النص المفهرس
صفحات 361-380
الآية : ٤٨ ٣٦١ سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ عن أبيّ بنِ كعب أَّه قال في الآية: تصيرُ السماواتُ جناناً، ويصيرُ مكان البحر ناراً، وتُبدَّلُ الأرضُ غيرَها(١). وأخرج ابنُ جرير عن ابن مسعود أنَّه قال: الأرضُ كلُّها نارٌ يوم القيامة(٢). وجاء في تبديل الأرض روايات أُخر، فقد أخرج ابنُ جرير عن ابن جُبير أنَّه قال: تُبدَّلُ الأرضُ خبزةً بيضاءَ، فيأكلُ المؤمنُ من تحت قدميه. وأَخرجَ عن محمد بنِ كعب القرظي مثله(٣). وأخرجَ البيهقيُّ في ((البعث)) عن عكرمة كذلك(٤). وأَخرجَ ابنُ مردويه عن أفلح مولى أبي أيوب أنَّ رجلاً من يهود سأل النبيَّ وَاهـ فقال: ما الذي تُبدَّلُ به الأرضُ؟ فقال: ((خُبزةً). فقال اليهوديُّ: درمكة بأبي أنت. فِضَحِكَ وَّهِ ثم قال: ((قاتل الله تعالى يهودَ هل تَدْرُونَ ما الدَّرمكةُ؟ لبابُ الخبز)»(٥) . وقد تقدَّم خبرُ أنَّ الأرضَ تكونُ يومَ القيامةِ خُبزةً واحدةً يتكفّؤُها الجبَّارُ بيده كما يتكفَّأُ أحدُكم خُبزَتَه في السفر نُزُلاً لأهل الجنة، وهو في الصحيحين من رواية أبي سعيد الخدري مرفوعاً إلى رسول الله وَلِيٍ(٦). وحكى بعضُهم أنَّ التبديلَ يقعُ في الأرض ولكن(٧) تُبدَّلُ لكلِّ فريقٍ بما يقتضيه حالُهُ، ففريقٌ من المؤمنين يكونون على خبزٍ يأكلونَ منه، وفريقٌ يكونون على فضَّةٍ، وفريقُ الكفرةِ يكونون على نارٍ، وليس تبديلُها بأيِّ شيءٍ كان بأعظمَ من خلقها بعدَ أن لم تكُن. (١) عزاه للطبري ولابن أبي حاتم السيوطيُّ في الدر المنثور ٩١/٤ والكلام منه، وعزاه ابن حجر في الفتح ٣٧٦/١١ لتفسير الربيع بن أنس، وأخرجه الطبري ٧٣٥/١٣، وأبو نعيم في الحلية ٥/ ٣٧٠ عن كعب، وكذا ذكره ابن كثير عند تفسير هذه الآية. (٢) الطبري ١٣/ ٧٣٣ . (٣) تفسير الطبري ٧٣٥/١٣. (٤) استدراكات البعث والنشور (٨٣). (٥) عزاه لابن مردويه السيوطي في الدر المنثور ٩١/٤. (٦) صحيح البخاري (٦٥٢٠)، وصحيح مسلم (٢٧٩٢)، وتقدم ص٣٣ من هذا الجزء. (٧) في الأصل: لكن، والمثبت من (م). سُورَةُ إبرَاهِيمٌَ ٣٦٢ الآية : ٤٨ وذكر بعضُهم أنَّها تُبدَّلُ أوَّلاً صفتُها على النحو المروي عن ابن عباس رضيًّا، ثم تُبدَّلُ ذاتُها، ويكونُ هذا الأخيرُ بعدَ أنْ تُحدِّثَ أخبارَها، ولا مانعَ من أنْ يكونَ هنا تبديلاتٌ على أنحاء شتَّى. وفي (صحيح مسلم)) من حديث عائشةَ ﴿ُها مرفوعاً أنَّ الناس يومَ تُبدَّلُ على الصراط(١). وفيه من حديث ثوبان أنَّ يهوديًّا سألَ رسول الله وَله: أين الناسُ يومَ تُبدَّلُ الأرضُ غيرَ الأرض؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ((هم في الظّلْمةِ دونَ الجسر))(٢)، ولعلَّ المرادَ من هذا التبديل نحوٌ خاصٌّ منه، والله تعالى أعلمُ بحقيقة الحال. وتقديمُ تبديلِ الأرض؛ لقربها منَّا، ولكون تبديلها أعظم أمراً بالنسبة إلينا . ﴿وَبَرَزُواْ﴾ أي: الخلائقُ أو الظالمون المدلولُ عليهم بمعونة السياق كما قيل، والمرادُ بُروزهم مِن أجدائهم التي في بطون الأرض. وجوّز أنْ يكونَ المرادُ ظهورهم بأعمالهم التي كانوا يعملونها سرًّا ويزعمون أنَّها لا تظهرُ، أو يعملون عملَ مَنْ يَزِعُمُ ذلك، ووجهُ إسنادِ البروزِ إليهم - مع أنَّه على هذا لأعمالهم - بأنَّه للإيذان بتشكّلهم بأشكالٍ تناسبُها، وأنت تعلم أنَّ الظاهر ظهورُهم من أجداثهم، والعطفُ على ((تُبدَّلُ)) والعدولُ(٣) إلى صيغة الماضي، للدلالة على تحقُّق الوقوع. وجوَّز أبو البقاء أنْ تكونَ الجملةُ مستأنفةً وأنْ تكونَ حالاً من ((الأرض)) بتقدير ((قد))(٤)، والرابط(٥) الواو. وقرأ زيد بنُ عليٍّ ﴿ّا: "وبُرِّزُوا)) بضمِّ الباء وكسر الراء مشدّدةً(٦)، جعلَه مبنيًّا للمفعول على سبيل التكثير باعتبار المفعولِ لكثرة المخرَجَين ﴿لِلَّهِ﴾ أي: لحُكْمِهِ (١) صحيح مسلم (٢٧٩١)، وأخرجه أيضاً أحمد (٢٤٠٦٩). (٢) صحيح مسلم (٣١٥)، والجسر: هو الصراط، كما في إكمال المعلم ٦٥٣/٢. (٣) في الأصل: المعدول، والمثبت من (م). (٤) الإملاء ٤١٥/٣ . (٥) في الأصل: الروابط، والمثبت من (م). (٦) البحر المحيط ٥/ ٤٤٠ . الآية : ٤٩ ٣٦٣ سُورَةُ إبرَاهِيمٌ الغالبٍ على كلِّ ٤٨ سبحانه ومجازاته ﴿اَلْوَحِدٍ﴾ الذي لا شريكَ له ﴿اُلْقَهَّارِ شيءٍ، والتعرُّضُ للوصفَين؛ لتهويل الخطب وتربيةِ المهابةِ؛ لأنَّهم إذا كانوا واقفين(١) عندَ مَلِكِ عظيم قهَّارٍ لا يُشاركُه غيرُه كانوا على خَطَرٍ، إذ لا مقاومَ له ولا مُغيثَ سواه، وفي ذلك أيضاً تحقيقُ إتيان العذابِ الموعود على (٢) تقدير كونٍ (يومَ تُبدَّلُ)) بدلاً مِن ((يومَ يأتيهم العذابُ)). ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ﴾ عطفٌ على ((بَرزُوا)) والعدولُ إلى صيغة المضارع؛ لاستحضار الصورةِ أو للدلالة على الاستمرار، وأما البروزُ فهو دفعيٌّ لا استمرارَ فيه، وعلى تقدير حالية ((بَرزُوا)) فهو معطوف على ((تُبدَّلُ)) وجوِّزَ عطفهُ على عامل الظرف المقدَّم على تقدير كونه يُنجِزه مثلاً ﴿يَوْمَيٍِ﴾ يوم إذ برزوا لله(٣) تعالى، أو يومَ إذ تُبدَّلُ الأرضُ، أو يومَ إذ يُنجِزُ وعدَه، والرؤيةُ إذا كانت بصريةً فـ((المجرمين)) مفعولها وقولُه تعالى: ﴿ُقَرَّنِينَ﴾ حالٌ منه، وإنْ كانت عِلْمیةً فـ ((المجرمين)) مفعولُها الأوَّلُ، و(مقرَّنين)) (٤) مفعولُها الثاني. والمرادُ قَرْنُ بعضِهم مع بعضٍ، وضمُّ كلٌّ لمشاركه في كفره وعمله كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْتُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧] على قول، وفي المثل: إنَّ الطيورَ على أشباهها تَقَعُ(٥). أو قُرِنُوا مع الشياطين الذين أَغووهم كقوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ﴾ [مريم: ٦٨] إلخ. أو قُرِنُوا مع ما اقترفوا من العقائد الزائغةِ والملكات الرديئةِ والأعمالِ السيئة غِبَّ تَصوُّرها وتشكُّلها بما يُناسبُها من الصُّور الموحشةِ والأشكالِ الهائلةِ. أو قُرنوا مع جزاء ذلك أو كتابه، فلا حاجةً إلى حديثِ التصوُّر بالُورِ. (١) في الأصل: واقعين. والمثبت من (م) وحاشية الشهاب ٢٧٨/٥. (٢) في الأصل: وعلى، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ٦٠/٥. (٣) في الأصل: يرون الله، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ٥/ ٦١. (٤) في (م): مقرنين. (٥) مجمع الأمثال ١/ ٤٤٢ بلفظ: الطيورُ على أَلَّفها تَقَعُ. سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ ٣٦٤ الآية : ٥٠ أو قُرنَت أيديهم وأرجلُهم إلى رقابهم، وجاء ذلك في بعض الآثار(١)، والظاهرُ أنَّه على حقيقته. ويحتمل - على ما قيل - أنْ يكون تمثيلاً لمؤاخذتهم على ما اقترفَته أيديهم وأرجلُهم، وأصلُ المقرَّن - بالتشديد - مَن جُمِع في قَرَنٍ - بالتحريك - وهو الوَثاق الذي يربط به . ﴿فِى الْأَصْفَادِ جمعُ: صَفَد، ويقال فيه: صِفَادُ، وهو: القيدُ الذي يُوضَع ٤٩ في الرِّجْل، أو الغلُّ الذي يكون في اليد والعنق، أو ما يُضُّ به اليدُ والرِّجْلُ إلى العنق، ويسمَّى هذا جامعة (٢)، ومِن هذا قول سلامة بنِ جندل: وزَيدُ الخيلِ قد لاقى صفاداً يَعضُّ بساعدٍ وبعظُم ساقٍ (٣) وجاء: صَفَد بالتخفيف وصَفَّد بالتشديد للتكثير، وتقول: أصفدْتُه، إذا أعطيتَه، فتأتي بالهمزة في هذا المعنى، وقيل: صَفَد وأَصْفَد معاً في القيد والإعطاء، ويُسمَّى العطاء صَفداً؛ لأنَّه يُقَيِّد: ومَنْ وَجَدَ الإحسانَ قَيْداً تقيَّدا(٤) والجارُّ والمجرور متعلِّقٌ بـ ((مقرَّنين)) أو بمحذوفٍ وقَعَ حالاً من ضميره، أي: مُصَفَّدين، وجوَّز أبو حيان كونَه في موضع الصفة لـ ((مقرنين))(٥). ﴿سَرَابِيلُهُمْ﴾ أي: قمصانُهم، جمع: سِرْبال ﴿مِّن قَطِرَانٍ﴾ هو: ما يُحلَبُ من شَجَر الإبْهلِ (٦) فيُطبَخ وتُهنَأ به الإبل الجربَى، فيحرقُ الجربَ بما فيه من الحدَّة (١) أورده الرازي في تفسيره ١٤٨/١٧ عن زيد بن أرقم حيث قال: قرنت أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم بالأغلال. (٢) في (م): جامعه. والمثبت من (م) وحاشية الشهاب ٢٧٩/٥. (٣) المحرر الوجيز ٣٤٨/٣، والكشاف ٣٨٥/٢، والبيضاوي ٢٧٩/٥. (٤) عجز بيتٍ لأبي الطيب المتنبي، وهو في دیوانه ١٥/٢، وصدره: وقَيَّدتُ نفسي في ذَرَاكَ مَحبَّةً (٥) البحر المحيط ٤٤٠/٥. (٦) الأبْهُل أو الإبْهِل: هو صنف من العرار أو هو نفسه، منه صغير الورق كالطرفاء، وكبير كالسرو، ويقارب النبق في الحجم، أحمر اللون فإذا تمَّ استواؤه اسودَّ. تذكرة أولي الألباب ٣٥/١. الآية : ٥٠ ٣٦٥ سُورَةُ إبرَاهِيمٌ الشديدة، وقد تصلُ حرارتُه إلى الجوف، وهو أسودُ منتنٌ يسرُ فيه اشتعالُ النار حتى قيل: إنَّه أسرَعُ الأشياء اشتعالاً . وفي ((التذكرة)): أنَّه نوعان غليظُ برَّاقٌ حادُّ الرائحة ويُعرَف بالبرقي، ورقيقٌ كَمِد ويُعرَفُ بالسائل، والأولُ من الشربين(١) خاصَّة، والثاني من الأرز والسدر ونحوهما، والأوَّلُ أجودُ، وهو حارٍّ يابسٌ في الثالثة أو الثانية(٢)، وذَكَرَ في الزفت أنَّه من أشجار كالأَّرز وغيره، وأنَّه إنْ سالَ بنفسه يقال: زفت، وإنْ كان(٣) بالصناعة فقَطران(٤). ويقال فيه: قَطْران بوزن سَكْران، وروي عن عمرَ وعليٍّ ◌ًَّا أنَّهما قرأا به(٥)، وقِظْرَان بوزن سِرْحَان ولم نقف على مَن قرأ بذلك(٦). والجملة من المبتدأ والخبر في موضع النصب على الحالية من ((المجرمين))، أو من ضميرهم في ((مقرَّنين))، أو من ((مقرَّنين)) نفسِه على ما قيل رابطُها الضميرُ فقط كما في: كلمتُه فوه إلى فيَّ، أو مستأنفة. وأيًّا ما كان ففي ((سَرابيلهم)) تشبيهٌ بليغٌ، وذلك أنَّ المقصودَ أنَّه تُطلَى جلودُ أهلِ النار بالقَطِرَان حتى يعودَ طلاؤه كالسرابيل، وكأنَّ ذلك ليجتمعَ عليهم الألوانُ الأربعةُ من العذاب، لذعُهُ وحرقهُ وإسراعُ النار في جلودهم واللونُ الموحشُ والنَّنُ، على أنَّ التفاوتَ بين ذلك القَطِرَان وما نشاهدُه كالتفاوت بين النارَين، فكأنَّ ما نشاهده منهما أسماءٌ مُسمَّياتها في الآخرة، فبكرمِهِ العميم نعوذُ، وبكنفه الواسع نلوذُ. (١) الشربين: شجر كالسرو إلا أنه أشدُّ حمرةً وأزكى رائحةً وأعرض أوراقاً وأصغر ثمراً، ومنه القطران الجيد المعروف بالبرقي، وما استخرج من غيره كالأرز فضعيف، والشربين شجرٌ يدوم وجودُه وتبقى شجرتُه نحو خمسين سنة. تذكرة أولي الألباب ١/ ٢١١. (٢) تذكرة أولي الألباب والجامع للعجب العجاب ٢٦١/١. (٣) قوله: كان، ليس في الأصل، والمثبت من (م). (٤) تذكرة أولي الألباب ١٧٨/١. (٥) البحر المحيط ٤٤٠/٥ . (٦) عزاها الطبري ١٣/ ٧٤٢ إلى عيسى بن عمر. سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ ٣٦٦ الآية : ٥٠ وجوِّز أنْ يكونَ في الكلام استعارةٌ تمثيليةٌ بأنْ تُشبّه النفسُ المتلبِّسةُ بالملكاتِ الرديئةِ كالكفر والجهلِ والعنادِ والغباوةِ بشخصٍ لَبِسَ ثياباً من زفتٍ وقَطِرَان، ووَجْهُ الشبه تَحلِّي كلٍّ منهما بأمرٍ قبيح مؤذٍ لصاحبه يستكره عند مشاهدتِهِ، ويُستعارُ لفظُ أحدهما للآخر. ولا يخفى ما في توجيه الاستعارةِ التمثيلية بهذا من المساهلة، وهو ظاهر، على أنَّ القول بهذه الاستعارة هنا أقرب ما يكون إلى كلام الصوفية. وقال بعضُهم: يحتمل أنْ يكونَ القطرانُ المذكور عينَ ما لابَسُوهُ في هذه النشأة، وجعلوه شعاراً لهم من العقائد الباطلة والأعمالِ السيئة المستجلِيَةِ لفنون العذاب، قد تجسّدَت في النشأة الآخرة بتلك الصورةِ المستتبعةِ لاشتداد العذاب، عصمنا الله تعالى من ذلك بلطفه وكرمه. وأنت تعلم أنَّ التشبيهَ البليغَ على هذا على حاله. وقرأ عليٌّ كرَّم الله تعالى وجهه وابنُ عباس وأبو هريرة وعكرمةُ وقتادة وجماعة من: ((قَطِرِ آنٍ))(١) على أنَّهما كلمتان منوَّنتان، أولاهما (قَطِرٍ)) بفتح القاف وكسر الطاء، وهي النحاس مطلقاً أو المذاب منه، وثانيتُهما ((آنٍ)) بوزن: عانٍ، بمعنى شديد الحرارة. قال الحسن: قد سُعِّرَت عليه جهنّم منذ خُلقَت فتناهى حُّه. ﴿وَتَغْثَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ ﴾﴾ أي: تعلوها وتحيطُ بها النارُ التي تُسعَّر بأجسادهم المسربلة بالقطران، وتخصيصُ الوجوهِ بالحكم المذكورِ مع عمومه لسائر أعضائهم؛ لكونها أعزَّ الأعضاء الظاهرةِ وأشرفَها كقوله تعالى: ﴿أَفَمَن يَنَّفِى بِوَجْهِهِ. سُوّءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ [الزمر: ٢٤] ولكونها مَجمَعَ الحواسِّ والمشاعرِ التي لم يستعملوها فيما خُلقَت له من إدراك الحقِّ وتدبُّره، وهذا كما تَطَّلِعُ على أفئدتهم، لأنَّها أشرفُ الأعضاء الباطنة ومحلُّ المعرفةِ وقد ملؤوها بالجهالات، أو لخلوِّها كما قيل: عن القطران المغني عن ذكر غِشْيان النار، ووجهُ تَخْليتها عنه بأنَّ ذلك لعلَّه ليتعارفوا عند انكشاف اللَّهَب أحياناً ويتضاعفَ عذابُهم بالخزي على رؤوس الأشهاد. (١) القراءات الشاذة ص ٧٠، والمحتسب ٣٦٦/١، والمحرر الوجيز ٣٤٨/٣، والبحر المحيط ٤٤٠/٥. الآية : ٥١ ٣٦٧ سُورَةُ إبرَاهِيمٌ وقرئ برفع الوجوه ونصب ((النارَ))(١) كأنَّه جعَلَ ورودَ الوجوهِ على النار غشْياناً لها مجازاً . وقرئ: ((تَغَشَّى)) أي: تَتَغَشَّى بحذف إحدَى التاءَين(٢)، والجملة - كما قال أبو البقاء (٣) - نصبٌ على الحال كالجملة السابقة. وفي ((الكشف)): وأفاد العلّامةُ الطيبيّ أنَّ ((مقرَّنين))، ((سَرابيلُهم من قَطِرَان))، (تَغْشَى)): أحوالٌ من مفعول ((وتَرَى)) جيء بها كذلك للترقِّي، ولهذا جيء بالثانية جملةً اسميَّةً؛ لأنَّ سَرابيلَ القَطِرَان الجامعة بين الأنواع الأربعة أفظعُ من الصفد، وأما (تَغْشى)) فلتجديد الاستحضار المقصودِ في قوله تعالى: (وَتَرَى) لأنَّ الثاني أهولُ، والظاهرُ أنَّ الثانِبَيْن مُنقطعان مِن حكم الرؤيةِ؛ لأنَّ الأوَّل في بيان حالهم في الموقف إلى أنْ يُكَبَّ بهم في النار، والأخَيَرَين لبيان حالهم بعد دخولها، وكأنَّ الأوَّل حرَّك من السامع أنْ يقول: وإذا كان هذا شأنُهم وهم في الموقف، فكيف بهم وهم في جهنَّمَ خالدون؟! فأجيبَ بقوله سبحانه: ((سرابيلهم من قطران))، وأُوثِرَ الفعلُ المضارع في الثانية، لاستحضار الحال وتجدُّد الغِشْيان حالاً فحالاً، وأكثرُ المعربين على عدم الانقطاع. ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ﴾ متعلِّقٌ بمضمَرٍ، أي: يفعلُ بهم(٤) ذلك ليجزيَ سبحانه ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ أي: مُجرِمةٍ بقرينة المقام ﴿مَا كَسَبَتْ﴾ من أنواع الكفر والمعاصي جزاءً وفاقاً، وفيه إيذانٌ بأنَّ جزاءَهم مناسبٌ لأعمالهم، وجوِّز على هذا الوجه كونُ النفس أعمَّ من المجرمة والمطيعةِ، لأنَّه إذا خُصَّ المجرمون بالعقاب عُلِمَ اختصاصُ المطيعين بالثواب، مع أنَّ عقاب المجرمين وهم أعداؤهم جزاء لهم أيضاً كما قيل : مَنْ عاشَ بعدَ عدوِّهِ يوماً فقد بَلَغ المُنَا(٥) (١) عزاه ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٤٨/٣ إلى عبد الله بن مسعود، وهي في البحر ٤٤٠/٥. (٢) البحر المحيط ٤٤١/٥ . (٣) الإملاء ٤١٦/٣. (٤) قوله: بهم، ليس في الأصل، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ٥/ ٦١. (٥) حاشية الشهاب ٥/ ٢٨٠ . سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ ٣٦٨ الآية : ٥٢ ويجوزُ على اعتبار العموم تعلُّق اللام بـ ((بَرَزُوا)) على تقدير كونه معطوفاً على (تُبدَّلُ)) والضميرُ للخلق، ويكونُ ما بينهما اعتراضاً، فلا اعتراض، أي: برزوا للحساب ليجزيَ الله تعالى كلَّ نفسٍ مطيعةٍ أو عاصيةٍ ما كسَبت من خيرٍ أو شرٌّ. ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾﴾ لأنَّه لا يشغلُه سبحانه فيه تأمُّلٌ وتَتَبُّعُ، ولا يمنعُهُ حسابٌ عن حسابٍ، حتى يَستريحَ بعضُهم عند الاشتغال بمحاسبةِ الآخرين، فيتأثّر عنهم العذابُ، وروي عن ابن عباس ◌ًّا أنَّ المرادَ سريعُ الانتقام، وذكر المرتضَى في (دُرَرِه))(١) وجوهاً أُخَر في ذلك. ﴿هَذَا بَغْ﴾ أي: ما ذُكِرَ من قوله سبحانه: (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَفِلًا) إلى هنا، وجوّز أنْ يكونَ الإشارةُ إلى القرآن، وهو المرويُّ عن ابن زيد، أو إلى السورة، والتذكيرُ باعتبار الخبر وهو ((بلائٌ))، والكلامُ على الأوَّل أبلغُ، فكأنَّه قيل: هذا المذكورُ آنفاً كفاية في العِظةِ والتذكير من غير حاجةٍ إلى ما انطوى عليه السورةُ الكريمةُ أو كلُّ القرآن المجيدِ من فنون العظاتِ والقوارع، وأصلُ البلاغ مصدرٌ بمعنى التبليغ، وبهذا فسَّره الراغبُ(٢) في الآية، وذكر مجيئه بمعنى الكفاية في آيةٍ أُخرَى. ﴿لِنَّاسِ﴾ للكفَّار خاصَّةً على تقدير اختصاص الإنذار بهم في قوله سبحانه: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ﴾ أو لهم وللمؤمنين كافَّةً على تقدير شمولهم أيضاً، وإنْ كان ما شُرِحَ مختصًا بالظالمين على ما قيل. ﴿وَلِيُنْذَرُواْ يِهِ﴾ عطفٌ على محذوفٍ، أي: ليُنْصَحوا، أو لينذروا به، أو نحو ذلك، فتكونُ اللامُ متعلِّقةً بالبلاغ، ويجوزُ أنْ تتعلَّقَ بمحذوفٍ، وتقدیرہ: ولينذروا(٣) به أُنزِلَ أو تُليَ، وقال الماوردي: الواو زائدةٌ، وعن المبرِّد: هو عطفُ مفردٍ على مفردٍ، أي: هذا بلائٌ وإنذارٌ(٤)، ولعلَّه تفسيرُ معنّى لا إعراب. (١) غرر الفوائد ودرر القلائد المشهور بأمالي المرتضى ٣٨٩/١ -٣٩١. (٢) مفردات الراغب (بلغ). (٣) في الأصل: لينذروا، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ٥/ ٦٢. (٤) البحر المحيط ٤٤١/٥. الآية : ٥٢ ٣٦٩ سُورَةُ إبرَاهِيمٌَ وقال ابنُ عطية: أي: هذا بلاٌ للناس وهو لينذروا به(١)، فجعَلَ ذلك خبراً لـ ((هو)) محذوفاً. وقيل اللام لام الأمر، قال بعضُهم: وهو حَسَنٌ، لولا قوله سبحانه: (وَلِيَذَّكَّرَ) فإنَّه منصوبٌ لا غير، وارتَضَى ذلك أبو حيان وقال: إنَّ ما ذُكِرَ لا يخدشه، إذ لا يتعيَّنُ عطفُ ((ليذكرَ)) على الأمر، بل يجوزُ أنْ يُضمَرَ له فعلٌ يتعلَّق به(٢). ولا يخفَى أنَّه تكلُّفٌ. وقرأ يحيى بنُ عمارة الذراع عن أبيه، وأحمدُ بنُ يزيد السُّلمي: ((وليَنذَروا)) بفتح الياء والذال(٣) مضارع نَذِرَ بالشيء: إذا عَلِمَ به فاستعدَّ له، قالوا: ولم يُعرَف لـ : نَذِرَ بمعنى عَلِمَ مصدرٌ، فهو كـ : عسى وغيرها من الأفعال التي لا مصادِرَ لها، وقيل: إنَّهم استغنَوا بـ ((أنْ)) والفعل عن صريح المصدر. وفي ((القاموسِ)): نَذِرَ بالشيء كفَرِحَ: عَلِمَه فحَذِرَه، وأَنذَرَه بالأمر إنذاراً ونَذْراً ونَذِيرَاً: أَعلَمَهُ وحَذَّرَه(٤). وقرأ مجاهد وحميد بتاءٍ مضمومةٍ وكسر الذال(٥). ﴿وَلِيَعْلَمُوا﴾ بالنظر والتأمُّل بما فيه من الدلائل الواضحةِ التي هي إهلاكُ الأمم وإسكانُ آخرينَ مساكنهم وغيرهما مما تضمَّنه ما أشار إليه ﴿أَنََّا هُوَ إِلَهُ وَحِدٌ﴾ لا شريكَ له أصلاً، وتقديمُ الإنذار، لأنَّ داعٍ إلى التأمُّل المستتبعِ للعلم المذكور. ، أي: ليتذكَّروا شؤونَ الله تعالى ومعاملتَه مع عباده ٥٢ ﴿ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الْأَلْبُبِ ( ونحوَ ذلك، فيرتدعوا عمَّا يُردِيهم من الصفات التي يتَّصف بها الكفارُ، ويتَدَرَّعوا بما يُحظيهم لديه عزَّ وجلَّ من العقائد الحقَّة والأعمال الصالحة. وفي تخصيص التذكُّر بأولي الألباب إعلاءٌ لشأنهم. (١) المحرر الوجيز ٣٤٨/٣، ونقله عنه بواسطة البحر المحيط ٤٤١/٥. (٢) البحر المحيط ٤٤١/٥. (٣) القراءات الشاذة ص ٧٠، والمحتسب ٣٦٧/١، والبحر المحيط ٤٤١/٥. (٤) القاموس المحيط (نذر). (٥) البحر المحيط ٤٤١/٥ . سُورَةُ إبرَاهِيمَ ٣٧٠ التفسير الإشاري (٣٥-٥٢) وفي ((إرشاد العقل السليم)): إنَّ في ذلك تلويحاً لاختصاص العلم بالكفار ودلالةً على أنَّ المشارَ إليه بهذا القوارعُ المسوقةُ لشأنهم لا كلُّ السورة المشتملةِ عليها وعلى ما سيق للمؤمنين أيضاً، فإنَّ فيه ما يُفيدُهم فائدةً جديدة، وللبحث فيه مجال، وفيه أيضاً أنَّه حيث كان ما يفيدُه البلاغ من التوحيد وما يترتَّبُ عليه من الأحكام بالنسبة إلى الكفرة أمراً حادثاً، وبالنسبة إلى أولي الألباب الثبات على ذلك، عبّر عن الأوَّل بالعلم، وعن الثاني بالتذكُّر، ورُوعي ترتيبُ الوجود مع ما فيه من الخَتْم بالحسنَى(١). وذكر القاضي - بيَّض الله تعالى غرَّةَ أحواله - أنَّه سبحانه ذكر لهذا البلاغ ثلاثَ فوائدَ هي الغايةُ والحكمةُ في إنزالِ الكتبِ: تكميلُ الرسل عليهم السلام للناسٍٍ المشار إليه بالإنذار، واستكمالُهم القوَّةَ النظريَّة التي منتهى كمالها ما يتعلَّق بمعرفةِ الله تعالى المشار إليه بالعلم، واستصلاحُ القوَّةِ العمليَّةِ التي هي التدرّعُ بلباسِ التقوى المشار إليه بالتذكُّر(٢). والظاهرُ أنَّ المرادَ بـ ((أُولي الألباب)) أصحابُ العقولِ الخالصة من شوائبٍ الوهْمِ مُطلقاً، ولا يقدحُ في ذلك ما قيل: إنَّ الآيةَ نزلَت في أبي بكر ◌ُه. وقد ناسَبَ مُختَتَمُ هذه السورةِ مُفْتَتَحَها، وكثيراً ما جاء ذلك في سُوَر القرآن حتى زَعَم بعضُهم أنَّ قوله تعالى: (وَلِيُنذَرُواْ بِهِ،) معطوفٌ على قوله سبحانه: (لِنُخْرِجَ النَّاسَ) وهو من البعد بمكان. نسألُه سبحانه عزَّ وجل أنْ يمنَّ علينا بشآبيب العفو والغفران. هذا ومن باب الإشارة في الآيات ﴿وَإِذْ قَالَ إِنْزَهِيمُ رَبِّ أَجْعَلْ هَذَا أَلْبَلَدَ ءَامِنَا﴾ قال ابنُ عطاء: أرادَ عليه السلام أنْ يجعلَ سبحانَه قلبَه آمناً منِ الفراق والحجابِ، وقيل: اجعلْ بَلَدَ قلبي ذا أمنٍ بكَ عنكَ ﴿وَأَجْتُبْنِ وَيَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ اُلْأَصْنَامَ﴾ من المرغوبات الدنيَّةِ والمشتهيات الحسِّيَّة. (١) تفسير أبي السعود ٦٢/٥ . (٢) تفسير البيضاوي ومعه حاشية الشهاب ٢٨٠/٥. التفسير الإشاري (٣٥-٥٢) ٣٧١ سُورَةُ أَبْرَاهِيمٌ وقال جعفر نظُه: أرادَ عليه السلام: لا تردَّني إلى مشاهدةِ الخلَّة، ولا تردّ أولادي إلى مشاهدةِ النبوّة، وعنه أنَّه قال: أصنامُ الخلَّة خطراتُ الغفلة ولحظاتُ المحبة، وفي رواية أخرى أنَّه عليه السلام كان آمناً من عبادة الأصنام في كِبَرِه وقد كَسَرَها في صِغَرِهِ، لكنَّه عَلِمَ أنَّ هوى كلِّ إنسانٍ صنمُه، فاستعاذ من ذلك. وقال الجنيد قدِّسَ سِرُّه: أي: امنَعْني وبنيَّ أنْ نَرَى لأنفسنا وسيلةً إليكَ(١) غيرَ الافتقار. وقيل: كلُّ ما وقف العارفُ عليه غير الحقِّ سبحانه فهو صَنَمُه، وجاء: النفس هو الصنم الأكبر. ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ﴾ بالتعلُّق بها والانجذابِ إليها والاحتجابِ بها عنك سبحانك ﴿فَمَنْ تَيِّعَنِى﴾ في طريق المجاهدةِ والخلَّة ببذل الروح بين يديك ﴿فَإِنَّهُ مِنِيَ﴾ طينتُه من طينتي، وقَلبُه من قلبي، ورُوحُه من روحِي، وسرُّه من سرِّي، ومَشْرَبُه في (٢) الخلَّةِ مِن مَشرَبي، ﴿وَمَنْ عَصَانِ﴾، وفعل ما يقتضي الحجابَ عنك ﴿فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فلا أدعو عليه، وأفوّضُ أمرَه إليك. قيل: إنَّ هذا منه عليه السلام دعاءٌ للعاصي بستر ظلمتِهِ بنورِه تعالى ورحمتِه جلَّ شأنه إياه بإفاضةِ الكمال عليه بعد المغفرة. ومن كلام نبيِّنَا وَّهِ: ((اللَّهَمَّ اهدِ قومي فإنَّهم لا يعلمون))(٣). وفي ((أسرار التأويل)): أنَّه عليه السلام أشارَ بقوله(٤): ﴿وَمَنْ عَصَانِ﴾ إلى مقام الجمْعِ، ولذا لم يَقُل: ومَن عصاك، ويجوزُ أنْ يقال: إنمَّا أضافَ عصيانهم إلى نفسه؛ لأنَّ عصيانَ الخلقِ للخالق غيرُ ممكنٍ، وما من دابةٍ إلا وربِّي(٥) (١) في الأصل: إليك وسيلة، والمثبت من (م). (٢) قوله: في، ليس في الأصل. والمثبت من (م). (٣) أخرجه أبو نعيم في تاريخ أصبهان ٢/ ١٦١، وابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق ٢٤٧/٦٢، من حديث عبد الله بن مسعود مرفوعاً، والديلمي في مسند الفردوس (٥٣٢٦) عن أبي هريرة عن سيدنا نوح عليه السلام، وأحمد في الزهد ص٦٦ عن عبيد بن عمير عن نوح عليه السلام، وقال السهيلي في الروض الأنف ٢/ ١٧٠: وقد ذكرها ابن إسحاق رواها عنه بعض رواة الكتاب. وأخرجه أحمد (٣٦١١)، والبخاري (٣٤٧٧) من حديث عبد الله بن مسعود مرفوعاً بلفظ: (((اللهم اغفر لقومي ... )). (٤) ليس في الأصل. (٥) في الأصل: ربي، والمثبت من (م). سُورَةُ ابْرَاهِيمَ ٣٧٢ التفسير الإشاري (٣٥-٥٢) آخذٌ بناصيتها، فَهُمْ في كلِّ أحوالهم مجيبونَ لداعي ألسنةِ مشيئتِهِ سبحانه وإرادته القديمة. وسئل عبدُ العزيز المكي: لِمَ لَمْ يقُل الخليلُ: ومن (١) عصاك؟ فقال: لأنَّه عظّمَ ربَّه عزَّ وجل وأجلَّه مِن أنْ يثبِتَ أنَّ أحداً يَجترئ على معصيته سبحانه، وكذا أجلَّه سبحانه مِن أنْ يبلُغَ أحدٌ مبلغَ ما يليقُ بشأنه عزَّ شأنه من طاعته حيث قال: ﴿فَمَنْ تَّعَنِىِ﴾. ﴿رَبَّنَا إِنَّ أَسْكَنْتُ مِن ذُرِيَّتِى بِوَاٍ غَيْرِ ذِى زَرْع ◌ِندَ بَيْنِكَ الْمُحَرَّمْ﴾ قيل: إنَّ من عادة الله تعالى أنْ يَبْتليَ خليلَه بالعظائم ليَنزِعَه عن نفسه وعن جميع الخليقةِ؛ لئلا يَبقَى بينه وبينه حجابٌ من الحَدَثَانِ، فلذا أَمَر جلَّ شأنُه هذا الخليلَ أنْ يُسكنَ من ذرِّيته في وادي الحرم بلا ماءٍ ولا زادٍ لينقطعَ إليه ولا يعتمدَ إلا عليه عزَّ وجلَّ، وناداه باسم الربِّ؛ طمعاً في تربية عياله وأهلِهِ بألطافه وإيوائهم إلى جوار كرامته. ﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلَوَةَ﴾ التي يصلُ العبدُ بها إليك ويكونُ مرآة تجلِّيكَ ﴿فَأَجْعَلْ أَفْئِدَةٌ مِّنَ النَّاسِ تَهْوِىّ إِلَيْهِمْ﴾ تميل بوصف الإرادة والمحبةِ لیسلِّكوهم إليك ويدلُّوهم عليك، قال(٢) ابنُ عطاء: من انقطع عن الخلق بالكليّة، صرفَ الله تعالى إليه وجوهَ الخلقِ وجعَلَ موذَّته في صدورهم ومحبَّتَه في قلوبهم، وذلك مِن دعاء الخليلِ عليه السلام، لمَّا قطَعَ أهلَه عن الخلق والأسباب قال: ﴿فَأَجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِىّ إِلَيْهِمْ وَأَرْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَتِ﴾ قيل: أي: ثمراتِ طاعتك، وهي المقامات الرفيعة والدرجات الشريفة . وقال الواسطي: ثمرات القلب(٣)، وهي أنواعُ الحكمةِ، ورئيسُ الحكمة رؤيةُ المنَّةِ والعجزُ عن الشكر على النعمة، وهو الشكرُ الحقيقيُّ ولذلك قال: ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ أي: يعلمون أنَّه لا يتهيَّأ لأحد أنْ يقومَ بشكرك، وثمرةُ الحكمة تُزيلُ الأمراضَ عن القلوب كما أنَّ ثمرةَ الأشجار تُزيلُ أمراضَ النفوس. وقيل: أي: ارزُقهم الأولاد الأنبياء والصلحاء، وفيه إشارةٌ إلى دعوته بسيِّد المرسلين وَّ المعنيُّ (١) قوله: ومن، ليس في الأصل، والمثبت من (م). (٢) في الأصل: وقال، والمثبت من (م). (٣) في (م): القلوب. التفسير الإشاري (٣٥-٥٢) ٣٧٣ سُورَةُ إبرَاهِيمٌ له بقوله: ﴿رَبَّنَا وَأَبْعَثْ فِهِمْ رَسُولًا﴾ [البقرة: ١٢٩] وأيُّ الثمراتِ أَشهَى من أصفَى الأصفياء وأَتقَى الأتقياء وأفضلِ أهل الأرضِ والسماءِ وحبيبٍ ذي العظمةِ والكبرياءِ، فهو عليه الصلاة والسلام ثمرةُ الشجرة الإبراهيميَّة، وزهرةُ ریاضٍ الدعوةِ الخليليَّة، بل هو نَّهِ ثمرةُ شجرةٍ الوجود، ونورُ حديقة الكرم والجود، ونورُ حَدَقةِ(١) كلِّ موجودٍ وَِّ إلى اليوم المشهود. ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى وَمَا نَعْلِنُ﴾ قال الخوَّاص: ما نُخفي من حُبِّك وما نُعلنُ من شكرك. وقال ابنُ عطاء: ما نُخفي من الأحوال وما نُعلنُ من الآداب. وقيل: ما نُخفي من التضرُّع في عبوديتك وما نُعلنُ من ظاهر طاعتك في شريعتك. وأيضاً: ما نُخفي من أسرار معرفتك وما نُعلنُ من وظائف عبادتك. وأيضاً ما نخفي من حقائق الشوقِ إليك في قلوبنا وما نُعلنُ في غلبة مواجيدنا بإجراء العبَرَات وتصعيدٍ الزفرات: سَتْرَ المحبةِ والھوَى فضَّاحُ وارحمتا للعاشقين تكلّفُوا وكذا دماءُ البائحين تُباحُ بالسرِّ إِنْ باحوا تُباحُ دماؤهم عند الوشاةِ المدمعُ السَّاحُ(٢) وإِنْ هُمُ كَتَمُوا تحدَّثَ عنهمُ وقال السَّيِّد علي البندنيجي قدِّس سرُّه: فلِلَّه كم صبِّ أَضرَّ بهِ الذَّيعُ کَتمتُ هَوَی حُبِّيهِ خوفَ إذاعةٍ إذا فاحَ مسكٌ كيف يَخفَى لَه ضَوِعُ(٣) ولكنْ بَدَت آثارُهُ مِن تأوُّهي ﴿َوَمَا يَخْفَى عَلَى الَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِ آلْأَرْضِ وَلَا فِ السَّمَاءِ﴾ فيعلم ما خَفِيَ وما علن. ﴿وَلَا تَحْسَبَنَ اَللَّهَ غَفِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوٍْ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَرُ﴾ قيل: الظالم من تجاوزَ طورَه وتَبختَرَ على بساط الأنانية زاعماً أنَّه قد تضلَّع مِن ماء زمزمِ المحبةِ، واستغرقَ في لُجيِّ بحر الفناء، وتوعَّدَه الله تعالى بتأخير فضيحتهِ إلى يومٍ تشخَصُ فيه أبصارُ سُكارَى المعرفةِ والتوحيد، وهو يومُ (١) في الأصل: حديقة، والمثبت من (م). (٢) الأبيات لشهاب الدين السهروردي القتيل كما في معجم الأدباء ٣١٧/١٩. (٣) لم نقف عليهما. سُوْدَةُ ابْرَاهِيمٌ ٣٧٤ التفسير الإشاري (٣٥- ٥٢) الكشف الأكبر حين تبدو أنوارُ سَطواتِ العزَّةِ، فيستغرقون في عظمته، بحيث لا يقدرُون على الالتفات إلى غيره، فهناك يتبيَّن الصادقُ من الكاذب: إذا اشتبكَتْ دموعٌ في خدودٍ تَبيَّنَ مَن بَکَی ممَّن تَباكَى(١) وقوله سبحانه: ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِى رُءُوسِهِمْ لَا يََّدُ إِلَيْهِمْ لَرْفُهُمْ وَفْئِدَتْهُمْ هَوَآءٌ﴾ شرحٌ لأحوال أصحابِ الأبصار الشاخصة، وهم سكارَى المحبَّةِ على الحقيقة، قال ابنُ عطاء في ((وأفئدتُهم هواء)): هذه صفةُ قلوبٍ أهلِ الحقِّ متعلِّقةٌ بالله تعالى لا تقَرُّ إلا معه سبحانه ولا تَسكُن إلا إليه، وليس فيها محلٌّ لغيره. ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَِ يَوْمَ يَأْنِهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَآَ أَخِرْنَاً إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُبْ دَعْوَتَكَ وَنَشَّيِعِ الرُّسُلُ﴾ طلبوا تدارُكَ ما فات، وذلك بتهذيب الباطنِ والظاهرِ والانتظامٍ في سلوك الصادقين وهيهات ثمَّ هيهات، ثم أُجيبُوا بما يَقصِمُ الظهرَ ويَقصِمُ عُرَى الصبر وهو قوله سبحانه: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ﴾ الآية. ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَتُّ وَبَرَزُواْ لِلَّىِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ وذلك عند انكشافِ أنوارٍ حقيقة الوجودِ، فيظهر هلاكُ كلِّ شيءٍ إلا وجهه. وقيل: الإشارةُ في الآية إلى تَبدُّل أرضٍ قلوبِ العارفين من صفات البشريَّة إلى الصفات الروحانيَّة المقدَّسةِ بنور شهودِ جمالِ الحقِّ، وتبدُّلِ سماواتِ الأرواح من عَجْزِ صفاتِ الحدوث وضَعْفها عن أنوار العظمة بإفاضة الصفات الحقَّة. وقيل: تبدّل أرض الطبيعة بأرض النفسِ عند الوصول إلى مقام القلبِ، وسماء القلب بسماء السرِّ، وكذا تبدّل أرض النفس بأرض القلبِ، وسماء السرِّ بسماء الروح، وكذا كلُّ مقامٍ يَعْبُرُه السالك يتبدَّلُ ما فوقَه وما تحتَه كتبدُّل سماء التوكل في توحيد الأفعال بسماءً الرضا في توحيد الصفات، ثم سماءُ الرضا بسماء التوحيد عند كشف الذات. ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَّرَّبِينَ فِىِ الْأَصْفَادِ﴾، بسلاسل الشهواتِ ﴿سَرَابِلُهُم مِّن قَطِرَانٍ﴾ وهو قَطِرانُ أعمالهم النتنة ﴿وَتَغْثَى﴾ وتستر ﴿وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ في جهنّم الحرمان وسعيرِ الإذلال والاحتجاب عن ربِّ الأرباب. (١) البيت للمتنبي، وهو في ديوانه ١٣٢/٣. ٣٧٥ سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ التفسير الإشاري (٣٥- ٥٢) ﴿هَذَا بَغْ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُواْ بِهِ، وَلِيَعْلَمُوْ أَنََّا هُوَ إِلَهٌ وَحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾ وهم علماء الحقيقةِ وأساطينُ المعرفةِ وعشَّاقُ الحضرة وأمناءُ خزائنِ المملكةِ، جعلنا الله تعالى وإياكم ممن ذُكِّرَ فتذَكَّر، وتحقَّق في مقرِّ التوحيد وتقرَّر بمنِّه سبحانه وكرمه. سُورَةُ الِجِ أخرج ابنُ مردويه