النص المفهرس

صفحات 501-520

الآية : ٥٣
٥٠١
سُورَةُ الِعُ
سلاماً من السلامة، أو سلَّمنا سلاماً من التحية، وقيل: هو نعتٌ لمصدر محذوفٍ
تقديرُه: فقالوا قولاً سلاماً.
﴾ أي خائفون، فإنَّ الوجلَ اضطرابُ النفس لتوقّع
﴿قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ
٥٢
مكروه، وقوله عليه السلام هذا كان - عند غير واحدٍ - بعد أنْ قرَّب إليهم العجلَ
الحنيذَ فلم يأكلُوا منه، وكان العادةُ أنَّ الضيفَ إذا لم يأكل مما يقدَّم له، ظنُّوا أنَّه لم
يجئ بخير. وقيل: كان عند ابتداء دخولهم حيث دخلُوا عليه عليه الصلاة والسلام
بغير إذنٍ وفي وقتٍ لا يُطرق في مثله، وتُعقِّب بأنَّه لو كان كذلك لأجابوا حينئذٍ
بما أجابوا به، ولم يكن عليه السلام ليقرِّب إليهم الطعام، وأيضاً قوله تعالى: ﴿فَلَمَا
رَءَّا أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةٌ﴾ [هود: ٧٠] ظاهرٌ فيما تقدَّم،
ولعلَّ هذا التصريحَ كان بعد الإیجاس.
وقيل: يحتملُ أنْ يكونَ القول هنا مجازاً بأنْ يكونَ قد ظهرت عليه عليه الصلاة
والسلام مخايلُ الخوفِ، حتى صار كالقائل المصرّح به، وإنَّما لم يُذكر هنا تقریبُ
الطعام؛ اكتفاءً بذكره في غير هذا الموضع، كما لم يُذكر ردُّه عليه السلام السلامَ
عليهم؛ لذلك، وقد تقدَّم ما ينفعك هنا مفضَّلاً في ((هود))(١) فتذكّره.
﴿قَالُواْ لَا نَوَجَلْ﴾ لا تخف، وقرأ الحسن: ((لا تُوجَل)) بضمِّ التاء(٢) مبنيًّا
للمفعول من الإيجال، وقرئ: ((لا تُواجَل))(٣) مِن واجَلَه بمعنى أَوْجَلَه،
و: ((لا تَاجَل)) بإبدال الواو ألفاً (٤) كما قالوا: تابة في توبة.
﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ﴾ استئنافٌ في معنى التعليل للنهي عن الوجل، فإن المبَشَّر لا يكادُ
يحومُ حولَ ساحته خوفٌ ولا حزنٌ، كيف لا وهي بشارةٌ ببقائه وبقاءِ أهله في عافيةٍ
وسلامةٍ زماناً طويلاً.
(١) الآية رقم (٧٠).
(٢) القراءات الشاذة ص ٧١، والمحتسب ٤/٢ .
(٣) قرأ بها أصحاب عبد الله كما في القراءات الشاذة ص ٧١، والبحر المحيط ٤٥٨/٥.
(٤) نسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٧١ لأبي معاذ، ووردت في البحر المحيط
٤٥٨/٥ دون نسبة.

سُورَةُ الإِجْر
٥٠٢
الآية : ٥٤
﴿يِغُلَمٍ﴾ هو إسحاق عليه السلام؛ لأنَّه قد صُرِّح به في موضع آخرَ، وقد جعل
سبحانه البشارةَ هنا لإبراهيمَ، وفي آيةٍ أخرى لا مرأته (١)، ولكلٍّ وَجهةٌ، ولعلَّها هنا
كونُها أوفقَ بإنباء العربِ عما وقَعَ لجدِّهم الأعلى عليه السلام، ولعلَّه سبحانه لم
يتعرَّض ببشارة يعقوبَ؛ اكتفاءً بما ذكر في سورة هود.
ه ذي علم كثير، قيل:
٥٣
والتنوينُ للتعظيم، أي: بغلامٍ عظيمٍ القدر ﴿عَلِيمٍ
أُريدَ بذلك الإشارةُ إلى أنَّه يكونَ نبيًّا، فَهو على حدٍّ قوله تعالى: ﴿وَبَثِّرْنَهُ بِسْطَقَ
نِيًّا﴾ [الصافات: ١١٢].
﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِ﴾ بذلك ﴿عَّ أَنْ مَسَّنِىَ الْكِبَرُ﴾ وَأَثَّرَ فيَّ، والاستفهام للتعجُّب،
و((على)) بمعنى ((مع)) مثلُها في قوله تعالى: ﴿وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] على
أحد القولين في الضمير، والجارُّ والمجرور في موضع الحال، فيكونُ قد تعجّب
عليه السلام من بشارتهم إياه مع هذه الحال المنافية لذلك.
ويجوزُ أنْ يكونَ الاستفهامُ للإنكار، و((على)) على ما سمعت بمعنى أنَّه لا ينبغي
أنْ تكونَ البشارةُ مع الحال المذكورة.
وزَعَمَ بعضُ المنتمين إلى أهل العلم أنَّ الأَوْلَى جعْلُ ((على)) بمعنى ((في)) مثلُها
في قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ اٌلْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ﴾ [القصص: ١٥] وقوله سبحانه:
﴿وَاتَّبَعُواْ مَا تَثْلُواْ الشَّيَطِيْنُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَنَّ﴾ [البقرة: ١٠٢] لوجهين: الاستغناءِ عن
التقدير، وكونِ المصاحبة لصدقها بأوَّل المسِّ لا تُنافي البشارة. وهو لَعمري ضربٌ
من الهذيان كما لا يخفى على إنسان.
أي: فبأيٌّ أُعجوبةٍ
٥٤
ثم إنَّه عليه السلام زادَ في ذلك فقال: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (
تُبشِّرون، أو بأيِّ شيءٍ تُبشّرون، فإنَّ البشارةَ بما لا يقعُ عادةً بشارةٌ بغير شيءٍ.
وجوِّز أنْ تكونَ الباء للملابسة، والاستفهامُ سؤالٌ عن الوجه والطريقةِ، أي:
تبشرون ملتبسين بأيِّ طريقةٍ؟! ولا طريقَ لذلك في العادة.
وقرأ الأعرج: ((بشرتموني)) بغير همزةِ الاستفهام، وابن محيصن: ((الكُبْر)) بضمِّ
(١) في سورة هود آية (٧١).

الآية : ٥٥
٥٠٣
سُورَةُ الِحْرُ
الكاف وسكون الباء(١). وقرأ ابنُ كثير بكسر النونِ مشدّدةً بدون ياءٍ على إدغام نونِ
الجمع في نون الوقاية والاكتفاء بالكسرة عن الياء. وقرأ نافع بكسر النون
مخففةً(٢)، واعترضَ على ذلك أبو حاتم بأنَّ مثله لا يكونُ إلا في الشعر(٣)، وهو
مما لا يُلتَفَتُ إليه، وخرِّج على حذف نونِ الرفع كما هو مذهبُ سيبويه (٤)؛ استثقالاً
لاجتماع المثلَين ودلالةً بإبقاء نون الوقايةِ على الياء.
وقيل: حُذِفَت نونُ الوقاية وكُسرَت نون الرفع وحُذفت الياء اجتزاءً بالكسرة،
وحذفها كذلك كثيرٌ فصيحٌ. وقد قرئ به في مواضعَ عديدةٍ (٥)، ورُجِّح الأول؛ بقلَّة
المؤونة، واحتمالُ عدم حذفِ نونٍ في هذه القراءةِ بأنْ يكون اكتُفيَ بكسر نون الرفع
من أوَّل الأمر، خلافُ المنقول في كتب النحو والتصريف، وإنْ ذهب إليه بعضُهم.
وقرأ الحسن كابن كثير إلا أنَّه أثبتَ الياء(٦). وباقي السبعة يقرؤون بفتح
النون(٧)، وهي نونُ الرفع.
﴿قَالُواْ بَشَّرْنَكَ بِالْحَقِّ﴾ أي: بالأمر المحقَّق لا محالةَ، أو باليقين الذي لا لَبْسَ
فيه، أو بطريقة هي حقٌّ، وهو أمرُ مَن له الأمرُ، القادر على خلق الولد من غير
أبوین، فکیف بإيجاده من شيخ وعجوز.
﴿فَلَا تَكُن مِّنَ الْقَيِطِينَ ﴾﴾ أي: الآيسين من خرق العادة لك، فإنَّ ظهورَ
الخوارق على يد الأنبياء عليهم السلام كثيرٌ حتى لا يعدّ بالنسبة إليهم مخالفاً
للعادة، وكأنَّ مقصدَه عليه السلام استعظامُ نعمته تعالى عليه في ضمن التعجُّب
العادي المبنيٌّ على سنة الله تعالى المسلوكة فيما بين عباده جلَّ وعلا، لا استبعادُ
ذلك بالنسبة إلى قدرته جلَّ جلاله، فإنَّه عليه السلام بل النبيّ مطلقاً أجلُّ قدراً من
(١) المحرر الوجيز ٣٦٥/٣، والبحر المحيط ٤٥٨/٥.
(٢) التيسير ص ١٣٦، والنشر ٣٠٢/٢.
(٣) البحر المحيط ٤٥٨/٥ .
(٤) الكتاب ٥١٩/٣-٥٢٠.
(٥) ينظر القراءات عند قوله تعالى: ﴿وَإِنَّىَ فَرْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠]، و﴿وَ إَِىَ فَأَتَّقُونِ﴾
[البقرة: ٤١]، وغيرها.
(٦) المحرر الوجيز ٣٦٥/٣، والبحر المحيط ٤٥٨/٥.
(٧) التيسير ص ١٣٦، والنشر ٣٠٢/٢.

