النص المفهرس

صفحات 461-480

الآية : ٢٩
٤٦١
سُورَةُ الِحْرُ
والذي يقال فيه: إنَّه جوهرٌ مجرَّدٌ ليس جسماً ولا جسمانياً، ولامتصلاً
ولا منفصلاً، ولا داخلَ العالم ولا خارجَه، وأنَّه نورٌ من أنوار الله تعالى القائمة
لا في أين، من الله عزَّ وجلَّ مَشرقُه، وإليه سبحانه مغربُه، هو الروح بهذا الإطلاق.
واختلفوا في أنَّ حدوثها هل هو قبل الأبدان أو بعدها، فقال حجَّة الإسلام:
الحقُّ أنَّ الأرواح حدثَت عند استعدادِ الجسدِ للقبول، كما حدثَت الصورةُ في
المرآة بحدوث الصقالة، وإنْ كان ذو الصورة سابقَ الوجود على الصقيل. وقد قال
بذلك من الفلاسفة أرسطو ومتَّبعوه، واستدلُّوا عليه بأنَّها لو كانت موجودةً قبل
الأبدان؛ فإمَّا أنْ تكونَ واحدةً أو كثيرةً، وعلى الأوَّل إما أنْ تتكثَّر عند التعلُّق
بالبدن أَوْ لا، فإنْ لم تتكثَّر كانت الروحُ الواحدةُ روحاً لكلِّ بدنٍ، ولو كان كذلك
لكان ما عَلِمَه إنسانٌ علمه الكلُّ، وما جهله جهله، وذلك محالٌ، وإنْ تكثَّرت لزم
انقسامُ ما ليس له حجمٌ، وهو أيضاً محال.
وعلى الثاني لا بدَّ أنْ يمتازَ كلُّ واحدةٍ منها عن صاحبتها إمَّا بالماهية أو لوازمها
أو عوارضها، والأوَّلان محالان؛ لأنَّ الأرواحَ متَّحدةٌ بالنوع، والواحدُ بالنوع
يَتَساوَى جميعُ أفراده بالذاتيات ولوازمها، وأمَّا العوارض فحدوثُها إنَّما هو بسبب
المادة، وهي هنا البدنُ فقبله لا مادة، فلا يمكن أنْ يكون هناك عوارض مختلفةٌ.
وبعد أنْ ساق حجَّةُ الإسلام الدليلَ على هذا الطَّرْز، قيل له: ما تقول في خبر:
(إنَّ الله تعالى خَلَق الأرواحَ قَبْل الأجسام بألفي عام))(١). وقوله وَّ: ((أنا أوَّل
الأنبياء خَلْقاً، وآخرُهم بعثاً، وكنتُ نبيًّا وآدمُ بين الماء والطين»(٢).
فقال رحمه الله تعالى: نعم هذا يدلُّ بظاهره على تقدُّم وجود الروحِ على
الجسد، ولكنَّ أمرَ الظواهر هيِّنٌ لسعة بابِ التأويل، وقد قالوا: إنَّ البرهان القاطع
لا يُدرأ بالظاهر بل يُؤْوَّل له الظاهرُ كما في ظواهر الكتاب والسنة في حقِّ الله تعالى
(١) الفردوس بمأثور الخطاب ١٨٧/٢ من حديث علي له، وسيأتي الكلام عليه عند الآية
[٨٥] من سورة الإسراء، قال السيوطي في الحاوي ١/ ٥٧٢-٥٧٣: ورد بإسناد ضعيف جداً
فلا معوَّل عليه، والمعول عليه في ذلك الحديث الصحيح: ((إن الله قدر المقادير قبل أن
يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة)). اهـ.
(٢) سلف ٨/ ١٤٠.

سُورَةُ الِجْر
٤٦٢
الآية : ٢٩
المنافية لِمَا يدلُّ عليه البرهان القطعي، وحينئذٍ يقال: لعلَّ المراد من الأرواح في
الخبر الأوَّل الملائكةُ عليهم السلام، وبالأجساد أجسادُ العالم من العرش والكرسيِّ
والسماوات ونحوها، وإذا تفكّرت في عِظَم هذه الأجساد لم تكَدْ تستحضر أجسادَ
الآدميين، ولم تفهمها من مُطلق لفظ الأجساد، ونسبةُ أرواح البشر إلى أرواح
الملائکة عليهم السلام کنسبة أجسادهم إلى أجساد العالم، ولو انفتحَ علیك بابُ
معرفةِ أرواح الملائكة لرأيت الأرواح البشريةَ كسراجٍ اقتبس من نارٍ عظيمة طَبَقَّت
العالم، وتلك النارُ هي الروح الأخير من أرواح الملائكة.
وأما قوله عليه الصلاة والسلام: ((أنا أوَّلُ الأنبياء خَلْقاً)) فالخلقُ فيه بمعنَى
التقدير دون الإيجاد، فإنَّه ◌ِوَ له قبل أنْ يُولدَ لم يكن مخلوقاً موجوداً، ولكنَّ الغايات
سابقةٌ في التقدير ولاحقةٌ في الوجود، وهو معنى قول الحكيم: أوَّلُ الفكر آخرُ
العمل، فالدارُ الكاملةُ أوَّلُ الأشياء في حقِّ المهندس مثلاً تقديراً وآخرها وجوداً،
وما يتقدَّم على وجودها من ضَرْب اللَّبن ونحوه وسيلةٌ إليها ومقصودٌ لأجلها، ولمَّا
كان المقصودُ من فطرة الآدميين إدراكَهم لسعادة القُرْب من الحضرة الإلهية، ولم
يُمكنهم ذلك إلا بتعريف الأنبياء عليهم السلام كانت النبوَّة مقصودةً، والمقصودُ
كمالها وغايتُها لا أوَّلها، وتمهيدُ أوَّلها وسيلةٌ إلى ذلك، وكمالُها بِهِ وَّةِ، فلذلك
كان أوَّلاً في التقدير وآخراً في الوجود.
وقولُه عليه الصلاة والسلام: ((كنت نبيًّا وآدمُ بين الماء والطين)) إشارةٌ إلى هذا
أيضاً، وأنَّه لم يشأ سبحانه خَلْق آدم إلا لينتزعَ الصافي من ذُرِّيته، ولم يزل يُستصفَى
تدريجاً إلى أنْ بلَغَ كمال الصفاء، ولا يُفهَم هذا إلا بأنْ يعلم أنَّ للدار مثلاً
وجودَين، وجوداً في ذهن المهندس حتى كأنَّه ينظر إلى صورتها، ووجوداً خارجَ
الذهن مسبباً عن الوجود الأوَّل، فهو سابق عليه لا محالة.
وحينئذٍ يقال: إنَّ الله تعالى يُقدِّر أوَّلاً ثم يوجد على وفق التقدير ثانياً، والتقديرُ
يُرسَم في اللوح المحفوظ كما يُرسَم تقديرُ المهندس أوَّلاً في لوحٍ أو قرطاس،
فتصير الدار موجودةً بكمال صورتها نوعاً من الوجود يكون سبباً للوجود الحقيقي،
وكما أنَّ هذه الصورة تَرتَسِمُ في لوح المهندس بواسطة القلم، والقلمُ يجري على
وفق العلم، بل العلمُ يُجريه، كذلك تقديرُ صُوَرِ الأمور الإلهيّة تَرتسمُ أوّلاً في اللوح

