النص المفهرس

صفحات 181-200

الآية : ٣٩
١٨١
سُوَّةُ الرّعْدِ
إليهم بآيةٍ ومعجزة يقترحونها عليه إلا بتيسير الله تعالى ومشيئتهِ المبنية على المصالح
والحكم التي يدورُ عليها أمرُ الكائنات.
وقد يُراد بالآيةِ الآيةُ الكتابيَّةُ النازلةُ بالحكم على وفق مراد المرسَل إليهم، وهو
أوفقُ بما بعد، وجُوِّز إرادةُ الأمرين باعتبار عموم المجاز، أي: الدالِ مطلقاً، أو
على استعمال اللفظ في معنييه بناءً على جوازه. والالتفاتُ لما تقدَّم، ولتحقيق
مضمون الجملة بالإيماء إلى العلّة.
﴿لِكُلِّ أَجَلٍ﴾ أي: لكلِّ وقتٍ ومدَّةٍ من الأوقات والمُدَد ﴿كِنَابٌ
٣٨
حكمٌ معيَّن يُكتب على العباد حسبما تقتضيه الحكمةُ؛ فإنَّ الشرائعَ كلَّها لإصلاح
أحوالهم في المبدأ والمعاد، ومن قضية ذلك أن تختلفَ حسب أحوالهم المتغيِرةِ
حسب تغيُّرِ الأوقات، كاختلاف العلاج حسب اختلاف أحوالِ المرضى بحسب
الأوقات. وهذا عند بعضٍ ردٌّ لما أنَكروه عليه - عليه الصلاةُ والسلام - من
نسخِ بعض الأحكام، كما أنَّ ما قبله ردٌّ لطعنهم بعدم الإتيان بالمعجزات
المقترَحة.
﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَآءُ﴾ أي: ينسخُ ما يشاء نَسْخَه من الأحكام لما تقتضيه
الحكمةُ بحسَبِ الوقت ﴿وَيُثْبِثٌ﴾ بدَلَه ما فيه الحكمةُ، أو يبقيه على حاله غيرَ
منسوخٍ، أو يُثبت ما يشاءُ إثباتَه مطلقاً، أعمّ منهما ومن الإنشاء ابتداءً.
وقال عكرمة: یمحو بالتوبة جمیعَ الذنوب، ویثبت بدلَ ذلك حسناتٍ، کما قال
تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَبَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَلِحًا فَأُوْلَيْكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَتُ﴾
[الفرقان: ٧٠].
وقال ابنُ جُبير: يغفر ما يشاءُ من ذنوب عباده، ويتركُ ما يشاء فلا يغفرُه،
وقال: يمحو ما يشاءُ ممَّن حان أجلُه، ويثبتُ ما يشاءُ ممَّن لم يأت أجلُه.
وقال عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهَه: يمحو ما يشاءُ من القرون؛ لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ
يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ﴾ [يس: ٣١] ويثبتُ ما يشاءُ منها؛ لقوله تعالى:
﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوْنَا ءَآخرِنَ﴾ [المؤمنون: ٤٢].
وقال الرَّبيع: هذا في الأرواح حالةَ النومِ، يقبضُها الله تعالى إليه، فمن أراد

سُوْدَّةُ الرَّعْدِ
١٨٢
الآية : ٣٩
موتَه فجأةً أمسكَ روحَه فلم يرسلها، ومن أراد بقاءَه أَرسل روحَه، بيانُه قوله تعالى:
﴿اَللَّهُ يَتَوَنَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ الآية [الزمر: ٤٢].
وعن ابن عباس والضحَّاك: يمحو من ديوان الحَفَظَة ما ليس بحسنةٍ ولا بسيئةٍ؛
لأنهم مأمورون بكَتْبٍ كلِّ قولٍ وفعلٍ، ويُثبت ما هو حسنةٌ أو سيئةٌ.
وقيل: يمحو بعضَ الخلائق، ويثبت بعضاً من الأناسِيِّ وسائر الحيوانات،
والنباتات، والأشجار، وصفاتها وأحوالها. وقيل: يمحو الدنيا ويُثبت الآخرة.
وقال الحسن وفرقةٌ: ذلك في آجالِ بني آدم، يكتبُ سبحانه في ليلة القدر -
وقيل: في ليلة النِّصف من شعبان ـ آجالَ الموتى، فيمحو أناساً من ديوان الأحياء،
ويُثبتهم في ديوان الأموات.
وقال السُّديُّ: يمحو القمرَ ويُثبت الشمسَ، بيانه قولُه تعالى: ﴿فَحَوْفَآ ءَايَةَ الَتْلِ
وَجَعَلْنَآ ءَايَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢].
وفي رواية عن ابن عباس ﴾: يمحو الله تعالى ما يشاءُ من أمورٍ عبادِه
ويُثبت، إلا السعادةَ والشقاوة والآجال؛ فإنها لا محوَ فيها، ورواه عنه مرفوعاً
ابنُ مردویه.
وقيل: هو عامٌّ في الرِّزق والأجل، والسعادة والشقاوة، ونُسب إلى جماعةٍ من
الصحابة والتابعين، وكانوا يتضرَّعون إلى الله تعالى أن يجعلَهم سعداءً؛ فقد أخرج
ابنُ أبي شَيْبة في ((المصنَّف)) وغيرُه عن ابن مسعود رَبه قال: ما دعا عبدٌ قطُ بهذه
الدعوات إلا وُسِّعَ عليه في معيشته: يا ذا المنِّ ولا يُمَنُّ عليه، يا ذا الجلال
والإكرام، يا ذا الطَّول [والإنعام]، لا إله إلا أنتَ، ظهرَ اللّجِئين، وجارَ
المستجيرين، ومَأْمَنَ الخائفين، إن كنتَ كتبتني عندك في أمِّ الكتاب شقيّاً فامْحُ عنِّي
اسمَ الشقاوة، وأثبتني عندك سعيداً، وإن كنتَ كتبتَني عندك في أمِّ الكتاب محروماً
مقتَّراً عليَّ رزقي، فامْحُ حِرْماني، ويسِّر رزقي، وأثبتني عندك سعيداً موقَّقاً للخير؛
فإنك تقولُ في كتابك الذي أنزلتَ: ((يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب))(١).
(١) المصنف (٢٩٥٢١)، وأورده السيوطي في الدر المنثور ٦٦/٤ ونسبه له ولابن أبي الدنيا في
الدعاء، وما بين حاصرتين من المصادر.

الآية : ٣٩
١٨٣
سُورَةُ الرّعْدِ
وأخرج عَبْد بنُ حُمَيد وغيرُه عن عمر رَظُبه أنه قال وهو يطوفُ بالبيت: اللهمَّ
إن كنتَ كتبتَ عليَّ شقوةً أو ذنباً فامحُه، واجعله سعادةً ومغفرةً؛ فإنك تمحو ما تشاءُ
وتثبتُ، وعندكَ أمُّ الكتاب(١).
وأخرج ابنُ جرير(٢) عن شَقيقٍ أبي وائلٍ أنه كان يُكثر الدعاءَ بهذه الدعوات:
اللهمَّ إن كنتَ كتبتَنا أشقياءَ فامحُنا، واكتبنا سعداءَ، وان كنتَ كتبتنا سعداء فأثبتنا؛
فإنك تمحو ما تشاءُ وتُثبت.
وأخرج ابنُ سَعْدٍ وغيرُه عن الكلبيِّ أنه قال: يمحو الله تعالى من الرِّزق ويزيدُ
فيه، ويمحو من الأجل ويزيد فيه، فقيل له: مَنْ حدَّثكَ بهذا؟ فقال: أبو صالحٍ عن
جابر بن عبد الله بن رئاب الأنصاريِّ عن النبيِّ وَلِ(٣).
وأبو حيَّان(٤) يقول: إنْ صحَّ شيء من ذلك ينبغي تأويلُه، فمن المعلوم أنَّ
السعادةَ والشقاوة والرزقَ والأجلَ لا يتغيَّر شيءٌ منها .
وإلى التعميم ذهب شيخُ الإسلام(٥)، قال بعد نقل كثيرٍ من الأقوال: والأنسبُ
تعميمُ كلٍّ من المحوِ والإثبات ليشمَلَ الكلَّ، ويدخلُ في ذلك موادُّ الإنكار دخولاً
أولیًّا .
وما أخرجه ابنُ جريرٍ(٦) عن كعبٍ من أنه قال لعمر رُّله: يا أميرَ المؤمنين،
لولا آيةٌ في كتاب الله تعالى لأُنْبِّنَّك بما هو كائنٌ إلى يوم القيامة. قال: وما هي؟
قال: قولُه تعالى: (يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَآءُ) الآية = يُشعر بذلك.
وأنتَ تعلم أنَّ المحوَ والإثباتَ إذا كان بالنسبة إلى ما في أيدي الملائكة
ونحوه، فلا فرقَ بين السعادة والشقاوة، والرزقِ والأجل، وبين غيرها في أنَّ كُلَّا
(١) وكذلك أخرجه الطبري في تفسيره ٥٦٣/١٣، وزاد السيوطي نسبته في الدر المنثور ٦٦/٤
إلى ابن المنذر.
(٢) تفسير الطبري ١٣/ ٥٦٣.
(٣) الطبقات الكبرى ٣/ ٥٣١، وأخرجها مطولة الطبري في تفسيره ٥٦٥/١٣ - ٥٦٦.
(٤) البحر المحيط ٣٩٨/٥.
(٥) تفسير أبي السعود ٢٧/٥.
(٦) تفسير الطبري ١٣/ ٥٦٥.

سُورَةُ الرَّحْدِ
١٨٤
الآية : ٣٩
يقبَلُ المحوَ والإثبات، وإن كانا بالنسبة إلى ما في العلم فلا فرقَ أيضاً بين تلك
الأمور وبين غيرها في أن كلَّا لا يقبَلُ ذلك؛ لأنَّ العلم إنما تعلَّق بها على ما هي
عليه في نفس الأمر، وإلا لكان جهلاً، وما في نفس الأمر مما لا يُتصوَّر فيه التغيُّر
والتبدُّل، وكيف يُتصوَّر تغيُّر زوجية الأربعة مثلاً، وانقلابُها إلى الفرديَّة مع بقاء
الأربعة أربعةً، هذا ممَّا لا يكون أصلاً، ولا أظنُّك في مِرْبةٍ من ذلك، ولا يأبى هذا
عمومُ الأدلَّة الدالّة على أنه ما شاء الله تعالى كان؛ لأنَّ المشيئةَ تابعة للعلم، والعلمُ
بالشيء تابعٌ لما عليه الشيء في نفس الأمر، فهو سبحانه لا يشاءُ إلا ما عليه الشيءُ
في نفس الأمر.
قيل: ويُشير إلى أن ما في العلم لا يتغيَّر قولُه سبحانه: ﴿وَعِندَهُ، أُمُ
(3) بناءً على أن ((أمّ الكتاب)) هو العلم؛ لأنَّ جميع ما يُكتب في صُحُف
الڪِنَبِ
الملائكة وغيرِها لا يقعُ حيثُما يقعُ إلا موافقاً لما ثبَتَ فيه، فهو أمُّ لذلك، أي: أصلٌ
له، فكأنه قيل: يمحو ما يشاءُ محوَه، ويُثبت ما يشاءُ إثباتَه مما سطر في الكتب، وثابتٌ
عنده العلم الأزليُّ الذي لا يكون شيءٌ إلا على وفق ما فيه. وتفسيرُ ((أمّ الكتاب))
بعلم الله تعالى ممَّا رواه عبدُ الرزَّاق، وابنُ جرير(١) عن كعبٍ ◌َ ◌ُه، والمشهورُ أنها
اللوحُ المحفوظ، قالوا: وهو أصلُ الكتب؛ إذ ما من شيء من الذاهب والثابت إلا وهو
مكتوبٌ فيه كما هو، والظاهرُ أن المراد الذاهبُ والثابتُ ممَّا يتعلَّق بالدنيا(٢)، لا ممَّا
يتعلَّق بها وبالآخرة أيضاً؛ لقيام الدليلِ العقليّ على تَنَاهي الإبعاد مطلقاً، والنقليٍّ على
تَنَاهي اللوحِ بخصوصه؛ فقد جاء أنه من دُرَّةٍ بيضاءَ، له دُقَّتان من ياقوت، طولُه مسيرةٌ
خمس مئة عام(٣)، وامتناعُ ظرفيَّة المُتَناهي لغير المُتَناهي ضروريٌّ، ولعلَّ من يقولُ
بعموم الذاهب والثابت يلتزمُ القولَ بالإجمال حيث يتعذَّر التفصيل.
وقد ذهب بعضُهم إلى تفسير ((أمّ الكتاب)) بما هو المشهور، والتزمَ القولَ بأن
ما فيه لا يتغيَّرُ، وإنما التغيُّر لما في الكتب غيره، وهذا قائلٌ بعدم تغيُّر ما في
العلم؛ لما علمت.
(١) تفسير عبد الرزاق ٣٣٨/١، وتفسير الطبري ١٣/ ٥٧٢.
(٢) جاء في هامش (م) ما نصه: وفي الأخبار ما يؤيد ذلك. اهـ منه.
(٣) أخرجه الطبري في التفسير ١٣/ ٥٧٠ عن ابن عباس

الآية : ٣٩
١٨٥
سُؤَةُ الرَّعَلِ
ورأيتُ في نسخةٍ لبعض الأفاضل كانت عندي، وفُقدت في حادثة بغداد، ألِّفت
في هذه المسألة، وفيها أنه ما من شيء إلا ويمكنُ تغييرُه وتبديلُه، حتى القضاءُ
الأزلي، واستدلَّ لذلك بأمورٍ منها: أنه قد صحَّ من دعائه وَّه في القنوت: ((وقني
شرَّ ما قضيتَ)(١)، وفيه طلبُ الحِفْظ من شرِّ القضاء الأزليِّ، ولو لم يمكن تغييرُه
ما صحَّ طلبُ الحفظ منه.
ومنها ما صحَّ في حديث التراويح من عُذْرِهِ وَّر عن الخروج إليها، وقد
اجتمع الناس ينتظرونه؛ لمزيد رغبتهم فيها؛ بقوله: ((خشيتُ أن تُفرض عليكم
فتعجَزوا عنها))(٢)، فإنه لا معنى لهذه الخشية لو كان القضاءُ الأزليُّ لا يقبل
التغيير؛ فإنه إن كان قد سبَقَ القضاءُ بأنها ستُفرض فلابدَّ أن تُفرض، وإن سبق
القضاءُ بأنها لا تُفرض فمحالٌ أن تُفرض على ذلك الفَرض، على أنه قد جاء في
حديث فرض الصلاة ليلة المعراج بعد ما هو ظاهرٌ فِي سَبْق القضاء بأنها خمسُ
صلوات مفروضةٍ لا غير، فما معنى الخشية بعد العلم بذلك لولا العلمُ بإمكان
التغيير والتبديل.
ومنها ما صحَّ أنه ◌ِّهِ كان يضطرب حالُه الشريفُ ليلةَ الهواء الشديد حتى إنه
لا ينام، وكان يقول في ذلك: ((أخشى أن تقوم الساعةُ))(٣)؛ فإنه لا معنى لهذه
الخشية أيضاً مع إخبار الله تعالى أن بين يديها ما لم يُوجد إذ ذاك، كظهور
المهديِّ، وخروج الدجّال، ونزولِ عيسى عليه السلام، وخروج يأجوج ومأجوج،
ودابة الأرض، وطلوع الشمس من مغربها، وغير ذلك مما يستدعي تحقَّقُه زماناً
طويلاً، فلو لم يكن عليه الصلاةُ والسلام يعلم أن القضاء يمكنُ تغييرُه، وأنَّ
ما قضى من أشراطها يمكنُ تبديلُه، ما خشي وَلِّ من ذلك.
ومنها أن المبشّرين بالجنة كانوا من أشدِّ الناس خوفاً من النار، حتى إن منهم
من كان يقول: ليت أمِّي لم تلدني، وكان عمر ◌َظُه يقول: لو نادى منادٍ: كلّ
(١) أخرجه أحمد (١٧١٨)، وأبو داود (١٤٢٥)، والترمذي (٤٦٤)، والنسائي في المجتبى
٢٤٨/٣، وابن ماجه (١١٧٨) من حديث الحسن بن علي
(٢) أخرجه البخاري (٧٢٩)، ومسلم (٧٦١) عن عائشة ﴿يا، وسلف ٧٩/٨.
(٣) لم نقف عليه بهذا اللفظ، وينظر ما سلف ٨/ ٧٨.

