النص المفهرس

صفحات 541-560

التفسير الإشاري (١-١١١)
٥٤١
سُؤَلُ مُوسُفَا
وقيل: طلب السجن ليحتجب عن زليخا، فيكون ذلك سبباً لازديادٍ عشقها
وانقلابه روحانياً قدسیا کعشق أبيه له.
وقال ابن عطاء: ما أراد عليه السلام بطلبٍ ذلك إلا الخلاصَ من الزنى، ولعلَّه
لو ترك الاختيار لعُصِم من غير امتحانٍ كما عُصِم في وقت المراودة.
﴿ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ﴾ قال أبو علي: أحسنُ الناس حالاً مَن
رأى نفسَه تحت ظلِّ الفضل والمنة، لا تحتَ ظلِّ العمل والسعي.
﴿يَصَحِ السّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُتَغَرِفُونَ خَيْرُ أَمِ اَللَّهُ الْوَحِدُ اٌلْقَهَّارُ﴾ دعاءٌ إلى التوحيد
على أتمٍّ وجهٍ، وحُكي أَنَّ رجلاً قال للفضيل: عظني، فقرأ له هذه الآية.
﴿وَقَالَ لِلَّذِىِ ظَنَّ أَنَّهُ، نَاجٍ مِّنْهُمَا أَذْكُرْنِ عِندَ رَبِّكَ﴾ كان ذلك - على
ما قيل - غفلةً منه عليه السلام عما يقتضيه مقامُه ويُشير إليه كلامه، ولهذا أوَّبه ربُّه
باللبث في السجن ليبلغَ أقصى درجات الكمال، والأنبياءُ مؤاخذون بمثاقيل الذرِّ
لمكانتهم عند ربِّهم. وقد يُحمَل كلامُه هذا على مَا لا يُوجِب العتابَ، كما ذهب
إليه بعض ذوي الألباب.
﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ قال أبو حفص: الصدِّيق مَن لا يتغيَّر عليه باطنُ أمره من
ظاهره.
وقيل: الذي لا يخالفُ قالُهُ حالَه. وقيل: الذي يبذُل الكونَيْن في رضا محبوبه.
﴿وَمَّ أُبَرُِّ نَفْسِىَّ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّ مَا رَحِمَ رَبْ﴾ إشارةٌ إلى أنَّ النفسَ
بطبعها كثيرةٌ الميل إلى الشهوات. وقال أبو حفص: النفس ظلمةٌ كلُّها، وسراجُها
التوفيقُ، فمن لم يصحبه التوفيقُ كان في ظلمةٍ، وقد تخفى دسائسُ النفس إلى حيثُ
تأمر بخيرٍ وتضمرُ فيه شرّاً، ولا يفطن لدسائسها إلا لَوْذَعِيٌّ:
وإنْ مُما محَّضَاكَ النُّصحَ فاَّهِم (١)
فخالِفِ النَّفْسَ والشَّيطَانَ واعْصِهمًا
وذكر بعضُ السادة أنَّ النفسَ تترقَّى بواسطةِ المجاهَدِةِ والرياضةِ من مرتبةٍ كونها
أَمَّارَةً إلى مرتبةٍ أخرى من كونها لوَّامةً وراضيةً ومرضيةً ومطمئنةً وغيرَ ذلك، وجعلوا
(١) البيت من قصيدة البردة للبوصيري.

سَُّةُ لُوسُفَ
٥٤٢
التفسير الإشاري (١-١١١)
لها في كلِّ مرتبةٍ ذكراً مخصوصاً وأطنبوا في ذلك، فليرجع إليه .
﴿قَالَ أَجْعَلْنِى عَلَى خَآَيِنِ الْأَرْضِّ إِ حَفِيظُ عَلِيمٌ﴾ قيل: خزائنُ الأرض رجالُها،
أي: اجعلني عليهم أميناً فإني حفيظُ لِمَا يُظهِرونه، عليمٌ بما يُضمِرونه.
وقيل: أراد الظاهرَ، إلا أنَّه أشار إلى أنَّه متمكِّنٌ من التصرُّفِ مع عدم الغفلة،
أي: حفيظٌ للأنفاس بالذكر والخواطرِ بالفكر، عليمٌ بسواكِنِ الغيوب
وخفايا الأسرار.
﴿وَجَآءَ إِخْوَةٌ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ، مُنكِرُونَ﴾ قال بعضهم: لمَّا
جفَوه صار جفاؤُهم حجاباً بينهم وبين معرفتهم إياه، وكذلك المعاصي تكون حجاباً
على وجه معرفة الله تعالى.
﴿قَالَ أَثْتُونِي بِأَخِ لَّكُمْ مِنْ أَبِّكُمْ﴾ كأنه عليه السلام أمر بذلك ليكمُل لأبيه عليه
السلام مقامُ الحزن الذي هو - كما قال الشيخ الأكبر قدِّس سرّه - من أعلى
المقامات.
وقال بعضُهم: إنَّ علاقة المحبة كانت بين يوسف ويعقوب عليهما السلام من
الجانبين، فتعلُّق أحدِهما بالآخر كتعلُّق الآخرِ به، كما يُرَى ذلك في بعض العشّاق
مع مَن يعشقونه، وأنشدوا :
إلا وقد كُنْتُ كما كانا
لم يكن المجنونُ في حَالةٍ
وإنني قد ذُبْتُ كِثْمانا(١)
لكنَّه باح بسرِّ الهوى
فغار عليه السلام أن ينظرَ أبوه إلى أخيه نظرَه إليه، فيكونا شَريكين في ذلك،
والمحبُّ غَيُورٌ، فطلب أن يأتوه به لذلك، والحقُّ أنَّ الأمرَ كان عن وحيٍ لحكمةٍ
غیر هذه.
﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَهُ﴾ إشارةٌ إلى العلم اللدُنِّيِّ، وهو على نوعين:
ظاهرُ الغيب، وهو علمُ دقائق المعاملات والمقامات والحالات والكرامات
والفِراسات.
(١) البيتان نسبا لليلى العامرية كما في ثمار القلوب ص ١١١، والمستطرف ٣٤٨/٢.