الآية : ٢٩
٤٦٣
سُوَرَّ الِّصْرُ
المحفوظِ بواسطة القلم الإلهي، والقلم يجري على وفق العلم السابق الأزلي.
واللوحُ عبارةٌ عن موجودٍ قابلٍ لنقش الصُّوَر، والقلمُ عبارةٌ عن موجودٍ منه تَفيضُ
الصورُ على اللَّوح، وليس من شرطهما أنْ يكونا جسمَين، ولا يَبْعدُ أنْ يكونَ قلمُ الله
تعالى ولوحُه لائقين لأصبعه ويده، وكلُّ ذلك على ما يليقُ بذاته الإلهيّة، ويُقدَّس
عن حقيقة الجسميّة.
وقد يقال: إنَّهما جوهران روحانيان؛ أحدُهما متعلِّمٌ وهو اللوح، والآخر مُعلِّم
وهو القلم، وقد أُشير إلى ذلك بقوله سبحانه: ﴿عَلََّ بِلْقَلَمِ﴾ [العلق: ٤] فإذا فهمْتَ
معنى الوجود، فقد كان نبيِّنَا وَّهِ قَبْلُ بالمعنى الأوَّل منهما دون المعنى الثاني. اهـ.
واعترض على الاستدلال من وجوهٍ، منها ما هو جارٍ على رأي الفلاسفة
المستدلّين بذلك أيضاً، ومنها ما لا اختصاص له برأيهم:
الأوَّل: لِمَ لا يجوز أن يقال: إنَّها كانت قبلَ الأبدان واحدة ثم تكثَّرت،
ولا يقال: الكلُّ لو كان واحداً وكان قابلاً للانقسام يلزمُ أنْ تكونَ وحدتُه اتِّصاليةً
فيكونَ جسماً؛ لأنَّا نقول: مسلَّمٌ أنَّ كلَّ ما وحدتُه اتِّصالية فإنَّه واحدٌ قابلٌ
للانقسام، ولا نسلِّمُ أنَّ كلَّ واحدٍ قابل للانقسام، فوحدتُه اتِّصالية؛ لأنَّ الموجبةَ
الكلّيّة لا تنعکس کنفسها .
الثاني: سلَّمنا أنَّها كانت متكثِّرةً، لكن لِمَ قلتمُ لابدَّ أنْ يختصَّ كلٌّ بصفةٍ
مميزةٍ؛ لأنه لو كان التميُّز للاختصاص بأمرٍ ما لكان ذلك الأمر أيضاً متميِّزاً عن
غيره، فإمَّا أنْ يكون تميزُه بما به تميزه، فيلزمُ الدور، أو بثالثٍ فيلزمُ التسلسل؛
ولأنَّ التميزَ لا يختصُّ بشيءٍ بعينه إلا بعد تميزه، فلو كان تميزُ الشيء عن غيره
باختصاصه بشيء لزم الدور.
الثالث: سلَّمنا أنَّه لابدَّ من مميز، فَلِمَ لا يجوزُ أنْ يكونَ بذاتيٌّ؟ وبيانُه ما بَيَّنوه
من اختلاف النفوس بالنوع.
الرابع: سلَّمنا أنَّها لا تتميز بشيءٍ من الذاتيَّات، فَلِمَ لا يجوزُ أنْ تتميز
بالعوارض؟ قولكم: إنَّ حدوثها بسبب المادة وهي هنا البدنُ، ولا بدنَ، فنقول: لِمَ
لا يجوزُ أنْ يكونَ هناك بدنٌ تتعلَّقُ به وقَبلَه آخرُ، وهكذا، ولا مخلص من هذا

سُؤَادَةُ الِ حْ
٤٦٤
الآية : ٢٩
إلا بإبطال التناسخ فتتوقَّفُ(١) حجَّةُ إثباتٍ حدوث الأرواح على ذلك الإبطال، مع
أنَّ الحكماء بنوا ذلك على الحدوث حيث قالوا بعد الفراغ من دليله: إذا ثَبَت
حدوثُ النفس فلابدَّ وأنْ يكونَ لحدوثها سببٌ، وذلك هو حدوث البدن، فإذا
حدَثَ البدنُ وتعلَّقَت به نفسٌ على سبيل التناسخ، وثَبَت أنَّ حدوثَ النفس سببٌ
لأَنْ يحدُثَ عن المبادي المفارقة نفسٌ أخرى، فحينئذٍ يلزمُ اجتماع نفسَين في بدن
فيجيءُ الدور.
الخامس: سلَّمنا عدمَ تعلُّقها بيدنٍ قبلُ، لكنْ لِمَ لا يجوزُ أنْ تكونَ موصوفةً
بعارضٍ باعتباره كانت متميِّزَةً، ثم يكونُ كلُّ عارضٍ بسبب عارضٍ آخر لا إلى أول.
السادس: المعارضةُ وهي أنَّ الأرواح عند الفريقين باقيةٌ بعد المفارقة،
ولا يكونُ تمايزُها بالماهية ولوازمها، بل بالعوارض، لكن الأرواح الهيولانية التي
لم تكتسب شيئاً من العوارض إذا فارقَت لا يكونُ فيها شيءٌ من العوارض سوى
أنَّها كانت متعلّقةً بأبدانٍ، فإِنْ كفى هذا القدْرُ في وقوع التمايز، فلْيَكْفِ أيضاً كونها
بحيث يحدثُ لها بعد التعلُّق بأبدانٍ متمايزةٍ، والجواب(٢) قولهم: لِمَ لا يجوزُ أنْ
تكونَ قبلُ واحدةً فتكثَّرَت، قلنا: لا يجوزُ؛ لأنَّ (٣) كلَّ ما انقسم وَجَب أنْ يكونَ
جزؤه مخالفاً لكلِّه ضرورةَ أنَّ الشيءَ مع غيره ليس هو لا مع غيره، فتلك المخالفة
إن كانت بالماهية أو لوازمها وجَبَ أنْ يكونَ كلُّ واحدٍ من الأجزاء مخالفاً للآخر
بالماهية، فتكونُ تلك الأجزاء قد كانت متميزةً أبداً وكانت موجودةً قبلَ التعلُّق.
فهذه الأمورُ المتعلّقةُ الآن بالأبدان كانت متميزةً قبلَ التعلُّق بها، وإن كانت
المخالفةُ لا بالماهية ولا بلوازمها، فلا بدَّ أنْ يكون الجزءُ أصغرَ مقداراً من الكلِّ،
وإلا لم يكن أحدُهما أَولَى بأنْ يكونَ جزء الآخر من العكس، فثبت أنَّ كلَّ واحدٍ
قابل للانقسام، فلا بدَّ أنْ يكونَ ذا مقدار.
سلَّمنا أنَّ المجرَّد لا يمكن أنْ ينقسمَ بعدَ وحدتِهِ، لكن تعيُّنات تلك الأجزاء
إنَّما تحدثُ بعدَ الانقسام الحاصل بعد التعلُّق بالبدن، فيكونُ تعیُّنُ كلِّ واحدٍ من
(١) في (م): فتوقف.
(٢) ليست في (م).
(٣) في الأصل: إن، والمثبت من (م).

الآية : ٢٩
٤٦٥
سُورَةُ الِحْرِ
تلك الأجزاء بعدَ التعلُّق بالبدن، فيكون تعيُّنُ كلِّ واحدةٍ من تلك النفوس من حيث
هي حادثاً، وهو المطلوب.
وقولُهم: لِمَ قلتُم: إنَّ الامتياز لا يوجدُ إلا عند الاختصاصِ بوصفٍ؟ قلنا :
يجابُ بنحو ما ذكروه في تشخُّص التشخص.
وقولُهم: لِمَ قلتُم: إنَّ النفوس لا يجوزُ أنْ تتمايزَ بالصفات المقومة؟ قلنا: هَبْ
أنَّ الأمرَ كما قلتموه إلا أنَّا لا نعرفُ بالبديهة أنَّ كلَّ نوع من أنواعها فإِنَّها مقولةٌ على
أشخاص عدَّة بالضرورة، فإنَّا نعلمُ أنَّه ليس يجبُ أنْ يكونَ كلُّ إنسان مخالفاً لجميع
الناس في الماهية، وإذا وُجِد في كلِّ نوعٍ من أنواعها شخصٌّ فقد تمَّت الحجَّةُ.
وقولهم: إنَّ هذه الحجةَ مبنيّةٌ على إبطال التناسخ. قلنا: ليس كذلك؛ لأنَّا إذا
وجدنا من النوع الواحدِ شخصين، علمنا أنَّ تلك الشخصيةَ ليست معلولةً لتلك
الماهيةِ؛ لأنَّ كلَّ ما كان كذلك كان نوعُه في شخصه، ولمَّا لم يكن كذلك علمنا
أنَّ شخصيتَه ليست من لوازم ماهيته، فهي إذن لعلَّةٍ خارجيَّةٍ، وقد عرفت أنَّ العلة
هي المادة، ومادةُ النفس هي البدنُ، فإذن تعيُّنُها لا بدَّ وأنْ يكون للتعلَّق بيدنٍ معيَّنٍ،
فتكون لا محالة غيرَ متعينةٍ قبل ذلك البدن، فهي معدومةٌ قبلَه.
وبهذا يظهرُ أنَّ كلَّ ما نوعُه مقولٌ على كثيرين بالفعل فهو محدَثٌ، فاتَّضح من
هذا أنَّه متى سلم كون النفوسِ مَّحدةً في النوع يلزمُ حدوثُها، وأنَّه لا يحتاجُ في
ذلك إلى إبطال التناسخ ليجيءَ الدورُ السابق.
قولهم: لم لا يجوز أنْ تكونَ موصوفةً بعارضٍ إلخ؟ قلنا: لا يجوزُ أنْ يكونَ
امتيازها بذلك؛ لأنَّ تميز النفس المعيَّنة عن غيرها حكمٌ معيَّنٌ لابدَّ له من علَّةٍ
معيَّنةٍ، وتلك العلَّة لا يمكنُ أنْ تكونَ حالَّةً فيها؛ لأنَّ ذلك متوقِّفٌ على امتيازها عن
غيرها، فلو توقَّف ذلك الامتيازُ على حلول ذلك الحالِّ لزم الدورُ، فإذن تلك العلَّة
أمرٌ عائدٌ إلى القابل، وقبل البدن لا قابلَ، فلا تميُّزَ. والمتكلِّمون يُيطلون مثل ما ذُكِرَ
بلزوم التسلسل الذي يبطله برهان التطبيق.
وأما المعارضة، فالجواب عنها بأنَّ النفوس الهيولانية يتميّزُ بعضُها عن البعض
أوَّلاً بسبب تعلُّقها بالقابل المعين، ثم إنَّه يلزمُ من تعيُّن كلِّ واحدٍ منها شعورها

