النص المفهرس

صفحات 341-360

الآية : ٤٣
٣٤١
سُورَةُ أَبْرَاهِيمٌ
هجانٌ وحمرٌ مقنعات رؤوسُها وأصفرُ مشمولٌ من الزهر فاقعٌ(١)
ويقال: أَقْنَعَ رأسَه: نكسه وطَأْطَأه، فهو من الأضداد. قال المبرِّدُ: وكونُه
بمعنى رَفَع أعرف في اللغة (٢). اهـ. وقيل: ومِن المعنى الأول: قَنِعَ الرجلُ: إذا
رَضِي بما هو فيه، كأنَّه رَفَع رأسه عن السؤال، وقد يقال: إنَّه من الثاني، كأنَّه طأطأ
رأسه ولم يَرفعْه للسؤال ولم يستشرف إلى غير ما عنده.
ونصبُ الوصفَين على أنَّهما حالان من مضافٍ محذوفٍ، أي: أصحابُ
الأبصارِ، بناءً على أنَّه يقال: شَخَصَ زيدٌ ببصره، أو: الأبصار تدلُّ على أصحابها
فجاءت الحالُ من المدلول عليه، ذكر ذلك أبو البقاء(٣)، وجوَّز أنْ يكون ((مُھطعين))
منصوباً بفعلٍ مقدَّرٍ، أي: تبصرُهم مهطعين، و((مُقْنعي رؤوسِهم)) على هذا قيل: حالٌ
من المستتر في ((مُهطعين)) فهي حالٌ متداخلة، وإضافته غير حقيقيةٍ فلذا وَقَع حالاً .
وقال بعضُ الأفاضل: إنَّ في اعتبار الحاليةِ من أصحاب، حسبما ذُكر أوَّلاً
ما لا يخفى من البعد والتكلُّف.
والأَوْلَى - والله تعالى أعلم - جعْلُ ذلك حالاً مقدَّرةً من مفعول ((يُؤْخِّرُهم))
وقوله سبحانه: (تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَرُ) بيانُ حالِ عموم الخلائق، ولذلك أُوثِرَ فيه
الجملة الفعلية، فإنَّ المؤمنين المخلصين لا يستمرُّون على تلك الحال، بخلاف
الكفار حيث يستمرُّون عليها، ولذلك عبَّر عن حالهم بما يدلُّ على الدوام والثبات،
فلا يَرِدُ على هذا توهُّم التكرارِ بين ((مُهطعين)) و((تشخصُ فيه الأبصار)) على بعض
التفاسير، وبنحو ذلك دفع(٤) التكرار بَيْن الأوَّل وقولِه تعالى: ﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ
لَّفُهُمْ﴾ بمعنى لا يرجعُ إليهم تحريكُ أجفانهم حسبما كان يرجعُ إليهم كلَّ لحظةٍ،
فالطَّرْفُ باقٍ على أصل معناه، وهو: تحريكُ الجفن، والكلامُ كنايةٌ عن بقاء العينِ
مفتوحةً على حالها .
(١) لم نقف عليه في ديوانه، ونسبه السيوطي في الدر المنثور ٨٨/٤ إلى ولده كعب، ولم نقف
عليه في ديوانه أيضاً، وهو في مسائل نافع ص١٦٥ .
(٢) الكامل ١٠٢٧/٢.
(٣) الإملاء ٤١٣/٣.
(٤) في(م): رفع.

سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ
٣٤٢
الآية : ٤٣
وجوِّز أنْ يُراد بالطَّرْف نفسُ الجفن مجازاً؛ لأنَّه يكون فيه ذلك، أي: لا ترجعُ
إليهم أجفانُهم التي يكونُ فيها الطرفُ، وقال الجوهري: الطَّرْفُ: العينُ،
ولا يُجمَعُ؛ لأنَّه في الأصل مصدرٌ، فيكون واحداً ويكون جمعاً، وذَكَر الآية(١)،
وفسَّره بذلك أبو حيَّن أيضاً، وأنشد قول الشاعر:
وأغضُّ طَرْفي ما بدَتْ لي جارتي
حتى يُواري جارتي مأواها(٢)
وليس ما ذکر مُتعيّناً فيه، وهو معنىّ مجازيٌّ له وكذا النظر، وجوّز إرادته على
معنى: لا يرجع إليهم نظرهم لينظروا إلى أنفسهم فضلاً عن شيءٍ آخر، بل يبقون
مبهوتين، ولا ينبغي كما في ((الكشف)) أنْ يتُخيَّل تعلُّق ((إليهم)) بما بعده، على
معنى: لا يرجِعُ نظرُهم إلى أنفسهم، أي: لا يكون منهم نظرٌ كذلك؛ لأنَّ صلة
المصدر لا تتقدَّم، والمسألة في مثل ما نحن فيه خلافيَّة، ودعوى عدمِ الجمع
ادَّعاها جمعٌ، وادَّعى أبو البقاء أنَّه قد جاء مجموعاً (٣).
هذا، وأنت خبيرٌ بأنَّ لزوم التكرار بين ((مهطعين)) و((لا يَرتدُّ إليهم طرفُهم)) على
بعض التفاسير متحقِّقٌ، ولا يدفعُه اعتبار الحاليَّة من مفعول ((يُؤخّرهم)) على أنَّ
بذلك لا يندفعُ عرقُ التكرار رأساً بين («تَشْخصُ فيه الأبصارُ)) وكلٍّ من الأمرَين
المذكورَين كما لا يخفى على مَن صحَّت عينُ بصيرته.
وفي ((إرشاد العقل السليم)): أنَّ جملةَ ((لا يَرتدُّ» إلخ حالٌ، أو بدلٌ من ((مُقنعي))
إلخ، أو استئنافٌ، والمعنى: لا يزولُ ما اعتراهم من شخوص الأبصار، وتأخيرُه
عمَّا هو من تَتِمَّته من الإهطاع والإقناع، مع ما بينه وبين الشخوصِ المذكور من
المناسبة لتربية هذا المعنى (٤).
وكأنَّه أرادَ بذلك دفع التكرار، وفي انفهامٍ لا يزول .. إلخ من ظاهر التركيب
خفاء.
(١) الصحاح (طرف).
(٢) البحر المحيط ٥/ ٤٣٠، والبيت لعنترة، وهو في ديوانه ص٧٦.
(٣) الإملاء ٤١٣/٣.
(٤) تفسير أبي السعود ٥٦/٥.

الآية : ٤٣
٣٤٣
سُورَةُ ابْرَاهِيمَ
واعتبر بعضُهم عدمَ الاستقرار في الشخوص وعدم الطرف هنا، فاعترض عليه
بلزوم المنافاة.
وأُجيبَ بأنَّ الثاني بيانُ حالٍ آخرَ، وأنَّ أولئك الظالمين تارةً لا تقرُّ أعينُهم،
وتارةً يبهتون فلا تطرفُ أبصارُهم، وقد جعل الحالتان المتنافيتان لعدم الفاصل
كأنَّهما في حالٍ واحدٍ، کقول امرئ القيس:
مِكَرِّ مِفَرِّ مُقبِلٍ مُذْبِرٍ معاً كجلمودِ صَخْرٍ حظّه السيلُ من عَلٍ(١)
وهذا يحتاجُ إليه على تقدير اعتبار ما ذكر، سواءٌ اعتُبر كونُ الشخوص وما بعده
من أحوال الظالمين بخصوصهم أم لا، والأَولى أنْ لا يُعتَبر في الآية ما يحوجُ لهذا
الجواب، وأنْ يختار من التفاسير ما لا يلزمه صريحُ التكرار، وأن يجعل شخوص
الأبصارِ حال عموم الخلائق، وما بعده حال الظالمين المؤخّرين، فتأمَّل.
﴿وَفْئِدَنْهُمْ هَوَآءٌ ﴾﴾ أي: خالية من العقل(٢) والفَهْم؛ لفرط الحيرة والدَّهشةِ،
ومنه قیل للجبان والأحمق: قلبه هواء، أي: لا قوّة ولا رَأْيَ فیه، ومن ذلك قول
زهير:
من الظُّلْمانِ جُؤْجُؤْهُ هواءٍ(٣)
كأنَّ الرَّحلَ مِنها فوقَ صَعْلٍ
وقول حسان:
فأنتَ مُجَّفٌ نَخِبٌ هواءُ(٤)
ألا بلِّغ أبا سُفيانَ عنِّي
وروي معنى ذلك عن أبي عبيدة (٥) وسفيان، وقال ابنُ جريج: صفرٌ من الخير
(١) ديوان امرئ القيس ص١٩.
(٢) في الأصل: عن العقل، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ٥٦/٥.
(٣) ديوان زهير ص٦٣، قوله: صَعْل، أي: دقيق الرأس والعنق، وظليم: هو الذكر من النعام،
جمعها: ظِلمان. قال ثعلب في شرحه للديوان: كأن الرحل منها: من هذه الناقة، فوق صعل:
فوق ظليمٍ دقيق العنق صغير الرأس، جؤجؤه: صدره، هواء: لا مخّ فيه. قال الشهاب
الخفاجي في حاشيته على البيضاوي ٢٧٦/٥: يصف ناقته بالسرعة في السير، وتشبيهها
بالنعام وهو يوصف بالجبن والخوف وسرعة المشي، فإذا خاف كان أسرع وأجدًّ في السير.
(٤) دیوان حسان ص٩.
(٥) مجاز القرآن ٣٤٤/١.

