النص المفهرس
صفحات 201-220
التفسير الإشاري (٢٠-٤٣) ٢٠١ سُورَةُ الرَّحْدِ ويثبتُ فيها أنوار الأذكار، ويمحو عن أوراق القلوب(١) علومَ الحدثان، ويثبتُ فيها لِدُنِّيَّات علم العرفان، وقيل: يمحو العارفين بكشف جلاله، ويُثبتهم في وقتٍ آخر بلطفِ جماله، وقال ابنُ عطاء: يمحو أوصافَهم، ويُثبت أسرارَهم؛ لأنها موضعُ المشاهدة. وقيل: يمحو ما يشاء عن الألواح الجزئيَّة التي هي النفوسُ السماويَّة من النقوش الثابتة فيها، فيعدم عن المواد ويفني، ويثبتُ ما يشاء فيها فيوجد. ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَبِ﴾ العلمُ الأزليُّ القائمُ بذاته سبحانه، وقيل: لوحُ القضاء السابق الذي هو عقلُ الكلِّ، وفيه كلُّ ما كان ويكون أزلاً وأبداً على الوجهِ الكليِّ المنَّهِ عن المحوِ والإثبات. وذكروا أن الألواح أربعةٌ: لوحُ القضاء السابق العالي عن المحو والإثبات، وهو لوحُ العقل الأول، ولوحُ القدر، وهو لوحُ النفس الناطقة الكلية التي يُفصل فيها كلياتُ اللوح الأول، وهو المسمَّى باللوح المحفوظ، ولوحُ النفوس الجزئيَّة السماويَّة التي يُنتقش فيها كلُّ ما في هذا العالم بشكله وهيئته ومقداره، وهو المسمَّى بالسماء الدنيا، وهو بمثابة خيال العالم، كما أنَّ الأول بمثابة روحه، والثاني بمثابة قلبه، ثم لوحُ الهُيولى القابلُ للصور في عالم الشهادة. اهـ. وهو كلامٌ فلسفي. ﴿أَلَمْ يَرَوْ أَنَّا نَأْتِ اٌلْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ قيل: ذلك بذهابٍ أهل الولاية الذين بهم عمارةُ الأرض، وقيل: الإشارةُ أنَّا نقصِدُ أرضَ الجسد وقت الشيخوخة، ننقُصُها من أطرافها بضعفِ الأعضاء والقوى الظاهرة والباطنة شيئاً فشيئاً، حتى يحصلَ الموتُ، أو نأتي أرضَ النفس وقتَ السلوك ننقُصُها من أطرافها بإفناء أفعالها بأفعالنا أوَّلاً، وبإفناء صفاتها بصفاتنا ثانياً، وبإفناء ذاتها في ذاتنا ثالثاً. ﴿لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِةٍ﴾ لا رادَّ ولا مبدِّل لكلِّ ما حكم به، نسألُ الله تعالى أن يحكُّمَ لنا بما هو خيرٌ وأولى في الآخرة والأولى، بحرمةِ النبيِّ وََّ وشرَّفَ وعظّم وكرَّم. (١) في الأصل: العقول، والمثبت من (م). سُؤْدَةُ ابْرَاهِيمٌ أخرج ابنُ مردويه عن ابن عباس وابن الزبير أنَّها نزلت بمكة (١)، والظاهرُ أنَّهما أرادا أنَّها كلَّها كذلك، وهو الذي عليه الجمهور، وأخرج النَّحاسُ في (ناسخه)) عن الحبر أنَّها مِّيةٌ إلا آيتين منها فإنَّهما نزلَتا بالمدينة، وهما: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ الَّهِ كُفْرًا﴾ الآيتين [إبراهيم: ٢٨ - ٢٩] نَزلَتا في قتلَى بدر من المشركين(٢)، وأخرج نحوَه أبو الشيخ عن قتادة(٣)، وقال الإمام: إذا لم يكن في السورة ما يَتَّصل بالأحكام فنزولُها بمكةَ والمدينة سواءٌ، إذ لا يختلف الغرضُ فيه إلا أنْ يكونَ فيها ناسخٌ أو منسوخٌ فتظهرُ فائدتُه(٤). يعني أنَّه لا يختلفُ الحالُ وتظهر ثمرتُه إلا بما ذكر، فإنْ لم يكن ذلك فليس فيه إلا ضبطُ زمانِ النزول، وكفَى به فائدةً. وهل في هذه السورةِ منسوخٌ أَوْ لا؟ قولان، والجمهورُ على الثاني، وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنَّ فيها آيةً منسوخةً، وهي قوله تعالى: ﴿وَإِن تَعُذُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُخْصُوهَاْ إِنَ الْإِنسَنَ لَظَلُومُ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤] فإنَّه قد نُسِخَت باعتبار الآخر بقوله تعالى في سورة النحل: ﴿وَإِن تَعُدُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُخْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨] وفيه نظرٌ. وهي إحدى وخمسون آيةً في البصري، وقيل: خمسون فيه، واثنتان وخمسون في الكوفي، وأربعٌ في المدني، وخمسٌ في الشامي. (١) الدر المنثور ٦٩/٤، وأخرج أثر ابن عباس ﴿هما ابن الضريس في فضائل القرآن ص٣٤. (٢) الناسخ والمنسوخ ٢/ ٤٨٠. (٣) وأخرجه النحاس في الناسخ والمنسوخ ٢/ ٤٨٠. (٤) تفسير الرازي ١٩/ ٧٢. ٢٠٣ سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ وارتباطها بالسورة التي قبلها واضحٌ جدّاً؛ لأنَّه قد ذُكر في تلك السورة من مَدْح الكتاب وبيان أنَّه مُغْنِ عمَّا اقترحوه ما ذُكِر، وافتُتِحَت هذه بوصف الكتاب والإيماء إلى أنَّه مُغنِ عن ذلك أيضاً، وإذا أُريد بـ ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ، عِلْمُ الْكِنَبِ﴾ [الرعد: ٤٣] الله تعالى، ناسبَ مطلعُ هذه ختامَ تلك أشدَّ مناسبة. وأيضاً قد ذُكر في تلك إنزالُ القرآن حكماً عربيّاً، ولم يُصرَّح فيها بحكمة ذلك، وصُرِّح بها هنا . وأيضاً تضمّنت تلك الإخبار مِن قِبَلِهِ تعالى بأنَّه ما كان الرسول أنْ يأتيَ بآيةٍ إلا بإذن الله تعالى، وتضمَّنَت هذه الإخبار به من جهة الرسل عليهم السلام وأنَّهم قالوا: ما كان لنا أن نأتيَ بسلطان إلا بإذن الله. وأيضاً ذُكر هناك أمرُه عليه الصلاة والسلام بأن (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ) وحُكي هنا عن إخوانه المرسلين عليهم السلام توّلُهم عليه سبحانه، وأمرهم بالتوكل عليه جلَّ شأنه. واشتَملَت تلك على تمثيلٍ للحقِّ والباطل، واشتمَلَت هذه على ذلك أيضاً بناءً على بعض ما ستسمعُه إن شاء الله تعالى في قوله سبحانه: ﴿مَثَلًا كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ﴾ [إبراهيم: ٢٤] إلى آخره. وأيضاً ذكر في