذين يدعون)) بالياء آخر الحروف أن يكونَ الأمواتُ
هم الداعين، وأُخبر عنهم بذلك تشبيهاً لهم بالأموات لكونهم ضُلَّالاً غير مهتدين،
ولا يخفى ما فيه من البعد.
﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيََّنَ بُبْعَثُونَ ﴾﴾ الضميرُ الأول للآلهة، والثاني لعبَدَتها،
والشعورُ العلم أو مباديه، وقال الراغب: يقال: شَعَرْتُ أي: أَصبتُ الشَّعَر، ومنه
استُعير: شَعَرْتُ كذا، أي: عَلِمتُ علماً في الدقَّة كإصابة الشعر، قيل: وسُمِّيَ
الشاعرُ شاعراً لفطنته ودِقَّة معرفته، ثم ذكر أنَّ المشاعرَ الحواسُّ، وأنَّ معنى
((لا تشعرون)) لا تُدركون بالحواسِّ، وأن لو قيل في كثيرٍ مما جاء فيه: ((لا تشعرون)):
لا تعقلون، لم يجز؛ إذ كثيرٌ مما لا يكون محسوساً يكون معقولاً (٢).
و((أيَّان)) عبارةٌ عن وقت الشيء، ويقارب معنى ((متى))، وأصله عند بعضهم:
أيُّ أوانٍ، أي: أيُّ وقت، فحذف الألف ثم جعل الواو ياءً وأدغم، وهو كما ترى.
وقرأ أبو عبد الرحمن: ((إيَّان)) بكسر الهمزةُ(٣)، وهي لغةُ قومه سُليم، والظاهر
أنه معمولٌ لـ ((يبعثون))، والجملة في موضع نصب بـ ((يشعرون)) لأنه معلَّقٌ عن
العمل، أي: ما يشعرُ أولئك الآلهةُ متى يُبعث عَبَدَتُهم، وهذا من باب التهكُم بهم
بناءً على إرادة الأصنام؛ لأنَّ شعورَ الجماد بالأمور الظاهرة بديهيّ الاستحالة عند
كلِّ أحدٍ، فكيف بما لا يعلمه إلا العليم الخبير.
(١) ليس في (م).
(٢) المفردات (شعر).
(٣) القراءات الشاذة ص ٧٢، والمحتسب ٩/٢.

الآية : ٢٢
٧٣
سُورَةُ الْحَة
وفي ((البحر)) أنَّ فيه تهكماً بالمشركين، وأنَّ آلهتهم لا يعلمون وقتَ بَعْثِهم
ليُجازوهم على عبادتهم إياهم(١). ولعلَّ هذا جارٍ على سائر الاحتمالات في
الآلهة، وفيه تنبيهٌ على أنَّ البعثَ من لوازم التكليف؛ لأنه للجزاء، والجزاء
للتكليف، فيكونُ هو له، وأنَّ معرفةَ وقته لابدَّ منه في الألوهية، وقيل: ضميرا
(يشعرون)) و((يبعثون)) للآلهة، ويلزمُ من نفي شعورهم بوقت بَعْئِهم نفيُّ شعورهم
بوقت بَعْثٍ عَبَدَتهم، وهو الذي يقتضيه الظاهر، ومَنْ جَوَّز أن يكونَ المرادُ من
الأموات الكَفَرة الضُّلَال(٢)، جَعَلَ ضميرَي الجمع هنا لهم، والكلامُ خارجٌ مخرجَ
الوعيد، أي: وما يشعر أولئك المشركون متى يُبعثون إلى التعذيب. وقيل: الكلامُ
تمَّ عند قوله تعالى: (وَمَا يَشْعُرُونَ)، و(أَيَّنَ يُبْعَثُونَ) ظرفٌ لقوله سبحانه: ﴿إِلَهَّكُمْ
إِلَهٌ وَعِدٌ﴾ على معنى أنَّ الإله واحدٌ يوم القيامة نظير: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الذِيْنِ﴾
[الفاتحة: ٤] قال أبو حيان: ولا يصحُّ هذا القولُ؛ لأنَّ ((أيَّان)) إذ ذاك تخرجُ عمَّا
استقرَّ فيها من كونها ظرفاً، إمّا استفهاماً أو شرطاً، وتتمخَّضُ للظرفية بمعنى:
وقت، مضافاً للجملة بعده نحو: وقتَ يقومُ زيدٌ أقومُ(٣). على أنَّ هذا التعلُّقَ في
نفسه خلافُ الظاهر، والظاهرُ أنَّ قوله سبحانه: (إِلَهُكُمْ) تصريحٌ بالمدَّعى،
وتلخيصٌ للنتيجة غِبَّ إقامة الحُجَّة.