سُورَةُ الِجم
٤٦٦
الآية : ٢٩
بذاتها الخاصة، وقد بُيِّن أنَّ شعورَ الشيء بذاته حالةٌ زائدةٌ على ذاته، ثم إنَّ ذلك
الشعورَ يستمرُّ، فلا جَرَمَ يَبْقَى الامتياز.
والحاصلُ أنَّ الامتياز لابدَّ وأنْ يحصلَ أوَّلاً بسببٍ آخرَ حتى يحصلَ لكلٍّ من
النفوس شعورٌ بذاته الخاص، وذلك السببُ في النفوس الهيولانية تعلُّقها بالأبدان،
وأمَّا التي قبلَ الأبدان فلو تميّزت لكان المميّزُ سوى الشعور؛ حتى يترتَّبَ هو عليه،
وقد بُيِّنَ أنَّه ليس هناك مميِّزٌ، فلا جَرَم استَحَالَ حصولُ التميُّز، وظهر الفرق، والله
تعالى الموفِّق.
وقد استدل صاحب ((المعتبر))(١) على حدوثها بأنَّها لو كانت موجودةً قبل
الأبدان لكانت إما متعلِّقةً بأبدانٍ أُخَرَ أَوْ لا، والأوَّل باطلٌ؛ لأنَّه قولٌ بالتناسخ،
وهو باطل؛ لأنَّ أنفسَنا لو كانت من قبلُ في بدنٍ آخرَ لكنَّا نعلم الآن شيئاً من
الأحوال الماضية، ونتذكَّرُ ذلك البدن، وليس فليس. والثاني كذلك؛ لأنَّها تكونُ
حينئذٍ معطلةً ولا معطل في الطبيعة، وهو دليلٌ بجميع مقدماته ضعيفٌ جدًّا
فلا تعتبره.
وزعم قومٌ من قدماء الفلاسفة قِدَمَها، وأوردوا لذلك أموراً:
الأولُ: أنَّ كلَّ ما يحدثُ فلا بدَّ أنْ يكونَ له مادةٌ تكونُ سبباً لأَنْ يصيرَ أَولَی
بالوجود بعد أنْ كان أَولَى بالعدم، فلو كانت النفوسُ حادثةً لکانت مادية، ولیس
فلیس.
الثاني: أنَّها لو كانت حادثةً لكان حدوثُها لحدوثِ الأبدان، لكنَّ الأبدانَ
الماضية غيرُ متناهيةٍ، فالنفوسُ الآن غيرُ متناهيةٍ لكن ذلك محالٌ؛ لكونها قابلةً
للزيادة والنقصان، والقابلُ لهما متناهٍ، فهي الآن متناهيةٌ، فإذن ليس حدوثُ الأبدان
علةً لحدوثها، فلا يتوقَّفُ صدورُها عن عللها على حدوث أمرٍ، فتكون قديمة.
الثالث: أنَّها لو لم تكن أزليَّةً لم تكن أبديّةً؛ لِمَا ثبت أنَّ كلَّ كائنٍ فاسدٌ، لكنَّها
أبديَّةٌ إجماعاً، فهي أزليَّةٌ، ويرد عليهم أنَّه إنْ أُريد بكونها ماديةً أنَّ حدوثها يكونُ
(١) المعتبر في المنطق لأبي بركات هبة الله بن علي بن ملكا، العلامة الفيلسوف شيخ الطب، كان
يهوديًّا، ثم أسلم في أواخر عمره، توفي سنة نيف وخمسين وخمس مئة. السير ٤١٩/٢٠.

الآية : ٢٩
٤٦٧
سُورَةُ الِمُ
متوقِّفاً على حدوث البدن، فالأمرُ كذلك، وإنْ أُريد به أنَّها تكونُ منطبعةً في البدن
فَلِمَ قلتُم: إنَّه لو توقَّفَ حدوثُها على حدوث البدنِ وَجَب أنْ تكونَ منطبعةً فيه،
وأيضاً للمانع أنْ يمنعَ فسادَ لزومٍ كونِ النفوس الآن غيرَ متناهيةٍ، والمقدمةُ القائلة:
إنَّ كلَّ قابلٍ للزيادة والنقصان متنَاوٍ، ليست من الأوَّليات قطعاً كما هو ظاهر، فإذن
لا تصحُّ إلا ببرهان، وهو لا يتقرَّر إلا فيما يحتمل الانطباق على ما بُيِّن في محلّه.
وقولهم: لو لم تكن أزليَّةً لم تكن أبديَّةً، قضيةٌ لا حجَّةَ لهم على تصحيحها
فلا تُقبل، ثم إنَّ كونَ النفوس متَّحدةً بالنوع مما قد صرَّح به جماعةٌ من المتكلِّمين
كالغزالي وغيرِهِ، وإليه ذهب الشيخُ من الفلاسفة إلا أنَّه لم يأتِ لذلك بشبهة فضلاً
عن حجّة، واستدلَّ غيرُه بأمور:
الأول: أنَّ النفوس مشتركةٌ في أنَّها نفوسٌ بشريةٌ، فلو انفصَلَ بعضُها عن بعضٍ
بمقوّمٍ ذاتيٍّ مع هذا الاشتراك، لزم التركيبُ فكانت جسمانيةً.
الثاني: أنَّا نرى الناسَ مشتركين في صحَّة العلم بالمعلومات، وفي صحّة
التخلُّق بالأخلاق، فالنفوسُ متساويةٌ في صحَّة اتِّصافها بالأفعال الإدراكيَّة
والتحريكيَّة، وذلك يُوجب أنْ تكونَ متساويةً مطلقاً؛ لأنَّا لا نعقل من صفاتها
إلا كونَها مدركةً ومتحرِّكةً بالإرادة، وهي متساويةٌ فيهما، فهي إذن متساويةٌ في
جميع صفاتها المعقولة، فلو اختلَفت بعد ذلك لكان اختلافُها في صفاتٍ غير
معقولة، ولو فتحنا هذا الباب لزم تعذّر الحكم بتماثل شيئَين؛ لجواز اختلافهما في
غير معقول عندنا، وذلك يؤدِّي إلى القدح في تماثل المتماثلات.
الثالث: أنَّه بُيِّن في محلِّه أنَّ كلَّ ماهيةٍ مجرَّدٍ لابدَّ وأنْ تكونَ عاقلةً لحقيقةٍ
ذاتها، لكنَّ نَفْسَ زيدٍ مثلاً مجرَّدٌ، فهي عاقلةٌ لذلك، ثم إنَّها لا تعقلُ إلا ماهية قويّة
على الإدراك والتحريك، فإذن ماهيتُه هذا القدرُ، وهو مشترَكٌ بينه وبين سائر
النفوس بالأدلة التي ذكروها في بيان أنَّ الوجودَ مشتَرٌ فيكونُ حينئذٍ تمامُ ماهيته
مقولاً على سائر النفوس، ويمتنعُ أنْ يكونَ هذا المشترَكُ فصل مقوّم في غيره، إذ
هو غيرُ محتاجٍ إليه في زيد إلى فصلٍ يُميِّزُه عن غيره، فلا يحتاجُ في غيره أيضاً إلى
فصل، فإنَّ الطّبيعة الواحدةَ لا تكونُ محتاجةً غنيةً معاً، فثبت الاتفاقُ في النوع.
وهي أدلةٌ واهيةٌ:

سُورَةُ الِجم
٤٦٨
الآية : ٢٩
أما الأول: فلقائل أنْ يقولَ: لِمَ لا يجوزُ أنَّ هذه النفوسَ وإن كانت مختلفةً
بالنوع فهي غيرُ متشاركةٍ في الجنس، فلا يلزمُ من ذلك الاختلافِ كونُها مرَّبةً؟
والاشتراكُ في كونها نفوساً بشريةً ونحوِه يجوزُ أنْ يكونَ اشتراكاً في أمورٍ لازمةٍ
لجوهرها، ولا تكون مقوّمةً لها، فتكون مختلفةً في تمام ماهياتها، ومشتركةً في
اللوازم الخارجية، مثل اشتراك الفصول المقوّمة لأنواع جنسٍ واحدٍ في ذلك
الجنس، فلا يلزمُ التركيب، ولو سلَّمنا أنَّ هذه الأوصافَ ذاتيةٌ، فلِمَ لا يجوزُ أنْ
تكونَ النفوسُ مرَّبةً في ماهياتها مع عدم كونها جسمانيًّا، فالسوادُ والبياض مثلاً
مندرجان تحت جنسٍ، وهو اللون، فيكونُ كلٌّ منهما مرَّباً لا تركيباً جسمانيًّا،
ومثل هذا يقال هنا، كيف لا وقد قالوا: الجوهرُ مقولٌ على النفس والجسم.
وأما الثاني فمدارُه الاستقراءُ، ويضعف ذلك لوجهَين: أحدهما: أنَّه لا يمكننا
أنْ نحكمَ على كلِّ إنسانٍ بكونه قابلاً لجميع المدرَكات. وثانيهما: أنَّه لا يمكننا
أيضاً أنْ نحكمَ على النفس التي علمنا قبولَها لصفةٍ أنَّها قابلةٌ لجميع الصفات، كيف
وضبط الصفات غيرُ ممكن.
وأما الثالث: فهو يقتضي أنْ يكونَ جميعُ المفارقات نوعاً واحداً وهو
مما لا سبيلَ إليه، وذهب شِرْذمة إلى اختلافها بالنوع، وهذا المعتبرُ عند صاحب
((المعتبر)) وطوَّلَ الكلامَ في ذلك، وأحسنُ ما عوَّل عليه في الاستدلال له اختلافُ
الناس في العلم والجهل، والقوّة والضعف، والغضب والتحمُّل، وغير ذلك،
فقال: ليس ذلك لاختلاف المزاج؛ لِمَا أنَّا نجدُ متساويين مزاجاً مختلفين أخلاقاً
وبالعكس، وأيضاً أنَّ نفسَ النبيِّ عليه الصلاة والسلام تبلغُ قوَّتها إلى حيث تكونُ
قويَّةً على التصرُّف في هيولَى هذا العالم، ومعلومٌ أنَّ ذلك ليس لقوّة مزاجه، فلیس
ذلك الاختلافُ إلا لاختلافِ الجواهر.
وأنت تعلمُ أنَّ هذا ليس في الحقيقة من البراهين، بل هو من الإقناعات
الضعيفة، فتدبَّر جميعَ ما ذكرناه، وسيأتي إن شاء الله تعالى تتمَّةٌ للكلام في هذا
المقام(١)، وهو لَعَمْرُ الله تعالى طويلُ الذيل، وبالجملة إنَّ الوقوفَ على حقيقة
(١) عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الرُّوحُ ... ﴾ [الإسراء: ٨٥].

الآية : ٣٠
٤٦٩
سُورَةُ الِحُ
الروحِ أمرٌ عَسِرٌ، والطريق إليه وَعِرٌ، وقد جعل الله سبحانه ذلك من أعظم
آياته الدالّة على جلالة ذاته، وكمال صفاته، فسبحانه من إلهٍ ما أجلُّه، ومن ربِّ
ما أكمله.
ه أمرٌ للملائكة عليهم السلام بالسجود لآدمَ عليه السلام
٢٩
﴿فَقَعُواْ لَهُ، سَجِدِينَ
على وَجْه التحيةِ والتعظيم، أو لله تعالى، وهو عليه السلام بمنزلة القِبْلةِ حيث
ظهرت فيه تعاجیبُ آثارٍ قدرته عزَّ وجلَّ کقول حسان:
أَلَيْس أَوَّلَ مَنْ صلَّى لقبلتكم وأَعلمَ الناسِ بالقرآن والسُّنَنِ (١)
وفي أمرهم بالوقوع، أي: السقوط، دليلٌ على أن ليس المأمورُ به مجرَّدَ
الانحناء كما قيل، بل السجودُ بالمعنى المتبادر.
﴿فَسَجَدَ الْمَلَتِكَةُ﴾ أي: فخلقَه فسوَّاه فنفخ فيه من روحه فسجدَ له الملائكة
ـ﴾ بحيث لم يتأخّر في ذلك أحدٌ
﴿كُلُهُمْ﴾ بحيث لم يشذَّ منهم أحدٌ ﴿أَجْمَعُونَ
منهم عن أحدٍ، بل أوقعوا الفعل مجتمعين في وقتٍ واحدٍ، هذا على ما ذهب إليه
الفرَّاء والمبرّد من دلالة ((أجمعين)) على الاجتماع في وقت الفعل، وقال البصريون:
إنَّها كـ: ((كل))، لإفادة العموم مطلقاً. ومن هنا منع تعاطفهما، فلا يقال: جاء
القومُ كلُّهم وأجمعون، وردُّوا على ذلك بقوله تعالى حكايةً عن إبليس: (لَأُغْوِيَهُمْ
أَجْمَعِينَ) لظهور أنْ لا اجتماعَ هناك.
وردَّه في ((الكشف» بأنَّ الاشتقاقَ من الجمع يقتضيه؛ لأنَّه ينصرفُ إلى أكمل
الأحوال، فإذا فهمت الإحاطة من لفظٍ آخَرَ وهو ((كل)) لم يكن بدٌّ من كونه في وقتٍ
واحدٍ، وإلا كان لغواً، والردُّ بالآية منشؤه عدمُ تصوُّر وجه الدلالة. ومنه يعلم وجه
فساد النظر بأنَّه لو كان الأمرُ كذلك لكان حالاً لا تأكيداً، فالحقُّ في المسألة مع
الفرَّاء والمبرّد، وذلك هو الموافق لبلاغة التنزيل، وزَعَم البصريون أنَّه إنما أكّد
بتأكيدَين؛ للمبالغة في التعميم ومنع التخصيص.
وزعم غيرُ واحدٍ أنَّه لا يؤكّدُ بـ ((أجمع)) دون ((كل)) اختياراً، والمختارُ وفاقاً
(١) نسبه لحسان البيضاويُّ في تفسيره ١٣١/٢، وأبو السعود ٨٧/١، والشهاب في حاشيته على
البيضاوي ١٣١/٢، وتقدم ١٠٨/٢.

سُوَّةُ الِحُ
٤٧٠
الآية : ٣١
لأبي حيان جوازه؛ لكثرة وروده في الفصيح، ففي القرآن عدَّةُ آياتٍ من ذلك(١) وفي
الصحيح: ((فله سلبه أجمع)) (٢)، ((فصلُّوا جلوساً أجمعون))(٣) ولعلَّ منشأ الزعم
وجوبُ تقديم ((كلّ)) عند الاجتماع.
ويردُّه أنَّ النفسَ يجبُ تقديمها على العين إذا اجتمعا، مع جواز التأكيد بالعين
على الانفراد، وما ذكروه من وجوب تقديم ((كلّ)) إنَّما هو بناءً على ما علمت من
الحقِّ لرعاية البساطة والتركيب.
هذا، ثم إنَّه قد تقدَّم الكلامُ في تحقيق أنَّ سجودَهم هذا هل ترَّب على ما حُكِيَ
من الأمر التعليقيّ كما يقتضيه هذه الآية الكريمة، أو على الأمر التنجيزيّ(٤)،
كما يستدعيه بعضُ الآيات. فتذكَّر.
﴿إِلَّ إِبْلِسَ﴾ استنثناءٌ منَّصلٌ إما لأنَّه كان جنيًّا مُفرداً مغموراً بألوف من
الملائكة، فَعُدَّ منهم تغليباً، وإما لأنَّ من الملائكة جنساً يتوالدون يقالُ لهم: جنّ،
وهو منهم، وإما لأنَّه مَلَكُ لا جنيٌّ، وقوله تعالى: ﴿كَانَ مِنَ اُلْجِنِ﴾ [الكهف: ٥٠]
مؤولٌ كما ستعلمه إن شاء الله تعالى.
◌َ﴾ استئنافٌ مبيِّنٌ لكيفية عدم
وقوله سبحانه: ﴿أَّ أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّجِدِينَ
السجود المفهوم من الاستثناء بناءً على أنَّه من الإثبات نَفْيٌّ، ومن النفي إثباتٌ،
وهو الذي تميلُ إليه النفس، فإنَّ مطلقَ عدم السجود قد يكونُ مع التردُّد، وبه عُلِمَ
أنَّه مع الإباء والاستكبار.
وجوِّز أنْ يكونَ الاستثناءُ منقطعاً، فجملةُ ((أَبَى)) إلخ مثَّصلةٌ بما قبلها، ووَجه
ذلك بأنَّ ((إلا)) بمعنى ((لكنَّ) و((إبليس)) اسمُها، والجملةُ خبرُها، كذا قيل. وفي
((الهمع)): إنَّ البصريين يُقدِّرون المنقطعَ بـ ((لكنَّ)) المشدَّدة ويقولون: إنَّما يُقدَّر
بذلك؛ لأنَّه في حكم جملةٍ منفصلةٍ عن الأولى، فقولك: ما في الدار أحدٌ إلَّا
(١) منها قوله تعالى: ﴿وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٣٩]، و﴿لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٤٣]،
و﴿لَأَمْلَأَنَ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣].
(٢) أخرجه أحمد (١٦٥٢٣)، ومسلم (١٧٥٤) من حديث سلمة بن الأكوع څ.
(٣) قطعة من حديث أخرجه أحمد (٨٥٠٢)، والبخاري (٧٢٢)، ومسلم (٤١٥) من حديث
أبي هريرة .
(٤) تقدم ١١٦/٢.