سُورَةُ الِحْ
٥٠٤
الآية : ٥٦
ذلك، ويُنبئ عنه قولُ الملائكة عليهم السلام: ((فلا تَكُنْ من القانطين)) على ما فيه
من المبالغة دون أن يقولوا: من الممترين ونحوه.
﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ﴾ استفهامٌ إنكاريٌّ، أي: لا يقنطُ ﴿مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ» إلَّا
الضَّالُونَ ﴾﴾ أي: الكفرة المخطئون طريقَ معرفةِ الله تعالى، فلا يعرفون سعَةً
رحمته وكمال علمه وقدرته سبحانه وتعالى، وهذا كقول ولدِه يعقوب عليه
السلام: ﴿إِنَّهُ، لَا يَأيْتَسُ مِن رَّوْجِ اَللَّهِ إلَّ اٌلْقَوْمُ اَلْكَفِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧]. ومرادُه عليه
السلام نَفْيُ القنوطِ عن نفسه بأبلغ وجهٍ، أي: ليسَ بي قنوطٌ من رحمته تعالى،
وإنَّما الذي أقولُ؛ لبيان منافاةٍ حالي لفيضان تلك النعمةِ الجليلة عليَّ، وفي
التعرُّض لعنوان الربوبية والرحمة ما لا يخفَى من الجزالة.
وقرأ ابنُ وثاب وطلحة والأعمش وأبو عمرو في رواية: ((القَنِطِين))(١)،
والنحويَّان والأعمش: ((يَقِط)) بكسر النون(٢)، وباقي السبعة بفتحها، وزيدُ بن
عليٍّ ◌َّا والأشهبُ بضمِّها(٣)، وهو شاذٌّ، وماضيه مثله في التثليث.
واستُدِلَّ بالآية على تفسير الضالِّين بما سمعْتَ لما سمعتَ من الآية على أنَّ
القنوط - وهو كما قال الراغب: اليأسُ من الخير (٤) - كفرٌ، والمسألة خلافيةٌ،
والشافعيةُ على أنَّ ذاك وكذا الأمنُ من المكر من الكبائر؛ للحديث الموقوف على
ابن مسعود(٥)، أو المرفوع: ((مِن الكبائر: الإشراكُ بالله تعالى، واليأسُ من رَوْح الله
تعالى، والأمنُ من مكر الله تعالى)) (٦) وقال الكمال بنُ أبي شريف: العطفُ على
(١) إعراب القرآن للنحاس ٣٨٣/٢-٣٨٤، والمحرر الوجيز ٣٦٦/٣، والبحر المحيط ٤٥٩/٥.
(٢) قراءة النحويَّيْن (أبي عمرو بن العلاء والكسائي) في التيسير ص ١٣٦، والنشر ٣٠٢/٢،
وقرأ بها يعقوب وخلف من العشرة، وقراءة الأعمش في المحرر الوجيز ٣٦٦/٣، والبحر
المحيط ٤٥٩/٥ .
(٣) المحتسب ٧/٢، والبحر المحيط ٤٥٩/٥.
(٤) مفردات الراغب (قنط).
(٥) أخرجه عبد الرزاق في المصنف ٤٦٠/١٠، والطبراني في الكبير (٨٧٨٣)، وقال الهيثمي
في مجمع الزوائد ١٠٤/١ : إسناده صحيح.
(٦) أخرجه البزار (١٠٦ - كشف) من حديث ابن عباس رؤيا، وفي إسناده نظر، والأشبه
الموقوف على ابن مسعود، ينظر ما سلف ٩/ ٢٦٤.

الآية : ٥٧
٥٠٥
سُؤَةُ الِجُ
الإشراك بمعنى مطلَقِ الكفر يقتضي المغايرة، فإنْ أُريدَ باليأس إنكارُ سعَةِ الرحمة
الذنوبَ، وبالأمن اعتقادُ أنَّه لا مكرَ، فكلٌّ منهما كفرٌ اتِّفاقاً، لأنَّه ردٌّ للقرآن
العظيم، وإنْ أُريد استعظامُ الذنوب واستبعادُ العفو عنها استبعاداً يدخل في حدٍّ
اليأس وغَلَبة الرجاء المدخِل له في حدِّ الأمن، فهو كبيرةٌ اتِّفاقاً. اهـ. وقد تقدَّم
الكلامُ في ذلك(١)، فتذَّر.
﴿قَالَ فَمَا خَطِبُّكُمْ﴾ أي: أمرُكم وشأنُكم الخطير الذي لأجله أُرسلتُم سوى
، لعلَّه عليه السلام علم أنَّ كمالَ المقصود ليس البشارةَ،
البشارة ﴿أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (@):
من مقالةٍ لهم في أثناء المحاورةِ مطويةٍ هنا، وتوسيطُ ((قال)) بين كلامَيْه عليه السلام
مشيرٌ إلى أنَّ هناك ما ◌ُطُوِيَ ذكرُه، وخطابُه لهم عليهم السلام بعنوان الرسالةِ بعد
ما كان خطابُه السابق مجرَّداً عن ذلك مع تصديره بالفاء ظاهرٌ في أنَّ مقالَتهم
المطويَّةَ كانت متضمِّنةً ما فُهِمَ منه ذلك، فلا حاجةَ إلى الالتجاء إلى أنَّ علمه عليه
السلام بأنَّ كلَّ المقصود ليس البشارة بسبب أنَّهم كانوا ذوي عددٍ، والبشارة
لا تحتاج إلى عدد، ولذلك اكتُفي بواحدٍ في زكريا ومريم عليهما السلام، ولا إلى
أنَّهم بشَّروه في تضاعيف الحالِ لإزالة الوجل ولو كانت تمامَ المقصود لابتدؤوا
بها، على أنَّ فيما ذكر بحثاً.
فقد قيل: إنَّ التعذيبَ كالبشارة لا يحتاجُ أيضاً إلى العدد؛ ألا يرى أنَّ جبريل عليه
السلام قلبَ مدائنهم بأَحَدِ جناحيه، وأيضاً يَردُ على قوله: ولذلك اكتُفي ... إلخ، أنَّ
زكريا عليه السلام لم يكتفِ في بشارته بواحد كما يدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ
اُلْمَلَبِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّى فِ الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَ﴾ [آل عمران: ٣٩]، وأما مريمُ عليها
السلام فإنَّما جاءها الواحدُ لنفخ الروح والهبةِ كما يدُلُّ عليه قوله: ﴿لِأَهَبَ لَكِ غُلَمَا
زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٩]، وقوله تعالى: ﴿فَنَّفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا﴾ [مريم: ١٣]. وأما التبشيرُ
فلازمٌ لتلك الهبة وفي ضمنها، وليست مقصودةً بالذات. وأيضاً يَخدِشُ قولَه: ولو
كانت تمامَ المقصود لا بتدؤوا بها، ما في قصة مريم عليها السلام قالت: ﴿إِنِّ أَعُوذُ
بِلرَّحْمَنِ مِنْكَ إِن كُنْتَ تَّقِيًّا (٨) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَمًا زَكِيَّا﴾
[مريم: ١٨-١٩]. فيجوز أنْ يكونَ قولهم: ((لا تَوجَل)) تمهيداً للبشارة.
(١) تقدم ١٢ / ٤٧٠ -٤٧١.

