النص المفهرس

صفحات 521-540

الآية : ١١٠
٥٢١
سُورَةُ لُوسُفَ
فتستعملوا
١٠٩١
﴿غَيْرٌ لِلَّذِينَ أَتَّقَواْ﴾ الشركَ والمعاصي، ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ
عقولَكم لتعرفوا خيريةَ دارِ الآخرة فتتوسّلوا إليها بالاتقاء.
قيل: إن هذا من مقول: ((قُلْ))(١)، أي: قُلْ لهم مخاطِباً: ((أفلا تعقلون)).
فالخطابُ على ظاهره، وقولُه سبحانه: (وَمَآ أَزْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ) إلى (مِن قَبْلِهِمْ)
أو (اتَّقَوْاْ) اعتراضٌ بين مقول القول. واستظهر بعضُهم كونَ هذا التفاتاً.
وقرأ جماعةٌ: (يَعْقِلُون)) بالياءٍ(٢)، رَغْياً لقوله سبحانه: (أَفَمَ يَسِيرُوا).
﴿حََّ إِذَا أُسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ﴾ غايةٌ لمحذوفٍ دلَّ عليه السياقُ(٣)، والتقديرُ عند
بعضهم: لا يغرَّنَّهم تماديهم فيما هم فيه من الدَّعَة والرخاء، فإنَّ مَن قبلهم قد
أُمهِلوا حتى يئس الرسُلُ من النصر عليهم في الدنيا، أو من إيمانهم لانهماكِهم في
الكفر وتماديهم في الطغيان من غير وازعٍ.
وقال أبو الفرجِ ابن الجوزي(٤): التقدير: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً،
فدَعَوا قومَهم فكذّبوهم، وصبروا، وطال دعاؤهم وتكذيبُ قومهم، حتى إذا
استیاس .. إلخ.
وقال القرطبيُّ(٥): التقدير: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً، ثم لم نُعاقِب
أممهم حتى إذا استیاس ... إلخ.
وقال الزمخشريُّ(٦): التقدير: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً، فتراخى النصر
حتى إذا ... إلخ.
ولعلَّ الأولَ أولى وإن كان فيه كثرةُ حذفٍ، والاستفعال بمعنى المجرَّد
كما أشرنا إليه، وقد مرَّ الكلامُ في ذلك.
(١) أي: في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ، سَبِيلِيٌّ أَدْعُواْ إِلَى الَّهِ﴾.
(٢) وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وحمزة والكسائي من السبعة كما في التيسير ص١٣٠،
والنشر ٢٥٧/٢، وقرأ بها خلف من العشرة.
(٣) في (م): السباق.
(٤) في زاد المسير ٢٩٦/٤ .
(٥) في تفسيره ١١/ ٤٧١.
(٦) في الكشاف ٣٤٧/٢.

سُوَلاَ تُوسُفَ
٥٢٢
الآية : ١١٠
﴿وَظَلِنُواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ﴾ بالتخفيف والبناءِ للمفعول، وهي قراءةُ عليٍّ كرم الله
تعالى وجهه وأبيٍّ وابن مسعود وابن عباس ومجاهد وطلحة والأعمش
والكوفيين(١)، واختُلِف في توجيه الآية على ذلك فقيل: الضمائرُ الثلاثة للرسل،
والظنُّ بمعنى التوهُّم لا بمعناه الأصليِّ ولا بمعناه المجازيِّ، أعني: اليقينَ، وفاعلُ
(كُذبوا)) المقدَّر إما أنفسُهم أو رجاؤُهم، فإنَّه يُوصَف بالصدق والكَذِب، أي:
كَذَبَتْهم أنفسُهم حين حدَّثتهم بأنهم يُنْصَرون، أو كذَبهم رجاؤهم النصرَ، والمعنى أنَّ
مدَّةَ التكذيبِ والعداوةِ من الكفار وانتظارِ النصر من الله تعالى قد تطاوَلت وتمادَّت
حتى استشعروا القنوطَ وتوهَّموا أن لا نصرَ لهم في الدنيا ﴿جَآءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ فجأةً.
وقيل: الضمائرُ كلُّها للرسل، والظنّ بمعناه، وفاعلُ ((كُذِبوا)) المقدَّرُ مَن
أخبرهم عن الله تعالى، ورُوي ذلك عن ابن عباس ﴿هَا، فقد أخرج الطبرانيُّ وغيرُه
عن عبد الله بن أبي مُلَيكة قال: إنَّ ابنَ عباس قرأ: (قَدْ كُذِبُواْ) مخفَّفة، ثم قال:
يقول: أُخلِفوا، وكانوا بَشَراً. وتلا: ﴿حَّ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ, مَنَّى نَصْرُ
اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢١٤] قال ابن أبي مليكة: فذهب ابن عباس إلى أنهم يئسُوا وضَعُفوا
فَظُّوا أنَّهم قد أُخْلِفُوا(٢). وروى ذلك عنه البخاريُّ في ((الصحيح))(٣).
واستشكل هذا بأنَّ فيه ما لا يليق نسبتُه إلى الأنبياء عليهم السلام بل إلى
صالحي الأمة، ولذا نُقِل عن عائشة ﴿ّا ذلك؛ فقد أخرج البخاريُّ والنسائيُّ
وغيرهما من طريق عروة أنه سألَ عائشةً ◌َؤُها عن هذه الآية قال: قلتُ: أكُذِبُوا أم
كُذِّبُوا؟ فقالت عائشة: بل كُذِّبوا. يعني بالتشديد، قلتُ: والله لقد استيقنوا أنَّ
قومَهم كذَّبوهم، فما هو بالّنِّ. قالت: أجل، لعمري لقد استيقنوا بذلك. فقلت:
لعله ((وظُّوا أنهم قد كُذبوا)) مخفَّفة قالت: معاذَ الله، لم تكن الرُّسلُ لتُنَّ ذلك
بربِّها. قلتُ: فما هذه الآية؟ قالت: هم أتباعُ الرسُل الذين آمنوا بربِّهم وصدَّقوهم
(١) التيسير ص ١٣٠، والنشر ٢٩٦/٢ عن الكوفيين وهم حمزة والكسائي وعاصم وخلف، وهي
قراءة أبي جعفر أيضاً، والكلام من البحر ٣٥٤/٥.
(٢) المعجم الكبير (١١٢٤٥) بنحوه.
(٣) صحيح البخاري (٤٥٢٤)، وينظر الجمع بين الصحيحين للحميدي ٧٧/٢، وفتح الباري
٣٦٨/٨.

الآية : ١١٠
٥٢٣
سَُّلُ تُوسُفَ
وطال عليهم البلاء واستأخر عنهم النصرُ، حتى إذا استيأس الرسُل ممن كذَّبهم من
قومهم وظنَّت الرسُلُ أنَّ أتباعَهم قد كَذَّبوهم جاء نصر الله عندَ ذلك(١).
وأجاب بعضُهم بأنّه یمکن أن يكون أراد څله بالنَّنِّ ما يخطر بالبال ويَهچِس
بالقلب من شُبَه الوسوسة وحديثٍ النفس على ما عليه البشريةُ.
وذهب المجدُ ابن تيمية(٢) إلى رجوع الضمائر جميعها أيضاً إلى الرسل، مائلاً
إلى ما رُوي عن ابن عباس، مدَّعياً أنَّه الظاهرُ وأنَّ الآية على حدٍّ قولِه تعالى: ﴿إِنَا
تَمَنَّقَ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِّ أُمْنِيَّتِهِ، فَيَنَسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ مَا يَتِهِ﴾
[الحج: ٥٢] فإنَّ الإلقاءَ في قلبه وفي لسانه وفي عمله من بابٍ واحدٍ والله تعالى
ينسَخُ ما يُلقي الشيطانُ.
ثم قال: والظنُّ لا يُراد به في الكتاب والسنةِ الاعتقادُ الراجحُ كما هو في
اصطلاح طائفةٍ من أهل العلم، ويسمُّون الاعتقادَ المرجوحَ: وهْماً؛ فقد
قال ◌َله: ((إياكم والَّنَّ، فإنَّ الظنَّ أكذبُ الحديث))(٣). وقال سبحانه: ﴿إِنَّ
الَّنَ لَا يُغْنِ مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦] فالاعتقاد المرجوحُ هو ظنّ وهو وهمٌ،
وهذا قد يكون ذنباً يُضعِف الإيمانَ ولا يُزِيله، وقد يكون حديثَ النفس المعفوَّ
عنه كما قال عليه الصلاة والسلام: ((إنَّ الله تعالى تجاوَزَ لأمتي عما حَدَّثَت به
أنفسها ما لم تتكلّم أو تعمل)) (٤). وقد يكون من باب الوسوسة التي هي صريحُ
◌ّ قالوا: يا رسول الله، إنّ
الإيمان؛ كما ثبت في الصحيح أنَّ الصحابة
أحدَنا ليجد في نفسه ما أن يُحرَقَ حتى يصيرَ حمماً أو يخرّ من السماء إلى
الأرض أحبُّ إليه من أن يتكلّم به. قال ◌َله: ((أوَقد وجدتموه))؟ قالوا: نعم.
قال: ((ذلك صريح الإيمان))(٥).
(١) صحيح البخاري (٤٦٩٥)، والسنن الكبرى للنسائي (١١١٩٢).
(٢) كذا ذكر، والصواب أنه تقي الدين ابن تيمية حفيد المجد ابن تيمية، وكلامه في مجموع
الفتاوى ١٧٦/١٣ -١٨٠.
(٣) أخرجه البخاري (٥١٤٣)، ومسلم (٢٥٦٣) من حديث أبي هريرة ـ
(٤) أخرجه البخاري (٥٢٦٩)، ومسلم (١٢٧) من حديث أبي هريرة حبه، وقد سلف ٥٠٥/٣.
(٥) أخرجه أحمد (٩١٦٥)، ومسلم (١٣٢) (٢٠٩) من حديث أبي هريرة څته.

سُؤَةُ ◌ُوسُفَ
٥٢٤
الآية : ١١٠
وفي حديثٍ آخر: إنَّ أحدَنا ليجد ما يتعاظمُ أن يتكلَّمَ به. قال: ((الحمد لله
الذي ردَّ كَيدَه إلى الوَسْوَسَة))(١). ونظيرُ هذا ما صحَّ من قوله نَّهِ: ((نحن أحقُّ
بالشكِّ من إبراهيمَ عليه السلام إذ قال له ربُّه: أو لم تُؤمن؟ قال: بلى ولكن ليطمئنَّ
قَلْبِي))(٢).
فسمَّى النبيُّ وَّ التفاوتَ بينَ الإيمان والاطمئنان شكّاً بإحياء الموتى، وعلى
هذا يقال: الوعد بالنصر في الدنيا لشخص قد يكون الشخصُ مؤمناً بإنجازه ولكن
قد يَضطَرِب قلبُه فيه فلا يطمئنُّ، فيكون فواتُ الاطمئنان ظنّاً أنَّه كَذِبٌ، فالشكُّ
وظنُّ أنه كَذِبٌ من بابٍ واحدٍ، وهذه الأمورُ لا تقدَح في الإيمان الواجب وإن كان
فيها ما هو ذَنْبٌ، فالأنبياء عليهم السلام معصومون من الإقرار على ذلك كما في
أفعالهم؛ على ما عُرِف من أصول السنة والحديث، وفي قَصِّ مثلٍ ذلك عبرةٌ
للمؤمنين بهم عليهم السلام، فإنَّهم لابدَّ أن يُبتَلُوا بما هو أكثر من ذلك فلا ييأسوا
إذا ابتُلُوا، ويعلمون أنه قد ابتُلي مَن هو خيرٌ منهم، وكانت العاقبةُ إلى خيرٍ فيتيقّن
المرتابُ ويتوب المذنبُ ويقوى إيمانُ المؤمن، وبذلك يصحُّ الاتِّساءُ بالأنبياء، ومن
هنا قال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ فِ قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾ [يوسف: ١١١].
ولو كان المتبوعُ معصوماً مطلقاً لا يتأتّى الاتِّساءُ؛ فإنَّه يقول التابعُ: أنا لستُ
من جنسه، فإنَّه لا يُذكَر بذنبٍ، فإذا أذنب استيأس من المتابعة والاقتداءِ لِمَا أتى به
من الذنب الذي يُفسِد المتابعةَ على القول بالعصمة، بخلاف ما إذا علم أنَّه قد وقع
شيءٌ وجُبِر بالتوبة، فإنَّه يصحُّ حينئذٍ أمرُ المتابعة، كما قيل: أولُ مَن أذنب وأجرم،
ثم تابَ ونَدِم أبو البشر آدم:
ومن يُشابِه أبَه فما ظلم(٣)
(١) أخرجه أحمد (٢٠٩٧)، وأبو داود (٥١١٢)، والنسائي في الكبرى (١٠٤٣٤) عن ابن
عباس ﴿هَا بلفظ: جاء رجلٌ إلى النبيّ وَّه، فقال: يا رسول الله، إنِّي أحدِّث نفسي بالشيء
لأن أَخِرَّ من السماء أحبُّ إليَّ من أن أتكلَّمَ به. قال: فقال النبي ◌َّ: ((الله أكبر، الله
أكبر، الله أكبر، الحمد لله الذي ردًّ كيدَه إلى الوسوسة)). واللفظ لأحمد.
(٢) أخرجه البخاري (٣٣٧٢)، ومسلم (١٥١) من حديث أبي هريرة تع له، وسلف ٤٣١/٣.
(٣) الرجز لرؤبة بن العجاج، وقبله: بأَبِهِ اقْتَدَى عَدِيٌّ في الكَرَمْ. وهو في ديوانه ص١٤٨ .

الآية : ١١٠
٥٢٥
سُؤَُّ لُوسُفَ
ولا يلزم الاقتداءُ بهم فيما نُهُوا عنه ووقع منهم ثم تابوا عنه؛ لتحقُّقِ الأمر
بالاقتداء بهم فيما أَقِرُّوا عليه ولم يُنهوا عنه ووقع منهم ولم يتوبوا منه، وما ذُكِر
ليس بدون المنسوخ من أفعالهم، وإذا كان ما أُمِروا به وأُبِيح لهم ثم نُسِخ تنقطع فيه
المتابعةُ، فما لم يُؤمَروا به ووَقَع منهم وتابوا عنه أحرى وأولى بانقطاع المتابعة
فيه(١) . اهـ.
ولا يخفى أنَّ ما ذكره مستلزمٌ لجوازٍ وقوع الكبائر من الأنبياء عليهم
السلام - وحَاشَاهم - من غيرِ أن يُقَرُّوا على ذلك، والقولُ به جهلٌ عظيمٌ، ولا يقدمُ
عليه ذو قلبٍ سليم، على أنَّ في كلامه بعدُ ما فيه، وليته اكتفى بجعل الضمائر
للرسل وتفسير الظنِّ بالتوهُّم كما فعل غيرُه، فإنَّه مما لا بأسَ به، وكذا لا بأسَ في
حملٍ كلامٍ ابن عباس على أنَّه أراد بالظنِّ فيه ما هو على طريق الوسوسة، ومثالها
من حديث النفس؛ فإنَّ ذلك غيرُ الوسوسة المنزَّهِ عنها الأنبياءُ عليهم السلام، أو
على أنَّه أراد بذلك المبالغةَ في التراخي وطول المدَّةِ على طريق الاستعارة التمثيلية
بأن شبه المبالغة في التراخي بظنِّ الكَذِب باعتبار استلزام كلٍّ منهما لعدم ترتّب
المطلوب، فاستعمل ما لأحدهما في الآخر.
وقيل: إنَّ الضمائرَ الثلاثةَ للمرسَل إليهم؛ لأنَّ ذكر الرسل متقاضٍ ذاك، ونظيرُ
ذلك قوله :
وبتُّ إخالُه دُهْماً خِلَاجًا (٢)
أَمِنْكَ البَرْقُ أَرْقُبُه فَهاجًا
فإنَّ ضميرَ ((إخالُه)) للرعد ولم يصرِّح به بل اكتفى بوميض البرق عنه.
وإن شئتَ قلت: إنَّ ذكرَهم قد جرى في قوله تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِى الْأَرْضِ
فَيَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمُ) فيكون الضميرُ للذين من قبلهم ممن كَذَّبَ
الرسُلَ عليهم السلام، والمعنى: ظنَّ المرسَلُ إليهم أنَّ الرسُلَ قد كَذَّبُوهم فيما ادَّعوه
(١) مجموع فتاوى ابن تيمية ١٧٦/١٣ -١٨٠.
(٢) البيت لأبي ذؤيب الهذلي، وهو في ديوان الهذليين ١٦٤/١، وفيه: فَبتُّ. وفي شرح أشعار
الهذليين ١٧٦/١ برواية: ((أوْمَضَ ثم هاجا)) بدل: ((أرقُبُه فهاجَا)). وقوله: أمنك. أي: أمن
شِقِّك هذا البرق. دُهْماً: سُوداً. خِلَاجاً: جمع خَلُوج، وهي من الإبل: التي اختُلِجَت
أولادها عنها، إما بموتٍ أو بذبحٍ، فهي تحِنُّ إلى أولادها.