الأُولى مِن رفع السماء ومدِّ الأرض وتسخير الشمس والقمر إلى غير ذلك ما ذكر، وذكر هنا نحو ذلك إلا أنَّه سبحانه اعتبر ما ذكر أولاً آياتٍ وما ذكر ثانياً نِعَماً، وصرَّح في كلِّ بأشياءَ لم يُصرِّح بها في الآخر. وأيضاً قد ذكر هناك مكر الكفرة، وذكر هنا أيضاً، وذكر من وصفه ما لم يذكر هناك. وأيضاً قال الجلال السيوطي: إنه ذكر في الأولى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَغْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ [الرعد: ٣٢] وذلك مجمَلٌ في أربعة مواضع: الرسل، والمُستهزِئين، وصفة الاستهزاء، والأخذ، وقد فصِّلَت الأربعة في قوله سبحانه: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [إبراهيم: ٩] الآيات(١). (١) تناسق الدرر في تناسب السور ص٦١. الآية : ١ ٢٠٤ سُوْدَةُ ابْرَاهِيمٌ وقد اشتركَت السورتان ممَّا عدا افتتاح كلٍّ منهما بالمتشابه بأنَّ كلَّا قد افتتح بالألف واختتم بالباء، وجُمِعًا أيضاً في آخر ما خُتما به، وبَقي مناسبات بينهما غير ما ذكرنا لو ذكرناها لطالَ الكلامُ، والله تعالى أعلم بما في كتابه. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿الَرَّ﴾ُ مرَّ الكلامُ فيما يتعلَّق به ﴿كِتَبُ﴾ جوِّز فيه أنْ يكون خبراً لـ ((الر)) على تقدير كونه مبتدأً، أو لمبتدأ مضمَرٍ على تقدير كونه خبراً لمبتدأ محذوفٍ، أو مفعولاً لفعلٍ محذوف، أو مسروداً على نمط التعديد. وجوِّز أن يكونَ خبراً ثانياً للمبتدأ الذي أُخبِرَ عنه بـ ((الر)»، وأن يكونَ مبتدأً، وسَوَّغْ الابتداءَ به كونُه موصوفاً في التقدير، أي: كتابٌ عظيمٌ، وقوله تعالى: ﴿أَنَزَلَْهُ إِلَيْكَ﴾ إمَّا في موضع الصفة أو الخبر، وهو مع مبتدآته قيل: في موضع التفسير. وفي إسناد الإنزال إلى ضمير العظمةِ ومخاطبتِهِ عليه الصلاة والسلام مع إسناد الإخراج إليه وَّهه في قوله سبحانه: ﴿لِنُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ﴾ = ما لا يخفى من التفخيم والتعظيم. واللام متعلِّقة بـ ((أنزلناه)). والمرادُ من الناس جميعُهم، أي: أنزلناه إليك لتخرجَهم كافَّةً بما في تضاعيفه من البيِّئات الواضحة المفصِحَة عن كونه من عند الله تعالى، الكاشفة عن العقائد الحقَّة من عقائد الكفر والضلال، وعبادةِ الله عزَّ وجل من الآلهة المختلفة كالملائكة وخواصِ البشر والكواكب والأصنام التي كلُّها ظلماتٌ محضةٌ وجهالاتٌ صرفةٌ إلى الحقِّ المؤسّس على التوحيد، الذي هو نورٌ بحثٌ. وقرئ: (لِيَخْرُجَ الناسُ)) بالياء التحتانية(١) في ((يخرج)) ورفع ((الناس)) به. ﴿پِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ أي: بتيسيره وتوفيقه تعالى، وهو مستعارٌ من الإذن الذي يوجب تسهيل الحجاب لمن يقصد الورود، ويجوز أن يكون مجازاً مرسلاً بعلاقة اللزوم، وقال (١) القراءات الشاذة ص٦٨ . الآية : ١ ٢٠٥ سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ مُحيي السنة: إذنه تعالى أمره (١)، وقيل: علمُه سبحانه، وقيل: إرادته جلَّ شأنه، وهي - على ما قيل - متقاربةٌ، ومنع الإمامُ أنْ يُرادَ بذلك الأمر أو العلم(٢)، وعللَّه بما لا يخلو عن نظر. وفي الكلام على ما ذكر أوَّلاً ثلاثُ استعارات؛ إحداها ما سمعت في الإذن، والأُخرَيَان في ((الظلمات)) و((النور)) وقد أُشيرَ إلى المراد منهما. وجوَّز العلامة الطيبي أنْ تكون كلُّها استعارةً مركبةً تمثيليةً بتصوير الهدى بالنور، والضلالِ بالظلمة، والمكلَّفِ المنغمس في ظلمة الكفر، بحيث لا يتسهّل له الخروجُ إلى نور الإيمان إلا بتفضُّل الله تعالى بإرسال رسولٍ بكتابٍ يُسهِّلُ عليه ذلك؛ کمن وقع في ◌ِبْهِ مُظلم ليس منه خلاصٌ، فبعثَ ملكٌ توقيعاً لبعض خواصِّه في استخلاصه، وضَمِن تسهيلَ ذلك على نفسه، ثم استعمل هنا ما كان مستعملاً هناك فقيل: ((كتابٌ أنزلناه)) إلى آخره. وكان الظاهر: بإذننا، إلا أنَّه وضع ذلك الظاهر موضع الضمير، وقيل: ((ربهم) للإشعار بالتربية واللطف والفضل، وبأنَّ الهدايةَ لطفٌ محضّ، وفيه أنَّ الكتاب والرسول والدعوة لا تُجدي دون إذن الله تعالى كما قال سبحانه: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]. اهـ. وما ذكره من الاستعارة التمثيليةِ مع بلاغته وحُسنه لا يخلُو عن بُعد، وكأنَّه للإنباء عن كون التيسير والتوفيق مَنوطَين بالإقبال إلى الحقِّ، كما يُفصح عنه قوله تعالى: ﴿وَهْدِىّ إِلَيْهِ مَنْ أَنَبَ﴾ [الرعد: ٢٧] استُعير لذلك الإذن الذي هو ما علمتَ، وأُضيفَ إلى ضمير ((الناس)) اسمُ الرَّبِّ المُفصح عن التربية التي هي عبارةٌ عن تبليغ الشيء إلى كماله المتوجّه إليه، وشمولُ الإذن بذلك المعنى للكلِّ واضحٌ، وعليه يدورُ كونُ الإنزال لإخراجهم جميعاً، وعدمُ تحقّق الإذن بالفعل في بعضهم لعدم تحقَّق شرطِه المستنِدِ إلى سوء اختيارهم ورَدَاءة استعدادِهم غيرُ مُخلِّ بذلك. ومن هنا فسادُ قول الطبرسي (٣): إنَّ اللام لامُ الغرض لا لامُ العاقبةِ وإلا لزمَ أن يكونَ جمیعُ الناس مؤمنين والواقعُ بخلافه . (١) تفسير البغوي ٢٥/٣. (٢) تفسير الرازي ٧٤/١٩. (٣) مجمع البيان ١٩٦/١٣. الآية : ١ ٢٠٦ سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ وذكر الإمامُ(١) أنَّ المعتزلة استدلُّوا بهذه الآيةِ على أنَّ أفعالَ الله تعالى تُعلَّلُ برعاية المصالح، ثمَّ ساق دليلَ أصحابه على امتناع ذلك، وذكر أنَّه إذا ثَبَت الامتناعُ يَلزم تأويلُ كلِّ ما أشعَرَ بخلافه، وتأويلُه