﴿فَلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآلْآَخِرَةِ﴾ وأحوالها التي من جملتها البعثُ وما يعقبه من
الجزاء ﴿قُلُوبُهُم مُّنْكِرَةٌ﴾ للوحدانية جاحدةٌ لها، أو للآيات الدالة عليها ﴿وَهُم
◌ُسْتَكْبُونَ ﴾﴾ عن الاعتراف بها أو عن الآيات الدالة عليها، والفاءُ للإيذان بأنَّ
إصرارَهم على الإنكار واستمرارَهم على الاستكبار وَقَعَ موقعَ النتيجة للدلائل
الظاهرة والبراهين القطعية(٤)، فهي للسببية كما في قولك: أحسنتُ إلى زيدٍ فإنه
أحسنَ إليَّ، والمعنى أنه قد ثَبَتَ بما قُرِّرَ من الدلائل والحجج اختصاص الإلهية به
سبحانه، فكان من نتيجة ذلك إصرارهم على الإنكار، واستمرارهم على الاستكبار.
(١) البحر المحيط ٤٨٢/٥.
(٢) في الأصل: الضالين.
(٣) البحر المحيط ٤٨٣/٥.
(٤) في الأصل: العقلية.
.:

سُورَةُ الْحَلَ
٧٤
الآية : ٢٣
وبناءُ الحكم على الموصول للإشعار بعِلِّيَّةٍ ما في حَيِّز الصِّلة له، فإنَّ الكُفْر بالآخرة
وبما فيها من البعث والجزاء على الطاعة بالثواب وعلى المعصية بالعقاب يؤدِّي إلى
قَصْر النظر على العاجل، وعدم الالتفات إلى الدلائل الموجب لإنكارها وإنكار
مؤدّاها، والاستكبار عن اتباع الرسول عليه الصلاة والسلام والإيمان به،
وأما الإيمان بها وبما فيها فيدعو لا محالةً إلى الالتفات إلى الدلائل والتأمل فيها
رغبةً ورهبةً، فيُورثُ ذلك يقيناً بالوحدانية وخضوعاً لأمر الله تعالى. قاله بعض
المحققين.
ومن الناس من قال: المرادُ: وهم مستكبرونَ عن الإيمان برسول الله وَّل
واتِباعه، فيكونُ الإنكارُ إشارةً إلى كُفْرهم بالله تعالى، والاستكبارُ إشارةً إلى كُفْرهم
برسوله وَ﴾. والأول أظهر.
وإسنادُ الإنكار إلى القلوب؛ لأنها مَحلّه، وهو أبلغُ من إسناده إليهم، ولعلَّه
إنما لم يسلكْ في إسناد الاستكبار مثل ذلك؛ لأنه أثرٌ ظاهرٌ كما تشير إليه الآية
بَعْدُ، وقد قال بعض العلماء: كلُّ ذنبٍ يمكن التستُّر به وإخفاؤه إلا التكبُّر، فإنه
فِسْقٌ يلزمه الإعلان.
﴿لَا جَرَمَ﴾ أي: حقّ أو حقّاً ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ﴾ من الإنكار
يُعْلِنُونَ﴾ من الاستكبار، وقال يحيى بن سلام والنقاش: المراد هنا بما يُسرُّونَ
تشاورهم في دار النَّدوة في قَتْل النبيِّ عليه الصلاة والسلام، وهو كما ترى،
وأيّاً ما كان فالمرادُ من العلم بذلك الوعيدُ بالجزاء عليه، و((أنَّ) وما بعدها في
تأويل مصدرٍ مرفوع بـ ((لا جَرَم)) بناءً على ما ذهب إليه الخليل وسيبويه
والجمهور من أنها اسمٌ مركّبٌ مع ((لا)) تركيبَ خمسةَ عَشَر، وبعدَ التركيب صار
معناها معنى فعل وهو حقّ فهي مؤولةٌ بفعل. وأبو البقاء يؤوِّلها بمصدرٍ قائم
مقامه، وهو حقًّا، وقيل: مرفوعٌ بـ ((جَرَم)) نفسها على أنها فعلٌ ماضٍ بمعنى
ثَبَتَ وَوَجَبَ، و((لا)) نافيةٌ لكلامِ مقدَّر تكلّم به الكَفَرةُ، کقوله سبحانه:
أُقِيمُ﴾ [القيامة: ١] على وجه. وذهب الزجاج إلى أنه منصوبٌ على المفعولية
لـ (جَرَم)) على أنها فعلٌ أيضاً، لكن بمعنى كَسَبَ، وفاعلها مستترٌ يعودُ إلى
ما فُهم من السِّياق و((لا)) كما في القول السابق، وقيل: إنه خبر ((لا)) حُذِفَ منه

الآية : ٢٤
٧٥
سُؤَدَّةُ الْحَ
حرفُ الجَرِّ و(جَرَم)) اسمها، والمعنى: لا صدأ ولا منع في أنَّ الله يعلم .. إلخ،
وقد مرَّ تمامُ الكلام في ذلك(١).
