النص المفهرس

صفحات 161-180

الآيتان : ٣٢ - ٣٣
١٦١
سُورَةُ الرَّحْدِ
السائب أن المرادَ بهم الكفارُ مطلقاً، قالا: وذلك الأمرُ مستمرٌّ فيهم إلى يوم
القيامة، ولا يتأتَّى على هذا أن يُراد بالقارعة سرايا رسولِ الله وَّهِ، فيُراد بها حينئذٍ
ما ذُكر أولاً، وأنتَ تعلم أنه إذا أُريد جنسُ الكَفَرة لا يلزم منه حلولُ ما تقدَّم
بجميعهم.
وقرأ مجاهدٌ وابن جُبير: ((أو يَحُلُّ)) بالياء على الغَيبة(١)، وخُرِّج ذلك على أن
يكون الضميرُ عائداً على القارعة باعتبار أنها بمعنى البلاء، أو بجّعْل هائها
للمبالغة، أو على أن يكون عائداً على الرسول عليه الصلاة والسلام. وقرآً أيضاً:
(من ديارهم)) على الجمع(٢).
﴿وَلَقَدِ أُسْتُهْزِئَّ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي: تركتُهم ملاوةً - أي: من
الزمان، ومنه: المَلَوان - في أمنٍ وَدَعَة، كما يُملى للبهيمة في المرعى، وهذا تسليةٌ
للحبيب وَ﴿ عمَّا لقي من المشركين من الاستهزاء به عليه الصلاة والسلام وتكذيبه،
وعدم الاعتدادِ بآياته، واقتراحٍ غيرِها، وكلُّ ذلك في المعنى استهزاءٌ ووعيدٌ لهم،
والمعنى: أن ذلك ليس مختصًّا بك، بل هو أمرٌ مطّرد قد فُعِلَ برسل جليلةٍ
كثيرة كائنةٍ من قبلك، فأمهلتُ الذين فعلوه بهم.
والعدولُ في الصلة إلى وصفِ الكفر ليس لأنَّ المُملَى لهم غيرُ المستهزئين،
بل للإشارة إلى أنَّ ذلك الاستهزاءَ كفرٌ كما قيل. وفي ((الإرشاد))(٣): لإرادة
الجمع بين الوصفين، أي: فأمليتُ للذين كفروا بكفرهم مع استهزائهم،
لا باستهزائهم فقط.
(ج)﴾ أي: عقابي إيَّاهم، والمراد التعجيبُ
أَخَذْ تُهُمَّ فَكَفَ كَانَ عِقَابٍ
مما حلَّ بهم، وفيه من الدلالة على شدَّته وفظاعته ما لا يخفى.
﴿أَفَنْ هُوَ قَآَبِرُ﴾ أي: رقيبٌ ومهيمنٌ ﴿عَلَى كُلِّ نَفْسٍ﴾ كائنة ما كانت ﴿بِمَا
كَسَبَتْ﴾ فعلت من خير أو شرِّ، لا يخفى عليه شيء من ذلك، ولا يفوتُه ما يستحقُّه
(١) البحر المحيط ٣٩٣/٥، والدر المصون ٥٥/٧.
(٢) القراءات الشاذة ص٧٧، والبحر المحيط ٣٩٣/٥، والدر المصون ٥٥/٧.
(٣) تفسير أبي السعود ٢٤/٥.

سُوَّ الرَّحَدِ
١٦٢
الآية : ٣٣
كلٌّ من الجزاء، وهو الله تعالى شأنه، وما حكاه القرطبيُّ(١) عن الضخَّاك من أن
المراد بذلك الملائكةُ الموَّلون ببني آدم، فممَّا لا يكاد يُعرَّج عليه هنا.
و((من)) مبتدأ، والخبر محذوفٌ، أي: كمن ليس كذلك؟ ونظيرُه قوله تعالى:
﴿أَفَنْ شَرَحَ اَللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَِّ،﴾ [الزمر: ٢٢] وحَسَّنَ حذفَه
المقابلةُ، وقد جاء مثبتاً كثيراً، كقوله تعالى: ﴿أَفَعَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لََّ يَخْلُ﴾
[النحل: ١٧] وقوله سبحانه: ﴿أَفْتَنْ يَعْلَمُ أَنَّ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن ◌َّيَّكَ اَلْفَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَ﴾
[الرعد: ١٩] إلى غير ذلك. والهمزةُ للاستفهام الإنكاريِّ، وإدخالُ الفاء؛ قيل:
لتوجيه الإنكار إلى توهُّم المماثلة غِبّ ما عُلم مما فعَلَ سبحانه بالمستهزئين من
الإملاء والأخذ، ومن كونِ الأمر كله له سبحانه، وكونٍ هداية الناس جميعاً
منوطةً بمشيئته جلَّ وعلا، ومن تواترِ القوارع على الكَفَرة حتى يأتي وعدُه تعالى،
كأنه قيل: الأمرُ كذلك، فمَنْ هذا شأنه كما ليس في عداد الأشياء حتى يُشركوه
به. فالإنكار متوجّهٌ إلى ترتّب المعطوف، أعني: توهُّم المماثلة على المعطوف
عليه المقدَّر، أعني: كونَ الأمر كما ذُكر (٢)، لا إلى المعطوفين جميعاً(٣). وفي
(الكشف)): أنه ضمَّنَ هذا التعقيبَ الترقي في الإنكار، يعني: لا عجبَ من
إنكارهم لآياتكَ الباهرة مع ظهورها، إنما العجبُ كلُّ العجب جعلُهم القادرَ على
إنزالها، المجازي لهم على إعراضهم عن تدبُّرِ معانيها وأمثالها بقوارع تَتْرى،
واحدةً غِبَّ أُخرى، يشاهدونها رأيَ عين تترامى بهم إلى دار البَوَار وأهوالها،
كمَنْ لا يملكُ لنفسه ضرًّا ولا نفعاً، فضلاً عمَّن اتخذه ربًّا يرجو منه دفعاً أو
جلباً! وزعم بعضُهم أن الفاءَ للتعقيب الذِّكري، أي: بعد ما ذُكر أقولُ هذا الأمر،
وليس بذاك.
﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَّةَ﴾ جملةٌ مستأنفةٌ، وفيها دلالةٌ على الخبر المحذوف، وجُوِّز
أن تكون معطوفةً على ((كسبت)) على تقدير أن تكون ((ما)) مصدريةً لا موصولةً،
والعائدُ محذوفٌ، ولا يلزم اجتماعُ الأمرين حتى يخصَّ كلّ نفس بالمشركين، وأبعَدَ
(١) تفسير القرطبي ١٢/ ٧٧.
(٢) جاء في حاشية (م) ما نصه: كما في قولك: أتعلم الحق فلا تعمل به. اهـ منه.
(٣) جاء في حاشية (م) ما نصه: كما في قولك: ألا تعلم الحق فلا تعمل به. اهـ منه.

