النص المفهرس

صفحات 381-400

الآية : ٢
٣٨١
سُورَةُ الحِجْرُ
وقال الضحاك: إنَّ ذلك في الدنيا عند الموت وانكشافٍ وخامة الكفر لهم،
وعن ابن مسعود: إنَّ الآيةَ في كفار قريش وَدُّوا ذلك يومَ بدر حينَ رأَوا الغلَبَة
للمسلمين. وفي روايةٍ عنه وعن أُناس من الصحابة ﴿ه: إنَّ ذلك حين ضُربَتْ
أعناقُهم فعرضوا على النار.
وذكر ابنُّ الأنباري أنَّ هذه الودادة من الكفار عند كلِّ حالةٍ يُعذّبُ فيها الكافرُ
ويَسلَم المسلمُ (١).
و((ربَّ)) على كثرة وقوعِها في كلام العربِ لم تقع في القرآن إلا في هذه الآية،
ويقال فيها (رُبَّ)) بضم الراء وتشديد الباء وفتحها، و((رَبَّ)) بفتح الراء، و(رُبُّ))
بضمهما، و((رُبَّتَ)) بالضمِّ وفتح الباء والتاء، و((رُبَّتْ)) بسكون التاء، و((رَبَّتَ))(٢) بفتح
الثلاثة، و((رَبَّتْ)) بفتح الأوَّلين وسكون التاء، وتخفيف الباء من هذه السبعة،
و(رُبَّتا)) بالضمِّ وفتح الباء المشدَّدة، و(رُبْ)) بالضم والسكون، و((رَبْ)) بالفتح
والسكون، فهذه سبعَ عشرةَ لغةً حكاها - ما عدا (رُبَّتًا)) - ابنُ هشام في ((المغني))(٣).
وحكى أبو حيان إحدى عشر منها، منها(٤): ((رُبَّتا))(٥). وإذا اعتبر ضمُّ الاتصال
بـ ((ما)) والتجرُّد منها بلغت اللغات ما لا يخفى، وزَعَم ابنُ فضَّال(٦) في ((الهوامل
والعوامل)) أنَّها ثنائية الوضع كـ: ((قد))، وأنَّ فتح الباء مخفَّفة دون التاء ضرورةٌ،
وأنَّ فتح الراء مطلقاً شاذٌّ، وهي حرف جرٍّ، خلافاً للكوفية والأخفشِ في أحد
قولَيه(٧) وابنِ الطَّرَاوةُ(٨)، زعموا أنَّها اسم مبنيٌّ كـ: ((كم))، واستدلَّوا على اسميتها
(١) البحر المحيط ٤٤٤/٥ .
(٢) قوله: بسكون التاء وربت، ليست في الأصل وأثبتناه من (م).
(٣) مغني اللبيب ص ١٨٤ .
(٤) قوله: منها، ليس في (م).
(٥) ذكر في تذكرة النحاة ص٥ اثني عشر وجهاً، ولم يذكر منها: ربَّتا.
(٦) في هامش (م): هو أبو الحسن علي. اهـ منه. وهو علي بن فضَّال بن علي، يعرف
بالفرزدقي القيراوني النحوي المجاشعي، وله أيضاً كتاب ((النكت في القرآن))، و((إكسير
الذهب في صناعة الأدب والنحو))، و((شرح عنوان الإعراب))، توفي سنة (٤٧٩ هـ). معجم
الأدباء ٩٠/١٤، والسير ٥٢٨/١٨.
(٧) ينظر معاني القرآن ٢/ ٦٠٢، والبحر المحيط ٤٤٢/٥.
(٨) سليمان بن محمد بن عبد الله أبو الحسين السبائي المالقي النحوي، أخذ عن أبي الحجاج

سُورَةُ الِحْم
٣٨٢
الآية : ٢
بالإخبار عنها في قوله:
إنْ يقتلوك فإنَّ قَتْلكَ لم يكُنْ عاراً عليكَ وربَّ قَتْلٍ عارْ(١)
فـ (رب)) عندهم مبتدأٌ و((عارِ)) خبرُه، وتقعُ عندهم مصدراً كـ : ربَّ ضربة
ضربْتَ، وظرفاً كـ : ربَّ يوم سرت، ومفعولاً به كـ : ربَّ رجلٍ ضربْتَ، واختار
الرضي اسميتَها إلا أنَّ إعرابها عندَه رفعٌ أبداً، على أنَّها مبتدأ لا خبَرَ له
كما اختار ذلك في قولهم: أقلُّ رجلٍ يقولُ ذلك إلا زيداً، وقال: إنَّها إنْ كُفَّت
بـ : ((ما))، فلا محلَّ لها حينئذٍ؛ لكونها كحرف النفي الداخل على الجملة، ومنَعَ
ذلك البصريُّون بأنَّها لو كانت اسماً لجازَ أنْ يتعدّى إليها الفعلُ بحرف الجر
فيقال: بِرُبَّ رجلٍ عالم مررتُ، وأنْ يعود عليها الضمير ويُضاف إليها، وجميعُ
علامات الاسم مُنْتَفيةٌ عنها. وأجيبَ عن البيت بأنَّ المعروفَ: وبعضُ، بدل:
رُبَّ، وإنْ صحَت تلك الروايةُ، ((فعار)) خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: هو عارٌ،
کما صرّح به في قوله:
يا رُبِّ هيجًا هي خيرٌ من دَعَه(٢)
والجملةُ صفةُ المجرور أو خبرُه، إذ هو في موضع مبتدأ، ويرد قياسَها على
(كم) كما قال أبو علي: إنَّهم لم يفصِلُوا بينها وبين المجرور كما فَصَلوا بين (كم))
وما تعمل فيه.
وفي مفادها أقوال: أحدُها: أنَّها للتقليل دائماً، وهو قولُ الأكثرين، وعُدَّ في
((البسيط)) منهم الخليلُ وسيبويه والأخفش والمازنيُّ والفارسيُّ(٣) والمبرّد(٤)
والكسائيُّ والفرَّاء وهشام، وخَلْق آخرون.
= الأعلم والأديب أبي بكر المرشاني، له: المقدمات على كتاب سيبويه، توفي (٥٢٨هـ).
الوافي بالوفيات ٤٢٢/١٥، وبغية الوعاة ٦٠٢/١.
(١) البيت لثابت بن قطنة، كما في الأغاني ٢٧٩/١٤، وشواهد المغني للسيوطي ٩٨/١،
وخزانة الأدب ٥٧٦/٩. وجاء في الأغاني: بعض، بدل: رب.
(٢) عجز بيت للبيد، وهو في ديوانه ص٥٩، وصدره: لا تَزجُرِ الفتيان عن سُوء الرِّعَهْ.
(٣) ينظر كتاب الشعر له ٣٩٢/٢-٣٩٣.
(٤) ينظر المقتضب ١٣٩/٤ و٢٨٩، وممن قال بذلك ابن السراج كما في أصول النحو ٤١٦/١.

الآية : ٢
٣٨٣
سُوَّةَ الِجْرُ
ثانيها: أنَّها للتكثير دائماً وعليه صاحبُ ((العين))(١) وابنُ درستويه وجماعة،
وروي عن الخلیل.
ثالثها: واختاره الجلالُ السيوطيُّ(٢) وِفاقاً للفارابي وطائفة أنَّها للتقليل غالباً
والتكثير نادراً.
رابعها: عكسُه، وجَزَم به في ((التسهيل))(٣) واختاره ابنُ هشام في ((المغني))(٤).
وخامسها: أنَّها لهما من غير غلبةٍ لأحدِهما، نقله أبو حيان عن بعضٍ المتأخِّرين(٥).
سادسها: أنَّها لم تُوضع لواحدٍ منهما، بل هي حرفُ إثباتٍ لا يدلُّ على تكثيرٍ
ولا تقليلٍ، وإنَّما يُفهم ذلك من خارجٍ، واختاره أبو حيان(٦).
سابعها: أنَّها للتكثير في المباهاة، وللتقليل فيما عداه، وهو قول الأعلم وابنٍ
السِّید.
(١) المشهور أن كتاب ((العين)) للخليل بن أحمد الفراهيدي، في حين ذكر الأزهري في مقدمة
كتابه ((تهذيب اللغة)) ٢٨/١-٢٩ في ذِكْر علماء انتقدهم: فمن المتقدِّمين الليث بن المظفر
الذي نَحَل الخليلَ بنَ أحمد تأليفَ كتاب العين جملةً لينفّقه باسمه، ويرغِّب فيه من حوله،
وأُثبتَ لنا عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي الفقيه أنه كان يقول: كان الليث بن المظفَّر رجلاً
صالحاً، ومات الخليل ولم يفرغ من كتاب العين، فأحبَّ الليث أن ينفّق الكتاب كلَّه، فسمَّى
لسانه الخليل، فإذا رأيت في الكتاب: ((سألت الخليل بن أحمد)) أو: ((أخبرني الخليل بن
أحمد)) فإنه يعني الخليل نفسَه، وإذا قال: ((قال الخليل)) فإنما يعني لسانه نفسه، وإنما وقع
الاضطراب في الكتاب من قِبَل خليل الليث. مقدمة تهذيب اللغة ٢٨/١-٢٩.
وقال الزبيدي في ((مختصر العين)) ٢٤/١: ونحن نَرْباً بالخليل عن نسبة الخلل إليه أو
التعرُّض للمقاومة له، بل نقول: إن الكتاب لا يصح له ولا يثبت عنه، وأكثر الظن فيه أن
الخليل سبَّب أصله وثقَّف كلام العرب ثم هلك قبل كماله، فتعاطى إتمامه من لا يقوم في
ذلك مقامه، فكان ذلك سببَ الخلل الواقع فيه والخطأ الموجود فيه. اهـ ولعلَّه - والله تعالى
أعلم - هو الصواب.
(٢) الإتقان ٥١٥/١.
(٣) ص ١٤٧ .
(٤) ص ١٨٠. وفي أوضح المسالك ص٣٦٤.
(٥) تذكرة النحاة ص٥.
(٦) النهر الماد (بهامش البحر المحيط) ٤٤٣/٥، وتذكرة النحاة ص٥.

سُورَةُ الىجم
٣٨٤
الآية : ٢
ثامنها: أنَّها لمبهم العددِ، وهو قول ابنِ الباذش وابنٍ طاهر. وتُصدّر وجوباً
غالباً، ونحو قوله:
تيقّنتُ أنْ رُبَّ امرئٍ خِيْلَ خائناً .
أمينٍ وخوَّانٍ يُخالُ أمينا(١)
و قوله:
ولو عَلِم الأقوامُ كيف خَلفتُهم لَرُبَّ مُفْدٍّ في القبور وحامدٍ(٢)
يحتمل أنْ يكونَ - كما قال الشُّمُنِّي - ضرورةٌ(٣). وقال أبو حيان(٤): المرادُ
تصدُّرها على ما تتعلَّق به، فلا يقال: لقيتُ رُبَّ رجلٍ عالمٍ، وذَكَروا أنَّها قد تُسبَقُ
بـ ((ألا)) كقوله :
ألا رُبَّ مأخوذٍ بـإجرامٍ غَيرِهِ فلا تَسْأَمَنْ هجرانَ مَن كان أَجْرَما(٥)
وبـ (يا)) صدر جواب شرط غالباً كقوله:
فإنْ أُمسِ مكروباً فيارُبَّ فتيةٍ (٦)
ومِن غير الغالب: ((يا رُبَّ كاسيةٍ)) الحديث(٧) ولا تُجرُّ غيرَ نكرة، وأجازَ
بعضُهم جرَّها المعرَّف بـ: ((أل)) احتجاجاً بقوله:
رُبَّما الجامِل المؤبَّل فيهم وعَناجِيجُ بَينهنَّ المِهارُ(٨)
(١) خزانة الأدب ٥٦٧/٩، والدرر اللوامع ١٢٣/٤.
(٢) المصدران السابقان.
(٣) ينظر المنصف من الكلام على المغني ٢٧٦/١ ذكره عند شاهد آخر من قول حاتم الطائي،
وهو في ديوانه ص٥١ :
أماويَّ إنِّي ربَّ واحدٍ أُمُّه أَجرتُ فلا قتلٌ عليه ولا أسرُ
(٤) تذكرة النحاة ص٥.
(٥) الدرر اللوامع ٤/ ١٣٥ .
(٦) البيت لامرئ القيس، وهو في ديوانه ص٨٦، وعجزه: كَشَفْتُ إذا ما اسودَّ وجْهُ الجبان
وفيه: بهمة، بدل: فتية.
(٧) أخرجه أحمد (٢٦٥٤٥)، والبخاري (١١٢٦) من حديث أم سلمة #تا.
(٨) البيت لأبي دؤاد الإيادي كما في شرح المفصل لابن يعيش ٢٩/٨، والمغني ص١٨٣،
والخزانة ٥٨٨/٩، والدرر اللوامع ١٢٤/٤-١٢٥. والجامل: اسم جمع الإبل لا واحد له
من لفظه. والمؤبَّل: المُعَدُّ للقُنية. والعناجيج: جياد الخيل، واحدها: عنجوج كعصفور،

الآية : ٢
٣٨٥
سُوَّةَ الِىج
وأجابَ الجمهورُ بأنَّ الروايةَ بالرفع، وإنْ صِحَّ الجرُّ فـ ((أل)) زائدةٌ.
وفي وجوب نَعت مجرورِها خلف، فقال المبرّهُ(١) وابنُ السراج(٢) والفارسيُّ(٣)،
وأكثرُ المتأخِّرين، وعُزيَ للبصريين: يجبُ؛ لإجرائها مجرى حرف النفي، حیث
لا تقعُ إلا صدراً، ولا يُقدَّم عليها ما يَعملُ في الاسم بعدَها، وحُكمُ حرف النفي أنْ
يدخُلَ على جملةٍ، فالأقيسُ في مجرورها أنْ يوصف بجملةٍ لذلك، وقد يُوصَف
بما يجري مجراها من ظرفٍ أو مجرورٍ أو اسمٍ فاعلٍ أو مفعولٍ، وجزم به ابنُ هشام
في ((المغني))(٤) وارتضاه الرضي، وقال الأخفَشُ والفرَّاءُ والزجَّاجُ وابنُ طاهر وابنُ
خروف وغيرُهم: لا يجبُ(٥)، وتضمُّنُها القلَّة أو الكثرةَ يقومُ مقام الوصف، واختارَه
ابنُ مالك(٦)، وتَبِعَهُ أبو حيان(٧)، ونظر في الاستدلال المذكور بما لا يخفَى، وتجرُّ
مضافاً إلى ضمير مجرورها معطوفاً بالواو كـ : رُبَّ رجلٍ وأخيه. ولا يقاس على ذلك
عند سيبويه (٨)، وما حكاه الأصمعيُّ من مباشرة (ُرُبَّ)) للمضاف إلى الضمير حيث قال
لأعرابية: أَلِفُلان أبٌّ أو أَخُ؟ فقالت: رُبَّ ابیه رُبَّ اخیه. تريدُ: رُبَّ اپٍ له، رُبَّ اخِ
له، تقديراً للانفصال، لكون «أب» و «أخ)» من الأسماء التي يجوز الوصفُ بها،
فلا يقاسُ عليه اتِّفاقاً. وتَجرُّ ضميراً مفرداً مذكّراً يُفسِّره نكرةٌ منصوبةٌ مطابقةٌ للمعنى
الذي يقصدُه المتكلِّمُ غيرُ مفصولةٍ عنه، وسُمعَ جُّه في قوله:
ورُبَّهُ عَطِبٍ أَنْقَذت مِن عَطَبِهْ(٩)
وهي الخيل الطويلة الأعناق. والمهار: جمع مهر، وهو ولد الفرس، والأنثى مهرة. ينظر
=
الدرر اللوامع.
(١) المقتضب ٢٩٠/٤.
(٢) أصول النحو ٤١٨/١.
(٣) ينظر كتاب الشعر له ٩٣/١ -٩٤.
(٤) المغني ص ١٨١.
(٥) قول الزجاج وابن طاهر وابن خروف في تذكرة النحاة ص٦.
(٦) التسهيل ص ١٤٧ .
(٧) تذكرة النحاة ص٦ .
(٨) ينظر الكتاب ٥٤/٢-٥٥ .
(٩) شرح ابن عقيل ١٢/٢، والدرر اللوامع ١٢٧/٤، وصدر البيت:
واهٍ رَأَيْتُ وشيكاً صَدْعَ أعظمه

