النص المفهرس
صفحات 241-260
الآيتان : ١١- ١٢ ٢٤١ سُورَةُ إبرَاهِيمٌ خلافُ الظاهر. وهذا الطلبُ كان بعد إتيانهم عليهم السلام لهم من الآيات الظاهرة والبينات الباهرة ما تخرُّ له الجبال الصمُّ، أَقدمَهم عليه العنادُ والمكابرة. ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ﴾ مجاراةً لأوَّل مقالتهم: ﴿إِن ◌َّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ كما تقولون وهذا كالقول بالموجب؛ لأنَّ فيه إطماعاً في الموافقة، ثم كرًّا إلى جانبهم بالإبطال بقولهم عليهم السلام: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِمْ﴾ أي: إنما اختصَّنا الله تعالى بالرسالة بفضلٍ منه سبحانه وامتنانٍ، والبشرية غيرُ مانعةٍ لمشيئته جلَّ وعلا، وفيه دليلٌ على أنَّ الرسالة عطائيةٌ وأنَّ ترجيحَ بعض الجائزات على بعضٍ بمشيئته تعالى، ولا يخفى ما في العدول عن: ولكنَّ الله منَّ علينا، إلى ما في النظم الجليل من التواضع منهم عليهم السلام. وقيل: المعنى: ما نحن من الملائكة بل نحن بشرٌ مثلُكم في الصورة أو في الدخول تحت الجنس، ولكنَّ الله تعالى يَمنُّ على مَن يشاء بالفضائل والكمالات والاستعدادت التي يدور عليها فلكُ الاصطفاء للرسالة، وفي هذا ذهابٌ إلى قول بعض حكماء الإسلام: إنَّ الإنسان لو لم يكن في نفسه وبدنه مخصوصاً بخواصَّ شريفةٍ عُلْويَّةٍ قُدسيَّة، فإنَّه يمتنع عقلاً حصول صفةِ النبوّة فيه، وأجابوا عن عدم ذكر المرسلين عليهم السلام فضائلَهم النفسانية والبدنية بأنَّه مِن باب التواضع كاختيار العموم. والحقُّ منعُ الامتناع العقلي وإن كانوا عليهم السلام جميعاً لهم مزايا وخواصُ مرجِّحةٌ لهم على غيرهم. وإنما قيل لهم كما قيل لاختصاص الكلام بهم حيث أُريد إلزامُهم بخلاف ما سلف من إنكار وقوع الشكِّ فيه تعالى، فإنَّه عامّ وإن اختصَّ بهم ما يعقبه. ﴿وَمَا كَانَ لَنَا﴾ أي: ما صحَّ وما استقام ﴿أَن نَّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ﴾ أي: بحجةٍ ما من الحُجَج فضلاً عن السلطان المبين الذي اقترحتموه بشيءٍ من الأشياء وسبب من الأسباب ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ﴾ فإنَّه أمرٌ يتعلَّق بمشيئته تعالى إنْ شاء كان، وإلا فلا، ، في الصبر على ﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾ وحدَه دون ما عداه مطلقاً ﴿فَلْيَتَوَكَلِ الْمُؤْمِنُونَ معاندتكم ومعاداتكم، عمَّموا الأمر للإشعار بما يُوجب التوكُّل من الإيمان، وقصدوا به أنفسهم قصداً أوَّلِيًّا، ويدلُّ على ذلك قولهم: ﴿وَمَا لَنَآَ أَلَّا نَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ﴾، ومحلُّ الخلاف في دخول المتكلم في عموم كلامِهِ حيث لم يعلم دخوله فيه سُودَةُ ابْرَاهِيمٌَ ٢٤٢ الآية : ١٢ بالطريق الأَولَى، أو تَقُم عليه قرينةٌ كما هنا. واحتمالُ أنْ يُراد بـ ((المؤمنين)) أنفسُهم و((مالنا)) التفاتٌ، لا التفاتَ إليه، والجمعُ بين الواو والفاء تقدَّم الكلام فيه(١). و((ما)) استفهاميةٌ للسؤال عن السبب والعذر، و((أَنْ)) على تقدير حرف الجرِّ، أي: أيُّ عذرٍ لنا في عدم التوُّل عليه تعالى، والإظهارُ لإظهار النشاط بالتوكُّل عليه جلَّ وعلا، والاستلذاذ باسمه تعالى وتعليل التوّل. ﴿وَقَدْ هَدَلنَا﴾ أي: والحال أنَّه سبحانه قد فعل بنا ما يُوجب ذلك ويستدعيه حيث هدانا ﴿سُبُلَنَا﴾ أي: أرشد كلَّ منَّا سبيلَه ومنهاجَه الذي شرع له، وأَوجبَ عليه سلوگه في الدین. وقرأ أبو عمرو: ((سُبْلَنا) بسكون الباءِ(٢). وحيث كانت أذيَّةُ الكفار مما يوجب القلقَ والاضطرابَ القادح في التوكُّل قالوا على سبيل التوكيد القَسَميِّ مُظهرين لكمال العزيمة: ﴿وَلَصَبِرَنَّ عَلَى مَآ ءَاذَيْتُمُونَا﴾ و((ما)) مصدريَّةٌ، أي: أذاتكم إيَّانا بالعناد واقتراحِ الآيات وغيرِ ذلك مما لا خيرَ فيه، وجوَّزوا أنْ تكونَ موصولةً بمعنى ((الذي)) والعائدُ محذوفٌ، أي: الذي آذيتموناه، وكان الأصل: آذيتمونا به، فهل حُذفَ به أو الباء ووُصِل الفعلُ إلى الضمير؟ قولان. ﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾ خاصَّةً ﴿فَلْيَتَوَّلِ الْمُتَوَُّونَ ﴾﴾ أي: فليثبُت المتوكّلون على ما أحدثوه من التوكُّل، والمرادُ بهم المؤمنون، والتعبيرُ عنهم بذلك لسبق اتِّصافهم به، وغرضُ المرسَلين من ذلك نحو غرضهم مما تقدَّم، وربما يُتَجوَّز في المسند إليه. فالمعنى: وعليه سبحانه فليتوّل مريدو التوُّل، لكن الأَوَّل أَولَى. وقرأ الحسنُ بكسر لامِ الأمر في ((ليتوكّل))(٣) وهو الأصل. هذا، وذكر بعضُهم أنَّ من خواصٌ هذا الآية دفعَ أذى البرغوث. فقد أخرج المستغفري في ((الدعوات)) عن أبي ذرِّ عن النبيِّ وَِّ قال: ((إذا آذاك البرغوثُ فخذ (١) ١٢ / ٤١٤ . (٢) التيسير ص ٨٥، والنشر ٢١٦/٢. (٣) المحتسب ٣٥٩/١، والبحر ٤١١/٥. الآية : ١٣ ٢٤٣ سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ قَدَحاً من ماء واقرأ عليه سبعَ مراتٍ: ﴿وَمَا لَنَآ أَلَّا نَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ﴾ الآية، وتقول: إنْ كنتُم مؤمنين فكفُّوا شرَّكم وأذاكم عنَّا، ثم ترشُّه حولَ فراشك، فإنَّك تبيتُ آمناً من شرِّها))(١). وأخرج الديلمي في ((مسند الفردوس)) عن أبي الدرداء مرفوعاً نحو ذلك إلا أنَّه ليس فيه: ((إِنْ كنتُم مؤمنينَ فكفُّوا شرَّكم وأذاكم عنَّا))(٢) ولم أقف على صحة الخبر، ولم أُجرِّب ذلك، إذ ليس للبرغوث وَلَعٌ بي، والحمد لله تعالى. وأظنُّ أنَّ ذلك لملوحة الدم كما أخبرني به بعض الأطباء، والله تعالى أعلمُ بحقيقة الحال. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قيل: لعلَّ هؤلاء القائلين بعضُ المتمرِّدين في الكفر من أولئك الأُمَم الكافرة التي نُقِلَت مقالاتُهم الشنيعةُ دون جميعهم، كقوم شعيب وأضرابهم، ولذلك لم يقل: وقالوا لرسلهم: ﴿لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَاً أَوْ لَتَعُودُنَ فِىِ مِلَتِنَّاً﴾، وجوِّز أنْ يكونَ المرادُ بهم أهلَ الحلِّ والعقد الذين لهم قدرةٌ على الإخراج والإدخال، ويكونُ ذلك علَّةً للعدول عن قالوا أيضاً. و((أو)) لأحد الأمرَين، ومرادُهم ليكونَنَّ أحدُ الأمرَين، إخراجُكم أو عودُكم؛ فالمقسَم عليه في وسع المقسِم، والقولُ بأنَّها بمعنى ((حتى)) أو ((إلا أنْ)) قولُ مَن لم يُمعن النظر - كما في ((البحر)) - فيما بعدها، إذ لا يصحُّ تركيبُ ذلك مع ما ذكر كما يصحُّ في: لَأَلزَمَنَّك أو تقضيَني حقِّي. والمرادُ من العَوْد: الصيرورةُ والانتقال من حالٍ إلى أخرى، وهو كثيرُ الاستعمال بهذا المعنى، فيندفعُ ما يُتوهّم من أنَّ العودَ يقتضي أنَّ الرسل عليهم السلام كانوا - وحاشاهم - في ملَّة الكفر قبل ذلك(٣). واعترض في ((الفرائد)) بأنَّه لو كان العودُ بمعنى الصيرورةِ لقيل: إلى ملَّتنا، فتعديتُه بـ ((في)) يقتضي أنَّه ضُمِّن معنى الدخول، أي: لتدخلُنَّ في مَّتنا. (١) الدر المنثور ٤/ ٧٢. (٢) الفردوس بمأثور الخطاب ٣٦٢/٥. (٣) البحر المحيط ٤١١/٥. سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ ٢٤٤ الآية : ١٣ وردّه الطيبي بأنَّه إنما يلزمُ ما ذكر لو كان ((في ملتنا)) صلة الفعل، أمّا إذا جُعل خبراً له؛ لأنَّ ((صار)) من أخوات ((كان)) فلا يردُ كما في نحو: صار زيدٌ في الدار. نعم يُفهم مما ذكره وجهٌ آخر، وهو جعلُه مجازاً بمعنى: تدخلُنَّ، لا تضميناً، لأنَّه على ما قرَّروه يُقصد فيه المعنيان فلا يُدفع المحذور. وفي ((الكشف)) أنَّ ((في)) أبلغُ من ((إلى)) لدلالته على الاستقرار والتمكّن، كأنَّهم لم يرضوا بأنْ يتظاهروا أنَّهم من أهل ملَّتهم. وقيل: المرادُ من العود في مَّتهم سكوتُهم عنهم وتركُ مطالبتهم بالإيمان، وهو كما ترى. وقيل: هو على معناه المتبادر، والخطابُ لكلِّ رسولٍ ولمن آمنَ معه من قومه، فغَلَّبوا الجماعة على الواحد. فإنْ كان الجماعةُ حاضرين فالأمرُ ظاهرٌ، وإلا فهناك تغليبٌ آخر في الخطاب. وقيل: لا تغليبَ أصلاً والخطابُ للرسل وحدهم، بناءً على زعمهم أنَّهم كانوا من أهل ملَّتهم قبل إظهار الدعوة، كقول فرعون - عليه اللعنةُ - لموسى عليه السلام: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِى فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَفِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩] وقد مرَّ الكلام في مثل ذلك، فتذگّر. ﴿فَأَوْحَ إِلَيْهِمْ﴾ أي: إلى الرسل عليهم السلام بعد ما قيل لهم ما قيل: ﴿رَبُهُمْ﴾ ﴾ أي: المشركين المتناهين في الظلم، OF مالكُ أمرهم سبحانه ﴿لَتُهُلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وهم وأولئك القائلون، وقال ابنُ عطية(١): خصَّ سبحانه ((الظالمين)) من ((الذين كفروا)» إذ جائز أنْ يُؤمن مِن الكفرة الذين قالوا تلك المقالة ناسٌ، فالتوعُّد بإهلاك من خلص للظلم. و((أوحى)) يحتمل أنْ يكون بمعنى: فعل الإيحاء، فلا مفعولَ له، و«لنهلكنَّ)» على إضمار القول، أي: قائلاً لَنُهلكنَّ، ويحتمل أنْ يكونَ جارياً مجرى القول لكونه ضرباً منه، و((لنهلكنَّ) مفعولُه. (١) المحرر الوجيز ٣٣٠/٣. الآية : ١٤ ٢٤٥ سُورَةُ أَبْرَاهِيمٌ ﴿وَنُسْكِنَتَّكُمُ الْأَرْضَ﴾ أي: أرضَهم وديارَهم، فاللام للعهد، وعند بعضٍ عِوَضٌ عن المضاف إليه ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي: من بعد إهلاكهم، وأَقْسم سبحانه وتعالى في مقابلة قَسَمهم، والظاهرُ أنَّ ما أَقسَم عليه جلَّ وعلا عقوبةٌ لهم على قولهم: ﴿لَنُغْرِجَنَّكُمْ مِّنْ أَرْضِنَا﴾ وفي ذلك دلالةٌ على مزيد شناعةِ ما أَتَوا به، حيث إنَّهم لمَّا أرادوا إخراجَ المخاطَبين من ديارهم جَعَل عقوبتَه إخراجَهم من دار الدنيا وتوريثَ أولئك أرضَهم وديارَهم، وفي الحديث: ((مَن آذى جارَه أورثه الله تعالى دارَه))(١). وقرأ أبو حيوة: (لَيُهلكنَّ الظالمين ولَيُسكنتَّكم الأرضَ)) بياء الغيبة(٢) اعتباراً لـ ((أوحى)) كقولك: أَقْسمَ زيدٌ ليخرجَنَّ. ﴿َذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى الموحَى به، وهو إهلاكُ الظالمين وإسكانُ المخاطَبين ديارَهم، وبذلك الاعتبار وخَّد اسمَ الإشارة مع أنَّ المشارَ إليه اثنان، فلا حاجةً إلى جعله من قبيل: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكٌ﴾ [البقرة: ٦٨] وإنْ صحَّ، أي: ذلك الأمر محقَّقٌ ثابتٌ. ﴿لِمَنْ خَافَ مَقَامِى﴾ أي: موقفي الذي يقفُ به العبادُ بين يديَّ للحساب يوم القيامة، وإلى هذا ذهب الزجَّاجُ(٣)، فالمقامُ اسمُ مكان، وإضافتُه إلى ضميره تعالى لكونه بين يديه سبحانه. وقال الفراء(٤): هو مصدرٌ ميميٍّ أُضيفَ إلى الفاعل، أي: خاف قيامي عليه بالحفظ لأعماله ومراقبتي إيَّاه. وقيل: المراد إقامتي على العدل والصوابٍ وعدم الميل عن ذلك. وقيل: لفظُ مقام مُقْحَمٌ؛ لأنَّ الخوفَ من الله تعالى، أي: لمن خافني. ١٤ ﴾ أي: وعيدي بالعذاب، فياءُ المتكلّم محذوفةٌ للاكتفاء ﴿وَخَافَ وَعِيدِ بالكسرِةِ عنها في غير الوقف. والوعيدُ على ظاهره ومتعلَّقه محذوفٌ، وجوِّز أنْ (١) ذكره الزمخشري في الكشاف ٢/ ٣٧٠، والرازي في تفسيره ١٠٠/١٩، قال ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص٩٢: لم أجده. (٢) القراءات الشاذة ص٦٨، والمحرر الوجيز ٣/ ٣٣٠، والبحر المحيط ٤١١/٥. (٣) كما في البحر المحيط ٥/ ٤١٢. (٤) كما في البحر المحيط ٤١١/٥. سُورَةُ ابْرَاهِيمَ ٢٤٦ الآية : ١٥ يكون مصدراً من الوعد على وزن فَعِيْل، وهو بمعنى اسم المفعول، أي: عذابي الموعود للكفار، وفيه استعارة الوعد للإبعاد. والمرادُ بـ (مَن خاف)) إلخ على ما أُشيرَ إليه في ((الكشاف)): المتَّقون(١)، ووقوع ((ذلك)) إلى آخره بعدَ ((ولنُسكنَّكم الأرضَ مِن بعدهم)) موقع ﴿وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ في قصة موسى عليه السلام حيث قال لقومه: ﴿أَسْتَعِينُواْ بِلَّهِ وَأَصْبِرُوَاْ إِنَ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨]. ﴿وَأَسْتَفْتَحُوا﴾ أي: استنصَرُوا الله تعالى على أعدائهم كقوله تعالى: ﴿إِن تَسْتَفْئِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ الْفَتْحِّ﴾ [الأنفال: ١٩] ويجوزُ أنْ يكونَ من الفتاحة، أي: الحكومة، أي: استَحْكَموا الله تعالى وطَلَبُوا منه القضاء بينهم، كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اُفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩]. والضمير للرسل عليهم السلام كما رُوي عن قتادة وغيره. والعطف على ((أَوْحَى)) ويُؤيِّد ذلك قراءةُ ابن عباس ومجاهد وابن محيصن: ((واسْتفتِحُوا)) بكسر التاء (٢) أمراً للرسل عليهم السلام معطوفاً على (ليُهلِكَنَّ)) فهو داخلٌ تحت الموحَى، والواوُ من الحكاية دون المحكي. وقيل: ما قبله لإنشاء الوعد فلا يلزمُ عطفُ الإنشاء على الخبر مع أنَّ مذهبَ بعضهم تجويزُه، وأُخِّر على القراءتين عن قوله تعالى: (لنهلكن)) - أو ((أَوْحَى إليهم)) على ما في ((الكشف)) - دلالةً على أنَّهم لم يزالوا داعينَ إلى أنَّ تحقَّقَ الموعود من إهلاك الظالمين، وذلك لأنَّ ((لنُهلِكنَّ)) وعدٌ، وإنَّما حقيقة الإجابة حين الإهلاك، وليس من تفويض الترتيب إلى ذهن السامع في شيء، ولا ذلك من مقامه كما تُوهِّم. وقال ابن زيد: الضمير للكفار، والعطف حينئذٍ على ((قال الذين كفروا)) أي: قالوا ذلك واستفتَحوا على نحو ما قال قريش: ﴿يَجِّل لَّا قِطَّنَا﴾ [ص: ١٦] وكأنَّهم لمَّا قَوِيَ تكذيبُهم وأذاهم ولم يُعاجَلُوا بالعقوبة ظنُّوا أن ما قيل لهم باطلٌ، فاستفْتَحوا على سبيل التهكُّم والاستهزاء، كقول قوم نوح: ﴿فَأَيِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ [هود: ٣٢] وقوم شعيب: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفَا﴾ [الشعراء: ١٨٧] إلى غير ذلك. (١) الكشاف ٢/ ٣٧١. (٢) القراءات الشاذة ص٦٨، والمحتسب ٣٥٩/١، والبحر المحيط ٤١٢/٥. الآية : ١٥ ٢٤٧ سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ وقيل: الضميرُ للرسل عليهم السلام ومكذِّبيهم؛ لأنَّهم كانوا كلُّهم سألوا الله تعالى أنْ يَنصُر المحقّ ويُهلك المبطلَ، وجعل بعضُهم العطف على ((أَوحَى)) على هذا أيضاً، بل ظاهرُ كلام بعضٍ أنَّ العطف عليه على القراءة المشهورة مطلقاً، وسيأتي إن شاء الله تعالى احتمالٌ آخر في الضمير ذكره الزمخشري (١). ﴿وَخَابَ﴾ أي: خَسِرَ وهَلَك ﴿كُلُّ جَتَارٍ﴾ مُتكبِّرٍ عن عبادة الله تعالى وطاعته، وقال الراغب: الجبَّارُ في صفةِ الإنسان يقال لمن يَجبُر نَقيصَتَه بادِّعاء منزلةٍ من التعالي لا يستحقُّها، ولا يقال إلا على طريق الذمِّ (٢). ﴾﴾ معاند للحقِّ، مُباهٍ بما عنده، وجاء فَعیلٌ بمعنی مُفاعل کثیرًا، ﴿عَنِيدٍ كخليط بمعنى مُخالط، ورَضِيع بمعنى مُراضع، وذكر أبو عبيدة أنَّ اشتقاق ذلك من العَنَد، وهو: الناحية(٣)، ولذا قال مجاهد: العنيدُ: مجانِب الحقِّ. قيل: والوصف الأوَّل إشارةٌ إلى ذمِّه باعتبار الخلق النفساني، والثاني: إلى ذمِّه باعتبار الأثر الصادرِ عن ذلك الخلق، وهو كونُه مجانبًا منحرفًا عن الحقِّ. وفي الكلام إيجازُ الحذفِ بحذف الفاءِ الفصيحةِ والمعطوف عليه، أي: استفتَحوا ففُتِح لهم وظَفِرُوا بما سألوا وأَفلحُوا، وخاب كلُّ جبارٍ عنيد وهم قومُهم المعاندون؛ فالخيبة بمعنى مطلق الحِرمان دون الحرمان عن المطلوب، أو ذلك باعتبار أنَّهم كانوا يزعمون أنَّهم على الحقِّ، هذا إذا كان ضمير ((استفتحوا)) للرسل عليهم السلام، وأمَّا إذا كان للكفار فالعطف - كما في ((البحر)) (٤) - على ((استفتحوا))، أي: استفتح الكفار على الرسل عليهم السلام وخابُوا ولم يُفلحوا. وإنَّما وضع ((كلُّ جبَّارٍ عنيدٍ)) موضع ضميرهم ذمَّا لهم وتسجيلا عليهم بالتجبُّر والعناد، لا أنَّ بعضَهم ليسوا كذلك ولم تصبهم الخيبة، ويُقدَّر - إذا كان الضمير للرسل عليهم السلام وللكفرة ـ ((استفتحوا)) جميعًا؛ فنصر الرسل وخابَ كلُّ عاتٍ متمرِّد، والخيبةُ على الوجهين بمعنى الحِرمان غِبَّ الطلب، وفي إسناد الخيبة إلى كلٌّ منهم ما لا يخفى من المبالغة. (١) الكشاف ٣٧١/٢، وسيأتي عند تفسير الآية (١٧) من هذه السورة. (٢) مفردات ألفاظ القرآن: (جبر). (٣) ينظر مجاز القرآن، ومختار الصحاح: (عند). (٤) البحر المحيط ٥/ ٤١٢ . سُوَقُ ابْرَاهِيمٌ ٢٤٨ الآية : ١٦ ﴿مِّنْ وَرَآَبِهِ، جَهَُّ﴾ أي: من قُدَّامه وبَيْنَ يديه، كما قال الزجَّاج (١) والطبريُّ(٢) وقُطربُ وجماعةٌ، وعلى ذلك قوله: لُزومُ العصا تُحنَى عليها الأصابعُ(٣) أَليسَ ورائي إنْ تراخَتْ مَنِيَّتي ومعنى كونها قُدَّامه أنَّه مرصدٌ لها واقفٌ على شفيرها ومبعوثٌ إليها، وقيل: المرادُ مِن خَلْف حياته وبعدَها، ومِن ذلك قولُه: حَلَفتُ فلم أَترُكْ لنفسكَ رِيبةً وليس وراءَ اللهِ للمرءِ مَذهبُ(٤) وإليه ذهب ابنُ الأنباري(٥)، واستعمالُ («وراء)» في هذا وذاك بناء على أنَّها من الأضداد عند أبي عبيدة (٦) والأزهري(٧)، فهي من المشتركات اللفظية عندهما. وقال جماعة: إنَّها من المشترِكات المعنوية، فهي موضوعةٌ لأمرٍ عامٍ صادقٍ على القُدَّام والخلف، وهو: ما توارى عنك. وقد تُفسَّر بالزمان مجازًا، فيقال: الأمرُ من ورائك على معنى: أنَّه سيأتيك في المستقبل من أوقاتك. ﴿وَيُسْقَى﴾ قيل: عطف على متعلَّق ((من ورائه)) المقدَّر، والأكثرُ على أنَّه عطفٌ على مقدَّر جوابًا عن سؤال سائل، كأنَّه قيل: فماذا يكونُ إذن؟ فقيل: يَلقَى فيها ما يَلقَى ويُسقَى ﴿مِن قَّآءِ﴾ مخصوصٍ لا كالمياه المعهودة. ﴿صَدِيدٍ ١٦ قال مجاهد وقتادة والضحاك: هو ما يَسيلُ من أجساد أهلِ النار. وقال محمد بنُ (١) معاني القرآن ١٥٦/٣. (٢) في تفسيره ١٣/ ٦١٧. (٣) البيت للبيد، وهو في ديوانه ص١٧٠، وجاء في هامش (م): قوله : أترجو بنو مروان سمعي وطاعتي وقوم تميم والفلاة ورائيا وقوله : يكون وراءه فرج قريب عسى الكرب الذي أمسيت فيه انتھی منه. (٤) البيت النابغة الذبياني، وهو في ديوانه ص١٧ . (٥) النكت والعيون ١٢٨/٣، والقرطبي ١٢/ ١٢٠، والبحر المحيط ٤١٢/٥. (٦) مجاز القرآن ٣٣٧/١. (٧) تهذيب اللغة ١٥/ ٣٠٤. الآية : ١٧ ٢٤٩ سُورَةُ أَبْرَاهِيمٌ كعب والربيع: ما يسيلُ من فروج الزناة والزواني، وعن عكرمة: هو الدمُ والقیح. وأَعربَه الزمخشريُّ (١) عطفَ بيانٍ لـ ((ماء)»، وفي إبهامه أوَّلًا ثم بيانه من التهويل ما لا يخفى، وجواز عطف البيان في النكرات مذهبُ الكوفيين والفارسيِّ(٢)، والبصريُّون لا يرونَه، وعلى مذهبهم هو بدلٌ من ((ماء)) إن اعتُبِرَ جامدًا، أو نعتٌ إنْ اعتُبِرَ فيه الاشتقاق من الصدِّ، أي: المنع من الشرب، كأنَّ ذلك الماء لمزيد قُبحه مانعٌ عن شربه. وفي ((البحر)): قيل: إنَّه بمعنى مصدودٌ عنه، أي: لكراهته يُصدُّ عنه(٣). وإلى كونه نعتًا ذهب الحوفي وكذا ابنُ عطية، قال: وذلك كما تقول: هذا خاتمُ حديد(٤). وإطلاق الماء على ذلك ليس بحقيقة، وإنما أُطلقَ عليه باعتبار أنَّه بدَلُه. وقال بعضُهم: هو نعتٌ على إسقاطِ مفيدِ التشبيه كما تقول: مررتُ برجل أسد، والتقدير: مثل صديد، وعلى هذا فإطلاقُ الماء عليه حقيقة، وبالجملة تخصيصُ السَّقي من هذا الماء بالذكر مِن بين عذابها يدلُّ على أنَّه من أشدِّ أنواعه . ﴿يَتَجَزَّعُهُ﴾ جوَّز أبو البقاء كونَه صفةً لـ ((ماء))، أو حالًا منه، أو استئنافاً (٥)، وجوَّز أبو حيان(٦) كونَه حالاً من ضمير ((يُسقَى)). والاستئنافُ أظهرُ، وهو مبنيٌّ على سؤالٍ، كأنَّه قيل: فماذا يفعل به؟ فقيل: يتجرَّعُه، أي: يتكلَّفُ جَرْعَه مرَّةً بعد أُخرى لغلبة العطش واستيلاء الحرارة عليه. ﴿وَلَا يَكَادُ يُِيفُهُ﴾ أي: لا يُقارب أنْ يُسيغَه فضلًا عن الإساغة، بل يَغَصُّ به فيشرَبه بعد اللُّتيا والتي جُرعةً غِبَّ جُرعة، فيطول عذابُه تارةً بالحرارة والعطش، (١) الكشاف ٢/ ٣٧١. (٢) كما في البحر المحيط ٤١٣/٥. (٣) البحر المحيط ٤١٣/٥. (٤) المحرر الوجيز ٣٣١/٣. (٥) الإملاء ٣٩٦/٣. (٦) البحر المحيط ٤١٣/٥. سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ ٢٥٠ الآية : ١٧ وأُخرَى بشربه على تلك الحالة؛ فإنَّ السَّوغَ انحدارُ الماء انحدارَ الشراب(١) في الحَلْق بسهولةٍ وقبولِ نفس، ونفيُه لا يُفيد نَفْي ما ذُكر جميعًا. وقيل: تَفَعَّل مُطاوع فَعَّلَ، يقال: جَرَّعَه فَتَجَرَّع، وقيل: إنَّه موافقٌ للمجرَّد، أي: جَرَعه، كما تقول: عدا الشيءَ وتعدَّاه. وقيل: الإساغة: الإدخال في الجوف، والمعنى: لا يُقارِبُ أنْ يُدخله في جوفه قبل أنْ يَشرَبه، ثم شَرِبِه على حدٍّ ما قيل في قوله تعالى: ﴿فَذَتَجُهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١] أي: ما قاربوا قبل الذبح، وعبَّر عن ذلك بالإساغة لِمَا أنَّها المعهودةُ في الأشربة. أخرج أحمد والترمذيُّ والنسائيُّ والحاكم وصحَّحه وغيرُهم عن أبي أمامةَ عن النبيِّ وَّ أنَّه قال في الآية: ((يُقرَّبُ إليه فَيَتَكَرَّهُهُ فإذا أُدنِيَ منه شَوَى وَجْهَهُ ووقعتْ فَرْوةُ رأسِهِ، فإذا شَرِبَه قَطَّع أمعاءَه حتى يَخرُجَ من دُبُره، يقول الله تعالى: ﴿وَسُقُوا مَآءَ حَمِيعًا فَقَطَّعَ أَمْعَلَهُمْ﴾ [محمد: ١٥] وقال سبحانه: ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُوْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَلْمُهْلِ يَشْوِى الْوُجُوهُ﴾ [الكهف: ٢٩](٢) . و((يُسيغه)) بضمِّ الياء؛ لأنَّه يُقال: ساغَ الشرابَ وأَساغَه غيرُه، وهو الفصيح، وإنْ وَرَد ثلاثُّه متعدِّيًا أيضًا على ما ذكره أهلُ اللغة، وجملةُ ((ولا يكاد)) إلى آخره في موضع الحال من فاعل ((يَتَجَرَّعُه)) أو من مفعوله أو منهما جميعًا. ﴿وَيَأْتِيِهِ الْمَوْتُ﴾ أي: أسبابُه من الشدائد وأنواع العذاب، فالكلامُ على المجاز أو بتقدير مضافٍ ﴿مِن كُلِّ مَكَانٍ﴾ أي: من كلِّ موضعٍ، والمرادُ: أنَّه يُحيطُ به من جميع الجهات كما رُوي عن ابن عباس ﴿ًا، وقال