الآية : ٣٣
١٦٣
سُوَّةُ الرَّعَلِ
من قال: إنها عطفٌ على ((استهزئ)). وجُوِّز أن تكون حاليةً على معنى: أفمن هذه
صفاتُه کمن ليس كذلك؟ وقد جعلوا له شركاء لا شريكاً واحداً!
وقال صاحب ((حل العقد))(١): المعنى على الحالية: أفمن هو قائمٌ على كلِّ
نفس بما كسبت موجودٌ والحالُ أنهم جعلوا له شركاء، وهذا نظيرُ قولك: أجَوادٌ
يعطي الناسَ ويُغنيهم موجودٌ ويحرم مِثْلي؟!
ومنهم من أجاز العطفَ على جملة: ((أفمن هو قائمٌ على كلِّ نفس بما كسبت))
كمن ليس كذلك؟ لأنَّ الاستفهامَ الإنكاريَّ بمعنى النفي، فهي خبريةٌ معنّى.
وقدَّر آخرون الخبر: لم يُوحِّدوه، وجعل العطفَ عليه، أي: أفمن هذا شأنُه لم
يوحّدوه وجعلوا له شركاء؟ وظاهرُ كلامهم اختصاصُ العطف على الخبر بهذا
التقدير دون تقدير: كمن ليس كذلك. قال البَدْر الدَّمامينيُّ: ولم يظهر وجهُ
الاختصاص، ووجَّه ذلك الفاضلُ الشُّمُنِّي(٢) بأن حصولَ المناسبة بين المعطوف
والمعطوفِ عليه التي هي شرط قبول العطف بالواو إنما هو على التقدير الأخير دون
التقدير الأول، ويدل على الاشتراطِ قولُ أهل المعاني: زيدٌ يكتب ويشعر، مقبول،
دون يعطي ويشعر.
وتعقّبه الشهاب(٣) بأنه من قلَّة التدبُّر؛ فإنَّ مرادَهم أنه على التقدير الأول يكونُ
الاستفهامُ إنكاريًّا، بمعنى: لم يكن، نفياً للتشابه على طريق الإنكار، فلو عطف
جعلُهم شركاء عليه يقتضي أنه لم يكن، وليس بصحيح، وعلى التقدير الأخير
الاستفهامُ توبيخيٍّ، والإنكارُ فيه بمعنى: لم كان؟ وعدمُ التوحيد وجعلُ الشركاء
واقعٌ موبَّخٌ عليه منكَرٌ، فيظهرُ العطفُ على الخبر، وأما ما ذُكر من حديث التناسب
فغفلةٌ؛ لأن المناسبة بين تشبيه الله سبحانه بغيره والشِّرك تامَّةٌ، وعلى الوجه الأخير
عدمُ التوحيد عينُ الإشراك، فليس محلًّا للعطف عند أهل المعاني على ما ذَكره،
فهو محتاج إلی توجیه آخر.
(١) نقله الرازي في تفسيره ٥٦/١٩. ونقله عنه أبو حيان في البحر ٣٩٤/٥.
(٢) المنصف من الكلام على مغني ابن هشام ٢٣/١. ولم نقف على قول الدماميني في حاشيته
على المغني، وقد نقله الشمني، ونقله أيضاً الشهاب في حاشيته ٥/ ٢٤٢.
(٣) حاشية الشهاب ٢٤٢/٥.

سُورَةُ الرَّعَلِ
١٦٤
الآية : ٣٣
واختار بعض المحقّقين التقديرَ الأول، وفي ذلك الحذفِ تعظيمٌ للقالة، وتحقيرٌ
لمن زنَّ بتلك الحالة، وفي العدول عن صريح الاسم في ((أفمن هو قائم)) تفخيمٌ
فخيمٌ بواسطة الإبهام المضمَر في إيراده موصولاً، مع تحقيق أنَّ القيام كائنٌ وهم
محققون، وفي وضع الاسم الجليل موضعَ الضميرِ الراجع إلى ((من)) تنصيصٌ على
وحدانيته تعالى ذاتاً واسماً، وتنبيهٌ على اختصاصه باستحقاق العبادة، مع ما فيه من
البیان بعد الإبهام، ولعلَّ توجیه الوضع المذکور مما لا يختصُّ به تقدیرٌ دون تقدیر،
وخصّه بعضُهم فیما يُحتاج علیه إلى ضمير.
﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ تبكيتٌ إثرَ تبكيت، أي: سمُّوهم مَنْ هم؟ وماذا أسماؤهم؟ وفي
(البحر))(١): أن المعنى أنهم ليسوا ممن يُذكر ويُسمَّى، إنما يذكر ويُسمَّى مَنْ ينفع
ويضرُّ، وهذا مثل أن يُذْكَر لك أن شخصاً يُوقَّر ويُعّم وهو عندك لا يستحقُّ ذلك،
فتقول لذاكره: سمِّه حتى أُبيِّن لك زَيْفَه، وأنه بمعزِلٍ عن استحقاق ذلك. وقريبٌ
منه ما قيل: إنَّ ذلك إنما يقال في الشيء المستحقَرِ الذي يبلغ في الحقارةِ إلى أن
لا يُذكر ولا يوضَع له اسمٌّ، فيقال: سَمِّه، على معنى أنه أخسُ من أن يُذكر
ويُسمَّى، ولكن إن شئتَ أن تضَعَ له اسماً فافعل، فكأنه قيل: سمُّوهم بالآلهة، على
التهديد، والمعنى: سواءٌ سمَّيتُموهم بذلك أم لم تسمُّوهم به؛ فإنهم في الحقارة
بحيث لا يستحقُّون أن يَلتفِتَ إليهم عاقلٌ، وقيل: إن التهديدَ هنا نظيرُ التهديد لمن
نُهي عن شرب الخمر، ثم قيل له: سمِّ الخمر بعد هذا، وهو خلافُ الظاهر،
وقيل: المعنى: أُذكروا صفاتهم، وانظروا هل فيها ما يستحقُّون به العبادة
ويستأهلون الشّركة.
﴿وَمَ تُنُِّونَهُ﴾ أي: بل أتخبرون الله تعالى ﴿بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: بشركاء
مستحقِّين للعبادة لا يعلمُهم سبحانه وتعالى. والمرادُ نفيها بنفي لازمها على طريق
الكناية؛ لأنه سبحانه إذا كان لا يعلمُها، وهو الذي لا يعزبُ عن علمه مثقالُ ذَرَّةٍ
في الأرض ولا في السماء، فهي لا حقيقةً لها أصلاً.
وتخصيصُ الأرض بالذِّكر؛ لأنَّ المشركين إنما زعموا أنه سبحانه له شركاء
فيها، والضميرُ المستقرُّ في ((يعلم)) على هذا التفسير لله تعالى، والعائد على ((ما))
(١) البحر المحيط ٥/ ٣٩٤.

الآية : ٣٣
١٦٥
سُؤَدَّةُ الرَّعَلِ
محذوفٌ كما أشرنا إلى ذلك. وجُوِّز أن يكون العائدُ ضميرَ ((يعلم))، والمعنى:
أتنبِّئون الله تعالى بشركة الأصنام التي لا تتَّصف بعلم ألبتَّةَ؟ وذكر نفي العلم في
الأرض لأنَّ الأرضَ مقرُّ الأصنام، فإذا انتفى علمُها في المقرِّ التي هي فيه فانتفاؤه
في السماوات العلى أخرى.
وقرأَ الحسنُ: (أتُتْبِئونه)) بالتخفيف من الإنباء(١).
وأَمْ بِظَاهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ﴾ أي: بل أتسمُّونهم شركاء بظاهرٍ من القول من غير معنى
متحقِّق في نفس الأمر؟ كتسمية الزنجيّ كافوراً، كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهُم
بِأَفْوَهِهِزٌ﴾ [التوبة: ٣٠] ورُوي عن الضحَّاك وقتادة أن الظاهرَ من القول الباطلُ منه،
وأنشدوا من ذلك قوله:
أَعَيَّرْتَنا ألبانَها ولحومَها وذلك عارٌ يا ابنَ رَيْطة ظاهرُ(٢)
ويُطلق الظاهر على الزائل كما في قوله:
وعيَّرها الواشون أني أُحبُّها وتلك شكاةٌ ظاهرٌ عنك عارُها(٣)
ومَنْ أراد ذلك هنا فقد تكلَّف. وعن الجُبَّائي أن المراد من ((ظاهر من القول))
ظاهرُ كتابٍ أنزله الله تعالى وسمَّى به الأصنام آلهةً حقَّة، وحاصلُ الآية نفي الدليل
العقليِّ والدليل السمعيِّ على حقِّيَّة عبادتها واتخاذِها آلهة. وجُوِّز أن تكون (أم))
متّصلةً، والانقطاعُ هو الظاهر.
ولا يخفى ما في الآية من الاحتجاج والأساليب العجيبة ما ينادي بلسانٍ
طَلْق ذَلقٍ أنه ليس من كلام البشر، كما نصَّ على ذلك الزمخشريُّ(٤)، وبيَّن
ذلك صاحبُ ((الكشف)) بأنه لما كان قولُه تعالى: ((أفمن هو قائم)) كافياً في هدم
قاعدةِ الإشراك؛ للتفرُّع السابق، والتحقُّق بالوصف اللاحق مع ما ضُمِّن من
(١) البحر المحيط ٣٩٥/٥.
(٢) البيت لسَبْرة بن عمرو الفَفْعسي، وهو من أبيات الحماسة ٢٣٨/١ بشرح المرزوقي، وقال:
لم عيرتنا ألبان الإبل ولحومها، واقتناء الإبل مباح لا محظور في القديم والحديث؟!
(٣) البيت لأبي ذؤيب الهذلي. شرح أشعار الهذليين ١/ ٧٠.
(٤) الكشاف ٣٦٢/٢.