سُودَةُ ابْرَاهِيمٌ
٣٤٤
الآية : ٤٣
خاليةٌ منه. وتُعقّب بأنَّه لا يناسبُ المقام. وأخرج ابنُ أبي شيبة وابنُ المنذر عن ابن
جبير أنَّه قال: أي: تمورُ في أجوافهم إلى حلوقهم ليس لها مكانٌ تستقرُّ فيه (١).
والجملةُ في موضع الحال أيضاً، والعامل فيها إمَّا ((يرتَدُّ» أو ما قبلَه من العوامل
الصالحة للعمل. وجوِّز أنْ تكونَ جملةً مستقلةً.
وإلى الأوَّل ذهب أبو البقاء وفسَّر ((هواء)» بفارغة، وذَكرَ أنَّه إنَّما أُفردَ مع كونه
خبراً لجمع؛ لأنَّه بمعنى فارغة، وهو يكون خبراً عن جمع كما يقال: أفئدة فارغة؛
لأنَّ(٢) تاء التأنيث فيه يدلُّ على تأنيث الجمع الذي في ((أفئدتهم))، ومثل ذلك:
أحوالٌ صعبة، وأفعالٌ فاسدة(٣).
وقال مولانا الشهاب: الهواء مصدرٌ، ولذا أُفرِدَ (٤). وتفسيرُه باسم الفاعل
كالخالي بيانٌ للمعنى المرادِ منه المصحِّح للحمل، فلا يُنافي المبالغة في جَعْل ذلك
عينَ الخلاء.
والمتبادرُ من كلام غيرٍ واحدٍ أنَّ الهواء ليس بمعنى الخلاء، بل بالمعنى الذي
يَهبُّ على الذِّهن من غير إعمال مروحة الفكر، ففي ((البحر)) بعد سرد أقوالٍ لا (٥)
يقضي ظاهرُها بالمصدرية: أنَّ الكلامَ تشبيهٌ محضّ؛ لأنَّ الأفئدةَ ليست بهواءٍ
حقيقةً. ويحتمل أن يكونَ التشبيهُ في فراغها من الرجاء والطمع في الرحمة، وأنْ
يكونَ في اضطراب أفئدتهم وجَيَشَانها في الصدور وأنَّها تجيء وتذهب وتبلغ
الحناجر(٦). وهذا في معنى ما رُوي آنفاً عن ابن جبير.
وذكر في ((إرشاد العقل السليم)) ما هو ظاهر في أنَّ الكلامَ على التشبيه أيضاً حيث
قال بعدَ تفسير ذلك بما ذكرنا أوَّلاً: كأنَّها نفسُ الهواء الخالي عن كلِّ شاغلٍ (٧).
(١) الدر المنثور ٨٨/٤.
(٢) في الأصل: لأنه، والمثبت من (م) والمصدر.
(٣) الإملاء ٤١٣/٣ -٤١٤.
(٤) حاشية الشهاب ٢٧٦/٥.
(٥) في الأصل: لما، والمثبت من (م).
(٦) البحر المحيط ٤٣٥/٥.
(٧) تفسير أبي السعود ٥٦/٥.

الآية : ٤٤
٣٤٥
سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ
هذا، ثمَّ إنَّهم اختلفوا في وقت حدوث تلك الأحوال؛ فقيل عند المحاسبة،
بدليل ذِكْرِها عقيبَ قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ وقيل: عند إجابة الداعي
والقيام من القبور. وقيل: عند ذهابِ السُّعداء إلى الجنة والأَشقياءِ إلى النار، فتذكَّر
ولا تغفل.
﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ﴾ خطابٌ لسيِّد المخاطَبين ◌َله بعد إعلامه أنَّ تأخيرَ عذابهم
لماذا؟ وأَمْرٌ له بإنذارهم وتخويفهم منه، فالمرادُ بالناس الكفارُ المعبَّر عنهم
بالظالمين كما يقتضيه ظاهرُ إتيان العذاب، وإلى ذلك ذهبَ أبو حيان(١) وغيرُه.
ونكتَةُ العدول إليه مِن الإضمار على ما قاله شيخ الإسلام الإشعارُ بأنَّ المرادَ
بالإنذار هو الزجرُ عمَّا هم عليه من الظلم شفقةً عليهم لا التخويف للإزعاج
والإيذاء، فالمناسبُ عدمُ ذكرهم بعنوان الظلم (٢).
وقال الجبَّائيُّ وأبو مسلم: المرادُ بالناس ما يَشملُ أولئك الظالمين وغيرهم من
المكلَّفين، والإنذار كما يكون للكفار يكون لغيرهم، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا
نُذِرُ مَنِ أَتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ [يس: ٨] والإتيان يعمُّ الفريقَين من كونهما في الموقف، وإنْ
كان لحوقُه بالكفار خاصَّةً.
وأيّاً ما كان فـ ((الناس)) مفعولٌ أوَّل لـ ((أَنْذِر))، وقوله سبحانه: ﴿یَوْمَ يَأْنِمُ
الْعَذَابُ﴾ مفعولُه الثاني على معنى: أَنذرهم هولَه وما فيه. فالإيقاعُ عليه مجازيٌّ،
أو هو بتقدير مضافٍ، ولا يجوزُ أنْ يكون ظرفاً للإنذار؛ لأنَّه في الدنيا، والمرادُ
بهذا اليوم اليومُ المعهود، وهو اليوم الذي وُصِفَ بما يُذهل الألبابَ وهو يوم
القيامة، وقيل: هو يوم موتهم معذَّبين بالسَّكَرات ولقاء الملائكة عليهم السلام
بلا بُشْرَى. وروي ذلك عن أبي مسلم، أو يوم هلاكهم بالعذاب العاجل، وتُعقّب
بأنَّه يأباه القصرُ السابق، وأُجيبَ بما فيه ما فيه.
﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ أي: فيقولون، والعدولُ عنه إلى ما في النظم الجليل،
للتسجيل عليهم بالظلم والإشعار بعلِّيَّته لَمِا ينالُهم من الشدَّة المُنبِئ عنها القولُ،
(١) البحر المحيط ٤٣٦/٥.
(٢) تفسير أبي السعود ٥٦/٥.

سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ
٣٤٦
الآية : ٤٤
وفي العدولُ عن الظالمين المتكفِّل بما ذكر مع اختصاره وسبق الوصف به؛ للإيذان
على ما قيل بأنَّ الظلم في الجملة كافٍ في الإفضاء إلى ما أفضَوا إليه من غير حاجةٍ
إلى الاستمرار عليه كما يُنبئُ عنه صيغةُ اسم الفاعل.
والمعنى على ما قال الجبَّائيُّ وأبو مسلم: الذين ظلموا منهم وهم الكفّار،
وقيل: يقولُ كلُّ مَن ظَلَم بالشرك والتكذيب من المنذَرين وغيرُهم من الأمم
الخالية: ﴿رَبَّنَآ أَخِرْنَا﴾ أي: عن العذاب، أو: أخِّر عذابنا، ففي الكلام تقديرُ
مضافٍ، أو تجوُّزٌ في النسبة. قال الضحاك ومجاهد: إنَّهم طلبوا الردَّ إلى
الدنيا والإمهال ﴿إِلَ أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ أي: أَمَدٍ وحدٍّ من الزمان قريب، وقيل: إنَّهم
طلبوا رفْعَ العذابِ والرجوعَ إلى حال التكليف مدَّةً يسيرةً يعملون فيها ما يُرضيه
سبحانه. والمعنى على ما روي عن أبي مسلم: أخّر آجالَنا وأبقنا أياماً ﴿ُجِبْ
دَعْوَتَكَ﴾ أي: الدعوةَ إليك وإلى توحيدك، أو دعوتَك لنا على ألسنة الرسل عليهم
السلام، ففيه إيماءٌ إلى أنَّهم صدَّقوهم في أنَّهم رُسلُ الله سبحانه وتعالى. ﴿وَنَتَّيِعِ
الرُّسُلُّ﴾ فيما جاؤوا به، أي: نتدارك ما فرَّطنا به من إجابة الدعوة واتِّباع الرسل
عليهم السلام، ولا يخلو ذكرُ الجملتَين عن تأكيدٍ، والمقام حريٌّ به، وجمع إِمَّا
باعتبار اتِّفاق الجميع على التوحيد وكونٍ عصيانهم للرسول وَّهِ عصياناً لهم جميعاً
عليهم السلام، وإمَّا باعتبار أنَّ المحكيَّ كلامُ ظالمي الأمم جميعاً، والمقصودُ بيانُ
وَعْدِ كلِّ أمةٍ بالتوحيد واتِّاع رسولها، على ما قيل(١).
﴿أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ﴾ على تقدير القول معطوفاً على ((فيقول))
والمعطوفُ عليه هذه الجملة، أي: فيقال لهم توبيخاً وتبكيتاً: ألم تُؤَخَّروا في
الدنيا ولم تكونوا حلفتُم إذ ذاك بألسنتكُم بَطَرَاً وأَشَرَاً وسَفَهَاً وجَهْلاً ﴿مَا لَكُم مِّن
، مما أنتم عليه من التمتّع بالحظوظ الدنياويَّة، أو بألسنة الحال ودلالةٍ
زَوَالٍ
الأفعال حيث بَنيتُم مَشِيداً وأَمَّلتُم بعيداً، ولم تُحدِّثُوا أنفسَكم بالانتقال إلى هذه
الأحوال والأهوال، وفيه إشعارٌ بامتداد زمانِ التأخير وبُعدِ مداه، أو مالكم من
زوالٍ وانتقالٍ من دار الدنيا إلى دارٍ أُخرَى للجزاء كقوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ
أَيْمَئِنِهِمٌّ لَا يَبْعَثُ اَللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨] وروي هذا عن مجاهد.
(١) في الأصل: كما قيل.

الآية : ٤٤
٣٤٧
سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ
وأيًّا ما كان، فـ ((ما لكم)) إلخ جوابُ القَسَم، و((مِن)) صلةٌ لتأكيد النفي، وصيغةُ
الخطاب فيه لمراعاة حالِ الخطاب في ((أَقسمتُم)) كما في: حَلَفَ بالله تعالى
ليخرجَنَّ، وهو أَدخلُ في التوبيخ مِن أنْ يُقال: مالنا، مراعاةً لحال المحكيِّ الواقع
في جواب قَسَمهم، وقيل: هو ابتداءُ كلامٍ مِن قِبَلِ الله تعالى جواباً لقولهم: ((ربَّنا
أَخِّرنا)) أي: مالكم مِن زوالٍ عن هذه الحال، وجواب القَسَم: لا يبعثُ الله مَن في
القبور، محذوفاً، وهو خلافُ المتبادر، وهذا أحدُ أجوبةٍ يُجابُ بها أهلُ النار على
ما في بعض الآثار، فقد ذكر البيهقيُّ عن محمد بنِ كعب القرظي أنَّه قال: لأهل
النار خمسُ دعواتٍ يُجيبُهم الله تعالى في أربع منها، فإذا كانت الخامسة لم يتكلَّموا
بعدها أبداً، يقولون: ﴿رَبََّ أَمْتَّنَا أَثْنَيْنِ وَأَحْبَيْتَنَّا أَنْنَتَيْنِ فَأَعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوج
مِّن سَبِيلٍ﴾ [غافر: ١١] فيجيبُهم الله عزَّ وجل: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ، إِذَا دُعِىَ اَللَّهُ وَحْدَهُ.
كَفَرْتٌُ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ، تُؤْمِنُواْ فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيّ اَلْكَبِيرِ
[غافر: ١٢].
ثم يقولون: ﴿رَبَّنَاً أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَأَرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢]
فيجيُيُهم جلَّ شأنه: ﴿فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ الآية [السجدة: ١٤].
ثم يقولون: ﴿رَبَّنَا أَخِرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ تُحِبْ دَعْوَتَكَ وَتَّبِعِ الرُّسُلِّ﴾ فيجيبُهم
تبارك وتعالى: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ﴾ الآية.
ثم يقولون: ﴿رَبَّنَآَ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا غَيْرَ أَلَّذِى كُنَّا نَعْمَلٌ﴾ [فاطر: ٣٧]
A
فيجيبهم جلَّ جلاله: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرَّكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَسَءَكُمُ النَّذِيِّ فَذُوقُواْ فَمَا
لِلظَّالِمِينَ مِن تَصِيرٍ﴾ [فاطر: ٣٧].
فيقولون: ﴿رََّا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِفْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَآلِينَ﴾ [المؤمنون: ١٠٦] فيجيبُهم
جلَّ وعلا: ﴿أَخَْثُواْ فِيَهَا وَلَا تُكَلِّمُونٍ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] فلا يتكلَّمون بعدها، إنْ هو
إلا زفيرٌ وشهيقٌ، وعند ذلك انقطَعَ رجاؤهم وأقبلَ بعضُهم ينبح في وجه بعض،
وأطبقَت عليهم جهنّم(١).
اللهم إنَّا نعوذُ بك من غضبك، ونلوذُ بكَنَفك من عذابك، ونسألُك التوفيقَ للعمل
الصالح في يومنا لغدنا، والتقرُّبَ إليك بما يُرضيك قبل أنْ يخرُجَ الأمرُ من يدنا.
(١) البعث والنشور (٦٦٠)، وأخرجه بنحوه الطبري ١١٩/١٧ - ١٢٠.

سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ
٣٤٨
الآية : ٤٥
﴿وَسَكَنتُمْ﴾ من السُّكنَى بمعنى التبوُّء والاستيطان، وهو بهذا المعنى
مما يتعدَّى بنفسه تقول: سكنْتُ الدار واستوطنتُها، إلا أنَّه عُدِّي هنا بـ ((في)) حيث
قيل: ﴿فِي مَسَكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ﴾ جَرْياً على أصل معناه، فإنَّه منقول عن
سَكَنَ بمعنى قَرَّ وثبت(١)، وحقُّ ذلك التعديةُ بـ ((في)).
وجوِّز أنْ يكونَ المعنى: وقررتُم في مساكنهم مُطمئنِّين سائرين سيرتَهم في
الظلم بالكفر والمعاصي غيرَ مُحدِّثين أنفسَكم بما لَقُوا بسبب ما اجترحُوا من
الموبقات، وفي إيقاع الظلم على أنفسهم بعدَ إطلاقه فيما سلف إيذانٌ بأَنَّ غائلةَ
الظلم آيلةٌ إلى صاحبه، والمرادُ بهم - كما قال بعضُ المحقّقين - إمَّا جميعُ مَن تقدَّم
من الأُمم المهلَكَةِ على تقدير اختصاص الاستمهال والخطاب السابق بالمنذَرين،
وإمَّا أوائلُهم مِن قوم نوحٍ وهودٍ على تقدير عمومهما(٢) للكلِّ، وهذا الخطابُ
وما يتلُوه باعتبار حال أواخرهم.
﴿وَتَبَّنَ لَكُمْ﴾ أي: ظهر لكم على أتمٍّ وجهٍ بمعاينة الآثار وتواتر الأخبار
﴿كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾ من الإهلاك والعقوبة بما فعلوا من الظلم والفساد.
وفاعل ((تبيَّنَ)) مضمرٌ يعود على ما دلَّ عليه الكلامُ، أي: فعلُنا العجيب(٣) بهم،
أو حالهم، أو خبرهم، أو نحو ذلك، و((كيف)) في محلِّ نصب بـ ((فعلنا))، وجملةُ
الاستفهام ليسَت معمولةً لـ (تَبيّن)) لأنَّه لا يعلَّق، وقيل: الجملةُ فاعل ((تَبِيَّن)) بناءً
على جواز كونه جملةً، وهو قولٌ ضعيفٌ للكوفیین.
وذهب أبو حيان(٤) إلى ما ذهب إليه الجماعةُ، ثم ذكر أنَّه لا يجوزُ أنْ يكونَ
الفاعل ((كيف)) لأنَّه لا يعملُ فيها ما قبلَها إلا ما(٥) شذَّ من قولهم: على كيفَ تبيعُ
الأحمرَين؟ وقولهم: انظر إلى كيف تَصنَع؟
(١) في الأصل: واثبت، والمثبت من (م) وحاشية الشهاب ٢٧٦/٥.
(٢) في (م): عمومها، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٥/ ٥٧ .
(٣) في (م): العجب، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٥/ ٥٧.
(٤) البحر المحيط ٤٣٦/٥.
(٥) في (م): فيما، والمثبت من الأصل والبحر.