إبراهيم التيميّ: من كلِّ مكانٍ من جسدِه حتى من أطرافِ شعره، ورُوي نحوُ ذلك عن ميمون بن مهران ومحمد بنِ كعب، وإطلاق المكان على الأعضاء مجازٌ، والظاهرُ أنَّ هذا الإتيان في الآخرة. (١) قوله: انحدار الشراب، ليس في الأصل، وأثبتناه من (م). (٢) المسند (٢٢٢٨٥)، وسنن الترمذي (٢٥٨٣)، والسنن الكبرى للنسائي (١١١٩٩)، والمستدرك ٣٥١/٢، قال الترمذي: هذا حديث غريب. الآية : ١٧ ٢٥١ سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ وقال الأخفش(١): أراد البلايا التي تُصيب الكافر في الدنيا سمّاها موتًا لشدَّتها، ولا يخفَى بُعدُه؛ لأنَّ سياق الكلام في أحوال الكافرِ في جهنَّمَ وما يلقى فيها. ﴿وَمَا هُوَ بِمَّيِّتٍ﴾ أي: والحال أنَّه ليس بميِّتٍ حقيقةً، كما هو الظاهر من مجيء أسبابه على أتمٍّ وجهٍ فيستريح مما غشيَهُ من أصناف الموبقات. ﴿وَمِنْ وَرَآبِهِ،﴾ أي: مِن بين يدَي مَن حُكم عليه بما مرَّ ﴿عَذَابٌ غَلِظٌ يَستقبلُ كلَّ وقتٍ عذابًا أشدَّ وأشقَّ مما كان قبله، وقيل: في ((ورائه)) هنا نحو ما قيل فيما تقدَّم أمامَه، وذِكر هذه الجملة لدفع ما يُتُوهَّم من الخِفَّة بحسب الاعتياد كما في عذاب الدنيا . وقيل: ضمير ((ورائه)) يعودُ على العذاب المفهوم من الكلام السابق لا على كلِّ جبار، وروي ذلك عن الكلبي. والمرادُ بهذا العذابِ قيل: الخلودُ في النار، وعليه الطبرسيُّ(٢)، وقال الفضيل(٣): هو قطعُ الأنفاس وحبسها في الأجساد. هذا وجوّز في ((الكشاف)) أنْ تكونَ هذه الآية - أعني قوله تعالى: (وَأَسْتَفْتَحُواْ) - إلى هنا منقطعةً عن قصة الرسل عليهم السلام، نازلةً في أهل مكة، طلبوا الفتحَ الذي هو المطرُ في سِنِيّهم التي أرسلت عليهم بدعوة رسول الله وَلايَ(٤)، فخيَّب سبحانه رجاءَهم، ولم يَسْقهم ووعدهم أن يَسْقيَهم في جهنّم بدلَ سقياهم صديدَ أهل النار، والواو على هذا قيل: للاستئناف، وقيل: للعطف إمَّا على قوله تعالى: (وَوَيْلٌ لِّلْكَفِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ) أو على خبر ((أولئك في ضلالٍ بعيد)) لقربه لفظًا ومعنّى. والوجهُ الأول أَوجهُ؛ لبعد العهد وعدمٍ قرينةٍ تخصيصٍ الاستفتاح بالاستمطار؛ (١) كما في البحر المحيط ٤١٣/٥. (٢) مجمع البيان ٢٠٨/١٣. (٣) في الأصل: الفضل، والمثبت من (م)، وهو الفضيل بن عياض، وأخرجه عنه ابن المنذر كما في الدر المنثور ٤/ ٧٤. (٤) أخرجه أحمد (٣٦١٣)، والبخاري (١٠٠٧)، ومسلم (٢٧٩٨) من حديث عبد الله بن مسعود سُورَةُ أَبْرَاهِيمَ ٢٥٢ الآية : ١٨ ولأنَّ الكلام على ذلك التقدير يتناولُ أهل مكة تناولاً أوَّليًّا، فإنَّ المقصود من ضرب القصة أنْ يعتبروا. ﴿وَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ مبتدأُ خبرُه محذوفٌ، أي: فيما يُتلَى عليكم صفتُهم التي هي في الغرابة كالمَثَل، كما ذهب إليه سيبويه(١)، وقوله سبحانه: ﴿أَعْمَلُهُمْ كَرَمَادٍ﴾ جملةٌ مستأنفٌ لبيان مَثَلِهم، ورجَّحَ ابنُ عطية (٢) كونَه مبتدأً وهذه الجملة خبره. وتعقّبه الحوفي بأنَّه لا يجوزُ؛ لخلوِّ الجملة عمَّا يربطُها بالمبتدأ، وليسَت نفسَه في المعنى لتستغني عن ذلك لظهور أن ليس المعنى: مثلهم هذه الجملة. وأجاب عنه السمينُ(٣) بالتزام أنَّها نفسه، لأنَّ ((مثل الذين)) في تأويل ما يُقال فيهم ويُوصَفُون به إذا وُصِفوا، فلا حاجةَ إلى الرابط، كما في قولك: صفةُ زيدٍ عِرضُه مصونٌ ومالُه مبذولٌ، قيل: ولا يخفَى حسنُهُ إلا أنَّ المثل عليه بمعنى الصفة، والمرادُ بالصفة اللفظ الموصوف به كما يقال: صفةُ زيدٍ أسمرُ، أي: اللفظ الذي يُوصَفُ به هو هذا . وهذا، وإنْ كان مجازًا على مجازٍ لكنَّه يُغتَفَر؛ لأنَّ الأولَ ملحَقٌ بالحقيقة لشهرته، وليس من الاكتفاء بعَوْد الضمير على المضاف إليه؛ لأنَّ المضاف ذُكِرَ توطئةً له؛ فإنَّ ذلك أضعفُ من بيت العنكبوت كما علمتَ. وذهب الكسائي والفراء(٤) إلى أنَّ ((مثل)) مُقْحَمٌّ، وتقدَّم ما عليه وله، وقال الحوفي: هو مبتدأٌ و((كرمادٍ)) خبرُه، و((أعمالُهم)) بدلٌ من المبتدأ بدلَ اشتمال كما في قوله : ما للجمال مَشْيُها وئيدًا أَجَنْدلا يَحْمِلْنَ أمْ حَديدا(٥) (١) ينظر الكتاب ٧١/١ - ٧٢، والبحر ٤١٤/٥. (٢) المحرر الوجيز ٣٣١/٣. (٣) الدر المصون ٨٢/٧. (٤) ينظر معاني القرآن ٧٢/٢ - ٧٢، والمحرر الوجيز ٣٣١/٣، والبحر المحيط ٤١٤/٥. (٥) البيت للزباء كما في أدب الكاتب ص٢٠٠، والأغاني ٣٢٠/١٥، ومغني اللبيب ص٧٥٨، وأوضح المسالك ص٢٣١، ومعاهد التنصيص ٣١٤/١، والوئيد: ذو صوت شدید. الآية : ١٨ ٢٥٣ سُورَةُ أَبْرَاهِيمٌ وفيه خفاءٌ، ولعلَّه اعتبر المضاف إليه. وفي ((الكشاف)) جواز كونه بدلاً من ((مثل الذين كفروا)) لكن على تقدير: مَثَلُ أعمالهم، فيكونُ التقديرُ: مَثَلُ الذين كفروا مَثَلُ أعمالهم كرمادٍ (١). قال في ((الكشف)): وهو بدلُ الكلِّ من الكلِّ، وذلك لأنَّ مَثَلُهم ومَثَلُ أعمالهم متَّحدان بالذات، وفيه تفخيم. اهـ. وقيل: إنَّه على هذا التقدير أيضاً بدلُ اشتمال؛ لأنَّ مَثَلَ أعمالهم كونُها کرمادٍ، ومثلُهم كونُ أعمالهم کرمادٍ، فلا اتِّحادَ، لكنَّ الأول سببٌ للثاني، فتأمَّل. والرَّماد معروفٌ، وعرَّفه ابنُ عيسى بأنَّه جسمٌ يَسحَقُه الإحراق سحْقَ الغبار، ويجمع على رُمُد في الكثرة، وأَرْمِدَة في القِلَّة، وشذَّ جمعُه على أفْعِلاء، قالوا: أَرْمِداء، كذا في ((البحر))(٢)، وذكر في ((القاموس)): أنَّ الأَرْمِدَاء كالأربعاء: الرَّماد (٣). ولم يَذکر اُنَّه جمٌ. والمرادُ بـ ((أعمالهم)) ما هو من باب المكارم كصلة الأرحام، وعتق الرقاب، وفداءِ الأسارى، وقَرْي الأضيافِ، وإغاثة الملهوفين وغيرٍ ذلك، وقيل: ما فعلوه لأصنامهم من القُرَب بزعمهم، وقيل: ما يعمُّ هذا وذاك، ولعلَّه الأَولَى. وجيء بالجملة على ما اختاره بعضُهم جوابًا لما يقال: ما بالُ أعمالهم التي عملوها حتى آلَ أمرُهم إلى ذلك المآل؟ إذ بُيِّن فيها أنَّها کرمادٍ ﴿أَشْتَذَتْ بِهِ الرِّيحُ﴾ أي: حملَتْه وأَسرعَت الذهاب به، فاشتدَّ من ((شَدَّ)) بمعنى ((عدا)»، والباء للتعدية أو للملابسة، وجوِّز أنْ يكون من الشِّدَّة بمعنى القوَّة، أي: قويَت بملابسة حَمْلِهِ. ﴿فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ العصفُ: اشتدادُ الريح، وُصِفَ به زمانُ هبوبها على الإسناد المجازيّ، كـ : نهاره صائمٌ وليله قائمٌ، للمبالغة. وقال الهروي: التقديرُ: في يومٍ عاصفِ الريح، فحذف الريح لتقدُّم ذكره كما في قوله: (١) ينظر الكشاف ٣٧٢/٢، والبحر المحيط ٤١٤/٥ . (٢) ٤١٤/٥. (٣) القاموس المحيط: (رمد). سُورَةُ ابْرَاهِيمَ ٢٥٤ الآية : ١٨ إذا جاءَ يومٌ مظلمُ الشمسِ كاسفُ(١) والتنوينُ على هذا عِوضٌ عن المضاف إليه، وضَعْفُ هذا القول ظاهرٌ، وقيل: إنَّ ((عاصف)) صفة ((الريح)) إلا أنَّه جُرَّ على الجوار، وفيه أنَّه لا يصحُّ وصفُ الريح به لاختلافهما تعريفاً وتنکیرًا . وقرأ نافع وأبو جعفر: ((الرياح)) على الجمع(٢)، وبه يشتدُّ فسادُ الوصفية، وقرأ ابنُ أبي إسحاق وإبراهيم بنُ أبي بكر عن الحسن: ((في يومِ عاصفٍ)) على الإضافة(٣)، وذلك عند أبي حيان من حذفِ الموصوفِ وإقامةِ الصفة مقامَه، والتقدير: في يومٍ ربحِ عاصفٍ(٤)، وقد يقال: إنَّه من إضافة الموصوف إلى الصفة من غير حاجةٍ إلى حذفٍ عند مَن يَرَی جواز ذلك. ﴿لَّا يَقْدِرُونَ﴾ أي: يوم القيامة ﴿مِنَّا كَسَبُوا﴾ في الدنيا من تلك الأعمال ﴿عَلَى شَىْءٌ﴾ ما، أي: لا يَرَون له أثرًا من ثواب أو تخفيفِ عذاب. ويؤيِّد التعميمَ ما ورد في الصحيح عن عائشة أنَّها قالت: يا رسول الله، إنَّ ابنَ جدعانَ في الجاهلية يَصلُ الرحمَ ويُطعمُ المسكين، فهل ذلك نافعه؟ قال: (لا ينفَعُه؛ لأنَّه لم يَقُل: ربِّي اغفر لي خطيئتي يوم الدين))(٥) . وقيل: الكلامُ على حذف مضاف، أي: لا يقدرون من ثوابٍ ما كسبوا على شيءٍ ما، والأَوَّلُ أَولَى، وقدم المتعلّق الأول لـ ((لا يقدرون)) على الثاني وعكس في البقرة لأهمية كلٌّ في آيته، وذلك ظاهرٌ لمن له أدنى بصيرة. وحاصلُ التمثيل تشبيهُ أعمالهم في حبوطها وذهابها هباءً منثورًا لابتنائها على (١) البحر المحيط ٤١٤/٥، والبيت لمسكين الدارمي، وهو في ديوانه ص٥٣، وصدره: وتضحك عرفان الدروع جلودنا وجاء في هامش (م): يريد كاسف الشمس. (٢) التيسير ص١٧٨، والنشر ٢٢٣/٢. (٣) القراءات الشاذة ص٦٨، والمحتسب ٣٦٠/١، والمحرر الوجيز ٣٣٢/٣، والبحر المحيط ٤١٥/٥. (٤) البحر المحيط ٤١٥/٥. (٥) أخرجه أحمد (٢٤٦٢١)، ومسلم (٢١٤). الآية : ١٩ ٢٥٥ سُورَةُ إبرَاهِيمَ غير أساسٍ من معرفة الله تعالى والإيمان به وكونها لوجهه = برمادٍ طيَّرته الريحُ العاصفُ وفرَّقْته، وهذه الجملة فذلكة ذلك والمقصود منه، قيل: والاكتفاء ببيان عدمٍ رؤيةِ الأثر لأعمالهم للأصنام، مع أنَّ لها عقوبات = للتصريح ببطلان اعتقادهم وزعمهم أنّها شفعاء لهم عند الله تعالى، وفيه تھُمٌ بهم. ﴿ذَلِكَ﴾ أي: ما دلَّ عليه التمثيلُ دلالةٌ واضحٌ من ضلالهم مع حسبانهم أنَّهم على شيء ﴿هُوَ الضَّلَلُ الْبَعِيدُ عن طريق الحقِّ والصواب، وقد تقدَّم تمامُ ١٨ الكلام في ذلك غير بعيدٍ. ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ خطابٌ للرسولِ وَلِّ، والمرادُ به أمتُه الذين بُعث إليهم، وقيل: خطابٌ لكلِّ واحدٍ من الكفرة؛ لقوله تعالى: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ [الآية: ١٩] والرؤية رؤيةُ القلب، وقوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ﴾ سادٌّ مسدّ مفعوليها، أي: ألم تعلم أنَّه تعالى خَلَقَهما ﴿بِالْحَقِ﴾ أي: ملتبسةً بالحكمة والوجهِ الصحيح الذي یحقُّ أنْ يخلق عليه. وقرأ السلميُّ: ((ألم تَرْ)) بسكون الراء (١)، ووَجْهُهُ أنَّه أجرى الوصلَ مجرَى الوقف، قال أبو حيان: وتوجيهٌ آخرُ وهو أنَّ ((تَرَى)) حَذفَت العربُ ألفها في قولهم: قام القوم ولو تَرَ ما زيدٌ، كما حذفت ياءً: لا أُبَالي، وقالوا: لا أُبالٍ، فلمَّا دَخَل الجازمُ تُخيِّل أنَّ الراء هي آخرُ الكلمة، فسُكِّنَت للجازم، كما قالوا في: لا أبالِ، لم أُبَلْ، تخيَّلوا اللام آخرَ الكلمة(٢). والمشهور التوجيهُ الأول. وقرأ الأخوان: ((خالقُ السماواتِ والأرضِ)) بصيغة اسم الفاعل، والإضافة، وجرِّ ((الأرض))(٣). ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ يعدمْكم أيُّها الناس، كما قاله جماعةٌ، أو أيُّها الكفرة أي: یخلقُ بدلَکم ١٩ - كما رُوي عن ابن عباس - بالمرَّة. ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ خلقًا مستأنَفًا، لا علاقةَ بينكم وبينهم، والجمهورُ على أنَّه من جنس الآدميِّين، وذهب آخرون إلى أنَّه أعمُّ من أنْ يكونَ من ذلك الجنس أو من غيره. (١) المحتسب ٣٦٠/١، والمحرر الوجيز ٣٣٢/٣، والبحر المحيط ٤١٥/٥. (٢) البحر المحيط ٤١٥/٥ - ٤١٦. (٣) التيسير ص١٣٤، والنشر ٢٩٨/٢، وهي قراءة خلف أيضًا. سُورَةُ أَبْرَاهِيمٌ ٢٥٦ الآيتان : ٢٠ - ٢١ أورَدَ سبحانه هذه الشرطيَّة بعد أنْ ذَكَرَ خَلْقَه السماواتِ والأرضَ إرشادًا إلى طريق الاستدلال، فإنَّ مَن قَدَر على خلقِ مثل هاتيك الأجرام العظيمة، كان على إعدام المخاطَبين وخَلْقِ آخرين بدَلَهم أقدرَ، ولذلك قال سبحانه: ﴿وَمَا ذَلِكَ﴾ أي: المذكور من إذهابكم والإتيان بخلقٍ جديدٍ مكانكم ﴿عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ ﴾﴾ بمتعذّر أو متعسِّر، فإنَّه سبحانه وتعالى قادرٌ بذاته لا باستعانةٍ وواسطةٍ على جميع المُمكنات، لا اختصاص له بمقدورٍ دون مقدور. وهذه الآية على ما في ((الكشاف)) بيانٌ لإبعادهم في الضلال وعِظَم خَطْبهم في الكفر بالله تعالى، لوضوح آياتِهِ الشاهدة له، الدالة على قدرته الباهرةِ وحکمتِهِ البالغةِ، وأَنَّه هو الحقيقُ بأنْ يُؤْمَنَ به، ويُرجى ثوابُه، ويُخشى عقابُهُ(١). ﴿وَبَرَزُواْ لِِّ جَمِيعًا﴾ أي: يبرُزون يوم القيامة، وإيثار الماضي لتحقُّق الوقوع، أو لأنَّه لا مضيَّ ولا استقبالَ بالنسبة إليه سبحانه، والمرادُ ببروزهم لله ظهورهم من قبورهم للرَّائينَ لأجل حساب الله تعالى، فاللامُ للتعليل، وفي الكلام حذفُ مضافٍ. وجوِّز أنْ تكونَ اللامُ صلةَ البروز وليس هناك حذفُ مضافٍ، ويُراد: أنَّهم ظهروا له عزَّ شأنه عند أنفسهم وعلى زعمهم، فإنَّهم كانوا يظنُّون عند ارتكابهم الفواحشَ سرًّا أنَّها تخفَى على الله تعالى، فإذا كان يوم القيامة انكشَفُوا له تعالى عند أنفسهم، وعلموا أنَّه لا تخفَى عليه جلَّ شأنه خافية، وقال ابنُ عطية: معنى (برزوا)) صاروا بالبراز، وهي: الأرضُ المثَّسِعةُ، فاستُعير ذلك لمجمع يومٍ القيامة(٢). وهذا ميلٌ إلى التعليل والحذف. ونقل الإمامُ عن الحكماء في تأويل البروز: أنَّ النفس إذا فارقَت الجسد، فكأنَّه زال الغطاء وبقِيَت مجرَّدة بذاتها عاريةً عن كلِّ ما سواها، وذلك هو البروزُ لله تعالى(٣). وهو كلامٌ تعدُّه العرب من الأحاجي، ولذا لم يلتفت إليه المحدِّثون. (١) الكشاف ٣٧٢/٢. (٢) المحرر الوجيز ٣٣٢/٣. (٣) تفسير الرازي ١٩/ ١٠٧. الآية : ٢١ ٢٥٧ سُورَةٌ إبرَاهِيمٌ وقرأ زيد بن عليٍّ ◌ِ﴿ه: ((وبُرِّزُوا)) مبنيًّا للمفعول وبتشديد الراء (١)، والمرادُ: أظهرَهم الله تعالى وأخرجهم من قبورهم لمحاسبته. ﴿فَقَالَ الضُّعَفَّؤْا﴾ جمعُ: ضعيفٍ، والمرادُ ضعافُ الرأي وهم الأتباع، وكتب في المصحف العثماني بواو قبل الهمزة، ووجه ذلك بأنَّه على لفظ من يُفخِّم الألف قبل الهمزة فيُميلها إلى الواو، ونظيرُه ﴿عُلَمَُّّأَ بَنِىّ إِسْرَةِيلَ﴾(٢) [الشعراء: ١٩٧] ورَدَّ ذلك الجعبريُّ قائلًا: إنَّه ليس من لغة العرب ولا حاجةً للتوجيه بذلك؛ لأنَّ الرسم سُنَّةٌ مِتَّبعة، وزعَمَ ابنُ قتيبة أنَّه لغةٌ ضعيفةٌ (٣)، ولو وُجِّه بأنَّه اتباٌ للفظه في الوقف، فإنَّ من القرَّاء مَن يقف في مثل ذلك بالواو = كان حسنًا صحيحًا. كذا ذكر، فليُراجَع(٤). ولعلَّ مَن أَنصفَ لا يَرَى أحسنَ من ترك التوجيه. ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ أي: لرؤسائهم الذين استَتْبعوهم واستَغْووهم: ﴿إِنَّا كُنَّا﴾ في الدنيا ﴿لَكُمَّ تَبَعًا﴾ في تكذيب الرسل عليهم السلام والإعراض عن نصائحهم، وهو جمعُ: تابعٍ، کخادم وخَدَمٍ، وغائب وغَیَبٍ، أو اسمُ جمع لذلك، ولم یذُر كونه جمعًا في ((البحر))(٥). أوَ هو مصدرٌ نُعِتْ به مبالغةً، أوّ بتأويل أو بتقدير مضافٍ، أي: تابعين، أو ذوي تَبَع؛ وبه على سائر الاحتمالات يتعلَّق الجارُّ والمجرور، والتقديم للحصر، أي: تبعًا لكم لا لغيركم. وقيل: المعنى: إنَّا تَبَعٌ لكم لا لرأينا، ولذا سمَّاهم الله تعالى ضعفاء، ولا يلزم منه كون الرؤساءِ أقوياءَ الرأي، حيث ضلُّوا وأَضلُّوا، ولو حُمل الضعف على كونهم تحت أيديهم وتابعين لهم كان أحسنَ، وليس بذاك. ﴿فَهَلْ أَنْتُم مُغْنُونَ عَنَا﴾ استفهامٌ أُرِيدَ به التوبيخُ والتقريع، والفاءُ للدلالة على سبيّة الاتِّباع للإغناء، وهو من الغَنَاء بمعنى الفائدة، وضُمِّن معنى الدفع، ولذا عدِّي بـ ((عن)) أي: إنّا أنَّبعناكم فيما كنتُم فيه من الضلال، فهل أنتم اليومَ دافعون (١) البحر المحيط ٤١٦/٥. (٢) البحر المحيط ٤١٦/٥. (٣) حاشية الشهاب ٥/ ٢٦١. (٤) ينظر: التيسير ص ٤١، وجامع البيان للداني ٢٨٣/١-٢٨٤، والنشر ٤٦٨/١ و٤٩٠. (٥) ٤١٦/٥. الآية : ٢١ ٢٥٨ سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ عنَّا ﴿مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِن شَىْءٍ﴾ أي: بعض الشيء، الذي هو عذابُ الله تعالى بناءً على ما قيل: إنَّ (مِن)) الثانية للتبعيض واقعة موقعَ المفعول للوصف السابق، والأُولى للبيان وهي واقعةٌ موقع الحال من مجرور الثانية؛ لأنَّها لو تأخّرت كانت صفةً له، وصفةُ النكرة إذا قُدِّمَت أُعربَت حالًا . واعتُرض هذا الوجه بأنَّ فيه تقديم ((مِن)) البيانيَّة على ما تُبيِّنه وهو لا يجوز، وكذا تقديم الحال على صاحبها المجرور. وأجيبَ بأنَّ في كلٍّ من هذين الأمرَين اختلافًا، وقد أجاز جماعةٌ تقديمَ ((مِن» البيانية، وصُحِّحَ ذلك، لأنَّه إنَّما يفوتُ بالتقديم الوصفية لا البيانية، وكذا أجازَ كثيرٌ كابن كيسان وغيره تقديمَ الحال على صاحبها المجرور، فلعلَّ الذاهب إلى هذا الوجه في الآية يرى رأي المُجوِّزين لكلِّ من التقديمَين. وقال بعض المدقِّقين: جاز تقديمُ هذه الحال؛ لأنَّها في الحقيقة عمَّا سدَّ مسدَّه ((من شيء))، أعني: بعض، لا عن المجرور وحدَه، وفيه من البعد ما