سُورَةُ الرَّحْدِ
١٨٦
الآية : ٣٩
الناس في الجنة إلا واحداً، لظننتُ أنّ ذلك الواحد، وهذا مما لا معنى له مع
إخبار الصادق وتبشيرِه له بالجنة، والعلمِ بأنَّ القضاء لا يتغيَّر.
ومنها أنه لولا إمكانُ التغيير للغا الدعاءُ؛ إذ المدعو به إمَّا أن يكون قد سبَقَ
القضاءُ بكونه، فلا بدَّ أن يكون، وإلا فمحالٌ أن يكون، وطلبُ ما لا بدَّ أن يكون،
أو محالٌ أن يكون لغوٌ، مع أنه قد ورد الأمرُ به، والقولُ بأنه لمجرَّد إظهارِ العبوديّة
والافتقارِ إِلى الله تعالى، وكفى بذلك فائدةً = يأباه ظاهرُ قوله تعالى: ﴿أَدْعُونِيّ
أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]. وأيضاً أخرج الحاكم وصحَّحه عن ابن عباس قال: لا ينفع
الحَذَر من القدر، ولكنَّ الله تعالى يمحو بالدعاء ما يشاءُ من القدر(١). وأخرج ابنُ
مردويه وابنُ عساكر عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه أنه سأل رسولَ اللهِنَّه عن قوله
تعالى: (يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَآءُ) الآية، فقال له عليه الصلاة والسلام: ((لأُقرَّنَّ عينَكَ
بتفسيرها، ولأُقرَّنَّ عينَ أُمتي بعدي بتفسيرها: الصدقةُ على وجهها، وبرُّ الوالدين،
واصطناعُ المعروف، محوِّلُ الشقاءِ سعادةً، ويزيدُ في العمر، ويقي مصارعَ
السُّوء))(٢). وهذا لا يكاد يُعقَلُ على تقدير أنَّ القضاء لا يتغيّر. وفي الأخبار والآثار
مما هو ظاهرٌ في إمكان التغيُّر ما لا يُحصى كثرةً، ولعلَّ من ذلك الدعاءُ المارُّ عن
ابن مسعود، ثم إن القضاءَ المعلَّقَ يرجع في المآل إلى القضاء المبرَمِ عند مثبته،
فلا يفيده التعلُّق بذلك في دفع ما يَرِدُ عليه، ودفعِ ما يَرِدُ على القول بالتغيُّر من أنه
يلزم منه التغيُّر في ذاته تعالى؛ لما أنه ينجرُّ إلى تَغيُّر العلم، وهو يوجب التغيُّر في
ذاته تعالى من صفةٍ إلى أخرى، أو يلزمُ من ذلك الجهل، وهذا مأخوذٌ من الشبهة
التي ذكرها جمهورُ الفلاسفة في نفي علم الله تعالى بالجزئيات المتغيِّرة؛ فإنهم
قالوا: إنه تعالى إذا علم مثلاً أن زيداً في الدار الآن، ثم خرج عنها؛ فإما أن يزول
ذلك العلمُ ولا يعلمَ سبحانه أنه في الدار، أو يبقى ذلك العلم بحاله، والأولُ
يوجبُ التغيُّر في ذاته سبحانه، والثاني يُوجب الجهلَ، وكلاهما نقصٌ يجب تنزيهُ الله
تعالى عنه بما دفعوا به تلك الشُّبهة، وهو ما ذُكر في ((المواقف)) و((شرحه))(٣) من
(١) المستدرك ٢/ ٣٨٠.
(٢) لم نقف عليه في تاريخ دمشق، وأورده السيوطي في الدر المنثور ٦٦/٤، وفيه: يحول،
بدل: محول.
(٣) المواقف مع شرح الجرجاني ٦٨/٨ وما بعدها.

الآية : ٣٩
١٨٧
سُوَدَّةُ الرَّحْدِ
منع لزوم التغيُّر فيه تعالى، بل التغيُّر إنما هو في الإضافات؛ لأن العلم عندنا إضافةٌ
مخصوصة، وتعلَّق بين العالم والمعلوم، أو صفةٌ حقيقية ذاتُ إضافة، فعلى الأول
يتغيّر نفسُ العلم، وعلى الثاني يتغيّر إضافاتُه فقط، وعلى التقديرين لا يلزمُ تغيُّرٌ في
صفةٍ موجودة بل في مفهوم اعتباريٌّ، وهو جائز.
وأجاب كثيرٌ من الأشاعرة والمعتزلة بأنَّ العلمَ بأن الشيء وُجد، والعلم بأنه
سيوجد واحدٌ؛ فإنَّ مَنْ علم أن زيداً سيدخلُ البلدَ غداً فعند حصول الغد يعلم بهذا
العلم بأنَّه دخل البلدَ الآن إذا كان علمُه هذا مستمرًّا بلا غفلةٍ مزيلةٍ له، وإنما يحتاج
أحدُنا إلى علم آخر متجدِّد يعلم به أنه دخل الآن؛ لطَرَيان الغفلة عن الأول،
والباري تعالى يمتنعُ عليه الغفلةُ، فكان علمُه سبحانه بأنه وُجِدَ عينُ علمه بأنه
سيوجد، فلا يلزم من تغيُّرِ المعلوم تغيُّر في العلم، ونهايةُ كلامه في هذا المقام أنه
يجوز أن يتغيَّر ما في علم الله تعالى، وإلا لتعيَّن عليه سبحانه الفعلُ أو التركُ، وفيه
من الحَجْر عليه جلَّ جلالُه ما لا يخفى، ولا يلزمُ من ذلك التغيُّر سوى التغيُّر في
التعلُّقات وهو غیرُ ضارِّ.
واعتُرض بأنه على هذا القول لا يبقى وثوقٌ بشيء من الأخبار الغيبية، كالحشر
والنشر، وكذا لا يبقى وثوقٌ بالإخبار بأنه وَّه خاتم النبيين؛ لجواز أن يكون الله
تعالی قد علم ذلك حین أخبر، ثم تعلّق علمه بخلافه، لكنه سبحانه لم يُخبر،
ولا نقص في الإخبار الأول؛ لأنه إخبارٌ عمَّا كان متعلَّق العلم إذ ذاك، وأيضاً يلزمُ
من ذلك نفيُ نفس الأمر، أو نفيُ كون تعلُّق العلم على وفقه، وكلا النفيين
كما ترى.
بقي الجوابُ عما تمسّك به، وهو عن بعض ظاهرٌ، وعن بعض يحتاج إلى
تأمُّل، فتأمَّل.
واستدلَّ بالآية بعضُ الشيعة القائلين بجواز البَدَاء على الله سبحانه، وفيه
ما فيه.
هذا، ويخطُر لي في الآية معنّى لم أَرَ مَنْ ذكره: وهو أن يُراد بقوله سبحانه:
(يمحو اللهُ ما يشاءُ ويُثبِت)) ما ذكرناه أولاً قبل حكاية الأقوال، وهو مما رواه