الآية : ٣١
٤٧١
سُورَةُ الِجْر
حماراً، في تقدير: لكنَّ فيها حماراً، على أنَّه استدراكٌ يُخالفُ ما بعد ((لكنَّ) فيها
ما قبلها غير أنَّهم اتَّسعوا فأجروا ((إلَّا)) مجرى ((لكنَّ)، لكنْ لمَّا كانت لا يقعُ بعدها
إلا المفرد - بخلاف ((لكنَّ)) فإنَّه لا يقع بعدها إلا كلامٌ تامٌّ - لقَّبوه بالاستثناء تشبيهاً
بها إذا كانت استثناءً حقيقةً، وتفريقاً بينها وبين ((لكنَّ)).
والکوفیون یُقدِّرونه بـ ((سوی)).
وقال قومٌ منهم ابن يسعون: ((إلا)) مع الاسم الواقع بعدها في المنقطع يكونُ
كلاماً مستأنفاً، وقال في قوله:
وما بالرَّبْع مِن أَحَدٍ
إلا الأَوَارِيَّ(١)
((إلا)) فيه بمعنى ((لكنَّ) والأَوَارِيَّ اسمٌ لها منصوبٌ بها، والخبرُ محذوفٌ، كأنَّه
قال: لكن الأَوَارِيَّ بالربع، وحذف خبرَ («إلَّا)) كما حذف خبر («لكنَّ)) في قوله:
ولكنَّ زنْجيًّا عظيمَ المشافِرِ(٢). اهـ.
والظاهرُ منه أنَّ البصريين وإنْ قدَّروه بـ ((لكنَّ) لا يُعربونه هذا الإعراب، فهو
تقديرُ معنّى لا تقديرُ إعرابٍ، ولعلَّ التوجيهَ السابق مبنيٌّ على مذهب ابنٍ يسعون
إلا أنَّه لم يُصرِّح فيه بورود الخبر مصرَّحاً به، نعم صرَّح بعضُهم بذلك، وسيأتي إن
شاء الله تعالى تتمَّةٌ لهذا المبحثِ في هذه السورة(٣)، فافهم.
(١) هذان جزءان من بيتي شعر للنابغة الذبياني هما:
وقفتُ فيها أُصَيْلاناً أُسائِلُها عَيَّت جواباً وما بالرَّبعِ من أحد
إلا الأَوَارِيَّ لَأياً ما أُبَيِّنُها والنُّؤيُ كالحوض بالمظلومةِ الجَلَدِ
وهما في ديوانه ص٣٠. قوله: أصيلاناً تصغير أُضْلان جمع أصيل، والأَوَاريّ: جمع آري
وهو محبس الدابة، واللَّأَيُّ: الشدة والإبطاء، والنُّؤيُّ: حفيرة حول الخباء؛ لئلا يدخله ماء
المطر. والجَلَّد: الأرض الصلبة. ينظر الصحاح (أرا) (أصل) (جلد) (نأي).
(٢) البيت للفرزدق، وهو بهذا اللفظ في المحتسب ١٨٢/٢، والخزانة ٤٤٤/١٠، وبلفظ: زنجيًّا
غليظاً مشافره، في الأغاني ٣٣٢/٢١، وشواهد المغني ص ٧٠١، والخزانة ٤٤٦/١٠،
وبلفظ: زنجيٍّ غليظ المشافر، في الكتاب ١٣٦/٢، والمقرب ١٠٨/١، والإنصاف ١٨٢/١،
وشرح ابن يعيش ٨٢/٨، وفي البيت خلاف ينظر الخزانة.
(٣) عند تفسير الآية رقم (٥٨).

سُورَةُ الِحُ
٤٧٢
الآيتان : ٣٢-٣٣
ووَجْهُ الانقطاع ظاهرٌ؛ لأنَّ المشهور أنَّه ليس من جنس الملائكة عليهم
السلام، والانقطاعُ - على ما قال غيرُ واحدٍ - يتحقَّق بعدم دخوله في المستثنَى منه،
أو في حکمه.
وما قيل: إنَّه حينئذٍ لا يكونُ مأموراً بالسجود فلا يلزمُ(١)، والاعتذارُ عنه بأنَّ
الجنَّ كانوا مأمورين أيضاً، واستغنى بذكر الملائكةِ عليهم السلام عنهم وأنَّه معنى
الانقطاع وتوجُّهِ اللَّوم = مِن ضيق العَطَن.
﴿قَالَ﴾ استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال مَن قال: فماذا قال الربُّ تعالى عند إبائه؟
فقيل: قال سبحانه: ﴿يَكَإِبْلِيسُ مَا لَكَ﴾ أي: أيُّ سببٍ لك، كما يقتضيه الجواب،
وقولُه تعالى: ما منعك ﴿أَلَّا تَكُونَ﴾ أي: في أن لا تكون ﴿مَعَ السَِّدِينَ
﴾ لِمَا
٣٢
خلقتُ مع أنَّهم هم ومنزلتُهم في الشرف منزلتُهم، وكأنَّ في صيغة الاستقبال إيماء
إلى مزيد قُبح حاله، ولعلَّ التوبيخَ ليس لمجرَّد تخلّفه عن أولئك الكرام بل لأُمورٍ
حُكِيَت متفرَّقَةً؛ إشعاراً بأنَّ كلَّا منها كافٍ في التوبيخ وإظهارٍ بطلان ما ارتكبه
وشناعتهِ، وقد تُركَت حكايةُ التوبيخ رأساً في غير سورةٍ؛ اكتفاءً بحكايتها في
موضع آخر (٢)، والظاهر أنَّ قولَ الله تعالى له ذلك لم يكن بواسطةٍ، وهو منصبٌ
عالٍ إذا كان على سبيل الإعظام والإجلال دون الإهانة والإذلال، كما لا يخفى.
﴿قَالَ﴾ استئنافٌ على نحو ما تقدَّم ﴿لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ﴾ اللام لتأكيد النَّفْي، أي:
ينافي حالي ولا يستقيمُ منِّي أنْ أسجد ﴿لِبَشَرٍ﴾ جسمانيٍّ كثيفٍ ﴿خَلَقْتَهُ، مِن صَلْصَلٍ
إشارةٌ إجماليةٌ إلى ادِّعاء خيريَّته وشرفٍ مادته، وقد نُقِل عنه -
مِنْ حَمٍَ مَسْتُونِ لـ
لعنه الله تعالى - التصريحُ بذلك في آية أخرى(٣)، وقد عَنى اللعينُ بهذا الوصف بيانَ
مزيدٍ خِسَّةِ أصلٍ (٤) مَن لم يسجد له - وحاشاه - وقد اكتُفي في غير موضع بحكاية
بعضٍ ما زعمه موجباً للخِسَّة، وفي عُدُولِه عن تطبيق جوابه على السؤال رَومٌ
للتفصِّي عن المناقشة، وأنَّى له ذلك، كأنَّه قيل: لَمْ أَمتنع عن الانتظام في سلك
الساجدين، بل عمَّا لا يليقُ بشأني من السجود للمفضول، وقد أخطأَ اللعينُ حيث
(١) في حاشية الشهاب ٩٢/٥، (والكلام منه): فلا يذم.
(٢) في سورة صّ، آية (٧٧-٧٨).
(٣) في قوله تعالى: ﴿قَالَ أَنَأْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقَْنِ مِن ◌َّارٍ وَخَقْتَهُ، مِن ◌ِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢].
(٤) ليس في الأصل.