سُورَةُ الِجْرُ
٥٠٦
الآية : ٥٨ - ٥٩
وأجيبَ عن هذا بأنَّه لا وُرُود له؛ لأنَّ مريم عليها السلام - لنزاهة شأنها - أوَّل
ما أبصَرَتْهُ مُتَمثِّلاً عاجلَته بالاستعاذة، فلم تَدعْه يبتدئُ بالبشارة، بخلاف ما نحن
فيه، وعما تقدَّم بأنَّ المعنى إنَّ العادة الجاريةَ بين الناس ذلك، فيرسَلُ الواحدُ
للبشارة، والجمعُ لغيرها من حربٍ وأخذٍ ونحو ذلك، والله تعالى يُجري الأمورَ
للناس على ما اعتادوه، فلا يرد قصة جبريل عليه السلام في ذلك، وإنْ قيل: المراد
بالملائكة في تلك الآية جبريلُ عليه السلام، كقولهم: فلانٌ يركبُ الخيل ويلبسُ
الثيابَ، أي: الجنس الصادق بالواحد من ذلك، قاله بعض المحقّقين.
وتعقِّب ما تقدَّم من كون العلم من كلامٍ وقَعَ في أثناء المحاورة وطُويَ ذِكرُه،
بأنَّه بعيدٌ.
وتوسيطُ ((قال)) والفاء والخطاب بعنوان الرسالة لا يُقَرُّ به، أما الأول: فِلِجَوَاز
أنْ يكونَ لِمَا أنَّ هناك انتقالاً إلى بحث آخرَ، ومثله كثير في الكلام. وأما الثاني
فلجواز أنْ تكونَ فصيحةً على معنى: إذا تحقَّقَ هذا فأخبروني ما أمرُكم الذي جئتُم
له سوى البشرى؟ وأما الثالث: فلجواز أن يقال: إنَّه عليه السلام لم يعلم بأنَّهم
ملائكةٌ مرسلون من الله تعالى إلا بعد البشارةِ، ولم يكُ يُحسنُ خطابهم بذلك عند
الإنكار أو التعجب من بشارتهم، وكذا لا يحسن في الجواب كما لا يخفى على
أرباب الأذواقِ السليمةِ، بل قد يقال: إنَّه لا يحسن أيضاً عند قوله: (إِنَّا مِنْكُمْ
وَِلُونَ) على تقدير أنْ يكونَ عَلِمَ عليه السلام ذلك قبلَ البشارة، لِمَا أنَّ المقام هناك
ضيِّقٌ مِن أنْ يطالَ فيه الكلامُ بنحو ذلك الخطاب، فتدبّر.
هم قومُ لوط عليه السلام، وجيءَ بهم
٥٨
﴿قَالُواْ إِنَّا أُرْسِنَآ إِلَى قَوْمٍ تُِمِنَ
بطريق التنكير، ووُصِفُوا بالإجرام، استهانةً بهم وذمًّا لهم ﴿إِلَّ ءَالَ لُوطٍ﴾ قال
الزمخشريُّ(١): يجوزُ أنْ يكونَ استثناءً من ((قوم)) بملاحظة الصفةِ، فيكونُ الاستثناءُ
منقطعاً؛ لأنَّهم ليسوا قوماً مجرمين، واحتمالُ التغليب مع هذه الملاحظة ليتَّصل
الاستثناءُ ليس مما يقتضيه المقامُ، ولو سلم فغيرُ ضارِّ فيما ذكر؛ لأنَّه مبنيٌّ على
الحقيقة، ولا ينافي صحّة الاتِّصال على تقديرٍ آخر.
(١) الكشاف ٣٩٣/٢.

الآية : ٥٩
٥٠٧
سُورَةُ الِهم
ويجوزُ أنْ يكون استثناءً من الضمير المستتر في ((مجرمين)) فيكونُ الاستثناءُ
متصلاً؛ لرجوع الضمير إلى القوم فقط، فيكونُ الآلُ على الأوَّل مخرجين من حكم
الإرسال المرادِ به إرسالٌ خاصٌّ، وهو ما كان للإهلاك لا مطلَقِ البعث؛ لاقتضاء
﴾ خبرُ الإنباء على ما سمعتَ
٥٩
المعنى له، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمُنَجُوهُمْ أَجْمَعِينَ
سابقاً، وعن الرضي أنَّ المستثنَى المنقطع منتصبٌ عند سيبويه(١) بما قبلَ ((إلا)) من
الكلام، كما انتصَبَ المَّصلُ به، وإنْ كانت ((إلا)) بمعنى (لكن))، وأمَّا المتأخِّرون
من البصريين فلمَّا رأوها بمعنى ((لكن)) قالوا: إنَّها الناصبةُ بنفسها نصب ((لكنَّ))
للأسماء، وخبرُها في الأغلب محذوفٌ نحو: جاءني القومُ إلا حماراً، أي: لكنَّ
حماراً لم يجئ. قالوا: وقد يجيء خبرها ظاهراً نحو قوله تعالى: ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ
لَمَآ ءَامَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ﴾ [يونس: ٩٨].
وقال الكوفيون: ((إلا)) في ذلك بمعنى ((سوى))، والنصبُ بعدها في الانفصال
كالنصب في الاتصال، وتأويل البصريين أَولَى؛ لأنَّ المستثنى المنقطع يلزمُ مخالفتُه
لِمَا قبله نفياً وإثباتاً، كما في ((لكن))، وفي ((سوى)) لا يلزم ذلك؛ لأنَّك تقول: لي
عليك ديناران سوى الدينار الفلاني. وذلك إذا كان صفةً، وأيضاً معنى ((لكن))
الاستدراك، والمرادُ به فيها دفعُ توهُّم المخاطَبِ دخولَ ما بعدها في حكم ما قبلَها
مع أنَّه ليس بداخلٍ، وهذا هو معنى الاستثناء المنقطع بعينه. انتهى.
وزعَمَ بعضُهم أنَّ في كون (إلا)) الاستثنائية تعملُ عمل ((لكن)) خفاءً من جهة
العربية وقال: إنَّه في المعنى خبرٌ، وليس خبراً حقيقيًّا كما صرَّح به النحاة.
ومما نقلناه يعلم ما فيه من النظر.
نعم صرَّح الزمخشريُّ(٢) بأنَّ الجملة على تقدير الانقطاع جاريةٌ مجرى خبر
(لكنَّ) وهو ظاهرٌ في أنَّها ليست خبراً في الحقيقة، وذَكَر أنَّهَ إنَّما قال ذلك لأنَّ
الخبرَ محذوفٌ، أي: لكنَّ آلَ لوطِ ما أُرسِلْنا إليهم، والمذكورُ دليلُه لتلازمهما،
ولذا لم يجعله نفسَ الخبر بل جارٍ مجراه، وفيه غفلةٌ عن كونه مبنيًّا على ما نُقْلَ عن
سيبويه .
(١) ينظر الكتاب ٣١٩/٢-٣٢٠.
(٢) ينظر الكشاف ٣٩٣/٢.

سُؤَةُ الِحْر
٥٠٨
الآية : ٦٠
وزعم بعضهم أنَّه قال ذلك لأنَّ الجملةَ المصدَّرة بـ ((أنْ)) تمتنعُ أنْ تكونَ خبراً
لـ ((لكنَّ»، فليراجع.
وقيل: قال ذلك؛ لأنَّ المذكور ((إلا)) لا ((لكنَّ)) وهو كما ترى.
وعلى تقدير الاتصال يكونُ الآلُ مخرجين من حكم المستثنى منه وهو الإجرام،
داخلين في حكم الإرسال بمعنى البعث مطلقاً، فيكونُ الملائكة قد أُرسِلُوا إليهم
جميعاً لِيُهلكوا هؤلاء ويُنْجُوا هؤلاء. وجملة ((إنَّا لمنجُّوهم)) على هذا مستأنفةٌ
استئنافاً بيانياً، كأنَّ إبراهيم عليه السلام قال لهم حين قالوا: ((إنا أُرسِلنا إلى قوم
مجرمين إلا آلَ لوطٍ)): فما حال آل لوط؟ فقالوا: ((إنَّا لمنجُّوهم)) إلخ.
وقوله سبحانه: ﴿إِلَّا أَمْرَأَتَهُ﴾ على التقديرين عند جار الله مستثنى من الضمير
المجرور في ((لمنجُّوهم)) ولم يُجوِّز أنْ يكونَ استثناءً(١) من الاستثناء في شيءٍ،
قال: لأنَّ ذلك إنَّما يكونُ فيما اتَّحد الحكم فيه، كقول المطلِّق: أنت طالقٌ ثلاثاً
إلا اثنتَين إلا واحدةً، والمقرِّ: لفلانٍ عليَّ عشرةُ دراهمَ إلا ثلاثةً إلا درهماً، وها
هنا قد اختلف الحكمان؛ لأنَّ ((آل لوطِ)) متعلِّقٌ بـ ((أرسلنا)) أو بـ ((مجرمين))،
و((إلا امرأتَه)» تعلَّق بـ ((منجُّوهم)) فأَنَّى يكونُ استثناءً من استثناء(٢). انتهى.
وقد يُتُوَهَّم أنَّ الإرسال إذا كان بمعنى الإهلاك فلا اختلافَ؛ إذ التقدير: إلا آلَ
لوطٍ لم نُهلِكُهم، فهو بمعنى منجُوهم، فيكونُ من الاستثناء من الاستثناء على أحد
التقدیرین.
وأجاب عن ذلك صاحب ((التقريب)): بأنَّ شرطَ الاستثناءِ المذكور أنْ لا يتخلَّل
لفظُ بين الاستثناءين متعدِّدٌ يصلُحُ أنْ يكونَ مستثنى منه، وها هنا قد تخلَّل
((منجُّوهم))، ولو قيل: إلا آلَ لوطٍ إلا امرأته، لجازَ ذلك(٣).
وتُعقِّب بأنَّه لا يدفع الشبهة؛ لأنَّ السببَ حينئذٍ في امتناعه وجودُ الفاصلِ
لا اختلاف الحکمین، فلا وجه للتعبير به عنه.
(١) في (م): من الاستثناء.
(٢) الكشاف ٣٩٣/٢-٣٩٤.
(٣) حاشية الشهاب ٣٠١/٥.

الآية : ٦٠
٥٠٩
سُؤَدَةُ الِصر
وفي ((الكشف)): المرادُ من اتِّحاد الحكم اتحادُه شخصاً وعدداً، فلا يردُ أنَّ
الإرسالَ إذا كان بمعنى الإهلاك كان قوله سبحانه: (إِنَّا لَمُنَجُوهُمْ) وقوله تعالى:
(إِلَّ ءَالَ لُوطٍ) في معنَى واحدٍ، فالاستثناء من الأول في المعنى، وإنَّما شُرِطَ
الاتِّحادُ؛ لأنَّ المتصلَ كاسمه لا يجوزُ تخلُّلُ جملةٍ بين العصا ولحائها، وكذلك
في المنقطع، وبه يتّضحُ حالُ ما تقدَّمَ أتمَّ اتِّضاح. وفيه أيضاً: فإنْ قلتَ:
لِمَ لا يرجِعُ الاستثناء إليهما؟ قلتُ: لأنَّ الاستثناءَ متعلِّقٌ بالجملة المستقلَّةِ،
والخلافُ في رجوعه إلى الجملتَين فصاعداً لا إلى جملةٍ وبعضٍ جملةٍ سابقةٍ،
هذا والمعنى مختلفٌ في ذلك، ومحلُّ الخلاف الجملُ المتعاطفةُ لا المنقطع
بعضُها عن بعضٍ. انتهى.
والأمرُ كما ذكر في تعيين محلِّ الخلاف، والمسألةُ قَلَّ مَن تعرَّض لها من
النحاة، وفيها مذاهب:
الأول: وهو الأصحُّ، وعليه ابنُ مالك(١) أنَّ الاستثناءَ يعودُ للكلِّ إلا أنْ يقومَ
دليلٌ على إرادة البعضِ كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾ [النور: ٥] الآية،
فإِنَّ (إِلَّا الَِّينَ) فيه عائدٌ إلى فسقهم وعدم قبولِ شهادتهم معاً لا إلى الجَلْد؛ للدليل،
ولا يضرُّ اختلافُ العامل؛ لأنَّ ذلك مبنيٌّ على أنَّ ((إلا)) هي العاملة.
الثاني: أنَّه يعود للكلِّ إنْ سیقَ الكلُّ لغرضٍ واحدٍ نحو: حَبسْتُ داري على
أعمامي، ووَقفْتُ بستاني على أخوالي، وسبَّلْتُ سقايتي لجيراني، إلا أنْ يُسافروا.
وإلا فللأخيرة فقط نحو: أكرم العلماءَ، واحبِس دارَك على أقاربكَ، وأَعتق عبيدَك
إلا الفسقةَ منهم.
الثالث: إنْ كان العطفُ بالواو عادَ للكلِّ، أو بالفاء أو ((ثم)) عادَ للأخيرة،
وعليه ابنُ الحاجب(٢).
الرابع: أنَّه خاصٌّ بالأخيرةِ، واختاره أبو حيان(٣).
(١) ينظر التسهيل ص ١٠٤.
(٢) مختصر ابن الحاجب ص ١٢٥ - ١٢٦ .
(٣) البحر المحيط ٤٦٠/٥.

سُورَةُ الِحْر
٥١٠
الآية : ٦٠
الخامس: إن اتَّحد العاملُ فللكلِّ، أو اختلفَ فللأخيرة، إذ لا يمكنُ عملُ(١)
المختلفات في مستثنّى واحدٍ. وعليه البهاباذي، وهو مبنيٌّ على أنَّ عامل المستثنى
الأفعالُ السابقةُ دون ((إلا)).
هذا، ويُوهم كلامُ بعضهم أنَّه لو جعل الاستثناء من ((آل لوطٍ)) لزم أنْ تكونَ
امرأتُه غيرَ مُهلَكَةٍ أو غيرَ مجرمةٍ، وهو توهُّمٌ فاحشٌ؛ لأنَّ الاستثناء من ((آل لوطِ)) إنْ
قلنا به بملاحظة الحكم عليهم بالإنجاء وعدم الإهلاك أو بعدم الإجرام والصلاح،
فتكونُ الامرأةُ محكوماً عليها بالإهلاك أو الإجرام. ويُرشدك إلى هذا ما ذكره
الرضي فيما إذا تعدَّد الاستثناءُ وأمكنَ استثناءُ كلِّ تالٍ من متلوِّه نحو: جاءني
المكيون إلا قريشاً إلا بني هاشم إلا بني عقيل، حيث قال: لا يجوزُ في الموجب
حينئذٍ في كلِّ وْرٍ إلا النصبُ على الاستثناء؛ لأنَّه عن موجب، والقياسُ أنْ يجوزَ
في كلِّ شَفِعِ الإبدالُ والنصبُ على الاستثناء؛ لأنَّه عن غير موجب، والمستثنى منه
مذكور، والكلامُ في وَتْرٍ وشفعٍ غير الموجب على عكس هذا، وهو مبنيٌّ على
ما ذهب إليه الجمهور من أنَّ الاستثناء من النفي إثباتٌ، ومن الإثبات نفيٌّ، خلافاً
للكسائي حيث قال: إنَّ المستثنى مسكوتٌ عن نَفْي الحكم عنه أو ثبوته له،
ولا دلالةَ في الكلام على شيءٍ من ذلك، واستِفَادةُ الإثبات في كلمة التوحيد مِن
عُرْف الشرع، وكما وقَعَ الخلافُ في هذه المسألة بين النحويِّين وقع بينَ الأئمة
المجتهدین، وتحقیق ذلك في محلِّه.
واختار ابنُ المنير كونَ ((إلا آل لوط)) مستثنى من ((قوم مجرمين)) على أنَّه
منقطعٌ، قال: وهو أَولَى وأمكنُ؛ لأنَّ في استثنائهم من الضمير العائد على قوم
منكرين بُعداً من حيث إنَّ موقعَ الاستثناء إخراجُ ما لولاه لدخَل المستثنَى في حكم
الأول، وهنا الدخول متعذّرٌ مع التنكير، ولذلك قلَّما تجدُ النكرةَ يُستثنَى منها إلا في
سياق نَفْي، لأنَّها حينئذٍ تعمُّ فيتحقَّق الدخول لولا الاستثناءُ، ومن ثَمَةَ لم
يَحسُن: رأيتُ قوماً إلا زيداً. وحَسُنَ: ما رأيتُ أحداً إلا زيداً(٢). انتهى.
(١) في (م): حمل.
(٢) الانتصاف ٣٩٣/٢-٣٩٤.