سُؤَلٌ ◌ُوسُفَ
٥٢٦
الآية : ١١٠
من النبوّة وفيما وَعَدوا به مَن لم يُؤمِن من العقاب. ورُوي ذلك عن ابن عباس
أيضاً؛ فقد أخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور والنسائيُّ وابن جرير وغيرُهم من طُرقٍ
عنه ◌َّه أنه كان يقرأ: (كُذِبُأ) مخفَّفةً ويقول: حتى إذا يئس الرسلُ من قومهم
أن يستجيبوا لهم، وظنَّ قومُهم أنَّ الرسُلَ قَد كَذَبوهم فيما جاؤوا به، جاء الرسُلَ
نصرُنا(١).
وروي ذلك أيضاً عن سعيد بن جبير؛ أخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ربيعة بن
كلثوم قال: حدَّثني أبي أنَّ مسلم بن يسار سأل سعيد بن جبير فقال: يا أبا عبد الله،
آيةٌ قد بلغت مني كلَّ مبلغٍ: (حََّ إِذَا أَسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَنُوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا)، فإنَّ
الموتَ أنْ تظُنَّ الرسلُّ أنَّهم قد كُذِّبوا - مثقّلةً - أو تَظنَّ أنَّهم قُد كُذِبوا مخفَّفة. فقال
سعيد: حتى إذا استيأس الرسلُ من قومهم أن يستجيبوا لهم، وظنَّ قومُهم أنَّ الرسُلَ
كذَبَتْهم، جاءهم نصرُنا. فقام مسلم إليه فاعتنقه وقال: فرَّج الله تعالى عنك
كما فرَّجْتَ عني(٢).
ورُوي أنَّه قال ذلك بمحضر من الضحاك، فقال له: لو رحلتَ في هذه إلى
اليمن لكان قليلاً(٣).
وقيل: ضميرُ (ظَنُّوا)) للمرسَل إليهم، وضميرُ (أَنَّهم)) و((كُذِبوا)) للرسل عليهم
السلام، أي: وظنُّوا أنَّ الرسلَ عليهم السلام أخلَفوا فيما وُعِد لهم من النصر وخُلِط
الأمرُ عليهم.
وقرأ غيرُ واحد من السبعة والحسن وقتادة ومحمد بن كعب وأبو رجاء وابن
أبي مليكة والأعرج وعائشة في المشهور: ((كُذُّبوا)) بالتشديد والبناء للمفعول(٤)،
(١) سنن سعيد بن منصور (١١٤٧ و١١٤٩ - تفسير)، والسنن الكبرى للنسائي (١١١٩٣)،
وتفسير الطبري ٣٨٥/١٣ و٣٨٦، وعزاه السيوطي في الدر ٤١/٤ لأبي عبيد وابن أبي حاتم
وأبي الشيخ وابن مردويه، وهو في تفسير ابن أبي حاتم ٧/ ٢٢١٢.
(٢) تفسير الطبري ٣٨٨/١٣، وعزاه لأبي الشيخ السيوطيُّ في الدر ٤١/٤.
(٣) تفسير الطبري ٣٨٧/١٣-٣٨٨.
(٤) قرأ بها من السبعة ابن كثير وابن عامر ونافع وأبو عمرو كما في التيسير ص ١٣٠، والنشر
٢٩٦/٢، وهي قراءة يعقوب من العشرة، والكلام من البحر ٣٥٤/٥.

الآية : ١١٠
٥٢٧
سُؤَةُ مُوسُفَ
والضمائر على هذا للرسل عليهم السلام، أي: ظنَّ الرسل أنَّ أمَمَهم كَذَّبوهم
فيما جاؤوا به لطول البلاء عليهم فجاءهم نصرُ الله تعالى عند ذلك. وهو تفسيرُ
عائشة ◌ّ الذي رواه البخاري(١) عليه الرحمة. والظنُّ بمعناه، أو بمعنى اليقين،
أو التوهُّم.
وعن ابن عباس ومجاهد والضحاك أنَّهم قَرؤُوا: ((كَذَبُوا)) مخفَّفاً مبنيّاً
للفاعل(٢)، فضمير ((ظَنُّوا)) للأُمم، وضميرُ ((أنَّهم قد كَذَبوا)» للرسل، أي: ظنَّ
المرسَلُ إليهم أنَّ الرسُلَ قد كَذَبوا فيما وعدوهم به من النصر أو العقابِ.
وجوِّز أن يكون ضميرُ ((ظنوا)) للرسل، وضمير ((أنَّهم قد كَذَبوا)) للمرسَل إليهم،
أي: ظنَّ الرسلُ عليهم السلام أنَّ الأمَمَ كذبتهم فيما وعدوهم به من أنَّهم يُؤمِنون،
والظنُّ الظاهرُ - كما قيل - أنَّه بمعنى اليقين.
وقرئ كما قال أبو البقاء: ((كذَّبُوا)) بالتشديد والبناءِ للفاعل، وأوَّلَ ذلك بأنَّ
الرسلَ عليهم السلام ظَنُّوا أنَّ الأمم قد كذَّبوهم في وعدهم هذا(٣).
والمشهور استشكالُ الآية من جهة أنَّها متضمِّنةٌ ظاهراً على القراءة الأولى،
نسبةَ مَا لا يليق من الظنّ إلى الأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام، واستشكل
بعضُهم نسبةَ الاستيئاس إليهم عليهم السلام أيضاً، بناءً على أنَّ الظاهرَ أنَّهم
استيأسوا مما وُعِدوا به وأُخْبِروا بكونه، فإنَّ ذلك أيضاً مما لا يليق نسبتُه إليهم.
وأجيب بأنَّه لا يُراد ذلك، وإنَّما يراد أنَّهم استيأسوا من إيمانِ قومهم.
واعترض بأنَّه يُبعِده عطفُ (وظَتُّوا أنَّهم قد كُذِبوا)) الظاهرُ في أنَّهم ظَنُّوا كونَهم
مکذوبین فیما وعدوا به عليه.
وذكر المجدُ(٤) في هذا المقام تحقيقاً غيرَ ما ذكره أولاً، وهو أنَّ الاستيئاسَ
(١) في صحيحه (٤٦٩٥). وقد سلف ص٥٢٣ من هذا الجزء.
(٢) القراءات الشاذة ص ٦٥، والمحتسب ٣٥٠/١، والمحرر الوجيز ٢٨٧/٣، والبحر ٣٥٥/٥.
(٣) الإملاء ٣٦٣/٣.
(٤) كذا ذكر، والصواب أنه تقي الدين ابن تيمية حفيد المجد، ينظر الفتاوى ١٨٢/١٥
وما بعدها .

سُؤَلُّ لُوسُفَ
٥٢٨
الآية : ١١٠
وظنَّ أنَّهم مكذوبين كِلَيهما متعلِّقان بما ضُمَّ للموعود به اجتهاداً، وذلك أنَّ الخبرَ
عن استيئاسهم مطلَقٌ وليس في الآية ما يدلُّ على تقييده بما وُعِدوا به وأُخبروا
بكونه، وإذا كان كذلك فمن المعلوم أنَّ الله تعالى إذا وَعَد الرسُلَ بنصرٍ مطلقٍ
كما هو غالبُ إخباراته لم يعيِّن زمانَه ولا مكانَه ولا صفتَه، فكثيراً ما يعتقد الناسُ
في الموعود به صفاتٍ أخرى لم يدُلَّ عليها خطابُ الحقِّ تعالى، بل اعتقدوها
بأسبابٍ أخرى، كما اعتقد طائفةٌ من الصحابة ﴿ه إخبارَ النبيِّ وَّ لهم أنَّهم
يدخلون المسجدَ الحرامَ ويطوفون به أنَّ ذلك يكون عامَ الحديبية، لأنَّ النبيَّ وَّه
خرج معتمراً ورجا أن يدخلَ مكةَ ذلك العام ويطوفَ ويسعى.
فلمَّا استيأسوا من ذلك ذلك العامَ لمَّا صدَّهم المشركون حتى قاضاهم عليه
الصلاة والسلام على الصلح المشهور، بقي في قلبٍ بعضِهم شيءٌ حتى قال
عمرُ ظُه مع أنَّه كان من المحذَّثين: ألم تُخبِرنا يا رسول الله، أنَّا ندخُل البيتَ
ونطوف به؟ قال: ((بلى، أفأخبرتُك أنَّك تدخله هذا العام؟)) قال: لا. قال:
(إنَّك داخلُهُ ومُطوِّفٌ به))، وكذلك قال له أبو بكر ◌َظُهُ(١)، فبيَّن له أنَّ الوعدَ
منه عليه الصلاة والسلام كان مطلَقاً غيرَ مقيَّدٍ بوقتٍ. وكونُه بَّ سعى في ذلك
العام إلى مكة وقصَدَها لا يُوجِب تخصيصاً لوعده تعالى بالدخول في تلك
السنة .
ولعله عليه الصلاة والسلام إنما سعى بناء على ظَنَّ أن يكونَ الأمرُ كذلك، فلم
يكن، ولا محذورَ في ذلك، فليس من شرط النبيِّ وَِّ أن يكونَ كلُّ ما قصده، بل
من تمام نعمة الله تعالى عليه أن يأخذَ به عما يقصده إلى أمرٍ آخَرَ هو أنفعُ مما قصده
إن كان؛ كما كان في عام الحديبية.
ولا يضُرُّ أيضاً خروجُ الأمر على خلافِ ما يظنُّه عليه الصلاة والسلام، فقد
رَوى مسلم في صحيحه(٢) أنَّه عليه الصلاة والسلام قال في تأبير النخل: ((إنما ظننتُ
ظنّاً فلا تؤاخذوني بالظنِّ، ولكن إذا حدَّثْتُكم عن الله تعالى شيئاً فخذوا به، فإني لن
أكذبَ على الله تعالى)).
(١) أخرجه البخاري (٢٧٣١) عن المسور بن مخرمة ضـ
(٢) برقم (٢٣٦١).

الآية : ١١٠
٥٢٩
سُؤَدَةٌ تُوسف
ومن ذلك قوله ◌َّ﴿ في حديث ذي اليدين: ((ما قُصِرت الصلاةُ ولا نسيت))(١)،
ثم تبيَّن النسيان. وفي قصة الوليد بن عقبة النازل فيها ﴿إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَّبٍَ فَتَنُوا﴾
الآية [الحجرات: ٦] (٢)، وقصة بني أُبيرِق النازل فيها ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَّكَ الْكِنَبَ بِالْحَقِّ
لِتَحْكُمَ بَيِّنَ النَّاسِ بِمَا أَرَئِكَ اَللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَيِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥](٣) ما فيه
كفايةٌ في العلم بأنه وَِّ قد يظُنُّ الشيءَ فيُبَيِّنه الله تعالى على وجهٍ آخر. وإذا كان
رسول الله صل وهو هو هكذا فما ظنُّك بغيره من الرسل الكرام عليهم الصلاة
والسلام؟
ومما يزيد هذا قوةً أنَّ جمهورَ المحدِّثين والفقهاءِ على أنَّه يجوز للأنبياء عليهم
السلام الاجتهادُ في الأحكام الشرعية، ويجوز عليهم الخطأُ في ذلك، لكن
لا يُقرُّون عليه، فإنَّه لا شكَّ أنَّ هذا دون الخطأ في ظنِّ ما ليس من الأحكام
الشرعية في شيء.
وإذا تحقَّق ذلك فلا يبعُد أن يقال: إنَّ أولئك الرسل عليهم السلام أُخِروا
بعذابٍ قومهم ولم يتعيَّن لهم وقتٌ له، فاجتهدوا وعيَّنُوا لذلك وقتاً حسبما ظهر
لهم، كما عيَّن أصحابُ رسول الله وَّهِ عامَ الحديبية لدخولِ مكة، فلمَّا طالت المدَّةُ
استيأسوا وظنُّوا كَذِبَ أنفسهم وغلطَ اجتهادهم، وليس في ذلك ظنٌّ بكذبٍ وعده
تعالى ولا مستلزماً له أصلاً، فلا محذورَ.
وأنت تعلم أنَّ الأوفقَ بتعظيم الرسل عليهم السلام والأبعدَ عن الحوم حولَ
حمى مَا لا يليق بهم القولُ بنسبة الظنِّ إلى غيرهم صلى الله تعالى عليهم وسلم.
والله تعالى أعلم.
والظاهر أنَّ ضميرَ ((جاءهم)) على سائر القراءاتِ والوجوهِ للرسول. وقيل: إنَّه
راجعٌ إليهم وإلى المؤمنين، أي: جاء الرسلَ ومن آمن بهم نصرُنا .
﴿فَنُبِىَ مَن نَّشَاءٌ﴾ إنجاءَه، وهم الرسلُ والمؤمنون بهم، وإنما لم يعيِّن للإشارة
إلى أنَّهم الذين يستأهِلُون أن يشاءَ نجاتَهم، ولا يشاركهم فيه غیرُهم.
(١) أخرجه البخاري (٤٨٢)، ومسلم (٥٧٣) (٩٩).
(٢) كما سيرد عند تفسير الآية المذكورة.
(٣) سلف عند تفسير الآية المذكورة.

سُاَلُ لُوسُفَ
٥٣٠
الآية : ١١٠
وقرأ عاصم وابن عامر ويعقوب: (فَنُجِىَ) بنون واحدة وجيم مشدّدة وياء
مفتوحة، على أنَّه ماضٍ مبنيٌّ للمفعول، و(مَن) نائب الفاعل(١).
وقرأ مجاهد والحسن والجحدريُّ وطلحة وابن هرمز كذلك إلا أنهم سكّنوا
الياءً(٢)، وخُرِّجت على أنَّ الفعلَ ماضٍ أيضاً كما في القراءة التي قبلها، إلا أنه
سُكِّنت الياءُ على لغةٍ مَن يستثقل الحركةَ على الياء مطلقاً، ومنه قراءة من قرأ:
(ما تطعمون أهاليكم))(٣) بسكون الياء.
وقيل: الأصل: (نُنَجِّي)) بنونين، فأُدغم النونُ في الجيم. وردَّه أبو حيان (٤)
بأنها لا تُدغَم فيها، وتعقّب بأنَّ بعضَهم قد ذهب إلى جواز إدغامها. ورُوِيت هذه
القراءة عن الكسائيّ ونافع(٥).
وقرأت فرقة كما قرأ باقي السبعة بنونين، مضارع ((أَنْجَى))، إلا أنَّهم فتحوا
الياءَ، ورواها هبيرة عن حفص عن عاصم، وزعم ابن عطية (٦) أنَّ ذلك غلطٌ من
هبيرة إذ لا وجه للفتح.
وفيه أنَّ الوجه ظاهر، فقد ذكروا أنَّ الشرط والجزاءَ يجوز أن يأتي
بعدهما المضارعُ منصوباً بإضمار ((أن)) بعد الفاء؛ كقراءةٍ مَن قرأ: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىّ
أَنْقُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] بنصبٍ ((يَغْفِرَ))(٧)،
ولا فرقَ في ذلك بين أن تكون أداةُ الشرط جازمةً أو غيرَ جازمةٍ.
وقرأ نصر بن عاصم وأبو حيوة وابن السميفع وعيسى (٨) البصرة وابن محيصن،
(١) التيسير ص ١٣٠، والنشر ٢٩٦/٢.
(٢) البحر ٣٥٥/٥.
(٣) وهي قراءة جعفر بن محمد الصادق كما في المحتسب ٢١٧/١، والبحر ١٠/٤، وقد تحرَّف
في (م) إلى: أهليكم. والمثبت من الأصل والبحر ٣٥٥/٥.
(٤) في البحر ٥/ ٣٥٥.
(٥) ذكرها عنهما أبو حيان في البحر ٥/ ٣٥٥، والمشهور عنهما ((فننجي)) بنونين مضارع أنجى
كما قرأ باقي السبعة.
(٦) في المحرر الوجيز ٢٨٩/٣.
(٧) وهي قراءة ابن عباس والأعرج وأبي حيوة كما في البحر ٣٦٠/٢.
(٨) بعدها في (م): ((وأهل)).

