النص المفهرس

صفحات 81-100

الآية : ١٣
٨١
سُؤَدَّةُ الرَّعَلِ
الرعدُ، وهو الصوتُ الحادث من تمزيق السحاب، ومعلومٌ أنَّه كثيراً ما يحدث
البرق القويُّ من غیر حدوث الرعد.
ثانيها: أنَّ السخونةَ الحاصلة بسبب قوَّةِ الحركة مقابلةٌ بالطبيعة المائية الموجِبةِ
للبرد، وعندَ حصولِ هذا المعارض القويِّ كيف تحدثُ الناريَّةُ، بل يقال: النيران
العظيمة تنطفئُ بصبِّ الماء عليها، والسحابُ كلُّه ماءٌ، فكيف يمكن أن يحدثَ فيه
شعلةٌ ضعيفة نارية.
ثالثها: أنَّ من مذهبكم أنَّ النارَ الصِّرفة لا لونَ لها ألبتة، فهَبْ أنَّه حصلتِ
النارية بسبب قوَّةِ المحاكّة الحاصلة في أجزاء السحاب، لكن من أين حدثَ ذلك
اللَّونُ الأحمر؟
وردَّ الثاني بأنَّ الأمطارَ مختلفةٌ، فتارةً تكون قطراتُها كبيرةً، وتارةً تكون
صغيرةً، وتارةً تكون متقاربةً، وأخرى تكون متباعدةً إلى غير ذلك من الاختلافاتِ،
وذلك مع أنَّ طبيعةَ الأرض واحدةٌ، وطبيعةَ الشمس المسخِّنةِ للبخاراتِ واحدةٌ،
يأبى أنْ يكونَ ذلك كما قرَّروا، وأيضاً التجربةُ دالَّةٌ على أنَّ للتضرُّع والدعاء في
انعقاد السحابِ ونزول الغيث أثراً عظيماً، وهو يأبى أن يكونَ ذلك للطبيعة
والخاصية، فليس كلُّ ذلك إلَّا بإحداثٍ مُحدِثٍ حكيمٍ قادرٍ يخلقُ ما يشاء كيف
یشاءُ.
وقال بعضُ المحققين: لا يبعدُ أن يكون في تكوُّن ما ذُكر أسبابٌ عادية،
كما في الكثير من أفعاله تعالى، وذلك لا يُنافي نسبتَه إلى المُحدِثِ الحكيم القادر
جلَّ شأنُه، ومن أنصفَ لم يسعه إنكارُ الأسباب بالكلية، فإنَّ بعضَها كالمعلوم
بالضرورة، وبهذا أنا أقول، وقد تقدَّمَ بعضُ الكلام في هذا المقام. وكان مَّـ ـ
كما أخرج ابنُ مردويه، عن أبي هريرة - إذا هبَّتِ الريحُ أو سمعَ صوتَ الرعدِ تغيَّرَ
لونُه حتى يُعرفَ ذلك في وجهه الشريف، ثمَّ يقولُ للرعد: ((سبحانَ من سبَّحت له))،
والريح: ((اللهمَّ اجعلْها رحمةً ولا تجعلها عذاباً))(١).
وأخرج أحمد، والبخاريُّ في ((الأدب المفرد))، والترمذيُّ، والنسائيُّ، وغيرُهم
(١) عزاه له السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥١.

سُوَّةُ الرَّعَدِ
٨٢
الآية : ١٣
عن ابن عمرَ: كان رسولُ اللهِ وَّه إذا سمع صوتَ الرعد والصواعق قال: ((اللهمَّ
لا تَقْتُلْنَا بغضَبِكَ، ولا تُهلِكْنَا بعذابِكَ، وعافِنا قبلَ ذلك))(١).
وأخرجَ أبو داود في ((مراسيله))(٢) عن عبيد الله بن أبي جعفر: أنَّ قوماً سمعُوا
الرعدَ فكَّروا، فقال رسولُ اللهِوَّهِ: ((إذا سمعتم الرعدَ، فسبِّحُوا ولا تُكبِّروا)). وأخرجَ
ابنُ أبي شيبةً عن ابن عباس: أنَّه عليه الصلاة والسلام كان يقول إذا سمع الرعدَ:
((سبحانَ اللهِ وبحمدِه، سبحانَ اللهِ العظيم))(٣). وأخرجَ ابنُ مردويه، وابنُ جرير عن
أبي هريرةَ قال: كان ◌ِّهِ إذا سمعَ الرعدَ، قال: ((سبحانَ من يسبِّحُ الرعدُ بحمدِه))(٤).
﴿وَالْمَلَئِكَةُ مِنْ خِفَتِهِ﴾ أي: ويسبِّحُ الملائكةُ عليهم السلام من هيبته - تعالى -
وإجلالِه - جلَّ جلالُه -، وقيل: الضميرُ يعود على الرعد، والمرادُ بالملائكةِ أعوانهُ،
جعلَهم الله تعالى تحت يدِه خائفِين خاضعين له، وهو قولٌ ضعيف.
﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَعِقَ﴾ جمعُ: صاعقةٍ، وهي كالصَّاقِعة في الأصل: الهدَّةُ
الكبيرة(٥)، إلَّا أنَّ الصَّفْعَ يقال في الأجسامِ الأرضيةِ، والصَّعْقُ في الأجسام
العلوية، والمرادُ بها هنا النارُ النازلةُ من السحاب مع صوتٍ شديد. ﴿فَيُصِيبُ﴾
سبحانَه ﴿بِهَا مَن يَشَآءُ﴾ إصابته بها، فيهلكُه.
وهذه النارُ، قيل: تحصل من احتكاك أجزاءِ السحاب، واستدلَّ بما أخرجه ابنُ
المنذر، وابنُ مردويه، عن ابن عباس قال: الرعدُ مَلَكُ اسمُه الرعدُ، وصوتُه هذا
تسبيحُه، فإذا اشتدَّ زجرُه، احتكَّ السحابُ واصطدمَ من خوفِهِ، فَتَخرُجُ(٦) الصواعقُ
من بينه .
(١) مسند أحمد (٥٧٦٣)، والأدب المفرد (٧٢١)، وسنن الترمذي (٣٤٥٠)، والسنن الكبرى
للنسائي (١٠٦٩٨). قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وفي
الأدب المفرد: بصعقك، بدل: بغضبك.
(٢) برقم (٥٣١).
(٣) مصنف ابن أبي شيبة ٢١٥/١٠.
(٤) تفسير الطبري ٤٧٧/١٣، والدر المنثور ٥١/٤.
(٥) الهدَّة: صوت ما يقع من السحاب. النهاية (هدد).
(٦) في الأصل و(م): فتخرجه، والمثبت من الدر المنثور ٤/ ٥٠.