سُوَّةُ الرَّعَلِ
١٨٨
الآية : ٤٠
البيهقيُّ في ((المدخل)) وغيره عن ابن عباس(١)، وابنُ جرير عن قتادة (٢)، ويُخصّص
ذلك بالأحكام الفرعيَّة، ويُراد بـ ((أمّ الكتاب)) الأحكام الأصليَّة؛ فإنها ممَّا لا يقبل
النسخَ، وهي أصل لكلِّ كتاب باعتبار أن الأحكامَ الفرعيَّة التي فيه إنما تصحُّ ممن
أتى بها، لكن لا يساعد على هذا المأثورُ عن السلف. نعم هو مناسب للمقام
كما لا يخفى، وزعم الضخَّاك والفرَّاء(٣) أن في الآية قلباً، والأصل: لكلِّ كتاب
أَجَل. وتُعقِّب بأنه لا يجوزُ ادِّعاء القلب إلا في ضرورة الشعر، على أنه لا داعي
إليه هنا، بل قد يُدَّعى فسادُ المعنى عليه، وأيّاً ما كان فـ((أل)) في ((الكتاب))
للجنس، فهو شامل للكثير، ولهذا فسَّره غيرُ واحد بالجمع.
وقرأ نافعٌ وابنُ عامر: ((ويثبت)) بالتشديد (٤).
﴿وَإِمَّا نُرَنَّكَ﴾ أصله: إن نريك، و(ما)) مزيدة لتأكيد معنى الشرط، ومن ثَمَّ
أُلحقت النونُ بالفعل، قال ابن عطية(٥): ولو كانت ((إن)) وحدَها لم يجز إلحاقُ
النون، وهو مخالف لظاهر كلام سيبويه، قال ابن خروف: أجاز سيبويه الإتيان
بـ ((ما)) وعدم الإتيان بها، والإتيان بالنون مع ((ما)) وعدم الإتيان بها.
والإراءة هنا بصريَّةٌ، والكافُ مفعول أوَّل، وقولُه سبحانه: ﴿بَعْضَ الَّذِى نَعِدُهُمْ﴾
مفعولٌ ثانٍ، والمرادُ: بعض الذي وعدناهم من إنزالِ العذاب عليهم، والعدولُ إلى
صيغة المضارع لحكاية الحال الماضية، أو: نعدُهم وعداً متجدِّداً حسب ما تقتضيه
الحكمةُ من إنذارٍ عَقِيب إنذار. وفي إيراد البعض رمزٌ - على ما قيل - إلى إراءة
بعض الموعود.
﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قبل ذلك ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَغُ﴾ أي: تبليغُ أحكام ما أنزلنا عليك،
وما تضمَّنه من الوعد والوعيد، لا تحقيقُ مضمون الوعيد الذي تضمَّنه ذلك
(١) أخرجه الطبري في تفسيره ٥٦٦/١٣، وليس في المطبوع من المدخل للبيهقي، وقد عزاه له
السيوطي في الدر المنثور ٤ / ٦٧ .
(٢) تفسير الطبري ١٣ / ٥٦٧ .
(٣) معاني القرآن ٢/ ٦٥.
(٤) التيسير ص١٣٤، والنشر ٢٩٨/٢.
(٥) المحرر الوجيز ٣١٨/٣.

الآية : ٤١
١٨٩
سُورَةُ الرَّحْلِ
فالمقصورُ عليه ((البلاغ))، ولهذا قدّم الخبر، وهذا الحصرُ مستفاد من ((إنما)) لا من
التقدیم، وإلا لا نعكس المعنى.
الظاهر أنه معطوف على ما في حيِّز ((إنما))
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَيْنَا اُلِسَابُ
فيصيرُ المعنى: إنما علينا محاسبةٌ أعمالهم السيئة، والمؤاخذة بها، دون جَبْرِهم
على اتِّباعك، أو إنزال ما اقترحوه عليك من الآيات.
واعتبر الزمخشريُّ(١) عطفَه على جملة ((إنما عليك البلاغ))، فيصيرُ المعنى:
وعلينا لا عليكَ محاسبةُ أعمالهم. قيل: وهو الظاهرُ؛ ترجيحاً للمنطوق على
المفهوم إذا اجتمع دليلا حصرٍ .
وحاصلُ معنى الآية كيفما دارت الحال: أريناكَ بعضَ ما وعدناهم من العذاب
الدنيويّ أو لم نُرِكَهُ، فعلينا ذلك، وما عليك إلا التبليغُ، فلا تهتمَّ بما وراء ذلك،
فنحنُ نكفيكَه ونُتُّ ما وعدناك به من الَّفَرِ، ولا يُضْجركَ تأخّرُه؛ فإنَّ ذلك لما نعلم
من المصالح الخفيَّة. وفي ((البحر))(٢) عن الحوفي أنه تقدَّم في الآية شرطان:
(نرينَّك))، و((نتوفيَنَّك))؛ لأن المعطوفَ على الشرط شرطٌ. وقوله تعالى: ((فإنَّما عليك
البلاغ)) لا يصلحُ أن يكون جواباً للشرط الأول، ولا للشرطِ الثاني؛ لأنه لا يترتَّب
على شيء منهما، وهو ظاهرٌ، فيحتاج إلى تأويل، وهو أن يقدَّر لكلِّ شرطٍ
منهما ما يناسب أن يكون جزاءً مترتِّباً عليه، فيقال والله تعالى أعلم: وإما نُرِينَك
بعضَ الذي نعدُهم، فذلك شافيك من أعدائك، ودليلُ صدقك، وإمَّا نتوفيتَّك قبل
حلوله بهم فلا لومَ عليك ولا عتبَ، ويكونُ قوله تعالى: ((فإنما)) إلخ دليلاً عليهما،
والواقعُ من الشرطين هو الأول كما في بدر.
ثم إنه سبحانه طَيَّبَ نفسَه عليه الصلاة والسلام بطلوع تباشير الّفَر، فقال جلَّ
شأنه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ إلخ، والاستفهامُ للإنكار، والواو للعطف على مقدَّر يقتضيه
المقام، أي: أأنكروا نزولَ ما وعدناهم، أو: أشكُّوا، أو: ألم ينظروا في ذلك ولم
يروا ﴿أَنَّا نَأْتِى الْأَرْضَ﴾ أي: أرضَ الكَفَرَة ﴿نَنَقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ من جوانبها؛ بأن
(١) الكشاف ٢/ ٣٦٣.
(٢) البحر المحيط ٣٩٩/٥.

سُورَةُ الرّحَدِ
١٩٠
الآية : ٤١
نفتَحَها شيئاً فشيئاً ونُلحِقَها بدار الإسلام، ونُذهِبَ منها أهلَها بالقتل والأسرِ
والإجلاء(١)، أليس هذا مقدِّمة لذاك؟
ومثل هذه الآية قولُه تعالى: ﴿أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِ الْأَرْضَ نَقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَاً
أَفَهُمُ الْغَلِبُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٤] ورُوي ذلك عن ابن عباس، والحسن، والضحاك،
وعطية، والسدِّي، وغيرهم. ورُوي عن ابن عباس أيضاً، وأخرجه الحاكم عنه
وصحَّحه(٢)، أن انتقاصَ الأرض موتُ أشرافها وكُبرائها، وذهابُ العلماء منها.
وفي رواية عن أبي هريرة يرفعُه إلى رسول اللهِوَّرِ الاقتصارُ على الأخير(٣)، ورُوي
أيضاً عن مجاهد، فالمرادُ من الأرض جنسُها، والأطرافُ - كما قيل - بمعنى
الأشراف، ومجيءُ ذلك بهذا المعنى محكيٌّ عن ثعلب، واستشهد له الواحديُّ بقول
الفرزدق:
واسأل بنا وبكم إذا وَرَدَتْ مِنىّ أطرافُ كلِّ قبيلةٍ مَنْ يَمنع (٤)
وقريبٌ من ذلك قولُ ابن الأعرابي: الطَّرَفُ والظَّرْف: الرجلُ الكريم، وقولُ
بعضهم: طرفُ كلِّ شيء خيارُه، وجعلوا من هذا قولَ عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهَه :
العلوم أوديةٌ، في أيِّ وادٍ أخذتَ منها خسرتَ، فخذوا من كلِّ شيء طرفاً. قال ابن
عطية (٥): أراد كرَّم الله تعالى وجهه خياراً، وأنتَ تعلمُ أن الأظهر: جانباً، وادَّعى
الواحديُّ أن تفسير الآية بما تقدَّم هو اللائقُ. وتعقّبه الإمام(٦) بأنه يمكن القولُ
بلياقة الثاني، وتقريرُ الآية عليه: أَوَلم يروا أنَّا نُحْدِث في الدنيا من الاختلافات
خراباً بعد عمارة، وموتاً بعد حياة، وذلّاً بعد عِزٌّ، ونَقْصاً بعد كمال؟ وهذه تغييرات
مدرَكَة بالحسِّ، فما الذي يُؤمنهم أن يقلبَ الله تعالى الأمرَ عنهم، فيجعلهم أذلَّة بعد
أن كانوا أعزَّة، ومقهورين بعد أن كانوا قاهرين؟ وهو كما ترى، وقيل: نقصُها:
(١) في الأصل: الجلاء، والمثبت من (م).
(٢) المستدرك ٣٥١/٢.
(٣) أخرجه ابن مردويه فيما ذكره السيوطي في الدر المنثور ٦٨/٤.
(٤) البيت في ديوانه ٤٢٤/١، وجاء فيه: من يسمع، بدل: من يمنع.
(٥) المحرر الوجيز ٣١٩/٣.
(٦) تفسير الرازي ١٩/ ٦٧.

