النص المفهرس

صفحات 1-20

ود
3
زوج المجـ
تَفِي القُآرالعَظِيم والسُّنْع المثَابِّ
تأليف
شِهَابُ الدِّينُ أبُ الثَّنَاءِ
◌َجٌمُؤَدِبْن عَبْدُاللَّهُ الأَلُوُسيْ الْبُعْدَادِيّ
(١٢١٧ - ١٢٧٠هـ)
حقّقَة هَذَا الجزء
زهَيْ القَاسِِّم
سَاهُمْ في تحقيقه
فوازْ الشَهْدَانِي مَكَّامِ الصّفّائْ وامحمّد عَبدالعَطَلَة قَ تَابَرُ الخَالِيْ
ملحقة
ومحمّد مُعْتزكريثم الّين
المجلد الرابع عشر
مؤسسة الرسالة

:
3
一

تُفُ الْمَعَانِى
في
تَفِ القرآن العظيم والَِنْ المَثَاني
(١٤)

جَمِيعُ الحقوق محفوظَة لِلْنَاشِرُ
الطّبعة الأولىْ
١٤٣١ هـ / ٢٠١٠م
مؤسسة الرسالة
للطبَاعَة وَالنَّشْرِ وَالتّوزيع
بيروت - وعلى المصيطبة - شارع حبيب أبي شهلا - مبنى المسكن
هاتف: ٨١٥١١٢ - ٣١٩٠٣٩ فاكس: ٨١٨٦١٥ - ص.ب .: ١١٧٤٦٠ بيروت - لبنان
BEIRUT/LEBANON-TELEFAX: 815112-319039-818615 - P.O.BOX: 117460
Web Location: Http://www.resalah.com - E-mail: resalah@resalah.com
Al-Resalah
Publishing House

سُورَةُ الْحَلِّ
وتُسَمَّى كما أخرج ابن أبي حاتم سورةَ النِّعَم (١)، قال ابن الفَرَس: لِمَا عَدَّد الله
تعالى فيها من النِّعَم على عباده.
وأطلق جَمِعٌ القولَ بأنها مَكِّية؛ وأخرج ذلك ابن مردويه(٢) عن ابن عباس
وابنِ الزُّبِير ◌ِ﴿ه. وأخرج النخَّاسُ من طريق مجاهدٍ عن الحِبر أنها نزلت بمكةً
سوى ثلاثٍ آياتٍ من آخرها فإنَّهنَّ نزلن بين مكةً والمدينة في مُنصَرَف
رسول الله رَجُ من أُحُدٍ (٣). وفي روايةٍ عنه: إنها كلَّها مَكِّيةٌ إلا قولَه تعالى:
﴿وَلَا تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنَّا قَلِيلًا﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾
[الآيات: ٩٥ -٩٧].
ورَوى أُميَّةُ الأَزْدِيُّ(٤) عن جابر بن زيد أنَّ أربعين آيةً منها نزلت بمكَّةً وبقيّتها
نزلت بالمدينة .
وهي مئةٌ وثمانٌ وعشرون آيةً، قال الطَّبرسيُّ وغيرُه: بلا خلافٍ(٥). والذي ذَكَرَه
الدَّانِيُّ في كتاب ((العدَد)»(٦) أنها تسعون وثلاث. وقيل: أربعٌ. وقيل: خمسٌ في
سائر المصاحف.
(١) تفسير ابن أبي حاتم ٢٢٩٥/٧، عن قتادة.
(٢) كما في الدر المنثور ١٠٩/٤.
(٣) الناسخ والمنسوخ ٤٨٤/٢.
(٤) هو: أُمَيَّةُ بن زيد الأزدي البصري، ذكره ابن حبّان في الثقات ٦/ ٧٠، وقال الحافظ في
التقريب: مقبول.
(٥) مجمع البيان ٤٨/٤.
(٦) كما في حاشية الشهاب ٣٠٩/٥، والكلام منه.

سُوَّةُ الْفَحَالَِ
٦
الآية : ١
وتحتوي من المنسوخ، قيل: على أربع آياتٍ بإجماع، وعلى آيةٍ واحدةٍ (١)
مختَلَفٍ فيها، وسيظهَرُ لك حقيقةُ الأمر في ذلك إن شاء الله تعالى.
ولمَّا ذُكِرَ في آخِرِ السورة السابقة المستهزؤون المُكَذِّبون لَهُ وَِّ ابتُدىَ هنا بعدَ
قوله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بقوله عزَّ وجلَّ: ﴿أَفَ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعِْلُهُ﴾ المناسِبِ لذلك على ما ذَكَرَ غيرُ
واحدٍ في معناه وسببٍ نزوله، وفي ((البحر))(٢) في بيان وجه الارتباط أنه تعالى لمَّا
قال: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢] كان ذلك تنبيهاً على حَشرهم يومَ
القيامة، وسؤالهم عمَّا فَعَلوه في الدنيا، فقيلَ: ﴿أَفَ أَمْرُ اللَّهِ﴾، فإنَّ المُرادَ به - على
قول الجمهور - يومُ القيامة.
وذَكَرَ الجلال السُّيُوطِيُّ (٣) أنَّ آخِرَ ((الحِجْرِ)) شديدةُ الالتِئام بأوَّل هذه السورة؛
الذي هو مُفَسَّرٌ بالموت
٩٩
فإنَّ قولَه سبحانه: ﴿وَأَعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْنِيَكَ الْيَقِينُ
ظاهرُ المناسَبةِ بقوله سبحانه هنا: (أَقَ أَمْرُ اللَّهِ)، وانظر كيف جاء في المُتقدِّمة
(يأتيك)) بلفظ المضارع، وفي المُتأخِّرة ((أتى)) بلفظ الماضي؛ لأن المستقبَلَ سابقٌ
على الماضي كمَا تَقَرَّر في محلِّه.
والأمرُ: واحدُ الأمُور، وتفسيره بيوم القيامة كما في ((البحر))(٤)، وفُسِّر بما يَعُمُّهُ
وغيرَهُ من نُزول العذاب الموعود للكفرة.
وعن ابن جُرَيجِ تفسيرُه بنزول العذاب فقط، فقال: المراد بالأمر هنا ما وَعَدَ الله
تعالى نبيَّهِ وَلِهِ من النصر والظّفر على الأعداءِ، والانتقام منهم بالقتل والسبي ونهبٍ
الأموال، والاستيلاء على المنازل والديار.
(١) بعدها في (م): على.
(٢) ٥/ ٤٧٢ .
(٣) في تناسق الدرر في تناسب السور ص٦٢ .
(٤) ٥/ ٤٧٢، ووقع في (م): كما قال في البحر.