سُوَلّ ◌ُوسُفَ
٥٤٣
التفسير الإشاري (١-١١١)
وباطنُ الغيب، وهو علمُ بطون الأفعال ويسمَّى: حكمةَ المعرفة، وعلمُ الصفات
ويسمَّى: المعرفة الخاصَّة، وعلمُ الذات ويسمَّى: التوحيدَ والتفريدَ والتجريدَ، وعلمُ
أسرارِ القِدَم ويسمَّى: علم الفناء والبقاء، وفي الأوَّلينِ للروحِ مجالٌ، وفي الثالث
للسِّرِّ، والرابع لسِرِّ السرِّ، وفي المقام تفصيلٌ وبسطٌ يُطلَب من محلِّه.
﴿وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ ءَاوَىَ إِلَيْهِ أَخَاءٌ﴾ كأنه عليه السلام إنما فعل ذلك
ليعرِّفه الحالَ بالتدريج حتى يتحمَّل أثقالَ السرور، إذ المفاجأةُ في مثل ذلك
ربما تكون سببَ الهلاك، ومن هنا كان كشفُ سُجُف الجمالِ للسالكين على سبيل
التدریج.
﴿فَلَمَّا جَهَزَهُمْ بِهَازِهِمْ جَعَلَ اُلْسِقَايَةَ فِ رَحْلِ أَخِيهِ﴾ قيل: إنَّ الله تعالى أمره
بذلك ليكون شريكاً لإخوته في الإيذاء بحسب الظاهر، فلا يخجلوا بين يديه إذا
كُشِف الأمر، وحيث طاب قلبُ بنيامين برؤية يوسف احتملَ الملامةَ، وكيف
لا يحتمل ذلك وبلاءُ العالَم محمولٌ بلمحة رؤيةِ المعشوق، والعاشقُ الصادق يُؤثِر
الملامةً ممن کانت في هوی محبوبه:
أَجِدُ الملامةَ في هواكٍ لذيذةً حُبّاً لذكركِ فليَلُمْني اللُوَّمُ(١)
وفي الآية - على ما قيل - إشارةٌ لطيفةٌ إلى أنَّ مَن اصطفاه الله تعالى في الأزل
لمحبته ومشاهدته وُضِع في رحله صاعُ ملامةِ الثقلَين، ألا ترى إلى ما فَعَل بآدَمَ عليه
السلام صفيّه؟! كيف اصطفاه ثم عرض عليه الأمانةَ التي لم يحمِلْها السماواتُ
والأرضُ والجبالُ وأشفقن منها، فحملها، ثم هيَّج شهوته إلى حبةٍ حنطةٍ ثم نادى
عليه بلسان الأزل: ﴿وَعَصَ ءَادَمُ رَبَّهُ، فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١] وذلك لغاية حبِّه له حتى
صرفه عن الكون وما فيه ومن فيه إليه، ولولا أنْ كشفَ جماله له لم يتحمَّل بلاءَ
الملامة، وهذا كما فعل يوسفُ عليه السلام بأخيه؛ آواه إليه وكشف جمالَه له
وخاطبه بما خاطبه، ثم جعلَ السقاية في رحله ثم نادى عليه بالسرِقة ليُبقِيه معه.
﴿نَرْفَعُ دَرَجَتٍ مَّن نَّشَاءُ وَفَوْقَ كُلِ ذِى عِلٍّ عَلِيمٌ﴾ أي: نرفع درجاتهم في
(١) البيت لأبي الشيص الخزاعي، وهو في ديوان الحماسة مع شرح التبريزي ١٧٤/٣، وقد
سلف ٧/ ٢٦٢.

سُورَةُ تُوسُف
٥٤٤
التفسير الإشاري (١-١١١)
العلم، فلا يزال السالكون يترقَّون في العلم، وتَشرَب أطيارُ أرواحهم القدسية من
بحار علومه تعالى على مقادير حَوَاصلها، وتنتهي الدرجاتُ بعلم الله تعالى، فإنَّ
علومَ الخلق محدودةٌ وعلمُه تعالى غيرُ محدود، وإلى الله تعالى تصيرُ الأمور.
﴿قَالُواْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَفَ أَخْ لَهُ مِن قَبْلٌ﴾ قال بعضُ السادات: لمَّا
كان بنيامين بريئاً مما رُمِي به من السرقة أنطقهم الله تعالى حتى رَمَوا يوسف عليه
السلام بالسرقة وهو بريءٌ منها، فكان ذلك من قبيل: واحدةٌ بواحدةٍ، ليعلم
العاملون أنَّ الجزاءَ واجبٌ.
وقال بعضُ العارفين: إنَّهم صَدَقُوا بنسبة السرقة إلى يوسف عليه السلام،
ولكنَّها سرقةُ ألباب العاشقين وأفئدةِ المحبين بما أودع فيه من محاسن الأزل.
﴿قَالَ مَعَاذَ اَللَّهِ أَنْ تَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَعَنَا ◌ِنْدَهُ﴾ الإشارةُ في ذلك من الحقِّ
عزَّ وجلَّ أن لا نُفشِي أسرارَنا ونُدني إلى حضرتنا إلا من كان في قلبه استعدادُ قبول
معرفتنا. أو لا نختارُ لكشِف جمالنا إلا مَن كان في قلبه شوقٌ إلى وصالنا .
وقال بعض الخراسانيين: الإشارةُ فيه أنَّا لا نأخذُ من عِبادِنا أشدَّ أخذٍ إلا مَن
ادَّعى فينا، أو أخبَرَ عنا ما لم يكن له الإخبارُ عنه والادعاءُ فيه. وقال بعضُهم:
إلا مَن مَّ يدَه إلى ما لَنا وادعاه لنفسه.
وقال أبو عثمان: الإشارة أنَّا لا نتخذ من عِبادِنا وليّاً إلا من ائتمنّاه على ودائعنا
فحفظها ولم يخن فيها. ولطيفةُ الواقعة أنه عليه السلام لم يرضَ أن يأخذ بدلَ
حبيبه، إذ ليس للحبيب بديلٌ في شرع المحبة:
أبى القلبُ إلّا حُبَّ ليلى فبُغِّضَتْ إليَّ نساءٌ ما لَهُنَّ ذُنُوبُ (١)
﴿إِنَّ أَبْنَكَ سَرَّقَ﴾ قال بعضُهم: إنَّهم صدقوا بذلك، لكنَّه سرق أسرارَ يوسف
عليه السلام حين سمع منه في الخلوة ما سَمِع ولم يُبدِه لهم.
(١) البيت لمجنون ليلى، وهو في ديوانه ص ٦٣، وأخبار النساء ص١٥. ورواية الديوان: لقد
شغفتني أم بكر ويُغِّضت ... إلخ، وورد في سمط النجوم العوالي ٣/ ٤٠ دون نسبة، وفيه:
سعدی. بدلَ: لیلی.