الآية : ٤١
١٩١
سُوَّةُ الرَّعْلِ
هلاكُ مَنْ هلك من الأمم قبل قريش، وخراب أرضهم، أي: أَوَلم يروا إهلاكَ مَنْ
قبلهم، وخرابَ ديارهم؟ فكيف يأمنون من حلولِ ذلك بهم؟ والأولُ أيضاً أوفقُ
بالمقام منه، ولا يخفى ما في التعبير بالإتيان المُؤْذِنِ بعظيم الاستيلاء من الفخامة،
كما في قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَآَ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَهُ هَبَآٍَ تَنُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]
وفي ((الحواشي الشِّهابية))(١) أن المعنى: يأتيها أمرُنا وعذابُنا، وجملةُ ((ننقصها)) في
موضع الحال من فاعل ((نأتي))، أو من مفعوله.
وقرأ الضخَّاك: ((ننقِّصُها)) مثقَّلاً، من نقَّص، عدَّاه بالتضعيف من نقَصَ اللازم
على ما في ((البحر))(٢).
﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ﴾ ما يشاءُ كما يشاء، وقد حكم لك ولأتباعكَ بالعِزِّ والإقبال،
وعلى أعدائكَ ومخالفيك بالقهر والإذلال، حسبما يشاهدُهُ ذَوو الأبصارِ من
المخائل والآثار، وفي الالتفاتِ من التكلَّم إلى الغَيبة، وبناءِ الحكم على الاسم
الجليل من الدَّلالة على الفخامة، وتربيةِ المهابة، وتحقيق مضمون الخبر بالإشارة
إلى العلَّة ما لا يخفى، وهي جملةُ اعتراضيّةٌ جيءَ بها لتأكيد فحوى ما تقدَّمَها.
وقوله سبحانه: ﴿لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ اعتراضٌ أيضاً لبيان علوِّ شأن حكمِهِ جلَّ
وعلا، وقيل: هو نصبٌ على الحال، كأنه قيل: واللهُ تعالى يحكم نافذاً حكمُه،
كما تقول: جاءني زيدٌ لا عمامةً على رأسه ولا قلنسوة، أي: حاسراً، وإليه ذهب
الزمخشريُ(٣). قيل: وإنما أوَّل الجملةَ الاسمية بالمفرد لأنَّ تجرُّدَها من الواو إذا
وقعت حالاً غيرُ فصيح عنده، ولا يخفى عليك أن جعلَها معترضةً أَولى وأعلى،
والمعقِّبُ: من يكُرُّ على الشيء فيبطلُه، وحقيقتُه: الذي يعقب الشيءَ بالإبطال،
ومنه يسمَّى الذي يطلب حقّاً من آخر معقِّباً؛ لأنه يعقب غريمه ويتبعه للتقاضي، قال
کبید:
حتى تَهَجَّرَ بالرَّواح وهاجَها
طلبُ المعقِّبِ حقَّه المظلومُ(٤)
(١) حاشية الشهاب ٥/ ٢٤٧.
(٢) البحر المحيط ٥/ ٤٠٠، ونسبها ابن خالويه ص٦٧ إلى عطية العوفي.
(٣) الكشاف ٢/ ٣٦٤.
(٤) دیوان لبيد ص١٢٨ .

سُوَّةُ الرَّحْدِ
١٩٢
الآية : ٤٢
وقد يُسمَّى الماطلُ معقِّباً؛ لأنه يُعقب كلَّ طلبٍ بردٍّ، وعن أبي عليٍّ: عقَّبني
حقِّي، أي: مطلني، ويقال للبحث عن الشيء: تعقّب، وجوَّز الراغبُ(١) أن يُراد
هذا المعنى هنا على أن يكون الكلامُ نهياً للناس أن يخوضوا في البحث عن حُكْمه
وحِكْمته إذا خفيت عليهم، ويكونُ ذلك من نحو النَّهي عن الخوض في سرِّ القَدَر.
فعمًا قليلٍ يُحاسبُهم ويُجازيهم في الآخرة بعد
٤١
﴿وَهُوَ سَرِيعُ الِْسَابِ
ما عذَّبهم بالقتل والأسر والإجلاء في الدنيا حسبما يرى، وكأنه قيل: لا تستبطئ
عقابَهم؛ فإنه آتٍ لا محالةَ، وكلُّ آتٍ قريبٌ. وقال ابنُ عباس: المعنى: سریعُ
الانتقام.
﴿وَقَدْ مَكَرَ﴾ الكفَّارِ ﴿الَّذِينَ﴾ خَلَوا ﴿مِن قَبِلِهِمْ﴾ من قَبْل كفَّار مكة بالأنبياء
وبالمؤمنين كما فعل هؤلاء. وهذا تسليةٌ لرسول الله وَلَ﴿ بأنه لا عبرةَ بمَكْرِهم
ولا تأثير، بل لا وجود له في الحقيقة، ولم يُصرِّح سبحانه بذلك اكتفاءً بدلالة
القَصْر المستفاد من تعليله، أعني قوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْمَكْرُ﴾ أي: جنسُ المَكْر
﴿جميعًا﴾ لا وجودَ لمكرهم أصلاً؛ إذ هو عبارةٌ عن إيصال المكروه إلى الغير من
حيث لا يشعرُ به.
وحيث كان جميعُ ما يأتون ويَذَرون بعلمِهِ وقدرتِهِ سبحانه، وإنما لهم مجرَّدُ
الكسبِ من غير فعلٍ، ولا تأثير حسبما بيَّنه قوله تعالى: ﴿يَعْلَهُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسِلَّ﴾
ومن قضيَّته عصمةُ أوليائه سبحانه، وعقابُ الماكرين بهم توفيةً لكلِّ نفسٍ جزاءً
ما كسبت = ظهَرَ أنْ ليس لمَكْرِهم بالنسبة إلى مَنْ مكروا بهم عينٌ ولا أَثَرَ، وأن
المكر كلَّه لله تعالى، حيث يُؤاخذهم بما كَسَبوا من فنونِ المعاصي التي من جملتها
مکرُهم من حيث لا يحتسبون. کذا قاله شيخُ الإسلام(٢)، وقد تكلّف قدّس سرُّه في
ذلك ما تكلَّف، وحَمَلَ الكسبَ على ما هو الشائعُ عند الأشاعرة، والله تعالى
لا يفرِّقُ بينه وبين الفعل، وكذا رسولُه ◌َ﴾، والصحابةُ ﴿، والتابعون،
واللغویُّون.
(١) مفردات ألفاظ القرآن: (عقب).
(٢) تفسير أبي السعود ٢٨/٥.