سُورَةُ الرَّحْلِ
١٦٦
الآية : ٣٣
زيادات النكت، وكان إبطالاً من طرفِ الحقِّ، وذَيَّل بإبطاله من طرف النقيض
على معنى: وليتهم إذ أشركوا بمن لا يجوز أن يُشرَكَ به أشركوا مَنْ يُتوهّم فيه
أدنى توُّّم. ورُوعي فيه أنه لا أسماءَ للشركاء فضلاً عن المسمَّى على الكناية
الإيمائية، ثم بُولغ فيه بأنه لا يستأهلُ السؤالَ عن حالها بظهور فسادها، وسلك
فيه مسلك الكناية التلويحيَّة من نفي العلم بنفي المعلوم، ثم منه بعدم
الاستئهال.
والهمزةُ المضمَّنة فيها تدلُّ على التوبيخ وتقريرِ أنهم يريدون أن يُنَبِّؤوا عالِمَ السرِّ
والخفيَّات بما لا يعلمُه، وهذا محالٌ عَلى محال، وفي جعله اتخاذَهم شركاء
ومجادلتهم رسول الله ێ نكتةٌ سریة، بل نکتُ سریة، ثم أضرب عن ذلك، وقيل:
قد بيَّن الشمس لذي عينين، وما تلك التسميةُ إلا بظاهرٍ من القول من غير أن يكون
تحتَه طائلٌ، وما هو إلا مجرَّد صوت فارغ حقَّ لمن تأمَّل فيه حقَّ التأمُّل أن يعترف
بأنه كلامٌ مصون عن التعمُّل، صادرٌ عن خالق القوى والقدر، تتضاءل عن بلوغ
طرف من أسراره أفهامُ البشر.
وقد ذيَّل الزمخشريُّ(١) كلامَه بقوله: فتبارك الله أحسنُ الخالقين، وهي كما في
(الانتصاف)) كلِمةُ حقِّ أُريد بها باطلٌ (٢)، يُدندن بها مَنْ هو عن حلية الإنصاف
عاطلٌ.
هذا، ﴿بََّ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إضرابٌ عن الاحتجاج عليهم، ووُضع الموصولُ
موضع الضميرِ ذمًّا لهم، وتسجيلاً عليهم بالكفر، كأنه قيل: دَعْ هذا؛ فإنه لا فائدةَ
فيه؛ لأنهم زُيِّن لهم ﴿مَكْرُهُمْ﴾ كيدُهم للإسلام بشركهم أو تمويههم الأباطيل،
فتكلَّفوا إيقاعَها في الخيال من غير حقيقة، ثم بعد ذلك ظنّوها شيئاً؛ لتماديهم في
الضلال، وعلى هذا: المرادُ مكرُهم بأنفسهم، وعلى الأول: مكرُهم بغيرهم،
وإضافةُ ((مكر)) إلى ضميرهم من إضافة المصدر إلى الفاعل، وجُوِّز على الثاني أن
یکون مضافاً إلى المفعول، وفيه بُعْد.
(١) الكشاف ٣٦٢/٢.
(٢) الانتصاف ٣٦٢/٢. وعلل قوله: أريد بها باطل، بقوله: لأنه يُعرِّض فيها بخلق القرآن،
فتنبه لها .

الآية : ٣٤
١٦٧
سُؤَّةُ الرَّعَلِ
وقرأ مجاهدٌ: ((بل زَيَّن)) على البناء للفاعل، و((مكرَهم)) بالنصب(١).
﴿وَصُدُّواْ عَنِ السَِّيلِ﴾ أي: سبيل الحقِّ، فتعريفُه للعهد أو ما عداه، كأنه غير
سبيل، وفاعلُ الصدِّ إما ((مكرهم)) ونحوه، أو الله تعالى بختمِهِ على قلوبهم، أو
الشيطانُ بإغوائه لهم، والاحتمالان الأخيران جاريان في فاعل التزيين.
وقرأ ابنُ كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: ((وصَدُّوا)) على البناء
للفاعل(٢)، وهو كالأول، من صدَّه صدًّا، فالمفعولُ محذوفٌ، أي: صَدُّوا الناسَ
عن الإيمان، ويجوز أن يكون من صدَّ صدوداً، فلا مفعول. وقرأ ابنُ وثَّاب:
((صِدُّوا)) بكسر الصاد، وقال بعضهم: إنه قرأ كذلك في ((المؤمن))، والكسر هنا
لابن يَعْمَر(٣)، والفعلُ على ذلك مجهولٌ نُقلت فيه حركةُ العين إلى الفاء إجراءً له
مجرى الأجوف، وقرأ ابنُ أبي إسحاق: ((وصَدٌّ) بالتنوين عطفاً على ((مكرهم)(٤).
﴿وَمَنْ يُضَّلِلِ اللَّهُ﴾ أي: يخلقُ فيه الضلالَ؛ لسوء استعداده ﴿فَا لَهُ مِنْ هَادٍ
يوفِّقُه للهدى، ويوصلُه إلى ما فيه نجاتُه.
﴿لَّمْ عَذَابٌ﴾ شاقٌّ ﴿فِ الْحَيَّةِ الدُّنْيَا﴾ بالقتل والأَسْر وسائرٍ ما يُصيبهم من
المصائب؛ فإنها إنما تُصيبهم عقوبةً من الله تعالى على كفرهم، وأما وقوعُ مثل ذلك
للمؤمن فعلى طريقِ الثواب ورفع الدرجات ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشٍَّ﴾ من ذلك؛ لشدَّته
ودوامه.
﴾ من حافظٍ يعصمُهم
٣٤
﴿وَمَا لَهُم مِّنَ اَللَّهِ﴾ أي: من عذابه سبحانه ﴿مِن وَاقٍ
من ذلك، فـ ((من)) الأولى صلةُ ((واق))، والثانيةُ مزيدةٌ للتأكيد، ولا يضرُّ تقدیمُ
معمول المجرور عليه؛ لأنَّ الزائدَ لا حكم له. وجُوِّز أن تكون ((من)) الأولى ظرفاً
مستقرًّا وقع حالاً من ((واق))، وصلتُه محذوفة، والمعنى: ما لهم واقٍ وحافظٌ من
عذاب الله تعالى حال كون ذلك الواقي من جهته تعالى ورحمته، و((من)) على هذا
(١) البحر ٣٩٥/٥، وزاد ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٦٧ نسبتها لابن عباس.
(٢) التيسير ص١٣٣، والنشر ٢٩٨/٢.
(٣) القراءات الشاذة ص٦٧، والبحر ٣٩٥/٥، وزاد القرطبي ٧٩/١٢ نسبة هذه القراءة لعلقمة.
(٤) القراءات الشاذة ص ٦٧، والكشاف ٢/ ٣٦٢، والبحر ٣٩٥/٥.