الآية : ١١١
٥٣١
سُُّ لُوسُفَ
وكذا الحسن ومجاهد في رواية: ((فَنَجًا)) ماضياً مخفَّفاً، و((مَن)) فاعلُه(١).
ورُوي عن ابن محيصن أنه قرأ كذلك إلا أنه شدَّد الجيمَ(٢)، والفاعلُ حينئذٍ
ضميرُ النصر، و(مَن)) مفعولُه.
وقد رجّحت قراءةُ عاصم ومَن معه بأنَّ المصاحفَ اتفقت على رسمها بنون
واحدة. وقال مكي: أكثرُ المصاحف عليه(٣). فأشعَرَ بوقوع خلافٍ في الرسم،
وحكاية الاتفاق نُقلت عن الجعبري وابن الجزري(٤) وغيرهما، وعن الجعبري أنَّ
قراءةً من قرأ بنونين توافِق الرسمَ تقديراً؛ لأنَّ النون الثانية ساكنةٌ مُخفَاة عند الجيم
كما هي مُخفَاة عند الصاد والظاء في ((لننصر)) و((لننظر))، والإخفاءُ لكونه ستراً يشبه
الإدغامَ لكونه تغييباً، فكما يُحذَف عند الإدغام يُحذَف عند الإخفاء، بل هو عنده
أولى لمكان الاتصال.
وعن أبي حيوة أنه قرأ: ((فنُجِّيَ مَن يَشَاء)) بياء الغيبة، أي: مَن يشاءُ الله تعالى
نجاته(٥) .
﴿وَلَا يُرَدُّ بِأَسُنَا﴾ عذابُنَا ﴿عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِنَ (9)﴾ إذا نزل بهم، وفيه بيانٌ لمن
تعلَّق بهم المشيئةُ؛ لأنَّه يُعلم من المقابلة أنَّهم مَن ليسوا بمجرمين. وقرأ الحسن:
(بَاسُهُ)) بضمير الغائب(٦)، أي: بأسُ الله تعالى. ولا يخفى ما في الجملة من
التهديد والوعيد لمعاصري النبيِّ وَله.
﴿لَقَدْ كَانَ فِ قَصَصِهِمْ﴾ أي: قصصٍ الأنبياء عليهم السلام وأُمَمِهم، وقيل:
قصص يوسفَ وأبيه وإخوته عليهم السلام، ورُوي ذلك عن مجاهد، وقيل: قصص
أولئك وهؤلاء، والقَصَصُ مصدرٌ بمعنى المفعول، ورجَّح الزمخشريُّ(٧) الأولَ
(١) القراءات الشاذة ص٦٥، والمحرر الوجيز ٢٨٩/٣، والبحر ٣٥٥/٥.
(٢) المحرر الوجيز ٢٨٩/٣، والبحر ٣٥٥/٥.
(٣) الكشف عن وجوه القراءات ٢/ ١٧ .
(٤) في النشر ٢٩٦/٢.
(٥) المحرر الوجيز ٢٨٩/٣، والبحر ٣٥٥/٥.
(٦) المصدران السابقان.
(٧) في الكشاف ٣٤٨/٢.

سُوءَةُ ◌ُوسُفَا
٥٣٢
الآية : ١١١
بقراءة أحمد بن جبير الأنطاكيّ عن الكسائيِّ وعبد الوارث عن أبي عمرو:
((قِصَصِهم) بكسر القاف (١)، جمع قِصَّة. ورُدَّ بأنَّ قصةَ يوسف وأبيه وإخوته مشتملةٌ
على قصصٍ وأخبار مختلفةٍ، على أنه قد يُطلَق الجمعُ على الواحد، وفيه أنَّه
كما قيل، إلا أنَّه خلافُ المتبادر المعتاد فإنَّه يقال في مثله: قِصَّة، لا قِصَص،
واقتصر ابنُ عطية(٢) على القول الثالثِ، وهو ظاهرٌ في اختياره.
﴿عِبْرَةٌ لِأُوْلِ الْأَلْبَبُ﴾ أي: لذَوي العقول المبرَّأة عن الأوهام الناشئة عن
الإلْفِ والحسِّ. وأصلُ اللُّبِّ: الخالصُ من الشيء، ثم أُطلِقٍ على ما زكا من
العقل، فكلُّ لُبِّ عقلٌ، وليس كلٌّ عقلٍ لُبًّا.
وقال غيرُ واحد: إنَّ اللُّبَّ هو العقلُ مطلقاً، وسمِّي بذلك لكونه خالصَ مَا في
الإنسان مِن قُواه، ولم يَرِد في القرآن إلا جمعاً.
والعِبْرة - كما قال الراغب - الحالة التي يُتَوَصَّلُ بها من معرفة المشاهَد إلى
ما ليس بمشاهَدٍ(٣).
وفي ((البحر)) أنَّها الدلالة التي يُعبَر بها إلى العلم(٤).
﴿مَا كَانَ﴾ أي: القرآنُ المدلولُ عليه بما سبق دلالةً واضحة، واستظهر أبو حيان
عودَ الضمير إلى القصص فيما قبل(٥).
واختار بعضُهم الأولَ؛ لأنَّه يجري على القراءتين، بخلاف عودِه على المتقدِّم
فإنَّه لا يجري على قراءة القِصَص - بكسر القاف - لأنَّه كان يلزم تأنيثُ الضمير.
وجوَّزَ بعضُهم عودَه إلى القَصَص - بالفتح - في القراءة به، وإليه في ضمن
المكسور في القراءة به، وكذا إلى المكسورِ نفسه، والتذكير باعتبار الخبر. وهو
كما ترى.
(١) البحر ٣٥٦/٥.
(٢) في المحرر الوجيز ٢٨٩/٣.
(٣) المفردات (عبر).
(٤) البحر ٣٥٦/٥.
(٥) المصدر السابق.

الآية : ١١١
٥٣٣
سُوَلاَ تُوسُفَ
﴿حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾ أي: يُختَلَق ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ بَدَيْهِ﴾ من الكتب
السماوية ﴿وَتَفْصِيلَ﴾ أي: تبيينَ ﴿كُلِّ شَىْءٍ﴾ قيل: أي: مما يُحتاج إليه في
الدين، إذ ما من أمرٍ دينيٍّ إلا وهو يستند إلى القرآن بالذات أو بواسطةٍ (١).
وقال ابن الكمال: إنَّ(كُلّ)) للتكثير والتفخيم، لا للإحاطة والتعميم كما في
قوله تعالى: ﴿وَأُوِيَّتْ مِن كُلِّ شَهْ﴾ [النمل: ٢٣] ومَن لم يتنبه لهذا احتاجَ إلى
تخصيص الشيء بالذي يتعلَّق بالدين، ثم تكلّف في بيانه فقال: إذ ما من أمرٍ إلخ،
ولم يَدْرِ أنَّ عبارةَ التفصيل لا تتحمَّل هذا التأويلَ.
ورُدَّ بأنَّه متى أمكن حَمْل كلمةِ ((كُلّ)) على الاستغراق الحقيقيِّ لا يُحمَل على
غيره، والتخصيصُ مما لا بأسَ به على أنَّه نفسه قد ارتَكَبَ ذلك في تفسيرِ قوله
تعالى: ﴿وَتَّفْصِيلًا لِكُلِّ شَىْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٤] وكونُ عبارةِ التفصيل لا تتحمَّل ذلك
التأويلَ في حَيِّز المنع.
ومن الناس مَن حمل ((كُلّ) على الاستغراق من غير تخصيصٍ، ذاهباً إلى أنَّ في
القرآن تبيينَ كلِّ شيء من أمور الدين والدنيا وغير ذلك مما شاء الله تعالى، ولكنَّ
مراتبَ التبيين متفاوتةٌ حسب تفاؤُتِ ذَوي العلم، وليس ذلك بالبعيد عندَ مَن له قلبٌ
أو ألقى السمعَ وهو شهيد.
وقيل: المرادُ: تفصيلُ كلِّ شيء واقعٍ ليوسفَ وأبيه وإخوته عليهم السلام
مما يُهْتَمُّ به. وهو مبنيٌّ على أنَّ الضمير في (كان)) لـ ((قصصهم)).
﴿وَهُدَى﴾ من الضلالة ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ يُنال بها خيرُ الدارَين ﴿لِّقَوَّرِ يُؤْمِنُونَ
يُصدِّقون تصديقاً معتدّاً به، وخُصُّوا بالذكر؛ لأنَّهم المنتفعون بذلك. ونصب
(تَصْدِيقَ)) على أنَّه خبرُ ((كان)) محذوفاً، أي: ولكن كان تصديق، والإخبارُ بالمصدر
لا يخفى أمرُه.
وقرأ حُمران بن أعين(٢) وعيسى الكوفة فيما ذكر صاحب ((اللوامح)) وعيسى
(١) تحرف في (م) إلى: بوسط.
(٢) حُمران بن أَعْيَن من كبار قراء الكوفة، عرض عليه حمزة الزيات. توفي سنة بضع وعشرين
ومئة. معرفة القراء الكبار ١/ ١٧١ .