التفسير الإشاري (١-١١١)
٥٤٥
سُؤَةُ مُوسُفَ
﴿عَسَى اَللَّهُ أَن يَأْتِيَنِ بِهِمْ جَمِيعَاْ إِنَّهُ، هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيرُ﴾ كأنه عليه السلام
لمَّا رأى اشتدادَ البلاء قَوِي رجاؤه بالفرج فقال ما قال:
قد آذَنَ ليلُكِ بِالبَلَجِ(١)
اشتَدِّي أزمةٌ تَنْفَرِجِي
وكأن لسان حاله يقول:
واطَرَباً للوِصَالِ واطرابًا
دَنَا وِصَالُ الحَبِيْب واقْترَبَا
﴿وَقَالَ يَأَسَفَ عَلَى يُوسُفَ﴾ قال بعض العارفين: إنَّ تأسُّفَه على رؤية جمال الله
تعالى من مرآة وجه يوسف عليه السلام، وقد تمثَّع بذلك بُرهةً من الزمان حتى
حالت بينَه وبينَه طوارقُ الحَدَثَان، فتأسَّفَ عليه السلام لذلك واشتاقت نفسُه
لما هنالك:
مَضَتْ فَجَرَتْ مِن ذِكْرِهِنَّ دُمُوعُ
سقى اللهُ أياماً لَنَا ولَياليًا
وهَلْ لي إلى أرضِ الحَبِيبِ رُجُوعُ
فيا هَلْ لَهَا يوماً من الدهْرِ أوبةٌ
﴿وَيَضَتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾ حيثُ بكى حتى أضرَّ بعَيْنَيه، وكان ذلك حتى
لا یری غیر حبییہ :
لمَّا تيقَّنْتُ أني لستُ أُبصِرُكُم غَمَضْتُ عيني فَلم أنظُرْ إلى أحَدٍ(٢)
قال بعضُ العارفين: الحكمةُ في ذهابٍ بصرٍ يعقوبَ وبقاءِ بصرِ آدَمَ وداودَ
عليهما السلام مع أنَّهما بَكَيا دهراً طويلاً؛ أنَّ بكاءَ يعقوبَ كان بكاءَ حُزنٍ معجونٍ
بألمِ الفراقِ، حيث فَقَدَ تَجلِّي جمالِ الحقِّ من مرآةٍ وجهِ يوسف، ولا كذلك بکاءُ
آدم وداودَ، فإنَّه كان بكاءَ الندمِ والتوبةِ، وأين ذلك المقامُ من مقام العشق.
وقال أبو سعيد القرشيُّ: إنما لم يذهب بصرُهما؛ لأنَّ بكاءَهما كان من
خوف الله تعالى فحُفِظا، وبُكاءُ يعقوب كان لفقد لذَّة فعُوتِب.
(١) البيت هو مطلع القصيدة المنفرجة، ونسبها في طبقات الشافعية الكبرى ٥٦/٨ لمحمد بن
أحمد الأندلسي، ثم ذكر في ٦٠/٨ أنها نسبت لأبي الفضل يوسف بن محمد النحوي.
(٢) البيت في تاريخ مدينة دمشق ٣٩٢/٣٢، والتبصرة ١١٧/٢ لأبي بكر الشبلي برواية:
لا أعاينكم. بدل: لستُ أبصركم.

سُؤَدَةُ لُوسُفَ
٥٤٦
التفسير الإشاري (١ -١١١)
وقيل: يمكن أن يكونَ ذهابُ بصره عليه السلام من غيرة الله تعالى عليه حين
بكى لغيره، وإن كان واسطةً بينَه وبينَه، ولهذا جاء أنَّ الله تعالى أوحى إليه:
يا يعقوب، أتتأسَّفُ على غيري؟ وعزَّتي، لآخُذَنَّ عينيك، ولا أرُدُّهما عليك حتى
تنساه.
واختار بعضُ العارفين أنَّ ذلك الأسفَ والبكاءَ ليسا إلا لفواتٍ ما انكشف له
عليه السلام من تجلِّي الله تعالى في مرآة وجه يوسف عليه السلام، ولعمري إنَّه لو
كان شاهَدَ تجلَِّه تعالى في أول التَّعُّنات وعينِ أعيانِ الموجوداتِ وَّهِ لنَسِيَ ما رَأَى،
ولما عراه ماعرا، ولله تعالى دَرُّ سيدي ابن الفارض حيثُ يقول:
لو أسمَعَوا يعقُوبَ بعضَ مَلاحةٍ في وجهِهِ نَسي الجمالَ اليُوسُفِي(١)
﴿قَالُواْ تَالَّهِ تَفْتَؤُأْ تَذْكُرُ بُوسُفَ حَّى تَكُنَ حَرَضًا أَوْ تَكُنَ مِنَ الْهَلِكِينَ﴾
هذا من الجهل بأحوال العشق وما عليه العاشقون، فإنَّ العاشقَ يتغذَّى بذكر
معشوقه :
فلَنْ تَمْنَعُوا مِنِّي البُكًا والقَوَافِيَا(٢)
فإنْ تمنَعُوا لیلی وحُسْنَ حَدِيثها
وإذا لم يستطع ذكره بلسانه كان مستغرقاً بذكره إياه بجنانه:
يُولِعُ إضماري بذكراهُ
غابَ وفي قلبي له شاهدٌ
حتى كأنِّي أَتَرَاآهُ
مثَّلَتِ الفِكْرةُ لي شَخْصَه
وکیف يُخوَّف العاشقُ بالهلاك في عشقٍ محبوبه، وهلاگُه عینُ حیاته كما قيل:
حياةٌ لمن أهوى عليَّ بها الفَضْلُ
ولكن لديَّ الموتُ فيه صبابةً
ودونَ اجتناء النحْل ما جَنَتِ النَحْلُ(٣)
ومَن لم يمت في حبه لم يعِش به
﴿قَالَ إِنَّمَآ أَشْكُوْ بَنِّى وَحُزْنِ إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اَللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: أنا
لا أشكو إلى غيره، فإِنِّي أعلم غيرتَه سبحانه وتعالى على أحبابه، وأنتم لا تعلمون
(١) ديوان ابن الفارض ص١٥٣.
(٢) البيت لتوبة بن الحمير، وهو في ديوانه ص ٥١، والمنتظم ١٦٨/٦، وتاريخ الإسلام
٧٩٦/٢. وهو في شرح ديوان الحماسة المرزوقي ١٣١٢/٣ دون نسبة.
(٣) البيتان لابن الفارض وهما في ديوانه ص١٣٤ .