سُورَةُ الىهم
٣٨٦
الآية : ٢
على نَّية ((مِن)) وهو شاذٌ، وجوَّز الكوفيةُ مطابقة الضمير للنكرة المفسّرة تثنيةً
وجمعاً وتأنيثاً كما في قوله :
رُمَّها فتيةً دَعَوتُ إلى ما يُورثُ الحمدَ دائماً فأجابُوا(١)
والأصح أنَّ هذا الضميرَ معرفةٌ جَرَى مجرى النكرة، واختار ابنُ عصفور -
تبعاً لجماعة - أَنَّه نكرة، وأنَّ جرَّها إياه ليس قليلاً ولا شاذًّا خلافاً لابن مالك،
وأنَّها زائدةٌ في الإعراب لا المعنى، وأن محلَّ مجرورها على حسب العامل
لا لازم النصبِ بالفعل الذي بعدُ، أو بعاملٍ محذوفٍ خلافاً للزجَّاج(٢) ومتابعيه
في قولهم بذلك، لما يلزم عليه مِن تعدِّي الفعل المتعدِّي بنفسه إلى مفعوله
بالواسطة، وهو لا يحتاج إليها فيعطف على محلّه كما يعطف على لفظه،
کقوله :
وَسِنٌّ كَسُنَيْقٍ سناءً وسُنَّما ذَعَرتُ بمدلاجِ الهَجيرِ نهُوضٍ(٣)
وأنها تتعلَّقُ كسائر حروف الجرِّ، وقال الرُّمَّاني وابنُ طاهر: لا تتعلَّق
كالحروف(٤) الزائدة، وأنَّ التعلُّقَ بالعامل الذي يكونُ خبراً لمجرورها، أو عاملاً
في موضعه، أو مفسِّراً له، قاله أبو حيان(٥)، وقال ابن هشام: قولُ الجمهور: إنَّها
معدِّية للعامل، إنْ أرادوا المذكور فخطأٌ؛ لأنه(٦) يتعدَّى بنفسه، أو محذوفاً يقدَّر
بـ ((حَصَل)) ونحوه، كما صرَّح به جماعةٌ، ففيه تقدير ما معنى الكلام مستغنٍ عنه ولم
(١) المغني ص٦٣٨، والدرر اللوامع ١٢٨/٤.
(٢) كما في المغني ص ١٨٢.
(٣) البيت لامرئ القيس، وقيل: لأبي دؤاد الإيادي، وهو في ديوان امرئ القيس ص٧٦،
وفي المغني ص ١٨٢، والدرر اللوامع ١٢٩/٤، وسنٌّ؛ الواو واو ربَّ، والسِّنُّ هنا:
الثور. وسُنَيْق: جبل. وسناء: ارتفاعاً، ونصبه على أنه حال. وسُنَّماً: السُّنُّم: البقرة
الوحشية، وقيل: إنه اسم جبل. ومدلاج: أي: فرس كثير السير. والهجير: القائلة.
ونُهوض، بضمِّ النون: كثير النهوض. ينظر شرح شواهد المغني للسيوطي ٤٠٤/١، وورد
في حاشية الشمني على المغني ٢٧٨/١: بالمدلاح، بالحاء المهملة، وهو الفرس الكثير
العرق ... .
(٤) في الأصل: الحرف، والمثبت من (م)، وقول الرماني وابن طاهر في تذكرة النحاة ص٧.
(٥) ينظر تذكرة النحاة ص٧.
(٦) في (م): إنه .

الآية : ٢
٣٨٧
سُورَةُ الِجر
يلفظ به في وقتٍ، ثمَّ على التعليق، قال لُكْذةٌ(١): حذفُه لحنٌّ. والخليلُ
وسيبويه(٢): نادرٌ، كقوله:
ودوِّيَّةٍ قَفْرٍ تُمَشِّي نَعامُها كمَشْي النصارَى في خفاف اليرندجِ(٣)
أي: قَطَعْتُها، ويَرُدُّ لكذةُ هذا، وقولهم: رُبَّ رجلٍ قائم، ورُبَّ ابنةٍ خيرٌ من
ابنٍ، وقوله:
ألا رُبَّ مَنْ تَغْتَشُّه لك ناصحٌ ومؤتَمَنٍ بالغيب غيرٍ أمينٍ(٤)
والفارسيُّ والجزوليُّ: كثير(٥)، وبه جَزَم ابنُ الحاجب. ورابعُها: واجبٌ
كما نقله صاحبُ ((البسيط)) عن بعضهم. وخامسُها - ونقِلَ عن ابن أبي الربيع -:
يجبُ حذفُه إنْ قامت الصفةُ مقامَه، وإلا جاز الأمران، سواءٌ كان دليل أم لا؟
ويجبُ عند المبرّد والفارسيِّ وابنٍ عصفور، وهو المشهورُ كما قال أبو حيان:
ورأيُ الأكثرين كونُه ماضياً معنَى(٦)، وقال ابن السَّرَّاج: يأتي حالاً. وابنُ مالك:
يأتي مستقبلاً(٧). واختارَه في ((البحر))(٨) إلا أنَّه قال بقلَّته وكثرةٍ وقوع الماضي،
وأنشدَ له قولَ سليم القشيري:
ومُعتَصِمٍ بالجبن مِن خَشْیة الرَّدَی
سَيَرْدَى وغازٍ مُشْفِقٍ سَيؤُوبُ(٩)
(١) الحسن بن عبد الله، المعروف بـ: لُغْذة، أو: لُكذة، الأصبهاني أبو علي، من طبقة أبي حنيفة
الدينوري، مشايخهما سواء، له ((النوادر))، وكتاب ((الصفات)). بغية الوعاة ٥٠٩/١، ومعجم
الأدباء ١٣٩/٨، وكلامه بنحوه في تذكرة النحاة ص٧.
(٢) ينظر الكتاب ١٠٣/٣.
(٣) البيت للشماخ كما في الكتاب ١٠٤/٣، والمعاني الكبير ٣٤٦/١، والدرر اللوامع ١٣٢/٤،
الدوية: الصحراء. تُمشّي: تُكثر المشي. واليرندج والأرندج: الجلد الأسود، ينظر الدرر
اللوامع.
(٤) الكتاب ١٠٩/٢، واللسان (غشش)، والدرر اللوامع ٣٠١/١.
(٥) قول الفارسي والجزولي في تذكرة النحاة ص٧.
(٦) ينظر تذكرة النحاة ص٧، والبحر المحيط ٤٤٤/٥.
(٧) شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح ص١٠٦، والتسهيل ص١٤٨ .
(٨) البحر المحيط ٤٤٤/٥.
(٩) البحر المحيط ٤٤٤/٥، واللباب ٤٢٤/١١، وشرح أبيات المغني ٢٠٤/٣.

سُؤَ الِجْرُ
٣٨٨
الآية : ٢
وقول هند:
يا رُبَّ قائلةٍ غداً يالهف أمّ معاويه(١)
وجعل كابن مالك الآيةَ من ذلك، وتأَوَّلَها الأكثرون بأنَّه وُضع فيها المضارعُ
موضعَ الماضي على حدٍّ ﴿وَفِخَ فِ الصُّورِ﴾ [الكهف: ٩٩].
وتعقّبه ابنُ هشام بأنَّ فيه تكلُّفاً لاقتضائه أنَّ الفعل المستقبلَ عبّر به عن ماضٍ
متجوَّز به عن المستقبل(٢).
وأجاب الشُّمُنِّي بأنَّه لا تكلُّف فيه؛ لأنَّهم قالوا: إنَّ هذه الحالة المستقبلة
جُعلَت بمنزلة الماضي المتحقق، فاستعمل معها ((ربما)) المختصة بالماضي وعدل
إلى لفظ المضارع؛ لأنَّه كلامُ مَن لا خُلْفَ في إخباره، فالمضارعُ عنده بمنزلة
الماضي، فهو مستقبل في التحقيق ماضٍ بحسب التأويل(٣). وهو كما ترى.
وعن أبي حيان أنَّه أجاب عن بيت هند بأنَّه من باب الوصف بالمستقبل، لا مِن
باب تعلُّق ((رُبَّ)) بما بعدها، وهو نظيرُ قولك: رُبَّ مُسيءٍ اليومَ يُحسِنُ غداً. أي:
رُبَّ رَجلٍ يُوصَفُ بهذا الوصف.
وتأوَّل الكوفيون كما في ((المطول)) الآية بأنَّها بتقدير ((كان))، أي: ربما كان يودُّ
الذين كفروا، فحذف لكثرة استعمال ((كان)» بعد (ربما))، وضعَّف ذلك أبو حيان؛
بأنَّ هذا ليس من مواضع إضمار كان (٤).
وفي ((جمع الجوامع)) وشرحه: أنَّ ((ما)) تُزادُ بعد ((رُبَّ))، فالغالبُ الكفُّ
وإيلاؤها حينئذٍ الفعل الماضي؛ لأنَّ التكثيرَ أو التقليلَ إنَّما يكون فيما عُرف حدُّه،
والمستقبلُ مجهولٌ کقوله:
ترْفَعَنْ ثَوبي شَمالاتُ(٥)
رُبما أوفَيتُ فِي عَلَمٍ
(١) البحر المحيط ٥/ ٤٤٤، وشواهد التوضيح والتصحيح ص١٠٦، والمغني ٢١٢/٣، والدرر
اللوامع ١٣٣/٤.
(٢) المغني ص ١٨٣ .
(٣) المنصف من الكلام على مغني ابن هشام ٢٧٩/١.
(٤) البحر المحيط ٤٤٤/٥.
(٥) البيت لجذيمة الأبرش وهو في الكتاب ٥١٨/٣، والنوادر ص ٢١٠، والمقتضب ١٥/٣، وشرح