وقرأ عيسى الثقفي: ((إنَّ) بكَسْر الهمزة على الاستئناف والقطع مما قبله على
ما قال أبو حيان، ونقل عن بعضهم أنه قد يغني ((لا جرم)) عن القسم تقول: لا جرم
الآتينَّك، وحينئذٍ فتكون الجملةُ جواب القسم (٢).
®﴾ أي: مطلقاً، ويدخل فيه من
﴿إِنَّهُ﴾ جلَّ جلاله ﴿لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكِْنَ
استكبر عن التوحيد أو عن الآيات الدالة عليه دخولاً أوليّاً، وجُوِّزَ أن يُراد به أولئك
المستكبرون، والأول أولى، وأيّاً ما كان فالاستفعال ليس للطّلب مثله فيما تقدم،
وجوِّز كونه عاماً مع حَمْل الاستفعال على ظاهره من الطَّلب، أي: لا يُحبُّ من
طَلَبَ الكِبْر فضلاً عمَّن اتَّصف به، وقد فرَّق الراغب بين الكِبْر والتكبُّر والاستكبار
بعد القول بأنها متقاربة(٣)، والحقُّ أنه قد يُستعملُ بعضُها موضعَ بعض، وسيأتي إن
شاء الله تعالى ذكرُ ذلك آنفاً، وأظنه قد تقدَّم أيضاً؛ والجملةُ تعليلٌ لما تضمَّنه
الكلامُ السابقُ من الوعيد، والمراد من نَفْي الحُبِّ الْبُغض، وهو عند البعض مؤوَّلٌ
بنحو الانتقام والتعذيب، والأخبارُ الناطقةُ بسوء حال المتكبِّر يوم القيامة كثيرةٌ
.تآ (٤)
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ أي: لأولئك المستكبرين، وهو بيانٌ لإضلالهم غِبّ بيان
ضلالهم، وقيل: الضمير لكفَّار قريش الذين كانوا - كما روي عن قتادة - يقعدونَ
بطريق مَنْ يغدو على النبيِّ وَّهِ لِيطَّلع على جَلَيَّةِ أمره، فإذا مرَّ بهم قال لهم: ﴿مَاذَآ
أَنْزَلَ رَّكُمْ﴾ على محمد عليه الصلاة والسلام؟ ﴿قَالُواْ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴾﴾(٥)
(١) عند الآية (٢٢) من سورة هود.
(٢) البحر المحيط ٤٨٣/٥. والقراءة في القراءات الشاذة ص ٧٢، والمحرر الوجيز ٣٨٧/٣.
(٣) المفردات (كبر).
(٤) منها ما أخرجه أحمد (٦٦٧٧)، والترمذي (٢٤٩٢) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن
جده أن النبي وَّر قال: ((يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذَّرِّ في صور الناس، يعلوهم
كل شيء من الصَّغار حتى يدخلوا سجناً في جهنم يقال له: بولس ... )) قال الترمذي:
حديث حسن صحيح.
(٥) تفسير ابن أبي حاتم ٧/ ٢٢٨١.