التفسير الإشاري (١ -١١١)
٥٤٧
سُؤَةُ تُوسُف
ذلك. وأيضاً: مَن انقطع إليه تعالى كفاه، ومَن أناخَ ببابه أعطاه، وأنشد ذو
النون :
ليلتَمِسُوكَ حالاً بعدَ حالٍ
إذا ارتَحَلَ الكِرامُ إليك يوماً
بحكمك عن حُلولٍ وارتحالٍ
فإنَّ رِحالَنا حظّت رضاءً
إلى تدبيرِنا يا ذَا المَعَالي
فَسُسْنا كيف شئتَ ولا تَكِلْناً
وعلى هذا دَرَجَ العاشقون، إذا اشتدَّ بهم الحالُ فزعوا إلى الملك المتعال،
ومن ذلك :
ومِن كَثْرَةِ البَلْوَى ومِن أَلَمِ الصَّبْرِ
إلى الله أشكو ما لقيتُ من الهَجْرِ
كجَمْرِ الغَضَا لا بَلْ أحرّ مِن الجمرِ
ومن حَرَقٍ بينَ الجَوَانِحِ والحَشَا
وقد يقال: إنَّه عليه الصلاة والسلام إنما رفع قصَّةَ شكواه إلى عالم سرِّه ونجواه
استرواحاً مما يَجده بتلك المناجاة كما قيل:
تمنيتُ أن أشكُو إليه فيَسْمَعُ(١)
إذا ما تمنَّى الناسُ رَوْحاً ورَاحةً
﴿يَبَنِىَ أَذْهَبُواْ فَتَحَشَسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ كأنَّه عليه السلام تنسَّم نسائمَ الفَرَج،
بعد أن رَفَعَ الأمرَ إلى مولاه عزَّ وجلَّ فقال ذلك.
﴿وَلَا تَأْيْشَسُواْ مِن زَّوْجِ اَللَّهِ﴾ من رحمته بإرجاعِهما إليَّ، أو من رحمته تعالى
بتوفيقٍ يوسف عليه السلام برفع خَجَالتكم إذا وجدتموه.
﴿قَالُواْ يَتُهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَا الْغُّرُ﴾ أرادوا ضُرَّ المجاعة، ولو أنَّهم علموا
وأنصَفُوا لقصدوا: ضُرَّ فراقِك، فإنَّه قد أضَرَّ بأبيهم وبهم وبأهلهم لو يعلمون:
كفى حَزَناً بالوَالِهِ الصبِّ أن يرى منازلَ مَن يهوى معظَّلَةً قَفْرا(٢)
واعلم أنَّ فيما قاله إخوةٌ يوسف له عليه السلام من هنا إلى ﴿الْمُتَصَدِّقِينَ﴾
(١) لم نقف عليه، وقريب منه قول مجنون ليلى في ديوانه ص٣٠٨ :
إذا ما تمثَّى الناسُ رَوْحاً وراحةً تمنيتُ أن ألقاكِ يا ليلَ خالياً
(٢) البيت في المدهش لابن الجوزي ص ٣٩٥ دون نسبة، وهو في طبقات الأولياء ص ٢٠٦
لأبي بكر الشبلي.

سَُّل ◌ُوسُفَ
٥٤٨
التفسير الإشاري (١-١١١)
تعليمُ آداب الدعاء والرجوع إلى الأكابر، ومخاطبةِ السادات، فَمَنْ لَم يرجع إلى
بابٍ سيِّده بالذلَّةِ والافتقار وتذليلِ النفس وتصغيرٍ ما يبدو منها، ويَرَ أنَّ ما من
سيده إليه على طريق الصدقة والفضل لا على طريق الاستحقاق، كان مُبْعَداً
مطروداً، وينبغي لعشَّاق جمال القِدَم إذا دخلوا الحضرةَ أن يقولوا: يا أيها العزيز
مسَّنا وأهلَنا من ضرِّ فراقك والبعدِ عن ساحة وصالِك ما لا يحتمله الصمُّ
الصّلاب:
خليليَّ ما ألقاه في الحبِّ إن يَدُم على صخرةٍ صماءَ يَنْفَلِقِ الصَّخْرُ
ويقولوا: ﴿وَجِثْنَا بِضَعَةٍ مُرْجَةٍ﴾ من أعمالٍ معلولةٍ وأفعالٍ مغشوشةٍ ومعرفةٍ
قليلةٍ لم تُحِظْ بذَرَّةٍ من أنوار عظمتك، وكلُّ ذلك لا يليق بكمالِ عزَّتك وجلالٍ
صمديَّتك، ﴿فَأَوْفِ لَنَا﴾ كيلَ قُربك من بَيَادِرِ جُودِك وفضلِك ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَاً﴾ بنِعَم
مشاهدتِك؛ فإنَّه إذا عُومِل المخلوقُ بما عُومِل فمعاملةُ الخالق بذلك أولى.
﴿قَالُواْ أَمِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفٌٌ﴾ خاطبوه بعدَ المعرفة بخطابِ المودة لا بخطاب
التكلُّف، وفيه من حسن الظنِّ فيه عليه السلام ما فيه:
ودَامَ ولاؤُهم سَمَجَ الثناءُ(١)
إذا صَفَتِ المودّةُ بينَ قومٍ
ويمكن أن يقال: إنَّهم لمَّا عرفوه سقطت عنهم الهيبةُ وهاجت الحميةُ فلم
يكلِّموه على النمط الأول. وقوله: ﴿أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِىّ﴾ جوابٌ لهم، لكنَّ زيادةَ
﴿وَهَذَآ أَخِىّ﴾ قيل: لتهوين حالٍ بداهة الخجل، وقيل: للإشارة إلى أنَّ أخوَّتَهم
لا تُعَدُّ أخوَّةً؛ لأنَّ الأخُوَّة الصحيحةَ ما لم يكن فيها جفاء.
ثم إنه عليه السلام لمَّا رأى اعترافَهم واعتذارَهم قال: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمِّ
يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمّ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّحِمِينَ﴾، وهذا من شرائط الكرم، فالكريمُ إذا قَدَرَ
عفا :
والعذر عند كرام الناس مقبول(٢)
(١) قائله حيدر الخُجُندي، كما في يتيمة الدهر ٣١٤/٥، والوافي بالوفيات ٢٣٠/١٣، وفيهما:
ودام إخَاؤُهم.
(٢) عجز بيت صدره: وقد أتيتُ رسولَ الله معتذراً. وهو من قصيدة البردة لكعب بن زهير.