الآية : ٢
٣٨٩
سُورَةُ الِحْم
وقد يَليها المضارعُ ك: ﴿رُبَمَا يَوَدُ﴾ الآية، وقد يليها الجملةُ الاسميةُ نحو:
ربَّما الجامِلُ المؤَّل فيهم
وقد لا تُكَفُّ نحو:
ربَّما ضربةٍ بسيفٍ صَقيلٍ بَيْنِ بُصرَى وطعنةٍ نَجْلاءٍ(١)
وقيل: يتعيَّن بعدها الفعليةُ إذا كُفَّت، وإليه ذهب الفارسيُّ(٢)، وأوَّل البيتَ على
أنَّ ((ما)) نكرةٌ موصوفةٌ بجملة حُذف مبتدؤها، أي: رُبَّ شيءٍ هو الجاملُ، وقد
يُحذفُ الفعلَ بعدها کقوله:
فذلك إنْ يَلْقَ الكريهةَ يَلْقَها
حَميداً وإنْ يَسْتغنِ يوماً فربّما(٣)
وقد تلحق بها (ما)) ولا تکفُّ کقوله:
ماويَّ يا رُبَّتَما غارةٍ شَعواءَ كالكية بالمِيسَمِ(٤)
انتهى. وبنحو تأويل الفارسي البيتَ أَوَّلَ بعضُهم الآيةَ فقال: إنَّ((ما)) نكرةٌ
موصوفةٌ بجملة ((يودُّ) إلى آخره، والعائد محذوفٌ، والفعل المتعلِّقُ به ((رُبَّ))
محذوفٌ، أي: رُبَّ شيءٍ يودُّه الذين كفروا تحقق وثبت، ونحوه قول ابنٍ أبي الصلت:
له فرجةٌ كحلِّ العقالِ(٥)
ربَّما تَجزعُ النفوسُ مِن الأمر
= ابن يعيش ٩/ ٤٠، وأمالي ابن الشجري ٢/ ٥٦٥، والمقرب ٧٤/٢، والمغني ص ١٨٠.
(١) البيت لعدي بن الرَّعلاء الغساني كما في الأصمعيات ص١٥٢، ومعجم الشعراء ص٨٦،
وأمالي ابن الشجري ٥٦٦/٢، وشرح أبيات المغني للبغدادي ١٩٧/٣، والدرر اللوامع
٢٠٥/٤.
(٢) ينظر الحجة ٤٠/٥-٤١.
(٣) اختُلِفَ في نسبة البيت، هل هو لعروة بن الورد أو لحاتم الطائي، وصحَّح الأصبهانيُّ في الأغاني
٦/ ٣٢٣ نسبته إلى حاتم الطائي، وشَبََّ البغداديُّ في خزانة الأدب ١٠/ ١٠ البيتَ بقصيدةٍ لحاتم
ولم يجزم به، وقال: والله أعلم بقائل أبيات الشاهد، وينظر الدرر اللوامع ٤/ ٢٠٧ .
(٤) البيت لضمرة بن ضمرة النهشلي وهو في المعاني الكبير ١٠٠٥/٢، والنوادر ص٥٥،
والخزانة الشاهد (٧٦٠)، والدرر اللوامع ٢٠٨/٤-٢٠٩، والإنصاف ١٠٥/١، وشرح
المفصل ٣١/٨.
(٥) كما في صلة ديوانه ص١٨٨، والكتاب ٢٠٩/٢، والخزانة ١١٢/٦، ونسبه بعضهم إلى
غيره، ينظر: الخزانة، وحاشية الشهاب ٢٨١/٥.

سُوْدَةٌ لِجم
٣٩٠
الآية : ٢
والتزمَ كون المتعلّقِ محذوفاً؛ لأنَّها حينئذٍ لا يجوز تعلُّقها بـ ((يود)) ولا بدَّ لها
من فعلٍ تتعلَّق به، على ما صحَّحَهُ جمعٌ، وأما على ما اختاره الرضي من كونها
مبتدأَ لاَّ خبرَ له، والمعنى: قليلٌ أو كثيرٌ ودادُ الذين كفروا، فلا حاجةً إليه، وهذا
التأويلُ - على ما قال السمر قندي - أحدُ قولَي البصريين.
وتعقَّبه العلامةُ التفتازاني بأنَّه لا يخفَى ما فيه من التعسُّف وبَتْرِ النظم الكريم،
أي: قطع ((لو كانوا مسلمين)) عمَّا قبله، ووجْهُ التعسُّف أنَّ المعنى على تقليل أو
تكثير ودادِهم، لا على تقليل أو تكثير شيءٍ، إلا أنْ يُرادَ: رُبَّ شيءٍ يودُّونه من
حیث إنّهم یوذُّونه.
والمختارُ عندي ما اختاره أبو حيان(١)، وكذا صاحبُ ((اللبِّ)) من أنَّ ((رُبَّ))
تدخلُ على الماضي والمضارع إلا أنَّ دخولَها على الماضي أكثر، ومَن تَتَبَّعَ أشعارَ
العرب رَأى فيها مما دخلَت فيه على المضارع ما يُبعِدُ ارتكابَ التأويلِ معه،
كما لا يخفى على المنصف المتتِّع.
واختلفوا في مفادها هنا، فذهب جمعٌ كثيرٌ إلى أنَّه التقليلُ، وهو ظاهرٌ أكثر
الآثار، حيث دلَّت على أنَّ ودادَهم ذلك عند خروج عصاةِ المسلمين من جهنّم وبقائهم
فيها. نعم، زَعَم بعضُهم أنَّ الحقَّ أنَّ ما فيها محمولٌ على شدَّة ودادِهم إذ ذاك، وأنَّ
نَفْس الوداد ليس مختصًّا بوقتٍ دون وقتٍّ، بل هو متقرِّرٌ مستمرٌّ في كل آنٍ يمرُّ عليهم.
ووجَّه الزمخشريُّ الإتيان بأداة التقليل على هذا بأنَّه واردٌ على مذهب العرب
في قولهم: لعلَّك ستندمُ على فعلك، ورُبَّما نَدِمَ الإنسان على ما فعل، ولا يشكُون
في تَنْدُّمه ولا يقصِدون تقليلَه، ولكنَّهم أرادوا لو كان الندمُ مشكوكاً فيه أو قليلاً
لحقَّ عليك أنْ لا تفعل هذا الفعل؛ لأنَّ العقلاء يتحرَّزون من التعرُّض للغمِّ المظنون
كما يتحرَّزون من التعرُّض للغمِّ المتيقّن، ومن القليل منه كما من الكثير، وكذلك
المعنى في الآية: لو كانوا يودُّون الإسلام مرَّةً واحدةً فبالحري أن يُسارعوا إليه،
فكيف وهم يودُّونه في كل ساعة(٢). اهـ.
(١) البحر المحيط ٤٤٤/٥.
(٢) الكشاف ٣٨٦/٢.