سُوَّةُ الْفَحَلِكَ
٧٦
الآية : ٢٤
أي: ما كتبه الأولون كما قالوا: ﴿أَكْتَتَبَهَا فَهِىَ تُمْلَى عَلَيْهِ﴾ [الفرقان: ٥] فالأساطير
جمع أسْطارٍ جمع سَطْر، فهو جَمْعُ الجمع؛ وقال المبرِّد: جمع أسطورة كأُرجوحة
وأراجيح، ومقصودهم من ذلك أنه لا تحقيق فيه، وقيل: القائل لهم بعضُ
المسلمين ليعلموا ما عندهم. وقيل: القائلُ بعضُهم على سبيل التهكُّم، وإلا فهو
لا يعتقدُ إنزالَ شيءٍ، ومثلُ هذا يقال في الجواب عن تسميته بالمنزَّل في الجواب
بناءً على تقدير المبتدأ فيه ذلك، ويجوز أن يسمُّوه بما ذكر على الفرض والتسليم
ليردُّوه كقوله: ﴿هَذَا رَبِ﴾ [الأنعام: ٧٧] وقيل: قدَّروه منزَّلاً مجاراةً ومشاكلة.
وفي ((الكشاف)) إنَّ ((ماذا)) منصوبٌ بـ ((أنزل)) أي: أيُّ شيءٍ أنزل ربُّكم؟ أو
مرفوعٌ بالابتداء بمعنى: أيُّ شيءٍ أنزله ربُّكم؟ فإذا نصبت فمعنى ((أساطير الأولين))
ما تدَّعونَ نزولَهُ ذلك، وإذا رفعتَ فالمعنى: المنزَّلُ ذلك، كقوله تعالى: ﴿مَاذَا
يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَّ﴾ [البقرة: ٢١٩] فيمن رفع(١).
وقد خفيَ تحقيقُ مرامه على بعض المحققين، فقد قال صاحب ((الفرائد)):
الوجه أن يكون مرفوعاً بالابتداء بدليل رفع ((أساطير)) فإنَّ جوابَ المرفوع مرفوعٌ
وجوابَ المنصوب منصوبٌ، ولم يقرأ أحدٌ هنا بالنصب.
وقال صاحب ((التقريب)): إنَّ في كلام الزمخشريِّ نظراً، وبيَّنه بما بيَّنه وأجاب
بما أجاب، وأطال الطَّيبيُّ الكلامَ في ذلك، وقد أجاد صاحب ((الكشف)) في هذا
المقام فقال: إنَّ قوله: أو مرفوعٌ بالابتداء بمعنى: أيّ شيءٍ أنزله؟ إيضاحٌ،
وإلا فالمعنى: ما الذي أنزله، على المصرَّح به في ((المفصل)) إذ لا وجه لحذف
الضمير من غير استطالة، مع أنَّ اللَّفظ يحتملُ النَّصْبَ والرفع احتمالاً سواء، وعلى
ذلك يلوحُ الفرقُ بين التقديرين ظهوراً بيِّناً، فإنَّ المنصوبَ وإن دلَّ على ثبوت أَصْل
الفعل، وأنَّ السؤال عن المفعول متقاعدٌ عن دلالة المرفوع، فقد عُلم أنَّ الجملة
التي تقعُ صلةً للموصول حقُّها أن تكونَ معلومةً للمخاطب، وأين الحكمُ المسلَّمُ
المعلوم من غيره، وإذا ثبتَ ذلك فليُعلم أنه على تقديرين لم يطابق به الجواب لقوله
في ﴿قَالُواْ خَيٌْ﴾ [النحل: ٣٠] طُوبق به الجواب، بخلاف ((أساطير)) وقوله هنا كقوله
تعالى: ﴿مَاذَا يُنفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢١٩] إلى آخره فيمن رَفَعَ تشبيه في العدول إلى
(١) الكشاف ٤٠٦/٢.