الآية : ١
٧
سُؤَدَّةُ الفحم
وأخرج ابن جريرٍ وغيرُه عن الضَحَّاك أنَّ المراد به الأحكامُ والحدودُ
والفرائضُ(١). وكأنَّه حَمَلَه على ما هو أحدُ الأوامر، وفيما ذَكَرَه بُعْدٌ، إذ لم يُنْقَل
عن أحدٍ أنَّه استعجَلَ فرائضَ الله تعالى وحدودَه سبحانه.
والتعبيرُ عن ذلك بأمر الله؛ للتهويلِ والتفخيمِ، وفيه إيذانٌ بأنَّ تَحقُّقه في نفسه
وإتيانَه منُوظٌ بحُكْمِه تعالى النافذِ، وقضائه الغالب.
وإتيانُه عبارةٌ عن دُنوّه واقترابه على طريقة نظم المتُوَقَّع في سلك الواقع. وجُوِّزَ
أنْ يكونَ المرادُ إتيانَ مبادیه، فالماضي باقٍ على حقيقته، ولعلَّ ما أخرجه ابن
مردويه(٢) من طريق الضخَّاكِ عن ابن عباس ﴾ أنَّه فَسَّر الأمرَ بخروج النبيِّ وَليه
مُؤيِّدٌ لِمَا ذُكِرَ.
وبعضُهم أبقى الفِعلَ على معناه الحقيقيّ، وزعَم أنَّ المعنى: أتى أمرُ الله وَعداً
فلا تستعجلوه وُقوعاً، وهو ما ترى.
وظاهرُ صنيع الكثير يُشعِر باختيار أنَّ الماضي بمعنى المضارع على طريق
الاستعارة، بتشبيه المستقبَل المُتحقّق بالماضي في تحقَّق الوقوع، والقَرينةُ عليه قولُه
سبحانه: [﴿فَلَا تَسْتَعِْلُ﴾](٣) فإِنَّه لو وَقَعَ ما استُعْجِلَ. وهو الذي يَميلُ إليه القلبُ.
والضميرُ المنصوبُ في ((تستعجلوه)) على ما هو الظاهِرُ عائدٌ على الأمر؛ لأنَّه
هو المُحَدَّثُ عنه. وقيل: يعود على الله سبحانه، أي: فلا تستعجلوا الله تعالى
بالعذاب، أو: بإتيان يوم القيامة، كقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعِْلُونَكَ بِلْعَذَابِ﴾ [الحج: ٤٧]،
وهو خلاف الظاهر، لكنْ قيلَ: إنَّ ذلك أوفقُ بما بَعدُ.
والخطابُ للكفرة خاصةً، ويدلُّ عليه قراءةُ ابن ◌ُبَير: ((فلا يستعجلوه))(٤) على
صيغة نهي الغائب، واستعجالُهُم وإنْ كان بطريق الاستِهزاء لكنَّه حُمِلَ على
الحقيقة، ونُهُوا بضَربٍ من الثَّهَكُم، لا مَعَ المؤمنين، سواءٌ أُريدَ بأمر الله تعالی
(١) تفسير الطبري ١٤/ ١٥٨ .
(٢) كما في الدر المنثور ١٠٩/٤.
(٣) ليست في الأصل و(م)، والمثبت من حاشية الشهاب ٣٠٩/٥، والكلام منه.
(٤) القراءات الشاذة ص ٧٢، والبحر ٥/ ٤٧٢ .

سُورَةُ الْحَ
٨
الآية : ١
ما قَدَّمْنا أو العذابُ الموعودُ للكفرة خاصةً؛ أمَّا الأولُ: فلأنَّه لا يُتصَوَّر من
المؤمنين استعجالُ الساعة(١) أو ما يعمُّها من العذاب حتى يعمَّهم النهيُّ عنه.
وأما الثاني: فلأنَّ الاستعجالَ من المؤمنين حقيقةٌ، ومن الكفرة استهزاءٌ،
فلا ينتظمهما(٢) صيغةٌ واحدة. والالتجاءُ إلى إرادة معنَى مجازيٍّ يعمُّهما معاً من
غير أن يكون هناك نكتةٌ سرِّيَّةٌ تعَشُّفٌ لا يليقُ بشأن التنزيل.
واذَّعى بعضُهم عمومَ الخطاب، واستدلَّ بما رُوي عن ابن عباس ◌ًَّا أنَّه لمَّا
نزل قوله تعالى: ﴿أَقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: ١]، قال الكفارُ فيما بينهم: إن هذا
يزعُم أنَّ القيامة قد قَرُبتْ، فأمسِكوا عن بعض ما تعملون حتى تنظروا(٣) ما هو
كائن، فلما تأخّرت قالوا: ما نرى شيئاً، فنزلت: ﴿أَقْرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾
[الأنبياء: ١] فأشفَقوا وانتظروا قُربَها، فلما امتدَّت الأيام قالوا: يا محمد، ما نرى
شيئاً مما تُخَوِّفنا به، فنزلت: (أَنَ أَمْرُ اللَّهِ)، فوثب ◌َّ فرفع الناسُ رؤوسهم،
فلما نزل: (فَلَا تَسْتَعِْلُوَةُ) اطمأنُّوا، ثم قال ◌َِّ: ((بُعْثتُ أنا والساعةُ كهاتَين - وأشارَ
بأصبَعَيه - إنْ كادَتْ لتَسبِقُني))(٤)، ولا دلالةَ فيه على ذلك؛ لأنَّ مناطَ اطمئنانهم
إنما هو وقوفُهم على أنَّ المراد بالإتيان هو الإتيان الادِّعَائيُّ لا الحقيقيُّ الموجِبُ
لاستحالة الاستعجال المستَلزِمةِ لامتناع النهي عنه، لِمَا أنَّ النهي عن الشيء
يقتضي إمكانَه في الجملة، ومدارُ ذلك الوقوف إنما هو النهيُ عن الاستعجالِ
المستَلزِمِ لإمكانِه المقتضي عدمَ وقوعِ المستعجَل(٥) بعدُ، ولا يَختلفُ ذلك
باختلاف المستعجل كائناً مَن كان، بل فيه دلالةٌ واضحة على عدم العموم؛ لأنَّ
(١) جاء في هامش (م): قال تعالى: ﴿يَسْتَعِْلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ [الشورى: ١٨]. اهـ
منه .
(٢) في (م): ينظمهما، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٩٤/٥، والكلام منه.
(٣) في الأصل: تنتظروا.
(٤) الخبر ذكره البغوي في تفسيره ٦١/٣، والواحدي في أسباب النزول ص ٢٨٣، وابن
الجوزي في زاد المسير ٤٢٦/٤، والقرطبي في تفسيره ٢٦٧/١٢. وقوله وَله: (( بُعثتُ أنا
والساعةُ كهاتين)) أخرجه أحمد (١٢٢٤٥)، والبخاري (٦٥٠٤)، ومسلم (٢٩٥١) من حديث
أنس څ، وأخرجه البخاري (٦٥٠٥) من حديث أبي هريرة ﴾﴾.
(٥) في الأصل و(م): المستحيل، والمثبت من تفسير أبي السعود ٩٤/٥، والكلام منه.