سُؤَدَةُ الرَّعَلِ
١٦٨
الآية : ٣٥
للتبيين، وجُوِّز أيضاً أن تكون لغواً متعلّقةً بما في الظرف - أعني: ((لهم)) - من معنى
الفعل، وهي للابتداء، والمعنى: ما حصَلَ لهم من رحمة الله تعالى واقٍ من
العذاب.
﴿َّثَلُ الْجَنَّةِ﴾ أي: نعتُها وصفتُها؛ كما أخرجه ابنُ أبي حاتم وأبو الشيخ عن
عكرمة(١)، فهو - على ما في ((البحر))(٢) - من مثَّلت الشيء: إذا وصفتَه وقرَّبته
للفهم، ومنه: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [الروم: ٢٧] أي: الصفةُ العليا، وأنكر أبو عليّ
ذلك، وقال: إنَّ تفسيرَ المَثَل بالصفة غيرُ مستقيم لغةً، ولم يوجد فيها، وإنما معناه
الشبيه. وقال بعض المحقّقين: إنه يُستعمل في ثَلاثة معان: فيُستعمل بمعنى الشبيه
في أصل اللغة، وبمعنى القول السائر المعروف في عُرف اللغة، وبمعنى الصِّفة
الغريبة، وهو معنى مجازيٌّ له مأخوذٌ من المعنى العرفيِّ بعلاقة الغرابة؛ لأن المَثَل
إنما يسيرُ بين الناس لغرابته، وأكثرُ المفسِّرين على تفسيره هنا بالصِّفة الغريبة، وهو
حينئذٍ مبتدأٌ، خبرُه - عند سيبويه(٣) - محذوفٌ، أي: فيما يُقْصُّ ويُتلى عليكم صفةٌ
الجنة.
﴿الَِّى وُعِدَ الْمُنَّقُونَ﴾ أي: عن الكفر والمعاصي، وقُدِّر مقدَّماً؛ لطول ذيل
المبتدأ، ولئلا يُفصل بينه وبين ما يتعلَّق به معنی.
وقوله تعالى: ﴿تَجْرِى مِن ◌َّحْتِهَا الْأَنْهَئُ﴾ جملةٌ مفسِّرة، كـ: (خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ) في
قوله سبحانه: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمٌ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩]،
أو مستأنفةٌ استئنافاً بيانياً، أو حالٌ من العائد المحذوف من الصِّلة، أي: التي
وُعِدَها، وقيل: هي الخبر، على طريقة قولك: شأنُ زيد يأتيه الناسُ ويعظّمونه.
واعتُرض بأنه غيرُ مستقيم معنى؛ لأنه يقتضي أنَّ الأنهار في صفة الجنة، وهي
فيها لا في صفتها، وفيه أيضاً تأنيثُ الضمير العائد على ((مَثَل)) حملاً على المعنى،
وقد قيل: إنه قبيحٌ.
(١) وأورده السيوطي في الدر المنثور ٦٤/٤ ونسبه لهما.
(٢) البحر المحيط ٣٩٥/٥.
(٣) الكتاب ١٤٣/١.

الآية : ٣٥
١٦٩
سُورَةُ الرَّعَلِ
وأُجيب: بأن ذاك على تأويلِ أنها تجري، فالمعنى: مَثَلُ الجنة جريانُ الأنهار،
أو أنَّ الجملة في تأويل المفرد، فلا يعودُ منها ضميرٌ للمبتدأ، أو المرادُ بالصفة
ما يقال فيه هذا إذا وُصف، فلا حاجة إلى الضمير كما في خبر ضمير الشأن.
وقال الطّيبي: إن تأنيثَ الضمير لكونه راجعاً إلى ((الجنة)) لا إلى المَثَل،
وإنما جاز ذلك لأنَّ المقصود من المضاف عينُ المضاف إليه، وذِكْره توطئةٌ له،
ولیس نحو غلام زید.
وتَعقَّب كلَّ ذلك الشهابُ(١) بأنه كلامٌ ساقطٌ متعسّف؛ لأنَّ تأويل الجملة
بالمصدر من غير حرف سابكٍ شاذٌّ، وكذا التأويلُ بأنه أُريد بالصفة لفظُها الموصوفُ
به، وليس في اللفظ ما يدلُّ عليه، وهو تجوُّزٌ على تجوُّزٍ، ولا يخفى تكلُّفه، وقياسه
على ضمير الشأن قياسٌ مع الفارق، وأما عَوْدُ الضمير على المضاف إليه دون
المبتدأ في مِثْل ذلك فأضعفُ من بيتِ العنكبوت، فالحزمُ الإعراضُ عن هذا
الوجه .
وعن الزَّجاج(٢) أن الخبرَ محذوفٌ، والجملةُ صفةٌ له، والمرادُ: مثلُ الجنة جنةٌ
تجري، إلى آخره، فيكون سبحانه قد عرَّفنا الجنةَ التي لم نَرَها بما شاهدناه من أمور
الدنيا وعايتَّاه. وتعقَبه أبو عليٍّ - على ما في ((البحر))(٣) - بأنه لا يصحُّ لا على معنى
الصِّفة، ولا على معنى الشَّبَه؛ لأن الجنةَ التي قدَّرها جثّةٌ، ولا تكونُ صفةً، ولأنَّ
الشبه عبارةٌ عن المماثلة التي بين الشيئين، وهو حَدَثٌ، فلا يجوز الإخبار عنه
بالجنة الجثّة. ورُدَّ بأن المراد بالمَثَل المثيل، أو الشبيه، فلا غبارَ في الإخبار.
وقيل: إن التشبيه هنا تمثيليٍّ منتزٌَ وجهُه من عدَّة أمورٍ من أحوال الجِنان
المشاهَدَة، من جريان أنهارها، وغَضارةٍ أغصانها، والتفافِ أفنانها ونحوه، ويكونُ
قوله تعالى: ﴿أُكُلُهَا دَابِرٌ وَظِلُهَا﴾ بياناً لفضل تلك الجنان، وتمييزها عن هذه
الجِنان المشاهدة. وقيل: إنَّ هذه بيانٌ لحالٍ جنان الدنيا على سبيل الفَرض، وأن
(١) حاشية الشهاب ٢٤٤/٥.
(٢) معاني القرآن ٣/ ١٥٠.
(٣) البحر المحيط ٣٩٦/٥.

سُورَةُ الرّحَدِ
١٧٠
الآية : ٣٥
فيما ذُكر انتشاراً واكتفاءً في النظير بمجرَّد جريان الأنهار، وهو لا يُناسب البلاغةَ
القرآنیَّةً، وهو كما ترى.
ونُقل عن الفرَّاء أن الجملةَ خبرٌ أيضاً(١)، إلا أن المَثَل بمعنى الشَّبه مقحمٌ،
والتقديرُ: الجنة التي وُعِد المتقون تجري من تحتها الأنهار، إلى آخره، وقد عُهد
إقحامُه بهذا المعنى، ومنه قولُه تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] وتعقَّبه
أبو حيان(٢) بأنَّ إقحام الأسماء لا يجوز. ورُدَّ بأنه في كلامهم كثيرٌ، كـ :
... ثم اسمُ السلام عليكما (٣)
و((لا صدقةً إلا عن ظهرِ غنى)) (٤)، إلى غيرِ ذلك، والأولى بعد القيل والقال
الوجهُ الأول؛ فإنَّه سالمٌ من التكلَّف، مع ما فيه من الإيجاز والإجمال والتفصيل.
والظاهرُ أن المراد من الأكل ما يؤكلُ فيها، ومعنى دوامه أنه لا ينقطعُ أبداً، وقال
إبراهيم التيميُّ: إن لذَّته دائمةٌ، لا تُزاد بجوعٍ، ولا تُمَلُّ بشبعٍ. وهو خلافُ الظاهر.
وفسَّر بعضُهم الأكل بالثمرة، فقيل: وَجْهُه أنه ليس في جنة الدنيا غيرُه، وإن
كان في الموعودةِ غيرُ ذلك من الأطعمة، واستُظهر أنَّ ذلك لإضافته إلى ضمير
((الجنة))، والأطعمةُ لا يقال فيها: أُكُل الجنة، وفيه تردُّد، والظُّلُّ في الأصل ضدُّ
الضحِّ، وهو عند الراغب(٥) أعُّ من الفيء؛ فإنه يقال: ظلُّ الليل، ولا يقال: فيتُه،
ويقال لكلِّ موضعٍ لم تصل إليه الشمسُ: ظلّ، ولا يُقال: الفيء، إلا لما زالت
عنه، وفي ((القاموس)): هو الضُّحّ والفيء، أو هو بالغداة، والفيءُ بالعشيِّ، جمعُه
ظلالٌ وظُلول وأظلال، ويُعبَّر به عن العزَّة والمَنَعة(٦) وعن الرَّفاهة، والمشهور
تفسيرُه هنا بالمعنى الأول.
(١) معاني القرآن ٦٥/٢، والكلام الآتي ليس فيه، وإنما نقله المصنف عن البحر المحيط.
(٢) البحر المحيط ٣٩٦/٥.
(٣) جزء من بيت للبيد، وهو في ديوانه ص٢١٤، وقد سلف ٤٥٦/١١.
(٤) أورده البخاري معلّقاً قبل الحديث (٢٧٥٠)، وأخرجه مسنداً (١٤٢٧) بلفظ: ((خير الصدقة
ما كان عن ظهر غنّى)، عن أبي هريرة ◌َ لُبه، وقد سلف بهذا اللفظ ٢٥٣/٣.
(٥) مفردات ألفاظ القرآن: (ظل).
(٦) كذا نقل المصنف عن القاموس: (ظلل)، غير أن فيه: الظل بالكسر نقيض الضح، أو هو
الفيء ... إلخ.