الآية : ٤٦
٣٤٩
سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ
وقرأ السُّلمي فيما حكاه عنه أبو عمرو الداني: ((ونُبيِّنُ)) بنون العظمة ورَفْعِ
الفعل، وحكى ذلك أيضاً صاحب ((اللوامح)) عن عمرَ بنِ الخطاب ◌َلُه، وذلك
على إضمار مبتدأ، أي: ونحن نُبِيِّنُ، والجملة حاليَّة، وقال المهدوي عن السُّلَمي
أنَّه قرأ بنون العظمة إلا أنَّه جَزَم الفعلَ عطفاً على ((تكونوا)) أي: أَوَلم نُبيِّنْ
لكم(١).
﴿وَضَرَبْنَا لَكُمْ﴾ أي: في القرآن العظيم على تقدير اختصاص الخطابِ
بالمنذرينٍ، أو على ألسنة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على تقدير عمومِهِ لجميع
الظالمين ﴿اَلْأَمْثَالَ ﴾﴾ أي: صفات ما فعلوا وما فُعِلَ بهم من الأمور التي هي
في الغرابة كالأمثال المضروبةِ لِتَعْتَبروا وتقيسُوا أعمالكم على أعمالهم ومآلكم على
مآلهم، وتنتقلُوا من حلول العذابِ العاجل إلى العذاب الآجلِ، فَتَرْتَدِعُوا(٢) عمَّا
كنتُم فيه من الكفر والمعاصي.
وجوِّز أنْ يُراد من ((الأمثال)) ما هو جمعُ: مِثْل، بمعنى الشبيه، أي: بيّنًا لكم
أنَّهم مِثْلُهم في الكفر واستحقاق العذاب، وروي هذا عن مجاهد.
والجملُ الثلاث في موقع الحال من ضمير ((أقسمتُم))، أي: أقسمتُم أنْ ليس
لكم زوالٌ والحال أنَّكم سكنتُم في مساكن المهلَکین بظلمهم وتَبيَّن لكم فعلُنا
العجيبُ بهم، ونَبَّهناكم على جَلِيَّة الحال بضَرْب الأمثال.
وقولُه سبحانه: ﴿وَقَّدٌ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ﴾ حالٌ من الضمير الأوَّل في ((فعلْنا
بهم))، أو من الثاني، أو منهما جميعاً، وقُدِّم عليه قوله تعالى: ((وضربنا لكم
الأمثال)) لشدَّة ارْتباطِهِ على ما قيل بما قبلَه، أي: فَعَلنا بهم ما فعلنا والحالُ أنَّهم
قد مكروا في إبطال الحقِّ وتقريرِ الباطل مكْرَهم العظيمَ الذي استفرغُوا في عمله
المجهودَ، وجاوزوا فيه كلَّ حدٍّ معهودٍ، بحيث لا يقدرُ عليه غيرُهم، والمرادُ بيانُ
تناهيهم في استحقاق ما فُعِل بهم.
(١) البحر المحيط ٤٣٦/٥، وقراءة السلمي بالرفع في القراءات الشاذة ص ٦٩، والمحرر الوجيز
٣٤٥/٣.
(٢) في الأصل و(م): فتردعوا، والمثبت من تفسير أبي السعود ٥٨/٥ والكلام منه.

سُورَةُ أَبْرَاهِيمٌَ
٣٥٠
الآية : ٤٦
أو: وَقَد مكروا مكْرَهم المذكورَ في ترتيب مبادئ البقاء ومدافعةِ أسباب
الزوال، فالمقصودُ إظهار عجزِهم واضْمِخلال قُدرتهم وحقارتها عند قدرة الله
سبحانه. قاله شيخ الإسلام(١).
وهو ظاهرٌ في أنَّ هذا مِن تتمَّة ما يُقال لأولئك الذين ظلمُوا، وهو المرويُّ عن
محمد بنِ كعب القرظي، فقد أخرج عنه ابنُ جرير أنَّه قال: بلغني أنَّ أهل النار
ينادُون: (رَبَّنَآ أَخِرْنَا إِلَى أَجَلٍ فَرِيبٍ) إلخ فيردُّ عليهم بقوله سبحانه: (أَوَلَمْ تَكُونُوَا
أَفْسَمْتُم) إلى قوله تعالى: (لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ)(٢). وذكره ابنُ عطيّة(٣) احتمالاً، وقيل
غير ذلك مما ستعلمه إن شاء الله تعالى قريباً.
وظاهرُ كلام غيرٍ واحدٍ أنَّ استفادةَ المبالغة في ((مَكَرُوا مكْرَهم)) من الإضافة.
وفي ((الحواشي الشهابيَّة)) أنَّ (مكْرَهم)) منصوبٌ على أنَّه مفعولٌ مطلقٌ؛ لأنَّه
لازمٌ، فدلالته على المبالغة لقوله تعالى الآتي: ((وإنْ كان مكرهم)) إلخ، لا(٤) لأنَّ
إضافةَ المصدر تُفيدُ العمومَ، أي: أظهروا كلَّ مكرٍ لهم، أو لأنَّ إضافَته - وأصلُه
التنكير - لإفادة أنَّهم معروفون بذلك(٥)، وللبحث فيه مجالٌ.
﴿وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾ أي: جزاءُ مكرهم، على أنَّ الكلام على حذفِ مضافٍ،
وجوِّز أنْ لا يكون هناك مضافٌ محذوفٌ. والمعنى: مكتوبٌ عنده تعالى مكرُهم
ومعلومٌ له سبحانه، وذلك كناية عن مُجازاته تعالى لهم عليه.
وأيّاً ما كان فإضافة ((مكر)) إلى الفاعل وهو الظاهرُ المتبادر، وقيل: إنَّه مضافٌ
إلی مفعوله على معنی: عنده تعالی مکرُهم الذي یمکرُهم به.
وتعقّبه أبو حيان بأنَّ المحفوظَ أنَّ ((مَكَرَ)) لازمٌ ولم يُسمَع مُتعدِّياً (٦).
(١) تفسير أبي السعود ٥٨/٥ .
(٢) تفسير الطبري ٧١٦/١٣.
(٣) المحرر الوجيز ٣٤٦/٣.
(٤) قوله: لا، ساقط من الأصل، والمثبت من (م) وحاشية الشهاب.
(٥) حاشية الشهاب ٢٧٧/٥.
(٦) البحر المحيط ٤٣٧/٥.