عن ابنِ عباس وابنِ الزبير ﴿ه أنَّها نزلَت بمكة(١)، ورُوي ذلك عن قتادة ومجاهد، وفي ((مجمع البيان)) عن الحسن أنَّها مكيةٌ إلا قوله تعالى: (وَلَقَدْ ءَانَيْنَكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِ وَالْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ ()، وقوله سبحانه: (كَمَآ أَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ جَعَلُواْ الْقُرْءَانَ عِضِينَ ٩٠ الْمُقْتَسِمِينَ ( وذكر الجلالُ السيوطيُّ في ((الإتقان)) عن بعضهم استثناءَ الآية الأُولَى فقط، ثم قال: قلتُ: وينبغي استثناءُ قولِهِ تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ﴾ الآية [٢٤]؛ لما أخرجه الترمذيُّ وغيرُه في سبب نزولها وأنها في صفوف الصلاةِ(٣)، وعلى هذا فقولُ أبي حيان ومثله في ((تفسير الخازن)): إنَّها مكية بلا خلاف (٤). الظاهرُ في عدم الاستثناء ظاهرٌ في قلَّة التُّع، وهي تسعٌ وتسعون آية، قال الداني، وكذا الطبرسي: بالإجماع(٥)، وتحتوي ــ على ما قيل - على خمسٍ آياتٍ نسخَتْها آيةُ السيف. (١) عزاه لابن مردويه السيوطي في الدر المنثور ٩٢/٤، وأخرج أثر ابن عباس ابن الضُّرَيس في فضائل القرآن ص٣٣، والنحاس في الناسخ والمنسوخ ٤٨٢/٢. (٢) مجمع البيان ١٤/ ٥. (٣) الإتقان ٤٦/١، والحديث عند الترمذي (٣١٢٢)، وأخرجه أيضاً أحمد (٢٧٨٣)، وابن ماجه (١٠٤٦)، والنسائي ١١٨/٢ من حديث ابن عباس ﴿يا، أن امرأة حسناء كانت تصلي خلف رسول الله وَر فكان البعض يستقدم في الصف الأول لئلا يراها ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخّر، فإذا ركع نظر من تحت إبطيه، فأنزل الله الآية. وأورده ابن كثير عند تفسير هذه الآية، وقال: غريب جداً، وفيه نكارة شديدة، ورجّح أنه من كلام أبي الجوزاء الذي رواه عن ابن عباس . (٤) البحر المحيط ٤٤٣/٥، وتفسير الخازن ٤/ ٥٥ . (٥) مجمع البيان للطبرسي ٥/١٤، وحاشية الشهاب ٢٨١/٥. الآية : ١ ٣٧٧ سُورَةُ الِجْرُ ووجهُ مناسبتها لما قبلَها؛ أنَّها مُفتَتَحة بنحو ما افتتحَ به السورة السابقة، ومشتملةٌ أيضاً على شرح أحوالِ الكفرةِ يوم القيامة وودَادتهم لو كانوا مسلمين، وقد اشتملَت الأولَى على نحو ذلك، وأيضاً ذُكر في الأُولَى طرفٌ من أحوال المجرمين في الآخرة، وذُكر هنا طرفٌ مما نال بعضاً منهم في الدنيا، وأيضاً قد ذكر سبحانه في كلِّ مما يتعلَّق بأمر السماوات والأرض ما ذَكَر، وأيضاً فعل سبحانه نحو ذلك فيما يتعلَّق بإبراهيم عليه السلام، وأيضاً في كلٍّ مِن تسلية نَبِّينا وَ ل﴿ ما فيه، إلى غير ذلك مما لا يحصى. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿الَرَّ﴾ُ قد تقدَّم الكلامُ فيه(١) ﴿يَلْكَ﴾ اختار غيرُ واحدٍ أَنَّه إشارةٌ إلى السورة، أي: تلك السورةُ العظيمة الشأن ﴿مَايَتُ الْكِتَبِ﴾ الكاملِ الحقيق باختصاصٍ اسم الكتاب به على الإطلاق كما يُشعرُ به التعريفُ، أي: بعضٌ منه مترجم مستقلٌّ باسم خاصٌّ، فالمرادُ به جميعُ القرآن، أو جميعُ المنزل إذ ذاك. ﴿وَقُرْءَانٍ﴾ عظيم الشأن، كما يُشعر به التنكير ﴿ُِّينٍ ﴾﴾ مُظهِرٍ في تضاعيفه من الحِكَمِ والأحكام، أو لسبيل الرُّشدِ والغيِّ، أو فارقٍ بين الحق والباطل، والحلال والحرام، أو ظاهر معانيه، أو أَمْرِ إعجازه، فالمبين إمَّا من المتعدِّي أو اللازم، وفي جمع وصْفَي الكتابية والقرآنية من تفخيم شأن القرآن ما فيه، حيث أُشيرَ بالأول إلى اشتماله على صفات كمال جنس(٢) الكُتُب الإلهية، فكأنَّه كلُّها، وبالثاني إلى كونه ممتازاً عن غيره نسيج وحده، بديعاً في بابه، خارجاً عن دائرة البيان، قرآناً غيرَ ذي عوجٍ، ونحو هذا فاتحة سورة النمل خلا أنَّه أَخَّر هاهنا الوصفَ بالقرآنية عن الوصفِ بالكتابية، لما أنَّ الإشارةَ إلى امتيازه عن سائرِ الكتب - بعد التنبيه على انطوائه على كمالات غيرِهِ منها - أَدخلُ في المدح، لئلا يتوَهَّم من أوَّل الأمر أنَّ امتيازه عن غيره لاستقلاله بأوصافٍ خاصَّةٍ به، من غير اشتماله على (١) ينظر ٣١٨/١ وما بعدها. (٢) قوله: جنس، ليس في الأصل، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ٦٣/٥. الآية : ١ ٣٧٨ سُوْدَةُ الِح نُعوت كمالٍ سائر الكُتُب الكريمةِ، وعكَسَ هناك؛ نظراً إلى حال تقدُّم القرآنية على حال الكتابية. قاله بعضُ المحقّقين. وجُوِّز أنْ يراد بالكتاب اللوحُ المحفوظُ؛ وذكر أنَّ تقديمه هنا باعتبار الوجود، وتأخيرَه هناك باعتبار تعلُّق عِلْمنا؛ لأنَّا إنما نعلمُ ثبوتَ ذلك من القرآن. وتُعقّب بأنَّ إضافة الآياتِ إليه تُعكرُ على ذلك، إذ لا عهدَ باشتماله على الآيات. والزمخشريُّ جعَلَ هنا الإشارةَ إلى ما تضمَّنَتْه السورةُ، والكتابُ وما عُطفَ عليه عبارةٌ عن السورة(١). وذكر هناك أن الكتاب إمَّا اللوح، وإما السورة، وإما القرآن(٢)، فآثر هاهنا أحدَ الأوجه هناك. قال في ((الكشف)»: لأنَّ الكتاب المطلَق على غير اللوح أظهرُ، والحملُ على السورة أوجَهُ مبالغةً كما دلَّ عليه أسلوبُ قوله تعالى: ﴿وَالَّذِىّ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّيِّكَ اُلْحَقُّ﴾ [الرعد: ١] وليطابق المشار إليه، فإنَّه إشارةٌ إلى آيات السورة، ثم قال: وإيثارُ الحملِ على اتِّحاد المعطوف والمعطوف عليه في الصدق؛ لأنَّ الظاهرَ من إضافة الآيات ذلك. ولمَّا كان