الآية : ١
٩
سُورَةُ الْحَلّ
المرادَ بأمر الله إنما هو الساعةُ، وصدورُ استعجالِها عن المؤمنين مستحيلٌ. نعم
يَجوز تخصيصُ الخِطاب بهم على تقدير كونِ أمر الله تعالى العذاب الموعود
للكفرة خاصةً، لكن الذي يقضي به الإعجازُ التنزيليُّ أنه خاصٌّ بالكفرة. كذا قاله
أبو السعود(١).
وبحث فیه من وجوه:
أما أوَّلاً: فلأنَّ الذي لا يُتصوَّر من المؤمنين الاستعجالُ بمعنى طلب
الوقوع عاجلاً، لا عَدُّهُ عاجلاً، وسياقُ ما روي يدل على الأخير فإنه لما سمعوا
صدر الكلام حملوه على الظاهر فاضطربوا، فقيل لهم: (فَلاَ تَسْتَعِْلُوءُ) أي:
لا تعدُّوه عاجلاً، على أن عدمَ تَصَوُّر المعنى الأول أيضاً منهم في حَيِّز المنع،
لجواز أن يَستعجلوه لِتَشفِّي صدورهم وإذهابٍ غيظٍ قلوبهم والاستهزاءِ بهم
والضحك منهم.
وأما ثانياً: فلأنَّ الجمعَ بين الحقيقة والمجاز لعلَّه مذهبُ ذلك القائل.
وأما ثالثاً: فلأنَّ القولَ بكون القراءة (٢) على صيغة نهي الغائب دالةً على أَن
الخطابَ مخصوصٌ بالكفرة ممنوعٌ، والسند ظاهرٌ.
وأما رابعاً: فلأن نفيَ دلالة ما رُوي على عموم الخطاب غيرُ مُوَجَّهٍ لعموم لفظ
الناس.
وأما خامساً: فلأن قوله: بل فيه دلالةٌ واضحة على عدم العموم لأن المراد
بأمر الله تعالى إنما هو الساعة .. إلى آخره، يرد عليه أنه لا دلالة فيه أصلاً على
عدم العموم فضلاً أن تكونَ واضحةً. وقد عرفت ما في قوله: وقد عرفت.
وأما سادساً: فلأن حصرَه المرادَ بالأمر في الساعة مخالفٌ لما ذَكَره في تفسير
قوله: (أَفَ أَمْرُ اللَّهِ)، حيث قال: أي: الساعة أو ما يعمُّها وغيرها من العذاب، فبعد
هذا التصريح كيف يدَّعي ذلك الحصر؟ !. وفي بعض الأبحاث نَظَرٌ.
(١) في تفسيره ٥/ ٩٤ -٩٥ .
(٢) في الأصل: القرآن.

الآية : ١
١٠
سُورَةُ الْحَت
وقال بعضُ الفضلاء: قد يقال: إن المرادَ بالناس في الخبَر المؤمنون؛ لما في
خبرٍ آخَر أخرجه ابن مردويه(١) عن الحبر قال: لما نزلت (أَقَ أَمْرُ الِّ) ذُعِر أصحابُ
رسول اللهِ وَ﴿، حتى نزلت: (فَلَا تَسْتَعِْلُوةٌ) فسَكَنوا. وهذا أيضاً - على
ما قيل - لا يقتضي كونَ الخطاب للمؤمنين، لجواز أن يُقال: إنهم لما سَمِعوا أولَ
الآية ذُعروا واضطربوا لِظَنِّ أنه وَقَعَ، فلمَّا سمِعوا خطابَ الكفرة بقوله سبحانه: (فَلَاَ
تَسْتَعْسِلُوءُ) اطمأنَّت قلوبُهم وسكنوا.
وقد يُورَدُ على دعوى أنَّ صُدورَ استعجالِ الساعة من المؤمنين مستحيلٌ أنَّ ذلك
حقٌّ لو كان استعجالهُم على ◌ِرْز استعجال الكفرة لها، وليس ذلك بِمُسَلَّم؛ فإنه
يَجوز أن يُرادَ باستعجالهم اضطرابُهم وتهيُّؤُهم لها المُنْزَلُ منزلةَ الاستعجالِ
الحقيقيّ.
واستُدلَّ على كون الخطاب للكفرة بقوله سبحانه وتعالى: ﴿سُبْحَنَهُ وَتَعَلَى عَمَّا
يُشْرِكُونَ ﴾﴾، فإنه على ذلك التقدير يظهرُ ارتباطُه بما قَبلَه؛ وذلك بأن يقال
حينئذٍ: لمَّا كان استعجالُهم ذلك من نتائج إشراكِهم المُسْتَتْبِعِ لنسبةِ اللهِ تعالى إلى
ما لا يليق به سبحانه من العجز والاحتياج إلى الغير، واعتقادهم أن أحداً يحجُزه
عن إمضاء وعيده أو إنجاز وعدِه، قيل: بطريق الاستئناف ذلك، على معنى: تَنَزَّه
وتقدَّسَ بذاته، وجَلَّ عن إشراكِهم المؤدِّي إلى صدور أمثال هذه الأباطيل عنهم، أو
عن أن يكونَ له شريكٌ فيدفَعَ مَا أراد بهم بوجهٍ من الوجوه، وقد كانوا يقولون على
ما في بعض الروايات: إن صَحَّ مجيءُ ذلك فالأصنامُ تُخلِّصنا عنه بشفاعتها لنا .
والتعبيرُ بالمضارع، للدلالة على تَجَدُّد إشراكهم واستمراره، والالتفاتُ إلى
الغَيبة؛ للإيذان باقتضاء ذِكْر قبائحهم للإعراضِ عنهم، وطرحِهم عن رُتبةِ الخطاب،
وحكايةٍ شنائعهم للغَير، وهذا لا يتَأتَّى على تقديرٍ تخصيص الخطاب بالمؤمنين،
وقيل في وجه الارتباط على ذلك التقدير: إنه تعالى لما نهاهم عن الاستعجال ذَكَر
ما يتَضمَّن أنَّ إنذارَه سبحانه وإخبارَه تعالى للتخويف والإرشاد، وأنَّ قوله جلَّ
وعلا: (أَفَ أَمْرُ اللَّهِ) إنما هو لذلك، فيستَعِدَّ كلُّ أحدٍ لِمَعَاده ويشتغلَ قبلَ السفر بتهيئة
(١) كما في الدر المنثور ١٠٩/٤، وأسباب النزول للسيوطي ص ٢٢٠.