التفسير الإشاري (١-١١١)
٥٤٩
سُورَةُلُوسُفَ
وقال شاه الكرماني(١): مَن نظر إلى الخلق بعين الحقِّ لم يَعْبأ بمخالفتهم، ومن
نَظر إليهم بعينه أفنى أيامه بمخاصمتهم. ألا ترى يوسفَ عليه السلام لمَّا عَلِم
مجاري القضاء كيف عذَرَ إخوته.
﴿أَذْهَبُواْ بِقَمِيصِى هَذَا فَلَقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِىِ بَأْتِ بَصِيرًا﴾ لمَّا عَلِمٍ عليه السلام أنَّ
أباه عليه السلام لا يتحمّل الوصالَ الكليَّ بالبداهة جعل وصالَه بالتدريج، فأرسل
إليه بقميصه، ولمَّا كان مبدأَ الهمِّ الذي أصابه من القميص الذي جاؤوا عليه بدم
كذبٍ عيَّنَ هذا القميص مبدأً للسرور دونَ غيره من آثاره عليه السلام ليدخُلَ عليه
السرورُ من الجهة التي دخل عليه الهمُّ منها.
﴿وَأَتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ كان كرمُ يوسف عليه السلام يقتضي أن
يسيرَ بنفسه إلى أبيه ولعلَّه إنما لم يفعل لعلمه أنَّ ذلك يشقُّ على أبيه لكثرة مَن يسير
معه، ولا يمكن أن يسيرَ إليه بدون ذلك، أو لأنّ في ذلك تعظُلَ أمر العامَّة وليس
هناك مَن يقوم به غيره، ويحتمل أن يكونَ أُوحِي إليه بذلك لحكمةٍ أخرى.
وقيل: إنَّ المعشوقيةَ اقتضت ذلك، ومَن رأى معشوقاً رحيماً بعاشقه؟! وفيه
ما لا يخفى.
﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِبْرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِ لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفٌَ﴾ يقال: إنَّ ريحَ الصبا
سألت الله تعالى فقالت: يا ربِّ، خُصَّني أن أبشِّرَ يعقوبَ عليه السلام بابنه، فأَذِن
لها بذلك، فحَمَلت نشرَه إلى مشامِّه عليه السلام، وكان ساجداً فرفع رأسه وقال
ذلك، وکان لسان حاله يقول:
نسيمَ الصبا يَخْلُصْ إليَّ نسيمُها
أيا جَبَلَي نَعمانَ بالله خَلِّيا
على كبدٍ لم يبقَ إلا صميمُها
أجِدْ بَردَها أو تَشْفِ مني حرارةً
على نفسٍ مهمومٍ تجلَّت همومُها(٢)
فإنَّ الصبا ريحٌ إذا ما تنسَّمَت
(١) هو أبو الفوارس شاه بن شجاع الكرماني، الزاهد، كان من أولاد الملوك فتزهَّد، وصحب
أبا تراب النخشبي وغيره. له رسالات، وكتاب سماه ((مرآة الحكماء))، توفي قبل الثلاث
مئة. طبقات الصوفية ص١٩٢، وحلية الأولياء ٢٣٧/١٠، وتاريخ الإسلام ٦/ ٩٥١.
(٢) الأبيات لمجنون ليلى، وهي في ديوانه ص٢٥٢، وفيه محزون. بدل: مهموم.