الآية : ٣٤
٤٧٣
◌ُوَةُ الحجم
ظنَّ أنَّ الفضل كلَّه باعتبار المادة، وما درى أنَّه يكونُ باعتبار الفاعل، وباعتبار
الصورة، وباعتبار الغاية، بل إنَّ ملاكَ الفضل والكمال هو التخلِّ عن الملكات
الرَّديَّة، والتحلِّي بالمعارف الربانيَّة:
· ويمينٌّ لا كاسَ فيها شمالُ(١)
فشمالٌ والكاسُ فيها يمينٌ
ولله تعالی دُّ مَن قال:
يُغنيكَ مضمونُه عن النَّسبِ
كُن ابنَ مَن شِئْتَ واكتَسِبْ أَدَباً
ليسَ الفتَى مَن يقول كان أبي(٢)
إنَّ الفتى مَن يقولُ ها أنا ذا
على أنَّ فيما زعَمَه من فضل النار على التراب منعاً ظاهراً، وقد تقدَّم الكلام
في ذلك(٣) .
﴿قَالَ﴾ استئنافٌ كما تقدَّم أيضاً ﴿فَأَخْرُجْ مِنْهَا﴾ قيل: الظاهرُ أنَّ الضمير للسماء وإنْ
لم يَجْرِ لها ذكرٌ، وأُيِّد بظاهر قوله تعالى: ﴿فَأَهْبِطَ مِنْهَا﴾ [الأعراف: ١٣] وقيل: لزمرة
الملائكة عليهم السلام. ويلزمُ خروجُه من السماء إذ كونه بانزوائه عنهم في جانب
لا يعدُّ خروجاً في المتبادر، وكفَى به قرينةً. وقيل: للجَنَّة؛ لقوله تعالى: (أُسْكُنْ أَنْتَ
وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) ولوقوع الوسوسةِ فيها، وَرُدَّ بأنَّ وقوعَها كان بعدَ الأمر بالخروج.
﴿فَإِنَّكَ رَحِيمٌ ﴿3﴾ مطرودٌ من كلِّ خيرٍ وكرامةٍ، فإنَّ مَن يُطرد يُرجَم بالحجارة،
فالكلامُ من باب الكناية، وقيل: أي: شيطانٌ يُرجَم بالشُّهب، وهو وعيدٌ بالرجم
بها، وقد تضمَّن هذا الكلامُ الجوابَ عن شبهته، حيث تضمَّن سوءً حاله، فكأنَّه
قيل: إنَّ المانع لك عن السجود شقاوتُك وسوء خاتمتك وبُعْدُك عن الخير لا شرفُ
عنصرك الذي تزعُمه.
وقيل: تَضمُّنُه ذلك؛ لأنَّه عَلِمَ منه أنَّ الشرف بتشريف الله تعالى وتكريمه، فبطل
ما زَعَمه مِن رجحانِهِ، إذ أبعده الله تعالى وأهانه، وقرَّب آدم عليه الصلاة والسلام وكرَّمه.
(١) عزاه العاملي في الكشكول ٣٦/١، للشيخ محمد البكري الصديقي.
(٢) البيتان في الديوان المنسوب لسيدنا علي ﴿به ص٢٥، ونَسَبَ ياقوت الحموي في معجم
الأدباء ٢٠/١٩ البيت الأول فقط لميمونة بن أبي ربيعة الأصبهاني.
(٣) ينظر ٣٨/٩.

سُوَةُ الِح
٤٧٤
الآيات : ٣٥ - ٣٧
وقيل: تضمنه للجواب بالسكوت، كما قيل: جوابُ ما لا يُرتَضَى السكوتُ،
وفي تفسير الرجيم بالمرجوم بالشُّهب إشارةٌ لطيفةٌ إلى أنَّ اللعينَ لمَّا افتخَرَ بالنار
عُذِّب بها في الدنيا فهو كعابدِ النارِ يَهْوَاها وتَحْرِقُه.
﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اَلَّعْنَةَ﴾ الإبعاد على سبيل السُّخْط، وذلك مِن الله تعالى في
الآخرة عقوبة، وفي الدنيا انقطاعٌ مِن قبول فيضِهِ تعالى وتوفيقه سبحانه، ومِن
الإنسان دعاءٌ بذلك، والظاهرُ أنَّ المرادَ لعنةُ الله تعالى؛ لقوله سبحانه: ﴿وَإِنَّ عَلَّكَ
لَغْنَتِىّ﴾ [ص: ٧٨].
﴿إِلَى يَوْرِ الدِّينِ
· إلى يوم الجزاء، وفيه إشعارٌ بتأخير جزائه إليه، وأنَّ اللعنةَ
٣٥
مع كمال فظاعتها ليسَت جزاءً لفعله، وإنَّما يتحقَّق ذلك يومئذٍ، وفيه من التهويل
ما فيه، وجعل ذلك غاية أمدِ اللعنة، قيل: ليس لأنَّها تنقطعُ هنالك، بل لأنَّه عند
ذلك يُعذّبُ بما يَنْسَى به اللعنة مِن أفانينِ العذاب، فتصير هي كالزائل، وقيل:
إنَّما غَيَّى بذلك؛ لأنَّه أبعدُ غايةٍ يضربها الناسُ في كلامهم، فهو نظيرُ قوله تعالى:
﴿خَلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ﴾ [هود: ١٠٧] على قول.
وقال بعضُهم: إنَّ المرادَ باللعنة لَعْنُ الخلائق له، لعنةُ الله تعالى عليه، وذلك
منقطعٌ إذا نُفخ في الصور وجاء يوم الدين، دون لَعْنِ الله تعالى له وإبعاده إياه فإنَّه
متَّصلٌ إلى الأبد.
﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِ﴾ أمْهِلْنِي وأخّرني ولا تُمِثْني، والفاء متعلِّقةٌ بمحذوفٍ مفهوم
من الكلام، أي: إذ جعْلتَني رجيماً فأَمهلْني ﴿إِلَ يَوْمٍ يُبْعَثُونَ ﴾﴾ أي: آدم عليه
السلام وذُرِّيَّته للجزاء، وأراد بذلك أنْ يَجِدَ فسحةً لإغوائهم ويأخذَ منهم ثأرَه.
قيل: ولينجو من الموت، إذ لا موتَ بعد البعث، وهو المرويُّ عن ابن عباس
والسدي، وكأنَّه - عليه اللعنة - طَلَبَ تأخيرَ موته لذلك ولم يكتفِ بما أشار إليه
سبحانه في الثَّغَيِّي من التأخير لِمَا أنَّه يمكنُ كونُ تأخيرِ العقوبةِ كسائر مَن أُخِّرَت
عقوباتُهم إلى الآخرة من الكفرة.
﴿قَالَ﴾ الرَّبُّ سبحانه ﴿فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ﴾ أي: من جملتهم، ومُنْتَظِم في
سِلْكهم. قال بعضُ الأجلَّة: إنَّ في ورود الجواب جملة اسميَّة مع التعرُّض لشمول

الآية : ٣٨
٤٧٥
سُورَةُ الِحُ
ما سأَلَه الآخرينَ على وجهٍ يُؤْذِن بكون السائلِ تَبَعاً لهم في ذلك دليلاً على أنَّه إخبارٌ
بالإنظار المقدَّر لهم لا لإنشاء إنظارٍ خاصٍّ به وقع إجابةً لدعائه، أي: إنَّك من
جملة الذين أُخِّرَت آجالُهم أزلاً حسبما تقتضيه حكمةُ التكوين، فالفاء لربط الإخبار
بالإنظار بالاستنظار كما في قوله :
فإِنْ تَرْحَمْ فأنْتَ لذاكَ أهلُ وإِنْ تَظْرُدْ فَمنَ يَرْحَمْ سواكا (١)
لا لربط نفسِ الإنظار به، وأنَّ استنظارَه لتأخير الموتِ إذ به يتحقَّقُ کونُه من
جملتهم، لا لتأخير العقوبة كما قيل، ونَظْمُه في سلك مَن أُخّرَت عقوبتُهم إلى
الآخرة في علم الله تعالى ممن سَبَق من الجنِّ ولَحِقَ من الثقلَين، لا يلائم مقامَ
الاستنظار مع الحياة؛ ولأنَّ ذلك التأخيرَ معلومٌ من إضافة اليوم إلى الدين مع
إضافته في السؤال إلى البعث. انتهى.
وقيل: إِنَّ الفاء متعلِّقةٌ كالفاء الأولى بمحذوفٍ، والكلامُ إجابةٌ له في الجملة،
أي: إذا دعوتَني فإنَّك من المنظرين.
﴿ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ
﴾﴾ وهو وقتُ النفخة الأولى كما روي عن ابن
CAD
عباس، وعليه الجمهور.
ووصفُه بالمعلوم إمَّا على معنى أنَّ الله تعالى استأثَرَ بعلمه، أو على معنى معلومٌ
حالُه، وأنَّه يَصعَقُ فيه مَن في السموات ومَن في الأرض إلا ما شاء الله تعالى.
وقال آخرون: إنَّه عليه اللعنةُ أُعطِيَ مسؤولَهُ كَمَلاً(٢)، وليس إلا البقاءُ إلى وقت
النفخةِ الأولَى وهو آخر أيام التكليفِ، والوقتُ المشارفُ للشيء المتصل به معدودٌ
منه، فأولُ يوم الدين، وأولُ يوم البعث، كأنَّه من ذلك الوقت.
واستُظهِرَ ذلك بأنَّ الملعون عالِمٌ فلا يَسأل ما يَعلمُ أنَّه لا يُجابُ إليه، وبأنَّ
ما في ((الأعراف))(٣) لعدم ذِكْر الغايةِ فيه يدلُّ على الإجابة.
(١) نسبه المصنف عند تفسير الآية (٨٢) من سورة ((صّ)) للشافعي. وهو في معاهد التنصيص
١/ ١٧٠ دون نسبة.
(٢) كَمَلاً: أي: كلّه. مختار الصحاح (كمل).
(٣) وهي قوله تعالى: ﴿قَالَ أَنْظِرْنِيٌّ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ﴾ [الآيتان: ١٤-١٥].