الآية : ٤٦
٣٥١
سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ
وأُجيبَ بأنَّه يجوزُ أنْ يكون المكرُ مُتجوَّزاً به أو مضمَّناً معنى الكيد أو
الجزاء (١)، والكلام في نسبة المكر إليه تعالى وأنَّه إمَّا باعتبار المشاكلة أو الاستعارة
مشهورٌ.
وذكر بعض المحقّقين أنَّ المرادَ بهذا المكرِ ما أفادَه قولُه تعالى: (كَيْفَ فَعَلْنَا
بِهِمْ) لا أنَّه وعيدٌ مستأنفٌ.
والجملة حالٌ من الضمير في ((مكروا)) أي: مكروا مكرَهم وعند الله تعالى
جزاؤه، أو ما هو أعظم (٢) منه. والمقصودُ بيانُ فسادِ رأيهم حيث باشروا فعلاً مع
تحقُّق ما يُوجبُ تركه.
﴿وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ اَلْجِبَالُ
أي: وإنْ كان مكرُهم في غاية
٤٦
الشدَّةِ والمتانة، وعبَّر عن ذلك بكونه معدّاً لإزالة الجبال عن مُقَارِّها؛ لكونه مَثَلاً في
ذلك. ((وإنْ)) شرطيّةٌ، وصليَّةٌ عند جمع، والمرادُ أنَّه سبحانه مُجازيهم على مكرهم
ومُبطلُه إنْ لم يكن في هذه الشدَّة وإنْ كان فيها، ولابدَّ على هذا الوجه من ملاحظة
الإبطال، وإلا فالجزاءُ المجرَّدُ عن ذلك لا يكاد يتأتَّى معه النكتةُ التي يدورُ عليها
ما في ((إنْ)) الوصليَّة من التأكيد المعنوي.
وجوِّز أنْ يكونَ المعنى أنَّه تعالى يُقابلُهم بمكرهم، ولا يمنَعُ من ذلك كونُ
مكرِهم في غاية الشدّةِ، فهو سبحانه وتعالى أشدُّ مكراً، ولا حاجةَ حينئذٍ إلى
ملاحظة الإبطال، فتدبّر.
وعن الحسن وجماعة أنَّ ((إنْ)) نافية واللام لام الجحودُ و((كان)) تامَّةٌ، والمرادُ
بـ «الجبال)) آياتُ الله تعالى وشرائعُه ومعجزاتُه الظاهرةُ على أيدي الرسل السالفة
عليهم السلام التي هي كالجبال في الرسوخ والثبات، والقصدُ إلى تحقير مكرهم
وأنَّه ما كان لِتزولَ منه الآياتُ والنبوَّاتُ.
وجوِّز أنْ تكون ((كان)) ناقصةً، وخبرُها إما محذوفٌ، أو الفعل الذي دخلَت
(١) في الأصل: ومضمناً معنى الكيد والجزاء، والمثبت من (م) وحاشية الشهاب ٢٧٧/٥.
(٢) في (م): أو هو ما أعظم، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٥٨/٥.

سُورَة إبرَاهِيمٌ
٣٥٢
الآية : ٤٦
عليه اللام، على الخلاف الذي بين البصريين والكوفيين، وأَيِّدَ هذا الوجْهُ بما روي
عن ابن مسعود من أنَّه قرأ: ((وما كان)) بـ ((ما)) النافية (١).
وتُعقِّبَ بأنَّ فيه معارضة للقراءة الدالّة على عِظَم مكرهم كقراءة الجمهور.
وأُجيبَ بأنَّ الجبال في تلك القراءة يُشار بها إلى ما رامُوا إبطالَه من الحقِّ
كما أشرنا إليه، وفي هذه على حقيقتها، فلا تعارضَ، إذ لم يتواردا على محلٌّ
واحدٍ نفياً وإثباتاً .
ورُدَّ بأنَّه إذا جعل الحقُّ شبيهاً بالجبال في الثبات كان مثلَها بل أدونَ منها في
هذا المعنى، فإذا نَفَى إزالتَه إِيَّه انتفى إزالته جبال الدنيا، وحينئذٍ يجيءُ الإشكال.
وتعقّبه الشهابُ بأنَّ هذا غيرُ واردٍ؛ لأنَّ المشبّه لا يلزمُ أنْ يكونَ أدونَ من
المشبّه به في وجه الشبه، بل قد يكونُ بخلافه، ولو سلم فقد يقدرُ على إزالة
الأقوَى دونَ الآخر لمانع، كالشجاع يَقدِرُ على قتل أسدٍ ولا يقدِرُ على قَتْل رجلٍ
مشبَّهِ به لامتناعه بعدَّةٍ أو حِصْنٍ، ولا حِصنَ أَحصنُ وأَحمَى من تأييد الله تعالى شأنه
للحقِّ، بحيث تزولُ الجبال يومَ تُنسَفُ نسفاً ولا يزول(٢). انتهى.
وإلى تفسير ((الجبال)) على هذه القراءة بما ذكرنا ذهب شيخُ الإسلام، ثم قال:
وأمَّا كونُها عبارةً عن أمر النبيِّ ◌َّهِ وأَمْرِ القرآن العظيم - كما قيل - فلا مجالَ له، إذ
الماكرون هم المهلَكون لا السَّاكنون في مساكنهم من المخاطَبين، وإنْ خصَّ
الخطاب بالمنذَرين(٣). وسيظهرُ لك قريباً إن شاء الله تعالى جوازُ ذلك على بعض
الأقوال في الآية.
والجملةُ حالٌ من الضمير في ((مَكَرُوا)) لا مِن قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَ اللَّه
مَكْرُهُمْ﴾، وجوَّز أبو البقاء (٤) وغيرُه أنْ تكونَ ((إنْ))(٥) مخففةً من الثقيلة، والمعنى:
(١) القراءات الشاذة ص٦٩، والبحر المحيط ٤٣٨/٥.
(٢) حاشية الشهاب ٢٧٧/٥ - ٢٧٨.
(٣) تفسير أبي السعود ٥٨/٥.
(٤) الإملاء ٤١٤/٣.
(٥) ليس في (م).

الآية : ٤٦
٣٥٣
سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ
إنْ كان مكرُهم ليزَول منه ما هو كالجبال في الثبات من الآيات والشرائع
والمعجزاتِ، والجملةُ أيضاً حالٌ من الضمير المذكور، أي: مكروا مكرَهم
المعهودَ وإنَّ الشأن كان مكرهم لإزالة الحقِّ من الآيات والشرائع على معنى أنَّه لم
يكُن يصِحُ أنْ يكونَ منهم مكرٌ كذلك وكان شأنُ الحقِّ مانعاً من مباشرةِ المكر
لإزالتِهِ .
وقرأ ابنُ عباس ومجاهد وابن وثاب والكسائي: (لَتزولُ)) بفتح اللام الأولى
ورَفْعِ الفعل (١)، فـ ((إنْ)) على ذلك عند البصريين مخفَّفةٌ واللامُ هي الفارقة،
وعند الكوفيين نافية (٢) واللام بمعنى ((إلا))، والقصدُ إلى تعظيم مكرهم،
فالجملةُ حالٌ من قوله تعالى: (وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ) أي: عنده تعالى جزاءُ
مكرهم، أو المكر بهم، والحالُ أنَّ مكرَهم بحيث تزولُ منه الجبال، أي: في
غاية الشدَّة.
وقرئ: (لَتزولَ)) بالفتح والنصب(٣)، وخُرِّجَ ذلك على لغةٍ جاءت في فتح لام
((کي)).
وقرأ عمرُ وعليٍّ وأبيٍّ وعبدُ الله وأبو سلمة بنُ عبد الرحمن وأبو إسحاق
السَّبيعيّ وزيدُ بنُ عليٍّ ﴿ه ورحمهم: ((وإنْ كاد» بِدالٍ مكان النون، و((لَتزولُ)»
بالفتح والرفع(٤)، وهي روايةٌ عن ابن عباس ﴾(٥)، ونَقَل أبو حاتم عن أَبيِّ ◌َه
أنَّه قرأ: ((ولولا كلمةُ الله لزالَ مِن مكرهم الجبال)»(٦). وحمل ذلك بعضهم على
التفسير؛ لمخالفته لسواد (٧) المصحف مخالفة ظاهرة.
(١) قراءة الكسائي في التيسير ص ١٣٥، والنشر ٢/ ٣٠٠، وباقي القراءات الآتية في المحتسب
١/ ٣٦٥، والطبري ٧٢٠/١٣، والمحرر الوجيز ٣٤٦/٣، والبحر المحيط ٤٣٧/٥ - ٤٣٨.
(٢) في الأصل: هي نافية، والمثبت من (م).
(٣) البحر المحيط ٤٣٨/٥.
(٤) المحتسب ١/ ٤٦٥، والطبري ٧١٩/١٣ وما بعدها، والبحر المحيط ٥/ ٤٣٧.
(٥) البحر المحيط ٥/ ٤٣٧ .
(٦) البحر المحيط ٤٣٨/٥.
(٧) في الأصل: سواد، والمثبت من (م) والبحر المحيط ٤٣٨/٥.