سُوَاُ لُوسُفَ
٥٥٠
التفسير الإشاري (١-١١١)
وهكذا عشّاقُ الحضرة، لا يزالون يتعرَّضون لنفحاتِ ریح وصال الأزل، وقد
قال عليه الصلاة والسلام: ((إنَّ لربِّكم في أيام دهركم نفحاتٌ، ألا فتعرَّضوا
لنفحاتِ الرحمن»(١).
ويقال: المؤمن المتحقِّقُ يجد نسيمَ الإيمان في قلبه، وروحَ المعرفة السابقة له
من الله تعالى في سرِّه، وإنَّما وجد عليه السلام هذا الرِيحَ حيث بلغ الكتابُ أجَلَه،
ودَنَت أيامُ الوصال، وحان تصرُّمُ أيام الهَجر والبَلْبَال، وإلّا فِلِمَ لَمْ يجدْه عليه
السلام لمَّا كان يوسفُ في الجبِّ ليس بينَه وبينَه إلا سويعةٌ من نَهارٍ، وما ذلك
إلا لأنَّ الأمورَ مرهونةٌ بأوقاتها. وعلى هذا كشوفاتُ الأولياء فإنهم آونةً يُكشَفُ
لهم - على ما قيل - اللوحُ المحفوظ، وأخرى لا يعرفون ما تحت أقدامهم.
﴿فَلَمَّا أَن ◌َجَآءَ الْبَشِيرُ أَلْقَنَّهُ عَلَى وَجْهِهِ. فَأَرْتَذَّ بَصِيرًا﴾ فيه إشارةٌ إلى أنَّ العاشقَ
الهائمَ المنتظِرَ لقاءَ الحقِّ سبحانه إذا ذهبت عيناه من طول البكاء يجيء إليه بشيرُ
تجلِيه، فيلقي عليه قميصَ أُنسِه في حضراتِ قُدسِه، فَيَرْتَدُّ بصيراً بشمِّ ذلك، فهنالك
يرى الحقَّ بالحقِّ وينجلي الغينُ عن العين.
ويقال: إنَّه عليه السلام إنما ارتدَّ بصيراً حين وُضِع القميصُ على وجهه لأنَّه
وجَدَ لذَّةَ نفحةِ الحقِّ تعالى منه، حيث كان يوسفُ علیه السلام منحلَّ تجلیه جلَّ
جلالُه، وكان القميصُ معبَّقاً بريح چِنانِ قُدسه، فعاد لذلك نورُ بصره عليه السلام
إلى مجاريه فأَبْصَر.
(١) أخرجه الطبراني في الكبير ١٩/ (٥١٩)، والأوسط (٢٨٧٧) من حديث محمد بن
مسلمة . قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٣١/١٠: فيه من لم أعرفه، ومن أعرفه
ثقات.
وأخرجه الطبراني في الكبير (٧٢٠)، وأبو نعيم في الحلية ١٦٢/٣، والبيهقي في الشعب
(١١٢١)، وابن عبد البر في التمهيد ٣٣٩/٥، وابن عساكر في تاريخ دمشق ١٢٣/٢٤ من
طريق عمرو بن الربيع، عن يحيى بن أيوب، عن عيسى بن موسى بن إياس بن البكير، عن
صفوان بن سليم عن أنس به بلفظ: (( ... وتعرضوا لنفحات رحمة الله تعالى، فإن الله
نفحاتٍ من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده)). قال أبو نعيم: غريب من حديث صفوان،
تفرد به عمرو بن الربيع عن يحيى بن أيوب. اهـ. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٣١/١٠:
وإسناد رجاله رجال الصحيح، غير عيسى بن موسى بن إياس بن البكير، وهو ثقة.

التفسير الإشاري (١-١١١)
٥٥١
سُؤَلاَ تُوسُفَ
﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّ إِنَّهُ هُوَ اُلْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ وَعَدَهم إلى أن يتعرَّفَ
منهم صدقَ التوبة، أو حتى يستأذِنَ ربَّه تعالى في الاستغفار لهم فيأَذَنَ سبحانه،
لئلا يكونَ مردوداً فيه كما رُدَّ نوحٌ عليه السلام في ولده بقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ، لَيْسَ مِنْ
أَهْلِكٌ﴾ [هود: ٤٦]
وقال بعضهم: وعدهم الاستغفارَ لأنَّه لم يفرغ بعدُ من استبشاره إلى استغفاره.
وقيل: إنَّما أسرع يوسفُ بالاستغفار لهم ووَعَدَ يعقوب عليهما السلام لأنّ
يعقوبَ كان أشدَّ حبّاً لهم فعاتبهم بالتأخير، ويوسفُ لم يرهم أهلاً للعتاب فتجاوز
عنهم من أوَّلِ وهلةٍ، أو اكتفى بما أصابهم من الخَجَل، وكان خَجَلُهم منه أقوى من
خجلهم من أبيهم، وفي المثل: كفى للمقصرِّ حياءً يومُ اللقاء.
﴿فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ ءَاوَىَ إِلَيْهِ أَبَوَبِهِ﴾ لأنّهما ذاقا طعمَ مَرارة الفراق
فخصَّهما من بينهم بمزيد الدنوِّ يومَ التلاق، ومن هنا يتبيَّن أين منازلُ العاشقين يومَ
الوصال.
﴿وَخَرُواْ لَهُ، سُبَّدًّا﴾ حيث بَانَ لهم أنوارُ(١) جلال الله تعالى في مرآة وجهه عليه
السلام، وعايَنَوا ما عاينت الملائكةُ عليهم السلام من آدم عليه السلام حين وقعوا
له ساجدين، وما هو إذ ذاك إلا كعبةُ الله تعالى التي فيها آياتٌ بيناتٌ مقامُ إبراهيم.
﴿رَبِّ قَدْ ءَاتَيْتَنِى مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِ مِن تَأْوِيلِ اَلْأَعَادِيثِّ فَاطِرَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ
وَإِ، فِ الذُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ نَفَّنِ مُسْلِمًا﴾ مفوِّضاً إليك شأني كلَّه بحيث لا يكون لي
رجوعٌ إلى نفسي، ولا إلى سببٍ من الأسبابِ بحالٍ من الأحوال.
﴿وَأَلَحِقْنِ بِالصَّلِينَ﴾ بمن أصلَحْتَهم لحضرتك، وأسقَطْتَ عنهم سماتِ الخَلْقِ،
وأزلْتَ عنهم رُعُوناتِ الطبع.
ولا يخفى ما في تقديمه عليه السلام الثناءَ على الدعاءِ من الأدب، وهو الذي
يقتضيه المقام.
﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِالَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ قال غيرُ واحدٍ من الصوفية: مَن
(١) تحرف في (م) إلى: أنواع.