الآية : ٢
٣٩١
سُورَةُ الِ جْ
والكلامُ عليه - على ما قيل - من الكناية الإيمائيَّة، وفي ذلك من المبالغة
ما لا يخفَى. قال ابن المنير: لا شكَّ أنَّ العربُ تُعبِّر عن المعنى بما يؤدي عكس
مقصودِه كثيراً، ومنه - والله تعالى أعلم -: ﴿وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِى رَسُولُ اللَّهِ إِلَيَّكُمّ﴾
[الصف: ٥] المقصودُ منه توبيخُهم على أذاهم لموسى عليه السلام، على توفّر علمهم
برسالته ومناصحته لهم، وقوله:
قد أَتركُ القِرنَ مُصْفَرًّا أَنامِلُهُ(١)
فإنَّه إنَّما يتمدح بالإكثار من ذلك، وقد عبَّر بـ ((قد)) المفيدة للتقليل، وقد اختلفَ
توجيهُ علماءِ البيان لذلك، فمنهم مَن وجَّهَهُ بما ذُكرَ عن الزمخشريِّ مِن التنبيه
بالأدنَى على الأعلى. ومنهم مَن وجَّهَهُ بأنَّ المقصودَ في ذلك الإيذان بأنَّ المعنى قد
بلَغَ الغاية، حتى كاد أنْ يرجع إلى الضدِّ، وذلك شأنُ كلِّ ما بلغ نهايتَه أنْ يعودَ إلى
عكسه، وقد أفصحَ المتنبِّي(٢) عن ذلك بقوله:
ولَجُدْتَ حتى كِدْتَ تَبْخلُ حائلاً لِلمُنتَهَى ومِن السُّرورِ بُكاءُ
وكلا الوجهين يحمل الكلام على المبالغة بنوع من الإيقاظ إليها، والعمدةُ في
ذلك على سياق الكلام؛ لأنَّه إذا اقتضَى مثلاً تكثيراً فدخلَت فيه عبارةٌ يُشعرُ ظاهرُها
بالتقليل، استيقَظَ السامعُ؛ لأنَّ المرادَ المبالغةُ على إحدى الطريقتَين
المذكورتين(٣) .
وقال في ((الكشف)): الأصلُ في هذا الباب أنَّ استعارةَ أحدِ الضِّذَّين للآخر
تُفيدُ المبالغة للتعكيس، ولا تختصُّ بالتهكّم والتلميح على ما يُوهمه ظاهرُ لفظٍ
(١) عجز بيت لعبيد بن الأبرص وصدره:
كأنَّ أَثْوَابَهُ مُجَّتْ بِفِرصادِ
وهو في ديوانه ص ٦٤، وشرح أبيات المغني ١٠٣/٤ وما بعد، وخزانة الأدب ٢٥٦/١١،
ونُسِبَ للهذلي كما في الكتاب ٢٢٤/٤، وشرح ابن يعيش ١٤٧/٨، والمغني ص٢٣١،
والمصنف في تفسيره ٧/ ١٣٤. القِرْن: المماثل في الشجاعة. والأنامل: رؤوس الأصابع.
الفِرْصَاد: هو التوت، شبّه الدم بحمرة عصارته. والبيت تداوله الشعراء؛ فبعضهم أخذه
بلفظه وبعضهم بمعناه، فروي عن كثير منهم. ينظر شرح أبيات المغني.
(٢) في شرح ديوانه ١/ ١٥٣.
(٣) الانتصاف ٣٨٦/٢.

سُوَّةُ الإِصْ
٣٩٢
الآية : ٢
صاحبٍ ((المفتاح))(١) في موضع، فهو الذي عدَّ المفازةَ من هذا القبيل لقصد
التفاؤل، ثم قد يختصُّ موقعها بفائدةٍ زائدةٍ كما ذكره الزمخشريُّ في هذا المقام،
وليس في ذلك كنايةٌ إيمائيَّةٌ، وإنَّما ذلك من فوائد هذه الاستعارةِ، وسيجيُ إن
شاء الله تعالى فيه كلامٌ أتُّ بسطاً في سورة التكوير(٢). اهـ.
والحقُّ أنَّه لا مانع من القول بالكناية الإيمائيَّةِ كما لا يخفَى.
وقيل: إنَّ التقليل بالنسبة إلى زمان ذهاب عقلهم من الدهشة بمعنى أنَّهم
تُدهِشُهم أهوال القيامة فَيْبهَثُون، فإنْ وُجِدَت منهم إفاقةٌ ما، تمثَّوا ذلك، وظاهرُ
صنيع العلامة التفتازاني في ((المطول)) اختيارُه، وجوّز أنْ تكونَ مستعارةً للتكثير،
والقولُ بالاستعارة له لا يُحتاج إليه على القول المحكي عن صاحب ((العين)) ومَن
معه حسبما سمعت.
وذكر ابن الحاجب أنَّها نُقلَت من التقليل إلى التحقيق كما نقلوا ((قد)) إذا دخلَت
على المضارع منه إليه.
ومفعول ((يودُّه محذوفٌ، أي: الإسلامَ؛ بدلالة ((لو كانوا مسلمين)) بناء على أنَّ
(لو)) للتمنِّي، والجملةُ في موقع الحال، أي: قائلين لو كانوا مسلمين، وتقديرُ
المفعول ما ذكرنا، هو الذي ذهب إليه غيرُ واحدٍ. وقال الشهابُ: تقديرُه النجاة،
ولا ينبغي تقديرُ الإسلام؛ لأنَّه يصيرُ تقديرُه: يودُّوا الإسلام لو كانوا مسلمين، وهو
حشو(٣). وفيه نظر.
وقال صاحبُ ((الفرائد)): إنَّ ((لو كانوا)) إلى آخره مُنزَّلٌ منزلةَ المفعول. وتُعقّب
بأنَّه غيرُ ظاهرٍ، إذ ليس ذلك مما يعملُ في الجمل إلا أنْ يكونَ بمعنى ذكروا
التمنِّي، ويجري مجرَى القول على مذهب بعض النحاة.
والغيبة في حكاية ودادتهم كالغيبة في قولك: حلَفَ بالله تعالى ليفعلَنَّ، ولو
قلت: لَأَفعلَنَّ، لجاز، وعلى ذلك جاء قوله تعالى: ﴿تَقَاسَمُواْ بِاللَّهِ لَتُبَيِّنَنَّهُ﴾
(١) ينظر مفتاح العلوم ص٣٧٥.
(٢) آية رقم (٢٣).
(٣) حاشية الشهاب ٣٨٣/٥.

الآية : ٢
٣٩٣
سُورَةُ الِجم
[النمل: ٤٩] بالنون والياء(١)، وإيثارُ الغيبة أكثرُ؛ لئلا يلتبس، والتعليل بقلَّة التقدير
ليس بشيءٍ کما کشف ذلك في ((الكشف)).
وأنكرَ قومٌ ورودَ ((لو)) للتمنِّي، وقالوا: ليست قِسْماً برأسها، وإنَّما هي الشرطيّة
أُشرِبَتْ معنى التمنِّي، وعلى الأول الأصحِّ لا جوابَ لها على الأصحِّ. وقد نصَّ
على ذلك ابنُ الضائع(٢) وابنُ هشام الخضرواي(٣)، ونَقْلُ أنَّهما قالا: تحتاجُ إلى
جوابٍ كجواب الشرط، سَهْوٌ؛ وذكر أبو حيان(٤) أنَّ الذي يظهرُ أنَّها لابدَّ لها مِن
جوابٍ، لكنَّه التزم حذفه، لإشرابها معنى التمنِّي؛ لأنَّه متى أمكنَ تقليلُ القواعد
وجَعْل الشيءٍ من باب المجاز كان أَولَى من تكثير القواعد وادِّعاء الاشتراك؛ لأنَّه
يحتاجُ إلى وضعَين، والمجازُ ليس فيه إلا وضعٌ واحدٌ وهو الحقيقةُ.
وقيل: إنَّها هنا امتناعيةٌ شرطيَّةٌ، والجوابُ محذوفٌ تقديرُه: لفازوا، ومفعول
(یود)) ما علمتَ.
وزعم بعضُهم مصدريَّتَها فيما إذا وقعَت بعد ما يدلُّ على التمنِّي، فالمصدرُ حينئذٍ
هو المفعول، وهو على القول بأنَّ ((ما)) نكرةٌ موصوفةٌ بدل منها كما في ((البحر))(٥).
وقرأ عاصم ونافع: ((ربما)) بتخفيف الباء(٦)، وعن أبي عمرو التخفيف
(١) قرأ حمزة والكسائي وخلف: ((لتُبَيِّتُنَّه)) بتاء الخطاب وضم التاء الثانية، وقرأ الباقون بالنون
وفتح التاء. كما في التيسير ص١٦٨، والنشر ٣٣٨/٢، وقرأ بالياء مجاهد وابن وثاب وطلحة
والأعمش كما في القراءات الشاذة ص ١١٠، والبحر المحيط ٧/ ٨٤، وستأتي في مكانها.
(٢) هو علي بن محمد بن علي بن يوسف الكَتَامي الإشبيلي، أبو الحسن، المعروف بابن
الضائع، لازم الشَّلَوبين، له ((شرح الجمل))، و((شرح كتاب سيبويه)) جمع فيه بين شرحي
السيرافي وابن خروف باختصار حسن، توفي (٦٨٠هـ). ينظر بغية الوعاة ٢٠٤/٢.
(٣) هو محمد بن يحيى بن هشام الخضراوي، أبو عبد الله، يعرف بابن البَرْذَعي، أخذ العربية
عن ابن خروف والرندي، والقراءات عن أبيه، أخذ عنه الشَّلَوبين، له «الإفصاح بفوائد
الإيضاح))، و((المسائل النُّخَب))، توفي (٦٤٦هـ). ينظر بغية الوعاة ٢٦٧/١. وينظر
كلامهما في المغني ص٣٥٢ .
(٤) ينظر تذكرة النحاة ص٤٢ .
(٥) ينظر البحر المحيط ٤٤٤/٥ .
(٦) التيسير ص١٣٥، والنشر ٣٠١/٢، وقرأ بها أيضاً أبو جعفر.