الآية : ٢
١١
سُورَةُ الْحَالِ
زاده، فلذلك عَقَّبَ بذلك دونَ عطفٍ. وقد أشار بعضُهم إلى ارتباط ذلك باعتبار
ما بعده، فيكون ما ذُكِر مقدِّمةً واستفتاحاً له. وأيضاً فإن قولَه تعالى: (أَفَ أَمْرُ اللَّهِ)
تنبيهٌ وإيقاظ لما يَرِدُ بعدَه مِن أدلَّةِ التوحيد(١). اهـ.
وأنتَ تَعلم أن الارتباطَ - على ما قُرِّر أولاً - لا يَظْهَر (٢) منه على هذا التقرير،
فانهم.
ثم إن ((ما)) تحتمل الموصوليةَ والمصدريةَ، والاحتمال الثاني أظهرُ، ولا بُدَّ
على الاحتمال الأول من اعتبار ما أشرنا إليه، وإلا فلا يظهرُ التنزيهُ عن الشريك.
وقرأ حمزةُ والكسائيُّ: ((تُشْرِكُونَ))(٣) بتاء الخطاب على وفق: ((فلا تستعجلوه))،
وقرأ باقي السبعة والأعرجُ وأبو جعفر وأبو رجاء والحسن بياء الغيبة(٤)، وقد تقدَّم
أنَّ في الكلام حينئذٍ التفاتاً، وهو مَبنيٌّ على أنَّ الخطابَ السابقَ للكفرة، أما إذا كان
للمؤمنين، أو لهم وللكفرة فلا يَتَّحِد معنى الضميرَين حتى يكون التفاتاً، ولا التفات
أيضاً على قراءة: (تشركون)) بالتاء، سواء كان الخطاب الأول للكفرة أو لهم
وللمؤمنين. نَعَم في ذلك على تقدير عموم الخطاب تغليبان على ما قيل، الأول:
تَغليبُ المؤمنين على غيرهم في الخطاب. والثاني: تَغليبُ غيرهم عليهم في نسبة
الشِّرك. وعلى قراءة: ((يستعجلوه)) و((يشركون)) - بالتحتيَّة فيهما - لا التفات
ولا تغليب.
﴿يَُزِّلُ الْمَئِكَةَ﴾ قيل: هو إشارةٌ إلى طريق عِلْم الرسولِ وَّه بإتيان ما أُوْعِدَ به
وباقترابه، إزاحةً لاستبعادِ اختصاصِه عليه الصلاة والسلام بذلك.
وقال في ((الكشف)): التحقيق أنَّ قوله سبحانه: (أَفَ أَمْرُ الَِّ) تنبيهٌ وإيقاظ،
ليكون ما يَرِدُ بعدَه مُمَكَّناً في نَفْسٍ حاضرةٍ مُلقِيَةٍ إليه، وهو تمهيدٌ لما يَردُ من دلائل
التوحيد. وقولُه تعالى: (يَزِّلُ الْمَلَئِكَةَ) إلخ، تَفصيلٌ لما أُجْمِل في قوله: (سُبْحَانَهُ.
وَتَعَلَى) أَيقظَ أوَّلاً، ثم نَعى عليهم ما هم فيه من الشرك، ثم أردَفَه بدلائل السمع
(١) حاشية الشهاب ٣١٠/٥.
(٢) في (م): أظهر.
(٣) التيسير ص ١٢١، والنشر ٢٨٢/٢.
(٤) التيسير ص ١٢١، والنشر ٢٨٢/٢، والبحر ٤٧٢/٥، والمحرر الوجيز ٣٧٨/٣.

الآية : ٢
١٢
سُؤَّةُ الْحَ
والعقل، وقدَّم السمعيَّ؛ لأن صاحبَه هو القائمُ بتحرير العقليّ وتهذيبِه أيضاً، فليس
النظر إلى دليل السمع بل إلى مَن قامَ به من الملائكة والرُّسل عليهم السلام، وهم
القائمون بالأمرَينِ جميعاً، فافهم. وأخذُ سيبويه منه أن جعل ((ینزل)) حالاً من ضمير
(يشركون)) لا يُطابق المقام البنَّةَ. انتهى.
وما ذَكَره من أمر الحاليَّة إشارةٌ إلى الاعتراض على شيخه العلامة الطّبيِّ حيث
جعَل ذلك أحَد احتمالَين في الجملة، ثانيهما: كونها مستأنفةً، وهو الظاهر،
وما أشار إليه من وجه الرَّبط وادّعى أنه التحقيق لا يخلو عمَّا هو خلاف المُتبادر.
والتعبيرُ بصيغة الاستقبال؛ للإشارة إلى أن التنزيل عادة مستمرة له تعالى.
والمراد بالملائكة عند الجمهور جبريلُ عليه السلام، ويسمَّى الواحد
بالجمع - كما قال الواحديُّ(١) - إذا كان رئيساً، وعند بعضٍ هو عليه السلام ومن
معه من حَفَظة الوحي.
وقَرَأَ ابنُ كَثير وأبو عمرو: ((يُنْزِلُ)) مخفَّفاً من الإنزال(٢)، وزيدُ بنُ عليٍّ
والأعمش وأبو بكر: ((تُنَزَّلُ))(٣) مشدّداً مبنيّاً للمفعول، و((الملائكةُ)) بالرفع على أنه
نائب الفاعل(٤)، والجَحدريُّ كذلك إلا أنه خفَّف(٥)، وأبو العالية والأعرج
والمفضَّل عن عاصم: ((تَنَزَّلُ)) بتاء فوقيَّة مفتوحة وتشديد الزاي مبنياً للفاعل(٦)، وقد
حُذف منه أحد التاءينِ وأصله ((تَتَنَزَّلُ))، وابنُ أبي عَبْلة: ((نُنَزِّلُ)) بنون العظَمة
والتشديد، وقتادةُ بالنون والتخفيف، وفي هاتين القراءتين كما في ((البحر))(٧)
التفات.
(١) ونقله عنه الرازي ٢١٩/١٩، وأبو السعود ٩٥/٥.
-
(٢) وهي أيضاً قراءة رويس، التيسير ص ٧٥، والنشر ٣٠٢/٢.
(٣) في الأصل و(م): ينزل. بالياء، وهو تصحيف؛ لأن كتب القراءات اتفقت على نقلها عن
هؤلاء القُرَّاء بالتاء المثناة من فوق، وكذلك هي في البحر المحيط ٤٧٣/٥ وعنه نقل
المصنّف.
(٤) النشر ٣٠٢/٢.
(٥) أي: بلفظ: تُنْزَلُ، البحر ٤٧٣/٥، والدر المصون ١٨٨/٧.
(٦) وهي أيضاً قراءة يعقوب في رواية روح. النشر ٣٠٢/٢.
(٧) ٥/ ٤٧٣ والقراءات السالفة فيه.