الآية : ٣٥
١٧١
سُوَّةُ الرَّعَلِ
وهو مبتدأ محذوفُ الخبر، أي: وأُكُلها كذلك، أي: دائمٌ، والجملةُ معطوفةٌ
على الجملة التي قبلها .
ومعنى دوامه أنه لا يُنسخ كما يُنسخ في الدنيا بالشمس؛ إذ لا شمسَ هناك على
الشائع عند أهل الأثر، أو لأنها لا تأثيرَ لها على ما قيل.
ويجوزُ عندي أن يُراد بالظلِّ العزَّة والرفاهية(١)، وأن يُراد المعنى الأول،
ويجعل الكلامُ كناية عن دوام الراحة.
وأكفر خارجةُ بنُّ مصعب(٢) - كما رَوى عنه ذلك ابنُ المنذر وأبو الشيخ -
القائلَ بعدمٍ دوام الجنة كما يُحكى عن جَهْم وأتباعِهِ؛ لهذه الآية.
وبها استدلَّ القاضي على أنها لم تُخلق بعدُ؛ لأنها لو كانت مخلوقةً لوجب أن
يفنى وينقطِعَ أُكُلها؛ لقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] لكنَّ
أَكُلَها لا ينقطعُ ولا يفنى؛ للآية المذكورة، فوجب أن لا تكون مخلوقةً بعدُ، ثم
قال: ولا ننكِرُ أن يكون الآن جنانٌ كثيرة في السماء يتمتّع بها مَنْ شاء الله تعالى من
الأنبياء والشهداء وغيرِهم، إلا أنَّا نقول: إنَّ جنةَ الخلد إنما تُخلق بعد الإعادة.
وأجاب الإمامُ (٣) عن ذلك بأن دليلَه مركّب من شيئين: قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ
إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] وقوله سبحانه: ((أكلها دائم))، فإذا أدخلنا التخصيصَ في
أحدٍ هذين العمومين سقط الدليلُ، فنحن نخصِّصُ أحدَهما بالدلائل الدالَّةِ على أن
الجنةَ مخلوقةٌ، كقوله تعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾
[آل عمران: ١٣٣]. اهـ.
ويَرِدُ على الاستدلال أنه مشتركُ الإلزام؛ إذ الشيءُ في قوله تعالى: (كُلُّ شَىْءٍ
هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) الموجودُ مطلقاً، كما في قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ
(١) في (م): أو الرفاهة.
(٢) هو: أبو الحجاج، الضُّبَعي، السَّرخسي، المحدِّث، عالم أهل خراسان على لينٍ فيه، رحل
في طلب العلم وهو كبير، وسمع الكثير، توفي سنة (١٦٨ هـ). الوافي بالوفيات ٢٤٢/١٣،
والسير ٣٢٦/٧.
وقوله في تكفير الجهمية بهذه الآية أورده السيوطي في الدر ٤/ ٦٤ - ٦٥.
(٣) تفسير الرازي ٥٨/١٩.

سُوَّةُ الرّعَلِ
١٧٢
الآية : ٣٥
عَلِيمٌ﴾ (١) [الأنعام: ١٠١] والمعنى أن كلَّ ما يوجدُ في وقت من الأوقات يصيرُ هالكاً
بعد وجوده، فيصحُّ أن يقال: لو وجدت الجنةُ في وقتٍ لوجَبَ هلاكُ أُكُلِها؛ تحقيقاً
للعموم، لكنَّ هلاكه(٢) باطلٌ؛ لقوله تعالى: ((أكلها دائم))، فوجودُها في وقتٍ من
الأوقات باطلٌ.
وأُجيب بأنه لعلَّ المراد من الشيء: الموجود في الدنيا فإنها دارُ الفناء، دون
الموجودِ في الآخرة فإنها دارُ البقاء، وهذا كافٍ في عدم اشتراك الإلزام، وفيه أنه
إن أُريد أنَّ معنى الشيء هو الموجودُ في الدنيا فهو ظاهرُ البطلان، وإن أُريد أنَّ
المراد ذلك بقرينةٍ كونِهِ محكوماً عليه بالهلاك، وهو إنما يكونُ في الدنيا؛ لأنها دارُ
الفناء، فنقول: إنه تخصيصٌ بالقرينة اللفظية، فنحن نخصُّه بغير الجنة؛ لقوله تعالى:
(أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)، و: ((أكلها دائم))، فلا يتمُّ الاستدلال.
وأجاب غيرُ الإمام بأنَّ المراد هو الدوامُ العرفيُّ، وهو عدمُ طَرَيان العدم زماناً
يُقيَّد به، وهذا لا ينافي طَرَيان العدمِ عليه، وانقطاعَهُ لحظةً، على أنَّ الهلاك
لا يستلزمُ الفناءَ، بل يكفي فيه الخروجُ عن الانتفاعِ المقصود، ولو سُلِّم يجوز أن
يكون المرادُ أن كلَّ ممكنٍ فهو هالكٌ في حدٍّ ذاته؛ بمعنى أنَّ الوجودَ الإمكانيّ
بالنظرِ إلى الوجود الواجبيِّ بمنزلة العدم.
وقيل في الجواب أيضاً: إنَّ المراد بالدوام المعنى الحقيقيُّ، أعني عدمَ طَرَيان
العدم مطلقاً، والمراد بدوام الأُكُل داومُ النوع، وبالهلاك هلاكُ الأشخاص، ويجوز
أن لا ينقطعَ النوعُ أصلاً مع هلاك الأشخاص، بأن يكون هلاكُ كلِّ شخصٍ معيَّنِ
من الأُكُل بعد وجودٍ مثله. وهذا مبنيٌّ على ما ذهب إليه الأكثرون من أن الجنةٌ
لا يطرأُ عليها العدمُ ولو لحظةً، وأما على ما قيل من جريانه عليها لحظةً فلا يتمُّ؛
لأنه يلزم منه انقطاعُ النوع قطعاً، كما لا يخفى.
وقرأ عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه، وابنُ مسعود ◌َ له: ((مثال الجنة))، وفي
(١) جاء أول هذه الآية في الأصل و(م): ﴿خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ ... ﴾، وليس هنالك آية بهذا
السياق، وأثبتنا ما رأيناه أقرب إلى مراد المصنف، ولعله أراد قوله تعالى: ﴿خَلِقُ كُلِّ
شَىْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢].
(٢) في الأصل: هلاكها، والمثبت من (م).