سُوَالأ ◌ُوسُفَ
٥٣٤
التفسير الإشاري (١ -١١١)
الثقفيُّ فيما ذكر ابن عطية: ((تصديقُ)) بالرفع، وكذا برفع ما عُطِف عليه، على
تقدير: ولكنْ هو تصديقُ إلخ(١)، وقد سُمِع من العرب في مثل ذلك الرفعُ
والنصب، ومنه قولُ ذي الرمَّة:
ولا ديةٍ كانت ولا كسبِ مَأْثَم
وما كان مالي من تُراثٍ ورثتُه
(٢)
ولكِنْ عطاءُ الله من كلِّ رحلةٍ
فإنه رُوي بنصب ((عطاء)) ورفعِه.
إلى كلِّ محجوبِ السُّرَدِاقِ خِضْرِمٍ (
هذا والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
ومن باب الإشارة في هذه السورة: قال سبحانه: ﴿نَحْنُ نَقُشُ عَلَيْكَ أَحْسَنَ
اَلْقَصَصِ﴾ وهو اقتصاصُ ما جرى ليوسف عليه السلام وأبيه وإخوته عليهم السلام،
وإنما كان ذلك أحسنَ القَصَص لتضمُّنِهِ ذكرَ العاشق والمعشوق وذلك مما ترتاح له
النفوسُ، أو لِمَا فيه من بيان حقائق محبة المحبِّين، وصفاءِ سرِّ العارفين، والتنبيهِ
على حُسن عواقب الصادقين، والحثّ على سلوك سبيل المتوكّلين، والاقتداء بزهد
الزاهدين، والدلالةِ على الانقطاع إلى الله تعالى، والاعتمادِ عليه عند نزول
الشدائد، والكشفِ عن أحوال الخائنين وقُبحِ طرائق الكاذبين، وابتلاءِ الخَوَاصِ
بأنواع المِحَنِ، وتبديلِها بأنواع الألطاف والمنن، مع ذكر ما يدلُّ على سياسة
الملوك وحالهم مع رعیتھم، إلى غير ذلك.
وقيل: لخُلُوِّ ذلك من الأوامر والنواهي التي يشغل سماعُها القلبَ.
﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَبَتِ إِنِّ رَأَيْتُ أَمَدَ عَشَرَ كَوَّكَبَاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْنُهُمْ لِ
سَيِدِينَ﴾ هذه أوَّلُ مبادي الكشوفِ، فقد ذكروا أنَّ أحوالَ المكاشِفين أوائلُها
المناماتُ، فإذا قَوِي الحالُ تصير الرؤيا كشفاً. قيل: إنَّه عليه السلام قد سُلِك به
(١) البحر ٣٥٦/٥، وكلام ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٨٩/٣.
(٢) ديوان ذي الرمة ١١٨٣/٢، والعقد الفريد ٢٧٦/١، والعمدة ص ٨٥، والمحرر الوجيز
٢٨٩/٣، والبحر ٣٥٦/٥، وجاء صدر البيت الأول في الديوان برواية: نَجائبَ ليست
من مُهُور أُشَابة. والخِضْرِم: الكثير الخير. وأُشَابة: أخلاط، يريد به النساء.

التفسير الإشاري (١ -١١١)
٥٣٥
سُؤَدِلُ بُوسُفَ
نحواً مما سُلِك برسول اللهِ وَ﴿، وذلك أنَّه بُدِىَ بالرؤيا الصادقة كما بُدِئَ
رسولُ اللهِ وَ﴿ بها، فكان لا يرى رؤيا إلا كانت مثلَ فلق الصبح، ثم حُبِّب إليه
الخلاءُ على ما يُشير إليه قولُه: ﴿رَبِّ الِّجْنُ أَحَبُّ إِلَى﴾ كما حُبِّب ذلك إلى رسول الله
عليه الصلاة والسلام، فكان يتحنَّثُ في غار حراء الليالي ذواتِ العدد (١). وفيه أنَّ
حديثَ السجن بعد إيتاءِ النبوّة، فتدَّر.
وذكر بعضُ الكبار أنَّ يوسفَ عليه السلام كان آدمَ الثاني، لما كان عليه من
كسوة الربوبية ما كان على آدم عليه السلام، وهو مُجلَّى الحقِّ للخلق لو يعلمون،
فلمَّا رأت الملائكةُ ما رأت من آدم سجدوا له، وها هنا سجد ليوسف مَن سجد
وهم الشمسُ والقمرُ والكواكبُ المعدودةُ المشارُ بهم إلى أبوَيه وإخوته، الذين هم
على القولِ بنبوَّتهم خيرٌ من الملائكة عليهم السلام، ولا بدْعَ إذ سجدوا لمن يَتَلَأَلأُ
من وجهه الأنوارُ القدسيةُ والأشِعَّة السُّوحِية:
لو يسمعون کما سمعتُ حديثها
خرُّوا لعزَّةَ رَّعاً وسُجُودًا(٢)
وقد يقال: إنَّ إبراهيم عليه السلام لمَّا رأى في وجنة الكواكبِ ونقطة خالٍ
القمر وأَسِرَّةٍ جبين الشمس أماراتِ الحَدَثَان، وصَرَفَ وجهَه عنها متوجّهاً إلى ساحة
القِدم المنزَّهة عن التغيُّر المصونةِ عما يُوجِب النقصَ قائلاً: ﴿إِنِّ بَرِىٌّ مِّمَا تُشْرِكُونَ﴾
[الأنعام: ٧٨]، أَسْجَدَ اللهُ تعالى الشمسَ القمرَ، وأَسْجَدَ بدلَ الكواكب كواكبَ
لبعض بَنِيْه؛ إعظاماً لأمره ومبالغةً في تنزيه جلال الكبرياء، وحيث تأخّرت البراءةُ
إلى الثالثِ تأخّرَ أمرُ الإسجاد إلى ثالث البنين، وليس المقصودُ من هذا إلا بيانَ
بعضٍ من أسرار تخصيصٍ المذكور بالإراءَةِ مع احتمال أن يكونَ هناك ما يصلُحُ أن
يكوّنَ رؤياه ساجداً معبَّراً بسجودِ أبويه وإخوته له عليهم السلام في عالم الحسِّ،
فتدبّره.
﴿قَالَ يَبُنَىَّ لَا نَقْصُصْ رُهْيَكَ عَلَى إِخْوَتِكَ﴾ فيه إشارةٌ إلى بعض آداب المریدین؛
فقد قالوا: إنَّه لا ينبغي لهم أن يُمْشُّوا أسرارَ المكاشفةِ إلا لشُيُوخهم، وإلّا يقعوا في
ورطةٍ، ويكونوا مُرتَهنين بعيون الغيرة:
(١) أخرجه البخاري (٤) من حديث عائشة .
(٢) البيت لكثير عزة، وهو في ديوانه ص١١٣، وسلف ٤٦٣/٩.