سُودَةُ ابْرَاهِيمَ
٣٥٤
الآية : ٤٦
هذا ومن الناس من قال: إنَّ الضميرَ في ((مكروا)) للمنذَرين، والمرادُ بمكرهم
ما أَفادَه قولُه عزَّ وجل: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُشْبِتُوَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُولٌ﴾
[الأنفال: ٣٠] وغيره من أنواع مكرهم برسول الله ◌َلّ.
قال شيخُ الإسلام: ولعلَّ الوجْهَ حينئذٍ أنْ يكونَ قولُه تعالى: (وَقَدْ مَكَرُوا) إلخ
حالاً من القول المقدَّر، أي: فيُقال لهم ما يقال والحال أنَّهم مع ما فعلوا مِن الإقسام
المذكور مع (١) ما ينافيه قد مكروا مكرَهم العظيمَ، أي: لم يكن الصادرُ عنهم مجرَّدَ
الإقسام الذي وُبِّخُوا به، بل اجترؤوا على مثل هذه العظيمة. وقوله سبحانه: (وَعِندَ
اللَّهِ مَكْرُهُمْ) حالٌ من ضمير ((مكروا)) حسبما ذُكِرَ مِن(٢) قبل. وقوله تعالى: (وَإِن
كَانَ مَكْرُهُمْ) إلى آخره مسوقٌ لبيان عدمِ تفاوتِ الحال في تحقيق الجزاء بَيْنَ كونِ
مكرهم قويًّا أو ضعيفاً كما مرَّت الإشارةُ إلَيه، وعلى تقدير كونِ ((إنْ)) نافيةٌ فهو حالٌ
من ضمير ((مكروا))، و((الجبال)) عبارةٌ من أَمْرِ النبيِّ وََّ، أي: وقد مكروا والحال أنَّ
مكْرَهم ما كان لِتزولَ منه هاتيك الشرائعُ والآياتُ التي هي كالجبال في القوَّة، وعلى
تقدير كونها مخفّفةً من الثقيلة واللام مكسورة يكونُ حالاً منه أيضاً، على معنى: أنَّ
ذلك المكرَ العظيمَ منهم كان لهذا الغرض، والقصدُ إلى أنَّه لم يصِحَّ أنْ يكونَ منهم
مكرٌ كذلك لِمَا أنَّ شأنَ الشرائع أعظمُ مِن أنْ يُمكِرَ بها، وعلى تقدير فَتْحِ اللام فهو
حالٌ من قوله تعالى: (وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ) كما ذُكِرَ سابقاً(٣). اهـ.
ويجوز أنْ يُراد بـ ((مكرهم)) شركُهم كما أخرجه ابنُ جرير وغيرُه عن ابن
عباس(٤)، والجبالُ على حقيقتها، وأَمْرُ الجملة على ما قال.
وحاصلُ المعنى: لم يكن الصادرُ عنهم مجرَّدَ الإقسام مع ما يُنافيه بل اجترؤوا
على الشِّرْك ﴿وَقَالُواْ اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا ﴿َ لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِذَّا (َ تَكَادُ السَّمَوَتُ
يَفَطَرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَّخِزُ لْجِبَالُ هَذًّا﴾ [مريم: ٨٨-٩٠] وقد رُوي عن الضحاك أنَّه
صرَّح بأنَّ ما نحنُ فيه كهذه الآية.
(١) قوله: مع، ليس في الأصل، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود.
(٢) قوله: من، ليس في الأصل، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود.
(٣) تفسير أبي السعود ٥٩/٥.
(٤) الطبري ٧٢٢/١٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٨٩/٤ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.

الآية : ٤٦
٣٥٥
سُورَةُ أَبْرَاهِيمٌ
ثمَّ إنَّ القولَ بجَعْل الضميرِ للمنذَرين قولٌ بعدم دخولِ هذا الكلامِ في حيِّز
ما يقال، وهو الظاهرُ كما قيل، وكذا حَمْل ((الجبال)) على معناها الحقيقي.
وفي ((البحر)): الذي يظهرُ أنَّ زوالَ الجبال مجازٌ ضُربَ مثلاً لمكر قريش
وعِظَمه (١)، والجبالُ لا تزولُ، وفيه من المبالغة في ذمِّ مكرهم ما لا يخفى.
وأمَّا ما رُوي(٢) أنَّ جبلاً زال بحَلِفِ امرأةٍ اتَّهمَها زوجُها، وكان ذلك الجبلُ
مَن حَلَفَ عليه كاذباً مات، فحَمَلَها للحَلِف، فمَكَرت بأنْ رَمَت نفسَها من الدابة،
وكانت وعدَت مَن اتُّهمَت به أنْ يكون في المكان الذي وقَعَت فيه من الدابة،
فأركبها زوجُها وذلك الرجل، وحلفَت على الجبل أنَّها ما مسَّها غيرُهما، فنزلَت
سالمةً وأصبح الجبل قد انْدَلَّ، وكانت المرأةُ من عدنان.
وما رُوي من قصة نمروذ بنِ كوش بنِ كنعان أو بُخْتُ نصَّر واتخاذِ الأَنْسُر
وصعودِهما إلى قُرب السماء في قصة طويلةٍ مشهورة، وما فعل بعضُهم من حمل
الجبال على دين الإسلام والقرآنِ، وحملٍ المكر على اختلافهم فيه مِن قولهم: هذا
سحرٌ، هذا شعرٌ، هذا إفكّ = فأقوال يَنْبُو عنها ظاهرُ اللفظ، وبعيدٌ جدًّا قصةُ
الأَنْسُر(٣). اهـ.
واستبعدَ ذلك أيضاً - كما نَقَل الإمامُ - القاضي، وقال: إنَّ الخطر في ذلك
عظيمٌ ولا يكاد العاقلُ يُقدِمُ عليه. وما جاء خبرٌ صحيحٌ مُعتمَدٌ، ولا حاجةً في
تأويل الآية إليه(٤).
ونِعْمَ ما قال في خَبر النسور، فإنَّه وإنْ جاء عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهَه وعن
مجاهدٍ وابنٍ جبير وأبي عبيدة والسديِّ وغيرِهم إلا أنَّ في الأسانيد ما لا يخفى على
مَن نَقَّر، وقد شاعَ ذلك من أخبار القصَّاص، وخبرُهم واقعٌ عن درجة القبولِ ولو
(١) في الأصل: عظمته، والمثبت من (م) والبحر.
(٢) في الأصل: وما روي، والمثبت من (م) والبحر المحيط، وجاء في هامش الأصل كلمة غير
واضحة، ولعلَّها ضُربَ عليها.
(٣) البحر المحيط ٤٣٨/٥، وخبر النمروذ واتخاذه الأنسر ذكره الثعلبي في عرائس المجالس
ص٩٨ - ٩٩، والطبري ٧١٩/١٣-٧٢١، وأورده السيوطي في الدر المنثور ٨٩/٤ - ٩٠.
(٤) تفسير الرازي ١٩/ ١٤٤.