الآية : ٣٦
١٧٣
سُورَةُ الرَّعَلِ
((اللوامح)) عن السُّلَميِّ: ((أمثالُ الجنة))، أي: صفاتها(١).
﴿ِلْكَ﴾ الجنةُ المنعوتُ بما ذُكر ﴿عُقْبَى الَّذِينَ أَتَّقُواْ﴾ الكفر والمعاصي، أي:
مألُهم ومنتهى أمرِهم. ﴿وَعُقْقَ الْكَفِينَ النَّارُ ﴾﴾ لا غير، كما يُؤْذِنُ به تعريفُ
الخبر، وحُمل الاتِّقاءُ علىِ اتَّقَاء الكفرِ والمعاصي؛ لأنَّ المقام مقامُ ترغيبٍ، وعليه
يكونُ العصاةُ مسكوتاً عنهم، وقد يُحمل على اتِّقاء الكفر، بقرينةِ المقابلة، فيدخُلُ
العصاةُ في ((الذين اتَّقُوا))؛ لأنََّ عاقبتَهم الجنةُ، وإن عُذِّبوا.
﴿وَالَّذِينَ ءَيْنَهُمُ اَلْكِتَبَ﴾ نزلت - كما قال الماورديُّ(٢) - في مؤمني أهل
الكتابين، كعبد الله بن سَلام، وكعبٍ، وأضرابهما من اليهود، وكالذين أسلموا من
النصارى، كالثمانين المشهورين، وهم أربعون رجلاً بنَجْران، وثمانيةٌ باليمن،
واثنان وثلاثون بالحبشة، فالمرادُ بـ ((الكتاب)) التوراةُ والإنجيل.
﴿يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكٌ﴾ إذ هو الكتابُ الموعود فيما أُوتوه.
﴿وَمِنَ الْأَخْزَابِ﴾ أي: من أحزابهم: وهم كَفَرَتُهم الذين تحزَّبوا على
رسول الله ◌َ﴿ بالعداوة، ككعب بن الأشرف وأصحابه، والسيدِ والعاقب أُستُفَّي
نجران وأشياعهما. وأصله جمع حِزْبٍ بكسر وسكون: الطائفةُ المتحزِّبة، أي:
المجتمعة لأمرٍ ما، كعداوةٍ وحربٍ وغير ذلك، وإرادةُ جماعةٍ مخصوصةٍ منه بواسطة
العهد.
﴿مَن يُنْكِّرُ بَعْضَةٌ﴾ وهو ما لا يوافقُ كتبَهم من الشرائع الحادثة إنشاءً أو نسخاً،
وأما ما يوافقُ کتبهم فلم ینکروہ، وإن لم يفرحوا به.
وعن ابن عباس وابن زيد أنها نزلت في مؤمني اليهود خاصَّة، فالمراد.
بـ ((الكتاب)) التوراةُ، وبـ ((الأحزاب)) كَفَرَتُهم. وعن مجاهد، والحسن، وقتادة أن
المراد بالموصول جميعُ أهل الكتاب؛ فإنهم كانوا يفرحون بما يوافقُ كتبَهم،
فالمرادُ بـ ((ما أُنزل إليك)) بعضُه، وهو الموافق.
(١) البحر المحيط ٣٩٦/٥، وكذلك نقل الفراء في معاني القرآن ٦٥/٢ قراءة السلمي، وأسند
إليه رواية عن علي ظه بمثل هذه القراءة.
(٢) النكت والعيون ١١٦/٣، وهو أحد أقوال ثلاثة ذكرها، ولم يرجح شيئاً آمنها ..

سُوَّةُ الرَّحْدِ
١٧٤
الآية : ٣٦
واعتُرض عليه بأنه يأباه مقابلةُ قوله سبحانه: ﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَةٌ﴾:
لأنَّ إنكار البعض مشتركٌ بينهم.
وأُجيب بأن المراد من الأحزاب مَنْ حظّه إنكارُ بعضه فحسب، ولا نصيبَ له
من الفرح ببعضٍ منه؛ لشدَّة بُغضه وعداوته، وأولئك يفرحون ببعضه الموافِقٍ
لکتبھم.
وقيل: الظاهر أنَّ المعنى أنَّ منهم من يفرح ببعضه إذا وافَقَ كتبَهم، وبعضهم
لا يفرح بذلك البعض، بل يغتمُّ به وإن وافقَها، وينكر الموافقة؛ لئلا يتَبع أحدٌ منهم
شريعتَه وَّ﴿ كما في قصَّة الرجم.
وأنت تعلم أن الجوابين ليسا بشيء، وعلى تفسير الموصول بعامَّة أهل الكتاب
فسَّر البعضُ البعضَ بما لم يوافق ما حرَّفوه، وبيَّن ذلك بأنَّ منهم مَنْ يفرح بما وافَقَ،
ومنهم من يُنكره؛ لعناده وشدَّة فساده، وإنکارُهم لمخالفة المحرَّف بالقول دون
القلب؛ لعلمهم به، أو هو بالنسبة لمن لم يُحرِّفه، ولعل نَعْي الإنكار أو فَقُ بالمقام
من نَعْي التحريف عليهم على ما لا يخفى على المتأمِّل.
وقيل: المرادُ بالموصول مطلقُ المسلمين، وبـ ((الأحزاب)) اليهودُ والنصارى
والمجوس(١). وأخرج ذلك ابنُ جرير(٢) عن قتادة، فالمرادُ بـ ((الكتاب)) القرآن،
ومعنى ((يفرحون)) استمرارُ فَرَحهم وزيادته. وقالت فرقة: المرادُ بـ ((الأحزاب)»
أحزابُ الجاهلية من العرب، وقال مقاتل: هم بنو أُميَّة، وبنو المغيرة، وآلُ
أبي طلحة.
﴿قُلْ﴾ صادعاً بالحقِّ غيرَ مكترثٍ بمنكِرِ بعضٍ ما أُنزل إليك: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ
اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ ﴾ أي: شيئاً من الأشياء، أو لا أفعل الإشراكَ به سبحانه، والظاهرُ
أن المراد قَصْرُ الأمر على عبادته تعالى خاصَّةً، وهو الذي يقتضيه كلامُ الإمام(٣)،
حيث قال: إنَّ(إنَّما)) للحصر، ومعناه: إني ما أُمرت إلا بعبادة الله تعالى، وهو يدلُّ
(١) جاء في هامش (م) ما نصه: وهم لا ينكرون كثيراً من القصص.
(٢) تفسير الطبري ٥٥٦/١٣ .
(٣) تفسير الرازي ١٩/ ٦٠.

الآية : ٣٦
١٧٥
سُوَّةُ الرَّعْدِ
على أنه لا تكليفَ ولا أمرَ ولا نهيَ إلا بذلك. وقيل: معناه: إنما أُمرت بعبادته
تعالی وتوحیدہ، لا بما أنتُم علیه.
وفي ((إرشاد العقل السليم))(١) أن المعنى: إلزاماً للمنكرين، وردًّا لإنكارهم
إنما أُمرت ... إلى آخره، والمرادُ قصر الأمر بالعبادة على الله تعالى، لا قصرُ
الأمر مطلقاً على عبادته سبحانه، أي: قل لهم: إنما أُمرتُ فيما أُنزل إليَّ بعبادة الله
تعالى وتوحيده، وظاهرٌ أن لا سبيل لكم إلى إنكاره؛ لإطباق جميع الأنبياء عليهم
السلام والكتبٍ على ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَ بَيْنَنَا وَبَيْتَكُمْ أَلَّا
نَعْبُّكَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ، شَيْئًا﴾ [آل عمران: ٦٤] فما لكم تُشركون به عُزَيراً والمسيحَ
عليهما السلام؟!
ولا يخفى أنَّ هذا التفسير مبنيٌّ على كون المراد من ((الأحزاب)) كَفَرَةُ أهل
الكتابين، وهذا الكلامُ إلزامٌ لهم.
واعتُرض بأنَّ منهم مَنْ يُنكر التوحيد وإطباقَ جميع الأنبياء والكتب عليه،
كالمثلِّثة من النصارى. وأُجيب بأنهم مع التثليث يزعمون التوحيد ولا يُنكرونه
كما يدلُّ عليه قولهم: باسم الآب والابن وروح القُدُس إلهاً واحداً. وأنتَ تعلم أنَّ
هذا مما لا يُحتاج إليه، والاعتراضُ ناشئٌ من الغفلة عن المراد.
وقد يقال: المعنى: إنما أُمرتُ بعبادة الله تعالى وعدم الإشراك به، وذلك أمرٌ
تستحسنُهُ العقولُ وتَصْدح به الدلائلُ الآفاقِيَّة والأنفسيّة:
وفي كلِّ شيء له آيةٌ تدلُّ على أنه واحدُ(٢)
فإنكارُه دليلُ الحماقة وشاهدُ الجهالة، لا ينبغي لعاقلٍ أن يلتفت إليه، ويجري
هذا على سائر تفاسير ((الأحزاب)).
وقرأ أبو خليد عن نافع: ((ولا أشركُ))(٣) بالرفع على القطع، أي: وأنا
(١) تفسير أبي السعود ٢٥/٥ -٢٦.
(٢) البيت لأبي العتاهية، وهو في ديوانه ص ١٠٤، وسلف ١/ ٢٧١.
(٣) القراءات الشاذة ص٦٧، والكشاف ٣٦٢/٢، وتفسير القرطبي ٨٣/١٢، والبحر المحيط
٣٩٧/٥، وقد تحرف أبو خليد في القراءات الشاذة والبحر المحيط إلى: خليل. وأبو خليد:
=