الآية : ٤٢
١٩٣
سُورَةُ الرَّحْدِ
وقيل: وجهُ الحصر أنه لا يُعتدُّ بمَكْرٍ غيرِه سبحانه؛ لأنه سبحانه هو القادرُ
بالذات على إصابة المكروه المقصودِ منه، وغيرُه تعالى إنْ قَدَر على ذلك فبتمكينه
تعالی وإذنه، فالكلُّ راجٌ إلیه جلَّ وعلا .
وفي ((الكشاف))(١) أن قولَه تعالى: ((يعلم ما تكسب كل نفس)» إلخ، تفسيرٌ لقوله
سبحانه: ((فللَّه المكر جميعاً))؛ لأنَّ مَنْ علم ما تكسبُ كلُّ نفسٍ، وأعدَّ لها
جزاءها، فهو له المكرُ؛ لأنه يأتيهم من حيث لا يعلمون وهم في غفلةٍ مما يُراد
بهم.
وقيل: الكلامُ على حذف مضافٍ، أي: فللَّه جزاءُ المَكْر. وجُوّز في ((أل)) أن
تكون للعهد، أي: له تعالى المكرُ الذي باشروه جميعاً لا لهم، على معنى أن ذلك
ليس مكراً منهم بالأنبياء، بل هو بعينه مكرٌ من الله تعالى بهم وهم لا يشعرون،
حيث لا يَحيقُ المكرُ السيِّئ إلا بأهله.
﴿ وَسَيَعْلَمُ الكَافِرُ﴾ حين يأتيه(٢) العذابُ ﴿لِمَنْ عُقْبِىَ الدَّارِ ﴾﴾ أي: العاقبةُ
الحميدةُ من الفريقين، وإن جُهِلَ ذلك قبلُ، وقيل: السينُ لتأكيد وقوع ذلك وعلمِهِ
به حينئذٍ، والمرادُ من ((الكافر)» الجنسُ، فيشمل سائر الكفار، وهذه قراءةُ الحِرميَّين
وأبي عمرو، وقرأ باقي السبعة: ((وسيعلمُ الكفّار)) بصيغةٍ جمع التكسير(٣).
وقرأ ابنُ مسعود: ((الكافرون)) بصيغة جمع السلامة، وقرأ أَبَيِّ: ((الذين كفروا)»،
وقُرئ: ((الكُفْرُ))، أي: أهله، وقرأْ جَنَاح بن حُبَيش: ((وسيُعلم)) بالبناء للمفعول من
أُعلم، أي: سيُخبر (٤).
واللامُ للنفع، وجُوِّز أن تكون للملك على معنى: سيعلم الكَفَرة من يملك
الدنيا آخراً، وفسر عطاءٌ ((الكافر)) بالمستهزئين، وهم خمسة، والمُقْسِمِين، وهم
(١) ٣٦٤/٢.
(٢) في (م): ﴿وَسَبَعْلُ الْكُفَّرُ﴾ حين يأتيهم.
(٣) التيسير ص١٣٤، والنشر ٢٩٨/٢.
(٤) تفسير الطبري ٥٨١/١٣، والقراءات الشاذة ص٦٧، والمحرر الوجيز ٣١٩/٣، والبحر
المحيط ٤٠١/٥، وهي مُفسرة عند بعضهم. وقد تحرف لفظ حبيش إلى حبيس، في الأصل
و(م).

سُورَةُ الرَّعَدِ
١٩٤
الآية : ٤٣
ثمانية وعشرون، وقال ابنُ عباس: يريدُ بـ ((الكافر)) أبا جهلٍ. وما تقدَّم هو الظاهرُ،
ولعلَّ ما ذُكر من باب التمثيل.
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ قيل: قاله رؤساءُ اليهود. وأخرج ابنُ
مَرْدويه عن ابن عباس قال: قدم على رسول الله وَّهِ أُسقُفُّ من اليمن، فقال له عليه
الصلاة والسلام: ((هل تجدُني في الإنجيل رسولاً؟)) قال: لا. فأنزل الله تعالى
الآيةَ(١). فالمرادُ من ((الذين كفروا)) - على هذا - هذا ومَنْ وافَقَه ورضي بقوله.
وصيغةُ الاستقبال لاستحضارِ صورة كَلِمَتهم الشَّنعاء تعجيباً منها، أو للدلالةِ
على تجدُّدِ ذلك منهم واستمرارِه.
﴿قُلْ كَفَى بِالَّهِ شَهِيدًا بَيْنِ وَيَنَكُمْ﴾ فإنه جلَّ وعلا قد أظهر على رسالتي
من الأدلّة والحُجَج ما فيه غنّى عن شهادة شاهدٍ آخر. وتسميةُ ذلك شهادةً مع أنه
فعلٌ وهي قولٌ مجازٌ من حيث إنه يُغني غناها، بل هو أقوى منها .
﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِنَبِ
﴾ أي: علمُ القرآن وما عليه من النظم المعجِزِ.
٤٣
قيل: والشهادةُ إن أُريد بها تحمُّلها فالأمر ظاهرٌ، وإن أُريد بها أداؤها فالمرادُ
بالموصول المتَّصف بذلك العنوان مَنْ تَرَكَ العنادَ وآمن.
وفي ((الكشف)) أن المعنى: كفى هذا العالم شهيداً بيني وبينكم، ولا يلزمُ من
كفايته في الشهادة أن يؤدِّيها، فمن أدَّاها فهو شاهدٌ أمين، ومن لم يؤدِّها فهو
خائنٌ، وفيه تعريضٌ بليغٌ بأنهم لو أنصفوا شهدوا .
وقيل: المراد بـ ((الكتاب)): التوراةُ والإنجيل، والمراد بمن عنده علمُ ذلك:
الذين أسلموا من أهل الكتابين، كعبد الله بنٍ سلام وأضرابه؛ فإنهم يشهدون بنَعتِه
عليه الصلاة والسلام في كتابهم، وإلى هذا ذهب قتادةُ؛ فقد أخرجَ عبد الرزّاق، وابنُ
جرير، وابن المُنذر عنه أنه قال في الآية: كان من أهل الكتاب قومٌ يشهدون بالحقِّ
ويعرفونه، منهم عبد الله بنُ سلام، والجارود، وتميمٌ الداريُّ، وسلمانُ الفارسيُّ(٢).
(١) أورده السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٩.
(٢) مصنف عبد الرزاق ٣٣٩/١، وتفسير الطبري ٥٨٣/١٣، وأورده السيوطي في الدر المنثور
٦٩/٤، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.

الآية : ٤٣
١٩٥
سُوَّةُ الْرّعَلِ
وجاء عن مجاهد وغيرِه - وهي روايةٌ عن ابن عباس - أن المراد بذلك عبدُ الله، ولم
يذكروا غيره.
وأخرج ابنُ مردويه من طريق عبد الملك بن عُمَير، عن جُنْدب قال: جاء
عبد الله بنُ سلام حتى أخذ بعضادتَي باب المسجد، ثم قال: أنشُدُكم بالله تعالى،
أتعلمون أنّي الذي أُنزلت فيه: ((ومن عنده علم الكتاب)»؟ قالوا: اللهمَّ نعم (١).
وأنكر ابنُ جُبَير ذلك؛ فقد أخرج سعيد بنُ منصور وجماعةٌ عنه أنه سُئل: أهذا الذي
عنده علمُ الكتاب هو عبد الله بنُ سلام؟ فقال: كيف وهذه السورةُ مكيةٌ؟!(٢)
والشعبيُّ أنكر أن يكون شيء من القرآن نزل فيه وهذا لا يعوَّل عليه، فمن حَفِظَ
حَجَّة على مَنْ لم يحفظ، وأجيب عن شبهة ابن جُبير بأنهم قد يقولون: إن السورة
مكيةٌ، وبعض آياتها مدنيةٌ، فلتكن هذه من ذلك، وأنتَ تعلمُ أنه لا بدَّ لهذا من
نقل.
وفي ((البحر)) (٣) أن ما ذُكر لا يستقيم إلا أن تكون هذه الآيةُ مدنيةً، والجمهورُ
على أنها مكيةٌ. وأُجيب بأن ذلك لا ينافي كونَ الآيةِ مكيةً، بأن يكون الكلامُ إخباراً
عما سيشهد به، ولك أن تقول: إذا كان المعنى على طرز ما في ((الكشف))، وأنه
لا يلزم من كفاية من ذُكر في الشهادة أداؤها، لم يضرَّ كونُ الآية مكيةً، وعدمُ
إسلام عبد الله بن سَلام حين نزولها، بل ولا عدمُ حضوره، ولا مانعَ أن تكون الآيةُ
مكية، والمرادُ من ((الذين كفروا)) أهلُ مكة، وممن عنده علم الكتاب اليهودُ
والنصارى؛ كما أخرجه ابن جرير(٤) من طريق العوفيّ عن ابن عباس، ويكون
الحاصل الجواب بذلك: إنكم لستُم بأهل الكتاب، فاسألوا أهلَه؛ فإنهم في
جواركم. نعم قال شيخ الإسلام(٥): إنَّ الآيةَ مدنيةٌ بالاتفاق. وكأنه لم يقف على
الخلاف، وقيل: المرادُ بـ ((الكتاب)) اللوح، و((من)) عبارة عنه تعالى، ورُوي هذا
(١) أورده السيوطي في الدر المنثور ٦٩/٤.
(٢) سنن سعيد بن منصور (١١٧٧ التفسير)، وأخرجه الطبري ٥٨٦/١٣.
(٣) البحر المحيط ٥/ ٤٠١.
(٤) تفسير الطبري ٥٨٢/١٣.
(٥) تفسير أبي السعود ٢٩/٥.