سُورَةُ ابْرَاهِيمَ
٣٥٦
الآية : ٤٧
طارُوا إلى النسر الطائر، ومِثْلُ ذلك فيما أَرى خبرُ المثَّهمَةِ. فافهم والله تعالى
أعلم.
﴿فَلَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ، رُسُلَهُ﴾ تثبيتٌ له وَلّهِ على ما هو عليه من الثقة بالله
سبحانه والتيقُّنِ بإنجاز وعدِه تعالى بتعذيبِ الظالمين المقرُّونِ بالأمر بإنذارهم،
كما يُفصحُ عنه الفاء، وقال الطيبي: واستحسَنَه التلميذُ أنَّه يجوزُ أنْ يُحملَ الوعدُ
على المفاد بقوله تعالى: (وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ) وقد جعلَه وجهاً آخرَ لِمَا ذَكَره
الزمخشريُّ من تفسيره له بقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا﴾ [غافر: ٥١] و﴿كَتَبَ
اللَّهُ لَأَغْلِيَنَّ أَنَا وَرُسُلٍّ﴾(١) [المجادلة: ٢١] وفيه نظرٌ؛ لأنَّه لا اختصاصَ لذلك -
كما قيل - بالتعذيب لا سيَّما الأخرويّ، وإضافةُ ((مُخلفَ)) إلى الوعد عند الجمهور
من إضافة اسم الفاعل إلى المفعول الثاني كقولهم: هذا معطي درهم زيداً، وهو
لمَّا كان يتعدَّى إلى اثنين جازَت إضافته إلى كلٌّ منهما فينصب ما تأخّر،
وأنشَد بعضُهم نظيراً لذلك قوله:
تَرَى الثورَ فيها مُدْخِلَ الظلِّ رأسَه وسائرُهُ بادٍ إلى الشمس أَجْمَعُ(٢)
وذكر أبو البقاء أنَّ هذا قريبٌ من قولهم :
يا سارقَ الليلةِ أهلَ الدار(٣)
وفي ((الكشاف)): أنَّ تقديمَ الوعدِ ليُعلم أنَّه تعالى لا يُخلِف الوعدَ أصلاً كقوله
سبحانه: ﴿لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ٩]. ثم قال جلَّ شأنه: (رُسُلَهُ(٢) ليُؤذنَ أنَّه
إذا لم يُخلِف وعدَه أحداً، وليس مِن شأنه إخلافُ المواعيدِ، كيف يُخلِفُ رسلَه
الذينَ هم خيرتُه وصفوتُه(٤)؟ ! .
ونظر فيه ابنُ المنيِّر بأنَّ الفعلَ إذا تقيَّد بمفعولٍ انقطَعَ احتمالُ إطلاقه، وهو
(١) الكشاف ٣٨٣/٢ - ٣٨٤.
(٢) الكتاب ١٨١/١، وتأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ص١٤٨، ومعاني القرآن للفراء ٢/ ٨٠،
وإعراب القرآن للنحاس ٣٧٣/٢، والبيان للأنباري ٦٢/٢.
(٣) الإملاء ٣/ ٤١٥، والرجز في الكتاب ١٧٥/١، ومعاني القرآن للفراء ٢/ ٨٠، وأمالي ابن
الشجري ٢/ ٥٧٧، وشرح المفصل لابن يعيش ٤٥/٢، وخزانة الأدب ١٠٨/٣.
(٤) الكشاف ٣٨٤/٢.

الآية : ٤٧
٣٥٧
سُورَةُ أَبْرَاهِيمٌ
هنا(١) كذلك، فليس تقديمُ الوعدِ دالاً على إطلاقِ الوعد، بل على العناية
والاهتمام به؛ لأنَّ الآيةَ سيقَت لتهديد الظالمين بما وَعَد سبحانه على ألسنة رسلِهِ
عليهم السلام، فالمهمُّ ذكرُ الوعدِ، وكونُه على ألسنة الرسل عليهم السلام لا يتوقَّف
عليه التهديدُ(٢) والتخويفُ(٣).
وقال صاحب ((الإنصاف)): إنَّ هذا النظر قويٌّ، إلا أنَّ ما اعترض عليه هو
القاعدةُ عند أهل البيان، كما قال الشيخُ عبدُ القاهر في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ
شُرِّكَآءَ لَلِنَ﴾ [الأنعام: ١٠٠]: أنَّه قدَّم ((شركاء))؛ للإيذان بأنَّه لا يَنبغي أنْ يُتَّخذ له
تعالى شركاءُ(٤) مطلقاً، ثم ذكر ((الجنَّ) تحقيراً، أي: إذا لم يُتَّخذ مِن غيرِ الجنِّ،
فالجنُّ أحقُّ بأنْ(٥) لا يُتَّخذُوا(٦).
وتُعقِّب بأنَّه لا يدفع السؤال بل يُؤْيِّده، وكذا ما ذكره الفاضلُ الطيبي فإنَّه مع
تطويله لم يأتِ بطائل، فالوجْهُ ما في ((الكشف)) من أنَّ ذلك الإعلام إنما نشأً من جعل
الاهتمام بشأن الوعدِ، فهو ما سيقَ له الكلامُ وما عداه تَبعٌ، وإفادةُ هذا الأسلوب
الترقِّي كَإفادة: ﴿أَشْرَحْ لِ صَدّرِى﴾ [طه: ٢٥] الإجمالَ والتفصيلَ. نعم إنَّ الظاهر من
حال صاحب ((الكشاف)) أنَّه أَضمَرَ - فيما قرَّره - اعتزالاً، وهذه مسألةٌ أخرَى.
وقيل: ((مخلف)) هنا متعدٍّ إلى واحدٍ كقوله تعالى: ﴿لَا يُخْلِفُ اَلْمِعَادَ﴾
[آل عمران: ٩] فأُضيف إليه، وانتصبَ ((رُسُلَه)) بـ ((وعده)) إذ هو مصدرٌ يَنحلُّ إلى ((أنْ))
والفعل، وقرأَت فرقةٌ: ((مخلِفَ وعدَه رسلِه)) بنصب ((وعده) وإضافة ((مُخلِفَ)) إلى
((رسله))(٧) ففصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول، وهذه القراءة تُؤيِّدُ إعرابَ
الجمهور في القراءة الأولى، وأنَّه مما يتعدّى ((مخلِف)» هنا إلى مفعولين.
(١) في الأصل: هناك، والمثبت من (م).
(٢) قوله: عليه التهديد، ليس في الأصل، والمثبت من (م) وحاشية الشهاب ٢٧٨/٥.
(٣) الانتصاف ٢/ ٣٨٤ بنحوه.
(٤) في الأصل: شريكاً، والمثبت من (م) وحاشية الشهاب ..
(٥) في الأصل: أن، والمثبت من (م) وحاشية الشهاب.
(٦) دلائل الإعجاز ص٢٨٦، ونقله عنه بواسطة حاشية الشهاب ٢٧٨/٥ .
(٧) معاني القرآن للفراء ٨١/٢، ومعاني القرآن وإعرابه للزجَّاج ١٦٨/٣، والمحرر الوجيز
٣٤٦/٣، والبحر المحيط ٤٣٩/٥.

سُورَةُ أَبْرَاهِيمَ
٣٥٨
الآية : ٤٨
من أعدائه
﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ غالبٌ لا يماكَرُ، وقادرٌ لا يُقَادَرُ ﴿ذُو أُنشِقَامِ
لأوليائه، فالجملةُ تعليلٌ للنهي المذكور وتذييلٌ له، وحيث كان الوعدُ عبارةً عن
تعذيبهم خاصَّةً كما مرَّت إليه الإشارة، لم يذيَّل - كما قال بعض المحقّقين - بأنْ
يقال: إنَّ الله لا يُخلف الميعاد، بل تعرَّض لوصف العزِّ والانتقام المشعرَين بذلك،
والمرادُ بالانتقام ما أُشيرَ إليه (١) بالفعل، وعبِّر عنه بالمكر.
﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ ظرفٌ لمضمَرٍ مُستأنَفٍ ينسحبُ عليه النهي
المذكور، أي: يُنجِزُه يوم ... إلى آخره، أو معطوف عليه نحو: ﴿فَرْتَقِبْ يَوْمَ﴾
[الدخان: ١٠] إلى آخره (٢)، وجعَلَه بعضُ الفضلاء معمولاً لـ ((اذكر)) محذوفاً كما قيل
في شأن نظائره، وقيل: ظرفٌ للانتقام، وهو يوم يأتيهم العذاب بعينه، ولكنْ له
أحوالٌ جمَّةٌ يُذكَرُ كلَّ مَرَّةٍ بعنوانٍ مخصوصٍ، والتقييدُ مع عموم انتقامه سبحانه
للأوقات كلِّها للإفصاح عمَّا هو المقصود(٣) من تعذيب الكفرةِ المؤخَّر إلى ذلك
اليوم بموجب الحكمة المقتضية له.
وجوَّز أبو البقاء تعلُّقَه بلا يُخلفُ الوعدَ مقدَّراً(٤) بقرينة السابق، وفيه الوجهُ قبلَه
من الحاجة إلى الاعتذار.
وقال الحوفي: هو متعلّقٌ بـ ((مُخلِفَ))، و((إنَّ الله عزيزٌ ذو انتقام)) جملةُ اعتراضيةٌ،
وفيه ردٌّ لما قيل: لا يجوزُ تعلُّقه بذلك؛ لأنَّ ما قبل ((إنَّ)) لا يعملُ فيما بعدَها، لأنَّ
لها الصدارة، ووجههُ أنَّها لكونها وما بعدها اعتراضاً لا يُبالَى بها فاصلاً .
وجوَّز الزمخشريُّ انتصابَه على البدليَّة من ((يوم يأتيهم)»(٥)، وهو بدلُ كلِّ من
كلِّ، وتَبِعَه بعضُ مَن مَنَع تعلُّقه بـ ((مُخلِفَ)) لمكان ما لَه الصدرُ. والعجبُ أنَّ العامل
فيه حينئذٍ (أَنذِر)) فيلزمُ عليه ما لَزِمَ القائلَ بتعلُّقه بما ذكر، فكأنَّه ذهب إلى أنَّ البدلَ
له عاملٌ مقدَّرٌ، وهو ضعيف.
(١) في الأصل: عنه، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ٥٩/٥.
(٢) قوله: إلى آخره، ليس في الأصل، والمثبت من (م).
(٣) قوله: المقصود، ليس في الأصل، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ٥/ ٦٠.
(٤) الإملاء ٤١٥/٣.
(٥) الكشاف ٣٨٤/٢.

