النص المفهرس
صفحات 261-280
الآية : ٢٢ ٢٦١ سُبَُّ ابْرَاهِيمٌ أَخُنَّهُ بِالْغَيٍْ﴾ [يوسف: ٥٢] وأيد ذلك بما أخرجَه ابنُ أبي حاتم والطبرانيُّ وابنُ مردويه عن كعب بنِ مالك رَفَعه إلى النبيِّ وَّهِ فيما يظنُّ أنَّه قال: ((يقولُ أهلُ النار: هَلمُّوا فلنصبر، فيَصْبِرُون خمسمئة عامٍ، فلمَّا رَأَوا ذلك لا ينفَعُهم قالوا: هَلُّوا فَلْنجزع، فيبكون خمسمئة عام، فلمَّا رَأَوا ذلك لا ينفعهم، قالوا: ﴿سَوَآءُ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبِّرْنَا﴾ الآية))(١)، وإلى كون هذه المحاورة بين الضعفاء والمستكبرين في النار ذهب بعضُهم ميلًا لظواهر الأخبار. واستظهر أبو حيان(٢) أنَّها في موضع العرض وقتَ البروز بين يدي الله تعالى، وقولُ الأتباعِ: (فَهَلْ أَنْتُم ◌ُغْنُونَ عَنَّا) جزعٌ منهم، وكذا جوابُ الرؤساء باعترافهم بالضلال، واحتمالُ أنَّه من كلام الأوَّلين فقط خلافُ الظاهر جدًّا. جملةٌ مفسِّرةٌ لإجمال ما فيه الاستواء، وقوله تعالى: ﴿مَا لَنَا مِن مَّحِیصٍ فلا محلَّ لها من الإعراب، أو حالٌ مؤكدةٌ، أو بدل منه، والمحيصُ من حاص: حادَ وفَرَّ، وهو إما اسمُ مكانٍ كالمبيت والمصيف، أو مصدرٌ ميميٍّ كالمغيب والمشيب، والمعنى: ليس لنا محلٌّ ننجوا فيه من عذابه، أو لا نجاةً لنا من ذلك. ﴿وَقَالَ الشَّيْطَنُ﴾ الذي أضلَّ كِلا الفريقَين واستَتْبَعَهما عندما عتباه وقَرَّعاه على نمط ما قاله الأتباع للرؤساء ﴿لَمَّا قُفِىَ الْأَمْرُ﴾ أي: أُحْكِمَ وفُرِغَ منه، وهو الحساب، ودخل أهلُ الجنة الجنةَ وأهلُ النار النارَ خطيبًا في مَحْفِل الأشقياء من الثقلَین. أخرج ابنُ جرير وغيرُه عن الحسن قال: إذا كان يومُ القيامة قامَ إبليسُ خطيبًا على منبرٍ من نارٍ فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَلَكُمْ وَهْدَ الَّْ﴾ إلى آخره(٣). وعن مقاتل: أنَّ الكفار يجتمعون عليه في النار باللائمة فيرقَى منبرًا من نار فيقول ذلك. (١) المعجم الكبير للطبراني ١٩/(١٧٢)، والدر المنثور ٧٤/٤. (٢) البحر المحيط ٤١٨/٥. (٣) تفسير الطبري ٦٣١/١٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٧٥/٤ إلى ابن أبي حاتم وابن المنذر. سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ ٢٦٢ الآية : ٢٢ وفي بعض الآثار ما هو ظاهرٌ في أنَّ هذا في الموقف، فقد أخرج الطبرانيُّ وابنُ المبارك في ((الزهد)) وابنُ جرير وابنُ عساكر لكن بسند ضعيف من حديث عُقبةَ بنِ عامر يرفعُه إلى رسول اللهِ وَّهِ، (أنَّ الكفار حين يَرَون(١) شفاعة النبيِّ ◌َله للمؤمنين يأتُون إبليسَ فيقولون له: قد وَجَد المؤمنونَ مَن يشفعُ لهم، فقم أنت فاشفع لنا، فإنَّك أنت أضْلَلْتَنا، فيقومُ، فيثورُ من مجلسه أنتنُ ريحِ شمَّها أحدٌ، فيقول ما قصَّ الله تعالى))(٢). ومعنى ((وَعْدَ الحقِّ)) وعدًا مِن حقِّه أنْ يُنجز، أو وعدًا نجز، وهو الوعدُ بالبعث والجزاء، وقيل: أراد بـ ((الحقِّ)) ما هو صفتُه تعالى، أي: إنَّ الله تعالى وَعَدكم وعدَه الذي لا يُخلَف، والظاهرُ أنَّه صفةُ الوعدِ، وفي الآية على الأول إيجازٌ، أي: إنَّ الله سبحانه وعدكم وعد الحقِّ فوقًّاكم وأنجزكم ذلك ﴿وَوَعدڭگ﴾ وعدَ الباطل، وهو أنْ لا بعثَ ولا حسابَ، ولئن كانا فالأصنام تشفعُ لكم. ﴿فَأَغْلَفْتُكُمّ﴾ موعدي، أي: لم يتحقَّق ما أخبرتُكم به، وظهر كذبُه، وقد استُعير الإخلاف لذلك، ولو ◌ُعل مُشاكلةً لصَّ. ﴿وَمَا كَانَ لَِ عَلَيْكُمْ مِن سُلْطَانٍ﴾ أي: تسلُّطٍ أو حُجَّةٍ تدلُّ على صدقي ﴿إِلَّ أَنْ دَعَوْكُمْ﴾ أي: إلا دعائي إياكم إلى الضلالة، وهو (٣) وإنْ لم يكن من جنس السلطان حقيقةً، لكنَّه أَبرزَه في مبرزه، وجعَلَه منه ادِّعاء، فلذا كان الاستثناء متَّصلًا، وهو من تأكيد الشيءٍ بضدِّه كقوله: وخيل قد دلفتُ لها بخيلٍ تحيةُ بينهم ضربٌ وَجيعٌ(٤) وهو من التهكُّم لا من باب الاستعارة أو التشبيه أو غيرهما على ما حُقِّق في موضعه، فإنْ لم يُعتَبر فيه التهكُم والادعاء يكون الاستثناء منقطعاً على حدٍّ قوله: (١) في الأصل و(م): يروا، والمثبت هو الجادة. (٢) المعجم الكبير ١٧/ (٨٨٧)، والزهد (٣٧٤ زوائد نعيم)، وتفسير الطبري ٦٣١/١٣، وتاريخ دمشق ٤٥٣/٧، وأخرجه أيضاً الدارمي (٢٨٠٤). (٣) في (م): وهذا. (٤) البيت لعمرو بن معديكرب كما في النوادر لأبي زيد ص ١٥٠، والعمدة في محاسن الشعر ٢٩٢/٢، وخزانة الأدب ٢٦٥/٩. الآية : ٢٢ ٢٦٣ سُورَةُ أَبْرَاهِيمٌ إلا اليعافيرُ وإلا العيسُ(١) وبلدةٍ ليسَ بها أنيسُ وإلى الانقطاع ذهب أبو حيان وقال: إنَّه الظاهر(٢)، وجوَّز الإمام (٣) القولَ بالاتصال من غير اعتبار الادِّعاء؛ ووجَّه ذلك بأنَّ القدرة على حَمْل الإنسان على الشيء تارةً تكون بالقهر من الحامل، وتارةً تكونُ بتقويةِ الداعية في قلبه وذلك بإلقاء الوَسواس إليه، وهذا نوعٌ من أنواع التسلُّط فكأنَّه قال: ما كان لي تسلُّطُ عليكم إلا بالوَسوسة لا بالضرب ونحوه. ﴿فَلَْجَبْتُمْ لِ﴾ أي: أسرعتُم إجابتي، كما يُؤذنُ بذلك الغاء، وقيل: يُستفاد الإسراع من السين؛ لأنَّ الاستجابةَ وإنْ كانت بمعنى الإجابة لكنْ عُدَّ ذلك من التجريد، وأنَّهم كأنَّهم طلبوا ذلك من أنفسهم، فيقتضي السرعة، وفيه بعدٌ. ﴿فَلَ تَلُومُونِ﴾ بوعدي إياكم حيث لم يكن على طريق القَسْر والإلجاء كما يدلُّ عليه الفاء، وقيل: بوسوستي، فإنَّ مَن صرَّح بالعداوة وقال: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَّطَكَ اُلْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦] لا يُلام بأمثال ذلك. وقرئ: ((فلا يلوموني)) بالياء(٤) على الالتفات. ﴿وَلُومُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ حيث استجبتُم لي باختياركم الناشئ عن سوء استعدادكم حين دعوتكم بلا حجَّةٍ ولا دليل، بل بمجرَّد تزيينٍ وتسويلٍ، ولم تستجيبوا لربّكم إذ دعاكم دعوةَ الحقِّ المقرونة بالبيِّنات والحُجَج، وليس مرادُ اللَّعين التنصُّلَ عن توجُّه اللائمة إليه بالمرَّة، بل بيانُ أنَّهم أحقُّ بها منه. وفي ((الكشاف)): إنَّ في هذه الآية دليلًا على أنَّ الإنسان هو الذي يختارُ الشقاوةَ والسعادة ويُحصِّلهما لنفسه، وليس من الله تعالى إلا التمكينُ، ولا مِن الشيطان إلا التزيينُ، ولو كان الأمر كما تزعمُ المجبرة لقال: فلا تلوموني (١) البيت لجِرَان العَوْد النميري، وهو في ديوانه ص٩٧ - وفيه: بسابسًا، بدل: وبلدة - وخزانة الأدب ١٠/ ١٧. (٢) البحر المحيط ٤١٨/٥. (٣) تفسير الرازي ١١١/١٩. (٤) القراءات الشاذة ص٦٨ . سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ ٢٦٤ الآية : ٢٢ ولا أنفسَكم، فإنَّ الله تعالى قد قضَى عليكم الكفرَ وأجبرَكم عليه، وليس قولُه المحكيُّ باطلًا لا يصحُّ التعلُّقُ به، وإلا لبيَّن الله سبحانه بطلانَه وأظهرَ إنكاره، على أَنَّه لا طائلَ في النطق بالباطل في ذلك المقام، ألا تَرَى كيف أتَى بالصدق الذي لا ريبَ فيه في قوله: ((إِنَّ الله وعَدَكم)) إلى آخره. وقوله: ((وما كانَ لي عليكم)) إلى آخره(١). اهـ. واعترض قوله: وإلا لبيَّن سبحانه بطلانَه، بأنَّه ينقلبُ عليه في قول المستكبرين: ((لو هدانا الله لهديناكم)) إذا لم يُعقِّب بالبطلان على وجه التَّوْرِيك الذي ادَّعاه، وكذلك قوله: على أنَّه لا طائلَ .. إلى آخره. والجوابُ أنَّ الأَوَّل غيرُ متعيّنٍ لذلك الوجه كما سمعتَ، ومع ذلك قد عقّب بالبطلان في مواضعَ عديدٍ، ويكفي حكاية الكذب عنهم في ذلك الموطن، وذلك في الموطن على توقُّم أنَّه نافعٌ كما حكى الله تعالى عنهم، أمَّا بعدَ قضاء الأمر ودخولِ أهل الجنةِ الجنةَ، والنارِ النارَ فلا يُتْوَهَّم لذلك طائلٌ ألبتة؛ لاسيَّما والشيطانُ لا غرضَ له في ذلك، فافترقا قائلًا وموطنًا وحكمًا. بل الجوابُ أنَّ أهلَ الحقِّ لا يُنكرون توجّه اللائمة عليهم، وأنَّ الله تعالى مقدَّسٌ عن ذلك، وحجَّته البالغةُ وقضاؤه سبحانه الحقُّ، حيث أَثبتُوا للعبد القدرةَ الكاسبةَ التي يدورُ عليها فَلَك التكليف وجعلوا لها مدخلًا في ذلك، فإنَّه سبحانه إنَّما يخلقُ أفعالَه حسبما يختارُه، وسَلْبُهم التأثيرَ الذاتيَّ عن قدرته لا ينفي اللوم عنهم، كما بُيِّن في محلِّه(٢). وما ذكره من أنَّه لو كان الأمر .. إلى آخره، مبنيٌّ على عدم الفَرْق بين مذهبٍ أهلِ الحقِّ الملقَّبينَ عنده بالمجبرة وبين مَسْلك المجبرة في الحقيقة، والفَرْقُ مثلُ الصبح ظاهرٌ. هذا، واستدلَّ بظاهر الآية على أنَّ الشيطان لا قدرةً له على تصريح الإنسان، أو تعويج أعضائه وجوارحِه، أو على إزالة عقله؛ لأنَّه نَفَى أنْ يكونَ له تسلُّطُ (١) الكشاف ٢/ ٢٧٤ بنحوه. (٢) منها ما ورد في ٣٤٨/٤-٣٤٩، وما سيأتي في سورة الإنسان عند تفسير الآية (٣٠). الآية : ٢٢ ٢٦٥ سُورَةُ أَبْرَاهِيمٌ إلا بالوسوسة، وأجاب من زعم القدرة على نحو ذلك بأن المقصود في الآية نفي أن يكون له تسلُّطٌ في أمر الإضلال إلا بمحض الوسوسة، لا نفْيَ أنْ يكونَ له تسلُّطُ أصلًا، والسياقُ أدلُّ قرينةٍ على ذلك. وانتزع بعضُهم من الآية إبطالَ التقليد في الاعتقاد، قال ابنُ الفرس: وهو انتزاعٌ حسنٌ؛ لأنَّهم اتَّبعوا الشيطان بمجرَّد دعواه ولم يطلبوا منه برهانًا، فحُكِيَ ذلك عنهم متضمِّنًا لذمِّهم. ثم الظاهرُ أن هذه الدعوة من الشيطان - أعني إبليس - بلا واسطةٍ، وهي إنْ كانت في وقت واحدٍ لمتعدِّدين فممَّا يعسرُ تصوُّره، ولا يبعدُ أنْ يقال: إنَّ له أعوانًا يفعلون كما يفعل، لكن لمَّا كان ذلك بأمره تصدَّى وحدَه لِمَا تصدَّى ونسبت الدعوة إليه، وللإمام الرازي(١) في الآية كلامٌ طويلٌ ساقه لبيان كيفيَّة الدعوة وإلقاء الشيطان الوسوسةَ في قلب الإنسان، وأكثرُه عند المحدِّثين والسلف الصالحين أشبهُ شيءٍ بوساوس الشياطين، ولعلَّ النوبة تفضي إن شاء الله تعالى إلى تحقيق ذلك بعون الله تعالى القادر المالك. ﴿مَّ أَنَا بِمُصْرِحِكُمْ﴾ أي بمغيئكم مما أنتم فيه من العذاب، يقال: استصرخَني فأصرختُه، أي: استغاثني فأغثتُه، وأصلُه من الصُّراخ وهو مدُّ الصوت، والهمزةُ للسلب، كأنَّ المغيثَ يُزيلُ صراخَ المستغيث. ﴿وَمَّ أَنْتُم بِعُصْرِخِىٌَ﴾ مما أنا فيه، وفي تعرُّضه لذلك مع أنَّه لم يكن في حيِّز الاحتمال مبالغةٌ في بيان عدم إصراخه إياهم، وإيذانٌ بأنَّه أيضًا مبتلى بمثل ما ابتُلُوا به، ومحتاجٌ إلى الإصراخ فكيف له بإصراخ الغير، ولذلك آثرَ الجملة الاسميةَ، والمرادُ استمرارُ النفي وتأكيده(٢) لا نفْي الاستمرار، وكذا يقالُ في التأكيد، فكان ما مضَى جوابًا منه عن توبيخهم وتقريعهم، وهذا جوابُ استغاثتهم واستعانتهم به في دفع ما دَهَمَهم من العذاب. (١) تفسير الرازي ١١٣/١٩ - ١١٤. (٢) قوله: وتأكيده، ليس في (م). سُورَةُ ابْرَاهِيمَ ٢٦٦ الآية : ٢٢ وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة: ((بمصرخيٍّ)) بكسر الياء(١) على الأصل في التخلُّص من التقاء الساكنين، وذلك أنَّ الأصل: بمُصْرِخِينَ لي، فأُضيفَ وحُذفَت نونُ الجمع للإضافة، فالتقت ياءُ الجمع