الآية : ١٣
٨٣
سُورَةُ الرَّعَلِ
وقال الفلاسفةُ: إنَّ الدخانَ المُحتبِسَ في جوف السحاب إذا نزل ومزق
السحابَ، قد يشتعلُ بقوّة التسخين الحاصل من الحركة الشديدة والمصائَّةِ العنيفة،
وإذا اشتعل، فَلَطِيفُه ينطفئ سريعاً، وهو البرقُ، وكثيفُه لا ينطفئُ حتَّى يصلَ إلى
الأرض، وهو الصاعقةُ، وإذا وصل إليها فربَّما صار لطيفاً ينفذُ في المتخلخل
ولا يحرقه، بل يبقى منه أثرُ سواد، ويذيبُ ما يصادمُه من الأجسام الكثيفة
المندمجة، فيذيبُ الذهبَ والفضَّةَ في الصرَّة مثلاً ولا يحرقُها، وإلَّا ما أحرقَ من
الذوب.
وقد أخبر أهلُ التواتر بأنَّ صاعقةً وقعت منذُ زمان بشيراز على قُبَّةِ الشيخ الكبير
أبي عبدِ الله بنِ خفيف(١) - قُدِّسَ سرُّه - فأذابَتْ قنديلاً فيها، ولم تحرق شيئاً منها،
وربَّما كان كثيفاً غليظاً جدّاً، فيحرق كلَّ شيءٍ أصابَه، وكثيراً ما يقعُ على الجبل
فيدُّه دكّاً، وقد يقعُ على البحرِ، فيغوص فيه ويحرقُ ما فيه من الحيوانات،
وربَّما كان جِرْمُ الصاعقةِ دقيقاً جدّاً مثلَ السيف، فإذا وصلَ إلى شيءٍ قطعَه بنصفين،
ولا يكون مقدارُ الانفراج إلَّا قليلاً. ويحكى أنَّ صبيّاً كان نائماً بصحراءَ، فأصابتٍ
الصاعقةُ ساقيه، فسقطت رجلاه ولم يخرج دمٌّ؛ لحصول الكيِّ من حرارتها .
وهذا الذي قالوه في سبب تكوُّنِها ليس بالبعيدِ عما رُوي عن ابن عباس ﴿ها في
ذلك.
ومادَّتُها - على ما نقل بعضُهم عن ابن سينا - أجسامٌ ناريةٌ، فارقَتْها السخونةُ،
وصارت لاستيلاء البرودةِ على جوهرها متكاثفةً. وقال الإمام في ((شرح
الإشارات))(٢): الصواعقُ ـ على ما نُقل عن الشيخ - تشبه الحديدَ تارةً والنحاسَ تارةً
والحَجَر تارةً، وهو ظاهرٌ في أنَّ مادَتَها ليست كذلك، وإلا لما اختلفت، ومن هنا
قيل: إنَّ ماذَّتَها الأبخرةُ والأدخنةُ الشبيهةُ بموادِّ هذه الأجسام. وقيل: إنَّها نارٌ
تخرج من فمِ المَلَك المؤكَّل بالسحاب، إذا اشتدَّ زجرُه.
(١) هو محمد بن خفيف، الفارسي الشيرازي، شيخ الصوفية، (ت ٣٧١هـ). السير
٣٤٢/١٦ -٣٤٧.
(٢) هو كتاب للإمام الرازي شرح فيه كتاب الإشارات والتنبيهات في المنطق والحكمة لابن
سينا. كشف الظنون ١ / ٩٤.

سُورَةُ الرَّعَلِ
٨٤
الآية : ١٣
وأخرج ابنُ أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن أبي عمرانَ الجَوْني قال: إنَّ بحوراً
من نارٍ دونَ العرش، يكونُ منها الصواعقُ(١).
وإذا صحَّ ما رُوي عن الحِبْرِ لا يُعدَلُ عنه.
وقد أخرج سعيدُ بنُّ منصور، وابنُ المنذر عنه ◌َظُهُ أنَّه قال: من سمعَ صوتَ.
الرعدِ، فقال: سبحانَ الذي يُسبِّحُ الرَّعدُ بحمدِه، والملائكةُ من خِيْفَته، وهو على
كلِّ شيءٍ قديرٌ، فإنْ أصابَتْه صاعقةٌ فعليَّ دِيَتُهُ(٢).
وأخرج ابنُ أبي حاتم وغيرُه عن أبي جعفر، قال: الصاعقةُ تصيبُ المؤمنَ
والكافرَ، ولا تصيبُ ذاكراً (٣). وفي خبرٍ مرفوع ما يؤيده، وقد أهلكَتْ أربدَ
كما علمت(٤)، وقد أشار إلى ذلك أخوه لأُمِّه لبيدٌ العامريُّ بقولِهِ يرثيه:
أرْهبُ نَوْءَ السِّماكِ والأسَدِ
أُخشَى على أرْبدَ الحُتُوفَ ولا
فارسِ يومَ الكريهةِ النَّجُدِ(٥)
فَجَّعني البَرقُ والصَّواعقُ بالـ
وفي تلك القصةِ - على ما قال ابنُ جريج(٦) وغيرُه - نزلت الآية. وعن مجاهد
أنَّ يهوديّاً ناظرَ رسولَ اللهِوَلَ فبينا هو كذلك نزلت صاعقةٌ فأخذت قِحْفَ رأسِه،
فنزلت. وقيل: إنَّه عليه الصلاة والسلام بعثَ إلى جبَّارٍ من العرب ليسلم، فقال:
أخبروني عن إله محمد، أَمِنْ لؤلؤ هو أم من ذهب أم من نحاس؟ فنزلت عليه
صاعقةٌ فأهلكته، فنزلت(٧).
(١) العظمة لأبي الشيخ ص٣٢٩، والدر المنثور ٥٢/٤ - ٥٣.
(٢) سعيد بن منصور في تفسيره (١١٦٥)، والدر المنثور ٥١/٤.
(٣) تفسير ابن أبي حاتم ٢٦١٨/٨، والدر المنثور ٥٣/٤.
(٤) سلف ص٧٢ - ٧٣ من هذا الجزء.
(٥) الأبيات في شرح ديوان لبيد ص١٥٨، والكامل ١٣٩٤/٣، وفيهما: فجعني الرعد. قال
الطوسي شارح الديوان: قوله: النَّجُد: البطل ذو نجدة، وقال: كنت أخشى علیه كل سبب
من أسباب المنية، ولم أكن أَفرق عليه صاعقة.
(٦) في الأصل: جرير. وهذه القصة أخرجها ابن جرير الطبري في تفسيره ٤٨١/١٣ - ٤٨٢ عن
ابن جریج.
(٧) ذكرها الواحدي في أسباب النزول ص٢٧٥ - ٢٧٧، وابن الجوزي في زاد المسير ٣١٤/٤ -
٣١٥.

الآية : ١٣
٨٥
سُورَةُ الرَّعَلِ
و((من)) مفعول أُيصيب)) والكلام - على ما في ((البحر)) (١) - من باب الإعمال،
وقد أُعمل فيه الثاني، إذ كلٌّ من ((يرسل)) و((يصيب)) يطلب ((من)) ولو أعمل الأول،
لكان التركيبُ: ويرسلُ الصواعقَ فيصيبُ بها على من يشاء، لكن جاء على الكثير
من لسان العرب المختارُ عند البصريين، وهو إعمال الثاني.
ثم إنَّه تعالى بعدَ أن ذكر علمه النافذ في كلِّ شيء، واستواء الظاهر والخفيّ
عندَه تعالى، وما دلَّ على قدرته الباهرة ووحدانيته، قال جلَّ شأنُه:
﴿وَهُمْ﴾ أي: الذين كفروا وكذَّبوا الرسولَ وَله، وأنكرُوا آياتِه ﴿يُجَدِلُونَ فِى
اللَّهِ﴾ حيثُ يكذبون ما يصفُه الصادقُ به، من كمال العلم والقُدرة والتفرّد بالألوهية
وإعادة الناس ومجازاتهم، فالمرادُ بالمجادلةِ فيه تعالى المجادلةُ في شأنِه سبحانه،
وما أخبرَ به عنه جلَّ شأنُه.
وهي من الجَدَل بفتحتين، أشدُّ الخصومة، وأصلُه من الجَدْل بالسكون، وهو
فتلُ الحبل ونحوه؛ لأنَّه يقوى به ويشدُّ طاقاتِهِ .
وقال الراغب(٢): أصلُ ذلك من جَدَلتُ الحبلَ، أي: أحكمتُ فتلَه، كأنَّ
المتجادلين يفتلُ كلُّ واحدٍ منهما الآخرَ عن رأيه، وقيل: الأصل في الجدال
الصراعُ وإسقاطُ الإنسانِ صاحبَه على الجدالة، وهي الأرضُ الصلبة.
وإلى تفسير الآية بما ذكر ذهب الزمخشريُّ(٣)؛ قال في ((الكشف)): وفي كلامه
إشارةٌ إلى أنَّ في الكلام التفاتاً؛ لأنَّ قولَه تعالى: ((سواء منكم))، ((هو الذي يريكم))
فيه التفاتٌ من الغيبةِ إلى الخطاب، وإنْ شئت فتأمَّل من قولِه تعالى: ((أولئك الذين
كفروا بربهم)) إلى قوله سبحانه: ((الكبير المتعال)). ثمَّ التفتَ من الخطابِ إلى
الغيبةِ، وحَسُنَ موقعُهما.
أمَّا الأول فما فيه من تخصيصٍ الوعيدِ المدمَجِ في ((سواء منكم)) ولهذا ذيَّلَ
بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ) إلى ((من وال))، وفيه من التهديدِ ما لا يخفى
(١) ٥/ ٣٧٥.
(٢) في المفردات (جدل).
(٣) في الكشاف ٣٥٣/٢.