سُورَةُ الِجم
٤٧٦
الآية : ٣٨
واعترض على الأوَّل بأنَّه غيرُ بيِّنٍ ولا مبين، وكونُه على غالب الظنِّ لا يُجدي
في مثله.
وعلى الثاني بأنَّ تَرْكَ الغايةِ في سورة الأعراف يحتملُ أنْ يكونَ كترك الفاء في
الاستنظار والإنظار تعويلاً على ما ذكر ها هنا وفي سورة ((ص))(١)، فإنَّ إيرادَ كلام
واحدٍ على أساليبَ متعددةٍ غيرُ عزيز في الكتاب العزيز.
ومن الناس القائلين بالمغايرة مَن قال: إنَّ المرادَ باليوم المعلوم اليومُ الذي
عَلِمَ الله تعالى فيه انقضاءَ أجله، وهو يومُ خروج الدابة، فإنَّها هي التي تقتلُه، وقد
قدَّمنا نَقْل هذا القولِ عن بعض السلف، وهو من الغرابة بمكان. وأغربُ منه
ما قيل: إنَّه هلك في بعض غزواته نَّهِ، وقد ذكرنا قبلُ أنَّ هذا مما لا يكادُ يُقَبل
بظاهره أصلاً .
والمشهورُ المعوَّلُ عليه عند الجمهور هو ما ذكرناه من أنَّه يموتُ عند النفخة
الأولى، وبينها وبين النفخة الثانية التي يقومُ فيها الخلقُ لربِّ العالمين أربعون سنة،
ونُقِلَ عن الأحنف بن قيس - عليه الرحمة - أنَّه قال: قدمتُ المدينة أُريدُ أميرَ
المؤمنين كرَّم الله تعالى وجهه، فإذا أنا بحَلْقةٍ عظيمةٍ، وكعبُ الأحبار فيها يُحدِّث
وهو يقول: لمَّا حضَرَ آدَمَ عليه السلام الوفاةُ قال: يا ربِّ سيشمتُ بي عدوِّي إبليس
إذا رآني ميتاً، وهو مُنتَظَر إلى يوم القيامة، فأُجيبَ أَنْ يا آدم إنَّك ستُرَدُّ إلى الجنة
ويُؤخَّرُ اللعين إلى النظرة ليذوقَ ألم الموتِ بعدد الأوَّلِين والآخرِين، ثم قال لملك
الموت: صِفْ لي كيف تذيقُه الموت؟ فلما وصَفَه، قال: يا ربِّ حسبي. فضجَّ
الناسُ وقالوا: يا أبا إسحاق كيف ذلك؟ فأبى وأَلتُوا فقال: يقول الله سبحانه لملك
الموت عقيبَ النفخة الأولى: قد جعلتُ فيك قوَّةَ أهلِ السماوات وأهل الأرضين
السبع، وإنِّي اليوم ألبستُكَ أثوابَ السُّخْط والغضب كلّها، فابرُزْ بغَضَبي وسَطْوَتي
على رَجيمي إبليسَ، فَأَذِقْه الموتَ واحْمِل عليه فيه مرارةَ الأوَّلِين والآخرين من
الثقلَين أضعافاً مضاعفةً، وليكن معكَ من الزبانية سبعون ألفاً قد امتلؤوا غيظاً
وغَضَباً، وليكن مع كلِّ منهم سلسلةٌ من سلاسل جهنّم، وغلٌّ من أغلالها، وانْزَع
(١) في قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنيّ إِلَى يَوْرِ يُبْعَثُونَ ﴿١٨) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنَرِينَ﴾ [الآيتان: ٧٩-٨٠].

الآية : ٣٩
٤٧٧
سُورَةُ الِجْرُ
روحَه المنتنَ بسبعين ألفٍ كلَّاب من كلاليبها، ونادٍ مالكاً ليفتحَ أبوابَ النيران،
فينزلُ الملكُ بصورةٍ لو نَظَر إليها أهلُ السماوات والأرضين لماتوا بغتةً من هولها،
فينتهي إلى إبليسَ فيقولُ: قف لي يا خبيث، لأُذيقَنَّك الموتَ، كم من عُمرِ أدرَكْتَ،
وقَرْنٍ أَضْلَلْتَ، وهذا هو الوقتُ المعلومُ. قال: فيهربُ اللعينُ إلى المشرقِ، فإذا
هو بملَك الموتِ بين عينيه، فيهربُ إلى المغرب، فإذا هو به بين عينيه، فيغوصُ
البحارَ فيثيرُ منها البخارَ فلا تقبلهُ، فلا يزالُ يهربُ في الأرض ولا محيصَ له
ولا ملاذَ، ثم يقوم في وسط الدنيا عند قبرِ آدمَ عليه السلام، ويتمرَّغُ في التراب من
المشرق إلى المغرب، ومن المغرب إلى المشرق، حتى إذا كان في الموضع الذي
أُهبطَ فيه آدمُ عليه السلام، وقد نَصَبَت له الزبانيةُ الكلاليبَ، وصارتَ الأرضُ
كالجمرة، احتَوَشَتْه الزبانيةُ وطعنوه بالكلاليب، فيبقَى في النزع والعذابِ إلى حيث
يشاءُ الله تعالى.
ويقال لآدم(١) وحواء عليهما السلام: اطَّلِعا اليومَ على عدوِّكما يذوقُ الموت،
فيطَّلعانِ فينظران إلى ما هو فيه من شدَّة العذاب فيقولان: ربَّنا أَتممْتَ علينا
نعمتك(٢).
وجاء في بعضٍ الأخبار أنَّه حينَ لا يجدُ مفرًّا يأتي قبرَ آدَمَ عليه السلام فيحثو
الترابَ على رأسه ويُنادي: يا آدمُ أنت أصلُ بليَّتي. فيقال له: يا إبليسُ اسجُدْ الآن
لآدمَ عليه السلام فيرتفعُ عنك ما تَرَى، فيقول: كلَّا، لم أسجد له حيًّا فكيف أسجدُ
له ميتاً، وهذا إنْ صحَّ يدلُّ على أنَّ اللعينَ من العناد بمكان لا تصلُ إلى غايته
الأذهان.
﴿قَالَ رَبٍّ بِمَآ أَغْوَيْنَنِ﴾ أي: بسبب إغوائك إِيَّاي ﴿لَأُزَيِّنَنَّ﴾ أي: أُقسمُ لأُزيِننَّ
﴿لَهُمْ﴾ أي: لذرِّيَّته، وهو مفهومٌ من السياق وإنْ لم يَجْرِ له ذكرٌ، وقد جاء مُصرَّحاً
به في قوله تعالى حكايةً عن اللعين أيضاً: ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِيَّتَهُ﴾ [الإسراء: ٦٢]
ومفعول ((أُزَيِّنَنَّ)) محذوفٌ أي: المعاصي ﴿فِ اُلْأَرْضِ﴾ أي: هذا الجرمِ المدحوِّ،
وكأنَّ اللعينَ أشارَ بذلك إلى أنِّي أَقدِرُ على الاحتيال لآدمَ والتزيين له الأكلَ من
(١) في (م): يقال آدم.
(٢) ذكره أبو السعود في تفسيره ٧٧/٥-٧٨.