سوقالعَدِ
١٧٦
الآية : ٣٦
لا أشرك، وجُوِّز أن يكون حالاً، أي: أن أعبد الله غيرَ مشركٍ به. قيل: وهو
الأولى، لخلوِّ الاستئنافِ عن دلالة الكلام، على أنَّ المأمور به تخصيصُ العبادة به
تعالی، وفيه بحث.
﴿إِلَيْهِ﴾ أي: إلى الله تعالى خاصَّةً على النَّهج المذكور من التوحيد، أو إلى
ما أُمرت به من التوحيد ﴿أَدْعُوا﴾ الناسَ، لا إلى غيره، ولا إلى شيء آخر ممَّا
لا يُطبق عليه الكتبُ الإلهية والأنبياء عليهم السلام، فما وجهُ إنكاركم؟ قاله في
((الإرشاد)) أيضاً(١). والأولى عودُ الضمير إلى الله تعالى، كنظيرِه السابق، وكذا
أي:
اللاحق في قوله سبحانه: ﴿وَإِلَيْهِ﴾ أي: إلى الله تعالى وحده ﴿مَثَاپ
مرجعي للجزاء، وعلى ذلك اقتصر العلّامة البيضاويُّ(٢)، وكان قد زاد:
ومرجعُكم، فيما تقدَّم غير بعيد. واعتُرض بأنه كان عليه أن يزيدَه هنا أيضاً، بل هذا
المقامُ أنسبُ بالتعميم؛ ليدلَّ على ثبوت الحشر عموماً، وهو المرويُّ عن قتادة.
وقد جعل الإمامُ(٣) هذه الآية جامعةً لكلِّ ما يحتاجُ المرءُ إليه من معرفة المبدأ
والمَعاد، فقوله سبحانه: ((قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به)) جامعٌ لكلِّ
ما ورد التكليفُ به، وقوله تعالى: ((إليه أدعو)) مشيرٌ إلى نبؤَّته عليه الصلاة والسلام،
وقولُهُ جلَّ وعلا: ((وإليه مآب)) إشارةٌ إلى الحشر والبعث والقيامة.
وأجاب الشهابُ(٤) عن ذلك بقوله: إنَّ قول الزمخشريٌّ(٥): إليه لا إلى غيرِه
مرجعي، وأنتُم تقولون مثل ذلك، فلا معنى لإنكاركم، فيه بيانٌ لنكتةِ التخصيص من
أنهم ينكرون حقيقةً أو حكماً، فلا حاجةً إلى ما يقال: لا حاجةَ لذكره هنا؛ لدلالة
قوله تعالى: (ِلْكَ عُقْبَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَعُقْىَ الْكَفِرِينَ النَّارُ). انتهى. وهو كما ترى.
= هو عتبة بن حماد الحكمي الدمشقي البلاطي، روى القراءة عن نافع، وله عنه نسخة.
طبقات القراء ٤٩٨/١.
(١) تفسير أبي السعود ٢٦/٥.
(٢) تفسير البيضاوي على هامش حاشية الشهاب ٢٤٦/٥.
(٣) تفسير الرازي ٦٠/١٩ - ٦١.
(٤) حاشية الشهاب ٢٤٦/٥.
(٥) الكشاف ٣٦١/٢ - ٣٦٣.

الآية : ٣٧
١٧٧
سُوَّةُ الرّعَلِ
ولعلَّ الأظهر أن يقال: إن دلالةَ الكلام عليه هنا ليست كدلالته عليه هناك؛ إذ
مساقُ الآية فيه للتخويفِ اللائق به اعتبارُه، ومساقُها هنا لأمرٍ آخرَ، والاقتصارُ على
ذلك کافٍ فيه.
وأنتَ تعلمُ أنه لا مانعَ من اعتباره، ويكون معنى الآية: قل في جوابهم: إني
إنَّما أَمرني الله تعالى بما هو من معالي الأمور، وإليه أدعو وقتاً فوقتاً، وإليه
مرجعي ومرجعُكم، فيُئيبني على ما أنا عليه، وينتقمُ منكم على إنكاركم وتخلُّفكم
عن اتِّباع دعوتي، أو فحينئذٍ يظهرُ حقِّيَّةُ جميع ما أُنزل إليَّ، ويتبيَّن فسادُ رأيكم
في إنكاركم شيئاً منه، وقد يقال على عدم اعتباره نحو ما قيل فيما قبل: إنَّ
المعنى: قل في مقابلة إنكارهم: إني إنما أَمرني الله تعالى بما أَمرني به، وإليه
أَدعو، وإليه مرجعي فيما يعرِضُ لي في أمر الدعوة وغيرِهِ، فلا أُبالي بإنكاركم؛
فإنه سبحانه كافٍ مَنْ رجع إليه. ولعلَّ هذا المعنى هنا من حيث إنه فيه تأسيسٌ
محضّ أولى منه هناك.
واقتصر في ((الإرشاد))(١) على جعل الكلام إلزاماً، وجعله نكتةَ أمرِهِ وَّر بأن
يُخاطبهم بذلك، وذكر أن قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْنَهُ حُكْمًا عَرَبِّْ﴾ شروعاً (٢) في ردِّ
إنكارهم لفروع الشرائع الواردة ابتداءً، أو بدلاً من الشرائع المنسوخة ببيان الحكمة
في ذلك، وأن الضمير راجعٌ لـ ((ما أنزل إليك)) والإشارة إلى مصدر ((أنزلناه))، أو
((أنزل إليك))، أي: مثلُ ذلك الإنزال البديعِ الجامعِ لأصولٍ مجمع عليها، وفروع
متشعِّبةٍ إلى موافقةٍ ومخالفةٍ حسبما يقتضيه قَضيةُ الحكمةِ، أنزلناه حاكماً يحكم في
القضايا والواقعات بالحق، أو یحکم به كذلك.
والتعرُّض لهذا العنوان مع أنَّ بعضَه ليس بحكم؛ لتربية وجوبٍ مراعاته، وتحتُّم
المحافظةِ عليه، والتعرُّض لكونه عربيًّا، أي: مترجماً بلسان العرب؛ للإشارة إلى
أنَّ ذلك إحدى موادِّ المخالفة للكتب السابقة، مع أنَّ ذلك مقتضى الحكمة؛ إذ
بذلك يسهُلُ فهمُه وإدراكُ إعجازه، يعني بالنسبة إلى العرب، وأما بالنسبة إلى غيرهم
فلعلَّ الحكمةَ أن ذلك يكون داعياً لتعلُّم العلوم التي يتوقّف عليها ما ذُكر.
(١) تفسير أبي السعود ٢٦/٥.
(٢) في (م): شروع.

سُورَةُ الرّعَمِ
١٧٨
الآية : ٣٧
ومنهم من اقتصرَ على اشتمال الإنزال على أصول الديانات المجمَع عليها
حسبما يُفيده ـ على رأي - قولُه تعالى: ((إنما أمرت أن أعبد)) إلخ. وتُعقّب بأنه يأباه
التعرُّض لاتِّباع أهوائهم، وحديثُ المحوِ والإثبات، وأنه لكلِّ أجلٍ كتابٌ؛ فإن
المجمَعَ عليه لا يُتُصوَّر فيه الاستتباعُ والاتِّباع. وقيل: إن الإشارةَ إلى إنزال الكتب
السالفة على الأنبياء عليهم السلام، والمعنى: كما أنزلنا الكتبَ على مَنْ قبلك
أنزلنا هذا الكتابَ عليك؛ لأنَّ قولَه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِنَبَ﴾ يتضمَّن إنزالَه
تعالى ذلك، وهذا الذي أنزلناه بلسانِ العرب، كما أنَّ الكتب السالفةَ بلسان مَنْ
أُنزلت عليه ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ، لِيُبَيِّنَ لَمْ﴾ [إبراهيم: ٤] وإلى
هذا ذهب الإمامُ وأبو حيان(١)، وقال ابنُ عطية(٢): المعنى: كما يسَّرنا هؤلاء
للفرح، وهؤلاء لإنكار البعض، أنزلناه حكماً، إلخ. وليتَه ما قيل، والأبلغ
الاحتمال الأول مما أشرنا إليه.
ونصب ((حكماً)) على الحال من منصوب ((أنزلناه))، وإذا أُريد به حاكماً، كان
هناك مجازٌ في النسبة كما لا يخفى، ونصب ((عربياً)) على الحال أيضاً؛ إمّا من
ضمير ((أنزلناه)) كالحال الأولى، فتكونُ حالاً مترادفةً، أو من المستترِ في الأولى،
فتكون حالاً متداخلةً، ويصحُّ أن يكون وصفاً لـ ((حكماً) الحال، أو هي موطِّئةٌ،
وهي الاسمُ الجامد الواقعُ حالاً لوصفه بمشتقِّ، وهو الحال في الحقيقة، والأول
أولى؛ لأنَّ ((حكماً)) مقصودٌ بالحاليّة هنا، والحال الموِّئَةُ لا تُقصد بالذَّات.
واختار الطبرسيُّ(٣) أن معنى ((حكماً) حكمةً، كما في قوله تعالى: ﴿وَءَاتَيْنَهُ
اْحُكْمَ صَبِينًا﴾(٤) [مريم: ١٢] وهو أحدُ أوجهِ ذكرها الإمامُ(٥)، ونصبه على الحال
أيضاً، فلا تغفل.
واستدلَّ المعتزلةُ بالآية على حدوثِ القرآن من وجوه: الأول: أنه تعالى وصَفَه
(١) تفسير الرازي ٦١/١٩، والبحر المحيط ٣٩٧/٥.
(٢) المحرر الوجيز ٣١٦/٣.
(٣) مجمع البيان ١٨٣/١٣.
(٤) في الأصل و(م): ((وآتيناه الحكم والنبوة))، وليس هنالك آية بهذا السياق، وقد تابع المصنف
الطبرسي في سياقه لها .
(٥) تفسير الرازي ١٩/ ٦١ .