سُوَةُ الإِجْر
٣٩٤
الآية : ٣
والتشديد(١)، وقرأ طلحة بنُ مصرِّف وزيدُ بنُ عليٍّ ظَا (رُبَّتَما)) بزيادة تاء(٢).
هذا، وإنما أطنبتُ الكلامَ في هذه الآية لا سيَّما فيما يتعلَّق بـ ((رُبَّ)) لما أنَّه قد
جرَى لي بحثٌ في ذلك مع بعض العظاميين فأَبَانَ عن جهلٍ عظيم وحُمقٍ جَسیم،
ورأيتُه - وَرَبِّ الكعبة - أجهلَ مَن رأيتُ من صغار الطلبةَ بـ ((رُبَّ))، نعم له مِن
العظاميين أمثالٌ، أَصمَّهم الله تعالى وأعمَى بالَهم وقلَّلهم ولا أكثرَ أمثالَهم.
﴿ذَرْهُمْ﴾ أي: اتركهُم، وقد استُغني غالباً عن ماضيه بماضيه، وجاء قليلاً:
وَذَرَ، وفي الحديث ((ذَرُوا الحبَشَةَ ما وَذَرُوكم))(٣) والمرادُ من الأمر التخليةُ بينهم
وبينَ شهواتهم، إذ لم تَنفعْهم النصيحةُ والإنذارُ، كأنه قيل: خَلِّهم وشَأْنَهم.
﴿يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ﴾ بدنياهم، وفي تقديم الأكل إيذانٌ بأنَّ تمتُّعهم إنَّما هو من
قبيل تمتُّع البهائم بالمآكل والمشارب، والفعلُ وما عُطِفَ عليه مجزومٌ في جواب
الأمر، وأشار في ((الكشاف)) أنَّ المرادَ المبالغةُ في تخليتهم حتى كأنَّه عليه السلام
أُمِرَ أنْ يأمرَهم بما لا يزيدُهم إلا نَدَماً (٤).
ووجَّهَه المدفِّقُ صاحب «الكشف)» فقال: أُريدَ الأمرُ من حيث المعنَى؛ لأنَّه
جعل أكْلَهم وتمتُّعَهم الغاية المطلوبةَ من الأمر بالتخلية، والغاياتُ المطلوبةُ إنْ صحَّ
الأمرُ بها كانت مأموراً بها بنفس الأمر وأبلغ من صريحه، فإذا قلتَ: لازِمْ سدَّةَ
العالِم تَعلم منه ما يُنجيك في الآخرة، كان أبلغَ مِن قولك: لازِم وتعلم؛ لأنَّك
جعلت الأمرَ وسيلة الثاني، فهو أشدُّ مطلوبيةً، وإنْ لم يصحَّ جُعلت مأموراً بها
مجازاً كقولك: أسلم تَدخُل الجنَّة. وما نحن فيه لما جعل غايةَ الأمر على التجوُّز
صار مأموراً به على ما أرشدت إليه. اهـ. وهو من النفاسة بمكان.
(١) قراءة التشديد في التيسير ص ١٣٥، والنشر ٣٠١/٢، وقراءة التخفيف في المحرر الوجيز
٣٤٩/٣، والبحر المحيط ٤٤٤/٥.
(٢) المحرر الوجيز ٣٤٩/٣، والبحر المحيط ٤٤٤/٥.
(٣) قطعة من حديث أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني ٢٢٥/٥ عن رجل من أصحاب
النبي ◌َّلفر يرفعه، وأخرجه أحمد (٢٣١٥٥) بلفظ: ((اتركوا الحبشة ما تركوكم ... )) - ينظر
تمام تخريجه ثمَّة - وهو عند أبي داود (٤٣٠٩) من حديث عبد الله بن عمرو
(٤) الكشاف ٣٨٦/٢-٣٨٧.

الآية : ٣
٣٩٥
سُورَةُ الِحُ
وظنُّ أنَّ انفهامَ الأمر(١) من تقدير لامه قبل الفعل من بعض الأمر، وما في
(البحر)): من أنَّه إذا جعل ((ذَرْهم)) أمراً بترك نصيحتهم وشُغْلِ بالِهِ وَلّه بهم لا يترتَّبُ
عليه الجواب، لأنَّهم يأكلون ويتمتَّعون، سواءٌ تَرَك نصيحتهم أم لا = وقوفٌ في
ساحل التحقيق كما لا يخفَى على من غاص في لُجَّة المعاني فاستخرج دُرَرَ الأسرار
واستظْهرَ أنَّه أُمِرَ بترك قتالهم وتخلية سبيلهم وموادعتهم، ثم قال: ولذلك صحَّ أنْ
يكونَ المذكورُ جواباً؛ لأنَّه عليه الصلاة والسلام لو شَغَلَهم بالقتال ومصالتَةِ السيوف
وإيقاع الحروب ماهنَّأهم أكلٌ ولا تمتُّعٌ، ويدلُّ على ذلك أنَّ السورةَ مكيةٌ. وهو
كما ترى(٢) .
ثم المرادُ - على ما قيل - دوامُهم على ما هم عليه لا إحداثُ ما ذكر، أو
تمتُّعهم بلا استماع (٣) ما ينغِّصُ عيشَهم، والتمتُّع كذلك أمرٌ حادثٌ يصلُحُ أنْ يكون
مرتباً على تخليتهم وشأنهم، فتأمَّل.
﴿وَيُلَّهِعِمُ الْأَمَلِّ﴾ ويشغلُهم التوقُّعُ لطول الأعمار وبلوغ الأوطار واستقامةٍ
الأحوال، وأنْ لا يلقوا إلا خيراً في العاقبة والمآل، عن الإيمان والطاعة أو عن
التفگّر فیما یصیرون إليه.
﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾﴾ سوءَ صنيعِهم إذا عاينوا جزاءَه ووخامةً عاقبته، أو حقيقة
الحال التي ألجأتهم إلى التمنِّي.
وظاهرُ كلام الأكثرين أنَّ المرادَ علمُ ذلك في الآخرة، وقيل: المرادُ سوف
يعلمون عاقبةَ أمرهم في الدنيا من الذَّلِّ والقتل والسبي، وفي الآخرة من العذاب
السرمديِّ، وهذا كما قيل مع كونه وعيداً أيَّما وعيدٍ وتهديداً غِبَّ تهديدٍ تعليلٌ للأمر
بالترك، وفيه إلزامُ الحُجَّة ومبالغةٌ في الإنذار، إذ لا يتحقَّقُ الأمرُ بالضدِّ
حسبما علمتَ إلا بعد تكرُّر الإنذار وتقرُّر الجحود والإنكار، ومن أنذر فقد أعذر،
وكذلك ما يترتَّب عليه من الأكل وما بعده.
(١) ليس في الأصل.
(٢) ينظر البحر المحيط ٤٤٥/٥.
(٣) في (م): استمتاع.