سُؤَةُ مُوسُفَ
٥٥٢
التفسير الإشاري (١ -١١١)
التَّفَتَ إلى غير الله تعالى فهو مُشرِكٌ، وقال قائلهم:
ولو خَطَرتْ لي في سواك إرادةٌ على خَاطِري سهواً حَكَمْتُ برِكَّتي(١)
﴿قُلْ هَذِهِ، سَبِيلِيّ أَدْعُواْ إِلَى اللَّهُ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ بيانٌ من الله تعالى وعلمٌ لا معارضةً
للنفس والشيطان فيه ﴿أَنَأْ وَمَنِ أَتَّبَعَنِّى﴾، وذَكر بعضُ العارفين أنَّ البصيرةَ أعلى من
النور؛ لأنَّها لا تصحُّ لأحدٍ، وهو رقيقُ الميل إلى السِّوَى.
وفي الآية إشارةٌ إلى أنَّه ينبغي للداعي إلى الله تعالى أن يكونَ عارفاً بطريق
الإيصال إليه سبحانه، عالماً بما يجب له تعالى وما يجوز وما يمتنع عليه جل شأنه،
والدعاةُ إلى الله تعالى اليومَ من هؤلاء الذين نَصَبُوا أنفسَهم إلى الإرشاد بزعمهم
أجهلُ من حمارِ الحكيم توما(٢)، وهم لعمري في ضلالةٍ مُدْلَهِمَّةٍ ومَهَامِهَ يَحَارُ فيها
الخِرِّيتُ، وهم يحسبون أنَّهم يحسنون صنعاً، ولبئس ما كانوا يصنعون.
﴿لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِ الْأَلْبَيِّ﴾ وهم ذَوُو الأحوال من العارفين
والعاشقين والصابرين والصادقين وغيرِهم، وفيها أيضاً عبرةٌ للملوك في بسط العدل
كما فعل يوسف عليه السلام، ولأهل التقوى في ترك ما تُراوِدهم النفسُ الشهوانية
عليه، وللمماليك في حفظ حَرَم السادة، ولا أحدٌ أغْيَرُ من الله تعالى، ولذلك حَرَّم
الفواحش، وللقادرين في العفو عمن أساء إليهم، ولغيرهم في غير ذلك، ولكن أين
المعتبرون؟ أشباحٌ ولا أرواح، وديارٌ ولا دَيَّر، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
هذا، وقد أوَّل بعضُ الصوفية قدس الله تعالى أسرارَهم يوسفَ بالقلب المستعدِّ
الذي هو في غاية الحسن، ويعقوبَ بالعقل، والإخوةَ بني العلَّات بالحواسِ
الخمس الظاهرة والخمس الباطنة والقوَّة الشهوانية، وبنيامينَ بالقوة العاقلة العملية،
(١) البيت لابن الفارض، وهو في ديوانه ص٥٢، وقد سلف ٣٤١/١.
(٢) قال الحافظ في الدرر الكامنة ٧٥/٢: توما بن إبراهيم الطبيب، كان عارفاً بالطب، وله
اختصار مسائل حنين. وكأنه الذي عناه من قال: قال حمار الحكيم توما ... ، وقال
التنوخي في الفرج بعد الشدة ٤٢٤/١: ومن مشهوري الحمير حمار الحكيم توما، الذي قيل
فيه :
قال حِمارُ الحكيم توما لو أنصفَ الدهرُ كنتُ أركَبْ
لأنّني جاهِلٌ بَسيطٌ وصاحِبِي جاهلٌ مركّبْ

التفسير الإشاري (١-١١١)
٥٥٣
سُورَةُ تُوسُفَ
وراحيلَ أمَّ يوسف بالنفس اللوَّامة، وليا بالنفس الأمَّارة، والجُبَّ بقعر الطبيعة
البدنية، والقميصَ الذي أَلبِسَه يوسفُ في الجبِّ بصفة الاستعداد الأصليِّ والنورِ
الفطريٌّ، والذئبَ بالقوة الغضبية، والدمَ الكذبَ بأثرها، وابيضاضَ عينٍ يعقوب
بكَلَال البصيرة وفقدانِ نورِ العقل، وشراؤُه من عزيز مصرَ بثمنٍ بخس بتسليم الطبيعة
له إلى عزيز الروح الذي في مصرٍ مدينة القدس بما يحصل للقوة الفكرية من المعاني
الفائضةِ عليها من الروح. وامرأة العزيز بالنفس اللوَّامة، وقدَّ القميص من دُبُرٍ
بخرقها لباسَ الصفة النورية التي هي من قِبَل الأخلاق الحسنة والأعمال الصالحة،
ووجدانَ السيِّدِ بالباب بظهور نورِ الروح عند إقبال القلب إليه بواسطة تَذَكُّرِ البرهانِ
العقليِّ وورُودِ الوارد القُدْسيِّ عليه، والشاهدَ بالفكر الذي هو ابن عم امرأة العزيز،
أو بالطبيعة الجسمانيّة الذي هو ابن خالتها، والصاحبَيْنِ بقوة المحبّة الروحية وبهوى
النفس، والخمرَ بخمر العشق، والخُبزَ باللَّذَّات، والطيرَ بطَيْرِ القُوى الجسمانية،
والمَلِكَ بالعقل الفعَّال، والبقراتِ بمراتب النفس، والسقاية بقوة الإدراك، والمؤذِّن
بالوهم إلى غير ذلك، وطبَّقَ القصَّةَ على ما ذُكِرٍ وتَكَلَّفَ له أشدَّ تكلُّفٍ، وما أغناه
عن ذلك!
والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل، لا ربَّ غيرُه ولا يُرجَى إلا خيرُه.
تم الجزء الثاني عشر من تفسير روح المعاني، ويليه الجزء
الثالث عشر ويبدأ بسورة الرعد

فهرس الموضوعات
سوداُهُود
٥
آية رقم (٦٩)
آية رقم (٧٠)
٥
١٤
آية رقم (٧١)
آية رقم (٧٢)
٩
٢١
آية رقم (٧٣)
٢٣
٢٨
آية رقم (٧٤)
آية رقم (٧٥)
٣٢
٣٢
آية رقم (٧٦)
آية رقم (٧٧)
٣٣
٣٤
آية رقم (٧٨)
آية رقم (٧٩)
٤٠
٤١
٤٢
آية رقم (٨٠)
آية رقم (٨١)
٥٠
آية رقم (٨٢)
آية رقم (٨٣)
آية رقم (٨٤)
آية رقم (٨٥)
٥٣
٥٤
٥٦
٥٨
٥٩
آية رقم (٨٦)
آية رقم (٨٧)
آية رقم (٨٨)
آية رقم (٨٩)
٦٢
آية رقم (٩٠)
آية رقم (٩١)
٦٨
٧١
٧١
آية رقم (٩٢)
٧٤
آية رقم (٩٣)
٧٩