سُورَةُ لُوسُفَا
٥٣٦
التفسير الإشاري (١-١١١)
وكذا دماءُ البائحين تُباحُ(١)
بالسرِّ إن باحوا تباحُ دماؤهم
﴿فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا﴾ هذا من الإلهامات المجمَلة وهي إنذاراتٌ وبشاراتٌ،
ويجوز أن يكونَ عَلِم عليه السلام ذلك من الرؤيا؛ قال بعضُهم: إنَّ يعقوبَ دبّر
ليوسف عليهما السلام في ذلك الوقت خوفاً عليه، فؤُكِلَ إلى تدبيره فوقع به ما وقع،
ولو ترك التدبيرَ ورجع إلى التسليم لحُفِظ.
﴿لَقَدْ كَانَ فِ يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ. ءَايَتٌ لِلِسَّآِلِينَ﴾ وذلك كسَوَاطع نورِ الحقِّ من وجهه،
وظُهورِ علم الغيب من قلبه، ومزيدِ الكَرَم من أفعاله، وحُسن عُقبى الصبرِ من
عاقبته، وكسوءِ حالِ الحاسد وعَدَمِ نقضٍ ما أبرمه الله تعالى وغيرٍ ذلك. وقال
بعضُهم: إنَّ من الآيات في يوسفَ عَليه السلام أنَّه حجَّةٌ على كلِّ مَن حَسَّن اللهُ
تعالى خَلْقَه أن لا يشوِّهَه بمعصيته، ومَن لم يُراعِ نعمةَ الله تعالى فعصى كان أشبه
شيء بالكنيف المبيَّض والروث المفضَّض.
وقال ابن عطاء: من الآيات أن لا يسمعَ هذه القصةَ محزونٌ مؤمنٌ بها
إلا استروَحَ وتَسرَّى عنه ما فيه.
﴿وَجَاءُوّ أَبَاهُمْ عِشَآءُ يَبْكُنَ﴾ قيل: إنَّ ذلك كان بكاءَ فرحٍ بظفرِهم بمقصودهم،
لكنَّهم أظهروا أنَّه بكاءُ حُزنٍ على فقدٍ يوسف عليه السلام.
وقيل: لم يكن بكاءً حقيقةً وإنما هو تباكٍ من غير عَبْرةٍ؛ وجاؤوا عشاءً ليكونوا
أجرأَ في الظلمة على الاعتذار، أو ليدلِّسوا على أبيهم ويُوهِموه أنَّ ذلك بكاءٌ حقيقةً
لا تباكٍ، فإنَّهم لو جاؤوا ضحَى لافتضحوا:
إذا اشتَبَكَتْ دموعٌ في خدودٍ تَبَيَّن مَن بَكَى مِمَّن تَبَاكَى(٢)
﴿فَصَبْرٌ جميلٌ﴾ وهو السكونُ إلى موارد القضاءِ سرًّا وعَلَناً.
وقال يحيى بن معاذ: الصبر الجميل أن يتلقَّى البلاءَ بقلبٍ رحيبٍ ووجهٍ
مستبشر.
(١) البيت لشهاب الدين السهروردي يحيى بن حَبَش، وهو في معجم الأدباء ٣١٧/١٩، ووفيات
الأعيان ٦/ ٢٧١.
(٢) البيت للمتنبي، وهو في شرح ديوانه ٣/ ١٣٢، وفيه: إذا اشتَجَعَتْ، بدل: إذا اشتبكت.

٥٣٧
التفسير الإشاري (١-١١١)
وقال الترمذي: هو أن يُلقي العبدُ عنانَه إلى مولاه ويسلِّم إليه نفسَه مع حقيقة
المعرفة، فإذا جاء حكمٌ مِن أحكامه ثبت له مسلِّماً ولا يُظهِر لوروده جزعاً، ولا يرى
لذلك مُغتمّاً. وأنشد الشبلي في حقيقةِ الصبر:
عَبَراتٌ خَطَظْنَ في الخدِّ سَطْرَا فقراه مَن لم يَكُن قطُ يَقْرَا
فصَاحِ المُحِبُّ بالصَّبْرِ صَبْرًا(١)
صَابرَ الصبرَ فاستغاث به الصبرُ
﴿قَالَ بَبُشْرَى هَذَا غُلَمْ﴾ قال جعفر: كان لله تعالى في يوسف عليه السلام سرِّ
فغطّى عليهم موضعَ سرِّه، ولو كشف للسيّارة عن حقيقةِ ما أُودِع في ذلك البدر الطالع
من بُرج دَلْوِهم لَمَا اكتفى قائلُهم بذلك، ولَمَا اتخذوه بضاعةً، ولهذا لمَّا كُشِف للنسوة
بعضُ الأمر قلن: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَّا إِلَّا مَلَكُ كَرِيمٌ﴾ ولجهلهم أيضاً بما أُودِع فيه من
خزائن الغيب باعوه بثمنٍ بخسٍ وهو معنى قوله سبحانه: ﴿وَشَرَوَهُ بِثَمَنٍ نَخْسٍ﴾.
قال الجنيد قدِّس سرُّه: كلُّ مَا وقع تحت العدِّ والإحصاء فهو بخسٌ ولو كان
جمیعَ ما في الکونین، فلا یکن حظّك البخسَ من ربِّك فتمیل إلیه وترضی به دون
ربِّك جلَّ جلالُه.
وقال ابن عطاء: ليس ما باع إخوةٌ يوسف من نفسٍ لا يقع عليها البيعُ بأعجبَ
مِن بَيْع نفسِك بأدنى شهوةٍ بعد أن بِعتَها من ربِّك بأوفر الثمن؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ
اللَّهَ أَشْتَّرَى مِنَ الْمُؤْمِينَ﴾ الآية [التوبة: ١١١] فبيعُ ما تقدَّم بيعُه باطلٌ. وإنَّما باع
يوسفَ أعداؤُه وأنت تبيع نفسَك من أعدائك.
﴿وَقَالَ الَّذِى أَشْتَرَنَهُ مِن مِّصْرَ لِأَمْرَأَذِ: أَكْرِمِ مَثْوَنُهُ﴾ قيل: أي: لا تنظُري إليه نظرَ
الشهوة، فإنَّ وجهَه مرآةٌ تَجَلِّي الحقِّ في العالم. أو: لا تَنْظُرِي إليه بنظرِ العبودية
ولكن انظري إليه بنظر المعرفة لتري فيه أنوارَ الربوبية. أو: اجعلي محبتَه في قلبكِ
لا في نفسك، فإنَّ القلبَ موضعُ المعرفة والطاعةِ، والنفسَ موضعُ الفتنة والشهوة.
﴿عَسَىّ أَنْ يَنفَعَنَآَ﴾ قيل: أي: بأن يُعرِّفَنا منازلَ الصدِّيقين ومراتبَ الروحانيِّين
ويبلِّغنا ببركة صحبته إلى مشاهدة ربِّ العالمين.
(١) البيتان في تاريخ مدينة دمشق ٤٣٣/٥٦، وفيه أنها كانت مكتوبة في عُگّازة مالك بن دينار.
والبيت الثاني في لطائف الإشارات ٥١٥/٢ دون نسبة.

