النص المفهرس
صفحات 301-320
الآية : ٣٤ ٣٠١ سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ الاستغراق بالإضافة، وما قيل: إنَّ الاستغراق ليس مأخوذًا من الإضافة، بل من الشرط والجزاء المخصوصَين، فيه نظر؛ لأنَّ الحكم المذكور يقتضي صحةً إرادته منه، ولولاه تنافيا. والمرادُ بـ ((لا تحصوها)) لا تطيقُوا حصرَها ولو إجمالاً، فإنَّها غيرُ متناهية، وأصلُ الإحصاء: العدُّ بالحصى، فإنَّ العرب كانوا يعتمدونه في العدِّ كاعتمادنا فيه على الأصابع، ولذا قال الأعشى: ولَسْتَ بالأكثر منهم حَصِّى وإنما العزَّةُ للكاثرِ(١) ثم استُعمل لمطلق العدِّ، وقال بعضُ الأفاضل: إنَّ أصلَه أنَّ الحاسب إذا بلغ عقدًا معيَّناً من عقود الأعداد وضع حصاةً ليحفظَه بها، ففيه إيذانٌ بعدم بلوغ مرتبةٍ معتدٍّ بها من مراتبها، فضلًا عن بلوغ غايتها، وهو من الحسن بمكان، إلا أنَّه ذهب إلى الأول الراغبُ(٢) وغيرُه، وأُوِّل الإحصاءُ بالحصر لئلا يتنافى الشرط والجزاء، إذا أثبتَ(٣) في الأوَّل العدَّ ونَفَى في الثاني، ولو أُوِّل ((إنْ تَعُدُّوا)) بأنْ تُريدوا العدَّ، يندفعُ السؤال على ما قيل أيضًا، والأولُ أَولَى. وقال بعض الفضلاء: إنَّ المعنى: إنْ تشرَعُوا في عدِّ أفراد نعمةٍ من نِعَمِهِ تعالى لا تطيقوا عدَّها. وإنما أتى بـ ((إنْ)) وعدمُ العدِّ مقطوعٌ به نظرًا إلى توهُم أنه يُطاق، قيل: والكلام عليه أبلغُ منه على الأول، لِمَا فيه من الإشارة إلى أنَّ النعمةَ الواحدةَ لا يُمكن عدُّ تفاصيلها، وأنت(٤) تعلم أنَّ الظاهر هو الأوَّلُ. وقد ذكر الإمام(٥) مثالَين يستوضح بهما الوقوف على أنَّ نعم الله تعالى لا تُحصَى ولا يُمكن أنْ تُستقصَى فقال: الأول: أنَّ الأطباء ذكروا أنَّ الأعصاب قسمان دماغيةٌ ونخاعيةٌ، والدماغيةُ سبعةٌ، وقد أتعبوا أنفسَهم في معرفة الحِكَمِ الناشئةِ مِن كلِّ واحدةٍ منها، ولا شكَّ أنَّ كلَّ واحدة تنقسمُ إلى شُعبٍ كثيرة، وكلُّ واحدةٍ من تلك الشعب تنقسم أيضًا إلى (١) ديوان الأعشى ص٩٤، والمغني ص٧٤٤، وخزانة الأدب ٢٥٠/٨. (٢) مفردات ألفاظ القرآن (حصا). (٣) في (م): إذا ثبت. (٤) في (م): لكن أنت. (٥) تفسير الرازي ١٢٩/١٩ - ١٣٠. سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ ٣٠٢ الآية : ٣٤ شعبٍ أدقَّ من الشعر، ولكلٍّ واحدٍ منها ممرٌّ إلى الأعضاء، ولو أنَّ واحدةً اختلّت كيفًا أو وضعًا أو نحو ذلك، لاختلَّت مصالحُ البُنْية، ولكلٍّ منها على كثرتها حِكم مخصوصةٌ، وكما اعتبرت هذا في الشظايا العصبية فاعتبر مثله في الشرايين والأوردة، وفي كلِّ واحدٍ من الأعضاء البسيطة والمركبة بحسب الكمية والوضع والفعل والانفعال، حتى تَرَى أقسامَ هذا الباب بحرًا لا ساحلَ له، وإذا اعتبرتَ هذا في بدن الإنسان فاعتبر في نفسه وروحه، فإنَّ عجائبَ عالم الأرواح أكثرُ من عجائب عالم الأجسام؛ وإذا اعتبرتَ أحوالَ عالم الأفلاك والكواكب، وطبقاتٍ العناصر، وعجائبَ البرِّ والبحر والنبات والمعدن والحيوان، ظهَرَ لك أنَّ عقول جميع الخلائق لو رُكِّبت وجُعَلَت عقلًا واحدًا وتأمَّل به الإنسانُ في حكمة الله تعالى في أقلِّ الأشياء لما أدرك منها إلا القليل. والثاني: أنَّه إذا أخذت لقمةً من الخبز لتضعَها في فمك فانظر إلى ما قبلها وإلى ما بعدها، فأمَّا الأوَّلُ: فاعرف أنَّها لا تتمُّ إلا إذا كان هذا العالمُ بكليته قائمًا على الوجه الأصوب؛ لأنَّ الحنطةَ لابدَّ منها، ولا تنبتُ إلا بمعونة الفصول وتركُبٍ الطبائع وظهورِ الأمطار والرياح، ولا يحصُل شيءٌ من ذلك إلا بدوران الأفلاك واتِّصال بعض الكواكب ببعض على وجوه مخصوصة، ثم بعدَ أنْ تكون الحنطة، لا بدَّ لها من آلات الطحن ونحوه، وهي لا تحصل إلا عند تولَّد الحديد في أرحام الجبال؛ ثم تأمّل كيف تكوَّنت على الأشكال المخصوصة، ثم إذا حصلَت تلك الآلات، فانظر أنَّه لابدَّ من اجتماع العناصر حتى يُمكن الطبخ. وأما الثاني: فتأمَّل في تركيب بدنِ الحيوان، وهو أنَّه تعالى كيف خلَقَ ذلك حتى يُمكنه الانتفاعَ بتلك اللقمة، وأنَّه كيف يتضرَّر الحيوان بالأكل؛ وفي أيِّ الأعضاء تحدُث تلك المضارُّ، فلا يمكنك أنْ تعرف القليلَ إلا بمعرفة علم التشريح وعلم الطبِّ على الوجه الأكمل، وأنَّى للعقول بإدراك كلِّ ذلك، فظهر بالبرهان الباهر صحة هذه الشرطية. اهـ. وقال مولانا أبو السعود قُدِّس سرُّه بعد كلام: وإنْ رمتَ العثورَ على حقيقة الحقِّ، والوقوفَ على ما جلَّ من السرِّ ودقَّ، فاعلم أنَّ الإنسان بمقتضى حقيقته الممكنة بمعزل عن استحقاق الوجودِ وما يتبعُهُ من الكمالات اللَّائقة، والمَلَكاتِ الآية : ٣٤ ٣٠٣ سُورَةُ ابْرَاهِيمَ الرَّائقة، بحيث لو انقطعَ ما بيْنَه وبين العناية الإلهية من العلاقة، لَما استقرَّ له القرار، ولا اطمأنَّت به الدارُ إلا في مطمورة العدم والبوار، ومهاوي الهلاكِ والدمار، لكن يَفيضُ عليه من الجناب الأقدس تعالى شأنُه وتقدَّس في كلِّ زمان يَمضي، وكلِّ آنٍ يمرُّ وينقضي من أنواع الفيوض المتعلّقة بذاته ووجوده وسائرٍ الصفات الروحانية والنفسانيةِ والجسمانية = ما لا يُحيطُ به نطاقُ التعبير، ولا يعلمه إلا اللطيفُ الخبير. وتوضيحُه أنَّه كما لا يستحقُّ الوجودَ ابتداءً لا يستحقُّه بقاءً، وإنما ذلك من جناب المُبدِئ الأول عزَّ شأنه وجلَّ، فكما لا يُتصوَّرُ وجودُه ابتداءً ما لم ينسدَّ عليه جميعُ أنحاء عدمه الأصلي، لا يُتصوَّرُ بقاؤه على الوجود بعد تحقُّقه بعلَّته ما لم ينسدَّ عليه جميعُ أنحاء عدمه الطارئ؛ لأنَّ الاستمرار والدوام من خصائص الوجود الواجبي. وأنت خبيرٌ بأنَّ ما يتوقّفُ عليه وجوده من الأمور الوجوديَّةِ التي هي عِلَلُه وشرائطُه، وإن وَجَب كونُها