الساكنة وياءُ المتكلّم، والأصل فيها السكون، فكُسِرَت لالتقاء الساكنين وأُدغمت. وطعَنَ في هذه القراءة كثيرٌ من النحاة، قال الفرَّاء(٢): لعلَّها مِن زعم القرَّاء، فإنَّه قلَّ مَن سَلِمَ منهم من الوهم. وقال أبو عبيد: نراهم غلطوا(٣). وقال الأخفش(٤): ما سمعتُ هذا الكسرَ من أحدٍ من العرب، ولا من أحدٍ من النحويين. وقال الزجَّاج(٥): إنَّها عند الجميع رديئةٌ مرذولة، ولا وجهَ لها إلا وُجَيهٌ ضعيفٌ. وقال الزمخشري: هي ضعيفةٌ، واستشهدوا لها ببيتٍ مجهولٍ : قال لها هلْ لَكِ ياتا فيٍّ قالَتْ له ما أنتَ بالمَرضيِّ(٦) وكأنَّهم قدَّروا ياءَ الإضافة ساكنةٌ فحرَّكوها بالكسر لِمَا عليه أصلُ التقاء الساكنين، ولكنَّه غيرُ صحيح؛ لأنَّ ياءَ الإضافة لا تكونُ إلا مفتوحةً حيث قبلها ألفٌ نحو: عصايَ، فما بالُها وقبلها ياءٌ؟ والقولُ بأنَّه جَرَت الياءُ الأُولَى مجرَى الحرفِ الصحيح لأجل الإدغام، فكأنَّها ياءٌ وقعَت ساكنةً بعد حرفٍ صحيح ساكنٍ، فحرِّكَت بالكسر على الأصل = ذهابٌ إلى القياس، وهو قياسٌ حسن، ولكنَّ الاستعمال المستفيضَ الذي هو بمنزلة الخبرِ المتواترِ تَتَضاءلُ إليه القياسات(٧). اهـ. (١) قراءة حمزة في التيسير ص١٣٤، والنشر ٢٩٨/٢، ونسبها ليحيى بن وثاب الفراءُ في معاني القرآن ٢/ ٧٥، والنحاسُ في إعراب القرآن ٣٦٨/٢، والزجاجُ في معاني القرآن ١٥٩/٣. (٢) معاني القرآن ٢/ ٧٥. (٣) البحر المحيط ٤١٩/٥. (٤) معاني القرآن ٥٩٩/٢. (٥) معاني القرآن ١٥٩/٣. (٦) في هامش (م): وقبله : أَقبلَ في ثوب معافريِّ عند اختلاط الليل والعشيِّ أهـ. منه. والبيت للأغلب العجلي كما في خزانة الأدب ٤٣٠/٤ - ٤٣١، وحاشية الشهاب ٢٦٣/٥، وقوله: ياتا فيٍّ: (يا) حرف نداء، (تا) منادى، وهو اسم إشارة يشار به إلى المؤنث، و(فيٍّ): جار ومجرور متعلقان بخبر مبتدأ محذوف. ينظر خزانة الأدب. (٧) الكشاف ٣٧٤/٢ - ٣٧٥. الآية : ٢٢ ٢٦٧ سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ وقد قلَّد هؤلاء الطاعنين(١) جماعة، وقد وَهِمُوا طعنًا وتقليدًا؛ فإنَّ القراءة متواترةٌ عن السلف والخلف، فلا يجوزُ أنْ يقال فيها: إنَّها خطأٌ أو قبيحةٌ أو رديئةٌ، وقد نقلَ جماعةٌ من العلماء أنَّها لغةٌ لكنَّها قلَّ استعمالُها . ونصَّ قُطْرب على أنَّها لغةٌ في بني يَربوع فإِنَّهم يكسرون ياءَ المتكلِّم إذا كان قبلها ياءٌ أُخرى، ويَصلُونها بهاء كـ: عَلَيِّهِ ولَدَيِّه، وقد يكتفون بالكسرة، وذلك لغةُ أهل الموصل وكثير من الناس اليوم، وقد حسَّنها أبو عمرو وهو إمامُ لغةٍ وإمامُ نحوٍ وإمامُ قراءةٍ، وعربيٍّ صحيح، ورَوَوا بيتَ النابغة: عليٍّ لعمرٍو نعمةٌ بعدَ نعمةٍ لوالدِه ليسَتْ بذاتٍ عقاربٍ(٢) بكسر ياءِ: عليّ، فيه، وأنشدوا لذلك أيضاً البيت السابق، وهو للأغلب العجليّ، وجَهْلُ الزمخشريِّ به كالزجَّاج لا يُلتَفَتُّ إليه، وقولُه: إنَّ ياءَ الإضافة لا تكونُ إلا مفتوحةً ... إلى آخره، مردودٌ بأنَّه رُوي سكونُ الياء بعدَ الألف، وقرأ به القُرَّاء في ((محيايْ))(٣) [الأنعام: ١٦٢] وما ذكره أيضًا قياسٌ مع الفارق، فإنَّه لا يلزمُ من كسرها مع الياء المجانسةِ للكسرة كَسْرها مع الألف الغيرِ المجانسة لها، ولذا فُتحت بعدها للمجانسة، وكونُ الأصل في هذه الياء الفتحَ في كلِّ موضع غيرُ مسلّم، كيف وهي من المبنيَّات، والأصلُ في المبنيِّ أنْ يُبنَى على السكون. ومن الناس من وجَّه القراءة بأنَّها على لغة مَن يَزيدُ ياءً على ياء الإضافة إجراءً لها مجرى هاء الضمير وكافِهِ، فإنَّ الهاء قد تُوصَلُ بالواو إذا كانت مضمومةً كـ : هذا لهو، وضَرَبَهو، وبالياء إذا كانت مكسورةً نحو: بِهِي، والكافُ قد تلحقُها الزيادة فيقال: أعطيتكَاه وأَعطيتُكِيْهِ إلا أنَّه حُذفت الياءُ هنا اكتفاءً بالكسرة. وقال البصيرُ(٤): كسر الياء ليكونَ طبقًا لكسر الهمزة في قوله: ﴿إِنِّ كَفَرْتُ﴾ (١) في (م): الطاغين. (٢) ديوان النابغة الذبياني ص٩. (٣) وهي قراءة قالون وورش وأبي جعفر كما في التيسير ص١٠٨، والنشر ٢٦٨/٢. (٤) لعله: أبو علي الفضل بن جعفر بن الفضل النخعي، كان أديباً ظريفاً بليغاً، وكان أعمى، فلقِّب بالبصير، وقيل: لقِّب بالبصير لذكائه وفطنته. (ت٢٥١هـ). معجم الشعراء للمرزباني ص١٨٥، ولسان الميزان ٣٣٦/٦. سُورَةُ ابْرَاهِيم ٢٦٨ الآية : ٢٢ لأنَّه أرادَ الوصل دون الوقف والابتداء بذلك، والكسرُ أدلَّ على الوصل من الفتح(١)، وفيه نظر. وبالجملة لا ريبَ في صحّة تلك القراءةِ، وهي لغةٌ فصيحةٌ، وقد روي أنَّه تكلّم بها رسول الله وَّي في حديث بدء الوحي وشرحٍ حاله عليه الصلاة والسلام لورقةَ بنِ نَوفل(٢) رَُّه، فإنكارُها محضُ جهالةٍ. وأراد بقوله: ((إنِّي كفرتُ)): إنِّي كفرتُ اليوم ﴿بِمَآ أَثْرَكْتُونِ مِن قَبْلٌ﴾ أي: من قبل هذا اليوم، يعني في الدنيا. و ((ما)) مصدريةٌ و(مِن)) متعلِّقةٌ بـ ((أشركتموني)) أي: كفرتُ بإشراكِكُمْ إِيَّايَ لله تعالى في الطاعة؛ لأنَّهم كانوا يُطيعونه في أعمال الشرِّ كما يُطاعُ الله تعالى في أعمال الخير، فالإشراك استعارةٌ بتشبيه الطاعةِ به وتنزيلها منزلتَه، أو لأنَّهم لمَّا أشركوا الأصنام ونحوها بإيقاعه لهم في ذلك فكأنَّهم أشركوه، والكفرُ مجازٌ عن التبرِّي كما في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ اٌلْقِيَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر: ١٤] ومرادُ اللَّعين أنَّه إنْ كان إشراككم لي بالله تعالى هو الذي أطمعكم في نُصرتي