٥٥٦
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
آية رقم (٩٤)
٨٣
٨٥
آية رقم (٩٥)
٨٦
التفسير الإشاري
آية رقم (٩٦)
آية رقم (٩٧)
٩٠
٩١
٩٤
٩٦
آية رقم (٩٨)
آية رقم (٩٩)
آية رقم (١٠٠)
٩٨
١٠٠
آية رقم (١٠١)
آية رقم (١٠٢)
آية رقم (١٠٣)
١٠٣
آية رقم (١٠٤)
١٠٥
١٠٥
آية رقم (١٠٥)
١١٠
آية رقم (١٠٦)
١١١
آية رقم (١٠٧)
١٢٠
آية رقم (١٠٨)
١٢٥
آية رقم (١٠٩)
١٢٧
آية رقم (١١٠)
١٢٨
آية رقم (١١١)
١٣٥
آية رقم (١١٢)
١٤٠
آية رقم (١١٣)
١٤٤
آية رقم (١١٤)
١٥٣
آية رقم (١١٥)
آية رقم (١١٦)
١٥٤
١٦٠
آية رقم (١١٧)
١٦١
آية رقم (١١٨)
١٦٢
آية رقم (١١٩)
١٦٨
آية رقم (١٢٠)
١٦٩
آية رقم (١٢١-١٢٣)
١٧٠
التفسير الإشاري
١٠٢

٥٥٧
فهرس الموضوعات
سُۈۈاُ بُوسُفَ)
١٧٤
آية رقم (١)
١٧٦
آية رقم (٢)
١٧٧
آية رقم (٣)
١٨٧
آية رقم (٤)
١٩٠
آية رقم (٥)
٢٠٠
٢٠٩
آیة رقم (٦)
٢١٦
آية رقم (٧)
آیة رقم (٨)
٢١٧
آیة رقم (٩)
٢٢١
آية رقم (١٠)
٢٢٣
آية رقم (١١)
٢٢٦
آية رقم (١٢)
٢٢٧
آية رقم (١٣)
٢٣٠
آية رقم (١٤)
آية رقم (١٥)
٢٣٥
٢٣٩
آية رقم (١٦)
٢٤١
آية رقم (١٧)
٢٤٢
آية رقم (١٨)
آية رقم (١٩)
٢٤٩
آية رقم (٢٠)
٢٥٢
آية رقم (٢١)
٢٥٧
آية رقم (٢٢)
٢٦١
آية رقم (٢٣)
٢٦٤
آية رقم (٢٤)
٢٧١
آية رقم (٢٥)
٢٨٠
آية رقم (٢٦)
٢٨٤
آية رقم (٢٧)
٢٨٩
آية رقم (٢٨)
٢٩٣
آية رقم (٢٩)
٢٩٥
٢٣٤

٥٥٨
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
٢٩٧
آیة رقم (٣٠)
٣٠٢
آية رقم (٣١)
٣١٤
آية رقم (٣٢)
٣١٩
آية رقم (٣٣)
٣٢٢
آية رقم (٣٤)
٣٢٢
آية رقم (٣٥)
٣٢٥
آية رقم (٣٦)
٣٣١
آية رقم (٣٧)
٣٣٥
آية رقم (٣٨)
٣٣٨
آية رقم (٣٩)
٣٤٠
آية رقم (٤٠)
٣٤٢
آیة رقم (٤١)
٣٤٥
آية رقم (٤٢)
٣٤٨
آیة رقم (٤٣)
٣٥٣
آية رقم (٤٤)
٣٥٨
آية رقم (٤٥)
٣٦٠
آية رقم (٤٦)
٣٦١
آية رقم (٤٧)
٣٦٣
آية رقم (٤٨)
٣٦٤
آية رقم (٤٩)
٣٦٨
آية رقم (٥٠)
٣٧١
آية رقم (٥١)
٣٧٦
آية رقم (٥٢)
٣٧٧
آية رقم (٥٣)
٣٨٢
آية رقم (٥٤)
٣٨٤
آیة رقم (٥٥)
٣٨٦
آية رقم (٥٦)
٣٨٧
آية رقم (٥٧)
آية رقم (٥٨)
٣٨٩
آية رقم (٥٩)
٣٩١

٥٥٩
فهرس الموضوعات
٣٩٣
آية رقم (٦٠)
٣٩٣
آية رقم (٦١)
٣٩٤
آية رقم (٦٢)
٣٩٥
آية رقم (٦٣)
آية رقم (٦٤)
٣٩٧
آية رقم (٦٥)
٣٩٨
آية رقم (٦٦)
٤٠٢
٤٠٥
آية رقم (٦٧)
٤١٥
آية رقم (٦٩)
آية رقم (٧٠)
٤٢٣
آية رقم (٧١)
٤٢٥
٤٢٦
آية رقم (٧٢)
٤٢٩
آية رقم (٧٣)
آية رقم (٧٤)
٤٣٠
آية رقم (٧٥)
٤٣١
آية رقم (٧٦)
٤٣٣
آية رقم (٧٧)
٤٤٠
آية رقم (٧٨)
٤٤٥
٤٤٥
آية رقم (٨٠)
٤٥٢
آية رقم (٨١)
٤٥٣
آیة رقم (٨٢)
آية رقم (٨٣)
٤٥٥
آية رقم (٨٤)
٤٥٧
آية رقم (٨٥)
٤٦١
آية رقم (٨٦)
٤٦٧
آية رقم (٨٧)
٤٦٨
آیة رقم (٨٨)
٤٧١
آية رقم (٨٩)
٤٧٥
آیة رقم (٦٨)
٤٢١
آية رقم (٧٩)
٤٤٦

٥٦٠
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
٤٧٨
آية رقم (٩٠)
٤٨٢
آية رقم (٩١)
٤٨٢
آية رقم (٩٢)
٤٨٦
آية رقم (٩٣)
٤٨٨
آية رقم (٩٤)
٤٩٠
آية رقم (٩٥)
آية رقم (٩٦)
٤٩١
٤٩٣
آية رقم (٩٧)
٤٩٣
آیة رقم (٩٨)
٤٩٦
آية رقم (٩٩)
٤٩٨
آية رقم (١٠٠)
٥٠٥
آية رقم (١٠١)
٥١١
آية رقم (١٠٢)
٥١٣
آية رقم (١٠٣)
٥١٣
آية رقم (١٠٤)
٥١٤
آية رقم (١٠٥)
٥١٦
آية رقم (١٠٦)
آية رقم (١٠٧)
٥١٧
٥١٨
آية رقم (١٠٨)
٥١٩
آية رقم (١٠٩)
٥٢١
آية رقم (١١٠)
٥٣١
آية رقم (١١١)
التفسير الإشاري
٥٣٤