في التعريف نوعٌ من الفخامة، وفي التنكير نوعٌ آخرُ، وكان الغرضُ الجمعَ، عرَّف الكتاب ونكَّر القرآن ها هنا، وعكس في النمل، وقدَّم المعرَّف في الموضعَين؛ لزيادةِ التنويه، ولما عقَّبه سبحانه بالحديث عن الخصوص هنالك قدَّم كونَه قرآناً؛ لأنَّه أدلُّ على خصوص المُنزَل على محمد ◌َّ للإعجاز. وتُعقِّب تفسيرُ ذلك بالسورة دون جميع القرآن، أو المُنزَل إذ ذاك بأنَّه غيرُ متسارع إلى الفهم، والمتسارعُ إليه عند الإطلاق ما ذكر، وعليه يترتَّبُ فائدةُ وَصْف الآياتِ بنعت ما أُضيفت إليه من نعوت الكمال لا على جعله عبارةً عن السورة، إذ هي في الاتِّصاف بذلك ليست بتلك المرتبة من الشهرة حتى يُستغنى عن التصريح بالوصف على أنَّها عبارةٌ عن جميع آياتها، فلا بدَّ من جعل ((تلك)) إشارةً إلى كلِّ واحدةٍ منها. وفيه من التكلُّف ما لا يخفَى. (١) الكشاف ٣٨٥/٢. (٢) الكشاف ١٣٤/٣-١٣٥. الآية : ٢ ٣٧٩ سُورَةُ الِهْ ثم إن الزمخشريَّ بعد أنْ فسَّر المتعاطفَين بالسورة أشار إلى وجه التغايُرِ بينهما بقوله: كأنَّ قيل: الكتابُ الجامعُ للكمال والغرابةِ في البيانِ(١)، ورَمَزَ إلى أنَّهُ لما جُعِلَ مستقلًّا في الكمال والغرابة قصد قصدهما، فعطف أحدهما على الآخر، فالغرضُ من ذكر الذاتِ في الموضعَين الوصفان، وهذه فائدةُ إيثار هذا الأسلوب، ومِن هذا عدَّه مَن عدَّه من التجريد، قاله في ((الكشف)). وقال الطيبي بعد أنْ نَقَل عن البغوي(٢) توجيهَ التغايرِ بين المتعاطفَين: بأنَّ الكتاب ما يُكتَب، والقرآن ما يُجمَع بعضه إلى بعض: فإن قلتَ: رَجَع المآل إلى أنَّ ((الكتاب وقرآن)) وصفان الموصوفٍ واحدٍ أُقيما مقامه، فما ذلك الموصوف؟ وكيف تقديرُه؟ فإنْ قدَّرتَه معرفةً دَفَعَهُ(٣) ((وقرآنٍ مبينٍ))، وإنْ ذهبتَ إلى أنَّه نكرة أَبَاهُ لفظُ (الكتاب))؟ قلتُ: أُقدِّرُه معرفةً و((قرآنٍ مبينٍ) في تأويل المعرفة؛ لأنَّ معناه: البالغُ في الغرابة إلى حدِّ الإعجاز، فهو إذاً محدودٌ بل محصورٌ، إلى آخر ما قال. وهو كلامٌ خالٍ عن التحقيق كما لا يخفَى على أربابه. وقيل المرادُ بالكتاب التوراةُ والإنجيلُ، وبالقرآن الكتاب المنزل على نبيِّنَا وَّر، وأخرج ذلك ابنُ جرير عن مجاهد وقتادة (٤)، وأَمْرُ العطف على هذا ظاهرٌ جدًّا إلا أنَّ ذلك نفسه غيرُ ظاهرٍ، وفي المراد بالإشارة عليه خفاء أيضاً. وفي ((البحر)): أنَّ الإشارةَ على هذا القول إلى آيات الكتاب(٥)، وهو كما ترى. ثمَّ إِنَّه سبحانه لمَّا بيَّنَ شأن الآيات لتوجيه المخاطَبين إلى حُسْنٍ تلقي ما فيها من الأحكام والقصص والمواعظ شَرَع جلَّ شأنه في بيان المتضمّن، فقال عزَّ قائلاً: ﴿ُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بما يجبُ الإيمان به، ووَدَادتهم(٦) ﴿لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ ﴾ مؤمنين بذلك، وقيل: المرادُ كفرُهم بالكتاب والقرآن وبكونه من (١) الكشاف ٣٨٦/٢. (٢) في تفسيره ٤٥/٣ . (٣) في (م): رفعه، والمثبت من الأصل. (٤) تفسيره الطبري ١٤ / ٥ - ٦ بنحوه. (٥) البحر المحيط ٤٤٤/٥. (٦) ليست في (م). سُورَةُ الِجْمُ ٣٨٠ الآية : ٢ عند الله تعالى، ووَدَادَتُهم الانقيادُ لحكمه والإذعانُ لأمره، وفيه إيذانٌ بأنَّ كفرَهم إنَّما كان بالجحود، وفيه نظرٌ، وهذه الودادةُ يومَ القيامة عند رؤيتهم خروجَ العصاةِ من النار. أخرج ابن المبارك وابن أبي شيبة والبيهقيُّ وغيرُهم عن ابن عباس وأنس مط﴾ أنَّهما تذاكرا هذه الآيةَ فقالا: هذا حيثُ يجمعُ الله تعالى بين أهلِ الخطايا من المسلمين والمشركين في النار، فيقولُ المشركون: ما أغنى عنكم ما كنتم تعبدون، فيغضبُ الله تعالى لهم، فيخرجُهم بفَضْل رحمته (١). وأخرج الطبرانيُّ وابنُ مردويه بسندٍ صحيحٍ عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله وَله: (إنَّ ناساً من أمتي يُعذَّبون بذنوبهم فيكونُونَ في النار ما شاء الله تعالى أنْ يكونوا، ثمَّ يعيِّرهم أهل الشرك فيقولون: ما نَرَى ما كنتم فيه من تصديقكم نَفَعَكم، فلا يَبقَى موحِّدٌ إلا أَخْرَجه اللهُ تعالى من النار)) ثم قرأ رسول الله وَّل الآية(٢) . وأخرج غيرُ واحدٍ عن عليٍّ - كرم الله تعالى وجهه - وأبي موسى الأشعري وأبي سعيد الخدري نحو ذلك يرفَعُهُ كلٌّ إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام(٣). وروي ذلك عن كثير من السلف الصالح. فقول الزمخشري: إنَّ القول به بابٌ من الودادة(٤)؛ بيتٌ من السفاهة قَعيدته(٥) عقيدته الشوهاء. (١) الزهدُ لابن المبارك (١٦٠٢)، والبعث والنشور للبيهقي (٨٢)، والطبري ٨/١٤، وعزاه لابن أبي شيبة السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٢. (٢) المعجم الأوسط للطبراني (٥١٤٦)، وعزاه لابن مردويه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٢. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣٧٩/١٠: رجاله رجال الصحيح غير بسام الصيرفي وهو ثقة. (٣) أخرج حديث أبي موسى الأشعري ◌ُه ابنُ أبي عاصم في السنة (٨٤٣)، والطبري ٨/١٤، والحاكم ٢٤٢/٢، وأخرج حديث أبي سعيد الخدري ﴿ه ابنُ حبان (٧٤٣٢). وذكر حديث علي بن أبي طالب عُ السيوطيُّ في الدر المنثور ٩٣/٤ وعزاه لابن أبي حاتم، ولابن شاهين في السنة. (٤) الكشاف ٣٨٦/٢. (٥) قَعيدةُ الرجل وقَعيدة بيته: امرأتُه. تاج العروس (قعد).