الآية : ٣٨
١٧٩
سُؤَدَّةُ الرَّعْلِ
بكونه مُنْزَلاً، وذلك لا يليقُ إلا بالمحدَث. الثاني: أنه وصَفَه بكونه عربيًّا، والعربيُّ
أمرٌ وضعيٍّ، وما كان كذلك كان محدثاً. الثالث: أنها دلَّت على أنه إنَّما كان
حكماً عربيًّا؛ لأنَّ الله تعالى جعلَه كذلك، والمجعولُ محدَثٌ.
وأجاب الإمامُ(١) بأن كلَّ ذلك إنما يدلُّ على أن المركَّبَ من الحروف
والأصوات محدَثٌ، ولا نزاعَ فيه أي: بين المعتزلة والأشاعرة، وإلا فالحنابلةُ على
ما اشتهر عنهم قائلون بقِدَم الكلامِ اللفظيِّ، وقد أسلفنا في المقدِّمات كلاماً نفيساً
في مسألة الكلام، فارجع إليه، ولاَ يهولَنَّك قعاقِعُ المخالفين لسلف الأمة.
﴿وَلَيْنِ أَتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم﴾ التي يدعونَكَ إليها، كالصلاة إلى بيت المقدس بعد
تحويل القِبلة إلى الكعبة، وكتركِ الدعوة إلى الإسلام ﴿بَعْدَ مَا جَءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾
العظيم الشأن، الفائضٍ عليك من ذلك الحُكم العربيّ، أو العلم بمضمونه ﴿مَا لَّكَ
مِنَ اَللَّهِ﴾ من جَنابه العزيزِ جلَّ شأنُه. والالتفاتُ من التكلَّم إلى الغَيبة، وإيرادُ الاسمِ
الجليل؛ لتربيةِ المهابة. ﴿مِن وَإِّ﴾ يلي أمرَكَ، وينصُرُك على مَنْ يبغيكَ الغوائل.
﴿وَلَا وَاقٍ (٨)) يَقيكَ من مصارع السُّوء. وحيث لم يستلزِمْ نفيُ الناصر على
العدوِّ نفيَ الواقي من نكايته أدخَلَ في المعطوف حرفَ النفي؛ للتأكيد كقولك: ما لي
دينارٌ ولا درهمٌ. أو: مالَكَ من بأسِ الله تعالى من ناصرٍ وواقٍ؛ لاتُّباعك أهواءهم
بعد ما جاءك من الحقِّ.
وأمثالُ هذه القوارع إنما هي لقطعٍ أطماع الكَفَرة، وتهييجِ المؤمنين على الثبات
في الدِّين، لا للنبيِّ وَِّ؛ فإنه عليه الصلاة والسلام بمكانٍ لا يحتاج فيه إلى باعثٍ
أو مهيِّجٍ، ومن هنا قيل: إنَّ الخطاب لغيره وَله.
واللامُ في ((لئن)) موطّئَةٌ، و((من)) الثانية مزيدةٌ، و((مالك)) سادٌّ مَسَدَّ جوابي
الشرط والقَسَم.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا﴾ كثيرةً كائنةً ﴿مِّن قَبْلِكَ وَحَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَجًا وَذُرِّيَّةٌ﴾ أي: نساءً
وأولاداً كما جعلناها لك.
رُوي عن الكلبي أنَّ اليهود عيَّرت رسولَ الله وَّهِ، وقالوا: ما نرى لهذا الرجل
(١) تفسير الرازي ١٩/ ٦٢.

سُؤَّةُ الرَّعَلِ
١٨٠
الآية : ٣٨
همَّةٌ إلا النساء والنكاح، ولو كان نبيّاً كما زعم لشغلَه أمرُ النبوّة عن النساء. فنزلت
ردّاً عليهم؛ حيث تضمَّنت أنَّ التزوَّج لا ينافي النبوةَ، وأن الجمعَ بينهما قد وقَعَ في
رسلٍ كثيرةٍ قبلَه.
ذُكر أنه كان لسليمان عليه السلام ثلاث مئة امرأةٍ مهرية، وسبع مئة سُرِّيَّة، وأنه
كان لداود عليه السلام مئة امرأة.
ولم يتعرَّض جلَّ شأنُه لردِّ قولهم: ما نرى لهذا الرجل همَّةٌ إلا النساء؛ للإشارة
إلى أنه لا يستحقُّ جواباً؛ لظهور أنه عليه الصلاة والسلام لم يشغله أمرُ النساء عن
شيءٍ ما من أمرِ النبوة.
وفي أدائه وَّ للأمرين على أكمل وجهٍ دليلٌ وأيُّ دليلٍ على مزيدٍ كماله مَلَكِيَّةً
وبشريةً، ومما يُوضح ذلك أنه وَِّ كان يجوع الأيامَ حتى يشدَّ على بطنه الشريف
الحجرَ، ومع ذا يطوفُ على جميعٍ نسائه في الليلةِ الواحدة، ولا يمنَعه ذاك عن هذا.
وفي تکثیر نسائه عليه الصلاة والسلام فوائدُ جَمَّة، ولو لم یکن فيه سوى الوقوفِ
على استواءٍ سِرِّه وعَلَنِه لكفى، وذلك لأنَّ النساء من شأنهنَّ أن لا يحفظنَ سرّاً
كيفما كان، فلو كان منه عليه الصلاة والسلام في السرِّ ما يُخالف العَلَن لوقفنَ عليه
مع كثرتهنَّ، ولو كنَّ وقفنَ لأفشَيْنَه؛ عملاً بمقتضى طباع النساء، لاسيَّما الضَّرائر،
ومَنْ وقف على الآثار، وأحاط خُبْراً بما رُوي عن هاتيك النساء الطاهرات علم أنهنَّ
لم يتركنَ شيئاً من أحواله الخفيَّة إلا ذكروه. وناهيكَ ما رُوي أن الصحابةَ
اختلفوا في الإيلاج بدون إنزال: هل يُوجب الغُسْل أم لا؟ فسألوا عائشةَ ﴿ّا فقالت
- ولا حياءَ في الدين -: فَعَلَ ذلك رسول الله وَلّ معي فاغتسلنا جميعاً(١).
ورُوي أنهم طعنوا في نبؤَّته بالتزوُّج، وبعدم الإتيان بما يقترحونَه من الآيات،
فنزل ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِىَ بِئَايَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ الهِ﴾ أي: وما صِحَّ،
وما استقام، ولم يكن في وُسْع رسولٍ من الرسل الذين من قبلُ أن يأتي مَنْ أُرسل
(١) أخرجه أحمد (٢٦٢٨٩)، والترمذي (١٠٨)، والنسائي في الكبرى (١٩٤). وأصله عند
مسلم (٣٤٩).