سُورَةُ الِجْرُ
٣٩٦
الآية : ٤
وفي الآية إشارةٌ إلى أنَّ التلذُّذ والتنقُّم وعدمَ الاستعداد للآخرة والتأقُّب لها ليس
من أخلاق مَن يطلب النجاة، وجاء عن الحسن: ما أطالَ عبدُ الأملَ إلا أساءَ العمل.
وأخرجَ أحمدُ في ((الزهد)) والطبراني في ((الأوسط)) والبيهقيُّ في ((شعب
الإيمان)) عن عمرو بنِ شُعيب، عن أبيه، عن جدِّه، لا أعلمه إلا رَفَعه قال: ((صلاحُ
أوَّلِ هذه الأمةِ بالزُّهدِ واليقينٍ، ويَهلكُ آخرُها بالبخل والأمل))(١).
وفي بعض الآثار عن عليٍّ كرم الله تعالى وجْهَه: إنَّما أخشى عليكم اثنتين:
طول الأمل واتِّباع الهوى، فإنَّ طولَ الأملِ يُنسي الآخرةَ واتّباع الهوى يَصدُّ عن
الحقِّ.
﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ﴾ أيِّ قرية من القُرَى بالخسف بها وبأهلها الكافرين،
كما فُعِل ببعضها، أو بإخلائها عن أهلها بعدَ إهلاكهم كما فعل بآخرين.
﴿إِلَّا وَلَا﴾ في ذلك الشأن ﴿كِتَابٌ﴾ أجلٌ مقدَّرٌ مكتوبٌ في اللوح ﴿مَعْلُومٌ
لا يُنسَى ولا يُغْفَل عنه حتى يُتصوَّر التخلُّف عنه بالتقدُّم والتأخّر، وهذا شروعٌ في بيان
سرِّ تأخير عذابهم.
و(كتاب)) مبتدأٌ، خبرهُ الظرفُ، والجملةُ حالٌ من ((قرية))، ولا يلزمُ تقدُّمها
لكون صاحبها نكرةً؛ لأنَّها واقعةٌ بعد النفي، وهو مسوِّغٌ لمجيء الحال؛ لأنَّه في
معنى الوصف لا سيّما وقد تأكَّد بكلمة ((مِن)) والمعنى: ما أهلكنا قريةً مِن القرى في
حالٍ من الأحوال إلا حالَ أنْ يكونَ لها كتابٌ معلومٌ لانُهلِكُها قبل بلوغِهِ، ولا نَغْفُلُ
عنه ليمكن مخالفتُه، أو مرتفعٌ بالظرف، والجملة كما هي حالٌ أيضاً، أي:
ما أهلكنا قريةً من القرى في حالٍ من الأحوال إلا وقد كان لها في حقِّ إهلاكها
أجلٌ مقدَّرٌ لا يُغفَل عنه.
وقال الزمخشري: الجملةُ صفةٌ لـ ((قرية))، والقياس أنْ لا يتوسّط الواو
بينهما كما في قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا لَمَا مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨]
(١) الزهد ص ١٠، والمعجم الأوسط (٧٦٥٠)، وشعب الإيمان (١٠٨٤٤)، وأخرجه أيضاً ابن
أبي الدنيا في اليقين (٣) بنحوه. قال المنذري في الترغيب والترهيب (٤٨٩٥): وفي إسناده
احتمالٌ للتحسين.

الآية : ٤
٣٩٧
سُورَةَ الِجم
وإنَّما توسَّطَت لتأكيد لُصوق الصفة بالموصوف، كما يقال في الحال: جاءني زيدٌ
عليه ثوب، و: جاءتي وعليه ثوب(١). ووافَقَه على ذلك أبو البقاء(٢) .
وتعقّبَه في ((البحر))(٣): بأنَّا لا نعلم أحداً قاله من النحاة، وهو مبنيٌّ على أنَّ
ما بعد ((إلا)) يجوزُ أنْ يكونَ صفةً، وقد صرَّح الأخفشُ والفارسيُّ بمنع ذلك، وقال
ابنُ مالك: إنَّ جعْلَ ما بعد ((إلا)) صفةً لما قبلها مذهبٌ لم يُعرَف لبصريٍّ ولا كوفيٍّ،
فلا يُلتَفَتُّ إليه، وأَبَطَلَ القولَ بأنَّ الواو توسَّطت لتأكيد اللصوق.
ونُقل عن منذر بنٍ سعيد (٤) أنَّ هذه الواو هي التي تُعطي أنَّ الحالةَ التي بعدَها
في اللفظ هي في الزمن قبل الحالة التي قبل الواو، ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّىَ إِذَا
جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبَوَبُهَا﴾ [الزمر: ٧٣] واعتذر السَّكاكيُّ بأنَّ ذلك سهوٌ ولا عيبَ فيه(٥).
ولم يرضَ بذلك صاحب ((الكشف)) وانتصَرَ للزمخشريِّ وقال: قد تكرَّر هذا
المعنَى منهم في هذا الكتاب فلا سهوَ كما اعتذَرَ صاحب ((المفتاح))، وإذا ثبَتَ
إقحامُ الواو كما عليه الكوفيون، والقياس لا يدفعه لثبوتِهِ في الحال، وفيما أُضمِرَ
بعده الجارُّ في نحو: بعتُ الشاء شاةً ودرهماً وكم وكم، وهذه تدلُّ على أنَّ
الاستعارةَ شائعةٌ في الواو نوعيةً بل جنسيةً، فلا نعتبِرُ النقلَ الخصوصيَّ، ولا يكونُ
من إثبات اللغةِ بالقياس؛ لثبوت النقلِ عن نحارير الكوفة، واعتضادِه بالقياس
والمعنى.
ولا يبعدُ من صاحب ((المعاني)) ترجيحُ المذهب الكوفي إذا اقتضاه المقامُ،
كما رَجَّحوا المذهبَ التميميَّ على الحجازيِّ في باب الاستثناء عنده(٦)، ولا خفاءَ
(١) الكشاف ٣٨٧/٢.
(٢) الإملاء ٤١٨/٣.
(٣) البحر المحيط ٤٤٥/٥.
(٤) هو منذر بن سعيد، القاضي، أبو الحكم، له كتاب ((أحكام القرآن))، و((الناسخ والمنسوخ))،
وغير ذلك، توفي (٣٤٩هـ). ينظر بغية الوعاة ٣٠١/٢. وكلامه في البحر المحيط ٤٤٥/٥.
(٥) مفتاح العلوم ص٢٥١.
(٦) في هامش (م): وذلك أن بني تميم يجوزون الرفع في الاستثناء المنقطع، وقد قال تعالى
﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّ اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥] والمعنى الصحيح فيه على
الانقطاع، وعلى الاتصال يحتاج إلى تكلف لصحة المعنى، فافهم. اهـ منه.