الآية : ٢٥
٧٧
سُؤَدَّةُ التّحََ
الرفع، لا وجهه، فإنَّ الجوابَ هنالك طبق السؤال بخلاف ما نحن فيه، وإنما قُدِّر:
ما تدَّعون نزوله، على تقدير النَّصب؛ لأنَّ السائلَ لم يكنْ معتقداً لإنزالٍ محقَّقٍ، بل
سُئل عن تعيين ما سَمِعَ نزولَه في الجملة، فيكفي في رَدِّه إلى الصَّواب ما تدَّعونَ
نزوله أساطير، وأما على تقدير الرفع، فلما دَلَّ على أنَّ الإنزالَ عنده محقَّقٌ مُسَلَّمٌ
لا نزاعَ فيه، وإنما السؤال عن التعيين للمنزَّل أُجيب بأنَّ ذلك المحقّق عندك أساطير
تهّماً؛ إذ من المعلوم أنَّ المنزَّلَ لا يكون أساطير، فبُولغ في رَدِّه إلى الصواب
بالتَّهُّم به، وأنه بتَّ الحكم بالتحقيق في غير موضعه، فأرى السائل أنه طُوبق ولم
يطابق في الحقيقة، بل بُولغ في الردِّ، ويشبه أن يكون الأولُ جواباً للسؤال فيما بينهم
أو الوافدين، والثاني جواباً عن سؤال المسلمين على ما ذكر من الاحتمالين
لا العكس على ما ◌ُنَّ، هذا هو الأشبهُ في تقرير قوله الموافق لما ذكره من بعد
على ما مرَّ.
وجعل ما ذكره هنالك وجهاً ثالثاً وأنه طُوبق به الجواب هاهنا، وتوجيه
اختلاف التقديرين ادِّعاءً ونزولاً بما مهَّدناه، وإن ذهب إليه الجمهور - تكلُّفٌ عنه
غنی.
وقرئ: ((أساطيرَ)) بالنَّصب كما نصَّ عليه أبو حيان وغيره(١)، فإنكارُ صاحب
(الفرائد)) من قلَّة الاطّلاع.
﴿لِيَحْمِلُوا﴾ متعلِّقٌ بـ ((قالوا)) كما هو الظاهر، أي: قالوا ذلك لأن يحملوا
﴿أَوْزَارَهُمْ﴾ أي: آثامهم الخاصة بهم، وهي آثامُ ضلالهم، وهو جَمْعُ وِزْرٍ، ويقال
للثّقْل تشبيهاً بوِزْر الجبل، ويُعبَّر بكلِّ منهما عن الإثم كما في هذه الآية، وقوله
تعالى ليحملوا أثقالهم ﴿كَامِلَةٌ﴾ لم ينقصْ منها شيءٌ، ولم يُكفّر بنحو نكبةٍ تصيبهم
في الدنيا أو طاعةٍ مقبولةٍ فيها كما تُكفّرُ بذلك أوزارُ المؤمنين، وقال الإمام: معنى
ذلك أنه لا يُخفَّفُ من عذابهم شيءٌ، بل يُوصَلُ إليهم بكُلَِّّته، وفيه دليلٌ على أنه
تعالى قد يُسقِطُ بعضَ العقاب عن المؤمنين؛ إذ لو كان هذا المعنى حاصلاً للكُلِّ لم
يكن لتخصيص هؤلاء الكفار به فائدة (٢).
(١) البحر المحيط ٤٨٤/٥، والإملاء ٤٤٤/٣.
(٢) تفسير الرازي ١٨/٢٠.

سُورَةُ المَحَلِ
٧٨
الآية : ٢٥
وحَمْلُ الأوزار مجازٌ عن العقاب عليها، وأخرج ابنُ جريرٍ عن زيد بن أسلم أنه
بلغه أنَّ الكافرَ يتمثَّل له عملُه في صورةٍ أقبح ما خلق الله تعالى وجهاً، وأنتتِهِ رِيحاً،
فيجلسُ إلى جَنْبه كلَّما أفزعه شيءٌ زاده، وكلَّما يخافُ شيئاً زاده خوفاً فيقول: بئسَ
الصاحبُ أنت، ومن أنت؟ فيقول: وما تعرفني؟ فيقول: لا. فيقول: أنا عملُكَ،
كان قبيحاً، فلذلك تراني قبيحاً، وكان مُنتناً، فلذلك تراني منتناً، طأطئ إليَّ
أَرْكَبْك، فطالما ركبتني في الدنيا. فيَركبُهُ، وهو قوله تعالى: (لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ
كَامِلَةٌ)(١).
﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ظرفٌ ليحملوا ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ﴾ أي: وبعض أوزار
مَنْ ضَلَّ بإضلالهم على معنى: ومثلُ بعض أوزارهم، فـ ((من)) تبعيضيةٌ؛ لأنَّ مقابلته
لقوله تعالى: ﴿كَامِلَةُ﴾ يُعيِّنُ ذلك.