لا يخفى. وجوِّز أنْ تكونَ الأُولَى والثانية للتبعيض، والمعنى: هل أنتم مُغنون عنَّا بعضَ شيءٍ هو بعضُ عذابِ الله تعالى؛ والإعراب كما سبق. واختار بعضُهم على هذا كونَ الحال عمَّا سدَّ مسدّه ((من شيء))، إذ لو جعل حالًا عن المجرور لآل الكلامُ إلى: هل أنتم مغنون عنَّا بعضَ بعضٍ عذاب الله تعالى، ولا معنى له، وفيه أنَّه يُفید المبالغةَ في عدم الغَنَاء كقولهم: أقلُّ من القليل، فتَفْيُ المعنَى لا معنَى له. ولا يصحُّ الإلغاء؛ إذ لا يصحُّ أنْ يتعلَّق بفعلٍ ظرفان مِن جنسٍ دون ملابسةٍ بينهما تُصَحِّح التبعيَّة . وجَعْل الثاني بدلًا من الأول يأباه - كما في ((الكشف)) - اللفظُ والمعنى؛ وقد تعقّب أبو حيان توجيهَ التبعيض في المكانَين كما سمعتَ بأنَّ ذلك يقتضي البدليَّةَ، فيكون بدلَ عامٍّ من خاصٌّ؛ لأنَّ ((من شيء)» أعمُّ من قوله: ((من عذاب))، وهذا لا يقال؛ لأنَّ بعضيَّةَ الشيء مطلقةٌ، فلا يكون لها بعضٌ (١)، ومما ذكرنا يُعلَم ما فيه. (١) البحر المحيط ٥/ ٤١٧. الآية : ٢١ ٢٥٩ سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ وجوِّز أنْ تكون الأُولَى مفعولًا، والثانية صفة مصدرٍ سادَّة مسدّه، والشيء عبارة عن إغناءٍ ما، أي: فهل أنتم مُغنون عنَّا بعضَ عذاب الله بعض الإغناء. وتُعقّب بأنَّه يلزم على هذا أنْ يتعلَّق بعاملٍ ظرفان، إلى آخر ما سمعْتَ آنفًا، وفيه نظرٌ؛ لأنَّه لكون أحدهما في تأويل المفعول به، والآخر في تأويل المفعول المطلق، صحَّ التعلَّق ولم يكونا من جنسٍ واحدٍ، وقد يقال: إنَّ تقييد الفعل بالثاني بعد اعتبار تقييده بالأول، فليس العاملُ واحدًا. ونصَّ الحوفي وأبو البقاء(١) على أنَّ ((من)) الثانية زائدةٌ للتوكيد، وسَوَّغ زيادتها تقدُّم الاستفهام الذي هو هنا في معنى النفي، و((مِن عذاب الله)) إما متعلِّقٌ بـ ((مغنون)) أو متعلِّق بمحذوفٍ وقَعَ حالًا من ((شيء)» أي: شيئًا كائنًا من عذاب الله تعالى، أو مغنون مِن عذاب الله تعالى غناءً ما . ﴿قَالُواْ﴾ أي: المستكبرون جوابًا عن توبيخ الضعفاء وتقريعهم واعتذارًا عمَّا فعلوا بهم: ﴿لَوْ هَدَننَا اللَّهُ﴾ إلى الإيمان ووقَّقنا له ﴿لَدَيْنَكُمْ﴾ ولكن ضَلَلْنا فَضَلَّلْناكم، أي: اخترنا لكم ما اخترنا لأنفسنا، وحاصلُه على ما قيل: إنَّ ما كان منَّا في حقِّكم هو النصحُ، لكن قصرنا في رأينا. وقال الزمخشريُّ: إِنَّهم وَرَّكوا الذنبَ(٢) في ضلالهم وإضلالهم على الله تعالى وكَذَبُوا في ذلك، ويدلُّ على وقوع الكذب من أمثالهم يوم القيامة قولُه تعالى حكايةً عن المنافقين: ﴿يَوْمَ بَُهُمُ اَللَّهُ حَمِيعًا فَتْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَى شَىْءٍ﴾ [المجادلة: ١٨]. وقد خالف في ذلك أصول مشايخه؛ لأنَّهم لا يُجوِّزون صدور الكذب عن أهل القيامة، فلا يُقبَل منه، وجوَّز أنْ يكونَ المعنى: لو كنّا من أهل اللطف فلَطَف بنا ربُّنا واهتدينا لهديناكم إلى الإيمان(٣)، ونقل ذلك القاضي وزيَّفه كما ذكره الإمام(٤). (١) إملاء ما منَّ به الرحمن ٤٠٢/٣ - ٤٠٣. (٢) قال ابن منظور في اللسان (ورك): ورَّك فلان ذنبه على غيره توريكًا، إذا أضافه إليه، وإنه لمورَّك في هذا الأمر، أي: ليس له فيه ذنب. (٣) الکشاف ٣٧٣/٢. (٤) تفسير الرازي ١٠٩/١٩، والقاضي هو عبد الجبار. سُورَةُ إبرَاهِيمٌ ٢٦٠ الآية : ٢١ وقيل: المعنى: لو هدانا الله تعالى إلى الرَّجعة إلى الدنيا فتُصلح ما أفسدناه لهديناكم، وهو كما ترى. وقال الجُبَّائي وأبو مسلم: المرادُ: لو هدانا الله تعالى إلى طريق الخلاص من العقاب والوصولِ إلى النعيم والثوابٍ لهديناكم إلى ذلك. وحاصلُه: لو خَلَصنا لخلَّصناكم أيضًا، لكنْ لا مطمعَ فيه لنا ولكم. قال الإمام: والدليل على أنَّ المراد من الهدى هو هذا أنَّه الذي طلبوه والتمسوه(١). ﴿سَوَآءُ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا﴾ مما لَقِينا ﴿أَ صَبِرْنَا﴾ على ذلك، و((سواء)) اسمٌ بمعنى الاستواء مرفوعٌ على الخبرية للفعل المذكور بعده؛ لأنَّه مجرَّدٌ عن النسبة والزمان، فحكمه حكم المصدر. والهمزة و((أم)) قد جُرِّدتا عن الاستفهام لمجرَّد التسوية، ولذا صارت الجملةُ خبريةً فكأنَّه قيل: جَزَعُنا وصَبْرُنا سواءٌ علينا، أي: سيَّان، وإنما أفرد الخبر لأنَّه مصدرٌ في الأصل. وقال الرضي في مثله: إنَّ ((سواء)» خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: الأمران سواءٌ، ثم بَيَّن الأمرَين بقولهم: ((أجزعنا أم صبرنا)). وما قيل: من أنَّ ((سواء)» خبرُ مبتدأ محذوفٍ، والجملةُ جزاءٌ للجملة المذكورة بعدُ لتضمُّنها معنى الشرط، وإفادة همزة الاستفهام معنى ((إنْ)) لاشتراكهما في الدلالة على عدم الجزم، والتقدير: إنْ جَزَعْنا أم صبرنا فالأمران سيَّان - فتكلُّفٌ كما لا يخفى. والجزعُ: حزنٌ يَصرِف عمَّا يُراد، فهو حزنٌ شديدٌ. وفي ((البحر)): هو عدمُ احتمال الشدّة، فهو نقيضُ الصَّبر (٢)، وإنما أسندوا كلَّا من الجزع والصبر واستوائهما إلى ضمير المتكلِّم المنتظِم للمخاطَبين أيضًا مبالغةً في النهي عن التوبيخ بإعلامهم أنَّهم شركاء لهم فيما ابتُلُوا بَه وتسليةً لهم. وجوِّز أنْ يكون هذا من كلام الفريقَين، فهو مردودٌ إلى ما سيق له الكلام وهو (٣) الفريقان، ولا نظَرَ إلى القرب كما قيل في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِي لَمْ (١) المصدر السابق ١٠٩/١٩. (٢) البحر المحيط ٤١٤/٥. (٣) في (م): وهم.