سُورَةُ الرَّحْدِ
٨٦
الآية : ١٣
على ذي بصيرة، والحثُّ على طلب النجاةِ، وزيادةِ التقريع في قوله تعالى: ((هو
الذي یریکم».
وفي مجيء ((سواء منكم)) ((هو الذي يريكم)) بعدَ قولِه تعالى: ((الله يعلم)) هكذا
من دون حرفِ النَّسَق؛ لأنَّ الأول مقرِّرٌ لقوله سبحانه: ((الله يعلم)) مع زيادةِ الإدماج
المذكور تحقيقاً للعلم. والثاني مقرّرٌ لما ضمِّن من الدلالةِ على القدرة في قوله
تعالى: ((وكل شيء عنده بمقدار)) مع رعاية نمطِ التعديد على أسلوب ﴿الرَّحْمَنُ
عَلَّمَ اٌلْقُرْءَانَ﴾ [الرحمن: ١- ٢] ما يبهرُ الألباب، ويُظهِر للمتأمِّل في وجه الإعجاز
التنزيليِّ العجب العُجاب.
وأما الثاني فما فيه من الدلالة على أنَّهم مع وضوح الآيات، وتلاوتها عليهم،
والتنبيه البالغ؛ ترغيباً وترهيباً، لم يبالُوا بها بالةً، فكأنَّه يشكو جنايَتَهم إلى مَنْ
يستحقُّ الخطابَ، أو كمن يُدَمْدِمُ في نفسِه: إنيِّ أصنعُ بهم، وأفعل كَيْتَ وكَيْتَ
جزاءَ ما ارتكبوه، ليرى ما يريد أن يوقعَ بهم.
وعلى هذا فقوله تعالى: ((هم)) إلى آخره معطوفٌ على قوله تعالى: ((ويقول
الذين كفروا لولا أنزل)) المعطوف على ((ويستعجلونك)).
والعدولُ عن الفعليَّةِ إلى الاسميَّةِ وطرح رعاية التناسب؛ للدلالةِ على أنَّهم
ما ازدادوا بعدَ الآياتِ إلَّ عناداً ﴿وَمَّا الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى
رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥](١) .
وجاز أن يقال: إنَّه معطوفٌ على ((هو الذي يريكم)) على معنى: هو الذي يريكم
هذه الآياتِ الكواملَ الدالَّةَ على القدرة والرحمة، وأنتم تجادلون فيه سبحانه. وهذا
أقربُ مأخذاً، والأول أملأُ بالفائدةِ. اهـ. ومخايلُ التحقيق ظاهرةٌ عليه.
وزعمَ الطيبيُّ أنَّ الأنسبَ لتأليف النظم أن يكونَ هذا تسليةً لحبيبِهِ وَّةِ، فإنَّه
تعالى لمَّا نعى كفَّار قريش عنادَهم في اقتراحِهم الآياتِ، كآیاتٍ موسى وعيسى
عليهما السلام، وإنكارَهم كونَ الذي جاء - عليه الصلاة والسلام - آياتٌ سلَّاه - جلَّ
(١) في الأصل و(م): وأما الذين كفروا ....

الآية : ١٣
٨٧
سُورَّةُ الرَّعْلِ
شأنه - بما ذُكر، كأنَّه قال: هوِّن عليك، فإنَّك لستَ مختصّاً بذلك، فإنهم مع ظهور
الآياتِ البيناتِ ودلائل التوحيد، يجادلون في الله تعالى باتِّخاذ الشركاء، وإثبات
الأولاد، ومع شمول علمِه - تعالى - وكمالٍ قدرته - جلَّ جلالُه - ينكرون الحشرَ
والنشرَ، ومع قهرِ سلطانِه وشديد سطوته يُقدِمُون على المكابرة(١) والعنادِ، فلا تذهب
نفسك عليهم حسراتٍ. فليتأمَّل.
ولا يستحسنُ العطفُ على (وَيُرْسِلُ الصَّوَعِقَ)؛ لعدم الاتِّساق.
وجوز أن تكونَ الجملةُ حالاً من مفعول ((يصيب)» أي: يصيبُ بها من يشاء في
حال جدالِه، أو من مفعول ((يشاء)) على ما قيل، وهو كما ترى، ولا يعين سببُ
النزول الحاليَّةَ كما لا يخفى.
﴿وَهُوَ﴾ سبحانه وتعالى ﴿شَدِيدُ الْحَالِ ﴾ أي: المماحلة، وهي المكايدة،
من مَحَلَ بفلان - بالتخفيف - إذا كادَه وعرَّضَه للهلاك، ومنه: تَمَخَّلَ لكذا، إذا
تكلّف استعمالَ الحيلةِ، واجتهدَ فيه، فهو مصدرٌ كالقتال. وقيل: هو اسمٌ لا مصدرٌ
من المَحْل، بمعنى القوَّة. وحُمل على ذلك قولُ الأعشى:
فرعُ نَبْعِ(٢) يهتزُّ في غُصُن المجـ ـدٍ عظيمُ النَّدى شديدُ المِحَالِ(٣)
وقولُ عبد المطلب:
لا يغلبنَّ صليبُهم ومِحالُهم - عَدْواً - مِحَالك(٤)
وكأنَّ أصله من المَحْل بمعنى القَحْط. وكلا التفسيرين مرويٌّ عن ابنِ عباس.
وقيل: هو مفعل لا فِعَال، من الحول بمعنى القوَّة.
(١) في (م): المكايدة.
(٢) في الأصل و(م): نبل، والمثبت من مصادر التخريج الآتية، والنبع: شجر للقسيّ والسهام
ينبت في قُلّة الجبل. ((القاموس)) (نبع).
(٣) البيت في ديوانه ص٥٧، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ٣٢٥/١، ولسان العرب (محل)، وجاء
فیھم: غزير الندى.
(٤) سيرة ابن هشام ١/ ٥١ وفيها: غدواً، والحيوان للجاحظ ١٩٨/٧ - ١٩٩ وفيه: أبداً، ولسان
العرب (محل)، وروايته كرواية المصنف.

سُورَةُ الرّعْدِ
٨٨
الآية : ١٤
وقال ابن قتيبة (١): هو كذلك من الحيلة المعروفة، وميمُه زائدةٌ، كميم مكان.
وغلَّطه الأزهريُّ(٢) بأنه لو كان مِفْعلاً، لكان كمِرْوَد ومِحْوَر.
واعتذر عن ذلك بأنه أعلَّ على غير قياس، وأيَّد دعوى الزيادة بقراءة الضخَّاك
والأعرج ((المَحَال)) بفتح الميم (٣)، على أنه مَفْعَل من حال يحول إذا احتال؛ لأنَّ
الأصلَ توافقُ القراءتين، ويقال للحيلة أيضاً: المَحالة؛ ومنه المثل: المرءُ يَعْجِزُ
لا المحالة(٤). وقال أبو زيد: هو بمعنى النِّقمة، وكأنه أخذه من المَحْل بمعنى
القحط أيضاً. وقال ابن عرفة: هو الجِدال، يقال: مَاحَلَ عن أمره، أي: جادل.
وقيل: هو بمعنى الحقد، ورُوي عن عكرمة، وحملوه على التجوُّز.
وجوز أن يكون ((المحَال)) بالفتح بمعنى الفَقَار، وهو عمود الظهر وقوامه، قال
في ((الأساس))(٥): يقال: فرس قويُّ المَحَال، أي: الفَقار، الواحدة: محالة،
والميم أصلية. ويكون ذلك مثلاً في القوَّة والقدرة؛ كما جاء في الحديث الصحيح:
((فساعدُ اللهِ تعالى أشدُّ ومُوساه أحدُّ)(٦) لأنَّ الشخص إذا اشتدَّ محالُه كان منعوتاً
بشدة القوَّة والاضطلاع بما يعجز عنه غيرُه، ألا ترى إلى قولهم: فَقَرَتْه الفواقرُ(٧)،
وهو مَثَلُ لتوهين القوى. وبهذا الحملِ لا يلزمُ إثباتُ الجسميَّة له تعالى. والجملة
الاسمية في موضع الحال من الاسم الجليل.
﴾ أي: لله تعالى ﴿رَعْوَةُ لَفِّ﴾ أي: الدعاء والتضرُّع الثابت الواقع في محلّه
المجاب عند وقوعه. والإضافة للإيذان بملابسة الدعوة للحقِّ، واختصاصِها به،
وكونِها بمعزل من شائبة البطلان والضلال والضياع، كما يقال: كلمةُ الحقِّ،
(١) ينظر تفسير غريب القرآن ص٢٢٦.
(٢) في الأصل: الجوهري، والكلام في تهذيب اللغة ٩٥/٥، وينظر لسان العرب (محل).
(٣) القراءات الشاذة ص٦٦، والمحتسب ٣٥٦/١ - ونسباها للأعرج فقط - والبحر المحيط
٣٧٦/٥.
(٤) ذكره العسكري في جمهرة الأمثال ٢٧٥/٢، والميداني في مجمع الأمثال ٣٠٩/٢.
(٥) أساس البلاغة ص ٥٨٤ .
(٦) أخرجه أحمد (١٧٢٢٨)، والحاكم ٢٤/١ - ٢٥، وصحّحه ووافقه الذهبي.
(٧) الفواقر: الدواهي، واحدتها: فاقرة، كأنها تحطم فَقَار الظهر. النهاية (فقر)، ولسان العرب
(فقر).