سُورَةُ الرَّعْدِ
١٩٦
الآية : ٤٣
عن مجاهد والزجَّاج(١)، وعن الحسن: لا والله ما يعني إلا الله تعالى. والمعنى .
كما في ((الكشاف))(٢) -: كفى بالذي يستحقُّ العبادةَ، وبالذي لا يعلم علمَ ما في
اللوح إلا هو شهيداً بيني وبينكم، وبهذا التأويل صار العطفُ مثله في قوله:
إلى الملك القَرْمِ وابنِ الهُمام وليثِ الكتيبة في المزدَحَمِ (٣)
فلا محذورَ في العطف، والحصرُ إما من الخارج؛ لأن علم ذلك محصورٌ به
تعالى، أو للذهاب إلى أنَّ الظرف خبرٌ مقدَّم، فيفيد الحصرَ. وقَسَمُ الحسنِ للمبالغة
في ردِّ ما زعموا على ما قيل. وفي ((الكشف)): إنما بالغ الحسنُ لما قدَّمنا من بناء
السُّورة الكريمة على ما بني، وجعل السابقة مثلَ الخاتمة، وما في العطف من
النكتة، ولهذا فسَّره الزمخشريُّ بقوله: كفى بالذي إلخ، عطفَهُ عطفَ ذاتٍ على
ذاتٍ؛ إشارةً إلى الاستقلال بالشهادة من كلِّ واحد من الوصفين من غيرِ نظرٍ إلى
الآخر، فالذي يستحقُّ العبادةَ قد شهد بما شحن الكتاب من الدَّعوة إلى عبادته،
وبما أيَّد عبدَه من عندِه بأنواع التأييد، والذي لا يعلم علمَ ما في اللوح، أي: علمَ
كلِّ شيء إلا هو قد شهد بما ضمَّنَ الكتابَ من المعارف، وأنزله على أسلوبٍ فائق
على المتعارَف، ويعضُدُ ذلك القول أنه قرأ عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهَه، وأُبَيٍّ، وابن
عباس، وعكرمة، وابن جبير، وعبد الرحمن بن أبي بَكْرة، والضحَّاك، وسالم بن
عبد الله بن عمر، وابنُ أبي إسحاق، ومجاهد، والحَكَم، والأعمش: ((ومِنْ عِنْدِهِ
علمُ الكتاب)) (٤) بجعل ((من)) حرفَ جرِّ، والجارّ والمجرور خبر مقدَّم، و((علم))
مبتدأ مؤخّر.
وقرأ عليٍّ - كرَّم الله تعالى وجهه - أيضاً، وابنُ السَّمَيْفَع، والحسنُ بخلاف عنه:
((مِنْ عندِهِ)) بحرف الجر، و((عُلِمَ الكتابُ))(٥) على أن ((عُلِمَ)) فعلٌ مبنيٌّ للمفعول،
(١) معاني القرآن ٣/ ١٥١، واقتصر على قوله: و((من)) يعود على الله عز وجل.
(٢) ٣٦٤/٢.
(٣) سلف البيت ٢/ ٣٥٠.
(٤) القراءات الشاذة ص٦٧، والبحر ٥/ ٤٠٢ .
(٥) القراءات الشاذة ص٦٧، والبحر ٤٠٢/٥، وذكر ابن خالويه أن الحسن قرأ كذلك: ((ومِنْ
عندِهِ أُّ الكتاب».

الآية : ٤٣
١٩٧
سُورَةُ الرَّعَلِ
و((الكتابُ)) نائب الفاعل؛ فإن ضمير ((عنده)) على القراءتين راجع الله تعالى كما في
القراءة السابقة على ذلك التأويل، والأصل توافقُ القراءات، وقيل: المراد
بـ ((الكتاب)) اللوحُ، وبـ ((من)) جبريل عليه السلام. وأخرج تفسير ((من)) بذلك ابنُ
أبي حاتم عن ابن جُبير، وهو كما ترى.
وقال محمد ابنُ الحَنَفيَّةِ والباقرُ؛ كما في ((البحر))(١): المراد بـ (من)) عليّ
كرَّم الله تعالى وجهه، والظاهر أن المراد بـ ((الكتاب)) حينئذٍ القرآنُ، ولَعَمري إن
عنده رَُّّ علمُ الكتاب كملاً، لكن الظاهر أنه كرَّم الله تعالى وجهه غيرُ مراد.
والظاهر أن ((من)) في قراءة الجمهور في محل جرِّ بالعطف على لفظ الاسم
الجليل، ويؤيِّده أنه قُرئ بإعادة الباء في الشوادِ(٢)، وقيل: إنه في محلِّ رفعٍ
بالعطف على محلِّه؛ لأن الباء زائدةٌ، وقال ابنُ عطية(٣): يحتمل أن يكون في
موضع رفع على الابتداء، والخبرُ محذوفٌ تقديرُه: أعدلُ أو أمضى قولاً، أو نحو
هذا مما يدلُّ عليه لفظُ ((شهيداً))، ويُراد بذلك الله تعالى، وفيه من البُعد ما لا يخفى.
والعلمُ في القراءة التي وقع ((عنده)) فيها صلةً مرفوعٌ بالمقدَّر في الظرف،
فيكون فاعلاً؛ لأن الظرفَ إذا وقع صلةً أوغَلَ في شَبَه الفعل؛ لاعتماده على
الموصول، فعمل عمل الفعل، كقولك: مررتُ بالذي في الدار أخوه. فأخوه
فاعلٌ، كما تقول: بالذي استقرَّ في الدار أخوه. قاله الزمخشريُّ(٤)، ولیس
بالمتحِّم؛ لأن الظرفَ وشبههُ إذا وقعا صِلَتین، أو صفتین، أو حالین، أو خبرین،
أو تقدَّمَهما أداةُ نفي أو استفهام، جاز فيما بعدَهما من الاسم الظاهر أن يرتفعَ
على الفاعلية، وهو الأجود، وجاز أن يكون مبتدأً والظرفُ أو شبهُهُ في موضع
الخبر، والجملةُ من المبتدأ والخبر صلةٌ، أو صفةٌ، أو حال، أو خبر، وهذا مبنيٌّ
على اسم الفاعل، فكما جاز ذلك فيه، وإن كان الأحسنُ إعمالَه في الاسم
الظاهر، فكذلك يجوزُ فيما ناب عنه من ظرفٍ أو مجرور، وقد نصَّ سيبويه على
(١) البحر المحيط ٤٠١/٥.
(٢) البحر المحيط ٥/ ٤٠٢، والدر المصون ٦٣/٧.
(٣) المحرر الوجيز ٣٢٠/٣.
(٤) الكشاف ٣٦٥/٢.

سُورَّةُ الرَّعَلِ
١٩٨
التفسير الإشاري (٢٠-٤٣)
إجازة ذلك في نحو: مررتُ برجلٍ حسنٌ وجهُه، فأجاز رفع حسن على أنه خبرٌ
مقدَّم. وقد توهّم بعضُهم أن اسم الفاعل إذا اعتمد على شيء مما ذُكر تحثَّم
إعمالُه في الظاهر، وليس كذلك. وقد أعرب الحوفيُّ ((عنده علم الكتاب)) مبتدأ
وخبراً في صلة ((من))، وهو ميلٌ إلى المرجوح، وفي الآية على القراءتين بـ ((من))
الجارَّة دلالةٌ على أن تشريفَ العبد بعلوم القرآن من إحسان الله تعالى إليه وتوفيقه،
نسألُ الله تعالى أن يُشرِّفنا بهاتيك العلوم، ويوفِّقنا للوقوف على أسرار ما فيه من
المنطوق والمفهوم، ويجعلَنا ممَّن تمسّك بعروته الوثقى، واهتدى بهداه، حتى
لا يضلَّ ولا يشقى، ببركة النبيِّي ◌َّه.
ومن باب الإشارة في الآيات: ﴿الَّذِينَ يُوفُّونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَقُضُونَ الْمِيثَقَ﴾ قيل:
عهدُ الله تعالى مع المؤمنين القيامُ له سبحانه بالعبودية في السرَّاء والضرَّاء. ﴿وَالَّذِينَ
يَصِلُونَ مَا أَمَّرَ اللَّهُ بِ أَن يُوصَلَ﴾ فيَصِلُون بقلوبهم محبَّتَه، وبأسرارهم مشاهدتَه سبحانه
وقربتَه. ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ عند تجلِّي الصفات في مقام القلب، فيشاهدون جلالَ
صفة العظمة، ويلزَمُهم الهيبةُ والخشية. ﴿وَغَفُونَ سُوَءَ الِسَابٍ﴾ عند تجلِّي الأفعال
في مقام النفس، فينظرون إلى البطش والعقاب، فيلزمهم الخوف.
وسُئل ابنُ عطاء: ما الفرقُ بين الخشية والخوف؟ فقال: الخشيةُ من السقوط
عن درجات الزُّلفى، والخوف من اللُّحوق بدَرَكات المَفْت والجفا. وقال بعضُهم:
الخشيةُ أدقُّ، والخوفُ أصلب.
﴿وَلَّذِيْنَ صَبَرُواْ أَبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ صبروا عمَّا دون الله تعالى بالله سبحانه لكشفٍ
أنوار وجهه الكريم، أو صبروا في سلوك سبيله سبحانه عن المألوفات طلباً لرضاه.
﴿وَقَامُواْ الضَّلَوَةَ﴾ صلاةَ المشاهدة، أو اشتغلوا بالتزكية بالعبادات البدنية. ﴿وَأَنْفَقُواْ
مِنَا رَزَقْتَهُمْ سِرَّاً وَعَلَائِيَّةٌ﴾ أفادوا مما مَنَنَّا عليهم من الأحوال والمقامات والكشوف،
وهذَّبوا المريدين حتى صار لهم ما صار لهم ظاهراً وباطناً، أو اشتغلوا بالتزكية
بالعبادات المالية أيضاً (١). ﴿وَيَدْرَهُونَ بِاَلْسَنَةِ﴾ الحاصلةِ لهم من تجلِّ الصفة
(١) قوله: أيضاً، لم يرد في الأصل، والمثبت من (م).