سُورَةُ الِحْم
٤٧٨
الآية : ٣٩
الشجرة في السماء، فأنا على التزيين لذرِّيَّته في الأرض أقدرُ، ويجوزُ أنَّه أراد
بالأرض الدنيا؛ لأنَّها محلُّ متاعها ودارها .
وذكر بعضُهم أنَّ هذا المعنى عرفيٍّ للأرض، وأنَّها إنما ذُكرَت بهذا اللفظ
تحقيراً لها، ولعلَّ التقييد على ما قيل؛ للإشارة إلى أنَّ للتزيين محلًّا يُقوِّي قبولَه،
أي: لأُزيننَّ لهم المعاصي في الدنيا التي هي دارُ الغرور.
وجوّز أنْ(١) يُراد بها هذا المعنى، ويُنزَّل الفعل منزلةَ اللازم ثم يعدَّى بـ ((في)»
وفي ذلك دلالةٌ على أنَّها مُستقَرُّ التزيين، وأنَّه تمكن المظروف في ظرفه، ونحوه
قول ذي الرُّمَّة :
فإنْ تَعْتَذِرْ بالمَحْلِ من ذي ضُروعها إلى الضَّيف يَجْرَحْ فِي عَرَاقيبها نَصْلي(٢)
والمعنَى: لأُحَسِّنَنَّ الدنيا وأُزيَِّنَّها لهم حتى يشتغلوا بها عن الآخرة، وجوِّزَ
جعلُ الباء للقَسَمِ، و((ما) مصدرية أيضاً، أي: أُقسم بإغوائك إِيَّاي لأُزيَّثَنَّ، وإقسامُه
بعزَّة الله تعالى المفسَّرة بسلطانه وقهرِه لا ينافي إقسامَه بهذا، فإنَّه فرعٌ من فروعها
وأثرٌ من آثارها، فلعلَّه أقسمَ بهما جميعاً، فحُكي تارة قَسَمُه بهذا وأُخرَى بذاك.
وزَعَم بعضُهم أنَّ السببيَّة أولَى؛ لأنَّه وقع في مكانٍ آخر: ﴿فَعِزَِّكَ﴾ [ص: ٨٢]
والقصةُ واحدةٌ، والحملُ على مُحاورَتَين لا موجبَ له؛ ولأنَّ القَسَم بالإغواء غيرُ
متعارفٍ. انتھی.
وفيه نظرٌ ظاهرٌ، فإنَّ قولَه: (فَبِعِزَِّكَ) يحتملُ القَسَمِيَّة أيضاً، وقد صرَّح الطيبي
بأنَّ مذهبَ الشافعية أنَّ القسمَ بالعزَّة والجلال يمين شرعاً، فالآيةُ على الزاعم
لا له.
نعم إنَّ دعواه عدمَ تعارفِ القسم بالإغواء مسلَّمةٌ، وهو عندي يكفي لأولويَّة
السببية، ولعدم التعارف مع عدم الإشعار بالتعظيم لا يعدُّ القسم بها يميناً شرعاً،
فإنَّ القائلين بانعقاد القَسَم بصفةٍ له تعالى يشترطون أنْ تُشعِرَ بتعظيمٍ ويُتُعارَف مثلُها .
(١) بعدها في (م): يكون.
(٢) ديوان ذي الرمة ١٥٦/١، وخزانة الأدب ١٢٨/٢.

الآية : ٤٠
٤٧٩
سُورَةُ الِجم
وفي(١) نسبة الإغواء إليه تعالى بلا إنكارٍ منه سبحانه قولٌ بأنَّ الشرَّ كالخير
من الله عزَّ وجل، وأوَّلَ المعتزلةُ ذلك وقالوا: المرادُ النسبةُ إلى الغيِّ كـ : فَسَّقْتُه،
نسبتُه إلى الفسق، لا فَعَّلْتُه، أو أنَّ المرادَ فَعَل به فعلاً حسناً أفضَى به لخبثه إلى
الغي حيث أمرَه سبحانه بالسجود فأبَى واستكبر، أو أَضلَّه عن طريق الجنة وترك
هدايَته واللطف به، واعتذروا عن إنظار الله تعالى إياه (٢) مع أنَّه مفضٍ إلى الإغواء
القبيح بأنَّه تعالى قد علم منه وممن اتَّبعه أنَّهم (٣) يموتون على الكفر ويصيرون إلى
النار، أُنْظِرَ أم لم يُنظَر، وأنَّ في إنظاره تعريضاً لمن خالفه لاستحقاق مزيدٍ الثواب.
وأنت تعلم أنَّ في إنظار إبليسَ - عليه اللعنة - وتمكينِهِ من الإغواء وتسليطِهِ على
أكثر بني آدم ما يأبى القول بوجوب رعاية الأصلح المشهور عن المعتزلة، وأيضاً
من زعم أنَّ حكيماً أو غيرَه يحصُر قوماً في دارٍ ويُرسلُ فيها النارَ العظيمة والأفاعي
القاتلةَ الكثيرة، ولم يُرد أذَى أحدٍ من أولئك القوم بالإحراق أو اللَّسْع، فقد خرج
عن الفطرة البشرية. فحينئذٍ الذي تحكُم به الفطرة أنَّ الله تعالى أرادَ بالإنظار إضلالَ
بعض الناس، فسبحانه مِن إلهٍ يفعلُ ما يشاء ويحكمُ ما يريد.
وتمسّك بعضُ المعتزلة في تأويل ما تقدَّم بقوله تعالى: ﴿وَلَأُغْوِيَنَهُمْ﴾ حيث أفادَ
أنَّ الإغواء فعله، فلا ينبغي أنْ يُنسَب إلى الله تعالى.
وأُجيبَ بأنَّ المرادَ به هنا الحملُ على الغواية لا إيجادها، وتأويل اللاحق
للسابق أَوْلَى من العكس، وبالجملة ضعفُ الاستدلال ظاهرٌ، فلا يصلح ذلك
مُتمسَّكاً لهم.
، أي: كلّهم، فهو لمجرَّد الإحاطة هنا.
﴿أَجْمَعِينَ
﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ المُغْلِصِينَ ﴾﴾﴾ بفتح اللام، وهو قراءة الکوفیین ونافع والحسن
والأعرج(٤)، أي: الذين أَخْلَصْتَهم لطاعتك وطهَّرتَهم مِن كلِّ ما يُنافي ذلك، وكأن
(١) في الأصل: في. بدون واو.
(٢) ليس في الأصل.
(٣) ليس في الأصل، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ٧٨/٥.
(٤) قراءة الكوفيين ونافع في التيسير ص ١٢٨، والنشر ٢٩٥/٢، وقرأ بها أبو جعفر وخلف،
وقراءة الحسن والأعرج في البحر المحيط ٤٥٤/٥.

سُودَةُ الِهم
٤٨٠
الآية : ٤١
الظاهر: وأنَّ منهم مَن لا أغويه مثلاً، وعَدَل عنه إلى ما ذكر؛ لكون الإخلاص
والتمخُّض لله تعالى يستلزمُ ذلك، فيكونُ من ذكر السبب وإرادة مُسبِّبه ولازمه على
طريق الكناية، وفيه إثباتُ الشيء بدليله، فهو من التصريح به، وقرأ باقي السبعة
والجمهورُ بكسر اللام(١)، أي: الذين أَخلَصُوا العملَ لك ولم يشركوا معك فيه أحداً.
﴿قَالَ﴾ الله سبحانه وتعالى: ﴿هَذَا صِرَطُ عَلَىَ﴾ أي: حقٌّ لابدَّ أنْ أُراعيه
، لا انحرافَ فيه، فلا يُعدَل عنه إلى غيره، والإشارةُ إلى ما تضمَّنه
﴿مُسْتَقِیؤُ
الاستثناء وهو تخلَّص المخلصين من إغوائه، وكلمة ((عليّ)) تُستَعمَل للوجوب،
والمعتزلة يقولون به حقيقةً؛ لقولهم بوجوب الأصلح عليه تعالى، وقال أهلُ السُّنَّة:
إنَّ ذلك وإنْ كان تفضُّلاً منه سبحانه إلا أنَّه شُبِّهَ بالحقِّ الواجب لتأكيد ثبوتهِ وتحقُّق
وقوعه بمقتضى وعده جلَّ وعلا، فجيء بـ (على)) لذلك.
أو إلى ما تضمَّنه «المخلصين)) بالكسر، من الإخلاص على معنى أنَّه طريقٌ
يُؤدِّي إلى الوصول إليَّ مِن غير اعوجاجٍ وضلال، وهو على نحو: طريقُك عليَّ، إذا
انتهى المرور عليه.
وإيثار حرف الاستعلاء على حرف الانتهاء؛ لتأكيد الاستقامةِ والشهادةِ
باستعلاء مَن ثبت عليه، فهو أدلُّ على التمكُّن من الوصول، وهو تمثيلٌ، فلا استعلاء
لشيء عليه سبحانه، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيراً .
وليسَت ((على)) فيه بمعنى ((إلى))، نعم أخرج ابنُ جرير عن الحسن أنَّه فسّرها
بها، وأخرج عن زياد بنِ أبي مريم وعبد الله بنٍ كثير أنَّهما قرأا: «هذا صراط عليَّ
مستقيم))(٢) وقالا: ((عليَّ) هي ((إليَّ) وبمنزلتها. والأمرُ في ذلك سهل، وهي متعلِّقةٌ
بـ ((يمر)) مقدَّراً، و((صراط)) متضمِّنٌ له فيتعلَّق به.
وقال بعضهم: الإشارةُ إلى انقسامهم إلى قسمَين - أي: ذلك الانقسام إلى غاوٍ
وغيرِه - أمرٌ مصيرُه إليَّ، وليس ذلك لك، والعربُ تقول: طريقُك في هذا الأمر
على فلان، على معنَى: إليه يصيرُ النظرُ في أمرك.
(١) التيسير ص ١٢٨، والنشر ٢٩٥/٢، والبحر المحيط ٤٥٤/٥.
(٢) في الأصل و(م): هذا صراط مستقيم، والمثبت من تفسير الطبري ١٤/ ٧٠.