لكم، وخَيَّل إليكم أنَّ لكم حقًّا عليَّ فإني تبرَّأتُ من ذلك ولم أحمَدْه، فلم يبقَ بيني وبينكم علاقةٌ، وإرادة اليوم حسبما ذكرنا هو الظاهر، فيكونُ الكلام محمولًا على إنشاء التبرِّي منهم يومَ القيامة. وجوَّز النسفيُّ أنْ يكونَ إخبارًا عن أنَّه تبرَّأ منهم في الدنيا، فيكون ((مِن قبلُ» متعلّقًا بـ ((كفرتُ)) أو متنازعًا فيه(٣). وجوَّز غير واحدٍ أن تكون ((ما)) موصولةً بمعنى ((مَن)) كما قيل في قولهم: سبحان ما سَخَّركُنَّ لنا، والعائدُ محذوفٌ، و((مِن قبلُ)) متعلِّقٌ بـ ((كفرتُ))، أي: إنِّي كفرتُ مِن قبلُ حين أبيتُ السجود لآدم عليه السلام بالذي أشركتُمونيه، أي: جعلتُموني شريكًا له بالطاعة وهو الله عزَّ وجلَّ، فـ: أَشْركَ، منقولٌ من: شركتُ (١) مجمع البيان ١٣/ ٢١٢. (٢) بعدها في (م): ظه، والخبر في حاشية الشهاب ٢٦٤/٥. (٣) ينظر تفسير النسفي ٤٢٩/٢، وحاشية الشهاب ٢٦٤/٥ والكلام منه. الآية : ٢٢ ٢٦٩ سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ زيدًا، للتعدية إلى مفعولٍ ثانٍ، والكلامُ على هذا إقرارٌ من اللَّعين بقِدَم كفره، وبيانٌ لأنَّ خطيئته سابقةٌ عليهم فلا إغاثةً لهم منه، فهو في المعنى تعليلٌ لَعدم إصراخه إياهم. وزعم الإمام: أنَّه لنفي تأثيرِ الوسوسةِ، كأنَّه يقول: لا تأثيرَ لوَسوستي في كفركم، بدليل أنِّي كفرتُ قبلَ أنْ وقعتُم في الكفر بسبب وسوسةٍ أخرى، وإلا لزِمَ التسلسل، فثبتَ بهذا أنَّ سبب الوقوع في الكفر شيءٌ آخرُ سوى الوسوسة(١). وكان الظاهر على هذا تقديمه على قوله: ((ما أنا بمصرخكم)) إلى آخره، ولا يظهرُ لتأخيره نكتةٌ يَهَشُّ لها الخاطرُ. ومنهم مَن جعله تعليلًا لعدم إصراخهم إياه، وهو مما لا وجه له، إذ لا احتمالَ لذلك حتى يحتاج إلى التعليل، وقيل: لأنَّ تعليل عدم إصراخهم بكفره يُوهم أنَّهم بسبيلٍ من ذلك لولا المانعُ من جهته. واعترض بأنَّ نحو هذا الإيهام جارٍ في الوجه الأول، وهم الكفرةُ الذين لا تنفعُهم شفاعةُ الشافعين. وتَعقَّب في ((البحر)) القولَ بالموصولية، بأنَّ فيه إطلاقَ ((ما)) على الله تعالى، والأصحُّ فيها أنَّها لا تُطلَق على آحاد مَن يعلم(٢). و((ما)) في: سبحان ما سخّركُنَّ، يجوز أنْ تكون مصدريةً بتقدير مضافٍ، أي: سبحان مُوجد أو ميسِّر تسخير كنَّ لنا. وقال الطيبي: إنَّ ((ما)) لا تُستعمل في ذي العلم إلا باعتبار الوصفية فيه وتعظيم شأنه، والمثال على ذلك، أي: سبحانَ العظيمِ الشأنِ الذي سخَّركنَّ للرجال مع مكركنَّ وكيدكنَّ، وكون (ما)) موصولةً عبارة عنَ الصنم، أي: إنِّي كفرتُ بالصنم الذي أشركتُمونِيْهِ، مما لا ينبغي أنْ يُلتَفَتَ إليه. · الظاهرُ أنَّه من تمام كلامٍ إبليسَ قطعًا ﴿إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ لأطماع الكفار من الإغاثة والإعانة، وحَكَى اللهُ تعالى عنه ما سَيقولُه في ذلك الوقت ليكونَ تنبيهًا للسامعين وحثًّا لهم على النظر في عاقبتهم والاستعدادِ لما لا بدَّ (١) تفسير الرازي ١١٥/١٩. (٢) الكلام من النهر الماد على هامش البحر ٤٢٠/٥. سُورَةُ إبرَاهِيمَةٌ ٢٧٠ الآية : ٢٣ منه، وأنْ يَتصوَّروا ذلك المقام الذي يقول فيه الشيطان ما يقول، فيخافوا ويعملوا ما ينفَعُهم هناك. وقيل: إنه من كلام الخزنة يوم ذاك. وقيل: إنَّه ابتداءُ كلام من جهته تعالى، وأُيِّد بأنَّه قرأ الحسنُ، وعمرو بنُ عبيد: (أُدخلُ))(١) في قوله تعالى: ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ جَثَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا﴾ بصيغة المضارع المسنَدِ إلى المتكلّم، وأنت تعلم أنَّه إذا اعتبرت هذه القراءة مؤيِّدةً لهذا القول، فلتعتبر قراءة الجمهور: ((أُدخلَ)) بصيغة الماضي المبنيِّ للمفعول مؤيِّدةً لما قبله، فإنَّ المُدخلين الملائكةُ عليهم السلام، فتأمَّل. وكأنَّ الله تعالى لمَّا جمعَ الفريقين في قوله سبحانه: (وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا) وذكَرَ شيئًا من أحوال الكفار ذكر ما آل إليه أمرُ المؤمنين من إدخالهم الجنةَ ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ أي: بأمره سبحانه أو بتوفيقه وهدايته جلَّ شأنُه، والجارُّ والمجرور متعلِّقٌ بـ ((أُدخلَ)) على قراءة الجمهور. وفي التعرُّض لوصف الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم إظهارُ مزيد اللطفِ بهم. وعلَّقه جماعةٌ على القراءة الأُخرَى بقوله تعالى: ﴿وَمِّنُهُمْ فِهَا سَلَمُ ®﴾ أي: يُحيِّيهم الملائكةُ بالسلام بإذن ربِّهم. وتعقَّب ذلك أبو حيان بأنَّ فيه تقديمَ معمول المصدر المنحَلِّ بحرفٍ مصدريٍّ وفعلٍ عليه، وهو غيرُ جائز (٢)، لِمَا أنَّ ذلك في حكم تقديمٍ جزءٍ من الشيء المرتَّب الأجزاء عليه. ورُدَّ بأنَّ الظاهرَ أنَّه هنا غيرُ منحلٍّ إليهما؛ لأنَّه ليس المعنى المقصود منه أنْ يُحَيَّوا فيها بسلام، ولو سَلِمَ فمراد القائل بالتعلُّقِ التعلُّقُ المعنويُّ، فالعاملُ فيه فعلٌ مقدَّرٌ يدلُّ عليه ((تحيتهم)) أي: يُحیّون بإذن ربِّهم. وقال العلامة الثاني: الأظهرُ أنَّ التقديم جائزٌ إذا كان المعمولُ ظرفًا أو شِبهَهُ، وهو في الكلام كثير. والتقديرُ تكلُّفٌ، وليس كلُّ مؤوَّلٍ بشيء حكمه حكم ما أُوِّلَ (١) القراءات الشاذة ص ٦٨، والمحتسب ٣٦١/١، والبحر المحيط ٤٢٠/٥. (٢) البحر المحيط ٤٢٠/٥ - ٤٢١. الآية : ٢٤ ٢٧١ سُورَةُ إبرَاهِيمٌ به، مع أنَّ الظرف مما يكفيه رائحة من الفعل؛ لأنَّ له شأنًا ليس لغيره، لتنزُّله