التفسير الإشاري (٢٠-٤٣)
١٩٩
سُؤَدَّةُ الرَّعَلِ
الإلهية السَّنِيَّة ﴿السَِّئَةَ﴾ التي هي صفةُ النفس. وقال بعضُهم: يعاشرون الناسَ
بحُسْنِ الخُلق، فإن عامَلَهم أحدٌ بالجفاء قابلوه بالوفاء. ﴿أُوْلَكَ لَمْ عُقْبَ الذَّارِ﴾
البقاءُ بعد الفناء، أو العاقبةُ الحميدة.
﴿وَجَثَّتُ عَدٍْ يَدْخُنْهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَّبِهِمْ وَأَزْوَجِهِمْ وَذُرِيَّتِهِمْ﴾ قيل: يدخلون جنةَ الذات
ومَنْ صلح من آباء(١) الأرواح، ويدخلون جنةَ الصفات بالقلوب، ويدخلون جنةً
الأفعال ومَنْ صلح من أزواج النفوس وذُرِّيات القوى، أو يدخلون جناتِ القرب
والمشاهدة والوِصال، ومَنْ صلح من المذكورين تبعٌ لهم، ولأجلٍ عينٍ ألفُ عين
تكرم.
سَلَمُّ عَيْكُم بِمَا صَبَُّمْ فَنِعْمَ عُقْبِىَ الَّارِ
﴿وَالْمَلَتِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّنِ كُلِّ بَابٍ
٢٤
يدخل عليهم أهلُ الجبروت وأهل المَلَكوت من كلِّ بابٍ من أبواب الصفات،
محيِّين لهم بتحابا الإشراقات النورية، والإمدادات القدسية، أو يدخلُ عليهم
الملائكةُ الذين صَحِبُوهم في الدنيا من كلٌّ بابٍ من أبواب الطاعة، مسلِّمين عليهم
بعد استقرارهم في منازلهم كما يُسلِّم أصحابُ الغائب عليه إذا قدم إلى منزله
واستقرَّ فيه.
﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ الإيمانَ العلميَّ بالغيب. ﴿وَتَطْمَيْنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اٌلَهُ﴾ قالوا: ذِكْرُ
النفس باللسان والتفكرٍ في النِّعم، وذِكْرُ القلب بالتفكّر في المَلَكوت، ومطالعةِ
صفات الجمال، وذِكْرُ السرِّ بالمناجاة، وذِكْرُ الروح بالمشاهدة، وذِكْرُ الخفاءِ(٢)
بالمناغاة في العشق(٣)، وذِكر الله تعالى بالفناء فيه.
﴿َلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَظْمَيِنُّ الْقُلُوبُ﴾ وذلك أن النفسَ تضطربُ بظهور صفاتها
وأحاديثها، وتطيشُ فيتلوَّن القلبُ ويتغيَّر لذلك، فإذا تفكّر في المَلَكوت، ومطالعةٍ
أنوار الجمال والجبروت، استقرَّ واطمأنَّ، وسائرُ أنواع الذِّكْر إنما يكون بعد
الاطمئنان، قال الهزجوري (٤): قلوبُ الأولياء مطمئنَّة لا تتحرَّك دائماً؛ خشيةً أن
(١) في الأصل: من آبائهم، والمثبت من (م).
(٢) في الأصل: وذكر الخفي، والمثبت من (م).
(٣) في الأصل: بالعشق، والمثبت من (م).
(٤) كذا في الأصل و(م)، ولعله تحريف، صوابه: الهُجْويري، وهو أبو الحسن علي بنٍ

سُورَةُ الرَّعَلِ
٢٠٠
التفسير الإشاري (٢٠-٤٣)
يتجلَّى الله تعالى عليها فجأةً، فيجدَها غيرَ متَّسِمةٍ بالأدب.
﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّلِحَتِ﴾ تخليةً وتحليةً ﴿طُوبَ لَهُمْ﴾ بالوصول إلى
الفِظْرة وكمالِ الصفات ﴿وَحُسْنُ مَثَابٍ﴾ بالدخول في جنة القلب، وهي جنةٌ
الصفات، أو ((طوبى لهم)) الآن حيث لم يُوجد منهم ما يُخالف رضاء محبوبهم،
(وحسنُ مآبٍ)) في الآخرة حيث لا يجدون من محبوبهم خلافَ مأمولهم.
﴿أَفَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ أي: بحسب كَسْبها ومقتضاه، أي:
كما تقتضي مكسوباتُها من الصفات والأحوال التي تعرضُ لاستعدادها يُفيض عليها
من الجزاء.
﴿قُلْ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِذْ﴾ ما أَخرج سبحانه أحداً من العبودية
حتى سيِّد أحرارِ البَرِيَّةِ بَّهِ. وفسَّرها أبو حفص بأنها تركُ كلِّ ملكٍ، وملازمةٌ
المأمور به. وقال الجُنيد قُدِّس سرُّه: لا يرتقي أحدٌ في درجات العبودية حتى يُحكِمَ
فيما بينه وبين الله تعالى أوائلَ البدايات، وهي الفروضُ والواجبات، والسُّنن
والأوراد، ومطايا الفضل عزائمُ الأمور، فمن أحكَمَ على نفسهِ هذا، مَنَّ الله تعالى
عليه بما بعدَه. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَحَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَجًا وَذُرِّيَّةٌ﴾ فيه - على ما قيل
- إشارةٌ إلى أنه إذا شرَّف الله تعالى شخصاً بولايته لم يضرَّ به مباشرة أحكام البشرية
من الأهل والولد، ولم يكن بسط الدنيا له قَدْحاً في ولايته.
وقوله سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِىَ بِئَايَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ فیه منعُ طلبٍ
الكرامات واقتراحِها من المشايخ. ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ لكلِّ وقتٍ أمرٌ مكتوبٌ يقع
فيه ولا يقع في غيره، ومن هنا قيل: الأمور مرهونة لأوقاتها. وقيل: لله تعالى
خواصّ في الأزمنة والأمكنة والأشخاص.
﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثِتٌ﴾ قيل: يمحو عن ألواحِ العقول صورَ الأفكار،
عثمان بن أبي علي الجلابي الحسيني، الحنفي الغَزْنوي، من قرية هُجْويرة من مضافات
=
غَزْنين، صنف: كشف حجب المحجوب لأرباب القلوب، وهو من شروح الفصوص،
وثواقب الأخبار. توفي بلاهور سنة (٤٦٥هـ). تاج العروس: (هجر)، وكشف الظنون
١٤٨٨/٢ و١٤٩٤، وهدية العارفين ٦٩١/٥.