بحملِ اللام على لام العاقبة ونحوها . ونُقل عن ابن القَيِّم (٢) وغيرِهِ القولُ بالتعليل، وأنَّه مذهب السلف، وأنَّ في الكتاب والسنة ما يزيدُ على عشرة آلاف موضعٍ ظاهرةٌ في ذلك، وتأويلُ الجميع خروجٌ عن الإنصاف، وليس الدليل على امتناع ذلك من المتانةِ على وجهٍ يضطرُّ معه إلى التأويل. وللشيخ إبراهيم الكوراني في بعض رسائله كلامٌ نفيسٌ في هذا الغرض سالمٌ - فيما أرى - عن العلَّة، إنْ أردتَه فارجع إليه. والباء متعلّقةٌ بـ (تُخرِج)) على ما هو الظاهر، وجوِّز أنْ يكون متعلِّقاً بمضمَرٍ وقع حالاً من مفعوله، أي: مُلتبسين بإذن ربِّهم، ومنهم مَن جوَّز كونَه حالاً من فاعله، أي: مُلتبساً بإذن ربِّهم. وتعقِّب بأنَّه يأباه إضافةُ الربِّ إليهم لا إليه وَِّ. ورُدَّ بما ردًّ فتأمَّل. واستدلَّ بالآية القائلون بأنَّ معرفةَ الله تعالى لا تحصُل إلا مِن طريق التعليم من الرسول وَ﴿ل حيث ذكر فيها أنَّه عليه الصلاة والسلام هو الذي يُخرجُ الناس من ظلمات الضلال إلى نور الهدى، وأُجيبَ بأنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام كالمنبِّه، وأمَّا المعرفةُ فإنَّما تحصُل من الدليل. واستَدلَّ بها أيضاً كلٌّ من المعتزلة وأهلُ السنة على مذهبه في أفعال العباد، وتفصيل ذلك في تفسير الإمام(٣). ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾﴾ الجارُّ والمجرور بدلٌ من الجارِّ والمجرور فيما تقدَّم، أعني قوله تعالى: ((إلى النور)). (١) تفسير الرازي ١٩/ ٧٣. (٢) ينظر شفاء العليل ص٣٤٥. (٣) تفسير الرازي ١٩/ ٧٣ - ٧٤. الآية : ١ ٢٠٧ سُورَةُ إبرَاهِيمَ وقال بعضهم (١): إنَّ ((صراط)) بدلٌ من ((النور)) وأُعيدَ عاملُه وكرِّر لفظاً ليدلَّ على البدليَّة كما في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ﴾ [الأعراف: ٧٥] ولا يضرُّ الفصلُ بين البدل والمبدل منه بما قبله؛ لأنَّه غيرُ أجنبيٍّ، إذ هو من معمولات العامل في المبدل منه على كلِّ حال. واستُشكل هذا مع الاستعارة السابقة بأنَّ التعقيب بالبدل لا يتقاعد عن التعقيب بالبيان في مثل قوله تعالى: ﴿حَّ يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِّ﴾ [البقرة: ١٨٧] وأُجيبَ بأنَّ الصراط استعارةٌ أخرى للهدى، جُعِلَ نوراً أولاً، لظهوره في نفسه واستضاءة الضلال في مهواة الهوى به، ثم جُعِل ثانياً جادةً مسلوكةً مأمونةً لا كَبُنَيَّاتِ الطرق(٢) دلالةً على تمام الإرشاد. وفي ((الإرشاد))(٣) أنَّ إخلالَ البيان والبدل بالاستعارة إنَّما هو في الحقيقة لا في المجاز، وهو ظاهرٌ، وجوِّز أنْ يكون الجارُّ والمجرور متعلِّقاً بمحذوفٍ على أنَّه جوابُ سائلٍ يَسأل: إلى أيِّ نور؟ فقيل: إلى صراط .. إلى آخره، وإضافة الصراط إليه تعالى؛ لأنَّه مقصده أو المبيِّن له، وتخصيصُ الوصفَين الجليلَين بالذكر للترغيب في سلوكه، إذ في ذلك إشارةٌ إلى أنَّه يُعَزُّ سالكُه ويُحمَد سابلُه. وقال أبو حيان(٤): النكتة في ذلك أنَّه لمَّا ذكر قبلُ إنزاله تعالى لهذا الكتابِ، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربِّهم، ناسَبَ ذكر هاتين الصفتين، صفةً العزَّة المتضمِّنةِ للقدرة والغلبة لإنزاله مثلَ هذا الكتابِ المعجزِ الذي لا يقدر عليه سواه، وصفةً الحمد لإنعامه بأعظم النعم لإخراج الناسِ من الظلمات إلى النور. ووجهُ التقديم والتأخير على هذا ظاهر. وقال الإمامُ: إنما قدَّم ذكر ((العزيز)) على ذكر ((الحميد)) لأنَّ الصحيح أنَّ أول (١) في (م): وقال غير واحد. (٢) بنيَّات الطرق: هي الطرق الصغار المتشعبة عن الطريق الكبيرة، وأطلق بُنَّات الطريق على الأباطيل، فقيل في المثل: دع بُنيَّات الطريق. أي: عليك بمعظم الأمر ودع سفساف الأمور. مجمع الأمثال ٢٩٦/١، وزهر الأكم ٢٣٨/٢. (٣) إرشاد العقل السليم، وهو تفسير أبي السعود ٣٠/٥. (٤) البحر المحيط ٤٠٣/٥. سُورَةُ ابْرَاهِيمَ ٢٠٨ الآية : ٢ العلم بالله تعالى العلمُ بكونه تعالى قادراً، ثم بعد ذلك العلمُ بكونه عالماً، ثم بعد ذلك العلمُ بكونه غنيّاً عن الحاجات، والعزيزُ هو القادرُ، والحميدُ هو العالمُ الغنيُّ، فلمَّا كان العلم بكونه تعالى قادراً مُتقدِّماً على العلم بكونه عالماً بالكلِّ غنيّاً عنه، لا جَرَم قدَّم ذِكرَ العزيز على ذكر الحميد(١). اهـ. ولم نَرَ تفسيرَ ((الحميد)) بما ذكر لغيره. وفي ((المواقف)) و((شرح أسماء الله الحسنى)) لحجَّة الإسلام الغزالي وغيرهما: أنَّ ((الحميد)) هو المحمودُ المُثنَى عليه، وهو سبحانه محمودٌ بحمده لنفسه أزلاً وبحَمْد عباده له تعالى أبداً (٢)، وبين هذا وما ذكره الإمام بُعد بعيدٌ. وأمَّا ما ذكره في ((العزيز)) فهو قولٌ لبعضهم؛ وقيل: هو الذي لا مِثْلَ له. وربَّما يقال على هذا: إنَّ التقديمَ للاعتناء بالصفات السلبيّة، كما يُؤذن به قولهم: التخلية أَوْلَى من التحلية، وكذا قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] ولعلَّ كلامه قدِّس سرُّه بَعْدُ لا يخلو عن نظر. وقوله تعالى: ﴿الله﴾ بالرفع على ما قرأ نافعٌ وابنُ عامر (٣) خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: هو الله، والموصول الآتي صفتُه، وبالجرِّ على قراءة باقي السبعة والأصمعيِّ عن نافع(٤) بدلٌ مما قبله في قول ابن عطية(٥) والحوفي وأبي البقاء(٦)، وعطفُ بيانٍ في قول الزمخشري(٧)، قال: لأنَّه أُجري مُجرى الأسماء الأعلام لغلبته واختصاصِهِ بالمعبود بحقِّ، کما غلب النجمُ علی الثريًّا. ولعلَّ جعله جاریاً مجری ذلك لیس لاشتراطه في عطف البيان، بل لأنَّ عطف البيان شرطُه إفادةُ زيادة إيضاحٍ لمتبوعه، وهي هنا بكونه كالعلم باختصاصه بالمعبود بحقِّ، وقد خرج عن الوصفيَّة بذلك، فليس صفةً كـ ((العزيز الحميد)). (١) تفسير الرازي ١٩/ ٧٥. (٢) المواقف ص٣٣٥، والمقصد الأسنى ص ١٣٠. (٣) وهي أيضاً قراءة أبي جعفر، ووافقهم رويس في الابتداء فقط. التيسير ص١٣٤، والنشر ٢٩٨/٢. (٤) وهي غير المشهورة عنه، وذكرها ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٢٢/٣. (٥) المحرر الوجيز ٣٢٢/٣. (٦) إملاء ما منَّ به الرحمن ٣٩٢/٣. (٧) الكشاف ٢/ ٣٦٥. الآية : ٢ ٢٠٩ سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ ثم إنَّه لا يخفى عليك أنَّه عند الأئمة المحقّقين علمٌ لا أنَّه كالعلم، وعن ابن عصفور أنَّه لا تُقدَّمُ صفةٌ على موصوفٍ إلا حيث سُمِعَ، وذلك قليلٌ، وللعرب فيما وُجد من ذلك وجهان: أحدهما: أنْ تُقدِّم الصفة وتُبقيها على ما كانت عليه، وفي إعراب مثل هذا وجهان : أحدهما : إعرابُه نعتاً مقدَّماً. والثاني: أن يُجعل ما بعد الصفة بدلاً . والوجه الثاني: أن تُضيفَ الصفة إلى الموصوف. اهـ. وعلى هذا يجوز أنْ يكونَ ((العزيز الحميد)) صفتين متقدِّمتَين، ويُعرب الاسمُ الجليل موصوفاً متأخّراً، ومما جاء فيه تقديمُ ما لو أُخِّر لكان صفةً، وتأخيرُ ما لو قُدِّم لكان موصوفاً قوله: رُكبانُ مكةً بين الغَيْلِ والسَّعدِ (١) والمُؤمنِ العائذاتِ الطيرَ يمسحُها فلو جاء على الكثير لكان التركيبُ: والمؤمنِ الطير العائذاتِ، ومثله قوله: لم أَخْشَ شدَّات(٣) الخبيث الذيب(٤) لو كنتَ ذا نَبْلٍ وذا شَزِيْبٍ(٢). وجوِّز في قراءة الرفع كونُ الاسم الجليل مبتدأً، وقوله تعالى ﴿اَلَّذِى لَهُ﴾ أي: مِلكاً ومُلكاً ﴿مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ﴾ خبرُه، وما تقدَّم أَوْلَى، فإنَّ في الوصفية من بيان كمالِ فخامة شأنِ الصراط وإظهار تحتُّم سلوكه على الناس ما ليس في (١) البيت النابغة الذبياني، وهو في ديوانه ص٣٥. قال اليوسي في زهر الأكم ١/ ٨٠: أراد العائذات هذه الطير، والمؤمن هو الله تعالى، وقوله: يمسحها ركبان مكة، أي: يمسحون عليها ولا يهيجونها، والغَيل والسعد: أجمتان بين مكة ومنّى. وفي الأصل: السند، والمثبت من (م) والديوان. (٢) في الأصل: تشزيب، وفي (م): تشديب، والمثبت من المصادر، والشزيب: القوس ليست بجديدٍ ولا خَلقٍ. القاموس المحيط (شرب). (٣) شدات: جمع شدة، وهي الحملة الواحدة، ومنه: شدّ على القوم في القتال: حمل عليهم. اللسان: (شدد). (٤) تفسير الطبري ١٢/ ٥٩٠، والفائق للزمخشري (شزب). سُورَةُ إبرَاهِيمَ ٢١٠ الآية : ٢ الخبرية، والمرادُ بـ ((ما في السموات وما في الأرض)) ما وُجد داخلاً فيهما أو خارجاً عنهما، متمكِّناً فيهما، ومن الناس مَن استَدلَّ بعموم ((ما)) على أنَّ أفعال العباد مخلوقةٌ له تعالى، كما ذكره الإمام(١)، وقوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْكَفِرِينَ﴾ وعيدٌ لمن كَفَر بالكتاب ولم يخرج به من الظلمات إلى النور بالويل. وهو عند بعضٍ نقيضُ الوَأْل بالهمزة بمعنى النجاة، فمعناه الهلاك، وهو (٢) مصدرٌ إلا أنَّه لا يُشتَقُّ منه فعلٌ، إنما يقال: وَيْلاً له، فيُنصَب نصبَ المصادر، ثم يُرفع رَفْعها لإفادة معنى الثبات، فيقال: ويلٌ له كـ : سلامٌ عليك، وقال الراغب: قال الأصمعي: ((ويلٌ)) قُبوحٌ وقد يُستعمل للتحسُّر، و((وَيْسٌ)) استصغارٌ، و((وَيْحٌ)) ترخُمٌ، ومَن قال: هو وادٍ في جهنّم، لم يُرد أنَّه في اللغة موضوعٌ لذلك، وإنما أرادَ أنَّ مَن قال الله تعالى فيه ذلك، فقد استحقَّ مقرًّا من النار وثبت له ذلك(٣). في موضع الصفة لـ ((ويل)) ولا يضرُّ وقوله سبحانه: ﴿مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ الفصل - على ما في ((البحر)) (٤) وغيرِه - بالخبر، وجوِّز أنْ يكون في موضع الحال - على ما في الحواشي الشهابية - و ((من)) بيانية (٥)، وجوِّز أن تكونَ ابتدائيةً على معنى أنَّ الويل بمعنى عدم النجاةِ متَّصلٌ بالعذاب الشديد وناشئٌ عنه، وقيل: إنَّ الجارَّ متعلّق: بـ ((ويل)) على معنى أنَّهم يُوَلْوِلُون من العذاب ويضجُّون منه قائلينَ: يا ويلاه، كقوله تعالى: ﴿رَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان: ١٣]، ومنع أبو حيان(٦) وأبو البقاء(٧) ذلك لما فيه من الفَصْل بين المصدر ومعموله بالخبر، وهو لا يجوز، وقد مرَّ قريباً في ((الرعد))(٨) ما يتعلَّق بذلك فتذكَّر، فما في العهد من قدم. (١) تفسير الرازي ٧٨/١٩. (٢) في (م): فهو. (٣) مفردات ألفاظ القرآن: (ويل) و(ويس) و(ويح). (٤) ٥/ ٤٠٤. (٥) حاشية الشهاب ٥/ ٢٥٠. (٦) البحر المحيط ٤٠٤/٥. (٧) إملاء ما منَّ به الرحمن ٣٩٢/٣. (٨) عند تفسير الآية (٢٤). الآية : ٣ ٢١١ سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ وفي ((الكشاف)) أنَّ (مِن عذابٍ)) إلخ مثَّصلٌ بالويل على معنى أنَّهم يُولْوِلُون(١) .. إلى آخر ما ذكرنا. وهو مُحتمل لتعلُّقه به، ولتعلُّقه بمحذوف، واستظهرَ هذا في ((البحر))(٢). وفي ((الكشف)) أنَّ الزمخشريَّ لمَّا رأى أنَّ الويل من الذنوب لا مِن العذاب، كما يُرشد إليه قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَا كَنَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩] وأمثالُه، أشار هنا إلى أنَّ الاتِّصال معنويٌّ، لا مِن ذلك الوجه، فإنَّه هناك جَعَل الويلَ نفْسَ العذاب، وهنا جَعَله تلفُّظَهم بكلمة التلهُّف من شدَّة العذاب، وكلاهما صحيح، ولم يُرد أنَّ هنالك فصلاً بالخبر لقُرب ما مرَّ في قوله تعالى: (سَمُ عَلَيْكُم بِمَا صَبٌَّ). اهـ. واعترض عليه بأنَّه لا حاجةَ لِمَا ذُكر من التكلُّف؛ لأنَّ اتِّصاله به ظاهرٌ لا يحتاجُ إلى صَرْفه للتلفُّظ بتلك الكلمة، و((مِن)) بيانيةٌ لا ابتدائيةٌ حتى يحتاجَ إلى ما ذكر، ولا يخفى قوَّة ذلك، وأنَّه لا يحتاج إلى التكلُّف، ولو جعلت ((مِن)) ابتدائيةً، فتأمَّل. والظاهر أنَّ المراد بالعذاب الشديد عذابُ الآخرة. وجوِّز أنْ يكونَ المرادُ عذاباً یقعُ بهم في الدنيا. ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ﴾ أي: يختارونها عليها، فإنَّ المختار للشيء يطلب من نفسه أن يكونَ أحبَّ إليه من غيره، فالسين للطلب، والمحبةُ مجازٌ مرسَلٌ عن الاختيار والإيثار بعلاقة اللزوم في الجملة، فلا يضرُّ وجود أحدهما بدون الآخَر، كاختيار المريض الدواءَ المرَّ لنفعه(٣)، وتَرْكِ ما يحبُّه ويَشتهيه من الأطعمة اللذيذة لضَرَره، ولاعتبار التجوُّزِ عُدِّيَ الفعلُ بـ ((على)). ويجوزُ أنْ يكونَ استفعل بمعنى أَفْعَلَ، كاستجاب بمعنى أَجَابَ، والفعلُ مضمَّنٌ معنى الاختيار والتعدية بـ ((على)) لذلك. ﴿وَيَصُدُونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعوقُون الناسَ ويمنعونهم عن دين الله تعالى والإيمان به، وهو الصراط الذي بُيِّن شأنه، والاقتصارُ على الإضافة إلى الاسم الجليل المنطوي على كل وَصْفٍ جميلٍ لَرَوْمِ الاختصار. (١) الكشاف ٣٦٥/٢ - ٣٦٦. (٢) ٤٠٤/٥. (٣) فى الأصل: لنفسه، والمثبت من (م) وحاشية الشهاب ٢٥٠/٥. سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ ٢١٢ الآية : ٣ وقرأ الحسنُ: ((يُصِدُّون)) من أَصدَّ(١) المنقول من صدَّه صدوداً: إذا تَنَّبَ وحاد، وهو ليس بفصيحِ بالنسبة إلى القراءة الأُخرى؛ لأنَّ في صدِّه مندوحةً عن تكلُّف النقل، ولا محذورَ في كون القراءةِ المتواترة أفصحَ من غيرها، ومن مجيء أصدَّ قولُه: صدودَ السَّواقي عن أُنوف الحَوَائِمِ (٢) أناسٌ أَصَدُّوا الناسَ بالسَّيفِ عنهم ونظيرُ هذا: وَقَّفْه وأَوْقَفَه. ﴿وَيَبْغُونَهَا﴾ أي: يبغون لها، فحذف الجارّ وأوصل الفعل إلى الضمير، أي: يطلبون لها ﴿عِوَجًا﴾ أي: زيغاً واْوِجاجاً، وهي أَبعدُ شيء عن ذلك، أي: يقولون لمن يُريدون صدَّه وإضلالَه عن السبيل: هي سبيلٌ ناكبةٌ وزائغةٌ غيرُ مستقيمة، وقيل: المعنى: يطلبون أنْ يَرَوا فيها ما يكون عِوَجاً قادحاً فيها، كقول مَن لم يَصِل إلى العنقود، وليسوا بواجدين ذلك، وكلا المعنيين أنسبُ مما قيل: إنَّ المعنى: يبغون أهلَها أنْ يعوجوا بالرِّدَّة. ومحلُّ موصول هذه الصلات الجرُّ على أنَّه بدلٌ - كما قيل - من ((الكافرين))، فَيُعتَبر كلُّ وصفٍ مِن أوصافهم بما يُناسبه من المعاني المعتبرة في الصراط، فالكفرُ المنبئُ عن الستر بإزاء كونه نوراً، واستحباب الحياة الدنيا الفانيةِ المفصحةِ عن وخامة العاقبة بمقابلة كون سلوكه(٣) محمودَ العاقبة، والصدُّ عنه بإزاء كون(٤) سالكِهِ عزيزاً. وقال الحوفي وأبو البقاء(٥): إنَّه صفةٌ ((للكافرين))، ورَدَّ ذلك أبو حيان بأنَّ فيه الفصلَ بين الصفة والموصوفِ بأجنبيٍّ، وهو ((من عذابٍ شديد)) سواء كان في موضع الصفة لـ ((ويل)) أو متعلِّقاً بمحذوفٍ (٦)، ونظيرُ ذلك على الوصفيَّة قولك: (١) القراءات الشاذة ص ٦٨، والبحر المحيط ٤٠٤/٥. (٢) البيت لذي الرمة وهو في ديوانه ٢/ ٧٧١ وفيه: رؤوس المخارم، ونقل ابن منظور في اللسان (صدد) عن ابن بري أنه هكذا صواب إنشاده، وذكره مثلَ رواية المصنِّفِ الجوهريُّ في الصحاح (صدد) والزمخشري في الكشاف ١٩٤/٣ دون نسبة. (٣) في (م): مسلوكه. (٤) في (م): کونه. (٥) إملاء ما منَّ به الرحمن ٣٩٢/٣. (٦) البحر المحيط ٥/ ٤٠٤. الآية : ٣ ٢١٣ سُورَةُ أَبْرَاهِيمٌ الدارُ لزيدٍ الحسنةُ القرشيِّ، وهو لا يجوز؛ لأنَّك قد فصلتَ بين زيدٍ وصفتِه بأجنبيٍّ عنهما، والتركيبُ الصحيح فيه أنْ يقال: الدارُ الحسنةُ لزيدِ القرشيّ، أو: الدارُ لزيد القرشيِّ الحسنةُ، وقيل: إذا جعل ((مِن عذابٍ شديد)) خبرَ مبتدأ محذوفٍ، والجملةُ اعتراضيةٌ، لا يضرُّ الفصلُ بها، وهو كما ترى. وجوِّز أنْ يكون محلُّه النصبَ على الذَّمِّ، أو الرفعَ عليه بأنْ يقدَّر أنَّه كان نعتاً فقُطِعَ، أي: هم الذین. وجوِّز أنْ لا يُقدَّر ذلك ويُجعل مبتدأ خبرُه قولُه تعالى: ﴿أُوْلَكَ فِ ضَلَلٍ﴾ أي: بُعْدٍ عن الحقِّ ﴿بَعِيدٍ ﴾﴾ وهو على غير هذا الوجهِ استئنافٌ في موضع التعليل، وفيه تأكيدٌ لما أَشعَر به بناءُ الحكم على الموصول، والمراد أنَّهم قد ضلُّوا عن الحقِّ ووقعوا عنه بمراحل. وفي الآية من المبالغة في ضلالهم ما لا يخفَى حيث أسند فيها إلى المصدر ما هو لصاحبه مجازاً كـ : جُدَّ جِدُّه، إلا أنَّ الفرق بين ما نحن فيه وذاك أنَّ المسندَ إليه في الأول مصدرُ غير المسند، وفي ذاك مصدرُه، وليس بينهما بُعْدٌ. ويجوز أنْ يقال: إنَّه أسندَ فيها ما للشخص إلى سبب اتِّصافه بما وُصِف به بناءً على أنَّ البعد في الحقيقة صفةٌ له باعتبار بُعْدِ مكانه عن مقصده، وسببُ بُعدِه ضلالُه؛ لأنَّه لو لم يَضِلَّ لم يَبعُد عنه، فيكون كقولك: قَتَل فلاناً عصيانُه، والإسناد مجازيٌّ، وفيه المبالغةُ المذكورة أيضاً. وفي ((الكشاف)): هو من الإسناد المجازيِّ، والبعدُ في الحقيقة للضالٌ، فوُصِفَ به