والمراد بهذا البعض حِصَّةُ التسبُّب، فالمُضِلُّ والضَّالُّ شريكان، هذا يُضِلُّهُ
وهذا يطاوعه، فيتحاملان الوِزْرَ، وللضَّالِّ أوزارٌ غيرُ ذلك، وليست تلك محمولة،
وقال الأخفش: إنَّ (من)) زائدةٌ، أي: وأوزار الذين يُضلُّونهم، على معنى أنهم
يعاقبون عقاباً يكون مساوياً لعقاب كلِّ مَن اقتدى بهم، وإلى الزيادة ذهب
أبو البقاء(٢).
واعتُرض على التبعيض بأنه يقتضي أنَّ المُضِلَّ غيرُ حاملِ كلَّ أوزار الضَّالِّ،
وهو مخالفٌ للمأثور: ((مَنْ سَنَّ سُنَّةً سيِئةً فعليه وِزْرُها وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بها من غير أن
ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً))(٣). وفيه أنَّ المأثورَ يدلُّ على التبعيض، لا أنَّ
بينهما مخالفة كما لا يخفى، ولِتَوَهُّم هذه المخالفة قال الواحديُّ: إنَّ ((من))
للجنس، أي: ليحملوا من جنس أوزار الأتباع، وتعقَّبه أبو حيان بأنَّ ((من)) التي
لبيان الجنس لا تُقدَّر بما ذَكَر، وإنما تُقدَّرُ بقولنا: الأوزار التي هي أوزارُ الذين
يُضلُّونهم، فيؤول من حيثُ المعنى إلى قول الأخفش، وإن اختلفا في التقدير (٤).
(١) تفسير الطبري ٢٠١/١٤-٢٠٢.
(٢) الإملاء ٤٤٤/٣-٤٤٥.
(٣) أخرجه أحمد (١٩١٥٦)، ومسلم (١٠١٧) من حديث جرير بن عبد الله البجلي
(٤) البحر المحيط ٤٨٤/٥-٤٨٥.

الآية : ٢٥
٧٩
سُؤَةُ الْحَالِ
ولام ((ليحملوا)) للعاقبة، لأنَّ الحملَ مترتّبٌ على فِعْلهم، وليس باعثاً ولا غَرَضاً
لهم؛ وعن ابن عطية أنها تحتملُ أن تكونَ لام التعليل، ومتعلِّقة بفِعْلٍ مقدَّرٍ،
لا بـ (قالوا)) أي: قَدَّرَ صدورَ ذلك ليحملوا(١)، ويجيء حديثُ تعليل أفعال الله
تعالى بالأغراض، وأنت تدري أنَّ فيه خلافاً.
وجوَّز في ((البحر)) كونها لامَ الأمر الجازمة، على معنى أنَّ ذلك الحَمْلَ متحتِّمٌ
عليهم(٢). فيتمُّ الكلامُ عند قوله سبحانه: (أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ) والظاهرُ العاقبة،
وصيغةُ الاستقبال في «يُضلَّونهم) للدلالة على استمرار الإضلال، أو باعتبار حال
قولهم لا حال الحمل.
﴿ِغَيْرِ عِلْ﴾ حالٌ من المفعول، كأنه قيل: يُضِلُّون من لا يعلمُ أنهم ضُلَّالٌ على
الباطل، وفيه تنبيهٌ على أنَّ كَيدهم لا يروجُ على ذي لُبِّ، وإنما يُقلِّدهمُ الجَهَلةُ
الأغبياءُ، وفيه زيادةُ تعييرٍ لهم وذٌّ، إذ كان عليهم إرشادُ الجاهلين لا إضلالهم،
وقيل: إنه حالٌ من الفاعل، أي: يُضلُّون غير عالمين بأنَّ ما يدعون إليه طريق
الضلال، وقيل: المعنى حينئذٍ: يُضلُّون جهلاً منهم بما يستحقُّونه من العذاب
الشديد على ذلك الإضلال، ونُقل القولُ بالحاليَّةِ عن الفاعل بنحو هذا المعنى عن
الواحديٍّ، وزعم بعضُهم أنه الوجهُ لا الحالية من المفعول، وأَيِّدَ بأنَّ التذييلَ بقوله
تعالى: (أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ) وقوله سبحانه: (مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ) يقوِّیه، ولیس
بذاك، وما ذُكر ظَنٍّ من هذا المؤيِّد أنه إذا جُعل حالاً من المفعول لم يكن له تعلُّقٌ
بما سِيق له الكلام من حال المُضِلِّين، وقد هُدیت إلى وجهه.