الآية : ٦٠
٥١١
سُورَةُ الِحْرُ
ورُدَّ بأنَّ هذا ليس نظيرَ: رأيتُ قوماً إلا زيداً، بل من قبيل: رأيتُ قوماً أساؤوا
إلا زيداً، فالوصفُ يُعيِّنُهم ويجعلُهم كالمحصورين.
قال في ((همع الهوامع)): ولا يُستثنى من النكرة في الموجب ما لم تُفِد،
فلا يقال: جاء قومٌ إلا رجلاً، ولا: جاء رجالٌ إلا زيداً، لعدم الفائدة، فإنْ أفادَ
جازَ نحو: ﴿فَلِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَكٍ إِلَّا خَمْسِيْنَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] و: قامَ رجالٌ
كانوا في دارك إلا رجلاً، على أنَّ المرادَ بالقوم أهلُ القرية، كما صرَّح به في آيةٍ
أخرى(١)، فهم معنّی محصورون.
ونقل المدفِّقُ عن السكاكي أنَّه صرَّح في آخر بحث الاستدلال من كتابه بأنَّ
الاستثناء من جمعِ غيرِ محصورٍ جائزٌ على المجاز(٢). مع أنَّ بعض الأصوليين أيضاً
جوَّزوا الاستثناء من النكرة في الإيجاب، وأطلقُوا القول في ذلك. نعم المصرَّحُ به
في كثير من كُتُب النحو نحوُ ما في ((الهمع)).
وزعم بعضُهم أنَّه ينبغي أنْ يكونَ الاستثناءُ من الظاهر والضمير منقطعاً، وعلَّل
ذلك بأنَّ الضميرَ في الصفة هو عينُ الموصوف المقيَّد بالصفة.
وذكر الجلالُ السيوطي أنَّ بعض الفضلاء رفَعَ هذا مع عدَّة أسئلةٍ نثراً ونظماً
إلى الكمال بن الهمام، ولم يذكر أنَّه أجابَ عنها، والجوابُ عما زعمه هنا قد
مرَّت إليه الإشارة، وأما الجواب عن سائر ما استشكله وسئل عنه الكمالُ فيُغني عنه
الاطلاع على السؤال، فإنه مما يُتعجّبُ منه ومن هنا قال الشهاب أظن أن ابن
الهمام إنما سكت عن جواب ذلك لوضوح اندفاعه وأنَّه لا ينبغي أنْ يصدُرَ عمَّن
تحلَّى بحِلية الفضل(٣) .
نعم بعد كلٌّ حساب الذي ينساقُ إلى الذِّهن أنَّ الاستثناء من الظاهر لكن ذكر (٤)
الرضي أنَّه إذا اجتمع شيئان فصاعداً يصلحان لأنْ يُستثنَى منهما، فهناك تفصيلٌ؛
(١) وهي الآية (٣١) من سورة العنكبوت.
(٢) ينظر مفتاح العلوم ص ٥٠٨، ونقل المصنفُ الكلام من حاشية الشهاب ٣٠٠/٥.
(٣) جاء في هامش (م) عند قوله جواب: وكلا الأمرين مذكور في حواشيه على البيضاوي،
فارجع إليها إن أردت.
(٤) قوله: ذكر، ليست في (م).

سُوْرَةُ الِحْرِ
٥١٢
الآية : ٦٠
فإمّا أنْ يتغايرا معنّى أو لا، فإنْ تغايرا وأمكَّنَ اشتراكهما في ذلك الاستثناء بلا بُعدٍ
اشتركا فيه نحو: ما بَرَّ أَبٌّ وابنٌ إلا زيداً، أي: زيدٌ أبٌ بارٌّ وابنٌ بارٌّ، فإنْ لم
يُمكن الاشتراك نحو: ما فَضلَ ابنٌّ أباً إلا زيداً، أو كان بعيداً نحو: ما ضَرَب أحدٌ
أحداً إلا زيداً، فإن الأغلب مغايرةُ الفاعل للمفعول = نظرنا فإنْ تعيَّن دخولُ
المستثنى في أحدهما دون الآخر فهو استثناءٌ منه وَلِيَهُ أو لا، نحو: ما فدَى وصيٍّ
نبيًّا إلا عليًّا كرَّم الله تعالى وجهه، وإن احتمل دخوله في كلِّ واحدٍ منهما، فإنْ
تأخّر عنهما المستثنَى فهو من الأخير نحو: ما فَضل ابنٌّ أباً إلا زيداً، وكذا:
ما فضل أباً ابنٌّ إلا زيداً (١)؛ لأنَّ اختصاصَه بالأقرب أَولَى لما تعذَّر رجوعُه إليهما.
وإنْ تقدَّمهما معاً، فإنْ كان أحدُهما مرفوعاً لفظاً أو معنَى فالاستثناء منه، لأنَّ
مرتبته بعدَ الفعل، فكأنَّ الاستثناء وَلِيَّهُ بعدَه نحو: ما فضل إلا زيداً أباً ابنٌّ، أو:
من ابنٍ، وإنْ لم يكن أحدُهما مرفوعاً فالأوَّل أَولَى به لِقُربه نحو: ما فضلتُ إلا زيداً
واحداً على أحد، ويُقدَّر للأخير عاملٌ.
وإن توسَّطهما فالمتقدِّم أحقُّ به؛ لأنَّ أصل المستثنَى تأخُرُه عن المستثنى منه
نحو: ما فضل أباً إلا زيدٌ ابنٌّ، ويُقدَّر أيضاً للأخير عاملٌ.
وإنْ لم يتغايرا معنّى اشتركا فيه، وإن اختَلَف العاملان فيهما، نحو: ما ضرب
أحدٌ وما قتل إلا خالداً، لأنَّ فاعلَ («قتل)) ضميرُ ((أحد)). انتهى.
وجزم ابنُ مالك فيما إذا تقدَّم شيئان مثلاً يصلُح كلٌّ منهما للاستثناء منه بأنَّ
الاستثناء من الأخير (٢)، وأطلَق القولَ في ذلك، فليتأمّل ذاك مع ما نحن فيه.
وقال القاضي البيضاوي: إنَّه على الانقطاع يجوزُ أنْ يجعل ((إلا امرأتَه)) مستثنى
من ((آل لوط)) أو من ضمير ((منجُوهم)) وعلى الاتصال يتعيَّن الثاني؛ لاختلاف
الحُكمَين، اللهمَّ إلا إذا جعلت جملة ((إنا لمنجُّوهم)) معترضة(٣). انتهى.
ومخالفتُهُ لِمَا نُقِل عن الزمخشريِّ ظاهرةٌ حيث جوَّز الاستثناء من المستثنى في
(١) في (م): زید.
(٢) التسهيل ص ١٠٣ .
(٣) تفسير البيضاوي ٥/ ٣٠٠-٣٠١.