فعلُه، ويجوزُ أن يُراد: في ضلالٍ ذي بُعد، أو: فيه بعدٌ؛ لأنَّ الضالَّ قد يَضِلُّ عن الطريق مكاناً قريباً وبعيداً(١). وكتب عليه في ((الكشف)): أنَّ الإسناد المجازيَّ على جَعْلِ البُعدِ لصاحب الضلال؛ لأنَّه الذي يَتَباعد عن طريق الصواب(٢)، فوُصِفَ ضلالُهُ بوصفه مبالغةً، وليس المرادُ إبعادَهم في الضلال وتعمُّقَهم فيه. (١) الكشاف ٣٦٦/٢. (٢) في الأصل: الطريق، وفي (م): طريق الضلال، والمثبت من حاشية الشهاب ٢٥١/٥ . الآية : ٤ ٢١٤ سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ وأما قوله: فيجوز أنْ يراد: في ضلالٍ ذي بُعد، فعلى هذا البُعْدُ صفةٌ للضلال حقيقةً بمعنى بُعدِ غورِهِ وأنَّه هاويةٌ لا نهايةً لها . وقوله: أو فيه بعدٌ، على جعل الضلال مستقَرّاً للبُعد بمنزلة مكان بعيد عن الجادّة، وهو معنى بُعْدِه في نفسه عن الحقِّ لتضادِّهما، وإليه الإشارة بقوله: لأنَّ الضالَّ قد يَضِلُّ مكاناً بعيداً وقريباً، والغرضُ بيانُ غاية التضادِّ، وأنَّه بُعْدٌ لا يُوازن وِزَانُه، وعلى جميع التقادير البعدُ مستفادٌ من البعد المسافي إلى تفاوت ما بين الحقِّ والباطل، أو ما بين أهلهما، وجاز أنْ يكون قولُه: ذي بعدٍ، أو فيه بعدٌ، وجهاً واحداً إشارةً إلى الملابسة بين الضلال والبُعد، لا بواسطة صاحب الضلال، لكن الأوَّل أَوْلَى؛ تكثيراً للفائدة. ثم قوله تعالى: (أُوْلَئِكَ فِ ضَلٍ) دون أنْ يقول سبحانه: أولئك ضالُّون ضلالاً بعيداً، للدلالة على تمكّنهم فيه تمكُّنَ المظروف في الظرف، وتصويرِ اشتمال الضلال عليهم اشتمالَ المُحيطِ على المُحاط، وليكونَ كنايةً بالغةً في إثبات الوصف، - أعني الضلال - على الأوجه، فاقْهم. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا﴾ أي: في الأمم الخالية من قبلك كما سيذكر إن شاء الله تعالى إجمالاً ﴿مِن رَسُولٍ إِلَّا﴾ متلبساً ﴿بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ متكلِّماً بلغة مَن أُرسل إليهم من الأمم المتّفقة على لغةٍ، سواء بُعِث فيهم أَوْ لا، وقيل: بلغة قومه الذين هو منهم وبُعث فيهم، ولا ينتقضُ الحصرُ بلوط عليه السلام، فإنَّه تزوَّج منهم وسكنَ معهم، وأمَّا يُونس عليه السلام، فإنَّه من القوم الذين أُرسل إليهم كما قالوه، فلا حاجةً إلى القول بأنَّ ذلك باعتبار الأكثر الأغلب، ولعلَّ الأَولى ما ذكرنا . وقرأ أبو السمَّال وأبو الجوزاء وأبو عمران الجوني: ((بلِسْن)) بإسكان السين(١) على وَزْن: ذِكْر، وهي لغةٌ في ((لسان)) كـ: رِيْش ورِيَاش، وقال صاحب ((اللوامح)): إنَّه خاصٌّ باللغة، واللسان يُطلَق عليها وعلى الجارحة، وإلى ذلك ذهب ابنُ عطية (٢). (١) القراءات الشاذة ص ٦٨، والمحتسب ٣٥٩/١، والبحر المحيط ٤٠٥/٥، وزاد ابن خالويه نسبتها للأعمش. (٢) المحرر الوجيز ٣٢٣/٣. الآية : ٤ ٢١٥ سُورَةُ إبرَاهِيمٌ وقرأ أبو رجاء وأبو المتوكل والجحدري: ((بلُسُن)) بضمِّ اللام والسين(١)، وهو جمْعُ لسان كـ : عِمَاد وعُمُد. وقرئ: ((بلُسْن)) بضمِّ اللام وسكون السين(٢)، وهو مخفّف لُسُن كـ : رُسُل ورُسْل. ﴿لِيُبَيْنَ﴾ ذلك الرسولُ ﴿لَمْ﴾ لأولئك القوم الذين أُرسلَ إليهم ما كُلِّفوا به فيتلقوه منه بسهولةٍ وسرعة، فيمتثلوا ذلك من غير حاجةٍ إلى الترجمة، وحيث لم تَتَأثَّ هذه القاعدة في شأن سيدنا محمد وَالر وعلى إخوانه المرسلين أجمعين لعموم بعثته وشمولِ رسالته الأسودَ والأحمرَ والجنَّ والبشرَ على اختلاف لغاتهم، وكان تعدُّد نظم الكتاب المنزل إليه وَليهِ حسبَ تعدُّد ألسنة الأمم أَدْعَى إلى التنازع واختلافِ الكلمةِ وتطرُّقٍ أيدي التحريف، مع أنَّ استقلالَ بعضٍ من ذلك بالإعجاز مَئِنَّةٌ لقدح القادحين، واتِّفاق الجميع فيه أمرٌ قريبٌ من الإلجاء المُنافي للتكليف، وحصر (٣) البيان بالترجمة والتفسير = اقتضت الحكمةُ [اتحادَ النظم] المنبئِ عن العزَّة وجلالةِ الشأن المستَتْبع لفوائدَ غنيةٍ عن البيان على أنَّ الحاجة إلى الترجمة تَتَضاعف عند التعدُّد، إذ لابدّ لكلِّ طائفةٍ من معرفةٍ توافقُ الكلَّ حذو القذّة بالقذَّة من غير مخالفةٍ ولو في خَصلة فذَّة، وإنما يتمُّ ذلك بمَن يترجم عن الكلِّ واحداً أو متعدِّداً، وفيه من التعذَّر ما فيه، ثم لمَّا كان أشرفُ الأقوام وأولاهم بدعوته عليه الصلاة والسلام قومَه الذين بُعِثَ بين ظهرانيهم، ولغتهم أفضلُ اللغات نَزَل الكتابُ المبين بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ، وانتشرَت أحكامه بين الأُمم أجمعين. كذا قرَّره شیخُ الإسلام والمسلمين(٤)، وهو من الحُسن بمكان، بَيْدَ أنَّ بعضَهم أَبقَى الكلامَ على عمومه، بحيث يشمل النبيَّ ◌ََّ(٥)، وأراد بالقوم الذين ذلك الرسولُ منهم وبُعث (١) البحر المحيط ٤٠٥/٥، ونسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٦٨ لجناح بن حبيش. (٢) البحر المحيط ٤٠٥/٥. (٣) في الأصل و(م): حصل، والمثبت من تفسير أبي السعود ٣٢/٥. وما بين حاصرتين الآتي منه . (٤) تفسير أبي السعود ٣٢/٥. (٥) جاء في حاشية (م): ادعى بعضهم أنه سي كان يعلم كل اللغات لعموم بعثته وإن كان لم يتكلم على خلاف بغير العربية فافهم ولا تغفل. اهـ منه. سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ ٢١٦ الآية : ٤ فيهم، والمرادُ من قومه وَّرَ العربُ كلهم(١)، ونَقَل ذلك أبو شامة في ((المرشد)) عن السجستاني، واحتجَّ بقوله بَّهِ: ((أُنْزِلَ القرآنُ على سَبْعةٍ أَخْرُفٍ))(٢) وفيه نظر ظاهر. وقال ابنُ قتيبة: المراد منهم قريش ولم يَنزل القرآنُ إلا بلغتهم(٣). وقيل: إنَّما نزل بلغةٍ مُضَرَ خاصَّةً لقول عمر ◌َله: نَزَل القرآنُ بلغة مُضر. وعيَّن بعضُهم فيما حكاه ابنُ عبد البرِّ سبعاً منهم: هُذَيل وكِنَانة وقَيس وضَبَّة وتَيم الرَّباب وأَسَد (٤) بن خزيمة وقُريش(٥). وأخرج أبو عبيد عن ابن عباس ظًّا أنَّه قال: نزل بلغةِ الكعبين: كعبٍ قريش وكعبٍ خُزاعةً. فقيل: وكيف؟ فقال: لأنَّ الدار واحدةٌ. يعني خزاعة كانوا جيرانَ قریش فسهُلَت عليهم لغتهم. وجاء عن أبي صالح عنه أنَّه قال: نَزَل على سبعٍ لغاتٍ منها خمسٌ بلغة العجز من هوازن، ويقال لهم: عُلْيا هوازن، ومن هنا قال أبو عمرو بن العلاء: أفصحُ العرب عُلْيا هوازن وسُفلى تميم، يعني بني دارم. والذي يذهب مذهب السجستاني يقول: إنَّ في القرآن ما نزل بلغة حِمْيَر وكنانة وجُرْهُم وأزدشنوءةِ ومَذْحِج وخَفْعَم وقيس عيلان وسعد العشيرة وكِنْدَة وعُذْرَة وحضرموت وغَسَّان ومُزَيْنَة ولَخْم وجُذَام وحنيفة واليمامة وسَبّا وسُلَيم وعمارة وطَيِّئ وخُزاعة وعمان وتَميْم وأَنمار والأشْعرِيِّين والأوس والخزرج ومَدْين؛ وقد مثَّل لكلِّ ذلك أبو القاسم(٦) . (١) قوله: العرب كلهم، ليس في الأصل، وأثبتناه من (م). (٢) أخرجه أحمد (١٥٨)، والبخاري (٢٤١٩)، ومسلم (٨١٨) من حديث عمر بن الخطاب (٣) غريب الحديث ٢٨٦/١، ونقله عنه بواسطة حاشية الشهاب ٢٥٢/٥. (٤) في الأصل و(م): أسيد، والمثبت من المصادر. (٥) عزاه لابن عبد البر ابنُ حجر في الفتح ٢٧/٩، والسيوطيُّ في الإتقان ١٥٠/١. (٦) الإتقان في علوم القرآن ٤١٩/١ - ٤٢٣، وأبو القاسم هو يوسف بن علي بن عبادة الهذلي المغربي، له: الكامل في القراءات الخمسين، (ت٤٦٥هـ). كشف الظنون ٢/ ١٣٨١. الآية : ٤ ٢١٧ سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ وذكر أبو بكر الواسطي: أنَّ في القرآن من اللغات خمسينَ لغةً، وسردها مُمَثِّلاً لها، إلا أنَّه ذكر أنَّ فيه من غير العربية الفُرس والنَّبط والحبشة والبَرْبر والسُّريانية والعِبرانية والقِبْط(١). والذاهبُ إلى ما ذهب إليه ابنُ قتيبة يقول: إنَّ ما نُسب إلى غير قريش على تقدير صحة نسبتهِ مما يُوافق لغتهم، ونَقَل أبو شامة عن بعض الشيوخ أنَّه قال: إنَّه نزل أوَّلاً بلسان قريش ومَن جاوَرَهم من العرب الفصحاء، ثم أُبيحَ لسائر العرب أن تقرأه بلغاتهم التي جرَت عادتُهم باستعمالها، كاختلافهم في الألفاظ والإعراب، ولم يُكلَّف أحدٌ منهم الانتقال من لغته إلى لغةٍ أخرى؛ للمشقّة ولِمَا كان فيهم من الحميَّة ولطَلَبِ تَسهيل المراد (٢)، لكن أنت تعلم أنَّ هذه الإباحة لم تستمرَّ، وكون المتبادر من قومه عليه الصلاة والسلام قريشاً مما لا أظنُّ أنَّ أحداً يمتري فيه، ويليه في التبادر العرب. وفي ((البحر)): أنَّ سبب نزول الآيةِ أنَّ قريشاً قالوا: ما بالُ الكتب كلّها أعجمية وهذا عربيٍّ(٣)؟ وهذا إنْ صحَّ ظاهرٌ في العموم، ثمَّ إنَّه لا يلزم من كون لغتِهِ لغةً قريش أو العرب اختصاصُ بعثته بَّهبهم، وإنْ زعمَت طائفةٌ من اليهود - يُقال لهم العيسوية - اختصاصَ البعثة بالعرب لذلك، وحكمةُ إنزاله بلغتهم أظهرُ من أنْ تخفَى. وقيل: الضميرُ في ((قومه)) لمحمدٍ وَّه المعلوم مِن السياق، فإنَّه كما أخرج ابنُ أبي [حاتم] عن سفيان الثوري: لم ينزل وحيٌّ إلا بالعربية ثم تَرجَمَ كلُّ نبيٍّ لقومه(٤)، وقيل: كان يُترجم ذلك جبريلُ عليه السلام، ونُسب إلى الكلبي، وفيه أنَّه إذا لم يقع التبيين إلا بعدَ الترجمة فات الغرضُ مما ذكر. وضميرُ ((لهم)) للقوم بلا خلاف، وهم المبَيَّن لهم بالترجمة. وفي ((الكشاف)) أنَّ ذلك ليس بصحيح؛ لأنَّ ضميرَ ((لهم)) للقوم، وهم العرب، فيؤدّي إلى أنَّ الله تعالى أنزل التوراة مثلاً بالعربية ليُبيِّن للعرب، وهو معنّى فاسدٌ (٥). (١) الإتقان ٤٢٤/١، وكلام أبي بكر في كتابه: الإرشاد في القراءات العشر. (٢) فتح الباري ٩/ ٢٧ . (٣) البحر المحيط ٤٠٥/٥. (٤) تفسير ابن أبي حاتم ٢٨١٩/٩، وما بين حاصرتين سقط من الأصل و(م). (٥) الكشاف ٣٦٧/٢. الآية : ٤ ٢١٨ سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ وتكلَّف الطيبي دفْعَ ذلك بأنَّ الضمير راجعٌ إلى كلِّ قوم بدلالةِ السياق، والجوابُ كما في ((الكشف)): أنَّه لا يدفع عن الإيهام على خلاف مُقتضى المقام. واحتجَّ بعض الناس بهذه الآية على أنَّ اللغاتِ اصطلاحيةٌ لا توقيفيةٌ، قال: لأنَّ التوقيف لا يحصل إلا بإرسال الرسل، وقد دلَّت الآية على أنَّ إرسال كلٍّ مِن الرسل لا يكونُ إلا بلغة قومه، وذلك يقتضي تقدُّم حصولِ اللغات على إرسال الرسول، وإذا كان كذلك امتنع حصولُ تلك اللغاتِ بالتوقيف، فوجَبَ حصولُها بالاصطلاح. انتهى. وأُجيب بأنَّا لا نُسلِّم توقُّف التوقيف على إرسال الرسل، لجواز أنْ يخلُق الله تعالى في العقلاء علماً بأنَّ الألفاظ وضَعَها واضعٌ لكذا وكذا، ولا يلزم من هذا كونُ العاقل عالماً بالله تعالى بالضرورة، بل الذي يلزم منه ذلك لو خَلَق سبحانه في العقلاء علماً ضروريّاً بأنَّه تعالى الواضعُ، وأين هذا من ذاك، على أنَّه لا ضرَرَ في التزام خَلْقِ الله تعالى هذا العلمَ الضروريَّ، وأيُّ ضررٍ في كونه سبحانه معلومَ الوجود بالضرورة لبعض العقلاء؟! والقولُ بأنَّه يبطل التكليف حينئذٍ على عمومه، غيرُ مسلَّم، وعلى تخصيصه بالمعرفة مُسلَّم وغیرُ ضارِّ. ﴿فَيُضِلُ اللَّهُ مَن يَشَآءُ﴾ إضلالَه، أي: يخلق فيه الضلالَ لوجود