الآية : ٢
١٣
سُوَّةُ الْحَالِ
﴿يَالرُّوح﴾ أي: الوحي، كما أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن
عباس(١). ويدخُل في ذلك القرآن. ورُوي عن الضخَّاك والرَّبيع بن أنس الاقتصارُ
عليه .
وأيّاً ما كان فإطلاق ((الروح)) على ذلك بطريق الاستعارة المصرّحة المحقّقة،
ووجه الشَّبَه أنَّ الوحي يُحيي القلوبَ الميتة بداء الجهل والضلال، أو أنه يكون به
قِوَامُ الدِّين كما أن بالروح يكونُ قِوَامُ البَدَن، ويَلزَمُ ذلك استعارةٌ مَكْنِيَّة وتَخييلية؛
وهي تشبيه الجهل والضلال بالموت وضِدٍّ ذلك بالحياة، أو تشبيه الدِّين بإنسان ذي
جسد وروح، وهذا كما إذا قلتَ: رأيتُ بحراً يغتَرِف الناس منه وشمساً
يستضيئون(٢) بها. فإنه يتضمَّن تشبيهَ عِلم الممدوح بالماء العظيم والنور الساطع،
لكنه جاءَ مِن عَرَضٍٍ، فليس كـ: أظفار المَنِيَّةُ(٣)، وليس غيرَ كونِه استعارةً مصرّحة،
وجعل ذلك في ((الكشِف)) من قَبيل الاستعارة بالكناية، وليس بذاك.
والباء متعلّقة بالفعل السابق أو بما هو حال من مفعوله، أي: يُنَزِّل الملائكةَ
مُلَتَبِسين بالروح.
وقوله سبحانه: ﴿مِنْ أَمْرِهِ،﴾ بيان للروح المرادِ به الوحي، والأمر بمعنى
الشأن، واحدُ الأمور، ولا يُخرِج ذلك الروحَ من الاستعارة إلى التشبيه، كما قيل
في قوله تعالى: ﴿حَّ يَتَبَيَّنَ لَكُ الْغَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ اَلْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:
١٨٧]؛ لِمَا قالوا: من أن بينهما بَوناً بعيداً؛ لأن نفسَ الفجر - عين المُشَبَّه (٤) - شُبِّهَ
بِخيطٍ، وليس مُظْلَقُ الأمر بالمعنى السابق مُشَبَّهاً به، ولذا بُيِّنَتْ به الروحُ الحقيقيةُ
في قوله تعالى: ﴿قُلِ الزُِّحُ مِنْ أَمْرِ رَبِ﴾ [الإسراء: ٨٥] كما تُبَيَّنُ به المجازيةُ، ولو
قيل: يُلقي أمرَه الذي هو الروح، لم يَخرج عن الاستعارة، فليس وِزَانُ ((من أمره))
(١) تفسير الطبري ١٦٢/١٤، والدر المنثور ١١٠/٤.
(٢) في (م) والأصل: يستغيثون، والمثبت من حاشية الشهاب ٣١٠/٥، والكلام منه.
(٣) يُشير إلى قول أبي ذُؤَيْب الهُذَليّ:
وإذا المَنِيَّةُ أَنْشَبَتْ أَظْفارَها أَلْفَيْتَ كُلَّ تَمِيْمَةٍ لا تَنْفَعُ
شرح أشعار الهُذَليين ٨/١.
(٤) بعدها في الأصل: به. والمثبت من (م) وحاشية الشهاب ٣١٠/٥، والكلام منه.

سُؤَةُ المَحَلِ
١٤
الآية : ٢
وِزانَ ((من الفجر))، وليس كلُّ بيانٍ مانعاً من الاستعارة؛ كما يُتَوَهَّم من كلام
المحقّق في ((شرح التلخيص)).
وجُوِّزَ أن يكون الجارُّ والمجرور متعلقاً بمحذوفٍ وقَع حالاً من الروح، على
معنى: حال كونه ناشئاً ومبتدأً منه، أو صفةً له على رأي من جوَّز حذف الموصول
مع بعض صلته؛ أي: بالروح الكائن من أمره، أو متعلقاً بـ ((يُنَزِّل))، و((من)) سبيّة أو
تعليليَّة، أي(١): ينزِّل الملائكةَ بسبب أمره أو لأجله. و((الأمر)) - على هذا - واحد
الأوامر، وعلى ما قبله قيل: فيه احتمالان.
وذهب بعضُهم إلى أن ((الروح)) هو جبريل عليه السلام وأيَّده بقوله تعالى: ﴿نَزَلَ
◌ِ الزُُّعُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] وجعل الباء بمعنى (مع)).
أما أنَّ الروح خَلْقٌ من خَلق الله تعالى كصُوَر بَنِي آدَمَ لا ينزِل
وعن ابن عباس
من ((السماء)» مَلَك إلا ومعه واحد منهم، ورُوي ذلك عن ابن جُرَیج، وعليه حَمَل
بعضُهم ما في الآية هنا، وتعقَّب ذلك ابنُ عطية بأن هذا قول ضعيف لم يأتِ له
سَنَد يُعَوَّل عليه(٢) .
وأضعفُ منه بل لا يكاد يُقْدِمُ عليه في الآية أحَدٌ ما رُوي عن مجاهد أنَّ المرادَ
بالروح أرواحُ الخلائق(٣) لا ينزِل ملَك إلا ومعه رُوح من تلك الأرواح.
﴿عَلَ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِ﴾ أي: أنْ ينزِّل عليهم لا لاختصاصِهم بصفاتٍ تؤهّلُهم
لذلك.
والآيةُ دليلٌ على أنَّ النُّبُوَّةَ عطائيَّةٌ كما هو المذهبُ الحقّ، ويُرَدُّ بها أيضاً على
بعض المتصوفة القائلين: بأنه لا حاجةَ للخَلق إلى إرسال الرسُلِ عليهم السلام،
قالوا: الرُّسلُ سوى اللهِ تعالى، وكلُّ ما سواه سبحانه حِجابٌ عنه جلَّ شأنه،
فالرُّسل حجابٌ عنه تعالى، وكلُّ ما هو حجابٌ لا حاجةَ للخَلق إليه، فالرسُلُ
لا حاجةَ إليهم!
(١) في الأصل و(م): أو. والصواب ما أثبتناه.
(٢) المحرر الوجيز ٣٧٨/٣.
(٣) في (م) والبحر ٤٧٣/٥: الخَلق.