الآية : ١٤
٨٩
سُؤَرَّةُ الرَّعَلِ
والمراد أنَّ إجابة ذلك له تعالى دون غيره، ويؤيِّدُه ما بعدُ كما لا يخفى.
وقيل: المرادُ بدعوة الحقِّ الدعاءُ عند الخوف، فإنَّه لا يُدعى فيه إلّا الله تعالى
كما قال سبحانه: ﴿ضَلَّ مَن تَّدْعُونَ إِلَّ إَِّهُ﴾ [الإسراء: ٦٧] وزعم الماورديُّ(١): أنَّ
هذا أشبهُ بسياق الآية.
وقيل: الدعوة بمعنى الدعاء، أي: طلبُ الإقبال، والمراد به العبادةُ؛
للاشتمال عليه(٢)، والإضافة على طرز ما تقدَّم. وبعضُهم يقول: إنَّ هذه الإضافة
من إضافة الموصوف إلى الصفة، والكلامُ فيها شهير.
وحاصل المعنى أنَّ الذي يحقُّ أن يُعبدَ هو الله تعالى دون غيره.
ويُفهم من كلام البعض - على ما قيل - أنَّ الدعوةَ بمعنى الدعاء، ومتعلَّقها
محذوفٌ، أي: للعبادة، والمعنى أنه الذي يحقُّ أن يُدعى إلى عبادته دون غيره.
ولا يخفى ما بين المعنيين من التلازم، فإنه إذا كانت الدعوة إلى عبادته سبحانه
حقّاً كانت عبادتُه جلَّ شأنه حقّاً، وبالعكس.
وعن الحسن أنَّ المراد من الحقِّ هو اللهُ تعالى، وهو - كما في ((البحر)) (٣) -
ثاني الوجهين اللذين ذكرهما الزمخشريُّ(٤)، والمعنى عليه كما قال: له دعوةٌ
المدعوِّ الحقّ الذي يسمعُ فيجيب. والأَولى ما أشرنا إليه أولاً، وجعل الحقِّ فيه
مقابلَ الباطل.
وبيَّن صاحب ((الكشف)) حاصلَ الوجهين بأنَّ الكلام مسوقٌ لاختصاصه
سبحانه بأن يُدعى ويعبد؛ ردّاً لمن يجادل في الله تعالى ويشركُ به سبحانه
الأندادَ، ولا بدَّ من أن يكون في الإضافة إشعارٌ بهذا الاختصاص، فإنْ جُعل
الحقُّ في مقابل الباطل فهو ظاهرٌ، وإنْ جُعل اسماً من أسمائه تعالى كان
الأصل: لله دعوته؛ تأكيداً للاختصاص من اللام والإضافة، ثم زيدَ ذلك بإقامة
(١) في النكت والعيون ١٠٣/٣.
(٢) قوله: عليه، ليس في (م).
(٣) ٣٧٦/٥,
(٤) في الكشاف ٢/ ٣٥٤.

سُورَةُ الرّعَلِ
٩٠
الآية : ١٤
الظاهرِ مقامَ المضمر معاداً بوصفٍ ينبئُ عن اختصاصها به أشدَّ الاختصاص،
فقيل: له دعوة المدعوِّ الحقّ، والحقُّ من أسمائه سبحانه يدلُّ على أنَّه الثابت
بالحقيقة وما سواه باطلٌ من حيثُ هو، وحقّ بتحقيقه تعالى إياه، فيتقيّدُ بحسب
كلِّ مقام للدلالة على أنَّ مقابلَه لا حقيقةً له، وإذا كان المدعوُّ من دونه بطلانه
لعدم الاستجابة فهو الحقُّ الذي يسمعُ فيجيب. انتهى. وبهذا سقط ما قاله
أبو حيان (١) في الاعتراض على الوجه الثاني من أنَّ مآله: إلى الله دعوةُ الله، وهو
نظيرُ قولك: لزيد دعوةُ زيد. ولا يصحُّ ذلك. واستغني عما قال العلامة الطيبي
في تأويله من أنَّ المعنى: والله تعالى الدعوةُ التي تليقُ أنْ تنسبَ وتضاف إلى
حضرته جلَّ شأنه لكونه سبحانه سميعاً بصيراً كريماً، لا يُخيِّبُ سائلَه فيجيب
الدعاء. فإنَّ ذلك كما ترى قليلُ الجدوى.
ويعلم مما في ((الكشف)) وجهُ تعلُّقِ هذه الجملة بما تقدَّم. وقال بعضُهم: وجهُ
تعلُّقِ هذه والجملة التي قبلَها - أعني قوله تعالى: ((وهو شديد المحال)) إنْ كان سبب
النزول قصة أربدَ وعامر - أنَّ إهلاكهما من حيثُ لم يشعرا به محال من الله تعالى،
وإجابةٌ لدعوة رسوله وَ ل﴿ فقد رُوي أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((اللهمَّ
احبِسْهما عنِّي بما شئت))(٢) أو دلالة على أن رسوله وَّر على الحقِّ. وإن لم يكن
سبب النزول ذلك، فالوجه أنَّ ذلك وعيدٌ للكفرة على مجادلتهم الرسولَ وَّه بحلول
مَحَاله بهم، وتهديدُهم بإجابة دعائه عليه الصلاة والسلام إنْ دعا عليهم، أو بيانُ
ضلالتهم وفساد رأيهم في عبادة غير الله تعالى. ويعلم مما ذكر وجه التعلُّق على
بعض التفاسير إذا قلنا: إنَّ سببَ النزول قصةُ اليهوديِّ أو الجبّار. فتأمَّل.
﴿وَلَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ أي: الأصنام الذين يدعونهم، أي: المشركون، وحذفُ عائد
الموصول في مثل ذلك كثيرٌ، وجوز أن يكون الموصول عبارة عن المشركين،
وضمير الجمع المرفوع عائدٌ إليه، ومفعول ((يدعون)) محذوف، أي: الأصنام،
(١) في البحر ٣٧٦/٥.
(٢) ذكر العبارة بهذا اللفظ الشهاب في حاشيته ٢٢٩/٥. وجاءت عند الواحدي في أسباب
النزول ص٢٧٦، وابن الجوزي في زاد المسير ٣١٤/٤ بلفظ: ((اللهم اكفنيهما ... )) ولم ترد
في باقي المصادر التي ذكرت قصة أربد وعامر مع رسول الله وَّي، والله أعلم.