سُوَلاَ تُوسُف
٥٣٨
التفسير الإشاري (١ -١١١)
وقيل: أراد: حَسِّني صحبتَه في الدنيا لعلَّه أن يشفَعَ لنا في العقبى.
﴿وَرَوَدَتْهُ الَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا﴾ حيثُ غلب عليها العشقُ ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَبَ﴾ قَطَعت
الأسبابَ وجَمَعت الهمةَ إليه، أو: غلَّقت أبوابَ الدار غيرةَ أن يرى أحدٌ أسرارَهما.
﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهُ﴾ قال ابن عطاء: هَمَّ شهوةٍ. ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ همَّ زَجْرٍ عما هَمَّت
به بضربٍ أو نحوه.
﴿لَوْلَآ أَنْ زَّمَا بُرْهَنَ رَبٍِّ﴾ وهو الواعظُ الإلهيُّ في قلبه ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ
الشُّوَءَ﴾ الخواطرَ الرديئةَ ﴿وَالْفَحْشَآءُ﴾ الأفعالَ القبيحة.
وقيل: البرهانُ هو أنَّه لم يُشاهِد في ذلك الوقت إلا الحقَّ سبحانه وتعالى.
وقيل: هو مشاهدةُ أبيه يعقوبَ عليه السلام عاضًّا على سبَّابته، وجَعَل ذلك
بعضُ أجلَّة مشايخنا أحدَ الأدلَّة على أنَّ للرابطة المشهورة عند ساداتنا النقشبندية
أصلاً أصيلاً. وهو على فرض صحَّته بمراحلَ عن ذلك.
﴿وَأَسْتَبَقَا أَلْبَابَ﴾ فراراً من محلِّ الخطر. قيل: لو فرَّ إلى الله تعالى لكفاه ولَمَا
ناله بعدُ ما عناه.
﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَّآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾ نفت عن نفسِها
الذنبَ؛ لأنَّها عَلِمت إذ ذاك أنَّها لو بيَّنت الحقَّ لقُتِلَت وحُرِمَت من حلاوة محبَّة
یوسفَ والنظر إلى وجهه:
نِحُبِّك أحبَبْتُ البقاءَ لمُهْجَتي
فلا طال إن أعرضتَ عني بقائِيًا
وإنَّما عرَّضَت بنسبة الذنبِ إليه لعِلْمِها بأنَّه عليه السلام لم يبقَ في البؤس،
ولا يقدِرُ أحدٌ على أن يؤذيَه لِمَا أنَّ وجهَه سالبُ القلوب وجالبُ الأرواح:
يُميت بها ويُخْبِي مَن يُريدُ
له في طَرْفه لَحَظاتُ سحرٍ
كأنَّ العالمينَ له عَبِيدُ(١)
ويَسْبي العالمين بمُقْلَتَيه
(١) البيتان في المحاسن والأضداد ص١٥٦ دون نسبة، وفيه: فكُلُّ. بدلَ: كأنَّ. وهي في تاريخ
مدينة دمشق ٦٣/٦٦، وطبقات الصوفية للسلمي ص ٣٤٧ ونسبت لأبي بكر الشبلي. ورواية
الجميع بصيغة التأنيث في البيتين. أي: لها في طَرْفها لَحَظَات سحرٍ ... إلخ.

التفسير الإشاري (١-١١١)
٥٣٩
سُؤَالُ لُوسُفَ
وقال ابن عطاء: إنَّها إذ ذاك لم تستغرق في محبَّته بعدُ، فلذا لم تُخبِر بالصدق
وآثرت نفسَها عليه، ولهذا لمَّا استغرقت في المحبة آثرت نفسَه على نفسها فقالت:
﴿اٌلْفَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ الآية.
ثم إنَّه عليه السلام لم يَسَعْه بعد تهمتها له إلا الذبَّ عن ساحة النبوَّة التي هي
أمانةُ الله تعالى العُظمى، فقال: ﴿هِىَ رَوَدَتْنِ عَن نَّفْسِىَّ﴾ وإلا فاللائقُ بمقام الكرم
السكوتُ عن جوابها لئلا يفضَحَهَا .
وقيل: إنَّها لمَّا اذَّعت محبةَ يوسف وتبرَّأت منها عندَ نزول البلاء أراد يوسفُ
عليه السلام أن يُلزِمها ملامةَ المحبة، فإنَّ الملامةَ شعارُ المحبِّين، ومَن لم يكن
ملوماً في العشق لم يكن متحقِّقاً فيه.
﴿إِنَّ كَذَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ عَظُم كيدُهن؛ لأنَّهن إذا ابتُلِين بالحبِّ أظهرن مما يجلِبُ
القلبَ ما يعجَزُ عنه إبليسُ، مع مساعدةِ الطبيعة إلى الميل إليهنَّ وقوَّةِ المناسبة بين
الرجال وبينهنَّ، كما يشيرُ إليه قولُه تعالى: ﴿خَلَّكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾
[النساء: ١] فما في العالم فتنةٌ أضرُّ على الرجال من النساء.
﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبَّا﴾ قال الجنيد قدِّس سرُّه: الشغَفُ أن لا يرى المحبُّ جفاءٍ(١)
له جفاءً، بل يراه عدلاً منه ووفاءً:
وتعذيبُكم عَذْبٌ لديَّ وجَوْرُكُم
عليَّ بما يَقْضِي الهوَى لَكُمُ عَدْلُ(٢)
﴿إِنَّا لَهَا فِ ضَلٍ تُبِينٍ﴾ قال ابن عطاء: في عشقٍ مُزعِجٍ.
﴿فَمَّا رَأَيْتَهُ: أَكْبِّنَهُ﴾ عظّمْنَه لِمَا رأين في وجهه نورَ الهيبة ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾
الاستغراقِهن في عظمتِه وجلالِه. ولعلَّه كَشَفَ لهنَّ مالم يَكْشِف لزليخا. قال ابن
عطاء: دُهِشْن في يوسف وتحيَّرْنَ حتى قطَّعْنَ أيديَهُنَّ، ولم يشعُرن بالألم، وهذه
غلبةُ مشاهَدةِ مخلوقٍ لمخلوقٍ، فكيف بمَن يحظى بمشاهدةٍ مِن الحقِّ، فينبغي أن
لا يُنكَرِ عليه إن تغيَّر وصَدَر عنه ما صَدَر.
(١) كذا، ولعل المعنى: جفاء المحبوب.
(٢) البيت لابن الفارض، وهو في ديوانه ص ١٣٥ .

سُؤَةُ بُوسُفَ
٥٤٠
التفسير الإشاري (١-١١١)
وأعظَمُ مِن يوسف عليه السلام في هذا الباب عندَ ذَوي الأبصار السليمةِ النورُ
المحمديُّ المنقَدِحُ من النور الإلهيِّ، والمتشَعْشِعُ في مشكاة خاتم الرسل عليه
الصلاة والسلام، فإنَّه لعَمْرِي أبو الأنوار، وما نورُ يوسفَ بالنسبة إلى نوره عليه
الصلاة والسلام إلا النجمُ وشمسُ النهار:
لآثَرْنَ بالقطع القلوبَ على الأيدي(١)
لواحي زليخا لو رَأَيْن جبينَه
وقلن: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ قُلن ذلك إعظاماً له عليه السلام من
أن يكونَ من النوع الإنسانيّ. قال محمد بن عليٍّ ﴿ها: أردن: ما هذا بأهلِ أن
يُدْعى إلى المباشرة، بل مثلُه مَن يُكرَّم ويُنزَّه عن مواضع الشُّبَه. والأول أوفق
بقولها: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِى لُمْتُتَنِى فِيَّةِ﴾ أرادت: إنَّ لَوْمكُنَّ لم يقع في محزّه، وكيف يُلام
مَن هذا محبوبُه، وكأنَّها أشارت إلى أنَّها مجبورةٌ في ذلك الوَلَه، معذورةٌ في مزیدِ
حبِّها له:
خليلَيَّ إِنِّي قلتُ بالعَدْلِ مرةً ومُنْذُ علاني الحُبُّ مذهبي الجَبْرُ
وفي ذلك إشارةٌ أيضاً إلى أنَّ اللومَ لا يصدرُ إلا عن خَليٍّ، ولذا لم تُعاتِبْهن
حتی رأت ما صنع الهوی بهنَّ. وما أحسن ما قيل:
ضحكتُ وهم يَبْكُون في حَسَرَاتٍ
و کنتُ إذا ما حدَّثَ الناسُ بالھوی
تلقَّيتُهم بالنوح والعَبَرات
فصرتُ إذا ما قيل هذا متيَّمٌ
وقال سلطان العاشقين :
فإذا عَشِفْتَ فَبِعْدَ ذلك عَنِّفٍ(٢)
دَعْ عَنْك تعنيفي وذُقْ طَعْمَ الهوى
﴿قَالَ رَبِّ الِجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَا يَدْعُونَبِىّ إِلَيْهِ﴾ قيل: لأنَّ السجنَ مقامُ الأنس
والخلوةِ والمناجاةِ والمشاهداتِ والمواصلات، وفيما يدعونه إليه ما يُوجِب البعدَ
عن الحضرةِ والحجابَ عن مشاهدةِ القربة.
(١) البيت في ديوان العشاري حسين بن علي البغدادي ص٤٨٨ منسوب للسيدة عائشة فة
وقوله: لواحي، أي: لوائم، من لحى فلاناً: إذا عذله ولامه. ينظر معجم متن اللغة
(لحي).
(٢) البيت لابن الفارض، وهو في ديوانه ص ١٥٣ .