الآية : ٢
١٥
سُورَةُ الْحَالِ
وهذا جهل ظاهر، ولعَمْري إنه زَندقةٌ وإلحاد، وفسادُه مثلُ كونه زندقةً في
الظُّهور، ويكفي في ذلك منعُ الكُبرى القائلةِ: بأنَّ كلَّ ما سواه سبحانه .. إلخ، فإنَّ
الرسلَ وسيلةٌ إلى اللهِ تعالى، والوصول إليه عزَّ وجلَّ لا حِجابٌ، وهل يقبل ذو عقلٍ
أنَّ نائبَ السلطان في بلاده حِجَابٌ عنه؟! وهَبْ هذا القائل أمكَنَه الوصولُ إليه
سبحانه بلا واسطةٍ بقوّة الرياضة والاستعداد والقابلية، فالسَّوَاد الأعظمُ الذين
لا يُمْكنُهم ما أمگنَه کیف یصنعون؟!
وممَّن يَنتَظِم في سِلك هؤلاء الملحدين البراهمةُ، فإنهم أيضاً نفَوا النبوَّةَ،
لكنَّهم استدلُّوا بأنَّ العقلَ كافٍ فيما ينبغي أنْ يستعمِلَه المكلَّفُ، فيأتي بالحَسَن،
ويجتنبُ القبيحَ، ويحتاطُ في المشتَبه بفعلٍ أو تركٍ، فالأنبياء عليهم السلام إما أن
يأتوا بما يوافقُ العقلَ فلا حاجةَ معه إليهم، أو بما يخالفُه فلا التفّاتَ إليهم.
وجوابُه: أنَّ هذا مبنيٌّ على القول بالحُسْن والقُبْح العقليّين، وقد رُفِعت الأقلامُ
وجفَّت الصحفُ، وتمَّ الأمر في إبطاله، وعلى تقدير تسليمه لا نُسلِّم أنَّ العقلَ
يستَقِلُّ بجميع ما ينبغي، ولا نُسَلِّم أيضاً أنهم إنْ جاؤُوا بما يوافق العقلَ لا حاجةً
إليهم، لجواز أنْ يُعَرِّفوا المكلَّفَ بعضَ ما يخفَى عليه ممَّا ينبغي له، أو يُؤَكِّدوا
حُكْمَه بحكمهم، ودليلان أقوى من دليلٍ، ولا نُسلِّم أيضاً أنهم إنْ جاؤوا بما يخالف
العقلَ لا يُلتَفَتُ إليهم، لجواز أن يخالفوه فيما يَخفَى عليه، على أنَّ ذلك فَرْض
مُحال؛ لإجماع الناس على أنَّ الشرعَ لا يأتي بخلاف العقل في نفس الأمر،
وإنَّما يأتي بما يَقْصُرُ عن إدراكهِ بنفسه، كوجوب صومِ آخرِ يوم من رمضانَ،
وحرمةِ صوم أوَّل يومٍ من شؤَّال، وتَمَام الكلام في ذلك يُطَلَب من مُحلِّه.
﴿أَنْ أَنْذِرُواْ﴾ بدل من الروح، على أنَّ ((أَنْ)) هي التي من شأنها أنْ تنصبَ
المضارِعَ وُصِلَتْ بالأمر كما وُصلت به في قولهم: كتبتُ إليه بأن قُمْ، ولا ضَيْر في
ذلك كما حُقِّق في موضعه. أي: يُنَزِّلهم ملتَبِسين بطلب الإنذار منهم.
وجَوَّز ابنُ عطية(١) وأبو البقاء(٢) وصاحب ((الغنيان))(٣) كونَ ((أَنْ)) مفسِّرةً؛
(١) المحرر الوجيز ٣٧٨/٣.
(٢) إملاء ما مَنَّ به الرحمن ٤٣٨/٣.
(٣) كما نقله عنه في البحر ٤٧٣/٥ .

سُورَةُ الْفَحَلِ
١٦
الآية : ٢
فلا موضعَ لها من الإعراب، وذلك لِمَا في تنزيل الملائكة بالوحي من معنى القول،
كأنه قيلَ: يقول بواسطة الملائكة لِمنَ يشاء من عباده: أنْ أنذروا، وجوَّز
الزمخشريُّ ذلك وكونَ ((أنْ)) المخفَّفة من الثقيلة(١) وأمر البدلية على حالِه، قال:
والتقديرُ بأنَّه أنذروا؛ أي: بأنَّ الشأنَ أقولُ لكم: أنذروا (٢).
وتعقّبه أبو حيان بأنَّ جَعْلها مخفَّفةً وإضمارَ اسمها - وهو ضميرُ الشأن - وتقديرَ
القول حتى يكونَ الخبرُ جملةً خبريةٌ = تكلُّفٌ لا حاجةَ إليه، مع سهولة جَعلِها
الشأنيَّة(٣) التي من شأنها نصبُ المضارع.
وفيه بَحثٌ؛ ففي ((الكشف)): أنَّ تحقيقَ وصلِ الأمر بهذا الحرف - ناصبةً كانت
أو مخفَّفةً - وإضمار القول قد سَلَف، إنَّما الكلامُ في إيثارِ المخفَّفةِ ها هنا وفي
(يونس)) (٤)، والناصبة في ((نوح))(٥)، وهي الأصل لقلَّة التقدير؛ وذلك لأنَّ مقامَ
المبالغة يقتضي إيثارَ المخفَّفة، ولهذا جُعل بدلاً، والمبدَلُ منه ما عرفتَ شأنَهُ،
وكذلك في ((يونس)) معناه: اعجَبُوا من هذا الأمر المحقَّق وهو أنَّ الشأنَ كذا،
وأما في (نوح)) فكلام ابتدائيٌّ، وجعلُهم فائدةَ القول أنْ لا يقعَ الطلبيُّ خبراً مِن
ضِيْقِ العَطَن، فذلك في ضمير الشأن غيرُ مُسَلَّم؛ لأنه مثَّحِدٌ بما بعدَه، وهو
كما تقول: كلامي: اضرب زيداً. انتهى.
وقُرِئَ: (لِيُنْذِرُوا))(٦).
والإنذارُ: الإعلامُ كما قيلَ، خَلَا أنه مختَصِّ بإعلام المحذور؛ أي: أَعلِمُوا:
﴿أَنَّهُ، لَآَ إِلَهَ إِلَّ أَنَا﴾، فالضمير للشأن، وهو من خلاف مقتضَى الظاهر، وفائدةٌ
(١) في (م): المثقلة.
(٢) الكشاف ٢/ ٤٠٠ .
(٣) في الأصل و(م): الثنائية، والمثبت من البحر ٤٧٤/٥، والكلام منه.
(٤) يعني قولَه تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَاً إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشْرِ الَّذِينَ ءَامَنُوا أَنَّ
لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَيْهِمْ﴾ [يونس: ٢].
(٥) يعني قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَزْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ: أَنْ أَنَذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْنِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
[نوح: ١].
(٦) قرأ بها الأعمش، البحر ٤٧٤/٥، والمحرر الوجيز ٣٧٨/٣.