الآية : ١٤
٩١
سُوَّةُ الرَّعْلِ
وحُذف لدلالةِ قوله تعالى: ﴿مِن دُونِ﴾ عليه؛ لأنَّ معناه متجاوزین له، وتجاوزُه
إنَّما هو بعبادتها .
ويؤيِّدُ الوجهَ الأول قراءةُ اليزيدي(١) عن أبي عمرو: ((تَدعون)) بتاء الخطاب،
وضمير ﴿لَا يَسْتَجِيبُونَ﴾ عليه عائد على ((الذين))، وعلى الثاني عائدٌ على مفعول
(يدعون))، وعلى كلٌّ فالمرادُ لا يستجيب الأصنامُ ﴿لَهُ﴾ أي: للمشركين ﴿بِشَىْءٍ﴾
من طلباتهم ﴿إِلَّ كَبَسِطٍ كُفَتَّهِ إِلَى الْمَِّ﴾ أي: لا يستجيبون شيئاً من الاستجابة وطرفاً
منها إلَّا استجابةً كاستجابة الماء لمن بسط كفّيه إليه من بعيد يطلبُه ويدعوه ﴿لِتَُّغَ﴾
أي: الماءُ بنفسه من غير أن يؤخذَ بشيءٍ من إناءٍ ونحوه ﴿نَهُ وَمَا هُوَ﴾ أي: الماء
﴿يَلِغِهٍ﴾ أي: ببالغ فيه أبداً؛ لكونه جماداً لا يشعر بعطشه وبَسْطِ يديه إليه.
وجوَّز أبو حيان(٢) كون ((هو)) ضميرَ الفم والهاء في ((بالغه)) ضمير الماءِ أي:
وما فوه ببالغ الماءَ؛ لأنَّ كلّ منهما لا يبلغ الآخرَ على هذه الحال.
وجوَّز بعضُهم كونَ الأول ضمير ((باسط)) والثاني ضمير ((الماء)). قال
أبو البقاء(٣): ولا يجوز أن يكونَ الأولُ عائداً على ((باسط)) والثاني عائداً على
الفم؛ لأنَّ اسمَ الفاعل إذا جرى على غير مَنْ هو له لزمَ إبرازُ الفاعل، فكان يجب
على ذلك أن يقال: وما هو ببالغه الماء. والجمهور على ما سمعت أولاً.
والغرض - كما قال بعضُ المدقِّقين - نفيُ الاستجابة على البثِّ، بتصوير أنهم
أحوجُ ما يكونون إليها؛ لتحصيل مباغيهم، أخيبُ ما يكون أحدٌ في سعيه لما هو
مضطرٌ إليه.
والحاصلُ أنَّه شبَّه آلهتهم حين استكفائهم إيَّاهم ما أهمَّهم بلسان الاضطرار في
عدم الشعور فضلاً عن الاستطاعة للاستجابة، وبقائهم لذلك في الخسار = بحال
ماءٍ بمرأَى من عطشانَ باسطٍ كفّيه إليه يُناديه عبارةً وإشارةً، فهو لذلك في زيادة
الکباد والبوار.
(١) في (ط) و(م): البزدوي، والمثبت من البحر المحيط ٣٧٦/٥، واليزيدي هو يحيى بن
المبارك البصري، جوّد القرآن على أبي عمرو واختص به. معرفة القراء الكبار ٣٢٠/١.
(٢) في البحر ٥/ ٣٧٧.
(٣) في الإملاء ٣٧٨/٣.

سُورَةُ الرّعْدِ
٩٢
الآية : ١٤
والتشبيه على هذا من المركَّب التمثيلي في الأصل أبرزُ في معرض التهّم حيثُ
أثبت أنَّهما استجابتان زيادةً في التخسير والتحسير، فالاستثناء مفرٌَّ من أعمّ عامِ
المصدر كما أشرنا إليه.
والظاهر أنَّ الاستجابةَ هناك مصدرٌ من المبنيِّ للفاعل، وهو الذي يقتضيه الفعلُ
الظاهر، وجوّز أن يكون من المبنيِّ للمفعول، ويضاف إلى الباسط بناءً على استلزام
المصدر من المبني للفاعل للمصدر من المبني للمفعول وجوداً وعدماً، فكأنَّه قيل:
لا يستجيبون لهم بشيء، فلا يُستجاب لهم استجابةً كائنةً كاستجابةِ مَنْ بسطَ كفّيه
إلى الماء، كما في قول الفرزدق:
من المالِ إلَّا مُسْحَتٌ أو مُجلَّفُ(١)
وعضُّ زمانٍ يا بنَ مروانَ لم يَدَعْ
أي: لم يدع، فلم يبق إلّا مُسحتٌ أو مجلَّفُ.
وأبو البقاء(٢) يجعل الاستجابة مصدر المبني للمفعول، وإضافتُه إلى ((باسط))
من باب إضافة المصدر إلى مفعوله، كما في قوله تعالى: ﴿لَّا يَسْتَمُ الْإِنسَانُ مِن دُعَاءِ
اُلْخَيْرِ﴾ [فصلت: ٤٩] والفاعلُ ضميرُ ((الماء)) على الوجه الثاني في الموصول.
وقد يُراد من بَسْط الكفَّين إلى الماء بسطُهما، أي: نشرُ أصابيعهما ومدُّها
لشربه، لا للدعاء والإشارة إليه، كما أشرنا إليه فيما تقدَّم، وعلى هذا قيل: شُبِّه
الداعون لغير الله تعالى بمن أراد أن يغرفَ الماءَ بيديه، فبسطهما ناشراً أصابعه في
أَنَّهما لا يحصلان على طائل. وجعلَ بعضُهم وجهَ الشبه قلَّةَ الجدوى، ولعله أراد
عدمَها، لكنَّه بالغَ بذكرِ القلّة وإرادةِ العدم؛ دلالةٌ على هضم الحقِّ وإيثار الصدق،
ولإشمامٍ طرفٍ من التهكُم.
والتشبيه على هذا من تشبيه المفرد المقيَّد، كقولك لمن لا يحصلُ من سعيه
على شيء: هو كالراقم على الماء، فإنَّ المشبَّه هو الساعي مقيَّداً بكون سعيه
(١) ديوانه ٢٦/٢، وسلف ٣/ ٣٧٠، والرواية المشهورة للبيت:
إلا مُسْحَتاً أو مجلَّفُ
والبيت فيه كلام طويل ذكره البغدادي في خزانة الأدب ١٤٤/٥ - ١٥٣ فينظر هناك.
(٢) في الإملاء ٣٧٨/٣.

الآية : ١٤
٩٣
سُؤَدَّةُ الرَّعَلِ
كذلك، والمشبَّه به هو الراقمُ مقيّداً بكونه على الماء، كذلك فيما نحن فيه، ولیس
من المركّب العقلي في شيء على ما تُوهِّم. نعم وجه الشبه عقليٌّ اعتباريٌّ،
والاستثناء مفرٌَّ عن أعمِّ عامِّ الأحوال، أي: لا يستجيب الآلهةُ لهؤلاء الكفرة
الداعين، إلَّا مشبَّهين - أعني الداعين - یمن بسطَ كفَّيه ولم يقبضهما،
وأخرجهما كذلك، فلم يحصل على شيء؛ لأنَّ الماء يحصل بالقبض لا بالبسط.
ورُوي عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه أنَّ ذلك تشبيهٌ بعطشانَ على شفير بئرٍ
بلا رِشَاء، ولا يبلغُ قعرَ البئر، ولا الماءُ يرتفعُ إليه. وهو راجعٌ إلى الوجه الأول
وليس مغايراً له كما قيل. وعن أبي عبيدة(١) أنَّ ذلك تشبيهٌ بالقابض على الماء في
أنَّه لا يحصل على شيء، ثم قال: والعربُ تضرب المثل في الساعي فيما لا يدركه
بذلك، وأنشد قول الشاعر:
فأصبحتُ ممَّا كان بيني وبينَها
من الودِّ مثلَ القابضِ الماءَ باليدِ(٢)
وقوله :
كقابض ماءٍ لم تَسِقْهُ أناملُه(٣)
وإني وإياكم وشوقاً إليكم
وهو راجع إلى الوجه الثاني خلا أنَّه لا يظهر من ((باسط)) معنى قابض، فإنَّ
بسط الكفّ ظاهرٌ في نشر الأصابع ممدودةً كما في قوله:
تعوَّدَ بسطَ الكفِّ حتى لو أنَّه
أرادَ انقباضاً لم تُطِعْهُ أناملُه (٤)
وكيفما كان فالمرادُ بباسط: شخصٌ باسطٌ، أيُّ شخصٍ كان، وما يقتضيه ظاهرُ
(١) مجاز القرآن ٣٢٧/١.
(٢) البيت دون نسبة في مجاز القرآن ٣٢٧/١، وتفسير الطبري ٤٨٨/١٣، وتفسير القرطبي
٤٢/١٢، ونسبه الماوردي في النكت والعيون ١٠٣/٣ لأبي الهذيل.
(٣) البيت لضابئ بن الحارث البرجمي، وهو في مجاز القرآن لأبي عبيدة ١/ ٣٢٧، وتفسير
الطبري ٤٨٨/١٣، وغريب القرآن لابن قتيبة ص٣٢٦، وتفسير القرطبي ١٦٩/٢٢، واللسان
(وسق)، والخرانة ٣٢٣/٩.
وقوله: لم تَسِقْهُ، أي: لم تحمله، كما في اللسان.
(٤) البيت لأبي تمام، وهو في ديوانه ٢٩/٣ (وروايته: ثناها لقبضٍ، بدل: أراد انقباضاً) ونقله
المؤلف عن الشهاب في حاشيته ٢٣٠/٥.