الآية : ٤٨
٣٥٩
سُورَةُ أَبْرَاهِيمٌ
وقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَوَتٌ﴾ عطف على المرفوع، أي: وتُبدَّلُ السماواتُ غيرَ
السماوات، والتبديلُ قد يكونُ في الذات كما في: بَدَّلْتُ الدراهمَ دنانيرَ، ومنه قولُه
تعالى: ﴿بَدَّلْنَهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦] وقد يكونُ في الصفات كما في قولك:
بَدَّلْتُ الحلقةَ خاتماً، إذا غيَّرتَ شكلها، ومنه قوله سبحانه: ﴿يُدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ
حَسَنَةٍ﴾ [الفرقان: ٧٠]، والآية الكريمةُ ليست بنصٍّ في أحدِ الوجْهَين، فعن(١) ابنِ
عباس ﴿ما أنَّه قال: تبدلُ الأرض: يُزادُ فيها ويُنقَصُ منها وتذهبُ آكامها وجبالُها
وأوديتُها وشجرُها وما فيها، وتُمدُّ مدَّ الأديم العكاظي، وتصيرُ مستويةً لا تَرَى فيها
عوجاً ولا أَمْتاً. وتبدلُ السماواتِ: بذهابٍ شمسِها وقمرِها ونجومِها(٢). وحاصلُه:
يُغيّرُ كلٌّ عمَّا هو عليه في الدنيا، وأنشدَ:
وما الناسُ بالناس الذين عَهِدْتُهُم
ولا الدارُ بالدار التي كنتُ أعلمُ(٣)
وقال ابنُ الأنباري: تبدل السماوات بطيِّها وجعلِها مَرَّةً كالمُهْل ومَرَّةً وردةً
كالدهان(٤)
وأخرج ابنُ أبي الدنيا وابنُ جرير وغيرُهما عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه أنَّه
قال: تُبدَّل الأرضُ من فضةٍ، والسماءُ من ذهب(٥).
وأخرج ابنُ المنذر عن مجاهد أنَّه قال(٦): تكونُ الأرضُ كالفضة والسماواتُ
كذلك(٧). وصحَّ عن ابنِ مسعود رَُّهُ أنَّه قال: تُبدَّلُ الأرضُ أرضاً بيضاءَ كأنَّها
(١) في (م): نص.
(٢) أورده السيوطي في الدر المنثور ٩١/٤، وعزاه للبيهقي في البعث.
(٣) نسبه العباسي في معاهد التنصيص ٦/٤ للعباس بن عبد المطلب ظه، وهو في مجالس
ثعلب ٤٩/١، والكشاف ٣٨٤/٢، والبحر المحيط ٤٣٩/٥، والذي في مجالس ثعلب
وجمهرة الأمثال: تعرف، بدل: أعلم، وفي باقي المصادر: تعلم.
(٤) البحر المحيط ٤٣٩/٥.
(٥) الطبري ٧٣٤/١٣، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٦٢)، وأورده السيوطيُّ في الدر المنثور
٤/ ٩١.
(٦) ليس في (م).
(٧) عزاه لابن المنذر السيوطيُّ في الدر المنثور ٩١/٤، وأخرجه الطبري ٧٣٢/١٣.

سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ
٣٦٠
الآية : ٤٨
سبيكةُ فضَّةٍ لم يُسفَك فيها دمٌّ حرامٌ ولم يُعمَل فيها خطيئة. وروي ذلك مرفوعاً
أيضاً (١)، والموقوف - على ما قال البيهقي(٢) - أصحُ. وقد يحمل قول الإمام(٣)
كرَّم الله تعالى وجهه على التشبيه.
وقال الإمام: لا يبعدُ أنْ يقال: المرادُ بتَبْديل الأرضِ جعلُها جهنّم، وبتبديل
السماوات جعلُها الجنةَ(٤).
وتُعقّبَ بأنَّه بعيدٌ؛ لأنَّه يلزمُ أنْ تكونَ الجنةُ والنارُ غيرَ مخلوقَتَين الآن، والثابتُ
في الكلام والحديثِ(٥) خلافُهُ.
وأُجيبَ بأنَّ الثابت خَلْقُهما مطلقاً لا خَلْق كليهما(٦)، فيجوزُ أنْ يكونَ الموجودُ
الآن بعضَهما ثم تصيرُ السماواتُ والأرضُ بعضاً منهما، وفيه أنَّ هذا - وإنْ
صحَّحه - لا يقرّ به، والاستدلالُ على ذلك بقوله تعالى: ﴿كَلَّ إِنَّ كِتَبَ اُلْأَبْرَارِ لَفِى
عِلّينَ﴾ [المطففين: ١٨] وقوله سبحانه: ﴿كَلَّ إِنَّ كِتَبَ الْفُجَّارِ لَفِى سِّينٍ﴾ [المطففين: ٧]
في غاية الغرابة مِن الإمام، فإنَّ في إشعار ذلك بالمقصود نظراً، فضلاً عن كونه
دالا عليه.
نعم جاء في بعض الآثار ما يؤيِّدُ ما قاله، فقد أخرج ابنُ جرير وابنُ أبي حاتم
(١) أخرجه موقوفاً الطبري ٧٢٩/١٣ - ٧٣٠، وأبو الشيخ في العظمة (٦٠٠)، والطبراني
(٩٠٠١)، والحاكم في المستدرك ٤/ ٥٧٠ وصحح إسناده.
وأخرجه مرفوعاً البزار (١٨٥٩)، والطبراني في الكبير (١٠٣٢٣)، وفي الأوسط (٧١٦٧)،
وابن عدي ٢/ ٥٤٧، وابن عساكر ٤٠٧/٤٦. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣٤٥/١٠:
وفي إسناده جرير بن أيوب، وهو مجمع على ضعفه.
(٢) استدراكات البعث والنشور (٨٢).
(٣) في الأصل: كلام الأمير، والمثبت من (م).
(٤) تفسير الرازي ١٥٠/١٩.
(٥) جاء في هذا المعنى أحاديث كثيرة منها ما أخرجه البخاري (٣٢٤١)، ومسلم (٢٧٣٨) عن
عمران بن حصین
◌ُ عن النبيِ وَلّ قال: ((اطّلعتُ في الجنةِ فرأيتُ أكثرَ أهلها الفقراء،
واطّلعتُ في النار فرأيتُ أكثرَ أهلها النساء)»، وينظر البخاري كتاب بدء الخلق باب: ما جاء
في صفة الجنة وأنها مخلوقة، والبعث والنشور للبيهقي باب: ما يستدل على أن الجنة والنار
قد خلقتا وأُعدَّتا لأهلهما.
(٦) في الأصل و(م): كلهما، والمثبت من حاشية الشهاب ٢٧٨/٥.