الآية : ٢
١٧
سُورَةُ الْحَلِ
تصدير الجملة به الإيذانُ من أول الأمر بفخامة مضمونها، مع ما في ذلك من زيادة
تقرير في الذهن.
و((أنَّ) وما بعدها في موضع المفعول الثاني لـ: (أَنْذِرُوا))(١) دونَ تقدير جارٍّ
فيه، والمفعولُ الأولُ محذوفٌ، والمرادُ العمومُ أي: أَعْلِموا الناس أنَّ الشأنَ
الخطيرَ هذا، ووجهُ إنباءِ مضمونِه عن المحذور بأنه ليس لذاته بل من حيثُ اتصاف
المنذَرين بما يضادُّه من الإشراك، ولا يُشتَرَط تَحقُّقُ المحذورِ - كالاتصاف المذكور
بالفعل - في تحقّق ماهيةِ الإنذار، وإنْ أبيتَ إلا الاشتراطَ فتحقَّقُ الاتصاف في
بعض أفراد المنذَرين - لاسِيما الأكثر بالفعل - كافٍ.
وقال الراغب: الإنذارُ: إخبارٌ فيه تخويفٌ، كما أنَّ التبشيرَ إخبار فيه
سُرور (٢).
وهو قريب مما تقدَّم، ومحصَّلُه ـ على العبارتين - التخويفُ، ومن هنا جوَّز
بعضُهم تفسيرَه بذلك، وقَدَّر المفعولَ الأولَ خاصّاً، و((أنَّ) وما بعدها في موضع
المفعول الثاني بتقدير الجارِّ، أي: خَوِّفوا أهلَ الكفر والمعاصي بأنَّ الشأن الخطير
هذا، وذلك كما جوَّز تفسيرَه بالإعلام، وجعَل المفعولَ الأول عامّاً ولم يُقَدِّر جَارّاً
في الثاني، وذكر أنَّ ذلك أصلُ معناه، وأنَّ تخصيصَهِ بإعلام المحذور طارئٌّ، فإنْ
أُريدَ ذلك الأصلُ كان تعلُّقُه بما بعدَه ظاهراً غايةَ الظهور، وإنْ أُريدَ غيرُه احتاجَ إلى
التوجيه .
وقد علمتَهُ فيما إذا كان المفعول الأول عامّاً، والأمرُ فيما إذا كان خاصّاً بعدَ
ذلك أظهرُ من أنْ يُذكر.
وذكر بعضُ الفضلاء أنَّ الثابتَ في اللغة: أنَّ نَذِرَ (٣) بالشيء - كفَرِحَ
به - [عَلِمَه](٤) فَحَذِره، وأنذَرَه إذا أعلَمه بما يَحذَرُه، وليس فيها مجيئُه بمعنى
(١) في الأصل: لأَعلموا.
(٢) المفردات (نَذَر).
(٣) في الأصل: أنذر.
(٤) ليست في الأصل و(م)، والمثبت من تفسير أبي السعود ٩٦/٥، وحاشية الشهاب ٣١٠/٥،
والكلام منه.

سُوَّةُ الْحَلَّ
١٨
الآية : ٢
التخويف، فأصله الإعلام مع التخويف، فاستعملوه بكلِّ من جُزأَي معنّيَيه الإعلامِ
والتخويف. انتهى.
وفيه غَفلة عمَّا أشرنا إليه، وكأنه لهذا قيل: إنه لم يأتِ بشيءٍ يُعْتَدُّ به.
﴿فَتَّقُونِ ﴾﴾ جعله أبو السعود خطاباً للمستعجلين على طريقة الالتفات،
والفاء فصيحة؛ أي: إذا كان الأمر كما ذكر - من جَرَیان عادته تعالى بتنزيل
الملائكة على مَن يشاءُ تنزيلَهم عليه من عباده وأَمْرِ المنزلِ عليهم بأن يُنذِروا الناسَ
بأنه تعالى لا شريك له في الألوهية - فاتقونٍ في الإخلالِ بمضمونِه، ومباشرةٍ
ما يُنافيه وفروعه التي من جملتها الاستعجالُ والاستهزاء (١). انتهى.
وهو على ما يقتضيه الظاهرُ مبنيٌّ على ما مال إليه من اختصاص الخطاب
السابق بالكفرة، وجعَل بعضُهم هذا الخطابَ رجوعاً أيضاً إلى خطاب قريش، لكنه
مُتَفرِّعٌ على التوحيد، ووجهُ تفرُّعِه عليه: أنه سبحانه وتعالى إذا كان واحداً لم
يُتَصَوَّر تخليصُ أحَدٍ لأحدٍ من عذابه إذا أراد ذلك، ولم يجوِّز جعله من جملة
الموحَى به، على معنى: أعلِمُوهم قولي: أنَّ الشأن لا إله إلا أنا فاتقون، أو:
خوّفوهم بذلك، مُعلِّلاً بأنه لو كان ذلك لقيل: ((إنَّ) بالكسر لا بالفتح.
وتُعُقِّب بمنع اللزوم؛ فإن ((إنَّ) ليست بعد قولٍ صريحٍ أو مقدَّرٍ، وإنَّما ذكروا
ذلك في بيان المعنى لتصويرِه.
واختِيْرَ أنه إذا كان الإنذارُ بمعنى التخويف فالظاهرُ دخولُ هذا الأمر في المنذَر
به؛ لأنه هو المنذَر به في الحقيقة، وهو المقصودُ بالذكر، وإذا كان بمعنى الإعلام
فالمقصودُ بالإعلام هو الجملةُ الأولى، وهو متفرِّعٌ عليها على طريق الالتفات.
ولا يخلو عن مناقشةٍ؛ فتأمَّلْ.
والذي يميل إليه القلبُ: أن المجموعَ داخلٌ في حيِّز الإنذار، وهو مشتَمِلٌ على
التوحيد الذي هو منتهى كمال القوَّة العِلْمية، والأمرِ بالتقوى التي هي أقصى كمال
القوَّة العَمَلية، فإن النفوسَ البشريةَ لها نِسبةٌ إلى عالم الغيب، تستَعِدُّ بها لقَبُول
الصُّوَر والتَّحَلِّي بالمعارف والإدراكات من ذلك العالم، ونسبةٌ إلى عالم الشهادة،
(١) تفسير أبي السعود ٩٦/٥.