٣٩٨
الآية : ٤
أنَّ المعنى على الوصف أبلغُ، وأنَّ هذا الوصفَ ألصقُ بالموصوف منه في قوله
تعالى: (إِلَّلَا مُنذِرُونَ) لأنَّه لازمٌ عقليٍّ، وذلك عاديٌّ جرى عليه سنة الله تعالى اهـ.
وفي ((الدر المصون)): أنَّه قد سبقَ الزمخشريَّ إلى ما قاله ابنُ جنِّي، وناهيكَ به من
مُقتدى(١).
وقال بعضُ المحقّقين: إنَّ الموصوفَ ليس القريةَ المذكورة، وإنَّما هو قريةٌ
مقدَّرةٌ وقَعت بدلاً من المذكورة على المختار، فيكونُ ذلك بمنزلة كونِ الصفةِ لها،
أي: ما أهلكنا قريةً من القرى إلا قريةً لها كتابٌ معلومٌ، كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ
لَمْ طَعَامُ إِلَّا مِن ضَرِيعِ جَ لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِى مِنْ جُوعٍ﴾ [الغاشية: ٦-٧] فإنَّ ((لا يُسمن)) إلخ
صفةٌ، لكنْ لا للطعام المذكور، لأنَّه إنَّما يدلُّ على انحصار طعامهم الذي لا يُسمنُ
ولا يُغني من جوع في الضريع، وليس المرادُ ذلك، بل للطعام المقدَّر بعد ((إلا)»
أي: ليس لهم طعامٌ مِن شيءٍ من الأشياء إلا طعامٌ لايُسمن إلخ، فليس هناك
الفصلُ بين الموصوفِ والصفةِ بـ ((إلا)). وأما توسيطُ الواو - وإنْ كان القياسُ عدمَه -
فللإيذان بكمال الاتّصال(٢). انتهى.
ولا يخفى أنَّه لم يأت في أمر التوسيط بما يدفعُ عنه القال والقيل، وما ذكره
من تقدير الموصوف بعد ((إلا)) يدفعُ حديثَ الفصل، لكن نقل أبو حيان عن
الأخفش أنَّه قال بعدَ مَنْع الفصلِ بين الصفةِ والموصوف بـ ((إلا)»(٣): ونحو:
ما جاءني رجلٌ إلا راكبٌ. تقديره: إلا رجلٌ راكبٌ، وفيه قُبحٌ لجعلك الصفةَ
كالاسم، ولعلَّ الجوابَ عن هذا سهلٌ.
وقرأ ابنُ أبي عبلة: ((إلا لها)) بإسقاط الواو(٤)، وهو على ما قيل يُؤيِّدُ القولَ
بزيادتها .
ولما بَيَّن سبحانه أنَّ الأُمَم المهلكةَ كان لكلِّ منهم وقتٌ معيَّنٌ لهلاكهم، وأنَّه لم
يكن إلا حسبما كان مكتوباً في اللوح، بيَّن جلَّ شأنه أنَّ كلَّ أمةٍ من الأمم منهم
(١) الدر المصون ٧/ ١٤٢.
(٢) تفسير أبي السعود ٦٥/٥-٦٦ وفيه: بكمال الالتصاق، بدل: بكمال الاتصال.
(٣) قوله: إلا، ليس في الأصل، وأثبتناه من (م) والبحر المحيط ٤٤٥/٥ والكلام منه.
(٤) المحرر الوجيز ٣٥٠/٣، والبحر المحيط ٤٤٥/٥.

الآية : ٥
٣٩٩
سُورَةُ الِحْ
ومِن غيرهم لهم كتابٌ لا يُمكن التقدُّمُ عليه ولا التأُخُّر عنه، فقال عزَّ قائلاً: ﴿مَّا
تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةِ﴾ من الأمم المهلكةِ وغيرهم، فـ ((مِن)) مزيدٌ للاستغراق، وقيل: إنَّها
للتبعيض، وليس بذاك ﴿أَجَّلَهَا﴾ المكتوبَ في كتابها، أي: لا يجيءُ هلاكُها قبل
مجيء كتابها، أو لا تمضي أمةٌ قبل مُضيِّ أجلها، فإن السبق كما نَقَل الإمامُ (١) عن
الخليل إذا كان واقعاً على زمانيٍّ، فمعناه المجاوزةُ والتخليفُ، فإذا قلتَ: سبَقَ زيدٌ
عَمْراً، فمعناه أنَّه جاوَزَه وخلّفَه وراءه، وأنَّ عَمْراً قَصَّر عنه ولم يبلغه، وإذا كان
واقعاً على زمان، كان على عكس ذلك، فإذا قلتَ: سبَقَ فلانٌ عامَ كذا، كان معناهُ
مَضَى قبل إتيانه ولم يَبلُغْه .
والسرُّ في ذلك على ما في ((إرشاد العقل السليم)(٢): أنَّ الزمانَ يُعتَبرُ فيه
الحركةُ والتوجّه، فما سبَقَه يتحقَّق قبل تحقُّقه، وأما الزماني فإنَّما يُعتَبرُ فيه الحركةُ
والتوجّه إلى ما سيأتي من الزمان، فالسابقُ ما تقدَّمَ إلى المقصد، وإيرادُه بعنوان
الأجل باعتبار ما يقتضيه من السبق، كما أنَّ إيرادَه بعنوان الكتاب باعتبار ما يُوجبه
من الإهلاك.
﴿وَمَا يَسْتَشْخِرُونَ ﴾﴾ أي: وما يتأتّرون، وصيغةُ الاستفعال للإشعار بعَجْزهم
عن ذلك مع طلبهم له، وإيثارُ صيغة المضارع في الفعلَين بعد ما ذَكَر نَفْيَ الإهلاك
بصيغة الماضي؛ لأنَّ المقصودَ بيانُ دوامهما فيما بين الأمم الماضية والباقية، وله
نظائرُ في كتاب الکریم.
وإسنادُهما إلى الأمة بعد إسنادِ الإهلاك إلى القرية؛ لِمَا أنَّ السبقَ والاستئخار
حالُ الأمة بدون القرية، مع ما في الأمة من العموم لأهل تلك القُرَى وغيرِهم ممن
أُخِّرَت عقوباتُهم إلى الآخرة. وتأخيرُ عدم سبقهم مع كون المقام مقامَ المبالغةِ في
بيان تحقّق عذابهم إمَّ باعتبار تقدُّم السبق في الوجود، وإمَّا باعتبار أنَّ المرادَ بيانُ
سرِّ تأخيرِ عذابهم مع استحقاقهم لذلك.
وأُوردَ الفعلُ على صيغة جمع المذكر؛ رعايةً لمعنى ((أمة)) مع التغليب،
(١) مفاتيح الغيب ١٥٦/١٩، ونقله المصنف عنه بواسطة أبي السعود في تفسيره ٦٦/٥.
(٢) تفسير أبي السعود ٦٦/٥.

سُوْدَةُ الِغْ
٤٠٠
الآية : ٦
كما روعي لفظُها أوَّلاً مع رعاية الفواصل، ولهذا حذف الجارّ والمجرور،
والجملةُ مبِيِّنةٌ لما سبَقَ ولذا فُصِلَت، والمعَنى: أنَّ تأخيرَ عذابهم إلى يوم الودادةِ
حسبما أُشيرَ إليه إنَّما هو لتأخير أَجَلهم المقدَّر، لِمَا يقتضيه من الحكم، ومن
جملة ذلك ما علم الله تعالى من إيمان بعضٍ مَن يخرجُ منهم. قاله شيخ
الإسلام(١). واستدلَّ بالآية على أنَّ كلَّ من مات أو قتل، فإنَّما هو ميِّتُ بأجله،
وقد بيَّن ذلك الإمام(٢).
﴿وَقَالُوا﴾ شروعٌ في بيان كفرهم بمَن أنزلَ عليه الكتاب، المتضمِّنِ للكفر به
وبيانِ ما يؤول إليه حالُهم.
والقائل أهلُ مكة، قال مقاتل: نزلَت الآيةُ في عبد الله بن أمية، والنضر بنِ
الحارث، ونوفل بن خويلد، والوليد بن المغيرة، وهم الذين قالوا له وَلهو: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِىِ نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ أي: القرآن، وخاطبوه عليه الصلاة والسلام بذلك، مع أنَّهم
الكفرةُ الذين لا يعتقدون نزولَ شيءٍ، استهزاءً وتهكُّماً، وإشعاراً بعلَّة حكمهم
الباطل في قولهم: ﴿إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ﴾(٣) يعنون: يا مَن يدَّعي مثل هذا الأمرِ
العظيم الخارق للعادة، إنَّك بسبب تلك الدعوى متحقِّقٌ جنونُك على أتمٍّ وجهٍ،
وهذا كما يقول الرجل لمن يسمع منه كلاماً يستبعدُه: أنت مجنون. وقيل: حكمُهم
هذا لِمَا يَظهرُ عليه عليه الصلاة والسلام من شبه الغشْي حِين ينزِلُ عليه الوحي
بالقرآن، والأوَّلُ على ما قيل هو الأنسبُ بالمقام.
وذهب بعضُهم إلى أنَّ المقول الجملةُ المؤكدةُ دون النداء، أمَّا هو فمِن كلام الله
تعالى؛ تبرئةً له عليه الصلاة والسلام عما نسبوه إليه مِن أوَّل الأمر.
وتعقب بأنَّه لا يناسب قولَه تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ) إلخ، فإنَّه - كما سيأتي
إنْ شاء الله تعالى - رةٌّ لإنكارهم واستهزائهم.
وقد يُجابُ بأنَّ ذلك على هذا ردِّ لما عَنَوه في ضمن قولهم المذكور، لكنَّ
(١) تفسير أبي السعود ٦٦/٥.
(٢) مفاتيح الغيب ١٩/ ١٥٧ .
(٣) ينظر زاد المسير ٣٨٣/٤، والبحر المحيط ٤٤٦/٥.