سُورَةُ الرّعْدِ
٩٤
الآية : ١٥
ما رُوي عن بُكير بن معروف من أنه قابيل حيثُ إنَّه لما قتل أخاه، جعل الله تعالى
عذابَه أنْ أخذَ بناصيته في البحر ليس بينه وبين الماء إلَّ إصبعٌ فهو يريدُه
ولا ينالُهُ(١) = ممَّا لا ينبغي أن يعوَّلَ عليه.
وقُرئ: ((كباسطِ كَفَّيه)) بالتنوين(٢)، أي: كشخصٍ يبسط كفّيه.
﴿وَمَا دُعَُّ اَلْكَفِرِينَ إِلَّ فِ ضَكَلِ ﴾﴾ أي: في ضياع وخسار وباطل، والمرادُ بهذا
الدعاءُ، إنْ كان دعاءَ آلهتهم فظاهرٌ أنه كذلك لكنه فُهم من السابق وحينئذٍ يكون
مكرَّراً للتأكيد، وإن كان دعاءَهم اللهَ تعالى، فقد استشكلوا ذلك بأنَّ دعاء الكافر قد
يُستجاب، وهو المصرَّح به في ((الفتاوى))، واستجابةُ دعاء إبليس وهو رأس الكفار
نصٌّ في ذلك. وأُجيب بأنَّ المراد دعاؤُهم الهَ تعالى بما يتعلَّقُ بالآخرة، وعلى هذا
يُحمل ما رُوي عن ابن عباس ◌َّ من أنَّ أصواتَ الكفار محجوبةٌ عن الله تعالى،
فلا يُسمع دعاؤهم. وقيل: يجوز أن يُراد دعاؤهم مطلقاً ولا يقيّدُ بما أُجيبوا به.
﴿وَلَِّ﴾ وحده ﴿يَسْجُدُ﴾ يخضعُ وينقاد، لا لشيء غيره سبحانه استقلالاً
ولا اشتراكاً، فالقصر ينتظم القلب والإفراد (٣). ﴿مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ مِن
الملائكة والنَّقَلَيْن، كما يقتضيه ظاهرُ التعبير بـ ((مَنْ))، وتخصيصُ انقياد العقلاء مع
كون غيرهم أيضاً كذلك؛ لأنَّهم العمدةُ، وانقيادُهم دليلُ انقيادِ غيرهم، على أنَّ
فيما يأتي إن شاء الله تعالى بياناً لذلك. وقيل: المراد ما يشمل أولئك وغيرهم،
والتعبير بـ ((من)) للتغليب.
﴿لَوَّعًا وَكَرْهًا﴾ نصبٌ على الحال، فإن قلنا بوقوع المصدر حالاً من غير
تأويل فهو ظاهرٌ، وإلَّا فهو بتأويل: طائعين وكارهين، أي: إنَّهم خاضعون لعظمته
تعالى، منقادون لإحداث ما أراد سبحانه فيهم من أحكام التكوين والإعدام، شاؤوا
أو أبَوْا، من غيرِ مداخلةٍ حكمٍ غيرِه جلَّ وعلا، بل غيرِ حكمهِ تعالى في شيء من
ذلك.
(١) أورده السيوطي في الدر المنثور ٥٣/٤، وعزاه لابن أبي حاتم.
(٢) الكشاف ٢/ ٣٥٤، والبحر ٣٧٧/٥ دون نسبة.
(٣) يعني نوعي القصر الإضافي، وهما قصر القلب وقصر الإفراد. ينظر معجم المصطلحات
البلاغية ص٤٦٩ .

الآية : ١٥
٩٥
سُوَّةُ الرّحَدِ
وجوز أن يكون النصبُ على العلَّة؛ فالكَره بمعنى الإكراه، وهو مصدرُ المبنيِّ
للمفعول؛ ليتَّحد الفاعل بناءً على اشتراط ذلك في نصب المفعول لأجله، وهو عند
مَن لم يشترط على ظاهره. وما قيل عليه من أنَّ اعتبار العليَّة في الكره غيرُ ظاهر -
لأنَّه الذي يقابل الطّوعَ وهو الإباءُ ولا يعقل كونه علَّةً للسجود - فمدفوعٌ بأنَّ العلّة
ما يَحملُ على الفعل، أو ما يترتَّب عليه، لا ما يكون غرضاً له، وقد مرَّ عن
قرب(١)، فتذكره.
وقيل: النصبُ على المفعولية المطلقة، أي: سجود طوعٍ وكره.
﴿وَظِلَلُهُمْ﴾ أي: وتنقاد له تعالى ظلالُ مَن له ذلك منهم، وهم الإنسُ فقط، أو
ما يعمُّهم وكل كثيف.
وفي ((الحواشي الشهابية))(٢): ينبغي أن يرجعَ الضميرُ لمن في الأرض؛ لأنَّ مَن
في السماء لا ظلَّ له، إلا أن يحملَ على التغليب أو التجوُّز.
ومعنى انقياد الظلال له تعالى أنَّها تابعةٌ لتصرُّفه سبحانه ومشيئتِه في الامتداد
والتقلُّص والفيء والزوال. وأصلُ الظلِّ - كما قال الفرَّاء(٣) - مصدر، ثُمَّ أُطلق على
الخيال الذي يظهر للجِرْم، وهو إما معكوسٌ أو مستوٍ، ويُبنى على كلٌّ منهما أحكامٌ
ذکروها في محلّها .
﴿﴾ ظرفٌ للسجود المقدَّر، والباءُ بمعنى ((في)) وهو كثير،
﴿يَالْغُدُوِّ وَاْلْأَصَالِ
والمراد بهما الدوام؛ لأنَّه يذكر مثلُ ذلك للتأبيد، قيل: فلا يقال: لم خصًّا بالذكر؟
وكذا يقال إذا كانا في موضع الحال من الظلال، وبعضُهم يعلِّلُ ذلك بأنَّ امتدادَها
وتقلُّصَها في ذينك الوقتين أظهرُ.
والغُدُوّ: جمعُ: غداةٍ، كقُنيّ وقناة. والآصال: جمعُ أصيل، وهو: ما بين
العصر والمغرب، وقيل: هو جمع أُصل جمعُ أصيل. وأصلُه أأصال، بهمزتين
قُلبت الثانية ألفاً، وقيل: الغُدُوُّ مصدر، وأُيِّد بقراءة ابن مجلز: ((الإيصال)) بكسر
(١) عند تفسير: ((خوفاً وطمعاً)) من الآية: (١٢) من هذه السورة.
(٢) ٢٣٠/٥.
(٣) ذكر كلامه أبو حيان في البحر المحيط ٣٧٨/٥، وعنه نقل المصنف.