متناهيةً لوجوب تناهي ما دخَلَ تحت الوجود، لكنَّ الأمورَ العدميةَ التي لها دخْلٌ في وجوده ليست كذلك، إذ لا استحالةَ في أنْ يكونَ لشيء واحد موانعُ غيرُ متناهية، وإنما الاستحالة في دخولها تحت الوجود، وارتفاع تلك الموانع التي لا تتناهى، أعني بقاءها على العدم مع إمكان وجودها في أنفسها في كلِّ آنٍ من آنَاتٍ وجودِهِ نِعَمٌ غيرُ متناهيةٍ حقيقةً لا ادِّعاءً، وكذا الحال في وجودات عِلَلِهِ وشرائطِهِ القريبة والبعيدة ابتداءً وبقاءً، وكذا في كمالاته التابعة لوجوده(١). اهـ. ويتراءى منه أنَّه قد ترك الإمامَ في تحقيق هذا المقام وراءه، وأنَّه لو سمع ذلك لاقتدى به في ذكره، ولعدَّ من النعم اقتداءَه، وقريبٌ منه ما يقال في بيان عدم تناهي النعم: إنَّ الوجود نعمةٌ، وكذا كلُّ ما يتبعُه من الكمالات، وذلك موقوفٌ على وجوده تعالى في الأزمنة الموهومة الغير المتناهية، وتَحقُّقُ ما يتوقفُ عليه وجودُ النعمة نعمةٌ، فتحقُّقُهُ سبحانه في كل آنٍ من تلك الآنات نعمةٌ، فالنعم غيرُ متناهية. (١) تفسير أبي السعود ٤٩/٥ - ٥٠. سُورَةُ إبرَاهِيمَ ٣٠٤ الآية : ٣٤ ولك أنْ تقولَ في بيان ذلك: إنَّه ما من إنسانٍ إلا وقد دفع الله تعالى عنه من البلايا ما لا يحيطُ به نطاقُ الحصر؛ لأنَّ البلايا الداخلة تحت حيطة الإمكان غيرُ متناهية، ولا شكَّ أنَّ دِفْعَ كلِّ بليّةٍ نعمةٌ، فتكون النعم غيرَ متناهية. ومما يُوضح عدمَ تناهي البلايا الممكنة أَنَّ أهل النار المخلَّدين فيها لازال عذابهم بازديادٍ كما يُرشد إليه قوله تعالى: ﴿فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابَ﴾ [النبأ: ٣٠] وقد ذكر غيرُ واحدٍ في ذلك أنَّهم كلَّما استغاثوا من نوعٍ من العذاب أُغيثُوا بأشدَّ من ذلك، فيكون كلُّ مرتبةٍ منه متناهياً في الشدّة، وإنْ كانت مراتبُه غيرَ متناهيةٍ بحسب العدد والمدَّة، وعلى هذا نعم الله تعالى على المبتلَى أيضًا لا تُحصى. وفي رواية ابن أبي الدنيا والبيهقي عن ابن مسعود قال: إنَّ لله تعالى على أهل النار منَّةً، فلو شاء أنْ يُعذِّبهم بأشدَّ من النار لعذَّبهم(١). ثم الظاهر أنَّ المراد بالنعمة معناها اللغويُّ، أعني الأمر الملائم لا المعنى الشرعي(٢)، أعني: الملائم الذي تُحمدُ عاقبتُه، إذ لا يتأتَى عليه عمومُ الخطاب، ولا يبعُدُ إطلاقُ النعمة بذلك المعنى على نحو رفْع الموانع وتحقُّق العلل والشرائط حسبما ذُكِرَ سابقًا، وظاهرُ ما تقدَّم يقتضي أنَّ النَعم في حدٍّ ذاتها غيرُ محصورة، والآيةُ ظاهرةٌ في أنَّ الإنسان لا يحصرها بالعدِّ، وفَرْقٌ بين الأمرَين، فتدبّر. وبالجملة ليس للعبد إلا العجزُ عن الوقوف على نهاية نعمِهِ سبحانه وتعالى، وكذا العجزُ عن شكر ذلك، وما أحسن ما قال أبو الدرداء ◌َُّه: مَن لم يعرف نعمةَ الله تعالى عليه إلا في مَطعَمه ومَشربه، فقد قلَّ علمُه وحضَرَ عذابُه(٣). وأخرج البيهقي في ((الشعب)) وغيرُه عن سليمان التيمي قال: إنَّ الله تعالى أنعمَ على العباد على قَدْرِهِ سبحانه، وكلَّفهم الشكر على قَدْرِهم(٤). وعن طلق بن حبيب قال: إنَّ حقَّ الله تعالى أثقلُ من أنْ يقومَ به العبادُ، وإنَّ (١) الشكر (١٨٠)، وشعب الإيمان (٤٥٧٧). (٢) في الأصل: الأمر الشرعي، والمثبت من (م). (٣) شعب الإيمان (٤٤٦٧). (٤) شعب الإيمان (٤٥٧٨)، وأخرجه ابن أبي الدنيا في الشكر (٨). الآية : ٣٤ ٣٠٥ سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ نِعَم الله سبحانه أكثرُ من أنْ يُحصيَها العباد، ولكن أصبحوا توَّابين وأمسوا توابين(١). وأفضلُ نعمه جلَّ شأنُه على عباده على ما رُوي عن سفيان بنِ عيينة أنْ عرَّفهم أنْ لا إله إلا الله(٢). وأخرج ابنُ أبي الدنيا وغيرُه عن أبي أيوب القرشيِّ مولى بني هاشم أنَّ داود عليه السلام قال: ربِّ أخبرني ما أدنى نعمتك عليَّ؟ فأوحى الله تعالى إليه: يا داود تنفَّسْ. فتنفس، فقال تبارك وتعالى: هذا أَدَنَى نعمتي عليك(٣). واشتهر أنَّ أوَّلَ النعم المقصودة لذاتها الوجود، وأنَّه معدِنُ كلِّ كمالٍ، كما أنَّ العدمَ معدِنُ كلِّ نقصٍ. ويدلُّ على أنَّه نعمةٌ لا يكاد يقاس بها غيرُها عند كثيرٍ من الناس أنَّ الإنسان منهم يَقدي نفسَه بملك الدنيا لو كان بيده، وعَلِمَ أنَّ الفداء ممكنٌ إذا ألَّ به الألمُ وتحقَّق العدم. ومن العجيب أنَّ أبا عليٍّ الشبلي البغدادي - وقيل: ابنُ سينا - لم يَعُدَّ وجودَ الإنسان نعمةً علیه، فقد قال من أبيات: كما للغُصن بالورقِ انتشارُ ودهرٌ ينثرُ الأعمارَ نَثْرًا غَذَاهُ مِن نوائبها ◌ُؤَارُ(٤) ودنيا كلَّما وضَعَت جنينًا إلى أن قال: ويُذبَح في حشا الأمّ الحُوار(٥) نُعاقَب في الظهور وما ◌ُلِدنا وبَعدُ فللوعيد لنا انتظارُ وننتظرُ البلايا والرزايا خروج الضبِّ أخرجَه الوَجَار(٦) ونخرجُ كارهینَ كما دخلنا (١) أخرجه الطبري ٦٨٦/١٣، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٥٢٢)، وابن أبي شيبة ٤٨٨/١٣. (٢) الشكر (٩٦)، وشعب الإيمان (٤٥٠٠). (٣) الشكر (١٤٦). وأخرجه أيضًا البيهقي في شعب الإيمان (٤٦٢٣). (٤) ◌ُؤَارُ: جمع (ظئر)، وهي العاطفة على ولد غيرها المرضعة له في الناس وغيرهم. القاموس (ظار). (٥) الحُوَار: بالضم وقد يكسر: ولد الناقة ساعة تضعُهُ، أو إلى أن يُفصَلَ عن أمه، وجمعه آحورة وچیران وحوران. القاموس (حور). (٦) الوجار: بالكسر والفتح: جُحر الضَّبُع وغيرها، جمعه: أَوجِرَةٌ وَوُجُرٌ. القاموس (وَجَرَ). سُورَةُ أَبْرَاهِيمٌ ٣٠٦ الآية : ٣٤ لغير الموجَدِين به الخيار فماذا الامتنانُ على وجودٍ نُخيَّرُ قبلَهُ أو نُستشَار فكانت أَنعمًا لو أنَّ كونّا وهذا الكسرُ ليس له انجبارُ(١) فهذا الداءُ ليس لهُ دواءٌ إلى آخر ما قال، ولَعَمري لقد غَمِطَ نعمةَ الله تعالى عليه وظلمها . ﴿إِنَ الْإِنسَنَ لَظَلُومٌ﴾ يظلم النعمةَ بإغفال شكرها بالكلية، أو بوضعه في غير موضعِه، أو يظلم نفسَه بتعريضها للحرمان بترك الشكر. كَفَّارُ ﴾ شديدُ الكفران والجحود، وقيل: ظلومٌ في الشدّة يشكو ٣٤ ويَجزُ، كفَّارٌ في النعمة يجمع ويمنعُ، والأولُ أنسبُ بما قبله، و((أل)) في ((الإنسان)) للجنس، ومصداقُ الحُكم بالظلم وأخيه بعضُ من وُجِدا من أفراده فيه، ويدخل في ذلك الذين بدَّلوا نعمةَ الله تعالى كفرًا، والظاهرُ أنَّ الجملةَ استئنافٌ بيانيٌّ، وَقَع جوابًا لسؤالٍ مقدَّر، كأنَّه قيل: لِمَ لَم يُراعوا حقَّها؟ أو لِمَ حرمها بعضُهم؟ وقيل: إنَّها تعليلٌ لعدم تناهي النعم، لذا أتى بصيغتَي المبالغة فيها، وهو كما ترى. هذا وفي النحل: ﴿وَإِن تَعُذُواْ نِعْمَةَ الَّهِ لَا تُخْصُوهَاُ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨] وفرَّق أبو حيان بين الختمَين: بأنَّه هنا لمَّا تقدَّم قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا) وبعده (وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنَدَادًا) فكان ذلك نصًّا على ما فعلوا مِن القبائح مِن الظلم والكفران، ناسَبَ أنْ يَختُمَ بذمٌّ مَن وَقَع ذلك منه، فخُتَمَت الآيةُ بقوله سبحانه: ((إن الإنسان لظلوم كفار)). وأمَّا في النحل فلمَّا ذكر عدَّةَ تفضُّلاتٍ وأَطنبَ فيها، وقال جلَّ شأنه: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧] أي: مَن أوجدَ هذه النعمَ السابق ذكرُها، ليس كمَن لا يقدِرُ على الخَلْقِ، ذَكَر من تفضُّلاته تعالى اتِّصافَه بالغفران والرحمة، تحريضًا على الرجوع إليه سبحانه، وأنَّ هاتين الصفتين هو جلَّ وعلا متَّصفٌ بهما، كما هو متَّصفٌ بالخلق، ففي ذلك إطماٌ لمن آمن به تعالى وانتقل من عبادة المخلوقِ إلى عبادة الخالق تبارك وتعالى، أنَّه يغفر زَلَله السابقَ ویرحمه. (١) نسبها لأبي علي الشبلي ياقوت الحموي في معجم البلدان ٢٣/١٠ - ونفى أن تكون لابن سينا - والكتبي في فوات الوفيات ٣٤١/٣. التفسير الإشاري (١-٣٤) ٣٠٧ سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ وأيضًا فإِنَّه لمّا ذكر أنَّه تعالى هو المتفضِّلُ بالنعم على الإنسان(١) ذَكَرَ ما حصل(٢) من المُنعِم ومِن جنس المنعَم عليه، فحصَلَ من المنعِم ما يناسبُ حالةً عطائه وهو الغفران والرحمة، إذ لولاهما لَمَا أنعمَ عليه، وحَصَل من جنس المنعَم عليه ما يناسب حالةَ الإنعام عليه ويقع معها في الجملة وهو الظلم والكفران، فكأنَّه قيل: إنْ صدَرَ من الإنسان ظلمٌ فالله تعالى غفورٌ، أو كفرانٌ فالله تعالى رحيمٌ؛ لعلمه بعَجْزِ الإنسان وقصورِهِ. وما نقل السخاويُّ عن عبد الرحمن بنِ زيد بن أسلم من أنَّ هذه الآيةَ منسوخةٌ بآية النحل مما لا يُلتَفَتُ إليه. انتهى كلامه(٣). وفيه بحثٌ. وقيل: إنَّما ختم سبحانه آية النحل بما ختم للإطناب هناك في ذكر النِّعم مع تقدُّم الدعوة إلى الشكر صريحًا، فكان ذلك مظنَّة التقصير فيه، ويُناسب الإطنابَ في سرد النعم أنْ يذكرَ منها (٤) ما يتعلَّق بذلك وهو الغفرانُ والرحمةُ، فتأمَّل والله تعالى أعلمُ بأسرار كتابه. ومن باب الإشارة في الآيات: ﴿الَرَّ كِتَبُّ أَنزَلْنَهُ إِلَيْكَ لِنُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ اُلُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ﴾ فيه احتمالاتٌ عندهم فقيل: من ظلمات الكثرة إلى نور الوحدةٍ، أو: من ظلمات صفاتِ النشأة إلى نور الفطرةِ، أو: من ظلمات حُجُب الأفعالِ والصفات إلى نور الذات، وهو المرادُ بقولهم: النورُ البَحْتُ الخالص من شَوْب المادة والمدة. وقال جعفر: من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ومن ظلمات البدعة إلى نور السنة، ومن ظلمات النفوس إلى نور القلوب. وقال أبو بكر ابن طاهر: من ظلمات الظنِّ إلى نور الحقيقة. وقيل غير ذلك. ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ بتيسيره بهبَةِ الاستعداد وتهيئةِ أسباب الخروج إلى الفعل ﴿إِلَى (١) فى الأصل: الإحسان، والمثبت من (م) والبحر المحيط ٤٢٩/٥ . (٢) في الأصل: يحصل، والمثبت من (م) والبحر المحيط. (٣) جمال القراء ٧٣٨/٢، ونقله عنه بواسطة البحر المحيط ٤٢٩/٥. (٤) في الأصل: فيها. سُورَةُ إبرَاهِيمَ ٣٠٨ التفسير الإشاري (١-٣٤) صِرَطِ الْعَزِيزِ﴾ الذي يقهرُ الظُّلْمةَ بالنور ﴿اَلْحَمِيدِ﴾ بكمال ذاته، أو بما يَهَبُ لعبادِه المستعدِّين من الفضائل والعلوم، أو من الوجود الباقي، أو نحو ذلك ﴿وَوَيْلٌ لِلْكَفِرِينَ﴾ المحجوبين ﴿مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ وهو عذابُ الحرمان ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ اُلْحَيَوَةَ الدُّنْيَا﴾ الحِسِّيةَ والصوريَّةَ ﴿عَلَى الْآَخِرَةِ﴾ العقليةِ والمعنويَّةِ ﴿وَيَصُدُّونَ﴾ المريدين ﴿عَن سَبِيلِ الَّهِ﴾، طريقِهِ الموصلِ إليه سبحانه ﴿وَبَغُونَهَا عِوَبًا﴾ انحرافًا مع استقامتها . ﴿َوَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ، لِيُبَّيِّنَ لَمَّ﴾ أي: بكلامٍ يُناسب حالَهم واستعدادَهم وقَدْرَ عقولهم، وإلا لَمْ يفهموا، فلا يحصُلُ البيان، وعن عمر رَُّبه: كلِّموا الناسَ بما يفهمون، أتريدونَ أنْ يكذَّب الله تعالى ورسولُهُ وَِّ(١)؟ وفي ((أسرار التأويل))(٢): لكلِّ نبيٍّ وصدِّيقِ اصطلاحٌ في كلام المعرفة وطريقٍ المحبةِ، يُخاطبُ به من يعرفُه من أهل السلوك، وعلى هذا لا ينبغي للصوفي أنْ يُخاطب العامَّة باصطلاحات الصوفية؛ لأنَّهم لا يعرفونه، وخطابُهم بذلك مثلُ خطاب العربيِّ بالعجمية، أو العجمَيِّ بالعربية، ومنشأ ضلالِ كثيرٍ من الناس الناظرينَ في كتب القوم جهلُهم باصطلاحاتهم، فلا ينبغي للجاهل بذلك النظر فيها؛ لأنَّها تأخذُ بيده إلى الكفر الصريح، بل توقعُهُ فِي هُوَّة كفرٍ، كفرُ أبي جهل إيمانٌ بالنسبة إليه، ومن هنا صدَرَ الأمر السلطاني - إذ كان الشرعُ معتنّى به - بالنهي عن مطالعة كتب الشيخ الأكبر قدِّس سرُّه ومَن انخرط في سلكه. ﴿فَيُضِلُ اللَّهُ مَن يَشَآءُ﴾ إضلالَه؛ لزوال استعدادِهِ بالهيئات الظلمانيَّةِ ورُسوِها والاعتقادات الباطلةِ واستقرارِها ﴿وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ﴾ هدايتَه ممَّن بقي على استعداده، أو لم يرسخ فيه تلك الهيئات والاعتقادات. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِنَايَتِنَآ أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الْقُلُمَتِ إِلَى النُّورِ (١) لم نقف عليه من قول عمر ◌ُه، وأخرج البخاري (١٢٧) نحوه من حديث علي ظ ◌ُه، ومسلم (٥) من حديث عبد الله بن مسعود به بلفظ: ما أنت بمحدِّثٍ قومًا حديثًا لا تبلغُهُ عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة. (٢) لعله: مطالع أنوار التنزيل ومفاتح أسرار التأويل لعبد الرزاق بن رزق الله بن أبي بكر الحنبلي توفي (٦٦١)هـ .. كشف الظنون ٢/ ١٧١٥. التفسير الإشاري (١-٣٤) ٣٠٩ سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ وَذَكِّرُهُمْ بِأَيَّنِمِ اللَّهِ﴾ وهي أيامُ وِصاله سبحانه، حين كشَفَ لعباده سجفَ(١) الربوبيّة في حضرةٍ قُدِهِ (٢)، وأدناهم إلى جنابه ومَنَّ عليهم بلذيذٍ من خطابه: ولحسنـهـا وبَهائها سَقيًالها ولِطِيبها بَيْن العصا ولحائها أيامُ لم يَلحِ النَّوَى وما أَحسن ما قيل: سَلَبناهنَّ مِن رَيْبِ الزمانِ وكانّتْ بالعراقِ لنا ليالٍ وعنوانَ المسرَّة والأماني جعلناهنَّ تاريخَ الليالي وأَمَرَه عليه الصلاة والسلام بتذكير ذلك ليثور غرامهم، ويأخذَ بهم نحوَ الحبيب هیامُهم، فقد قيل: يَتُوقُ ومَن يَعْلَق به الحبُّ يُصْبِهِ (٣) تذگّرَ والذکری تشُوقُ وذو الھوی وجوز أنْ يُراد بـ ﴿ِأَيَّنِمِ اللَّهِ﴾ تعالى أيَّام تجلِّيه جلَّ جلاله بصفة الجلال، وتذكيرُهم بذلك ليخافوا فيمتثلوا . ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَأَيَتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ أي: لكلِّ مؤمنٍ بالإيمان الغيبي، إذ الصبر والشكر - على ما قيل - مقامان للسالك قبل الوصول. ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَيِنِ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ قال الجوزجاني: أي: لئن شكرتُم الإحسان لأزيدنَّكم المعرفةَ، ولئن شكرتُم المعرفةَ لأزيدنكم الوصلةَ، ولئن شكرتُم الوصلة لأزيدنكم القربَ، ولئن شكرتُم القرب لأزيدنكم الأُنسَ، ويعمُّ ذلك كلّه ما قيل: لئن شكرتم نعمةً لأزيدنكم نعمةً خيرًا منها، وللشكر مراتب، وأعلا مراتبه: الإقرار بالعجز عنه. وفي بعض الآثار أنَّ داود عليه السلام قال: يا ربِّ كيف أشكركَ، والشكر من آلائك؟ فأوحى الله تعالى إليه: الآن شكرتَني يا داود(٤). وقال حمدون: شكرُ النعمة أنْ تَرى نفسَك فيها طفيليًّا . (١) السَّجْف: الستر. القاموس (سجف). (٢) في (م): قدسيةٍ. (٣) البيت لابن خياط الدمشقي، وقد سلف ١٥٣/٤. (٤) أخرجه أحمد في الزهد ص٨٨ - ٨٩، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٤١٣). سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ ٣١٠ التفسير الإشاري (١-٣٤) ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِ الَّهِ شَكٌّ﴾ أي: إنَّه سبحانه لا شكَّ فيه؛ لأنَّه الظاهرُ في الآفاق والأنفُس ﴿فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ موجدِهما ومظهرِهما مِن كَتْم العدم ﴿يَدْعُوكُمْ لَِغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ ليسترَ بنوره سبحانه ظلماتِ حُجُبٍ صفاتكم، فلا تشكُّون فيه عند جليَّة اليقين ﴿ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَتَّى﴾ إلى غاية يقتضيها استعدادُكم من السعادة. ﴿قَالُوَاْ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْنَا﴾ منعهم ذلك عن اتّباع الرسل عليهم السلام. و(١) ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن ◌َّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادٌِّ﴾ سَلَّموا لهم المشاركةَ في الجنس وجَعلُوا الموجِبَ لاختصاصهم بالنبوَّة ما مَنَّ الله تعالى به عليهم مما يُرشّحُهم لذلك، وكثيرًا ما يقول المنكرون في حقِّ أَجِلَّة المشايخ مثل ما قال هؤلاء الكفرة في حقِّ رُسلهم، والجوابُ نحو هذا الجواب. ﴿وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ تَأْنِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ جوابٌ عن قول أولئك: (فأتونا بسلطانٍ مبينٍ))، ويقال نحو ذلك للمنكرين الطالبين من الوليِّ الكرامةَ تعنُّنَا ولَجَاجًا . ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ لأنَّ الإيمان يقتضي التوثُّل، وهو الخمودُ تحت الموارد، وفسَّره بعضُهم بأنَّه طرحُ القلب في الربوبية والبدنِ في العبودية، فالمتوكّلُ لا يُريد إلا ما يريدُه الله تعالى، ومِن هنا قيل: إنَّ الكامل لا يحبُّ إظهار الكرامة، وفي المسألة تفصيلٌ عندهم. ﴿وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ ذكر بعضُهم أنَّ البروزَ متعدِّدٌ، فبروزٌ عند القيامة الصغرى بموت الجسد، وبروزٌ عند القيامة الوسطى بالموت الإرادي، وهو الخروجُ عن حجاب صفاتِ النفس إلى عَرْصة(٢) القلب. وبروزٌ عند القيامة الكبرى، وهو الخروجُ عن حجاب الآنيَّة إلى فضاء الوحدةِ الحقيقيّة، وأنَّ حدوث(٣) التقاولِ بَيْن (١) الواو، ليس في (م). (٢) في الأصل: عرضة، والمثبت من (م) وتفسير ابن عربي ٣٧٠/١. (٣) في الأصل: حديث، والمثبت من (م) وتفسير ابن عربي ٣٧٠/١. التفسير الإشاري (١-٣٤) ٣١١ سُورَةُ إبرَاهِيمٌ الضعفاء والمستكبرين المشار إليه بقوله تعالى: ﴿فَقَالَ الضُّعَفَوُاْ لِلَّذِينَ أُسْتَكْبَرُواْ﴾ إلخ فهو: بوجود المهديِّ القائم بالحقِّ، الفارقِ بين أهل الجنة والنار عند قضاء الأمر الإلهي بنجاة السعداء وهلاك الأشقياء. وفسّروا الشيطان بالوهم، وقد يُفسِّرونه في بعض المواضع بالنفس الأمَّارة. والقولُ المقصوصُ عنه في الآية عند ظهور سلطانِ الحقِّ، وبعضُهم حمل الشيطانَ هنا على الشيطان المعروفِ عند أهلِ الشرع، وذكر أنَّ قوله: ﴿فَلَا تَلُومُونِ وَلُومُواْ أَنْفُسَكُمْ﴾ دليلُ بقائه على الشرك، حيث رأَى الغير في البين، وما ثَمَّ غيرُ الله تعالی. وإلى هذا يُشيرُ كلامُ الواسطيِّ حيث قال: مَن لامَ نفسَه فقد أشرك. ويخالفه قولُ محمد بنِ حامد: النفسُ محلٌّ كلٍّ لائمةٍ، فمن لم يَلُم نفسَه على الدوام ورضي عنها في حال من الأحوال، فقد أهلَكَها. ويأباه ما صحَّ في الحديث القدسي: ((يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه))(١). فتأمَّل. ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَمِنِهَا الْأَنَرُ خَلِينَ فِيَهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَمِيَُّهُمْ فِيهَا سَلَمُّ﴾ لم يذكر من يُحيِّيهم، وقد ذكروا أنَّ منهم مَن يُحيِّيهم ربُّهم، وهم أهلُ الصفوة والقربة، ومنهم مَن يُحيِّهم الملائكةُ، وهم أهلُ الطاعات والدرجات، وما أطيبَ سلامَ المحبوبِ على محبِّه وما أَلَذَّه على قلبه: (٣) أَو و (٤) تسيل(٢) مِن الآماقِ والاسم (٣) أَدُمُعُ( أشارُوا بتسليمٍ فجُدْنا بأنفسٍ ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اَللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةٌ طَتِبَةً كَجَرَقِ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا نَاِتٌ وَفَرَعُهَا فِى السّمَاءِ * تُؤْقٍ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ إشارةٌ كما قيل إلى كلمة التوحيدِ التي غرسَها الحقُّ في أرض بساتين الأرواح، وجعل سبحانه أصلَها هناك ثابتًا بالتوفيق، (١) قطعة من حديث أبي ذر ر﴿ه أخرجه مسلم (٢٥٧٧). (٢) في الأصل: يسيل، والمثبت من (م) والمصدر. (٣) في الأصل و(م): الاسم، والمثبت من المصادر. (٤) البيت للمتنبي، وهو في ديوانه ٢/ ٣٤٤، وخلاصة الأثر للمحبي ٢٠٥/٢. سُورَةُ ابْرَاهِيمَ ٣١٢ التفسير الإشاري (١-٣٤) وفرعُها في سماء القربةِ، وسَقْيُها من سواقي العنايةِ، وساقُها المعرفةُ، وأغصانُها المحبة، وأوراقُها الشوقُ، وحارسُها الرعايةُ، تؤتي أكلها في جميع الأنفاس من لطائف العبودية وعرفان أنوار الربوبية. وقال بعضُهم: الكلمةُ الطيبة: النفسُ الطيبةُ، أصلُها ثابتٌ بالاطمئنان وثباتٍ الاعتقاد بالبرهان، وفرعُها في سماء الروحِ تُؤتي أكلَها من ثمرات المعارف والحِكَم والحقائق كلَّ وقتٍ بتسهيله تعالى. ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِئَةٍ أَجْتُثَتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ إشارةٌ إلى كلمة الكفر أو النفس الخبيثة، وقال جعفر الصادق ظه: الشجرةُ الخبيئة: الشهواتُ، وأرضُها النفوسُ، وماؤها الأمل، وأوراقُها الكسل، وثمارُها المعاصي، وغايتُها النار. ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاَلْقَوْلِ الثَّابِتِ فِ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ قال الصادق رَُّله: يُثبّتهم في الحياة الدنيا على الإيمان، وفي الآخرة على صدْق جوابٍ الرحمن، وجعل بعضُهم القولَ الثابت قولَه سبحانه وحكمه الأزلي، أي: يُثَبِّتهم على ما فيه تبجيلُهم وتوقيرُهم في الدارَين حيث حَكَم بذلك في الأزل، وحُكمُه سبحانه الثابت الذي لا يتغيّر ولا يتبدَّل. ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ في الحياتَين لسوء استعدادِهم ﴿الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ اللّهِ﴾. من الهداية الأصليةِ والنورِ الفطري ﴿كُفْرَ﴾ احتجاباً وضلالًا ﴿وَأَحَلُواْ قَوْمَهُمْ﴾ مَن تابَعَهم واقتدَى بهم في ذلك ﴿دَارَ الْبَوَارِ﴾ الهلاكِ والحرمان ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ من متاع الدنيا ومُشتهياتها التي يُحبونها كحبِّ الله سبحانه ﴿لَيُضِلُواْ عَن سَبِيلِهِ﴾ كلَّ مَن نظر إلى ذلك والتفَتَ إليه. ﴿اَللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ﴾ أي: سماواتِ الأرواح ﴿وَالْأَرْضَ﴾ أي: أرضَ الأجساد ﴿وَأَنَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: سماءِ عالم القدس ﴿مَآءُ﴾ وهو ماءُ العلم ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ﴾ من أرض النفس ﴿مِنَ الثَّمَرَتِ﴾ وهي ثمراتُ الحكم والفضائل ﴿رِزْقًا لَّكُمْ﴾ في تقوِّي القلب بها ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْقُلْكَ﴾ أي: فلكَ العقولِ ﴿لِتَجْرِىَ فِی الْبَحْرِ﴾ أي: بحرِ آلائه وأسرارٍ مخلوقاته الدالةِ على عَظمتِه سبحانه ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الآية : ٣٥ ٣١٣ سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ اَلْأَنْهَرَ﴾ أي: أنهار العلم التي تنتهي بكم إلى ذلك البحر العظيم ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ﴾ شمسَ الروح ﴿وَالْقَمَرَ﴾ قمرَ القلب ﴿دَآيِبَيْنِ﴾ في السير بالمكاشفة والمشاهدة ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الَّلَ﴾ ليلَ ظلمةٍ صفاتِ النفس ﴿وَالنَّهَارَ﴾ نهارِ نورٍ الروح لطلب المعاش والمعاد والراحة والاستنارة (١). ﴿وَءَاتَنْكُمْ مِّنِ كُلِّ مَا سَأَلْتُوهُ﴾ بلسان الاستعداد، فإنَّ المسؤولَ بذلك لا يمنع ﴿وَإِن تَعُذُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ السابقةَ واللاحقةَ ﴿لَا تُخُصُوهَاً﴾ لعدم تناهيها ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ﴾ يُنقِصُ حقَّ الله تعالى أو حقَّ نفسه بإبطال الاستعداد، أو يضعُ نورَ الاستعداد في ظلمة الطبيعة ومادَّة البقاء في محلِّ الفناء ﴿كَفَّارٌ﴾ لتلك النِّعَمِ التي لا تُحصَى؛ لغفلته عن المنعِم علیه بها. وقيل: ﴿إِنَّ الِسَنَ لَظَلُومٌ﴾ لنفسه، حيث يَظُّ أنَّ شكره يقابلُ نعمَه تعالى(٢)، ﴿كَفَّارٌ﴾ محجوبٌ عن رؤية الفضلِ عليه بدايةً ونهايةً، نسألُ الله تعالى أنْ يوفِّقنا لما يحبُّ ويرضى ويُكرِمَنا بالهداية والعناية. ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِعُ﴾ مفعولٌ لفعلٍ محذوفٍ، أي: اذكُر ذلك الوقتَ، والمقصودُ تذكيرُ ما وقَعَ فيه على نهج ما قيل في أمثاله: ﴿رَبٍّ أَجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ﴾ يعني مكةً شرَّفها الله تعالى ﴿مَامِنًا﴾ أي: ذا أَمْنٍ، فصيغةُ فاعل للنسب، كـ: لابِن وتامر؛ لأنَّ الأمنَ في الحقيقة لأهل(٣) البلد، ويجوز أنْ يكونَ الإسنادُ مجازيًّا من إسناد ما للحالِّ إلى المحلِّ، كـ : نهرٍ جارٍ، والفرقُ بين ما هنا وما في البقرة من قوله: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَدًا ءَإِنَّا﴾ [البقرة: ١٢٢] أنَّه عليه السلام سألَ في الأوَّل أنْ يجعله من جملة البلاد التي يأمنُ أهلُها ولا يخافون، وفي الثاني: أنْ يُخرجَه من صفةٍ كان عليها من الخوف إلى ضدِّها من الأمن، كأنَّه قال: هو بلدٌ مخوفٌ فاجعله آمنًا، كذا في ((الكشاف))(٤). (١) في الأصل: الاستفادة، والمثبت من (م) وتفسير ابن عربي ٣٧٢/١. (٢) في الأصل: نعمة الله، والمثبت من (م). (٣) في (م): أهل. (٤) ٣٧٩/٢. سُورَةُ إبرَاهِيمٌ ٣١٤ الآية : ٣٥ وتحقيقُه: أنَّك إذا قلتَ: اجعل هذا خاتمًا حسنًا، فقد أشرتَ إلى المادّة طالبًا أنْ يسبكَ منها خاتم حسن، وإذا قلتَ: اجعَلْ هذا الخاتمَ حسنًا، فقد قصدْتَ الحسن دون الخاتمية، وذلك لأنَّ محطّ الفائدة هو المفعول الثاني؛ لأنَّه بمنزلة الخبر، وإلى هذا يرجع ما قيل في الفرق أنَّ في الأول سؤالَ أمَرَين البلديةِ والأمنِ، وهاهنا سؤالُ أمرٍ واحدٍ وهو الأمرُ. واستشكل هذا التفسيرُ بأنَّه يقتضي أنْ يكونَ سؤالُ البلدية سابقًا على السؤال المحكي في هذه السورة، وأنَّ يلزم أنْ تكونَ الدعوة الأولَى غيرَ مستجابةٍ؟ قال في ((الكشف)): والتفصِّي عن ذلك إمَّا بأنَّ المسؤول أوَّلًا صلوحُه للسكنى، بأنْ يُؤمنَ فيه أهله في أكثر الأحوال على المستمرِّ في البلاد، فقد كان غيرَ صالحٍ لها بوجهٍ على ما هو المشهور في القصّة، وثانيًا إزالةُ خوف عرض، كما يعتري البلادَ الآمنةَ أحيانًا، وإمَّا بالحمل على الاستدامة وتنزيله منزلةً العاري عنه مبالغةً، أو بأنَّ أحدهما أمنُ الدنيا والآخر أمنُ الآخرة، أو أنَّ الدعاء الثاني صدَرَ قبل استجابةِ الأوَّل، وذكر بهذه العبارة إيماءً إلى أنَّ المسؤول الحقيقيَّ هو الأمنُ والبلدية توطئة، لا أنَّه بعد الاستجابة عراه خوفٌ، وكأنَّه بنَى الكلامَ على الترقِّي، فطلب أولًا أنْ يكونَ بلدًا آمنًا من جملة البلاد التي هي كذلك، ثم لتأكيد الطلب جعلَه مخوفًا حقيقة فطلَبَ الأمنَ؛ لأنَّ دعاء المضطر أقربُ إلى الإجابة، ولذا ذيَّلَه عليه السلام بقوله: ((إني أسكنتُ)) إلخ. اهـ. وهو مبنيٌّ على تعدُّد السؤال وإنْ حُمل على وحدتِه وتكرير الحكاية كما استظهرَه بعضُهم، واستظهرَ آخرونَ الأول، لتغاير التعبير في المحلَّين، فالظاهرُ أنَّ المسؤول كلا الأمرَين وقد حُكي أولًا، واقتصر هاهنا على حكاية سؤالِ الأمن؛ لأنَّ سؤال البلديةِ قد حُكي بقوله: (فَأَجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِىّ إِلَتِهِمْ) إذ المسؤولُ هويُّها إليهم للمساكنة كما روي عن ابن عباس رضي﴿ها لا للحجِّ فقط، وهو عينُ سؤال البلدية، وقد حُكي بعبارة أخرى على ما اختاره بعضُ الأجلَّة، أو لأنَّ نعمة الأمن أدخلُ في استيجاب الشكر، فذكْرُه أنسبُ بمقام تقريع الكفرة على إغفاله على ما قيل. وهذه الآية وما تلاها - أعني قصةَ إبراهيم عليه السلام - على ما نصَّ عليه صاحب ((الكشف)) واردةٌ على سبيلِ الاعتراض، مُقرِّرَةٌ لما حثَّ عليه من الشكر الآية : ٣٥ ٣١٥ سُورَةُ إبرَاهِيمٌ بالإيمان والعمل الصالح وزجر عنه من مقابلهما مدمجًا فيها دعوةَ هؤلاء النافرين بلسان اللطف والتقريب، مؤكدةٌ لجميع ما سلف أشدَّ التأكيد. وفي ((إرشاد العقل السليم)) أنَّ المرادَ منها تأكيدُ ما سلَفَ من تعجيبه ◌َّ ببيان فنّ آخرَ من جنايات القوم، حيث كفروا بالنِّعَم الخاصة بهم بعد ما كفروا بالنعم العامة، وعصَوا أباهم إبراهيم عليه السلام حيث أسكنهم مكةَ - زادها الله تعالى شرفًا - لإقامة الصلاة والاجتناب عن عبادة الأصنام والشكر لنعم الله تعالى، وسأله أنْ يجعله بلدًا آمنًا، ويرزقهم من الثمرات، ويهوي قلوبَ الناس إليهم، فاستجاب الله تعالى دعاءه وجعله حرمًا آمنًا تجبى إليه ثمرات كلِّ شيءٍ، فكفروا بتلك النعم العظام واستبدلوا دارَ البوارِ بالبلدِ الحرامِ، وجعلوا لله تعالى أنداداً، وفعلوا ما فعلوا من القبائح الجسام(١). ﴾ أي: عن ٣٥ ﴿وَأَجْتُبْنِ وَيَتِىَّ﴾ أي: بعِّدني وإياهم ﴿أَن نَّعْبُدَ اُلْأَصْنَامَ عبادتها . وقرأ الجحدريّ وعيسى الثقفي: ((وأَجْنِبْني)) بقطع الهمزة وكسر النون (٢)، بوزن أَكْرِمني، وهما لغةُ أهل نجدٍ يقولون: جنبه مخفَّفًا، وأَجْنبه رباعيًّا، وأما أهل الحجاز فيقولون: جنّه، مشدّداً . وأصل التجنُّب أنْ يكون الرجلُ في جانبٍ غير ما عليه غيرُه، ثم استُعمل بمعنى البعد، والمرادُ هنا - على ما قال الزجَّاج(٣) - طلبُ الثباتِ والدوام على ذلك، أي: ثَبِّتنا على ما نحن عليه من التوحيد وملَّة الإسلام والبعد عن عبادة الأصنام، وإلا فالأنبياء معصومون عن الكفر وعبادة غير الله تعالى. وتعقّب ذلك الإمام بأنَّه لمّا كان من المعلوم أنَّه سبحانه يُئِبِّت الأنبياء عليهم السلام على الاجتناب، فما الفائدةُ في سؤال التثبيت؟ ثم قال: والصحيحُ عندي في الجواب وجهان: (١) تفسير أبي السعود ٥٠/٥. (٢) القراءات الشاذة ص٦٨، والمحتسب ٣٦٣/١. (٣) معاني القرآن وإعرابه ٣/ ١٦٤ بنحوه. سُوْدَقُ ابْرَاهِيمٌ ٣١٦ الآية : ٣٥ الأول: أنَّه عليه السلام وإنْ كان يعلمُ أنَّ الله تعالى يعصمُه من عبادة الأصنام إلا أنَّه ذكر ذلك؛ هضمًا لنفسه، وإظهارًا الحاجة والفاقة إلى فضل الله سبحانه وتعالى في كلِّ المطالب. والثاني: أنَّ الصوفيةَ يقولون: إنَّ(١) الشرك نوعان: ظاهرٌ: وهو الذي يقول به المشركون، وخفيٌّ: وهو تعلَّق القلب بالوسائط والأسباب الظاهرة، والتوحيدُ المحضُ قطعُ النظر عما سوى الله تعالى. فيحتملُ أنْ يكون مرادُه عليه السلام من هذا الدعاء العصمةَ عن هذا الشرك (٢). انتهى. ويرد على هذا الأخير أنَّه يعودُ السؤال عليه فيما أظنُّ؛ لأنَّ النظر إلى السِّوَى يُحاكي الشركَ الذي يقول به المشركون عند الصوفية، فقد قال قائلهم: ولو خَطَرَتْ لي في سواك إرادةٌ على خاطِرِي سهوًا حكمتُ بردَّتي(٣) ولا أظنُّ أنَّهم يجوِّزون ذلك للأنبياء عليهم السلام، وحيث بنى الكلام على ما قرَّروه يقال: ما فائدةُ سؤالِ العصمةِ عن ذلك، والأنبياءُ عليهم السلام معصومون عنه؟ والجواب الصحيح عندي ما قيل: إنَّ عصمة الأنبياء عليهم السلام ليسَت لأمرٍ طبيعيٍّ فيهم، بل بمحض توفيقِ الله تعالى إياهم وتفضُّله علیھم، ولذلك صحّ طلبُها . وفي بعض الآثار أنَّ الله سبحانه قال لموسى عليه السلام: يا موسى لا تأمن مكري حتى تجوزَ الصراطَ (٤). وأنتَ تعلمُ أنَّ المبشرين بالجنة على لسان الصَّادقِ المصدوق عليه الصلاة والسلام كانوا كثيرًا ما يسألون الله تعالى الجنةَ مع أنَّهم مقطوعٌ لهم بها، ولعلَّ منشأ ذلك ما قيل لموسى عليه السلام، فتدبَّر. والمتبادر من بَنيْهِ عليه السلام مَن كان من صُلبه، فلا يتوهّم أنَّ الله تعالى لم (١) ليس في (م). (٢) تفسير الرازي ١٣٢/١٩. (٣) جاء في هامش (م): هو ابن الفارض قدس سره. اهـ، وهو في ديوانه ص ٥٢، وتقدم ٣٤١/١. (٤) ذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم ص٢١٨، وقال: إنه من الإسرائيليات. الآية : ٣٦ ٣١٧ سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ يستجب دعاءَه لعبادةٍ قريش الأصنام، وهم من ذرِّيَّتهِ عليه السلام، حتى يُجاب بما قاله بعضُهم مِن أنَّ المراد كلُّ مَن كان موجودًا حال الدعاء من أبنائه، ولا شكَّ أنَّ دعوتَه عليه السلام مجابةٌ فيهم، أو بأنَّ دعاءه استُجيب في بعضٍ دون بعضٍ، ولا نقص فيه كما قال الإمام(١). وقال سفيانُ بن عيينة: إنَّ المراد بينِيْه ما يشملُ جميع ذرِّيَّته عليه السلام، وزعَمَ أنَّه لم يَعبد أحدٌ من أولاد إسماعيل عليه السلام الصنمَ، وإنَّما كان لكلِّ قومٍ حجرٌ نصبوه وقالوا: إنَّ(٢) هذا حجرٌ والبيتُ حَجَرٌ، وكانوا يدورون به ويُسمُّونه الدوار، ولهذا كره غيرُ واحدٍ أنْ يقال: دارَ بالبيت(٣)، بل يقال: طافَ به، وعلى ذلك أيضًا حَمَل مجاهد البنين، وقال: لم يعبد أحدٌ من ولد إبراهيم عليه السلام صنمًا وإنما عَبَدَ بعضُهم الوثَنَ. وفرّق بينهما بأنَّ الصنم هو التمثال المصوّر، والوثنَ هو: التمثال الغير المصوّر، وليت شعري كيف ذهبت على هذَين الجليلَين ما في القرآن من قوارع تنعي على قريش عبادة الأصنام؟! وقال الإمام بعد نقلِهِ كلامَ مجاهد: إنَّ هذا ليس بقويٌّ؛ لأنَّه عليه السلام لم يُرِد بهذا الدعاء إلا عبادةَ غير الله تعالى، والصنم كالوثن في ذلك(٤). ويرد مثله على ابن عيينة، ومن هنا قيل عليه: إنَّ فيما ذكره كرًّا على ما فرَّ منه؛ لأنَّ ما كانوا يصنعونه عبادة لغير الله تعالى أيضًا . واستدلَّ بعضُ أصحابنا بالآية على أنَّ التبعيد من الكفر والتقريبَ من الإيمان ليس إلا مِن الله تعالى؛ لأنَّه عليه السلام إنما طلب التبعيد عن عبادة الأصنام منه تعالى. وحَمْلُ ذلك على الألطاف فيه ما فيه. ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ﴾ أي: الأصنام ﴿أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ أي: تَسبَّبِنَ له(٥) الضلال، (١) تفسير الرازي ١٣٣/١٩. (٢) ليس في (م). (٣) في هامش (م): ولا يخفى أن هذا من الآداب، وإلا فقد ورد ((دار)) في بعض الآثار كما قال النووي. اهـ، ونقله عنه بواسطة حاشية الشهاب ٥/ ٢٧١ . (٤) تفسير الرازي ١٩/ ١٣٣. (٥) بعدها في (م): في. سُورَةُ إبرَاهِيمٌ ٣١٨ الآية : ٣٦ فإسناد الإضلال(١) إليهنَّ مجازيٌّ؛ لأنهنَّ جمادٌ لا يُعقَلُ منهنَّ ذلك، والمضِلُّ في الحقيقة هو الله تعالى، وهذا تعليلٌ لدعائه عليه السلام السابق، وصُدِّر بالنداء؛ إظهارًا للاعتناء به، ورغبةً في استجابته. ﴿فَمَنْ تَبَّعَنِى﴾ منهم فيما أدعو(٢) إليه من التوحيد وملَّة الإسلام ﴿فَإِنَّهُ مِنَِّ﴾ يحتمل أنْ تكون ((مِن)) تبعيضيَّةً على التشبيه، أي: فإنَّه كبعضي في عدم الانفكاكِ، ويحتمل أنْ تكون اتِّصاليةً كما في قوله بَّهِ لعليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه: ((أنتَ منِّي بمنزلة هارونَ مِن موسى))(٣) أي: فإنَّه مثَّصل بي لا ينفكُ عنِّي في أمر الدين، وتسميتُها اتِّصالية؛ لأنَّه يُفهم منها اتِّصال شيءٍ بمجرورها، وهي ابتدائيةٌ إلا أنَّ ابتدائيته باعتبار الاتصال، كذا في حواشي ((شرح المفتاح)) الشريفي، يعني أنَّ مجرورها ليس مبدأً أو منشأً لنفس ما قبلها بل لاتِّصاله، فإمَّا أنْ يقدَّر متعلّقها فعلًا خاصًّا كما قاله الجلالُ السيوطي في بيان الخبر من أنَّ ((منِّي)) فيه خبرُ المبتدأ، و ((مِن)) اتصاليّة، ومتعلّقُ الخبر خاصٌّ، والباء زائدة بمعنى: أنت مثَّصلٌ بي ونازلٌ مني بمنزلة هارون مِن موسى. وإمَّا أنْ يقدَّر فعلٌ عامّ كما ذهب إليه الشريف هناك، أي: منزلتُه بمنزلةٍ كائنةٍ وناشئةٍ مِنِّ كمنزلة هارونَ مِن موسى عليهما السلام، وتقديرُه خاصًّا هنا كما فعلنا على تقدير جعلها اتِّصاليةً مما يَستطيبُه الذوقُ السليم دون تقدیره عامًا . ﴿وَمَنْ عَصَانِ﴾ أي: لم يتَّبعني، والتعبيرُ عنه بالعصيان - كما قيل - للإيذان بأنَّه عليه السلام مستمرٌّ على الدعوةِ، وأنَّ عدم اتِّاع مَن لم يتَّبعْهُ إنما هو لعصيانه لا لأنَّ الدعوة لم تبلغه. وفي ((البحر)) أنَّ بين الاتِّباع والعصيان طباقًا معنويًّا؛ لأنَّ الاتِباع طاعة(٤). ﴿فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (َ﴾ أي: قادرٌ على أن تغفرَ له وترحمَه، وفي الكلام على (١) في الأصل: الضلال، والمثبت من (م) وحاشية الشهاب ٢٧١/٥. (٢) في الأصل: أدعوه، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ٥١/٥. (٣) أخرجه أحمد (١٤٦٣)، والبخاري (٣٧٠٦)، ومسلم (٢٤٠٤) من حديث سعد بن أبي وقاص (٤) البحر المحيط ٤٣١/٥. الآية : ٣٦ ٣١٩ سُورَةُ أَبْرَاهِيمٌ ما أشار إليه البعضُ حذفٌ، والتقدير: ومَن عصاني فلا أدعو عليه فإنَّك .. إلخ. وفي الآية دليلٌ على أنَّ الشرك يجوزُ أنْ يُغفرَ، ولا إشكالَ في ذلك بناءً على ما قال النووي في ((شرح مسلم)) مِن أنَّ مغفرةَ الشرك كانت في الشرائع القديمة جائزة في أممهم وإنَّما امتنعَت في شرعنا(١). واختلفَ القائلون بأنَّ مغفرةَ الشركِ لم تكن جائزةً في شريعةٍ من الشرائع في توجيه الآية، فمنهم مَن ذهب إلى أنَّ المرادَ غفورٌ رحيمٌ بعد التوبة، ونسب ذلك إلى السدِّي. ومنهم مَن ذهب إلى تقييد العصيان بما دون الشركِ، وغفل عما تقتضيه المعادلة، ورُوي ذلك عن مقاتل. وفي روايةٍ أخرى عنه أنَّه قال: إنَّ المعنى: ومَن عصاني بإقامته على الكفر فإنَّك قادرٌ على أنْ تغفرَ له وترحمه، بأنْ تنقلَه من الكفر إلى الإيمان والإسلام وتهديَه إلى الصواب. ومنهم مَن قال: المعنى: ومَن لم يتّبعني فيما أدعو إليه من التوحيد، وأقام على الشرك، فإنك قادرٌ على أن تستره(٢) عليه وترحَمه بعدم معاجلته بالعذاب، ونظيرُ ذلك قولُه تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلِهِمْ﴾ [الرعد: ٦]. ومنهم مَن قال: إنَّ الكلام على ظاهره، وكان ذلك منه عليه السلام قبل أنْ يعلمَ أنَّ الله سبحانه لا يغفرُ الشركَ، ولا نقصَ بجهل ذلك؛ لأنَّ مغفرةَ الشرك جائزةٌ عقلًا كما تقرَّر في الأصول، لكنَّ الدليل السمعيَّ مَنَع منها، ولا يلزمُ النبيَّ أنْ يعلم جميعَ الأدلّة السمعيّة في يوم واحدٍ . والإمام لم يرتَضٍ أكثرَ هذه الأوجه، وجعل هذا الكلامَ منه عليه السلام شفاعةً في إسقاطِ العقاب عن أهل الكبائر قبل التوبةٍ، وأنَّه دليلٌ لحصول ذلك لنبيِّنا ◌ِله فقال: إنَّ المعصيةَ المفهومةَ من الآية إمّا أنْ تكونَ من الصغائر، أو من الكبائر بعد التوبةِ أو قبلها، والأولُ والثاني باطلان؛ لأنَّ ((مَن عصاني)) مطلقٌ، فتخصيصُه عدولٌ عن الظاهر، وأيضًا الصغائرُ والكبائر بعد التوبة واجبةُ الغفران عند الخصم، (١) شرح مسلم ١٧/ ٧٢، ونقله بواسطة حاشية الشهاب ٢٧١/٥. (٢) في الأصل: تستره. سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ ٣٢٠ الآية : ٣٧ فلا يُمكن حملُ(١) اللفظ عليه، فَثَبتَ أنَّ الآيَةَ شفاعةٌ لأهل الكبائر قبل التوبة، ومتى ثبت منه عليه السلام ثبت في حقِّ نبيِّنا عليه الصلاة والسلام لمكان: ﴿أَتَّعْ مِلَّةَ إِنْزَهِيمَ﴾ [النحل: ١٢٣] ونحوه، ولئلا يلزمَ النقص(٢). وهو كما تَرَى، وقد مرَّ لك ما ينفعُك في هذا المقام فتذكّر هداك الله تعالى(٣). ﴿رَبَّنَا﴾ قال في ((البحر)): كرَّر النداء، رغبةً في الإجابة والالتجاء إليه تعالى، وأتَى بضمير الجماعة؛ لأنَّه تقدَّم ذِكْره عليه السلام وذِكْرُ بَنِيْهِ في قوله: ((واجْنُبْنِي وبنيَّ))(٤). وتعقّب بأنَّ ذلك يقتضي ضميرَ الجماعة في ((ربِّ إنَّهنَّ) إلخ، مع أنَّه جيء فيه بضمير الواحد؟ فالوجه أنَّ ذلك؛ لأنَّ الدعاء المصدَّر به وما هو بصدَد تمهيدٍ مبادي إجابته من قوله: ﴿إِنِّ أَسْكَنتُ﴾ إلخ متعلِّق بذرِّيَّته، فالتعرُّضُ لوصْف ربوبيته تعالى لهم أدخلُ في القبول وإجابة المسؤول، والتأكيدُ لمزيد الاعتناء فيما قصده من الخبر. و((مِن)) في قوله ﴿مِن ذُرِيَّتِ﴾ بمعنى بعض، وهي في تأويل المفعول به، أي: أسكنتُ بعضَ ذَرِّيَّتي، ويجوز أنْ يكونَ المفعول محذوفاً، والجارُّ والمجرور صفته(٥) سدَّت مسدَّه، أي: أسكنتُ ذريةً مِن ذرِّيَّتي، و((مِن)) تحتملُ التبعيضَ والتبيينَ. وزعْمُ بعضِهم أنَّ (مِن)) زائدةٌ على مذهب الأخفش(٦)، لا يرتَضيه سليمُ البصيرة كما لا يخفى. والمرادُ بالمُسْكَن إسماعيل عليه السلام ومَن سيولد له، فإنَّ إسكانَه حیث کان على وجه الاطمئنان متضمِّنٌ لإسكانهم، والداعي للتعميم على (٧) ما قيل قولُه (١) ليس في (م). (٢) تفسير الرازي ١٣٤/١٩. (٣) ينظر ١٥٩/٢ . (٤) البحر المحيط ٤٣١/٥. (٥) في الأصل: صفة، والمثبت من (م) وحاشية الشهاب ٢٧١/٥ . (٦) معاني القرآن ١/ ٢٧٢. (٧) في الأصل: كما.