أسبابه المؤدِّية إليه فيه، وقيل: يَخذُله فلا يَلطُف به لِمَا يعلم أنَّه لا يَنجَعُ فيه الإلطاف. ﴿وَيَهْدِى﴾ يخلق الهدايةَ، أو يَمنَح الإلطافَ ﴿مَن يَشَآءُ﴾ هدايتَه لِمَا فيه من الأسباب المؤدِّية إلى ذلك، والإلتفات بإسناد الفعلَين إلى الاسم الجليل؛ لتفخيم شأنهما وترشيح مناطٍ كلٍّ منهما، والفاءُ قيل: فصيحةٌ مثلها في قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِب بِعَصَاكَ الْحَجِّ فَأَنْفَجَرَتْ﴾ [البقرة: ٦٠] كأنه قيل: فبيَّنوه لهم فَأَضَلَّ الله تعالى مَن شاء إضلالَه، وهدَى مَن شاء هدايتَه حسبما اقتضَته حكمته تعالى البالغة، والحذفُ(١) للإيذان بأنَّ مسارعة كلِّ رسولٍ إلى ما أُمر به وجريان كلٍّ مِن الفعلَين على سَنَنه أمرٌ محقَّقُ غنيٌّ عن الذكر والبيان. (١) قوله: والحذف، ساقط من الأصل، وأثبتناه من (م) وتفسير أبي السعود ٣٢/٥. الآية : ٥ ٢١٩ سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ وفي ((الكشف)): وجْهُ التعقيب عن السابق كوجهه في قوله تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ، كَثِيرًا وَيَهْدِى بِهِ، كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦] على معنى: أنزلنا (١) الكتاب للتبيين، فمنهم مَن نفعناه بذلك البيانِ، ومنهم مَن جعلناه حجَّةً عليه، والفاء على هذا تفصيلية، والعدولُ إلى صيغة الاستقبال؛ لاستحضار الصورةِ، أو الدلالة على التجدُّد والاستمرار حيث تجدَّد البيانُ من الرسل عليهم السلام المتعاقبة عليهم، وتقديمُ الإضلال على الهداية - كما قال بعض المحقّقين - إما لأنَّه إبقاءُ ما كان على ما كان، والهداية إنشاءُ ما لم يكن، أو للمبالغة في بيان أنَّه لا تأثيرَ للتبيين والتذكير من قِبَل الرسل عليهم السلام، وأنَّ مدار الأمر إنما هو مشيئته تعالى بإيهام أنَّ ترتّب(٢) الضلالة أسرعُ من ترتّب الاهتداء، وهذا محقّقٌ لما سلَفَ من تقييد الإخراج من الظلمات إلى النور بإذن ربِّهم. فلا يشاءُ ما يشاءُ ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ فلا يُغالَب في مشيئته تعالى ﴿الْحَكِيمُ إلا لحكمةٍ بالغةٍ، وفيه - كما في ((البحر)) وغيره ــ أنَّ ما فُوِّض إلى الرسل عليهم الصلاة والسلام إنما هو التبليغُ وتَبيين طريق الحقِّ، وأمَّا الهدايةُ والإرشاد إليه فذلك بيد الله تعالى يفعلُ ما يشاء ويَحكمُ ما يريد(٣). ثم إنَّ هذه الآية ظاهرةٌ في مذهب أهل السنة من أنَّ الضلالة والهدايةَ بخلقه سبحانه، وقد ذكر المعتزلةُ لها عدَّة تأويلات، وللإمام فيها كلامٌ طويلٌ إنْ أردته (٤) فارجع إليه (٤). ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى﴾ شروعٌ في تفصيل ما أُجملَ في قوله تعالى: ((وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه)) الآية. ﴿بِثَايَتِنَا﴾ أي: ملتبساً بها، وهي - كما أخرج ابنُ جرير وغيرُه عن مجاهد وعطاء وعُبيد بن عُمير - الآيات التسع التي أجراها الله تعالى على يده عليه السلام(٥). وقيل: يجوزُ أن يرادَ بها آياتُ التوراة. (١) في (م): أرسلنا. (٢) في الأصل: ترتيب، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ٣٢/٥. (٣) البحر المحيط ٤٠٥/٥، وتفسير أبي السعود ٣٣/٥. (٤) تفسير الرازي ١٩/ ٨١ - ٨٢. (٥) تفسير الطبري ١٠١/١٥، وتفسير ابن أبي حاتم ٢٢٣٥/٧، والدر المنثور ٧٠/٤. سُورَةُ إبرَاهِيمٌ ٢٢٠ الآية : ٥ ﴿أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ﴾ بمعنى: أي: أَخرِج، فـ (أَنْ)) تفسيريَّة؛ لأنَّ في الإرسال معنى القول دون حروفه، أو بأنْ أَخرج، فهي مصدريةٌ حُذف قبلها حرفُ الجرِّ؛ لأنَّ ((أرسل)) يتعدَّى بالباء، والجارُّ يطَرد حذفُه قبل ((أنَّ)) و((أنْ))، واتِّصال المصدرية بالأمر أمرٌ مرَّ تحقيقه. وزعم بعضُهم أنَّ ((أنْ)) هنا زائدةٌ، ولا يخفى ضعفُه، والمرادُ من قومه عليه السلام كما هو الظاهر بنو إسرائيل، ومِن إخراجهم إخراجُهم بعد مهلك فرعون. ﴿مِنَ الُلُمَتِ﴾ من الكفر والجهالات التي كانوا فيها وأدَّت بهم إلى أنْ يقولوا: يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهةٌ. ﴿إِلَى النُّورِ﴾ إلى الإيمان بالله تعالى وتوحيدِه وسائرٍ ما أمِرُوا به، وقيل: أَخرجْهم من ظلمات النقص إلى نور الكمال. ﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّنِ اللَّهِ﴾ أي: بنعمائه وبلائه كما روي عن ابن عباس . ، واختارَه الطبريُّ(١)؛ لأنَّه الأنسبُ بالمقام والأوفق بما سيأتي إن شاء الله تعالى من الكلام، والعطف على ((أَخرِجْ)). وجوِّز أنْ تكون الجملةُ مستأنفةً، والالتفاتُ من التكلُّم إلى الغيبة بإضافة الأيام إلى الاسم الجليل؛ للإيذان بفخامة شأنها والإشعار - على ما قيل - بعدم اختصاص ما فيها من المعاملة بالمخاطب وقومه، كما يُوهمه الإضافة إلى ضمير المتكلِّم، وحاصلُ المعنى: عِظُهم بالترغيب والترهيب والوعد والوعيد. وعن ابن عباس أيضاً والربيع ومقاتل وابن زيد: المراد بـ ((أيام الله)) وقائعُه سبحانه ونقماتُه في الأمم الخالية. ومن ذلك أيامُ العرب لحروبها وملاحمها كيوم ذي قار ويوم الفجار ويوم قِضَّة(٢) وغيرها، واستظهره الزمخشريُّ(٣) للغلبة العُرفية، وأنَّ العرب استعملَته للوقائع، وأنشدَ الطبرسيُّ(٤) لذلك قولَ عمرو بن كلثوم: (١) في تفسيره ١٣/ ٥٩٤. (٢) مكان معروف كانت فيه وقعة بين بكر وتغلب، تسمَّى يوم قِضَّة. تاج العروس (قضض). (٣) في الكشاف ٣٦٧/٢. (٤) مجمع البيان ١٩٨/١٣.