سُوَّةُ الرَّعَدِ
٩٦
الآية : ١٥
الهمزة(١)، على أنَّه مصدرُ آصَلْنَا، بالمدِّ، أي: دخلنا في الأصيل، كما قاله ابنُ
جنِّي(٢) .
هذا وقيل: إنَّ المراد حقيقةُ السجود، فإنَّ الكفرة حالةَ الاضطرار - وهو المعنيّ
بقوله تعالى: ((وكرهاً)) - يخصُّون السجود به سبحانه، قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُواْ فِ الْفُلْكِ
دَعُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ أَلِّينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]. ولا يبعد أن يخلق الله تعالى في الظلال
أفهاماً وعقولاً بها تسجد لله تعالى شأنُهُ، كما خلق جلَّ جلالُه ذلك للجبال حتى
اشتغلَت بالتسبيح، وظهرت فيها آثارُ التجلِّي، كما قاله ابنُ الأنباري(٣). وجوِّز أن يُراد
بسجودها ما يُشاهد فيها من هيئة السجود تبعاً لأصحابها، وهذا - على ما قيل - مبنيٌّ
على ارتكاب عموم المجاز في السجود المذكور في الآية، بأنْ يرادَ به الوقوعُ على
الأرض، فيشمل سجودَ الظلال بهذا المعنى، أو تقديرُ فعلٍ مُؤدِّ ذلك رافعٍ للظلال، أو
خبر له كذلك، أو التزام أنَّ إرادة ما ذُكر لا يضرُّ في الحقيقة؛ لكونه بالتبعية والعرض،
أو أنَّ الجمعَ بين الحقيقة والمجاز جائزٌ، ولا يخفى ما في بعض الشقوق من النظر.
وعن قتادة أنَّ السجودَ عبارةٌ عن الهيئة المخصوصة، وقد عبَّر بالطوع عن
سجود الملائكة عليهم السلام والمؤمنين، وبالكَرْه عن سجود من ضمَّه السيفُ إلى
الإسلام، فيسجد كَرْهَاً، إما نفاقاً، أو يكونَ الكَرْه أوَّلَ حاله فتستمرّ عليه الصفة،
وإن صحَّ إيمانه بعدُ. وقيل: الساجدُ طوعاً: من لا يثقل عليه السجود، والساجد
كَرْهاً: مَنْ يثقلُ عليه ذلك. وعن ابن الأنباري: الأوَّلُ مَن طالت مدَّة إسلامه،
فَأَلِفَ السجودَ، والثاني مَن بدأ بالإسلام إلى أن يألف السجود(٤).
وأيًّا ما كان فـ ((مَن)) عامٌّ أريد به مخصوص، إذ يخرج من ذلك من لا يسجد،
وقيل: هو عامٌّ لسائر أنواع العقلاء، والمراد بـ ((يسجد)) يجب أن يسجدَ، ولكن عبَّر
عن الوجوب بالوقوع مبالغةً. واختار غيرُ واحدٍ في تفسير الآية ما ذكرناه أولاً؛ ففي
(١) المحتسب ٣٥٦/١، والكشاف ٣٥٥/٢، والبحر ٣٧٨/٥.
(٢) في المحتسب ٣٥٦/١.
(٣) ذكر كلامَه أبو السعود في تفسيره ١٢/٥.
(٤) كلمة: السجود، ليست في (م). وكلام ابن الأنباري ذكره الماوردي في النكت والعيون
١٠٤/٣، وأبو حيان في البحر المحيط ٣٧٨/٥.

الآية : ١٦
٩٧
سُوَّةُ الرَّحْلِ
(البحر)): والذي يظهر أنَّ مساق الآية إنَّما هو أنَّ العالَمَ كلَّه مقهورٌ لله تعالى،
خاضعٌ لما أراد سبحانه منه، مقصورٌ على مشيئته، لا يكون منه إلا ما قدَّر - جلَّ
وعلا - فالذين تعبدونهم كائناً ما كانوا داخلون تحت القهر، لا يستطيعون نفعاً
ولا ضرًّا، ويدلُّ على هذا المعنى تشريكُ الظلالِ في السجود، وهي ليست
أشخاصاً يُتصوَّرُ منها السجود بالهيئة المخصوصة، ولكنَّها داخلةٌ تحت مشيئته تعالى
يصرفُها سبحانه حسبما أراد، إذ هي من العالَم، والعالمُ جواهرُه وأعراضُه داخلةٌ
تحت قهر إرادته تعالى كما قال سبحانه: ﴿أَوْلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ يَنَفَيَّوْاْ
◌ِلَلَهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَآئِلِ سُجَّدًا لِلّه﴾ [النحل: ٤٨] وكونُ المراد بالظلال الأشخاصَ -
كما قال بعضُهم - ضعيفٌ، وأضعفُ منه ما قاله ابن الأنباري، وقياسُها على الجبال
ليس بشيءٍ؛ لأنَّ الجبل يمكنُ أن يكون له عقلٌ بشرط تقدير الحياة، وأمَّا الظُّلُّ
فَعَرَضٌ لا يُتصوَّرُ قيامُ الحياة به، وإنَّما معنى سجودِها ميلُها من جانب إلى جانب،
واختلافُ أحوالها كما أراد سبحانه وتعالى(١).
وفي "إرشاد العقل السليم)) بعد نقلٍ ما قيلَ أولاً: وأنت خبيرٌ بأنَّ اختصاص
سجود الكافر حالةَ الاضطرار والشدَّة لله تعالى لا يُجدي، فإنَّ سجودَه للصنم حالةً
الاختيار والرخاء مُخِلٌّ بالقصر المستفاد من تقديم الجارِّ والمجرور، فالوجهُ حملُ
السجود على الانقياد، ولأنَّ تحقيقَ انقياد الكلِّ في الإبداع والإعدام له تعالى أدخلُ
في التوبيخ على اتّخاذ أولياء من دونه سبحانه وتعالى من تحقيق سجودهم له
تعالى(٢). اهـ. وفي تلك الأقوالِ بعدُ ما لا يخفى على الناقد البصير.
﴿قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ تحقيقٌ، كما قال بعضُ المحقّقين؛ لأنَّ
خالقَهما ومتولِّي أمرهما مع ما فيهما على الإطلاق هو اللهُ تعالى، قيل: إنَّه سبحانه
بعد أن ذكر انقيادَ المظروف لمشيئته تعالى ذكر ما هو كالحجّة على ذلك من كونه ۔
جلَّ وعلا خالقَ هذا الظرف العظيم الذي يبهر العقولَ، ومُدبِّرَه، أي: قل يا محمد
لهؤلاء الكفارِ الذين اتخذوا من دونه أولياءَ: مَنْ ربُّ هذه الأجرامِ العظيمة العلوية
والسفلية؟.
(١) البحر المحيط ٣٧٨/٥.
(٢) تفسير أبي السعود ٥/ ١٢ .

سُوَّةُ الرَّحْدِ
٩٨
الآية : ١٦
﴿قُلِ اَللَّهُ﴾ أمرَ بَّهِ بالجواب إشعاراً بأنه متعيّنٌ للجوابية، فهو - عليه الصلاة
والسلام - والخصمُ في تقريره سواءٌ، ويجوز أن يكون ذلك تلقيناً للجواب؛ ليبيِّنَ
لهم ما هم عليه من مخالفتهم لما علموه، وقيل: إنَّه حكايةٌ لاعترافهم، والسياقُ
ياباه.
وقال مكِّي(١): إنهم جَهِلوا الجواب فطلبوه من جهته وَّر، فأمر بإعلامهم به.
ويُبعده أنَّه تعالى قد أَخبر بعلمهم في قوله سبحانه: ﴿وَلَيْنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] وحينئذٍ كيف يقال: إنَّهم جَهِلوا الجوابَ
فطلبوه؟ نعم، قال البغويُّ(٢): رُوي أنَّه لما قال رَّيه ذلك للمشركين، عطفوا عليه
فقالوا: أجبْ أنت. فأمره اللهُ تعالى بالجواب. وهو بفرض صحته لا يدلُّ على
جھلهِم کما لا يخفى.
﴿قُلْ﴾ إلزاماً لهم وتبكيتاً ﴿أَفَّخَذْهُ﴾ لأنفسِكم ﴿مِن دُونِهِ، أَوْلِيَاءٌ﴾ عاجزين ﴿لَا
يَعْلِكُونَ لِأَشْسِ﴾ وهي أعزُّ عليهم منكم ﴿نَفْعًا﴾ يستجلبونه ﴿وَلَا ضَرَّ﴾ يدفعونه عنها،
فضلاً عن القدرة على جَلْب النفع للغير ودفع الضَّرر عنه، والهمزةُ للإنكار.
والمراد: بعد أن عَلِمتموه ربَّ السماواتِ والأرض اتَّخذتم من دونه أولياءَ في غاية
العجز عن نفعِكم، فجعلتم ما كان يجبُ أن يكونَ سببَ التوحيد من علمِكم سببَ
الإشراك. فالفاءُ عاطفةٌ للتسبُّبِ والتفريع، دخلتِ الهمزةُ عليه؛ لأنَّ المنكرَ الاتخاذُ
بعد العلم، لا العلمُ، ولا هما معاً.
ووصفُ الأولياءِ بما ذكر ممَّا يقوِّي الإنكارَ ويؤكّدهُ.
ويفهم - على ما قيل - من كلام البعض أنَّ هذا دليلٌ ثانٍ على ضلالهم وفساد
رأيهم في اتّخاذهم أولياءَ رجاء أن ينفعوهم. واختلف في الدليل الأول فقيل: هو
ما يُفهم من قوله تعالى: ((قل أفاتخذتم من دونه أولياء)) وقيل: هو ما يُفهم من قوله
سبحانه: (والذین یدعون من دونه)) إلخ، فتدبّر.
تصويراً لآرائهم الركيكةِ بصورة المحسوس: ﴿هَلْ يَسْتَوِى الْأَعْمَى﴾ الذي
(١) هو مكي بن ابي طالب، وقوله في المحرر الوجيز ٣٠٦/٣، والبحر المحيط ٣٧٨/٥.
(٢) في تفسيره ١٢/٣