الآية : ٦٠
٥١٣
سُورَةُ الِجْرُ
الانقطاع، ومنَعَه الزمخشريُّ مطلقاً، وحيث جَعَل اختلاف الحُكمَين في الاتصال
وأثبتَه الزمخشريُّ مطلقاً أيضاً، وبَيَّن اختلاف الحكمَين بنحو ما بُيِّن به في كلام
الزمخشريٌ(١).
ولم يرتَضِ ذلك مولانا سريُّ الدين، وقال: المرادُ بالحكمَين الحكمُ المفادُ
بطريق استثناء الثاني من الأوَّل، وهو على تقدير الاتِّصال إجرامُ الامرأة، والحكم
المقصودُ بالإفادة، وهو الحكم عليها بالإهلاك، وبيَّنَ اتِّحاد هذا الحكم المقصود
مع الحكم المفادِ بالاستثناء على تقدير الانقطاع بأنَّه على ذلك التقديرِ تكونُ ((إلا))
بمعنى ((لكنَّ)، و((إنَّا لمنجُوهم)) خبراً له ثابتاً للآل، فيكون الحكمُ الحاصل من
الاستثناء منه بعينه هو الحكم المقصود بالإفادة، ويقال على تقدير الاتصالٍ
والاعتراض: إنَّ الحكمين وإن اختلَفَا ظاهراً إلا أنَّه لمَّا كانت الجملةُ المعترضة
كالبيان لِمَا يقتضيه الاستثناءُ الأول كان في المعنى كأنَّه هو، وصار الإخراج منه
كالإخراج منه، وهذا بخلاف ما إذا كان استئنافاً، فإنَّه يكونُ منقطعاً عنه ويكونُ
جواباً لسؤالٍ مقدَّرٍ، ولا يتمُّ الجواب بدون الاستثناء ولا يخلو عن الاعتراض.
وقال بعضُهم في توجيه الاستثناءِ على هذا: إنَّ هناك حُكمَين الإجرامَ
والإنجاءَ، فيجرُّ الثاني الاستثناء إلى نفسه، كيلا يلزمَ الفصلُ إلا إذا جُعل اعتراضاً،
فإنَّ فيه سعةً حتى يتخلَّل بَيْن الصفة وموصوفها، فيجوزُ أنْ يكون استثناءً من ((آل
لوط)) ولذا جوَّز الرضي أنْ يقال: أكرم القومَ والنحاةَ بصريون إلا زيداً.
ويَردُ عليه أنَّ كونَ الحكم المفادِ بالاستثناء غير الحكم المقصودِ بالإفادة باقياً
بحاله، ولا يحتاج الأمرُ إلى ما سمعتَ. وهو كما سمعتَ، والذي ينساقُ إلى
الذهن ما ذَكَره الزمخشريُّ.
وفي ((الحواشي الشهابيَّة)) أنَّه الحقُّ درايةً وروايةً: أما الأول: فلأنَّ الحكم
المقصودَ بالإخراج منه هو الحكمُ المخرج منه الأول، والثاني حكمٌ طارئٌ من
تأويل ((إلا)) بـ ((لكنَّ)، وهو أمرٌ تقديريٌّ، وأما الثاني: فلِمَا ذُكر في ((التسهيل))(٢) من
(١) ينظر الكشاف ٣٩٣/٢-٣٩٤، وحاشية الشهاب ٣٠١/٥-٣٠٢.
(٢) ينظر ص ١٠٣-١٠٤.

سُورَةُ الِجْر
٥١٤
الآية : ٦٠
أنَّه إذا تعدَّد الاستثناءُ فالحكمُ المخرَج منه حكمُ الأول، ومما يدلُّ عليه أنَّه لو كان
الاستثناءُ مفرَّغاً في هذه الصورةِ كما إذا قلتَ: لم يَبْقَ في الدار إلا اليعافيرُ أبقاها
الزمانُ إلا يعفورٌ صِيدَ منها، فإنَّه يتعيَّن إعرابُه بحسب العامل الأوَّل، كقولك:
ما عندي إلا عشرةً إلا ثلاثةً، ثم إنَّ كلامَه مبنيٌّ على أمرٍ ومانعٍ معنويٍّ لا على عدم
جوازٍ تخلَّل كلام منقطع بين المستثنى والمستثنى منه كما قيل، وإنْ كان مانعاً أيضاً
كما صرَّح به الرضي، فَتَدبَّ(١). انتهى. فافهم ذاك والله سبحانه يتولَّى هداك.
وقرأن الأخوان: (لَمُنْجُوْهُم)) بالتخفيف(٢).
ج﴾ أي: الباقين في عذاب الله تعالى كما أخرج
﴿قَدَّرْنُ إِنَّهَا لَمِنَ الْغَبِينَ
ابنُ أبي حاتم عن قتادة(٣)، أو الباقين مع الكفرة لتَهلِكَ معهم. وأصلُه من الغَبَرة
وهي بقيَّةِ اللَّبَن في الضَّرع.
وقرأ أبو بكر عن عاصم: ((قَدَرنا)) بالتخفيف(٤)، وكُسِرَت همزةُ ((إنَّ) لتعليق
الفعل بوجود لام الابتداء التي لها صدرُ الكلام، وعُلِّق مع أنَّ التعليقَ في المشهور
من خواصِّ أفعال القلوب، قال الزمخشريُّ: لتضمُّن فعل التقدير معنى العلم،
ولذلك فسَّر(٥) العلماءُ تقديرَ الله تعالى أفعالَ العباد بالعلم(٦).
والمرادُ بتَضْمينه ذلك قيل: المعنى المصطَلَح، وقيل: التجوُّز عن معناه الذي
كأنَّه في ضِمْنه؛ لأنَّه لا يقدَّر إلا ما يعلم، ذَكَرِه المدقِّقُ توجيهاً لكلام الزمخشريِّ،
ثم قال: وليس ذلك من باب تضمينِ الفعلِ معنى فعلٍ آخرَ في شيءٍ حتى يعترضَ
بأنَّه لا ينفعُ الزمخشريَّ لبقاء معنَى الفعلين. نعم هو على أصلهم من أنَّه كتابةُ معلومٍ
محقَّقٍ لا مقدَّر مرادٍ.
(١) حاشية الشهاب ٣٠٢/٥.
(٢) التيسير ص ١٣٦، والنشر ٢٥٨/٢، وهي قراءة يعقوب وخلف، والأخوان هما حمزة
والكسائي.
(٣) تفسير ابن أبي حاتم ١٥١٩/٥ (٨٧٠٣)، وأخرجه أيضاً الطبري ٣٠٩/١٠.
(٤) التيسير ص ١٣٦، والنشر ٣٠٢/٢.
(٥) في (م): فسره.
(٦) الكشاف ٢/ ٣٩٤.

الآية : ٦١ - ٦٣
٥١٥
سُوَةُ الِحُ
وقال القاضي: جاز أنْ يقال: أُجري مجرى القولِ؛ لأنَّ التقديرَ بمعنى القضاء
قولٌ (١). وأما أنا فلا أُنكرُ على جار الله أنَّ التعليقَ لتضمُّن معنى العلم، وإنما أُنكر
نَفْيَ كونه مقدوراً مراداً. انتهى. وإنما أُنكره؛ لأنَّه اعتزالٌ تأباه الظواهرُ، ومن هنا
قال إبراهيمُ النَّخَعَيُّ فيما أخرجه عنه ابنُ أبي حاتم: بيني وبين القدريَّةِ هذه الآيةُ،
وتلاها(٢).
والظاهر أنَّ هذا من كلام الملائكةِ عليهم السلام، وإنَّما أَسندُوا ذلك إلى
أنفسهم، وهو فعلُ الله سبحانه؛ لِمَا لهم من الزُّلْفَى والاختصاص، وهذا كما يقول
حاشيةُ السلطان: أَمرنا ورَسَمنا بكذا، والآمرُ هو في الحقيقة، وقيل - ولا يخفَى
بُعدُه -: هو من كلام الله تعالى، فلا يحتاجُ إلى تأويل، قيل: وكذا لا يحتاجُ إليه إذا
كان المرادُ بالتقدير العلم مجازاً.
﴿فَلَمَا جَآءَ ءَالَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (
شروعٌ في بيان إهلاك المجرمين وتنجيةٍ آلٍ
٦١
لوطِ، ووضع الظاهر موضع الضمير؛ للإيذان بأنَّ مجيئَهم لتحقيق ما أُرسلُوا به من
ذلك، وليس المرادُ به ابتداءَ مجيئهم بل مطلَقُ كينونتهم عند آل لوطِ، فإنَّ ما حكي عنه
· إنما قاله عليه السلام بعد
عليه السلام بقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكُرُونَ
اللُِّيًّا والتي، حين ضاقَت عليه الحِيَلُ، وعَيت به العللُ، ولم يُشاهد من المرسلين عند
مقاساةِ الشَّدائدِ ومعاناة المكائد من قومه الذين يُريدون بهم ما يريدون ما هو المعهودُ
والمعتادُ من الإعانة والإمداد فيما يأتي ويَذَر عند تَجشُّمِه في تخليصهم = إنكاراً
الخذلانهم وتركهم نَصْرَه في مثل هذه (٣) المضايقةِ المعترية له بسببهم، حيث لم يكونوا
عليهم السلام مباشِرين معه لأسبابِ المدافعةِ والممانعة حتى ألجأته إلى أنْ قال: ﴿لَوْ
أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَارِىّ إِلَى رَكْنِ شَدِيدٍ﴾ [الآية: ٨٠] حسبما فُصِّل في سورة هود، لا أنَّه
عليه السلام قاله عند ابتداء وُرُودهم له، على معنى: إنَّكم قومٌ تُنكرُكم نفسي وتنفرُ
منكم فأخافُ أنْ تَطرقوني بشرٍّ، كما قيل. كيف لا وهم بجوابهم المحكي بقوله
أي: بالعذاب الذى كنتَ
٦٣
سبحانه: ﴿قَالُواْ بَلْ ◌ِثْتَكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ
(١) تفسير البيضاوي ٣٠٢/٥ .
(٢) عزاه إلى ابن أبي حاتم السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٢.
(٣) ليس في (م).