ورجّحه أبو حيان بأنَّ المحدَّث عنه هو المسنَد إليه الإضلال على جهة
الفاعلية(٣). فاعتباره ذا الحالَ أولى، ويرد عليه مع ما يُعلَم مما ذُكر أنَّ القُرْبَ
يُعارضه، فلا يصلحُ مرجِّحاً.
وقيل: هو حالٌ من ضمير الفاعل في ((قالوا)) على معنى: قالوا ذلك غير
عالمين بأنهم يحملون يومَ القيامة أوزارَ الضَّلال والإضلال، وأيِّد بقوله تعالى:
(١) المحرر الوجيز ٣٨٧/٣.
(٢) البحر المحيط ٤٨٤/٥.
(٣) البحر المحيط ٤٨٥/٥.

سُورَةُ الفَحَكَ
٨٠
الآية : ٢٦
(وَأَتَدَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ) من حيث إنَّ حَمْلَ ما ذُكر من أوزار الضَّلال
والإضلال من قبيل إتيان العذاب من حيثُ لا يشعرون. ويردُّه أنَّ الحملَ المذكورَ
كما هو صريحُ الآية إنما هو يوم القيامة، والعذاب المذكور إنما هو العذاب
الدنيويُّ كما ستسمعه إن شاء الله تعالى. وجُوِّز أن يكون حالاً من الفاعل والمفعول
كما قال ذلك ابن جنِّي في قوله: ﴿فَأَتَتْ بِهِ، قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ [مريم: ٢٧] وهو خلافُ
الظاهر.
واستُدلَّ بالآية على أنَّ المقلِّد يجبُ عليه أن يبحثَ ويُميِّزَ بين المُحِقِّ والمبطل،
ولا يُعذَر بالجهل، وهو ظاهرٌ على ما قدَّمناه من الوجه الأوجه.
﴿أَلَ سَلَّةَ مَا يَزِرُونَ ﴾ أي: بئس شيئاً يزرونه ويرتكبونه من الإثم فِعْلهم
المذكور.
﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ وعيدٌ لهم برجوع غائلةِ مَكْرهم عليهم گَدَأُبٍ
مَنْ قبلَهم من الأُمم الخالية الذين أصابهم ما أصابهم من العذاب العاجلِ، والمكْرُ
صَرْفُ الغير عمَّا يقصِدُه بحيلةٍ، وهو ها هنا - على ما قيل - مجازٌ عن مباشرة أسبابه
وترتيب مقدِّماته؛ لأنَّ ما بعدُ يدلُّ على أنه لم يَحْصُلِ الصَّرْفُ، وجُوِّزَ أن يُرتَكَبَ فيه
التجريدُ، أي: سَوَّوا منصوباتٍ وحِيَلاً ليخدعوا بها رُسُلَ الله عليهم الصلاة
والسلام.
﴿فَنَ اللَّهُ بُنْيَنَهُم مِّنَ اٌلْقَوَاعِدِ﴾ أي: من جهة الدعائم والعُمُد التي بَنَوا
عليها، بأنْ ضُعْضِعَتْ، فـ (مِنْ)) ابتدائية، والبنيانُ اسمٌ مفرَدٌ مذكَّرٌ، ونقل الراغبُ
عن بعض اللُّغويين أنه جَمْعُ بُنيانةٍ، مثلُ شَعيرٍ وشَعِيرةٍ وتَمْرٍ وَتَمْرةٍ ونَخْلٍ ونَخْلةٍ،
وأنَّ هذا النحوَ من الجَمْعِ يَصِحُّ تذكيرهُ وتأنيثُهُ. وأصلُ الإتيان - كما قال - المجيءُ
بسهولةٍ(١). وهو مستحيلٌ بظاهره في حَقِّه سبحانه، ولذلك احتاجَ بعضُهم إلى تقدير
مضافٍ، أي: أَمْرُ الله تعالى، وروي ذلك عن قتادة(٢)، وجعل ذلك في ((الكشاف))
من قبيل: أتى عليه الدهر، بمعنى أهلكه وأفناه(٣). وحينئذٍ لا حاجة إلى تقدير
(١) المفردات (بنى) و(أتى).
(٢) تفسير الطبري ٢٠٥/١٤ .
(٣) الكشاف ٢/ ٤٠٧ بنحوه.