الآية : ١٦
٩٩
سُورَةُ الرَّحْدِ
هو المشركُ الجاهل بالعبادة ومستحقِّها ﴿وَالْبَصِيرُ﴾ الذي هو الموحِّدُ العالِمُ بذلك.
وإلى هذا ذهب مجاهد، وفي الكلام عليه استعارة تصريحية. وكذا على ما قيل: إنَّ
المرادَ بالأول الجاهلُ بمثل هذه الحجَّة، وبالثاني العالمُ بها، وقيل: إنَّ الكلام
على التشبيه، والمراد: لا يستوي المؤمنُ والكافرُ، كما لا يستوي الأعمى
والبصير، فلا مجاز. ومن الناس من فسَّر الأولَ بالمعبود الغافلِ، والثاني بالمعبود
العالِم بكلِّ شيء. وفيه بعدٌ.
﴿أَمْ هَلْ نَسْتَوِى الْقُلْمَتُ﴾ التي هي عبارةٌ عن الكفر والضلال ﴿وَأَنُورٌ﴾ الذي هو
عبارةٌ عن الإيمان والتوحيد. ورُوي ذلك عن مجاهد أيضاً. وجمع الظلمات؛ لتعدُّدِ
أنواع الكفر، ككفر (١) النصارى وكفر المجوس وكفر غيرهم، وکونُ الكفر كلِّه ملَّة
واحدةً أمرٌ آخرُ. و((أم)) كما في ((البحر))(٢) منقطعةٌ، وتقدَّرُ بـ: ((بل))، والهمزةُ على
المختار، والتقدير: بل أَهَلْ تستوي، و((هل)) وإن نابَتْ عن الهمزة في كثيرٍ من
المواضع فقد جامعَتها أيضاً كما في قوله:
أُهَلْ رَأَوْنا بوادي القُفِّ ذي الأَكَمِ (٣)
وإذا جامعَتْها مع التصريح بها فَلأَن تجامعَها مع ((أم)) المتضمنةِ لها أَولى،
ويجوز فيها بعد ((أم)) هذه أن يؤتى بها؛ لشبهها بالأدوات الاسمية التي للاستفهام
في عدم الأصالة فيه، كما في قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ﴾ [يونس: ٣١].
ويجوز أن لا يُؤتى بها؛ لأن ((أم)) متضمِّنةٌ للاستفهام، وقد جاء الأمران في قوله:
(١) في (ط): ككفرة.
(٢) ٣٧٩/٥.
(٣) البيت لزيد الخيل، وصدره:
سائلْ فوارسَ يَرْبُوعٍ بشَدَّتنا
وهو في ديوانه ص ١٠٠، ومغني اللبيب ص ٤٦٠، والخزانة ٢٦١/١١ - وروايتهم: بسفح
القاع، بدل: بوادي القف - والمقتضب ٤٤/١، والخصائص ٤٦٣/٢، وأمالي ابن
الشجري ١٦٣/١، وروايتهم: بسفح القُفِّ.
ويربوع: أبو حيٍّ من العرب، الشَّدَّة: الحملة، القُفّ: هي حجارة غاص بعضها في بعض
لا يخالطها سهولة، وهو جبل غير أنه ليس بطويل في السماء. الأکم: واحدتها: أَكمة،
وهي ما ارتفع من الأرض. شرح أبيات المغني للبغدادي٦ / ٦٧ - ٧٣ .

سُورَةُ الرَّعَدِ
١٠٠
الآية : ١٦
أَمْ حَبْلُها إذ نأَتْكَ اليومَ مَضْرومُ
هل ما علمتَ وما استُودِغْتَ مكتومُ
إِثْرَ الأَحبَّةِ يومِ البَيْنِ مَشْكومُ(١)
أمْ هل كبيرٌ بکی لم يَقْضِ عَبْرتَهُ
وقرأ الأخوان وأبو بكر: ((أَمْ هل يستوي)) بالياء التحتية(٢)، ثمَّ إنَّه تعالى أكَّد
ما اقتضاه الكلامُ السابق من تخطئة المشركين، فقال سبحانه: ﴿أَمْ جَعَلُواْ﴾ أي: بل
أَجَعلوا ﴿لِلَّهِ﴾ جلَّ وعلا ﴿شُرَّةَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ﴾ سبحانه وتعالى، والهمزةُ لإنكار
الوقوع، وليس المنكَّرُ هو الجعل؛ لأنَّه واقعٌ منهم، وإنما هو الخلق كخلقِه تعالی.
والمعنى: أنَّهم لم يجعلوا لله تعالى شركاءَ خلقوا كخلقه.
﴿فَبَهَ اْلَقُ عَلَيْهِمْ﴾ بسبب ذلك، وقالوا: هؤلاء خلقوا كخلق الله تعالى،
واستحقُّوا بذلك العبادةَ كما استحقَّها سبحانه؛ ليكون ذلك منشأً لخطئهم، بل
إنَّما جعلوا له شركاءَ عاجزين لا يقدرون على ما يقدرُ عليه الخلقُ، فضلاً عمَّا يقدر
عليه الخالق، والمقصود بالإنكارِ والنفي هو القيدُ والمقيَّدُ على ما نصَّ عليه غيرُ
واحد من المحقّقين.
وفي ((الانتصاف))(٣) أنَّ ((خلقوا كخلقه)) في سياق الإنكار جيءَ به للتهكُّم، فإنَّ
غيرَ الله تعالى لا يخلق شيئاً، لا مساوياً ولا منحظّاً، وقد كان يكفي في الإنكار -
لولا ذلك - أنَّ الآلهة التي اتّخذوها لا تخلق.
وتعقّبه الطيبيُّ بأنَّ إثبات التهّم تكلُّفٌ، فإنَّه ذِكر الشيءٍ وإرادةُ نقيضه؛
استحقاراً للمخاطَب كما في قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١]
وها هنا ((كخلقه)) جيء به مبالغةً في إثبات العجز لآلهتهم على سبيل الاستدراج
وإرخاء العنان، فإنَّه تعالى لمَّا أنكر عليهم أولاً اتخاذَهم من دونه شركاءَ، ووصَفَها
بأنَّها لا تملك لأنفسها نفعاً ولا ضرًّا فكيف تملك ذلك لغيرها؟! وأنكرَ عليهم ثانياً
على سبيل التدرُّج وصفَ الخلق أيضاً، يعني: هَبْ أنَّ أولئك الشركاءَ قادرون على
(١) البيتان لعلقمة الفحل، وهما في ديوانه ص٥٠، والمفضليات ص ٣٩٧، والخزانة ٢٨٦/١١.
قال البغدادي: المشكوم: المجازَى، أي: هل تجازيك بيكائك على إثرها وأنت شيخ.
(٢) الأخوان هما: حمزة والكسائي، والقراءة في: السبعة ص٣٥٨، والتيسيرص ١٣٣،
والنشر ٢٩٧/٢، وقرأ بها خلف أيضاً.
(٣) ٣٥٥/٢.