سُوْدَةُ الِجْر
٥١٦
الآية : ٦٤
تتوقَّدُهم به فيمترون ويشكّون ويكذبونك فيه، قد قشروا العصا وبيَّنوا له عليه السلام
جليةَ الأمر فأنَّى يعتريه بعدَ ذلك المساءةُ وضيقُ الذَّرع(١). قاله العلامة أبو السعرد(٢)
وهو كلامٌ معقول.
وجعل ((بل)) إضراباً عمَّا حَسِبه عليه السلام من تَرْك النصرة له، والمعنى:
ما خذلناك وما خلَّينا بينك وبينهم، بل جئناك بما يدمِّرهم من العذاب الذي كانوا
یکذبونك فيه حین تتوعدُهم به.
وجعله غيرُ واحدٍ بعد أن فسَّر قوله عليه السلام بما سمعتَ إضراباً عن موجب
الخوفِ المذكورِ على معنى: ما جئناك بما تُنكرنا لأجله، بل جئناك بما فيه فرحُك
وسرورُك وتَشَفِّيك من عدوِّك وهو العذابُ الذي كنتَ تَتَوَقَّدُهم به ويُكذبونك، ولم
يقولوا: بعذابهم، مع حصول الغرض ليتضمَّن الكلامُ الاستئناسَ من وجهين: تحقّقٍ
عذابهم، وتحقَّقِ صدقه عليه السلام، ففيه تذكيرٌ لِمَا كان يُكابد منهم من التكذيب.
قيل: وقد كنَى عليه السلام عن خوفه ونِفَارِه بأنَّهم منكرون، فقابلوه عليه
السلام بكناية أحسنَ وأحسنَ. ولا يمتنعُ فيما أرى حملُ الكلام على الكناية على
ما نقلناه عن العلّامة أيضاً، ولعلَّ تقديمَ هذه المقاولة على ما جرى بينه وبين أهلٍ
المدينة من المجادلة - كما قال - للمسارعة إلى ذِكْر بشارة لوط عليه السلام
بإهلاك قومه المجرمين، وتَنْجيةِ آله عقیبَ ذِكْر بشارةِ إبراهيم عليه السلام بهما،
وحيث كان ذلك مستدعياً لبيان كيفيَّة النجاةِ وترتيبٍ مباديها أُشيرَ إلى ذلك إجمالاً
ثم ذُكرَ فعلُ القومِ وما فُعل بهم، ولم يُبال بتغيير الترتيب الوقوعي ثقةً بمراعاته في
موضعٍ آخرَ.
ونسبةُ المجيء بالعذاب إليه عليه السلام مع أنَّه نازلٌ بالقوم بطريق تفويضٍ أمره
إليه، كأنَّهم جاؤوه به وفَوَّضُوا أمرَه إليه، ليرسلَه عليهم حسبما كان يتوَّدُهم به،
فالباء للتعدية، وجوِّز أنْ تكونَ للملابسة، وجوِّز الوجهان في الباء في قوله سبحانه:
﴿وََّكَ بِالْحَقِ﴾ أي: بالأمر المحقَّق المتيقَّن الذي لا مجالَ للامتراء والشكِّ فيه،
(١) في الأصل: الذراع، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ٨٣/٥.
(٢) تفسير أبي السعود ٨٣/٥.

الآية : ٦٥
٥١٧
سُورَةُ الِحْ
وهو عذابُهم، عبّر عنه بذلك تنصيصاً على نَفْي الامتراء عنه، وجوِّز أنْ يُراد ((بالحقِّ))
الإخبارُ بمجيء العذاب المذكور.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَصَدِقُونَ ﴾ تأكيدٌ له، أي: أتيناك فيما قلنا بالخبر
الحقِّ، أي: المطابِقِ للواقع وإنَّا لصادقون في ذلك الخبر، أو في كلِّ خبرٍ، فيكونُ
كالدليل على صدقهم فيه، وعلى الأول تأكيداً إثْرَ تأكید.
ومن الناس مَن جوَّز كونَ الباء للملابسة، وجعل الجارَّ والمجرور في موضع
الحال من ضمير المفعول، ولا يخفى حاله.
﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ شروعٌ في ترتيب مبادي النجاة، أي: اذهب بهم في الليل.
وقرأ الحجازيُّون(١) بالوصل على أنَّه من ((سرى)) لا من ((أسرى)) كما في قراءة
الجمهور، وهما بمعنَى على ما ذهب إليه أبو عبيدة(٢)، وهو سيرُ الليل، وقال
الليث: يقال: أسْرى في السير أوَّل الليل، وسَرَى في السير آخره، وروى صاحب
((الإقليد): ((فَسِرْ)) من سار، وحكاها ابنُ عطيّة(٣) وصاحب ((اللوامح)) عن
اليماني(٤)، وهو عامٌّ، وقيل: إنَّه مختصّ في السير بالنهار وليس مقلوباً من سَرَى.
﴿يِقِطْعِ مِّنَ الَلِ﴾ بطائفةٍ منه، أو من آخره، ومن ذلك قوله:
افتحي البابَ وانظُريْ في النجوم كم علينا من قِطع ليلٍ بهيمٍ (٥)
وقيل: هو بعدَ ما مضَى منه شيءٌ صالحٌ، وفي الكلام تأكيدٌ أو تجريدٌ على
قراءة الجماعة على ما قيل، وعلى قراءة: ((سِرْ)) لا شيءَ من ذلك، وسيأتي لهذا
تتمةٌ إن شاء الله تعالى(٦). وحكى منذر بنُ سعيد أنَّ فرقةً قرأت: ((بقطّع)) بفتح
الطاء (٧).
(١) وهم نافع وابن كثير وأبو جعفر، وفي (م): الحجازيان. التيسير ص١٢٥، والنشر ٢٩٠/٢.
(٢) مجاز القرآن ٢٩٥/١.
(٣) المحرر الوجيز ٣٦٨/٣.
(٤) البحر المحيط ٤٦١/٥ .
(٥) سلف ١١٠/١١.
(٦) في سورة الإسراء، آية (١).
(٧) المحرر الوجيز ٣٦٨/٣، والبحر المحيط ٤٦١/٥.