من الشيءِ منزلةً نفسِهِ لوقوعه فيه وعدم انفكاكه عنه، ولهذا يُتَّسَعُ(١) في الظروف ما لا يُتَّسعُ في غيرها. اهـ. وبالجواز أقولُ، وإنَّما لم يجعله المحقّقون متعلِّقًا بـ ((أُدخل)) على تلك القراءة مع أنَّه سالم من الاعتراض ومشتَمِلٌ على الالتفات أو التجريد، وهو من المحسِّنَات؛ لأنَّ قولك: أدخلته بإذني، ركيكٌ لا يناسبُ بلاغةَ التنزيل، والالتفاتُ أو التجريد حاصلٌ إذا عُلِّق بما بعدَه أيضًا. وفي ((الانتصاف)) الصارفُ عن هذا الوجه، هو أنَّ ظاهر ((أُدخلُ)) بلفظ المتكلِّم يُشعرُ بأنَّ إدخالهم الجنةَ لم يكن بواسطةٍ بل من الله تعالى مباشرةً، وظاهرُ الإذن يُشعر بإضافة الدخول إلى الواسطة، فبينهما تنافرٌ، واسْتَحْسَنَ أنْ يعلَّق بـ ((خالدين))، والخلودُ غيرُ الدخول فلا تنافر(٢). وتعقَّبه في ((الكشف» بأنَّ ذلك لا يدفعُ الركاكة، وكأنَّه لما أنَّ الإذن للدخول لا للاستمرار بحسب الظاهر، وكونُ المرادِ: بمشيئتي وتيسيري لا يدفعُ ذلك عند التأمُّل الصادق، فما ذهب إليه ابنُ جني(٣) واستَطيبَه الشيخ الطيبيُّ وارتضاه، ليس بشيءٍ لمن سلم له ذوقه. ﴿أَمْ تَرَ﴾ الخطاب لسيِّد المخاطبين وَّهِ، وقيل: لمن يصلُح له، والفعل معلّقٌ بما بعده من قوله تعالى: ﴿كَيَّفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ أي: كيف اعتمله ووضَعَه في موضعه اللائق به. ﴿كَلِمَةُ طَتِّبَةٌ﴾ نُصبَ على البدلية من ((مثلًا))، و((ضَرَبَ)) متعدِّية إلى مفعول واحد كما ذهب إلى ذلك الحوفيُّ والمهدويُّ وأبو البقاء(٤)، وهو على ما قيل: بدلُ اشتمال، ولو جُعل بدل كلِّ مِن كلِّ لم يَبْعُد. واعترض عليه بأنَّه لا معنى لقولك: ضَرَبَ الله كلمةً طيِّبةً، إلا بضمِّ ((مثلًا)) إليه، فـ ((مثلًا)) هو المقصود بالنسبة، فكيف يُبدل منه غيرُه، ولا يخفى أنَّ هذا بناء (١) في (م): اتسع. (٢) الانتصاف ٣٧٥/٢ - ٣٧٦. (٣) المحتسب ٣٦١/١ - ٣٦٢. (٤) إملاء ما منَّ به الرحمن ٤٠٥/٣ . سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ ٢٧٢ الآية : ٢٤ على ظاهر قول النحاة: إنَّ المبدل منه(١) في نية الطرح، وهو قولٌ(٢) غيرُ مسلَّم. وقوله سبحانه: ﴿كَشَجَرَقِ طَيِّبَةٍ﴾ صفةُ ((كلمة))، أو خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: هي كشجرةٍ، وجوِّز أن يكونَ («كلمة)) منصوبًا بمضمَر، و((ضَرَبَ)) أيضًا متعدِّيةً الواحد، أي: جعل كلمةً طيبة كشجرة طيبة، أي: حكم بأنَّها مثلها، والجملةُ تفسيرٌ لقوله سبحانه: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا) كقولك: شرَّف الأميرُ زيدًا، كساهُ حُلَّةً وحمله على فرس. وتَعقَّب ذلك أبو حيان بأنَّ فيه تكلُّفَ إضمار لا ضرورة تدعو إليه(٣). وأجابَ عنه السمين بما فيه بحثٌ(٤). وجوِّز أيضًا أن يكونَ ((ضَرَبَ)) المذكور متعدِّيًا إلى مفعولين، إمّا لكونه بمعنی جَعَل وانَّخذ، أو لتضمينه معناه، و((كلمةً)) أوَّلُ مفعوليه قد أُخِّر عن ثانيهما أعني (مثلًا)) لئلا يَبعُدَ عن صفته التي هي ((كشجرةٍ))، قيل: ولا يرد على هذا بأنَّ المعنى: أنَّه تعالى ضرَبَ لكلمة طيِّبة مثلًا لا كلمةً طيِّةً مثلًا؛ لأنَّ المثل عليه بمعنى الممثَّل به، والتقدير: ذات مثلٍ، أَوْلها مثلًا. وقرئ: ((كلمةٌ)) بالرفع(٥) على الابتداء لكونها نكرةً موصوفةً، والخبرُ (كشجرةٍ))، ويجوز أنْ يكونَ خبرَ مبتدأ محذوفٍ، و((کشجرة)» صفة أخرى. ﴿أَصْلُهَا ثَايِتٌ﴾ أي: ضاربٌ بعروقه في الأرض. وقرأ أنس بن مالك: ((كشجرة طيبةٍ ثابتٍ أصلُها))(٦) وقراءة الجماعة على الأصل، وذكروا أنَّها أقوى معنًى، قال ابنُ جني: لأنَّك إذا قلت: ثابتٌ أصلُها، فقد أجريت الصفة على ((شجرة)) وليس الثباتُ لها إنما هو للأصل، والصفةُ إذا كانت في المعنى لِمَا هو من سبب الموصوفِ قد تَجري عليه لكنَّها أخصُّ بما هي له (١) قوله: منه، ليس في (م). (٢) قوله: قول، ليس في (م). (٣) البحر المحيط ٤٢١/٥. (٤) الدر المصون ٧/ ٩٩. (٥) الإملاء ٤٠٥/٣، والبحر المحيط ٤٢١/٥. (٦) المحتسب ٣٦٢/١، والكشاف ٣٧٦/٢، والبحر المحيط ٤٢٢/٥. الآية : ٢٥ ٢٧٣ سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ لفظًا ومعنّى، فالأحسن تقديمُ الأصل عنايةً به، ومِن ثَمَّ قالوا: زيدٌ ضربته، فقدَّموا المفعول عنايةً به حيث إنَّ الغرض ليس ذكر الفاعل وإنما هو ذكر المفعول، ثُم لم يَقنعوا بذلك حيث أزالوه عن لفظ الفضلة وجعلوه ربَّ الجملة لفظًا فرفعوه بالابتداء، وصار ((ضربته)) ذيلاً له وفضلةً ملحقةً به، وكذلك قولُك: مررْتُ برجلٍ أبوه قائمٌ، أقوى معنّى من قولك: مررتُ برجلٍ قائم أبوه؛ لأنَّ المخبَر عنه بالقيام إنما هو الأب لا الرجل مع ما في التقديم هنا من حُسْنِ التقابل والتقسيم إلا أنَّ لقراءة أنس وجهًا حسنًا، وهو أنَّ ((ثابت أصلُها)) صفةُ الشجرة، وأصلُ الصفة أنْ تكونَ اسمًا مفردًا؛ لأنَّ الجملة إذا وقعَت صفةً حُكم على موضعها بإعراب المفرد، وذلك لم يبلغ مبلغَ الجملة، بخلاف: ((أصلُها ثابتٌ)) فإنَّه جملةٌ قطعًا (١). وقال بعضُهم: إنَّها أبلغُ. ولم يذكر وجْهَ ذلك، فزعم مَن زعم أنَّه ما أُشير إليه من وجه الحسن، وهو بمعزلٍ عن الصواب. وقال ابنُ تمجيد: هو أنَّه كوصف الشيء مرَّتَين، مرةً صورةً ومرةً معنًى، مع ما فيه من الإجمال والتفصيل، كما في ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] فإنَّه لما قيل: ((كشجرةٍ طيبةٍ ثابت)) تبادَر الذهن مِن جَعْل ((ثابت)) صفةً لـ ((شجرةٍ)) صورةٌ أنَّ شيئًا من الشجرة مثَّصفٌ بالثبات، ثم لمَّا قيل: ((أصلُها)) عُلم صريحًا أنَّ الثبات صفةُ أصلِ الشجرة. وقيل: كونُها أكثرَ مبالغةً لجعل الشجرةِ بثبات أصولها ثابتةً بجميع أغصانها، فتدبّر. ﴿وَفَرَّعُهَا﴾ أي: أعلاها من قولهم: فَرَعَ الجبلَ: إذا علاه، وسمِّي الأعلى فرعاً؛ لتفرُّعه على الأصل، ولهذا أُفردَ، وإلا فكلُّ شجرةٍ لها فروعٌ وأغصانٌ. ويجوزُ أن يُراد به الفروع؛ لأنَّه مضافٌ، والإضافة حيث لا عهدَ تردُ للاستغراق، أو لأنَّه مصدرٌ بحسب الأصل، وإضافته على ما اشتهر تفيدُ العمومَ فكأنَّه قيل: وفروعها ﴿فِي السَّمَآءِ ﴾ أي: في جهة العلوِّ ﴿تُؤْنِ أُكُلَهَا﴾ تعطي ثمرَها ﴿كُلَّ ◌ِينٍ﴾ وقت أَقَّته الله تعالى لإثمارها ﴿بإذنِ رَبِّهَا﴾ بإرادة خالقها جلَّ شأنه. (١) ينظر المحتسب ٣٦٢/١ -٣٦٣، وحاشية الشهاب ٢٦٥/٥. سُورَةُ إبرَاهِيَ ٢٧٤ الآية : ٢٥ والمراد بالكلمة الطيبة شهادةُ أنْ لا إله إلا الله، على ما أخرجَهُ البيهقيُّ وغيرُه عن ابن عباس(١)، وعن الأصمِّ أنَّها القرآن، وعن ابن بحر: دعوة الإسلام، وقيل: التسبيحُ والتنزيهُ، وقيل: الثناءُ على الله تعالى مطلقًا، وقيل: كلُّ كلمةٍ حسنةٍ، وقيل: جميعُ الطاعات، وقيل: المؤمنُ نفسُه، وأخرجه ابنُ جرير وابنُ أبي حاتم عن ابن عباس(٢)، وهو خلاف الظاهر، وكأنَّ إطلاقَ الكلمة عليه نظيرُ إطلاقها على عیسی عليه السلام. والمرادُ بالشجرة المشبّه بها النخلةُ عند الأكثرین، وروي ذلك عن ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وعكرمة والضحاك وابن زيد. وأخرج عبد الرزاق والترمذيُّ وغيرُهما عن شُعيب بن الحَبْحَاب قال: كنّا عند أنس فأتينا بطَبَقٍ عليه رُطَبٌ، فقال أنس لأبي العالية: كُلْ يا أبا العالية فإنَّ هذا من الشجرة التي ذكرها الله تعالى في كتابه: ((ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة ثابت أصلها))(٣) . وأخرج الترمذيُّ أيضاً والنسائيُّ وابنُ حبان والحاكم وصححه عن أنس قال: أُتي رسولُ اللهِ وَهُ بقِناع من بُسرٍ، فقال: (مَثَلًا كَلِمَةٌ طَتِّبَةُ كَشَجَرَوْ طَتِبَةٍ) حتى بلغ (كُلَّ حِينٍ) قال: ((هي النخلة))(٤). وأخرج ابنُ مردويه(٥) عن ابن عباس أنَّها شجرةُ جوز الهند. (١) الأسماء والصفات للبيهقي ٢٧٢/١ - ٢٧٣ (٢٠٦)، وأخرجه أيضاً الطبري ٦٣٥/١٣، والطبراني في الدعاء (١٥٩٨)، وفيه: علي بن أبي طلحة مولى بني العباس. قال ابن حجر في التقريب: أرسل عن ابن عباس ولم يره، صدوق قد يخطئ. (٢) تفسير الطبري ٦٣٦/١٣، وعزاه لابن أبي حاتم السيوطيُّ في الدر المنثور ٧٥/٤. (٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٤٢، وسنن الترمذي (٣١١٩)، وأخرجه أيضاً الطبري ٦٣٨/١٣ - ٦٣٩، والرامهرمزي في الأمثال ص ١١٠، وفي الأصل: أصلها ثابت، والمثبت من الطبري والدر المنثور ٧٦/٤، وهي قراءة أنس ﴿ كما مرَّ. (٤) سنن الترمذي (٣١١٩)، والسنن الكبرى للنسائي (١١١٩٨)، وصحيح ابن حبان (٤٧٥)، والمستدرك ٣٥٢/٢، وذكر الترمذي أن الموقوف أصحُ، والقِناعُ: الطبق الذي يؤكل عليه. النهاية: (قنع). (٥) كما في الدر المنثور ٧٧/٤. الآية : ٢٥ ٢٧٥ سُورَةُ إبرَاهِيَ وأخرج ابنُ جرير وابنُ أبي حاتم عنه ◌َبه أيضًا أنَّها شجرةٌ في الجنة(١). وقيل: كلُّ شجرةٍ مثمرة طيبةِ الثمار كالنخلة وشجرة التين والعنب والرُّمَّان وغير ذلك، وأنت تعلم أنه إذا صحّ الحديث، ولم يتأثَّ حملُ ما فيه على التمثيل لا ينبغي العدولُ عنه. ووجهُ تشبيه الكلمة الطيبة بمعنى شهادة أن لا إله إلا الله بهذه الشجرةِ المنعوتة بما ذكر أنَّ أصلَ تلك الكلمةِ ومنشأَها - وهو الإيمان - ثابتٌ في قلوب المؤمنين، وما يتفرَّع منها وينبني عليها من الأعمال الصالحة والأفعال الزكية يصعد إلى السماء، وما يترتَّب على ذلك من ثواب الله تعالى ورضاه هو الثمرةُ التي تؤتيها كلَّ حين، ويقال نحو هذا على تقدير أنْ تكون الكلمةُ بمعنّى آخر، فتأمَّل. والذاهبون إلى تفسير الشجرة بالنخلة من السلف اختلفوا في مقدار الحين، فأخرج البيهقيُّ عن سعيد بن المسيب أنَّه شهران قال: إنَّ النخلةَ إنما يكونُ فيها حملُها شهرين(٢). وأخرج ابنُ جرير عن مجاهد أنَّه سنة(٣)، وقيل غيرُ ذلك. واختلفت الرواياتُ عن ابن عباس، والأشهرُ أنَّه فسّره بستَّة أَشهُر، وقال: إنَّ النخلة ما بينَ حملها إلى صرامها سنَّةُ أشهر، وأفتَى رَُّه لرجلٍ حَلَفَ أنْ لا يُكلِّم أخاه حِينًا أنَّه لو كلَّمه قبل سنَّةٍ أشهر، حنَثَ(٤). وهو الذي قال به الحنفية، فقد ذكروا أنَّ الحين والزمان معرَّفَين أو منكَّرين واقعَين في النفي أو في الإثبات ستّة أشهر، وعلَّلوا ذلك بأنَّ الحين قد جاء بمعنَى الساعةِ، وبمعنى أربعينَ سنةً، وبمعنى الأبد، وبمعنى ستَّةِ أَشهُر، فعند عدم النية ينصرفُ إليه؛ لأنَّه الوسط؛ ولأنَّ القليل لا يقصَدُ بالمنع لوجود الامتناع فيه عادةً، والأربعونَ سنةً لا تُقصَدُ بالحلف عادةً لأنَّه في معنى الأبد، ولو سكت عن الحين تأبَّد، فالظاهرُ أنَّه لم يقصد ذلك، ولا الأبدَ ولا أربعينَ سنةً، فيحكم بالوسط في الاستعمال، والزمان استعمل استعمال الحين. ويعتبر ابتداء السنَّةِ أشهر من وقت اليمين في نحو: لا أكلِّم فلانًا (١) تفسير الطبري ٦٤١/١٣، وعزاه لابن أبي حاتم السيوطيُّ في الدر المنثور ٧٧/٤. (٢) السنن الكبرى للبيهقي ٦٢/١٠، وأخرجه أيضاً الطبري ١٣/ ٦٥٠. (٣) تفسير الطبري ٦٤٩/١٣ . (٤) أخرجه الطبري ٦٤٧/١٣ . سُورَةُ إبرَاهِيمٌ ٢٧٦ الآية : ٢٦ حينًا، مثلًا، وهذا بخلاف: لَأَصومَنَّ حينًا، فإنَّ له أنْ يُعيِّن فيه أيَّ ستة أشهر شاء كما بُيِّن في محلِّه، ومتى نوى الحالفُ مقدارًا معيّنًا في الحين وأخيه، صُدِّق؛ لأنَّه نوى حقيقةً كلامه؛ لأنَّ كلَّ منهما للقدر المشترك بين القليل والكثير والمتوسط، واستعمل في كلِّ كما لا يخفى على المتتبع فليتذكر. لأنَّ في ضربها زيادةَ إفهامٍ ٢٥ ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ( وتذكير، فإنَّه تصويرُ المعاني العقلية بصُوَر المحسوسات، وبه يرتفع التنازع بين الحسّ والخيال. ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ وهي كلمةُ الكفر أو الدعاء إليه أو الكذب، أو كلُّ كلمةٍ لا يرضاها الله تعالى. وقرئ: ((ومثلَ)) بالنصب(١) عطفًا على («كلمةً طيبةً))، وقرأَ أُبيِّ: ((وضَرَبَ الله مثلًا كلمة خبيثة))(٢). ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ ولعلَّ تغييرَ الأسلوب على قراءة الجماعة، للإيذان بأنَّ ذلك غيرُ مقصودٍ بالضرب والبيان، وإنما ذلك أمرٌ ظاهرٌ يعرفه كلُّ أحد، وفي الكلام مضافٌ مقدَّرٌ، أي: كمثل شجرةٍ خبيثة، والمثل بمعنى الصفة الغريبة(٣). ﴿أَجْثَتْ﴾ أي: اقتُلِعَت من أصلها، وحقيقةُ الاجْتِثاثِ: أَخذُ الجثة، وهي: شخصُ الشيء كلها ﴿مِن فَوْقِ الْأَرْضِ﴾ لكون عروقها قريبةً من الفوق فكأنَّها فوق ﴿مَا لَهَا مِن قَرَارٍ ﴾﴾ أي: استقرارٍ على الأرض، والمرادُ بهذه الشجرةِ المنعوتة الحنظلةُ، ورُوي ذلك أيضًا مرفوعًا إلى رسول الله وَلي(٤)، وعن الضحاك أنَّها. الكَثُوث(٥)، ويُشبَّه به الرجلُ الذي لا حسَبَ له ولا نسَبَ كما قال الشاعر: فهو الكَشُوث فلا أصلٌ ولا وَرقٌ ولا نسيمٌ ولا ظلٌّ ولا ثمرُ(٦) (١) البحر المحيط ٥/ ٤٢٢. (٢) المحرر الوجيز ٣٣٦/٣، والبحر المحيط ٤٢٢/٥. (٣) قوله: والمثل بمعنى الصفة الغريبة، ليس في الأصل. (٤) أخرجه الترمذي (٣١١٩)، والطبري ٦٥٤/١٣، وابن حبان (٤٧٥)، وأبو يعلى (٤١٦٥)، والحاكم ٢/ ٣٥٢ من حديث أنس بن مالك (٥) الكَثُوث: نبتٌ يتعلَّق بالأغصان ولا عرقَ له في الأرض. القاموس (كشث). (٦) مجمع الأمثال ٢٨٤/١، وتصحيح التصحيف ص١٢٣، والصحاح (كشت). الآية : ٢٦ ٢٧٧ سُورَةُ إبرَاهِيمٌ وقال الزجَّاج(١) وفرقةٌ: شجرةُ الثُّوم، وقيل: شجرةُ الشَّوك، وقيل: الظُّحْلَب، وقيل: الگمْأَةُ، وقيل: کلُّ شجرٍ لا یطیبُ له ثمر، وفي رواية عن ابن عباس أنَّها شجرةٌ لم تُخلَق على الأرض. والمقصودُ التشبيه بما اعتبر فيه تلك النعوت. وقال ابنُ عطية: الظاهرُ أنَّ التشبيهَ وقعَ بشجرةٍ غيرِ معيَّنة جامعة لتلك الأوصاف(٢)، وفي رواية عن الحبر أيضًا تفسيرُ هذه الشجرة بالكافر. وروَى الإمامية - وأنت تعرفُ حالَهم - عن أبي جعفر ◌َُّه تفسيرَها ببني أمية، وتفسيرُ الشجرة الطيبةِ برسول الله وَ ه وعليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه وفاطمةَ ـ وما تولَّد منهما. وفي بعض روايات أهل السنة ما يُعكّر على تفسير الشجرةِ الخبيثة ببني أمية، فقد أخرج ابنُ مردويه عن عديٍّ بن حاتم قال: قال رسول الله وَّه: ((إنَّ الله تعالى قَلَّب العبادَ ظهرًا وبَظْنًا فكان خَيرُ عبادِهِ العربَ، وقلَّبَ العربَ ظهرًا وبطنًا فكانَ خَيرُ العرب قريشًا، وهي الشجرةُ المباركةُ التي قال الله تعالى في كتابه: (مَثَلًا كَلِمَةً ◌َتِّبَةُ كَتَجَرَوْ طَتِّبَةٍ) (٣)) لأنَّ بني أميةَ من قريش، وأخبارُ الطائفتين في هذا الباب ركيكةٌ، وأحوال بني أميةَ التي يستحقُّون بها ما يستحقُّون غيرُ خفيةٍ عند الموافقِ والمخالفِ. والذي عليه الأكثرون في هذه الشجرة الخبيثة أنَّها الحنظل، وإطلاقُ الشجرة عليه للمشاكلة، وإلا فهو نَجْمٌ لا شجَرٌ، وكذا يقال في إطلاقه على الكَشوت ونحوه. وللإمام الرازي(٤) قدِّس سرُّه كلامٌ في هذَين المثَلَين لا بأس بذكره ملخّصًا، (١) كما في البحر المحيط ٤٢٢/٥ . (٢) المحرر الوجيز ٣٣٦/٣. (٣) عزاه لابن مردويه السيوطيُّ في الدر المنثور ٧٧/٤، وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير ١٧/ (٢٠١)، وفي إسناده: حصين السلولي، قال الذهبي في الميزان ٥٥٤/١: قال الدارقطني: يضع الحديث، ونقل ابن الجوزي أن ابن حبان قال: لا يجوز الاحتجاج به. (٤) تفسير الرازي ١١٦/١٩. سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ ٢٧٨ الآية : ٢٦ وهو أنَّه تعالى ذكر في المَثَل الأوَّل شجرةً موصوفةً بأربع صفاتٍ، ثم شبَّه الكلمةَ الطيبةَ بها : الصفة الأُولَى: كونها ((طيبة)) وذلك يحتمل كونَها طيبةَ المنظر، وكونَها طيبةً الرائحة، وكونها طيبةً الثمرة، بمعنى كونها لذيذةً مستطابةً، وكونَها طيبةَ الثمرة بمعنى كثرة الانتفاع بها، ويجبُ إرادةُ الجميع، إذ به يحصل كمالُ الطيب. والثانية: كون أصلها ثابتًا، وهو صفةُ كمالٍ لها؛ لأنَّ الشيءَ الطيب إذا كان في معرض الزوال فهو وإن كان يحصل الفرحُ بوِجْدانه إلا أنَّه يعظمُ الحزنُ بالخوف من زواله، وأمَّا إذا لم يكن كذلك، فإنَّه يعظمُ السرورُ به من غير ما يُنْغِّص ذلك. والثالثة: كون ((فرعها في السماء)) وهو أيضًا صفةُ كمال لها، لأنَّها متى كانت مُرتَفعةً كانت بعيدةً عن عفونة الأرض وقاذورات الأبنية، فكانت ثمرتُها نقيَّةً خالصةً عن جميع الشوائب. والرابعة: كونها دائمة الثمر لا أنَّ ثمرها حاضرٌ في بعض الأوقات دون بعض، وهو صفةُ كمالٍ أيضًا، إذ الانتفاع بها غيرُ مُنقَطعٍ حينئذ. ثم إنَّ من المعلوم بالضرورة أنَّ الرغبةَ في تحصيل مثل هذه الشجرة يجبُ أن