الآية : ٣
١٩
سُورَةُ الْحَكِ
تستَعِدُّ بها لأن تتصرَّف في أجسام هذا العالم، ويُسمَّى استعدادُها الحاصلُ لها
باعتبار النسبة الأولى: قوَّةً نَظَريةً، واستعدادُها باعتبار النسبة الثانية: قوَّةً عَمَليةً،
وأشرفُ كمالات القوَّةِ النظريةِ معرفةُ أن لا إله إلا الله تعالى، وأشرفُ كمالات
القوَّة العملية الإتيانُ بالأعمال الصالحة الواقية عن خِزي يوم القيامة.
وقدَّم قولَه تعالى: (لَا إِلَهَ إِلَّ أَنَأ) على قوله سبحانه: (فَأَتَّقُونِ)؛ للإشارة إلى
أن ما يستَنِد إلى القوَّة النظرية أعلى كمالاً مما يستَنِد إلى القوَّة العملية، والكمالُ
الإنسانيُّ باعتبار هاتَين القوَّتين يُسمَّى كمالاً نفسانياً، وله كمالاتٌ أُخَرُ هي: كمالاتُه
البدنية وقواه الحيوانية، وقد فُصِّل ذلك في موضعه.
ثم إنه تعالى شَرَع في تحرير الدلائل العقلية الدالّة على توحيده الذي هو
المقصد الأعظم من بعثة الرسل عليهم السلام؛ فقال عزَّ قائلاً: ﴿خَلَقَ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضَ بِآلْحَقِّ﴾ .
وذكر بعضُ المحقّقين أنه تعالى شأنه وعَظُم برهانه قد استوفى أدلةَ التوحيدِ
واتصافٍ ذاته الكريمة بصفات الجلال والإكرام على أسلوبٍ بديع، جَمَع فيه بين
دلالة المصنوع على الصانع والنعمةِ على المُنْعِم، ونَبَّهَ على أن كلَّ واحدٍ يكفي
صارفاً للمشركين عَمَّا هُمْ فيه من الشرك، وعليه مَدَارُ السورة الكريمة؛ كُلَّمَا بَصَّرَهم
طائفةً من البصائر ضَمَّنها تبكيتَهم وكفرانَهم نعمتَي الرِّعاية والهداية.
وانظر إلى فاتحته ثم إلى خاتمته في قوله سبحانه: (وَأَصْبِرْ) إلى آخر السورة،
بَيِنْ لكَ (١) بعضُ ما ضُمِّن الكتابُ الكريمُ من أسرار البلاغة وأنوار الإعجاز.
والمرادُ بالسماوات والأرض: إما هذه الأجرامُ والأجسام المعلومةُ، وإما جهةُ
العلوِّ والسُّفل.
أي: أوجدَ ذلك ملتبساً بما يحقُّ له بمقتضى الحكمة، فيدلُّ على صانعٍ حيٍّ
عالمٍ قادرٍ مريدٍ مُنْفَرِدٍ بالألوهية والربوبية، وإلَّا لَزِمَ إمكانُ التمانُعِ المستَلْزِمُ لإمكانِ
المحالِ، حسبما بُيِّنَ في علم الكلام، ولذا عقَّبَ هذا بقوله تعالى: ﴿تَعَلَى عَمَّا
يُشْرِكُنَ ﴾﴾.
(١) في (م): بين لك، و: لك. ليست في الأصل.

الآية : ٤
٢٠
سُؤَدَّةُ الْفَحَلِّ
وقرأ الأعمش: ((فتعالى)) بالفاء(١). و((ما)) يحتمل أن تكون مصدريةً، أي:
تعالى وتقدَّس بذاته وأفعاله عن إشراكهم، وأن تكون موصولةً، على معنى: تعالى
عن شِركَةٍ ما يُشرِكُونه من الباطل الذي لا يُبدئُ ولا يُعيد، واستُدِلَّ بالآية على أنه
تعالى ليس من قبيل الأجرام والأجسام كما يقوله المجسِّمةُ، ووجهُ ذلك: أنها تدلُّ
على احتياج الأجرام والأجسام إلى خالق(٢) سبحانه وتعالى لا يُجانسها؛ وإلَّ
لاحتاج إليه فلا يكون خالقاً. وبإرادة الجهتَين يكون وجهُ الدلالة من الآية أظهر.
وقرأ الكسائيُّ: ((تُشْرِكُونَ)) بالتاءِ(٣).
﴿خَلَقَ الْإِسَنَ﴾ أي: هذا النوع، غير الفَرد الأول منه ﴿مِن نُطْفَةٍ﴾ أصلُها
الماء الصافي، ويُعَبَّرُ بها عن ماءِ الرَّجُلِ، أي: أوجدَه من جَمادٍ لا حسَّ له
ولا حراكَ، سَيَّالٍ لا يَحْفَظ شكلاً ولا وَضعاً.
﴿فَإِذَا هُوَ﴾ بعد الخَلْقِ من ذلك ﴿خَصِيمٌ﴾ مِنْطِيقٌ مجادِل عن نفسه، مكافِحٌ
للخُصُومِ. وهو صيغةُ مبالَغةٍ، وقال الواحديُّ: بمعنى مخاصم (٤). وفَعيل بمعنى
مُفَاعِل معروفٌ عندهم، كالنَسيب بمعنى المناسِب، والخليط بمعنى المخالِط،
والعَشير بمعنى المعاشِر.
﴿قُبِينٌ ﴾﴾ مُظْهِرٌ للحُجَّة لَقِنٌّ بها. وقيل: المعنى: أوجده من ذلك فإذا هو
خَصيمٌ لخالقه سبحانه، مُنْكِر لعظيم قدرته، قائل: ﴿مَن يُخِ الْعِظَمَ وَهِىَ رَمِيمٌ﴾
[يس: ٧٨]. والأوَّلُ أنسبُ بمقام الامتنان بإعطاء القدرة على الاستدلال بذلك على
قدرتهِ جلَّ جلالُه ووحدته.
وبَيَّنَ الإمامُ وجهَ الاستدلال؛ فقال - بعدَ أنْ زعمَ أن الإنسان في الشَّرف بعد
الأفلاك والكواكب، وأشار إلى أنه لذلك عَقَّب الاستدلالَ بخَلق تلك بالاستدلالِ
بِخَلقه -: اعلَمْ أن الإنسانَ مركّبٌ مِن نَفْسٍ وبَدَن، وصَدْرُ الآية إشارةٌ إلى الاستدلال
(١) البحر ٤٧٤/٥، والمحرر الوجيز ٣٧٩/٣.
(٢) بعدها في الأصل: فهو.
(٣) التيسير ص ١٢١، والنشر ٢٨٢/٢.
(٤) التفسير الوسيط ٥٦/٣.