سُورَةُ الِجْ
٥١٨
الآية : ٦٥
﴿وَأَشَيِعْ أَدْبَرَهُمْ﴾ وكن على إثرهم تذودُهم وتُسرع بهم وتَطَّلعُ على أحوالهم،
ولعلَّ إيثارَ الاتِّباع على السَّوق - مع أنَّه المقصودُ بالأمر كما قيل - للمبالغة في
ذلك، إذ السَّوقُ ربَّما يكونُ بالتقدُّم على بعض مع التأخّرِ عن بعض، ويلزمُه عادةً
الغفلة عن حال المتأخّر، والالتفاتُ المنهيُّ عنه بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ﴾
أي: منك ومنهم ﴿أَحَدٌ﴾
فيرى ما وراءه من الهَوْل ما لا يُطِيقُه، أو فيُصيبُه العذابُ،
فالالتفات على ظاهره، وجوِّز أنْ يكونَ المعنى: لا ينصرف أحدُكم ولا يتخلَّف
لغرضٍ فيصيبَه ما يصيبُ المجرمين، فالالتفات مجازٌ؛ لأنَّ الالتفات إلى الشيء
يقتضي محبّتَه وعدمَ مفارقتِهِ فيتخلَّف عنده.
وذَكَر جارُ الله (١) أنَّه لمَّا بعَثَ الله تعالى الهلاكَ على قومه ونجَّاه وأهلَه إجابةً
لدعوته عليهم وخَرجَ مهاجراً، لم يكن له بدٌّ من الاجتهاد في شكر الله وإدامة ذكره
وتفريغ باله لذلك، فأَمِرَ بأن يُقدِّمَهم؛ لئلا يشتغلَ بمن خلفَه قلبُه، وليكونَ مطّلعاً
عليهم وعلى أحوالهم، فلا تفرُط منهم التفاتةٌ احتشاماً منه، ولا غيرُها من الهفوات
في تلك الحال المَهُولةِ المحذورة، ولئلا يتخلَّفَ أحدٌ منهم لغرضٍ فيُصيبَه العذابُ،
وليكونَ مسيرُه مسيرَ الهاربِ الذي يُقدِّم سربَه ويفوتُ به، ونُهُوا عن الالتفات؛
لئلا يَرَوا ما يَنزِلُ بقومهم فيرقُّوا لهم، وليوطّنوا نفوسَهم على المهاجرة ويُطيِّبوها عن
مساكنهم ويمضُوا قُدُماً غيرَ ملتفتين إلى ما وراءهم، كالذي يتحسَّر على مفارقة
وطنه، فلا يزال یلوي له أخادِعَه، كما قال:
تلقَّتُ نحوَ الحيِّ حتى وجدتُنِي وَجِعتُ من الإصغاء لِيناً وأَخدعًا(٢)
أو جعلَ النهيَ عن الالتفات كنايةً عن مواصلة السير وتَرْكِ التواني والتوقُّفِ؛
لأنَّ مَن يتلفَّتُ لابدَّ له في ذلك من أَدْنَى وقفة (٣). اهـ.
قال المدقِّق: وخُلاصةُ ذلك أنَّ فائدةَ الأمر والنهي أنْ يهاجرَ عليه الصلاة
والسلام على وجهٍ يُمكِّنه وأهلَه التشمُّر لذِكْر الله تعالى والتجرُّد لشكره، وفيه مع
(١) في الكشاف ٣٩٥/٢.
(٢) البيت للصمة بن عبد الله القشيري، وهو في ديوانه ص٩٤، والإصغاء: الإمالة، واللّيت:
صفحة العنق. القاموس المحيط (ليت). الأخدع: عرق في جانب العنق. اللسان (خدع).
(٣) الكشاف ٣٩٥/٢.

الآية : ٦٥
٥١٩
سُؤَدَّةُ الِىِ جْ
ذلك إرشادٌ إلى ما هو أَدخلُ في الحزم للسير وأدبِ المسافرةِ، وما على الأمير
والمأمورِ فيها، وتنبيهٌ على كيفيَّة السفر الحقيقيِّ وأنَّه أحقُّ بقَطْع العوائق وتقديم
العلائق وأحقُّ، وإشارةٌ إلى أنَّ الإقبالَ بالكلية على الله تعالى إخلاصٌ(١)، فلله
تعالى درُّ التنزيل ولطائفِهِ التي لا تحصى. اهـ.
وأنت تعلمُ أنَّ كونَ الفائدةِ المهاجرةَ على وجهٍ يُمكِن معه التشمُّرُ لذكر الله
تعالی والتجرُّد لشکره غيرُ متبادِرٍ كما لا يخفى، ولعلَّه لذلك تركه بعضُ مختصِري
كتابه، وإنما لم يستثنِ سبحانه الامرأة عن الإسراء أو الالتفات؛ اكتفاءً بما ذكر في
موضعٍ آخرَ، وليس نحو ذلك بدعاً في التنزيل.
قيل: أي: إلى حيث يأمرُكم الله تعالى بالمضيِّ
﴿وَأَمْضُواْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ
٦٥
إليه، وهو الشامُ على ما رُوي عن ابن عباس والسدي، وقيل: مصر، وقيل:
الأردن، وقيل: موضعُ نجاةٍ غير معيَّنٍ، فعدَّى ((امضوا)) إلى ((حيث))، و((تؤمرون))
إلى الضمير المحذوف على الاتساع.
واعترض بأنَّ هذا مُسلَّم في تعدية ((تؤمرون)) إلى ((حيث))، فإنَّ صلتَه - وهي الباء
- محذوفةٌ، إذ الأصلُ: تؤمرون به، أي: بمضيِّه، فأوصل بنفسه(٢)، وأما تعديةٌ
((امضُوا)) إلى ((حيث)) فلا اتِّساعَ فيها، بل هي على الأصل؛ لكونه من الظروف
المبهمةِ إلا أنْ يُجعل ما ذُكرَ تغليباً .
وأُجيبَ بأنَّ تعلُّق ((حيث)) بالفعل هنا ليس تعلُّق الظرفيَّة، ليتَّجه تعدِّي الفعل
إليه بنفسه لكونه من الظروف المبهمة، فإنَّه مفعولٌ به غير صريح نحو: سرتُ إلى
الكوفةِ، وقد نصَّ النحاةُ على أنَّه قد يتصرَّف فيه، فالمحذوفُ ليسَ ((في)) بل ((إلى))،
فلا إشكال. اهـ.
والمذكورُ في كتب العربية أنَّ الأصل في ((حيث)) أنْ تكونَ ظرفَ مكانٍ، وتردُ
للزمان قليلاً عند الأخفش، كقوله:
للفتى عقلٌ يعيشُ به.
حيث تَهدي ساقَهُ قدمُهْ(٣)
(١) في الأصل: خلاص.
(٢) بعدها في الأصل: إليه، والكلام في حاشية الشهاب ٣٠٣/٥.
(٣) البيت لطرفة بن العبد، وهو في ديوانه ص ٨٦، والدرر اللوامع ١٢٦/٣.

سُورَةُ الِىِّجْر
٥٢٠
الآية : ٦٥
أرادَ: حين تَهدي، ولا تُستعمَل غالباً إلا ظرفاً، ونَدَر جرُّها بالباء في قوله:
كان منَّا بحيث يُعْكي الإزارَ(١)
وبـ «إلی)) في قوله:
إلى حيثُ ألقَتْ رحلَها أمُّ تَشْعَمٍ (٢)
وبـ ((في)) في قوله:
فأصبحَ في حيثُ التَّقَينا شريدُهم طَليقٌ ومكتوفُ اليدَين ومُرعَفُ(٣)
وقال ابنُ مالك: تصرُّفها نادرٌ(٤). ومن وقوعها مجرَّدة عن الظرفية قوله:
إنَّ حيثُ استقرَّ مَن أنت راعي ، حمّى فيه عزَّةٌ وأمانٌ(٥)
فـ ((حيث)) اسم ((إنَّ)، وقال أبو حيان: إنَّه غلطٌ؛ لأنَّ كونها اسم ((إن)) فرعٌ عن
كونها تكونُ مبتدأً، ولم يُسمَع في ذلك البتة، بل اسم ((إنَّ) في البيت ((حمى))
و((حيث)) الخبر لأنَّه ظرف، والصحيحُ أنَّها لا تتصرَّفُ فلا تكونُ فاعلاً ولا مفعولاً
به ولا مبتدأ. اهـ.
(١) اللسان (أزر)، والدرر اللوامع ١٢٦/٣، ورواية اللسان: كان منها بحيث تُعْكَى الإزار. وفيه
(عكا): عكا بإزاره يعكو عكياً: أغلظ مَعْقِده، وقيل: إذا شده قالصاً على بطنه لئلا يسترخي
لضخم بطنه .
(٢) البيت من معلقة زهير بن أبي سلمى، وهو في ديوانه ص ٢٢، والمغني ص ١٧٦، وشرح
شواهد المغني للسيوطي ص ٣٨٤، وشرح أبيات المغني للبغدادي ١٣٣/٣، والدرر
اللوامع ١٢٧/٣، وصدر البيت: فشَدَّ ولم يُفزعْ بيوتاً كثيرة. ورواية المصادر عدا الدرر
وشرح أبيات المغني: لدى، بدل: إلى. وأم قشعم؛ قيل: هي الحرب، وقيل:
العنكبوت. الدرر.
(٣) البيت للفرزدق، وهو في ديوانه ٢٩/٢، والكتاب ١٠/٢، وخزانة الأدب ٣٦/٥، ورواية
المصادر: ومُزْعَفُ بدل: ومرعف، وأزعَفْتُ عليه: إذا أجهزت عليه وتمَّمت قتله كما ذكر
صاحب الخزانة.
(٤) التسهيل ص ٩٦.
(٥) المغني ص ١٧٧، وشرح أبيات المغني ١٣٩/٣، والدرر اللوامع ١٢٩/٣، وخزانة الأدب
شاهد (٥٠٢) دون نسبة، ووقع في الدرر: راجيه، بدل: راعيه.