تكونَ عظيمةً، وأنَّ العاقلَ متى أمكنه تحصيلها ينبغي أنْ يقوم له على ساقٍ ولا يتساهل عنه، والمرادُ من الكلمة المشبهةِ بذلك معرفةُ الله تعالى، والاستغراقُ في محبته سبحانه وطاعته، وشبّه ذلك للشجرة في صفاتها الأربع: أمَّا في الأولَى فظاهرٌ بل لا لذةً ولا طيبَ في الحقيقة إلا لهذه المعرفة؛ لأنَّها ملائمةٌ لجوهر النفس النُّطقيَّةِ والروح القدسية، ولا كذلك لذة الفواكه، إذ هي أمرٌ ملائم لمزاج البدن، ومن تأمَّل أدنَى تأمُّلٍ ظهر له فروقٌ لا تُحصَى بين اللذَّتَين. وأما في الصفة الثانية: فثبوتُ الأصل في شجرة معرفة الله تعالى أقوى وأكملُ؛ لأنَّ عروقها راسخة في جوهر النفس القدسية، وهو جوهرٌ مجرَّدٌ آمنٌ عن الكون والفساد، بعيدٌ عن التغير والفناء، وأيضًا مَدَدُ هذا الرسوخ إنما هو من تجلِّي جلالِ الله تعالى، وهو من لوازم كونه سبحانه في ذاته نورَ الَنور ومبدأَ الظهور، وذلك مما یمتنُ عقلًا زواله. الآية : ٢٦ ٢٧٩ سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ وأما في الصفة الثالثة فلأنَّ شجرةَ المعرفةِ لها أغصانٌ صاعدةٌ في هواء العالم الإلهي، وأغصانٌ صاعدةٌ في هواء العالم الجسماني : والنوعُ الأوَّل: أقسامُه كثيرةٌ يجمعُها قولُهُ وَّهِ: ((التعظيمُ لأمر الله تعالى))(١) ويدخلُ فيه التأمُّل في دلائل معرفتِه سبحانه كأحوال العوالم العلويَّةِ والسفليةِ، وكذا محبَّةُ الله تعالى والتشوُّقُ إليه سبحانه، والمواظبةُ على ذكره جلَّ شأنه، والاعتمادُ عليه وقْعُ النظر عمَّا سواه جلَّ وعلا إلى غير ذلك. والنوع الثاني: أقسامُه كذلك، ويجمعُها قوله عليه الصلاة والسلام: ((والشفقةُ على خلق الله تعالى))(٢) ويدخل فيه الرأفةُ والرحمةُ والصفحُ، والتجاوز عن الإساءة، والسعيُ في إيصال الخير إلى عباد الله تعالى، ودفع الشرور عنهم ومقابلة الإساءة بالإحسان إلى ما لا يُحصَى، وهي فروعٌ من شجرة المعرفةِ فإنَّ الإنسان كلَّما كان متوغِّلاً فيها كانت هذه الأحوالُ عنده أكمل وأقوی. وأمَّا في الصفة الرابعة فلأنَّ شجرة المعرفةِ موجبةٌ لِمَا علمت من الأحوال، ومؤثّرةٌ في حصولها، والسببُ لا ينفكُّ عن المسبّب(٣)، فدوامُ أكلِ هذه الشجرةِ أتُّ من دوام أكل الشجرة المنعوتة، فهي أَولَى بهذه الصفةِ، بل ربما توغَّل العبدُ في المعرفة، فيصيرُ بحيث كلَّما لاحظَ شيئًا لاحظ الحقَّ فيه، وربما عَظُم تَرَقِّيه فيصيرُ لا يرى شيئًا إلا يرى الله تعالى قِبَله، وأيضًا قد يحصل للنفس من هذه المعرفةِ إلهامات نفسانيةٌ ومَلَكات روحانية، ثم لا يزال يصعد منها في كلِّ حينٍ ولحظة كلامٌ طيِّب وعملٌ صالح وخضوعٌ وخشوعٌ وبكاءٌ وتذلَّلٌ كثمرة هذه الشجرة. وفي قوله سبحانه: (بِإِذْنِ رَيِّهَأُ) دقيقةٌ عجيبةٌ، وذلك لأنَّ الإنسانَ عند حصول هذه الأحوالِ السنّيَّةِ والدرجاتِ العليةِ قد يفرح بها من حيث هي هي، وقد يتَرَفَّى (١) قطعة من حديث ذكره الصغاني في الموضوعات ص٦٤، قال السخاوي في المقاصد ص٢٥٣: معناه صحيح في كثير من الأحاديث، وأما خصوص هذا اللفظ فلا أعرفه، وقال الملا علي القاري في الموضوعات الكبرى ص٢٢٦: ومن كلام بعض المشايخ حيث قال: مدار الأمر على شيئين: التعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله. (٢) ينظر التعليق السابق. (٣) في (م): والمسبب لا ينفك عن السبب. سُورَةُ أَبْرَاهِيمٌ ٢٨٠ الآية : ٢٦ فلا يفرح بها كذلك، وإنما يفرحُ بها من حيث إنَّها من المولَى جلَّ جلاله، وعند ذلك يكونُ فرحُه في الحقيقة بالمولى تبارك وتعالى، ولذلك قال بعضُ المحقّقين: مَن أَثَرَ العِرفان للعرفان فقد وَقَفَ بالساحل، ومَن أَثَرَ العِرفان لا للعِرفان بل للمعروف فقد خاضَ لُجَّةَ الوصول. وذكر بعضُهم في هذا المثال كلامًا لا يخلو عن حُسْن، وهو أنَّه إنما مثَّل سبحانه الإيمان بالشجرة؛ لأنَّ الشجرة لا تستحقُّ أنْ تسمَّى شجرةً إلا بثلاثة أشياء: عِرْقٌ راسخٌ، وأصلٌ قائم، وأغصانٌ عالية، فكذلك الإيمانُ لا يتمُّ إلا بثلاثة أشياء: معرفةٌ في القلب، وقولٌ باللسان، وعملٌ بالأركان. ولم يرتَضِ قدِّس سرُّه تفسيرَ الشجرةِ بالنخلة، ولا الحينَ بما شاع فقال - بعد نقل كلام جماعة -: إنَّ هؤلاء وإنْ أصابوا في البحث عن مفردات ألفاظِ الآية إلا أنَّهم بَعُدُوا عن إدراك المقصود؛ لأنَّه تعالى وصَفَ شجرةً بالصفات المذكورة، ولا حاجةً بنا إلى أنَّ تلك الشجرة هي النخلة أم غيرُها، فإنَّا نعلمُ بالضرورة أنَّ الشجرةَ الكذائيةَ يسعَى في تحصيلها وادِّخارها لنفسه كلُّ عاقل، سواءٌ كان لها وجودٌ في الدنيا أو لم يكن؛ لأنَّ هذه الصفةَ أمرٌ مطلوبُ التحصيل. واختلافهم في تفسير الحين أيضًا من هذا الباب، والله تعالى أعلم. وذكر تباركَ وتعالى في المثل الثاني شجرةً أيضًا إلا أنَّه تعالى وصَفَها بثلاث صفات: الصفة الأولى: كونها «خبيئة» وذلك يحتملُ أنْ يكونَ بحسب الرائحة، وأن يكونَ بحسب الطعم، وأن يكونَ بحسب الصورة، وأن يكون بحسب اشتمالها على المضارِّ الكثيرة، ولا حاجةَ إلى القول بأنَّها شجرةٌ كذا أو كذا، فإنَّ الشجرةَ الجامعةَ لتلك الصفات، وإنْ لم تكن موجودةً إلا أنَّها إذا كانت معلومةَ الصفة كان التشبيهُ بها نافعًا في المطلوب. والثانيةُ: اجتثاثُها مِن فوقِ الأَرضِ، وهذه في مقابلة ((أصلها ثابت)) في الأول. والثالثة: نَفْيُ أنْ يكونَ لها قرارٌ، وهذه كالمتمِّمة للصفة الثانية. والمرادُ بالكلمةِ المشبَّهة بذلك الجهلُ بالله تعالى والإشراكُ به سبحانه، فإنَّه